فهرست عناوين فهرست آيات فهرست اشعار
مقالات الاصول ج 1

1


2

3

مجمع الفكر الاسلامي

12

تأليف

المحقق الاصولي الكبير آية الله العظمى

الشيخ ضياء الدين العراقي قدس سره

( 1278 - 1361 هق )

الجزء الأول

تحقيق

الشيخ محسن العراقي

السيد منذر الحكيم


4

مجمع الفكر الاسلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة

مجمع الفكر الاسلامي

قم - ص . ب . 3654 / 37185

الهاتف : 28868

الكتاب : مقالات الاصول / ج 1

المؤلف : الشيخ ضياء الدين العراقي قدس سره

تحقيق : الشيخ محسن العراقي / السيد منذر الحكيم

الناشر : مجمع الفكر الاسلامي

الطبعة : المحققة الاولى / 1414 ه‍ ق .

تنضيد الحروف : مؤسسة الكلام

الاخراج الفني : حمزه نجفي

ليتوغرافي : تيزهوش

المطبعة : باقري

الكمية المطبوعة : 1000 نسخة

فهرست عناوين
كلمة المجمع7
حياة المحقق العراقي قدس سره 7
كلمة المجمع 9
حياة المحقق العراقي قدس سره 15
     نشأته العلمية :15
      أخلاقه : 18
      مواهبه العقلية :18
      تلاميذه :20
      آثاره العلمية : 23
     وفاته : 25
المقالة الاولى29
     فيما يتعلق بالعلم موضوعا وغاية وتعريفا 29
[ المقالة الاولى ] 31
     [ فيما يتعلق بالعلم موضوعا وغاية وتعريفا ]31
      [ موضوع علم الاصول ]52
      [غرض مسائل علم الاصول ]53
المقالة الثانية 57
      حقيقة الوضع57
[ المقالة الثانية ] 59
     [ في حقيقة الوضع ] 59
المقالة الثالثة 69
     اقسام الوضع69
[ المقالة الثالثة ]71
      [ في أقسام الوضع ]71
المقالة الرابعة 81
     المعاني الحرفية81
[ المقالة الرابعة ]83
     المعاني الحرفية83
المقالة الخامسة 107
     وضع المركبات107
[ المقالة الخامسة ] 109
     [ وضع المركبات ]109
المقالة السادسة 111
     علامات الحقيقة والمجاز111
[ المقالة السادسة ]113
     علامات الحقيقة والمجاز113
المقالة السابعة117
      حقيقة الدلالة واقسامها117
[المقالة السابعة ]119
      حقيقة الدلالة وأقسامها119
المقالة الثامنة 123
     تعارض الاحوال123
[ المقالة الثامنة ]125
      تعارض الأحوال125
المقالة التاسعة129
      الحقيقة الشرعية129
[ المقالة التاسعة ] 131
     الحقيقة الشرعية131
المقالة العاشرة 135
     الصحيح والاعم135
[ المقالة العاشرة ]137
     [ الألفاظ المستعملة في الماهيات المخترعة ] 137
المقالة الحادية عشر 157
     استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى157
[ المقالة الحادية عشرة ]159
     [ استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى ] 159
المقالة الثانية عشرة171
     المشتق171
[ المقالة الثانية عشرة ]173
     [ المشتق ] 173
     بقي التنبيه على امور : 188
المقالة الثالثة عشر203
     شرح مادة الامر203
[ المقالة الثالة عشرة ]205
     [ شرح مادة الأمر ]205
      [ بحث فيالطلب والارادة ]209
المقالة الرابعة عشر219
     وضع صيغة الامر219
[ المقالة الرابعة عشرة ] 221
     وضع صيغة الأمر 221
المقالة الخامسة عشر 227
     اطلاق الامر أو الخطاب هل يقتضي التوصلية227
[ المقالة الخامسة عشرة ]229
     اطلاق الأمر أو الخطاب هل يقتضي التوصلية أم لا ؟229
المقالة السادسة عشر247
      المرة والتكرار247
[ المقالة السادسة عشرة ] 249
     ان صيغ الأوامر هل تقتضي الاتيان بالمأمور به مرة ؟ 249
المقالة السابعة عشر 255
     الفور والتراخي255
[ المقالة السابعة عشرة ] 257
     [ في الفور والتراخي ] 257
المقالة الثامنة عشر259
      الاجزاء259
[ المقالة الثامنة عشرة ] 261
     [ في الاجزاء ]261
     [ المقام الثالث : إجزاء الظاهري عن الواقعي ]280
المقالة التاسعة عشر 287
     مقدمة الواجب287
المقالة التاسعة عشرة 289
     [ في وجوب مقدمة الواجب ]289
      [ الوجوب المطلق والمشروط ]309
     خاتمة في بيان ثمرة المسألة 334
المقالة العشرون 337
     الامر بالشئ هل يقتضي النهي عن ضده337
[ المقالة العشرون ]339
     أن الأمر بالشئ هل يقتضي النهي عن ضده أم لا ؟ 339
المقالة الواحدة والعشرون345
      شرح مفاد النهي345
[ المقالة الواحدة والعشرون ] 347
     " في شرح مفاد النهي"347
المقالة الثانية والعشرون 351
     اجتماع الامر والنهي 351
[ المقالة الثانية والعشرون ] 353
     ( جواز اجتماع الامر والنهي في واحد يكون مجمع الخطابين ) 353
     [ المقام الأول ]356
     [ المقام الثاني ] 359
     وينبغي التنبيه على أمور : 364
المقالة الثالثة والعشرون381
     النهي هل يقتضي الفساد 381
[ المقالة الثالثة والعشرون ] 383
     أن النهي عن شئ هل يقتضي الفساد أو لا ؟ 383
المقالة الرابعة والعشرون 393
     المفهوم والمنطوق 393
[ المقالة الرابعة والعشرون ]395
     المفهوم والمنطوق 395
المقالة الخامسة والعشرون 403
     مفهوم الشرط 403
[ المقالة الخامسة والعشرون ]405
     البحث عن مفهوم الشرط 405
المقالة السادسة والعشرون 409
     مفهوم الوصف 409
[ المقالة السادسة والعشرون ]411
     مفهوم الوصف 411
المقالة السابعة والعشرون 413
     مفهوم الغاية 413
[ المقالة السابعة والعشرون ] 415
     مفهوم الغاية 415
المقالة الثامنة والعشرون 419
     مفهوم الحصر 419
[ المقالة الثامنة والعشرون ] 421
     مفهوم الحصر421
المقالة التاسعة والعشرون 423
     مفهوم العدد 423
[ المقالة التاسعة والعشرون ]425
     [ مفهوم العدد ] 425
المقالة الثلاثون 427
     العموم والخصوص 427
[ المقالة الثلاثون ] 429
     العموم والخصوص 429
المقالة الواحدة والثلاثون 435
     حجية العام المخصص 435
[ المقالة الواحدة والثلاثون ] 437
     [ في حجية العام المخصص ] 437
المقالة الثانية والثلاثون 447
     التمسك بالعام لتعيين مشكوك المصداقية447
[ المقالة الثانية والثلاثون ]449
     [ التمسك بالعام لتعيين مشكوك المصداقية ] 449
المقالة الثالثة والثلاثون 453
     عدم حجية الاصول الحكمية قبل الفحص 453
[ المقالة الثالثة والثلاثون ]455
المقالة الرابعة والثلاثون457
      شمول الخطابات الشفاهية للغائبين والمعدومين 457
[ المقالة الرابعة والثلاثون ] 459
     [ شمول الخطابات الشفاهية للغائبين والمعدومين ] 459
المقالة الخامسة والثلاثون465
      تعقب العام ضمير يرجع الى بعض افراده 465
[ المقالة الخامسة والثلاثون ] 467
     [ تعقب العام ضمير يرجع إلى بعض أفراده ] 467
المقالة السادسة والثلاثون 469
     تخصيص العام بالمفهوم 469
[ المقالة السادسة والثلاثون ] 471
     [ تخصيص العام بالمفهوم ] 471
المقالة السابعة والثلاثون 473
     تعقب الاستثناء للجمل المتعددة 473
[ المقالة السابعة والثلاثون ] 475
     [ تعقب الجمل الاستثناء ]475
المقالة الثامنة والثلاثون 479
     الدوران بين تخصيص العام ونسخه 479
[ المقالة الثمانة و الثلاثون ] 481
     [ في الدوران بين تخصيص العام ونسخه ] 481
المقالة التاسعة والثلاثون 489
     المطلق والمقيد 489
[ المقالة التاسعة والثلاثون ] 491
     المطلق والمقيد 491
      تنبيهات 504
المقالة الاربعون 511
     اقسام المطلق والمقيد 511
[ المقالة الأربعون ] 513
     [ في أقسام المطلق والمقيد ] 513
خاتمة 517
     في المجمل والمبين 517
خاتمة 519
     ( المجمل والمبين )519

5

بسم الله الرحمن الرحيم


6

7

كلمة المجمع

و

حياة المحقق العراقي قدس سره

8

9

كلمة المجمع

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين .

يمثل علم الاصول الأداة التي يستخدمها المجتهد الفقيه لاستنباط الحكم الشرعي . وإذا كان من الطبيعي أن يتطلب التطور الفقهي تطورا في أساليب ومناهج الإستنباط ، إتضحت ضرورة تطور الفكر الاصولي تبعا للحاجات المستجدة في المجتمع البشري والتي تستدعي بدورها تطور الأجوبة الفقهية التي تقدم الحلول اللازمة لتلك الحاجات .

ومن هنا يتجلى لنا أن علم الاصول ليس كما قد يتوهمه البعض مما لاصلة له بمشاكل الحياة الإنسانية وتطوراتها ومستجداتها .

ولئن كان علم الفقه يمثل دورا أساسيا في حياة الإنسان بما يقدمه من أجوبة وحلول لمشاكل الإنسانية المتطورة على مر الزمن ، فإن لعلم الاصول دورا رئيسيا في إمداد علم الفقه بالعناصر والمقومات التي تمكنه من إنجاز مهمته الكبرى في حل مشاكل الإنسانية المتطورة ومواكبة مستجداتها ومتغيراتها .

ومنذ ان أغلقت سائر المذاهب الفقهية السائدة بين المسلمين - غير مذهب أهل البيت عليهم السلام - على أنفسها أبواب الإجتهاد والذي خلف آثارا واضحة من الجمود والركود وسبب لها كثيرا من الفشل والإخفاق في مواجهة المشاكل المستجدة . بدأت شمعة الفكر الاصولي في تلك المذاهب يتضاءل نورها


10
حتى خمد ، وتحول علم الاصول لديها إلى تاريخ لمسائل علم استنفد أغراضه ، وانقضى دوره ، وولى عصره .

وأما في مذهب أهل البيت عليهم السلام وبفضل التخطيط الحكيم والبعيد المدى الذي قام به أئمة أهل البيت عليهم السلام في الإعداد لمرحلة الغيبة الكبرى وتصدي الفقهاء لقيادة الامة فكريا وعمليا ، فقد أخذت دائرة التفكير الفقهي بالإتساع ، وأخذت مناهج الإستدلال الفقهي تتطور على مر الزمن ، فكانت المرحلة الاولى من تطور الفكر الاصولي أن تحول إلى علم مستقل عن الفقه بعد أن كانت مسائله تبحث ضمن مسائل علم الفقه ، فأصبح علما مستقلا له قواعده ومصطلحاته ، واستمر تطور علم الاصول في إطار التفكير الشيعي - بعد أن فقد قابلية التطور والنمو في ظل المذاهب الاخرى - إلى القرن الحادي عشر الهجري إذ ظهرت الحركة الأخبارية التي كادت أن تعصف بحيوية التفكير الفقهي في مذهب أهل البيت عليهم السلام ، لولا المواجهة الرشيدة الصارمة التي قامبها أبطال التفكير الاصولي وعلى رأسهم الوحيد البهبهاني قدس سره ، إذ تصدى للحركة الأخبارية وفند مزاعمها وأبطل شبهاتها ، فانتقل التفكير الاصولي وبفضل مقاومة الوحيد البهبهاني وأتباع مدرسته لحركة المضادة إلى مرحلة جديدة من التطوير والإبداع يمكن أن تعتبرها ولادة جديدة للتفكير الاصولي ، لما نجده من عمق واتساع التغيير الذي طرأ على التفكير الاصولي بعد هذا التاريخ .

وقد استمر الإبداع في التفكير الاصولي على يد زعماء المدرسة الاصولية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين ، ويمكن إعتبار الشيخ الأنصاري أبرز زعماء التجديد في التفكير الاصولي بعد عصر الوحيد البهبهاني إلى أوائل القرن الرابع عشر الهجري .

وجاء القرن الرابع عشر الهجري جالسا على مائدة الفكر الاصولي


11
الذي ورثه من مدرسة الشيخ الأنصاري ، وقد كان أبرز تلامذة الشيخ الأنصاري تأثيرا على الفكر الأصولي بعد زمن الشيخ الأنصاري هو المحقق الآخوند الخراساني صاحب الكفاية الذي لم يقنع بما ورثه من الإبداع والتجديد في مدرسة استاذه الأنصاري حتى أكمل مسيرة التجديد بنظرياته وآرائه التي جمعت بين الدقة والمتانة والإبداع .

هذا والحق أن التفكير الاصولي في تأريخه الملئ بالتجديد والإبداع لاسيما في القرون الثلاثة الأخيرة ، إنما بلغ ذروة الكمال في العصر الذي تلا عصر الآخوند ، وعلى يد أبطال المدرسة الاصولية الحديثة الثلاثة ، وهم : آيات الله الكبرى :

1 - المحقق الميرزا حسين النائيني .

2 - والمحقق الشيخ محمد حسين الإصفهاني .

3 - والمحقق الآقا ضياء الدين العراقي قدس الله أسرارهم .

إذ فتحت على أيديهم آفاق جديدة من مسائل هذا الفن وقوي استحكام مبانيه ، وجاؤوا بنظريات وآراء جديدة في مختلف أبواب هذا العلم حتى جعلوا منه علما قوي المباني راسخ الدعائم قادرا على استيعاب مستجدات الفقه الإسلامي وإمداده بمناهج الإستدلال وطرائق التفكير ، رغم تطورات الحياة المعاصرة واتساع آفاقها وتعقيد مسائلها واختلاف مشاكلها .

ولكل من هؤلاء الأبطال الثلاثة من زعماء المدرسة الاصولية الحديثة منهجيته وطريقته الخاصة التي يتميز بها عن قرينيه ، والتعرف على تفاصيل هذه المميزات بحاجة إلى دراسات معمقة ومطولة تنفذ إلى عمق آرائهم ونظرياتهم وتلتمس الدقائق الخفية على الأكثرين من أسرار كلماتهم وأقوالهم ، غير أن هناك سمات مشتركة في تفكير هؤلاء الأعلام من أهمها :

1 - المنهجية .


12

2 - الدقة .

3 - التجديد .

ونجد هذه السمات الثلاثة بارزة في مدرسة المحقق الآقا ضياء الدين العراقي ، في كل مفردة من مفردات تفكيره الاصولي ، فمن المنهجية الرائعة التي لا يتخلف عنها ، إلى الدقة المنقطعة النظير والتي قل أن تفوتها صغائر المحتملات في كل مسألة تصدى لدراستها ، إلى التجديد المستوعب حتى ليمكن القول إنه لا تكاد تستثنى مسألة اصولية من محاولة جديدة إما في المضمون أو في طريقة العرض ، كل هذه سمات بارزة على تفكير مدرسة المحقق العراقي قدس الله سره .

وكتاب المقالات - الذي بين أيدينا - هو الكتاب الذي يجمع آخر ما توصلت إليه المدرسة العراقية في التفكير الاصولي ويعد من أهم مصادر الفكر الاصولي المعاصر ، وقد كانت تحول دون الاستفادة الكاملة من هذا الكتاب عوامل منها : تعقيد العبارة ، ومنها الطباعة غير الفنية والمليئة بالأخطاء الفاحشة المغيرة للمعنى ، والتي كانت في كثير من مواردها تزيد تعقيد العبارة تعقيدا يجعل الوصول إلى المعنى المراد شبه المستحيل ، وقد بذل فضيلة حجة الإسلام الشيخ محسن العراقي وفضيلة السيد منذر الحكيم جهدا كبيرا في سبيل تصحيح متن الكتاب عن طريق عرض نسخته على النسخ المصححة تحت إشراف المصنف نفسه وبأيدي الموثوقين من تلاميذه ، وتقطيع عبائره بالشكل الذي يسهل للمراجعين فهم النص ، والتعليق عليه في بعض الموارد التي اقتضت المناسبة أو الضرورة توضيح ما أغلق من المتن .

وقد تصدى مجمع الفكر الإسلامي لعرض هذا الأثر العلمي القيم بالشكل الذي يتناسب والمكانة التي يحتلها في عالم الفكر ، شاكرا المولى سبحانه وتعالى على هذا التوفيق وآملا منه سبحانه الرضا وحسن القبول . ولا يسعنا إلا أن نتقدم لسماحة حجة الإسلام والمسلمين الشيخ محمد مهدي الآصفي دام عزه


13
بجزيل الشكر لما أتحفنا به من دراسة عن حياة المحقق العراقي قدس سره راجين منه تعالى له ولسائر الإخوة الذين شاركونا في حسن الإخراج دوام التوفيق وحسن القبول إنه سميع مجيب .

مجمع الفكر الإسلامي

16 من ذي الحجة 1412 ه . ق


14

15

حياة المحقق العراقي قدس سره

1278 - 1361

نشأته العلمية :

ضياء الدين علي بن المولى محمد العراقي ، ولد في سلطان آباد العراق سنة 1278 في بيت علم وكان والده المولى محمد العراقي من الفقهاء الأجلاء كما يقول الشيخ آقا بزرك في ترجمته له في نقباء البشر ( 1 ) وقد اجيز ( والده ) من السيد شفيع الجابلاقي .

درس على والده بدء الأمر كما درس على لفيف من شيوخ بلده وكان والده أول أساتذته وشيوخه في العلم ، ثم هاجر من مسقط رأسه ( أراك : العراق ) إلى إصفهان وأقام فيها للدراسة ، درس متون اصول الفقه والفقه والكلام على السيد ميرزا محمد هاشم الجهارسوقي والميرزا أبي المعالي الكلباسي والآخوند الكاشي . ثم هاجر إلى النجف الأشرف لإكمال دراسة مسائله الفقهية والاصولية وقد حدثني تلميذه المحقق الفقيه الشيخ ميرزا هاشم الآملي حفظه الله أنه جاء إلى النجف الأشرف مجتهدا حضر فيها على كبار شيوخها وفقهائها وأساتذتها فحضر أبحاث السيد محمد الفشاركي الاصفهاني ثم حضر دروس الميرزا حسين الخليل والآخوند الخراساني ( صاحب الكفاية ) والسيد محمد كاظم اليزدي وشيخ الشريعة الاصفهاني .

( 1 ) نقباء البشر : 956 .


16

وقد لمع إسمه في فضلاء عصره في بحث المحقق الخراساني . يقول الشيخ آقا بزرك الطهراني رحمه الله وهو من زملائه يومئذ في درس الآخوند : ( ولا أزال أتذكر جيدا إنه كان من أجلاء تلامذة شيخنا الخراساني وكبارهم ومن مدرسي السطوحالمعروفين يومذاك ) ( 1 ) .

وتصدى للتدريس للسطوح العليا وخارج الفقه والاصول - كما حدثني تلميذه الشيخ ميرزا هاشم الآملي ( حفظه الله ) - ستين سنة واشتغل في التدريس على منبر الدراسات العليا ( بحث الخارج ) أكثر من ثلاثين سنة بعد وفاة استاذه الشيخ محمد كاظم الخراساني سنة 1329 . وبرز في التدريس ، وكان مجلس درسه حافلا بفضلاء عصره لما به من دقة الرأي وعمق النظر وسداد التفكير وسلامة الذوق الفقهي والإحاطة بكلمات الفقهاء والفهم أو المنهجية في البحث وعذوبة البيان وطلاقة المنطق . وكان كل ذلك يحببه إلى تلاميذه فيؤثرون درسه على كثير من دروس معاصريه من مشايخ النجف وفقهائها وكان رحمه الله متميزا في مجلس درسه بإفساح الفرصة للطلاب في المناقشة الحرة ولم يكن صدره ضيقا بمناقشة طلابه . وكان طلبته يجدون في سعة صدره فرصة مناسبة لطرح مناقشاتهم بصورة حرة مع شيخهم في مجلس الدرس وكانت تنقل هذه المناقشات والمطارحات من الشيخ وتلاميذه نكات طريفة كان يتفكه بها طلبة العلم في مجالسهم الخاصة يومئذ في النجف الأشرف ولا تزال بعض هذه النكات عالقة في ذاكرة شيوخ العلم في النجف وقم الى اليوم الحاضر . ت

خرج على يده اكثر من ثلاثة آلاف من الفقهاء والمجتهدين ومراهقي الإجتهاد والفضلاء كما حدثني بذلك المحقق الآملي حفظه الله . ومن أبرز تلاميذه الذين تخرجوا من مجلس درسه وبرزوا في الأوساط الدينية والسياسية والفقهية

( 1 ) نقباء البشر : 957 .


17
والتدريس والتأليف والتحقيق :

السيد عبد الهادي الشيرازي والسيد محسن الحكيم والسيد أبو القاسمالخوئي والشيخ محمد تقي الآملي والشيخ محمد تقي البروجردي والسيد ميرزا حسن البجنوردي والشيخ عبد النبي العراقي والسيد يحيى اليزدي والميرزا هاشم الآملي والسيد أحمد الخونساري والسيد اليثربي والسيد محمود الشاهرودي والشيخ موسى الخونساري والشيخ حسين الحلي والسيد عبد الله الشيرازي وآقا بزرك الشاهرودي وغيرهم من فقهاء العصر وقد تولى جمع منهم مرجعية الطائفة وزعامتها في عصره وسوف نأتي بقائمة بأسماء أشهر وأبرز تلاميذه .

درس الاصول عدة دورات ودرس الفقه دورة كاملة تقريبا ، وقليل من الفقهاء من تمكن من تدريس الفقه دورة كاملة .

وكان من عادته رحمه الله أن يكتب ما يدرسه فدرس مرات عديدة وكتبها كل مرة كما كتب المكاسب عدة مرات وكتب الرضاع مرتين .

كان من مراجع عصره ورجع إليه جمع من المؤمنين في العراق وايران وقد علق على رسالة الشيخ عبد الله المازندراني العملية ، وطبعت تعليقته العملية لتنبيه امور المقلدين الذين يرجعون إليه في التقليد ولكنه بقي بعيدا عن أجواء الزعامة الدينية وآثر أن يتفرغ للعلم والتحقيق وقد آتاه الله تعالى ما يريد وفتح عليه فتوحا جليلة في الفقه والاصول واستمر في التدريس إلى آخر عمره . ولما غلبه الضعف اخريات حياته لم يحب أن ينقطع عن التدريس فكان يركب من بيته الى مجلس درسه العامر في جامع الشيخ الطوسي في النجف الأشرف وهو أمر لم يألفه المدرسون يومذاك في النجف الأشرف . وكان رحمه الله كثير الإشتغال عميق النظر والرأي يعد في القمة من فقهائنا المعاصرين ، بحاثا قوي الحجة دؤوبا في الأعمال العلمية ، دائم التفكير لا يفارقه العمل العلمي تفكيرا أو تدريسا أو تأليفا إلا في أوقات العبادة والراحة وكان في حياته الشخصية زاهدا قانعا باليسير


18
من أسباب الدنيا ، معرضا عن الدنيا ، مقبلا على أعماله العلمية ، ورعا تقيا ، حلو المعاشرة ، تغمده الله برحمته .

أخلاقه :

كان الفقيه العراقي معروفا بالتواضع وطيب الأخلاق وخفة الروح والابتعاد عن التكلفات التي يلتزم بها من شأنه مثله في الفقاهة والعلم والزعامة الدينية . وكان تلاميذه يحبونه بسبب هذه البساطة في المعاشرة ومنهم من كان يختص به في كل دروسه في الفقه والاصول مثل جدنا الفقيه الشيخ محمد تقي البروجردي رحمه الله الذي اختص به ولازمه في حياته ، ولم يفارقه حتى فرق بينهما الأجل الذي لابد منه . كان يشعر تلاميذه تجاهه بعلاقة أعمق وأوسع من علاقة التلمذة ، فقد كان استاذهم وصديقهم في وقت واحد . فكان رحمه الله إذا رقى منبر الدراسة يهيمن على عقولهم وأفكارهم يصغون إليه باحترام فإذا نزل المنبر وجلسوا إليه في مجالسه الخاصة أنس بهم وأنسوا به وبادلهم النكت والطرف ويحفظ له تلاميذه نكتا ظريفة كثيرة ، كانوا يتفكهون بها عندما يتذكرون شيخهم العراقي ويترحمون عليه . وقلما رأيت في شيوخ العلم من يحفظ له تلاميذه بين إحترام العلم وتوقير الفقه وانس الخلة فيما يجري بين الأخلاء من طرف ومرح ومزاح ليس فيه معصية الله ولا تجاوزا لحدود الأدب الذي يتطلبه مثل هذه الحالات . وكانت مع ذلك مجالسه الخاصة مثالا للإلتزام بحدود الله وتقوى المعاشرة فلا يسمح لأحد من جالسيه أن يمس أحدا بسوء أو ينال منه أو يذكر أحدا في غيابه بما حرم الله تعالى من الغيبة وكان لهذه التربية العملية أثرا حسنا على نفوس تلاميذه .

مواهبه العقلية :

كان من نوابغ عصره من دون ريب وقد آتاه الله تعالى فكرا قويا ثاق


19
ورؤية صافية ونقية لمسائل الفقه وذوقا سليما سويا في الفكير والإستدلال كان سريع الإنتباه والإنتقال قوي الحجة والعارضة وكان ذلك يمنحه موضعا متفوقا في البحث والحوار العلمي وكان مشهودا له بذلك من قبل أقرانه . وما فتح الله تعالى عليه في الفقه والاصول من رؤى وتصورات وأفكار جديدة وما فتح الله تعالى على يده من آفاق جديدة يشهد له بذلك . وقد عرف رحمه الله منذ نشأته الفكرية الاولى ومنذ شبابه المبكر بحدة الذكاء وقوة التفكير وسلامة الذوق والرأي وكان موضع إحترام وإكبار اساتذته الذين يدرس عندهم ، وكان المحقق العراقي من النفر الذين يصغي إليهم استاذهم ( الخراساني ) ويسكت إذا بدأ بالكلام أثناء الدرس ، وكان ( الخراساني ) معروفا بقوته في ضبط نظام الدرس وهيمنته على طلبته ومن دون ذلك لم يكن بالإمكان أن يحفظ نظام مثل هذا الدرس المهم الذي يضم أكثر من ألف طالب فيهم الكثير من الفقهاء والمجتهدين وأساتذة الفقه والاصول فكان يسكت تلاميذه إذا تكلموا بكلام ضعيف . وكان بين تلاميذه نفر من الفقهاء معروفين بعمق النظر ودقة الرأي والسداد في التفكير والسلامة في الذوق يمنحهم شيخهم الخراساني إحتراما وتقديرا أكثر من غيرهم فإذا تكلم أحدهم توقف عن الاستمرار في الدرس وأصغى إليه باحترام . وكان من هؤلاء المحقق العراقي . وقد حدثني العلامة السيد هبة الدين الشهرستاني رحمه الله قال كان يتفق أن شبهة أو نكتة في الدرس كانت تثير النقاش والحوار من الطلبة فترتفع أصوات الطلبة بالإعتراض والنقاش فإذا تكلم أحدهم ( ومنهم السيد آقا حسين البروجردي رحمه الله وكان يحدثني عن فقاهة السيد البروجردي ونبوغه في شبابه ) أشار المحقق الخراساني إلى الطلبة يطلب منهم أن يسكتوا ليستمع إليه .

وكان المحقق العراقي رحمه الله سريع الإنتقال قوي العارضة قوي الحجة بحاثا يدير الحوار العلمي بكفاءة علمية يوصل محاوره إلى النتيجة من أقرب


20
الطرق وأيسرها . كان يقول أحد الفضلاء من تلاميذ المحقق النائيني قد كنت أسمع من استاذنا النائيني رأيا يختلف عن رأي زميله المحقق العراقي فأقتنع برأي شيخنا النائيني بشكل كامل ، فإذا جلست إلى الشيخ العراقي وناقشته فيه أقنعني بخلافه وقمت عنه وأنا مقتنع بصحة رأيه وعدم صحة رأي استاذنا الشيخ النائيني فأرجع إلى المحقق النائيني فيعيد إلي قناعتي الاولى وأعجب من نفسي كيف تغيرت قناعتي الاولى القائمة على اسس متينة فلما أعود إلى المحقق العراقي واناقشه في المباني والاساس الذي سمعته من استاذي زلزل قناعتي من جديد ووجدتني من جديد في حيرة من أمري . وقد كان رحمه الله يواجه معضلة في المبادئ والأفكار الاصولية فيغرق في التفكير ، وينقطع عما حوله حتى يفتح الله عليه وهو من علامات النبوغ الفكري .

تلاميذه :
تخرج من مجلس درسه الشريف - كما ذكرنا - عدد من العلماء وفيما يلي نذكر طائفة منهم :

1 . السيد أحمد المستنبط ( 1325 - 1399 ) نقباء البشر 1 : 100 .

2 . السيد إسماعيل السدهي ( 1302 - 1373 ) نقباء البشر 1 : 155

3 . الشيخ محمد بن زين الدين البحراني البصري ( 1333 - ) نقباء البشر 1 : 179

4 . السيد محمد تقي الخوانساري ( 1305 - 1371 ) نقباء البشر 1 : 246

5 . السيد محمد تقي آل بحر العلوم ( 1318 - 1393 ) نقباء البشر 1 :249

6 . الشيخ محمد تقي البروجردي ( - 1391 ) نقباء البشر 1 : 259 ،


21

7 . الشيخ محمد تقي الآملي ( 1304 - 1391 ) نقباء البشر 1 : 267

8 . السيد محمد جعفر الجزائري ( 1276 - 1350 ) نقباء البشر 1 : 291

9 . السيد محمد جمال الدين التبريزي ( 1326 - 1369 ) نقباء البشر 1 : 307

10 . السيد محمد حسين الدزفولي ( 1301 - 1362 ) نقباء البشر 2 : 521

11 . السيد حسين الشاهرودي ( 1315 - 1373 ) نقباء البشر 2 : 534

12 . الشيخ الميرزا محمد حسين الخياباني ( 1300 - 1392 ) نقباء البشر 2 : 559

13 . الشيخ حسين الهمداني النجفي ( 1303 - 1396 ) نقباء البشر 2 : 622

14 . الشيخ محمد حسين آل مظفر ( 1312 - 1381 ) نقباء البشر 2 : 646

15 . الشيخ خضر الدجيلي ( 1303 - ) نقباء البشر 2 : 699

16 . الشيخ راضي التبريزي ( 1326 - ) نقباء البشر 2 : 717

17 . الشيخ محمد رضا فرج الله النجفي ( 1319 - 1386 ) نقباء البشر 2 : 756

18 . الشيخ آغا رضا المدني الكاشاني ( 1320 - ) نقباء البشر 2 :759

19 . الشيخ محمد رضا المظفر ( 1323 - 1383 ) نقباء البشر 2 : 772

20 . السيد محمد رضا التبريزي ( 1296 - 1378 ) نقباء البشر 2 : 781

21 . الشيخ سعادت حسين الهندي ( 1330 - ) نقباء البشر 2 : 810


22

22 . الشيخ محمد حسين الآيتي ( 1310 - ) نقباء البشر 2 : 890

23 . الشيخ حسين الحولاوي النجفي ( 1313 - 1388 ) نقباء البشر 2 : 894

24 . الشيخ محمد رضا الطبسي ( 1322 - ) نقباء البشر 2 : 899

25 . الشيخ صفر علي العراقي ( 1303 - 1379 ) نقباء البشر 2 : 952

26 . الشيخ عباس الطهراني ( 1298 - 1360 ) نقباء البشر 2 : 990

27 . الشيخ عبد الصاحب الجواهري ( - 1352 ) نقباء البشر 2 : 1128

28 . الشيخ عبد الكريم مغنية العاملي ( 1311 - 1354 ) نقباء البشر 2 : 1180

29 . الشيخ علي الجشي ( 1296 - 1376 ) نقباء البشر : 1379

30 . السيد علي اليثربي الكاشاني ( 1311 - 1379 ) نقباء البشر : 1432

31 . السيد محمد علي الجزائري ( 1298 - 1360 ) نقباء البشر : 1460

32 . السيد علي مدد القائني ( 1301 - 1384 ) نقباء البشر : 1626

33 . السيد أسد الله النبوي الدزفولي ( 1313 - 1403 ) تراجم الرجال :24

34 . السيد تقي الرودباري الرشتي ( - 1359 ) تراجم الرجال : 31

35 . الميرزا عبد الله الهشترودي ( ق 13 - ق 14 ) تراجم الرجال : 89

36 . السيد علي الإشكوري ( 1319 - 1398 ) تراجم الرجال : 96

37 . السيد علي الشاهرودي ( 1336 - 1376 ) تراجم الرجال : 99

38 . الشيخ كاتب الطريحي ( 1305 - 1388 ) تراجم الرجال : 122


23

39 . الشيخ محمد المهدوي اللاهيجي ( 1317 - 1403 ) تراجم الرجال : 143

40 . الشيخ محمد الإشكوري ( - 1356 ) تراجم الرجال : 160

41 . الشيخ فاضل اللنكراني ( 1313 - 1402 ) تراجم الرجال : 266

آثاره العلمية :

ضاع - مع الأسف - جملة من آثار المحقق العراقي وما بقي منها في أيدينا اليوم هو :

1 . استصحاب العدم الأزلي - كتبه سنة 1348 هجرية قمرية وطبع مع روائع اللئالي له .

2 . أحكام الرضاع . ( المفصل )

3 . البيع . طبع في النجف وهو مستل من شرحه على التبصرة

4 . تعاقب الأيدي ( رسالة ) . ألفها سنة 1357 وطبعت مع كتاب القضاء له .

5 . تعليقات على رسائل الشيخ الأنصاري . نقلا عن المفصل في تراجمالأعلام .

6 . تعليقات " فوائد الأصول " والفوائد هو تقريرات الميرزا حسين النائيني كتبها الشيخ محمد علي الكاظمي طبعت مع الأصل عام ( 1406 ) في قم .

7 . حاشية جواهر الكلام . نقلا عن " المفصل "

8 . حاشية العروة الوثقى . ذكر في نقباء البشر أنها طبعت في إيران مع " العروة الوثقى " مع تعليقات السيد أبي الحسن الاصفهاني والسيد آقا حسين القمي والسيد حسين البروجردي .

وله رحمه الله حاشية استدلالية موسعة على العروة الوثقى طبعتها أخيرا مؤسسة النشر الإسلامي لجماعة المدرسين في قم .


24

9 . حاشية كفاية الاصول . وعليها تعليقة للسيد علي النجف آبادي ( 1287 - 1362 ) وعليها حاشية للسيد علي التنكابني المتوفى ( 1362 ) ذكرهما في نقباء البشر ( 4 : 1318 ، 1381 )

10 . حاشية المكاسب نقلا عن " المفصل "

11 . حجية القطع ( رسالة ) نقلا عن " المفصل "

12 . روائع الأمالي في فروع العلم الإجمالي . ألفه سنة 1337 طبع بالنجف سنة ( 1366 ) وذكره في نقباء البشر بعنوان " فروع العلم الإجمالي "

13 . شرح التبصرة . طبع سنة أجزاء منه بتحقيق الشيخ محمد هادي معرفة وقبله طبع في إيران . وذكره في الذريعة ( 13 : 135 )

14 . الشرط المتأخر ( رسالة ) نقلا عن " المفصل "

15 . الصلاة . فرغ منه في ثاني ذي الحجة ( 1337 ) وله نسخة بخط المؤلف في مكتبة المرعشي ( 8 : 226 ) برقم ( 3102 ) .

16 . قاعدة الحرج نقلا عن " المفصل "

17 . قاعدة لا ضرر نقلا عن " المفصل "

18 . القضاء ألفه سنة 1333 وطبع بالنجف وبالافست في قم . إنتهى فيه إلى بحث تعاقب الأيدي . وهو مستل من شرحه على التبصرة . نقلا عن " المفصل " لكن جاء في نقباء البشر أنه فرغ منه سنة ( 1357 ) .

19 . اللباس المشكوك ( رسالة ) . ألفها سنة ( 1342 ) وطبعت مع روائع اللئالي .

20 . مقالات الاصول . في جزئين . طبع الأول منهما سنة ( 1358 ) بالنجف والثاني سنة ( 1369 ) بطهران . وذكرها في الذريعة ( 21 : 389 ) كتبها تلميذه الميرزا عبد الله بن محمد حسن الهشترودي التبريزي عام ( 1338 ) مصرحا بتلمذته لدى المؤلف . راجع ( تراجم الرجال : 89 )


25

وفاته :

توفي رحمه الله ليلة الإثنين ( 28 ) من ذي القعدة 1361 في النجف الأشرف . وكان لوفاته رحمه الله أثر الفاجعة في نفوس طلابه ومحبيه ومر يديه وشيوخ الفقه والعلم في النجف الأشرف ، وقد شيعه جماهير العلماء والطلبة والمؤمنين في النجف وأودعوه مثواه الأخير في الجانب الغربي من صحن الروضة الحيدرية في الحجرة الثانية على يسار الداخل إلى الصحن الشريف من الباب الغربي ( المعروف بباب العمارة ) . اقيمت له مجالس عزاء كثيرة في أقطار العراق وإيران ورثاه الشعراء ومما قيل في رثائه من الشعر ما نظمه الخطيب الشيخ جواد القسام .

ما مات من آثاره بعده
بين الورى باقية الإسم
لما سروا بنعشه والهدى
ظلت أسى عيونه تدمى
بلوعة أرخته قد دجا
بعد ضياء افق العلم

رحمه الله تعالى وحشره مع أوليائه الصالحين ورزقنا شفاعته وجواره في مستقر رحمته .

قم - محمد مهدي الآصفي

في 22 صفر 1413


26

27

مجمع الفكر الإسلامي

12

تأليف

المحقق الاصولي الكبير آية الله العظمى

الشيخ ضياء الدين العراقي قدس سره

( 1278 - 1361 هق )

الجزء الأول

تحقيق

الشيخ محسن العراقي

السيد منذر الحكيم


28

29

المقالة الاولى

فيما يتعلق بالعلم

موضوعا وغاية وتعريفا


30

31

بسم الله الرحمن الرحيم

[ المقالة الاولى ]

[ فيما يتعلق بالعلم موضوعا وغاية وتعريفا ]

اعلم ان ديدن الاصحاب من الصدر الاول على تدوين شتات من القواعد الوافية بغرض ومقصد مخصوص ، وجعلها فنا خاصا يتعلق بها العلم ( 1 ) تارة والجهل اخرى ، وتكون ذواتها محفوظة في نفس الامر والواقع - وان لم يكن لها محصل في العالم - وبهذا الاعتبار ايضا يقال : بأن المسألة الكذائية من أجزاء فن دون آخر ، فأسامي هذه الفنون - مثلا كالنحو والصرف والفقه والاصول - حاكيات عن نفس تلك الشتات بأجمعها - مع قطع النظر عن إدراكها - ولذلك صحت إضافة العلم إليها تارة والجهل اخرى فيقال : فلان عالم بالنحو مثلا أو جاهل به .

نعم قد يطلق العلم على نفس هذه العناوين ( 2 ) . ويضاف الموضوع الخاص إليه ( 3 ) فلابد وأن يراد من العلم حينئذ نفس القواعد الواقعية ، إذ لا معنى

( 1 ) للعلم اطلاقان : احدهما بمعنى انكشاف الواقع تصورا أو تصديقا . ثانيهما بمعنى القواعد التي يتألف منها فن خاص ، والمراد بالعلم هنا هو الاول واشار الى الثاني بقوله الآتي : ( نعم قد يطلق العلم على نفس هذه العناوين .

( 2 ) المراد ب‍ ( هذه العناوين ) : النحو والصرف والاصول ، فالعلم هو نفس الفن المؤلف من قواعد خاصة .

( 3 ) وذلك حينما يقال مثلا : ( الكلمة والكلام ) موضوع علم النحو .


32
لاضافة الموضوع المزبور الى التصديق بها ( 1 ) ، لان معروض التصديق هو النفس ومتعلقه نفس القواعد ، فلا مجال لاضافة الموضوع المزبور إليه . كما ان في اضافة الغاية ( 2 ) إليه لابد وان يراد من العلم هذا المعنى ايضا ، لو اريد من الغاية ما يترتب على نفس هذه الشتات ( 3 ) ، لا الاغراض المترتبة على تحصيل العلم بها ، إذ مثلها ربما تختلف باختلاف اغراض المحصلين فقد لا يكون غرض المحصل لعلم النحو مثلا حفظ كلامه عن الغلط بل يحصله لمقاصد اخر لا تكون تحت ضبط - ولعل ما ذكرناه هو مقصود من ( 4 ) جعل احد معاني العلم : المحمولات المنتسبة ( 5 ) ، وان كان الأولى ( 6 ) جعله عبارة عن نفس القواعد بموضوعاتها

( 1 ) هذا تعليل لبيان ان ( العلم ) - عند إضافة الموضوع الخاص إليه - لابد ان يراد به نفس القواعد ، ولا يصح ان يراد به المعنى الاول ( وهو انكشاف الواقع تصديقا ) ، إذ لو اريد به المعنى الاول لكان معنى قولهم : ( الكلمة والكلام موضوع علم النحو ) هو : ( ان الكلمة والكلام موضوع التصديق بالنحو ) ومرجعه الى ان ( معروض التصديق بالنحو هو الكلمة والكلام " والحال ان معروض التصديق هو النفس . فلابد أن يراد بالعلم حينئذ : نفس القواعد التي يتعلق بها العلم تارة والجهل اخرى لا الانكشاف التصديقي .

( 2 ) هذا بيان آخر لتوضيح ان المراد بالعلم هو المعنى الثاني ايضا وذلك حينما تضاف الغاية الى العلم كأن يقال : ( غاية علم النحو : حفظ اللسان عن الخطأ في المقال ) .

( 3 ) الغاية من علم النحو مثلا على نحوين : غاية تترتب على نفس القواعد ، وغاية تترتب على العلم بالقواعد ، والغاية المطلوبة من نفس القواعد حينما تضاف الى العلم فلابد من ارادة المعنى الثاني للعلم لتصح الاضافة .

( 4 ) وهو صاحب الفصول إذ ذكر معاني العلم فقال : ( ومنها - أي من معاني العلم - المسائل وهي القضايا أو المحمولات المنتسبة واليه يرجع قولهم فلان يعلم النحو أي مسائله ) الصفحة 2 الطبعة الحجرية .

( 5 ) وهذا يشعر بخروج موضوعات القضايا عن نظام العلم - بالمعنى الثاني - ولا يخفى ما فيه ، لوضوح ان الموضوعات مقدمة للقضايا كالمحمولات ، والقضايا باجزائها تكون من قوام العلم بالمعنى الثاني بدائع الافكار صفحة 3 .

( 6 ) وجه الاولوية .


33
ومحمولاتها لا خصوص المحمولات المنتسبة ، كما لا يخفى .

تذكار فيه ارشاد : وهو ان المراد من الغرض في كل شئ هو : المقصد الاصلى وما تعلق به قصده الاولي على وجه يكون داعيا الى تحصيل مقدماته وموجبا للتوصل بها إليه ، فلذا لابد من [ ترتبها ] [ عليه ] نظرا الى ان الارادة التوصلية لا تكاد تتعلق الا بما يترتب عليه [ ذوها ] - كما سيأتي شرحه في باب المقدمة ان شاء الله تعالى - ومن هذه الجهة نلتزم بأن دائرة الغرض دائما تكون بمقدار دائرة المراد ( 1 ) ويستحيل ان يكون [ أوسع ] أو [ أضيق ] ، وحينئذ فالغرض من كل مقدمة عند تعددها ليس وجود الشئ بقول مطلق لاستحالة ترتبه عليها وحدها إذ هو خلف ( 2 ) ، بل لابد ان يكون الغرض منها حفظ وجود المقصد الاصلي من قبلها وسد باب عدمه من ناحيتها ( 3 ) .

( 1 ) أي المقدمات المرادة بالارادة التوصلية .

( 2 ) إذ المفروض ترتب الغرض على مجموع المقدمات فترتبه على أحدها خلاف الفرض . وعليه فالغرض المترتب على كل مقدمة ليس وجوده بقول مطلق بل جهة من جهات الغرض وعلى حد تعبير المصنف هو : سد باب عدم الغرض من جهة تلك المقدمة .

( 3 ) هذه اشارة الى جواب سؤال قد يثار في المقام وحاصل السؤال : ان المسائل المدونة في العلوم لا تنتج بنفسها الاغراض المذكورة لها ، مثل : حفظ اللسان عن الخطأ في المقام - في علم النحو مثلا - ، بل لابد لهذه المسائل من ضم مقدمات اخرى إليها ، كتعلم تلك المسائل وارادة تطبيقها - لتنتج الاغراض المذكورة لها . وعليه فلا وجه لما يقال من ان غرض علم النحو مثلا هو حفظ اللسان عن الخطأ في المقال . لعدم حصوله من وجود مسائل علم النحو بمجردها .

وحاصل جوابه الاجمالي : ان هذه المسائل وان لم تنتج بمجردها - تلك الاغراض ، ولكنهاتشارك في تحققها . بمعنى ان وجود كل شئ باعتبار توقفه على سد جميع الابواب التي يتطرق العدم منها إليه ، وانعدام كل مقدمة من مقدمات وجوده يعني انفتاح باب من ابواب عدمه ، فوجود كل مقدمة من مقدماته يعني انسداد باب من ابواب عدمه . فالمسائل بمجردها انما تسد ما يخصها من ابواب عدم الغرض . وبهذا يتضح معنى : ان كل مقدمة تسد باب عدم الغرض من ناحيتها .

واما جوابه التفصيلي فحاصله : ان غرض علم النحو - مثلا - ان كان هو حفظ اللسان >


34

وبعد ذلك نقول : ان اغراض العلوم المعروفة في كلماتهم - من مثل حفظ الكلام هيئة في النحو ، ومادة في الصرف ، وحفظ فعل المكلف في الفقه ، بل وحفظ استنباط حقائق الاشياء ومعرفتها من مثل قواعد العلوم الفلسفية والرياضية كحفظ استنباط الاحكام من القواعد الاصولية وهكذا - ليس حفظ الوجود بقول مطلق ، كيف ! وهذا المعنى يستحيل ان يترتب على صرف القواعد الواقعية ، ولا على مجرد العلم بها ، بل لارادة العامل دخل فيه ، وحينئذ فلا محيص ان يجعل المقصد المزبور ما يترتب على هذه القواعد من حفظ وجود هذا المقصد من ناحيتها ومرجعه - في الحقيقة - الى ما ذكرنا من : سد باب عدمه من قبلها .

نعم لك ان تجعل الغرض من كل علم : تصحيح الاعمال القابلة للصدور من فاعلها قولا أو فعلا أو استنباطا كتصحيح الكلام هيئة في النحو ، ومادة في الصرف ، وافعال المكلفين في الفقه ، وهكذا . إذ التصحيح المزبور مترتب على نفس القواعد نظرا الى ان القواعد المزبورة من مبادئ اتصاف هذه الامور المسطورة بالصحة ، قبال مبادئ ايجاد هذه الامور الصحيحة في الخارج فارغا عن اتصافها بها ( 1 ) . ومن البديهي ان مبادئ الايجاد غير مرتبطة بمبادئ التصحيح وخارجة عنها ، [ فتنحصر ] على هذا مبادئ التصحيح بنفس القواعدبلا دخل شئ آخر فيها ، ففي مثل هذا العنوان صح لنا دعوى ترتبها بقول مطلق على القواعد المزبورة بلا دخل شئ آخر فيها ، ويمتاز هذا العنوان عن

< عن الخطأ فالايراد عليه بأن الحفظ لا يترتب على المسائل بمجردها ، بل لابد من معرفتها وارادة تطبيقها ايضا ، مردود بأن معنى ترتب الحفظ على المسائل بمجردها حينئذ هو : انسداد ما يخصها من ابواب عدم الحفظ .

وان كان الغرض من علم النحو هو اتصاف الكلام بالصحة فهذا الغرض - وهو الاتصاف بالصحة - مترتب على ذات المسائل لا على العلم بها وارادة تطبيقها ؛ لان مجرد وجود القواعد النحوية يكفي لاتصاف الكلام بالصحة لو طابق تلك القواعد .

( 1 ) أي بعد الفراغ عن اتصافها بالصحة .


35
الحفظ المسطور في كلماتهم بذلك ، كما لا يخفى .

تذييل فيه تحقيق : ( 1 ) وهو ان دخل المسائل في الغرض المزبور ليس من باب دخل المؤثر في المتأثر ، بل انما هو من باب دخل ما [ تقوم ] به الاضافة لنفسها ( 2 ) ، لأن عنوان الحفظ المزبور والصحة المسطورة انما ينتزع من تطبيق القواعد المعهودة على ما ينسب إليه الحفظ والصحة ، فالقواعد الواقعية في الحقيقة منطبقة على مواردها ، فمن هذا الانطباق ينتزع العنوانان ، والا فالمؤثر في وجود هذه الاعمال الموصوفة بأحد الوصفين هو : ارادة العامل على ايجاد العمل صحيحا أو محفوظا ، مثلا صحة الصلاة وحفظها [ منتزعان ] من تطبيق القواعد المضروبة [ لهما ] عليها ( 3 ) وقس عليه صحة الكلمة والكلام والاستنباط وهكذا . وحينئذ فلا طريق الى اخذ جامع بين الشتات بمحض وحدة الغرض المترتب عليها ، إذ ليس في المقام جهة تأثير وتأثر كي يبقى مجال استكشاف الجامع بين

( 1 ) جاء في الفلسفة : ان الواحد لا يصدر منه الا الواحد . وقد حاول بعض الاصوليين الاستدلالبهذه القاعدة لاثبات ضرورة وجود موضوع خاص لكل علم تدور حوله مسائل ذلك العلم . بتقريب : ان لكل علم غرضا واحدا مترتبا على مسائله . والغرض الواحد لابد ان يصدر من واحد ، لا من متعدد ، فلابد من وجود وحدة نوعية بين الموضوعات المختلفة لمسائل العلم الواحد ، وهذه الوحدة النوعية هي ما يعبر عنه بموضوع العلم .

ولكن المصنف لم يرتض تطبيق هذه القاعدة الفلسفية في هذا المجال فأجاب عنه بوجوه .

الوجه الاول : ان نسبة الغرض الى المسائل ليست نسبة المعلول الى العلة ليقال بان المعلول الواحد لابد ان يصدر من علة واحدة ، وانما نسبة الغرض الى المسائل نسبة الاضافة الى ما تقوم به الاضافة ، إذ المسائل مقياس للاتصاف بالصحة وليست عللا موجدة للصحة ، فليس الغرض امرا توليديا وانما هو امر اضافي فحسب ، وسوف نشير الى سائر الوجوه حين تعرض المصنف لها .

( 2 ) أي لنفس الاضافة وهي انطباق القواعد المدونة على الكلام - في علم النحو - أو مطابقة الكلام للقواعد ومنه تنتزع الصحة .

واما ما تقوم به الاضافة فهو المضاف إليه وهو نفس القواعد المدونة .

( 3 ) لصحة الصلاة وحفظها على الصلاة .


36
الشتات بالبرهان المعروف ( 1 ) ، بل ( 2 ) لو فرض كون دخلها في الغرض المسطور دخلا تأثيريا لا يقتضي البرهان المعهود ايضا اخذ جامع بينها لأن مجرد وحدته وجودا مع اختلاف الجهات فيه لا يوجب وحدة سنخية بين الشتات ، بل من الممكن ان يكون كل واحد من الشتات بخصوصيتها مؤثرا في جهة منه دون جهة ، نعم لو كان الغرض بسيطا من جميع الجهات لابد من انتزاع جامع بين [ مؤثراته ] بالبرهان . بل ( 3 ) بناء على ذلك لا تختص الموضوعات بالجامع المزبور ، بل لابد من انتزاع الجامع بين المحمولات أيضا ، بل وبين [ المحمولاتوالموضوعات ] كذلك ، ولكن أنى لنا بذلك في أمثال المقام ، كما عرفت ، فحينئذ ( 4 )

( 1 ) وهو برهان ( ان الواحد لا يصدر الا من الواحد ) .

( 2 ) من هنا يبدأ ببيان الوجه الثاني لتزييف تطبيق القاعدة الفلسفية وحاصله : انه بعد التسليم بأن نسبة الغرض الى المسائل نسبة المعلول الى العلة لم يمكن تطبيق كبرى ( استحالة صدور الواحد الا من واحد ) على المقام ايضا . إذ المراد بالواحد في هذه الكبرى هو الواحد البسيط من جميع الجهات ، بينما الغرض - بالرغم من وحدته وجودا - متعدد الجهات ( غير بسيط ) . فلا موجب لفرض وحدة سنخية بين المسائل لتكون علة لتحقق هذا الغرض ( غير البسيط ) ، بل يكون كل سنخ من المسائل مؤثرا في جهة من جهات هذا الغرض المركب ( حقيقة ) الواحد وجودا .

( 3 ) من هنا يبدأ ببيان الوجه الثالث لتزييف تطبيق القاعدة المزبورة وحاصله : انه لو سلمنا وحدة الغرض من جميع الجهات ( وجودا وحقيقة ) ، لكان اللازم من تطبيق كبرى ( استحالة صدور الواحد الا من واحد ) هو : لابدية وجود وحدة سنخية بين المسائل بما تحتوي عليه من اجزاء ، أي لابد من افتراض وحدة سنخية بين موضوعات المسائل من جهة ، وافتراض وحدة سنخية بين محمولاتها من جهة اخرى ، ووحدة سنخية بين الموضوعات والمحمولات من جهة ثالثة .

ومن المعلوم عدم امكان افتراض جامع سنخي بين موضوعات المسائل ومحمولاتها ، إذ المحمولات عوارض للموضوعات ، ولا يعقل وجود وحدة سنخية بين العارض ومعروضه .

( 4 ) بعد امتناع فرض جامع ما هوي للموضوعات المتشتتة ، يتعين الجامع العنواني وهو جامع انتزاعي ( صوري ) لا حقيقي .


37
فلا طريق الى اخذ جامع بين الموضوعات المسائل المختلفة ما لم يكن لها جهة جامعة صورية من باب الاتفاق .

كما انه لا مجال لجعل امتياز العلوم باطلاقها بتميز موضوعاتها ، كيف ! وفي غالب العلوم لا يكون جامع صوري بين موضوعات المسائل ، إذ ترى ان الكلمة غير الكلام ( 1 ) لتقوم الكلام بنسبة معنوية خارجة عن سنخ اللفظ ، وكذا التصور غير التصديق ( 2 ) ، والفصاحة غير البلاغة ( 3 ) ، وهكذا الامر في ذوات الادلة التي هي موضوع علم الاصول ، وفي بعض مسائل الفقه لا يتصور جامع ولو معنويا مع غيرها ، [ ونسبتها ] كنسبة الوجود والعدم ، وذلك كالصوم والصلاة مثلا بعد ما كان الصوم عبارة عن نفس التروك بشهادة انه لو تبيت في الليل ونام الى الغروب كان صومه صحيحا بلا اشكال ، وبديهي انه ليس من سنخ الصلاة وغيرها من سائل الافعال ، فحينئذ اين الموضوع الواحد الذي [ تمتاز ] به هذه العلوم عن غيرها ؟ .

وعليه فلا يبقى مجال جعل امتياز كل علم بميز موضوعه ، خصوصا بعد تعريفهم اياه بما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية ، إذ في أمثال ما ذكرنا من العلوم أين الموضوع الواحد الذي يبحث عن عوارضه المزبورة ، لأنه ان نظرنا الى موضوعات مسائلها المعروضة [ لعوارضها ] الذاتية فلا تكون الا متكثرات بلا جامع ذاتي غالبا بينها [ مبحوث ] عن عوارضه المذكورة ، وان نظرنا إلى جامع عرضي انتزاعي بينها فهو - وان كان واحدا ولكن - لا يكون معروضا لعارض كي يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية .

نعم ربما يكون لبعض العلوم - ككثير من العلوم الفلسفية والرياضية -

( 1 ) حينما يقال ان موضوع علم النحو : ( الكلمة والكلام ) .

( 2 ) حينما يقال ان موضوع علم المنطق : التصور والتصديق ( أو المعرف والحجة ) .

( 3 ) في علم البيان .


38
موضوع وحداني سار في موضوعات مسائلها بنحو تكون الخصوصيات المأخوذة في مسائلها - على فرضها - ( 1 ) من قبيل الجهات التعليلية لطرو العرض على ذات الموضوع المزبور مستقلا ، نظير الفاعلية والمفعولية بالاضافة الى عروض الرفع والنصب مثلا على ذات الكلمة ، فضلا عما [ إذا ] لم يكن الموضوع متخصصا بالجهة التعليلية أيضا ، بل لا يكون تخصصه إلا من قبل العارض وذلك مثل أبحاث علم الحساب المبحوث فيه عن الاعراض الطارية على نفس العدد - ككون العدد أوليا أو [ أصم ] أو كالجمع والتفريق والضرب والتقسيم واعمال الكسور - أو كأبحاث علم الهندسة المتعرض للوازم المقدار العارضة له غالبا بنفسه - كمبحث الأشكال والنظريات الهندسية ، وحينئذ نقول : ان في امثال هذه العلوم أمكن دعوى وجود موضوع وحداني للعلم المبحوث فيه عن عوارضه الذاتية ولو بجهات عديدة ، بل وفيها ( 2 ) أمكن دعوى كون امتياز العلوم صورة بها ( 3 ) نظرا الى أن غاياتها غالبا - لما كان استنباط حقائق الاشياء بلوازمها - كانت من سنخ واحد ، ولا يكون مناط في تحديد غاية كل علم بحد مخصوص بحسب الظاهر إلا بامتياز موضوعاتها المختلفة بنحو التباين أو العموم والخصوص ، واين ذلك مما اشرنا إليه من العلوم الادبية والنقلية حيث إنها في تمام المعاكسة مع العلوم السالفة ، إذ علاوة على عدم موضوع وحداني فيها كانت غاياتها أيضا في كمال الامتياز بعضها عن الآخر لوضوح اختلافها سنخا ، كيف ؛ وحفظ الكلام عن الغلط غير مرتبط بسنخ حفظ فعل المكلف وهكذا بمقام حفظ الاستنباط وغير ذلك ، ففي مثلها لا محيص من جعل امتياز امثال هذه العلوم بامتياز اغراضها لا بموضوعاتها ، وحينئذ لا غرو في دعوى الفرق بين

( 1 ) على فرض وجود هذه الخصوصيات .

( 2 ) أي في أمثال هذه العلوم .

( 3 ) أي بالموضوعات .


39
أنحاء كثير من العلوم العقلية من الفلسفة والرياضة ، وبين غيرها من الأدبية والنقلية ، في وجه احتياج امتيازها الى ميز الموضوع أو الغاية ، فلا مجال لجري جميع العلوم على منوال واحد فيما به الامتياز . وببالي ان [ الناظرين ] في العلوم النقلية [ نظروا ] الى ديدن أهل العلوم العقلية و [ رأوا ] انهم بنوا في امتياز علومهم غالبا بموضوعاتها ، وغفلوا عن نكتة نظرهم ، فاتبعوهم رمية من غير رام ، وأجروا مثل هذه القاعدة في علومهم أيضا فوقعوا من الالتزام بهذا المسلك في علومهم الأدبية والنقلية في حيص وبيص . وربما التزموا بمحاذير ربما نشير إليها في طي الكلام .

فالأولى جعل العلوم [ صنفين ] صنف لا يكون امتيازها إلا بأغراضها وصنف لا يكون امتيازها إلا بموضوعاتها ، وحيث كان الامر كذلك فلا محيص لنا ايضا من شرح الموضوع ، وشرح العوارض الذاتية الواقعة في كلماتهم عند تعريفهم موضوع العلم كي نكون على بصيرة في جميع العلوم فنقول وعليه التكلان : ان توضيح هذه العويصة أيضا منوط بتمهيد مقدمتين .

احداهما : ان الأوصاف المنسوبة الى شئ ، تارة [ تنتزع ] من نفس ذات الشئ كالأبيضية والموجودية ، المنتزعتين عن البياض والوجود ،

واخرى منتزعة عن جهة خارجة عن ذات الموصوف .

وفي هذه الصورة تارة يكون اتصاف الذات [ بها ] باقتضاء ذاته ( 1 ) وذلك كتوصيف بعض الانواع والفصول ببعض خواصها كتوصيف العقل بالمدركية والانسان بقوة الضحك [ والتعجب ]

واخرى لا يكون إلا باقتضاء امر خارجي وذلك أيضا :

( 1 ) أي نفس الذات .


40

تارة يكون الامر الخارجي موجبا لعروض الوصف على شئ بلا كونه بنفسه معروضة ( 1 ) وذلك كالمجاورة للنار الموجب لعروض الحرارة على الماء مستقلا بمعنى كون الماء تمام المعروض للحرارة بلا دخل المجاورة فيه إلا بنحو التعليل .

واخرى يكون الأمر بعكس ما سبق بأن يكون العرض عارضا للواسطة بلا عروضه لذي الواسطة . وذلك أيضا :

تارة [ يكون ] [ قابلا ] للحمل على ذي الواسطة وذلك مثل الخواص العارضة على الفصل بالنسبة الى جنسه مثل المدركية العارضة للنفس الناطقة [ فانها ] قابلة للحمل على الجنس بتبع [ الحمل على ] فصله ، ولكن بالدقة لم يكن عارضا للجنس إذ بعد كون الفصل تمام المعروض لهذا الوصف يستحيل دخول الجنس في معروضه إذ الجنس وان كان متحصلا بالفعل ، [ ولكنه ] في عين تحصله به ، جهة زائدة عن حيثية اخرى في معروض هذا العارض ، كيف ؟ وهو خلف محض ، ومجرد وحدتهما وجودا لا يضر بتعددهما جهة وحيثية ، والمفروض ان العارض المزبور من خواص الحيثية الفصلية ، فجهة الجنسية حينئذ خارجة عن [ هذه الحيثية ] فكيف يصح حينئذ نسبة العروض إليها حقيقة ودقة ؟ ولكن بملاحظة قابلية حمل الفصل على الجنس يصح حمل خواصه عليه ويقال : بعض الحيوان مدرك للكليات ( 4 ) ، ومن هذا الباب أيضا حمل الضحك والتعجب على الحيوان بناء على كونهما من خواص فصله .

( 1 ) فيكون الامر الخارجي علة لثبوت الوصف للذات وهو ما يسمى بالواسطة في الثبوت أو الواسطة التعليلية .

( 2 ) لا يخفى ان الموضوع في المثال هنا ( بعض الحيوان ) والمدعى هو حمل خاصة الفصل على الجنس ، والجنس هو الحيوان قبل تحصله وتخصصه بالحيثية الفصلية فالمقام جدير بالتأمل .


41

وتارة لا تكون الواسطة المعروضة قابلة للحمل أيضا علاوة على عدم قابليتها للعروض على ذي الواسطة وذلك مثل السرعة والبطء العارضين للحركة العارضة للجسم ، فانه بملاحظة عدم قابلية حمل الواسطة على الجسم لا يصح حمل الوصفين [ عليه أيضا ] ( 1 ) . ومن هذا الباب أيضا الاستقامة والانحناء العارضين للخط القائم على الجسم ، ومنه أيضا حركة السفينة بالنسبة إلى جالسها ففي أمثال ذلك [ تكون ] نسبة الوصف إلى ذي الواسطة من باب نسبة الشئ إلى غير ما هو له وكان توصيفه به بنحو من العناية والمسامحة العرفية .

ثم هنا قسم ثالث وهو صورة صدق العروض على الواسطة مستقلا حقيقة وعلى ذي الواسطة ضمنا كذلك ، ومنه كل مورد يكون العرض من خواص النوع لا خصوص فصله فانه حينئذ [ يكون ] العرض المزبور عارضا لجنسه أيضا ، لكن بنحو الضمنية لا الاستقلال . ومن هذا الباب الاعراض الثابتة للعناوين الخاصة بخصوصية تقييدية ، كالوجوب العارض للصلاة بخصوصية عنوانها ، وهكذا غيرها ، المستلزم لعروض مثل هذا العرض لفعل المكلف الذي هو بمنزلة الجنس له ، ضمنا لا مستقلا ( 2 ) .

( 1 ) المقصود ان العرض لا يكون قابلا للحمل على ذي الواسطة باعتبار أن الغرض نفسه غير قابل للعروض على ذي الواسطة ، والواسطة ايضا غير قابلة للحمل على ذي الواسطة . فقوله ( عدم قابليتها ) أي عدم قابلية الاتصاف .

( 2 ) تخطيط ما ذكره من اقسام العرض : العرض1 - ما ينتزع من نفس الذات 2 - ما ينتزع من جهة خارجة عن ذات الموصوف >


42

[ ثانية ] المقدمتين : انه صرح في شرح الاشارات ( 1 ) في باب تناسب العلوم ما

< أ - ان يكون اتصاف الذات باقتضاء ذاته ب - ان يكون الاتصاف باقتضاء أمر خارجيأن يكون الامر الخارجي واسطة تقييدية وهو المعروض حقيقة1 - ان يكون العروض على الواسطة استقلالا وعلى ذي الواسطة ضمنا2 - ان يصحح الحمل على ذي الواسطة بلا عروض عليه ( لا ضمنا ولا استقلالا )3 - ان لا يصح الحمل ولا العروض على ذي الواسطة . ان يكون الامر الخارجي بواسطة تعليلية لعروض الوصف على ذي الواسطة ( 1 )

قال المحقق الطوسي في شرح الاشارات :

( العلوم تتناسب وتتخالف بحسب موضوعاتها ، فلا يخلو اما أن يكون بين موضوعاتها عموم وخصوص أو لا يكون ، فان كان فاما ان يكون على وجه التحقيق أو لا يكون ، والذي يكون على وجه التحقيق هو الذي يكون العموم والخصوص بامر ذاتي وهو أن يكون العام جنسا للخاص كالمقدار والجسم التعليمي اللذين احدهما موضوع الهندسة والثاني موضوع المجسمات ، والعلم الخاص الذي يكون بهذه الصفة يكون تحت العام وجزء منه ، والذي ليس على وجه التحقيق هو الذي يكون العموم والخصوص بامر عرضي وينقسم الى ما يكون الموضوع فيهما شيئا واحدا لكن وضع ذلك الشئ في العام مطلقا وفي الخاص مقيدا بحالة خاصة كالاكر مطلقة ومقيدة بالمتحركة اللذين هما موضوعا علمين . والى ما كون الموضوع فيهما شيئين ولكن موضوع العام عرض عام لموضوع الخاص كالوجود والمقدار اللذين احدهما موضوع الفلسفة والثاني موضوع علم الهندسة ، والعلم الخاص الذي يكون علىهذين الوجهين يكون تحت العلم العام ولكنه لا يكون جزء منه . ج‍ 1 ص 302 ط 3177 ه‍ .

وقد استفاد المحقق العراقي من صدر هذا النص - المتضمن لذكر تخالف العلوم بموضوعاتها وجعل التخالف بين الموضوعات بالعموم والخصوص قسما من اقسام التخالف - : ان العوارض الذاتية للاخص ليست عوارض ذاتية للاعم ، والا لما جعل الاخص موضوعا علما مستقلا في قبال العلم الاعم موضوعا .

ولكنه قد غفل عن ذيل النص إذ صرح فيه - بعد تقسيمه للتخالف بنحو العموم >


43
ملخصه : ان كثيرا من العلوم - التي لموضوعاتها عنوان وحداني مشترك بين مسائلها - ربما تختلف موضوعاتها بنحو العموم والخصوص بنحو يكون موضوع العلم العالي من قبيل الجنس بالنسبة الى موضوع العلم السافل ، وذلك مثل موضوع علم الهندسة : وهو المقدار ، الذي هو جنس للجسم التعليمي الذي هو موضوع علم المجسمات ، أو من قبيل العام العرضي الذي هو موضوع الفلسفة بالنسبة الى المقدار وغيره من سائر العناوين [ الأخص ] الموضوعة لسائر العلوم ، أو من قبيل المطلق والمقيد كالاكر : [ مطلقه ] يكون موضوع علم ، ومقيده بالحركة موضوع علم آخر . انتهى مضمون كلامه .

ومرجعه بالأخرة الى : ان كل عرض ثابت لعنوان خاص بخصوصية منوعة لابد وأن يبحث في علم مستقل يكون هذا العنوان موضوعه ، ولا يبحث في علم يكون موضوعه عنوانا أعم من ذلك بأحد الوجوه السابقة ( 1 ) ، بل لابد في مثل هذا ( العلم ( 2 ) من البحث عن العوارض الطارئة على العنوان الأعم .

والى ذلك أيضا أشار صدر المتألهين - قدس سره - في أسفاره في مقام تمييز الأعراض الذاتية عن الغريبة بأن كل عرض ثابت لنوع متخصص الاستعداد

< والخصوص الى قسمين : ذاتي وعرضي - بأن العموم والخصوص ان كان ذاتيا فالاخصموضوعا داخل تحت الاعم وجزء منه ، وهذا يعني ان الاعراض الذاتية للاخص اعراض ذاتية للاعم ايضا .

وقد جاء هذا الاعتراض على المصنف في تقريرات بحث الشهيد آية الله السيد محمد باقر الصدر الجزء الاول ص 41 .

( 1 ) وهي ان يكون التخالف بأحد انحاء ثلاثة :

أ - بالعموم والخصوص الذاتي .

ب - بالعموم والخصوص العرضي .

ج - بالاطلاق والتقييد .

( 2 ) اي العلم الذي موضوعه ( العنوان الاعم ) .


44
من غير ناحية هذا العرض فهو من الاعراض الغريبة المبحوث عنها في علم آخر يكون هذا لتخصصه كالبحث عن استقامة الخط وانحنائه فهو من العرض موجبا النوع موضوعه ، وكل عرض ثابت لشئ بنحو يكون هذا العوارض الذاتية . انتهى مضمونا ( 1 ) .

ومن هذا الباب أيضا ( 2 ) : كل مورد اخذت الخصوصية فيه بنحو الجهة التعليلية ، نظير ما اشرنا إليه من مثل الفاعلية والمفعولية بالقياس الى الكلمة ، فان العوارض مثل الرفع والنصب عارضة على ذات الكلمة لا على نوع

( 1 ) الاسفار ج 1 ص 33 - 34 : " نعم كل ما يلحق الشئ لأمر أخص وكان ذلك الشئ مفتقرا في لحوقه له الى أن يصير نوعا متهيئا لقبوله ليس عرضا ذاتيا بل عرض غريب على ما هو مصرح به في كتب الشيخ وغيره . كما ان ما يلحق الموجود بعد ان يصير تعليميا أو طبيعيا ليس البحث عنه من العلم الالهي في شئ . وما اظهر لك ان تتفطن بان لحوق الفصول لطبيعة الجنس كالاستقامة والانحناء للخط مثلا ليس بعد ان يصير نوعا متخصص الاستعداد بلالتخصص انما يحصل بها لا قبلها فهي مع كونها اخص من طبيعة الجنس اعراض اولية له " .

وغرض المصنف من هذا الاستشهاد : اثبات ان عوارض الاخص ليست عوارض ذاتية للاعم . والمستفاد من عبارة صدر المتألهين هذه : ان مجرد كون العارض اخص لا يمنع من كونه عرضا ذاتيا للموضوع . بل المدار في ذاتية العروض هو ان يكون الموضوع مقتضيا بنفسه عروض هذا العارض وان كان اخص منه . نعم لو كان العارض الاخص لا يعرض على الموضوع الاعم الا بعد تخصصه بما يجعله قابلا لعروض العارض الاخص عليه ، كان عرضا غريبا . وعليه فعوارض الموضوع الاخص تكون اعراضا غريبة للموضوع الاعم لانها لم تعرض على الاعم الا بعد تخصصه بالعنوان الاخص .

( 2 ) بعد ان قسم صدر المتألهين العرض الاخص الى قسمين :

أ - ما يعرض على الموضوع من دون تخصص سابق .

ب - ما يعرض على الموضوع بعد تخصصه بما يعده لعروض الاخص .

اضاف المصنف قسما ثالثا اليهما : وهو الاخص العارض على الاعم بواسطة تعليلية كعروض الرفع على ذات الكلمة بسبب الفاعلية . واعتباره من العرض الذاتي انما هو بلحاظ ان الموضوع بذاته يقبل هذا العارض الاخص وليست الواسطة إلا علة للعروض .


45
متخصص من غير ناحية هذه العوارض لما عرفت من أن الخصوصيات الخارجية خارجة عن الموضوع بل هي جهات تعليلية لعروض العوارض المزبورة على الذات ، نظير المجاورة للنار بالاضافة الى حرارة الماء ، ففي مثلها ايضا ( 1 ) لا يكون موضوع المسألة بالنسبة الى ما هو موضوع العلم من قبيل النوع الى جنسه ، بل هو نظير فرض تخصص الجنس بعرضه وان لم يكن بالدقة منه ( 2 ) .

وينبغي على مثل صدر المتألهين ان لا يقنع في العرض الذاتي بما أفاده بل يلحق هذه الصورة أيضا إليه لاتحادهما في كون الجنس تمام المعروض للعرض- لا جزءه كما هو الشأن في الجنس بالنسبة الى آثار نوعه - كما لا يخفى .

إذا عرفت هاتين المقدمتين ( 3 ) فنقول : ان المستفاد من كلمات هؤلاء الاعلام وأساطين الفن أن المدار في العرض الغريب لشئ ما هو عارض على

( 1 ) كأنه يدفع اشكالا محصله :

ان نسبة موضوعات المسائل - كالفاعل في علم النحو مثلا - الى موضوع العلم هي نسبة النوع الى جنسه ، فتكون محمولات المسائل عوارض غريبة لموضوع العلم . لان ما يعرض على الجنس بواسطة النوع عارض غريب للجنس .

والجواب : ان موضوعات المسائل هنا جهات تعليلية لثبوت محمولاتها لموضوع العلم فلا تكون عوارض غريبة له .

( 2 ) يشير الى ان العارض بالواسطة التعليلية مثل ما يعرض على الموضوع من دون تخصص سابق غير ان الثاني لا يحتاج الى واسطة تعليلية . ولهذا لم يكن بالدقة منه وان كان عارضا ذاتيا أيضا .

( 3 ) اما المقدمة الاولى فقد تعرض فيها لاقسام العارض وقد انهاها الى ستة ذكرناها بتوضيح سبق .

واما المقدمة الثانية فقد قصد فيها تمييز العارض الذاتي عن الغريب وقد جعل الملاك لذاتية العارض هو العروض لا مجرد صحة الحمل وذلك بقيدين :

1 - أن يكون عروضا حقيقيا . ( وبهذا القيد يخرج قسمان من ستة أقسام ) .

2 - أن يكون عروضا استقلاليا لا ضمنيا . ( وبهذا يخرج قسم آخر فيكون العارض الذاتي على ثلاثة أقسام .


46
نوعه المتخصص فارغا عن تخصصه ( 1 ) ، ومن المعلوم ان لازم ذلك عدم الاكتفاء في العرض الذاتي لشئ ، على مجرد عروضه عليه ولو ضمنا ، كيف ! ؟ وأعراض النوع عارضة للجنس ولو بنحو الضمنية ، ولا الاكتفاء بمجرد صحة حمل العارض على ذي الواسطة بنحو من الحمل الحقيقي ولا ( 2 ) بصرف اتحاد المعروض لهذا العرض مع ذي الواسطة بنحو من الاتحاد المصحح للحمل المزبور ، فضلا عن توهم الاكتفاء بصرف صحة الحمل - ولو مسامحة عرفية - كيف ؟ وفي اعراض النوع والمقيد بالنسبة الى جنسه ومطلقه [ يصدق ] العروض بالنسبة الى الجنس والمطلق عروضا ضمنيا . بل ويصح حمل العرض على ذي الواسطة بتبع حمل نوعه عليه ، بل وكان وجود معروضه متحدا مع ذي الواسطة ، ومع ذلك أفردوا البحث عن هذه الأعراض في علم آخر يكون موضوعه هذا النوع أو المقيد ، وجعلوا مثل هذه الاعراض بالنسبة الى علم يكون موضوعه الأعم من الاعراض الغريبة وأخرجوها من هذا العلم .

وعليه نقول : ان الأولى بالخروج حينئذ مالو كان العارض عارضا لفصل هذا الجنس ، لما عرفت من ان اعراض الفصل لا تكون عارضة لجنسه - ولو ضمنا - حقيقة ودقة ، وحينئذ : اعراض الفصل بالنسبة الى جنسه أسوء حالا من أعراض النوع بالاضافة الى جنسه لما عرفت : ان الجنس معروض - ولو ضمنا -

( 1 ) ان اقسام العرض الغريب - في كلام المصنف - ثلاثة :

1 - ما يعرض على الجنس بواسطة النوع فيكون العروض والحمل حقيقيان غير أن العروض ضمني لا استقلالي .

2 - ما يعرض على الجنس بواسطة الفصل كالضحك العارض للحيوان - بناء على كونه من خواص الفصل لا النوع - والحمل حينئذ حقيقي من دون عروض استقلالي أو ضمني .

3 - ما يحمل على الشئ بالمسامحة العرفية - لاجل عروضه على ملابسه - كعروض السرعة على الجسم بواسطة الحركة - فلا عروض ولا حمل حقيقي .

( 2 ) الظاهر ان قوله [ ولا ] زائد لا حاجة إليه .


47
لأعراض نوعه ، بخلافه بالنسبة الى اعراض الفصل فانها خارجة عن المعروض حقيقة .

وأولى من ذلك ما لا يكون من عوارض شئ دقة ولا [ قابلا ] للحمل على ذي الواسطة ، كما مثلنا بالسرعة [ والبطؤ ] العارضين للحركة العارضة للجسم ، وهكذا الاستقامة والانحناء العارضين للخط القائم بالجسم ، فان [ في ] امثال هذه العوارض بالنسبة الى الجسم لا يصدق العروض ولا يصح الحمل ، فحينئذ عدها من الاعراض الغريبة أولى من الامور السابقة .

وعليه فليس المدار في الأعراض الذاتية التي في قبالها إلا كون العرض ثابتا للشئ دقة بنحو الاستقلال - ولو يجعل الخصوصيات المأخوذة في موضوع المسائل بنحو الجهات التعليلية لا التقييدية - .

وربما بذلك يرتفع الاشكال المشهور بان موضوع المسائل بالاضافة الى موضوع العلم من قبيل النوع الى الجنس ، مع انهم جعلوا العوارض الثابتة لعنوان أخص من الموضوع من العوارض الغريبة ، لانه يقال :

بأن ما افيد كذلك - لو كانت الخصوصيات المأخوذة في موضوعات المسائل من الجهات التقييدية [ الدخيلة ] في المعروض و [ كانت ] بمنزلة النوع الى جنسه - ولكن ذلك اول شئ ينكر إذ من الممكن كون الخصوصيات المأخوذة في موضوعات المسائل من الجهات التعليلية الموجبة لطرو العارض على ذات الجنس قبل تنوعه بنوع من أنواعه ، كما لا يخفى ، فيخرج موضوع المسألة حينئذ من النوعية ، كما أشرنا آنفا .

ومن التأمل في ما ذكرنا يظهر الميزان في واسطة العروض الراجعة إليها الأعراض الغريبة ، حيث إن المدار فيها على كون العارض عارضا للواسطةمحضا ويكون ذو الواسطة مما يصح سلب العارض عنه في مقام العروض استقلالا


48
- وان صح [ حمله عليه ] ( 1 ) تبعا - .

والى ذلك أيضا امكن ارجاع ما في شرح المنظومة : بان المدار في الوساطة في العروض على صحة سلب العارض [ عن ذي ] الواسطة ، وان كان تمثيله بحركة جالس السفينة يوهم كون مراده من صحة السلب : صحته في مقام الحمل ايضا ، ولكن الظاهر تصديقه خروج العلوم السافلة عن العالية بالبيان المتقدم عن شارح الاشارات ، فلابد من حمل كلامه هنا على صحة سلبه في مقام العروض لا الحمل ، وإلا ففيه الاشكال المتقدم .

وأوضح من ذلك اشكالا ما حكي عن بعض الأساطين الأعلام من ان المدار في العرض الذاتي على مجرد اتحاد معروض هذا العارض مع ذي الواسطة وجودا ، وجعل الضحك العارض للانسان من العوارض الذاتية للحيوان بمحض اتحاد وجود الحيوان معه ، فكأنه لاحظ مجرد صحة حمل الضاحك على الحيوان .

ولقد عرفت انه لو كان المدار على ذلك يلزم ادخال مسائل العلوم السافلة في [ العلم ] الأعلى ، وهو في الحقيقة تخريب لما أسسوا من الأساس [ في ] كيفية تناسب العلوم وامتياز [ موضوعات بعضها ] عن الآخر ومرجعه الى خلط العلوم الرياضية والطبيعية والفلسفة الإلهية أسفلها بأعلاها ، وما اظن ارتضاءه بذلك .

وأوضح اشكالا من ذلك ما عن بعض أعاظم المعاصرين على [ ما هو ] المحكي من مقرر بحثه حيث جعل ميزان الوساطة في العروض على احتياج [ عروضها ] الى واسطة اخرى في الثبوت ( 2 ) ومثل ذلك بالضحك العارض للتعجب العارض لادراك الكلي ، وظاهر كلامه التزامه بعروض الضحك للانسان مع كونه من عوارض التعجب باعترافه .

ولا يخفى ما في هذا الكلام من مواقع النظر ، إذ :

( 1 ) اي حمل العارض على ذي الواسطة .

( 2 ) ولا يخفى لطفه .


49

أولا في التزامه عروض الضحك للتعجب ، والتعجب للادراك ، مجال نظر . كيف ! ولا مجال لدعوى ان [ التعجب ] ضاحك ، مع ان العروض ملازم مع صحة حمل وصفه الاشتقاقي على معروضه ، فلا محيص من جعل التعجب من الجهات التعليلية ، لعروض الضحك على النوع أو فصله ، وهكذا الأمر بالنسبة الى الادراك بالاضافة الى التعجب بعين صحة سلب الحمل المزبور فيهما ايضا .

وثانيا على فرض تسلم عروض الضحك للتعجب لا معنى بعده للالتزام بعروضه للانسان الا بالواسطة من كونه معروض معروضه لا معروضه ، وإلا فهو لا يناسب مع كونه عارضا للتعجب إذ يستحيل لعارض شخصي واحد معروضان بنحو الاستقلال .

نعم غاية ما في الباب صحة حمل العارض على ذي الواسطة بتبع حمل الواسطة عليه . ولكن مجرد صحة الحمل لا يلزم العروض وإن كانت الملازمة محفوظة في طرف العكس .

وثالثا على فرض تسليم عروض الضحك على الانسان نقول إن لازمه كون الضحك من عوارض ذات الانسان بواسطة أمر مساو له ، وظاهرهم ادخال مثل هذه العوارض في العرض الذاتي لا العوارض الغريبة وإن كان لنا في مثل هذا التفصيل بين الأعراض - بتوسيط المساوي أو الاعم والأخص بجعل [ الأول ] من العوارض الذاتية والأخيرين من الغريبة - نظر ؛ إذ الواسطة ان كانت من الجهات التعليلية - كما أشرنا - فالعارض بالوسائط المزبورة من العوارضالذاتية ، بعد الجزم بعدم ارادتهم منها خصوص ما انتزع من الذات أو الثابتة باقتضاء الذات ، وان كانت من الجهات التقييدية الموجبة لتخصص الموضوع بخصوصية خارجة معروضة لهذا العرض ، فالعارض المزبور بالنسبة الى الجامع ( 1 )

( 1 ) هذا الرأي للمحقق النائيني قدس سره وحاصله : ان العارض الذاتي ما يعرض على الشئ بدون >


50
في ضمن هذه العناوين الخاصة من العوارض الغريبة كما أسلفنا من المؤسسين لهذا الأساس في باب تناسب العلوم وغيره ، ولذا أشكلنا على من جعل موضوع الفقه فعل المكلف علاوة [ على ما ] تقدم ( 1 ) : بأن نسبة الفعل الى عنوان الصلاة كنسبة الجنس الى نوعه المتخصص الاستعداد ، كما ان ضم حيثية الاقتضاء والتخيير [ إليه ] ايضا لا يجدي شيئا : لأنه ان اريد اقتضاء نفس الفعل مستقلا فواضح الفيساد ( 2 ) ، وان اريد اقتضاؤه ضمنا فغير مثمر - على ما تقدم - ، وان اريد جعل العنوان المزبور مشيرا الى العناوين الخاصة التي هي الموضوعات للمسائل فيخرج عن الوحدة ، وان اريد جعل العنوان المشير موضوعا واحدا فلا أثر له كي يبحث عن عوارضه .

وبالجملة نقول : ان الالتزام بكون الضحك من عوارض الانسان على وجه يصدق عليه أنه معروضه لا يناسب مع الوساطة العروضية ، كيف ! وترى ان شارح المنظومة ينادي بأن المناط في الوساطة العروضية على صحة سلب اعراضها عن ذي الواسطة ، فمع اعترافه بعدم صحة السلب حتى في مقام العروض فضلا عن مقام الحمل كيف يدخل مثل هذه في الاعراض الغريبة

< واسطة في العروض ، وان احتاج الى واسطة في الثبوت كعروض التعجب للانسان بسبب ادراكه للكليات . والعارض الغريب ما يعرض على الشئ بواسطة في العروض : والواسطة في العروض هي ما تحتاج الي واسطة في الثبوت فالعارض الغريب هو ما يعرض على الشئبواسطتين .

جاء في تقريرات بحثه - بعد كلام في هذا الصدد - ما نصه : ( فالميزان أن العارض ان احتاج الى واسطة غير محتاجة الى واسطة اخرى فالواسطة في الثبوت وإلا ففي العروض ) . أجود التقريرات ج 1 ص 8 .

( 1 ) لعله اشارة الى ما تقدم منه من عدم كون فعل المكلف جامعا ماهويا لموضوعات مسائل علم الفقه .

( 2 ) باعتبار أن فعل المكلف بما هو ليس موضوعا لتكليف الشارع إلا بعد تخصصه بعنوان من العناوين كالصلاة والصوم والبيع وغيرها .


51
الثابتة بالواسطة العروضية .

نعم لو كان له اصطلاح جديد لا مشاحة فيه ولكن لنا حينئذ كلام آخر وهو أنه لو كان غرضه من هذا الاصطلاح اخراج بحث ضحك الانسان عن علم يكون موضوعه الانسان فمع الاعتراف بعروض الضحك حقيقة للانسان بمحض كونه بواسطة [ عروضية ] [ باصطلاحه ] فهو أول شئ ينكر والا فلا ثمرة في هذا الاصطلاح اصلا ( 1 ) .

وكيف كان نقول : الذي يقتضيه النظر في شرح وساطة العروض بمقتضى التتبع في لوازم كلماتهم أن المدار فيها على صحة سلب العارض في مقام العروض بنحو الاستقلال عن ذي الواسطة ، واليه ايضا [ ترجع ] جميع الأعراض الغريبة الخارجة عن مسائل العلم ، وفي قباله كون ميزان الأعراض الذاتية الداخلة في مسائل العلم بثبوتها لشئ حقيقة بنحو الاستقلال بلا اختصاص بكونه بالذات ، وبلا فرق بين كون الواسطة التي هي من الجهات التعليلية لعروض شئ على شئ مساويا أو [ أعم أو أخص ] كما أن الواسطة لو كانتمن الجهات التقييدية الموجبة لسلب العروض الاستقلالي عن الجامع بينها - ايضا لا فرق بين الاعم والاخص والمساوي ، إذ مهما كان العرض قائما بالواسطة كان [ بالنسبة ] الى ذي الواسطة من الأعراض الغريبة - .

ولقد أجاد في الفصول حيث جعل الميزان في العوارض الذاتية بأن لا تكون بالواسطة في العروض ولو كانت الواسطة مساوية . وتبعه فيه استاذنا العلامة رضي الله عنه في كفايته ، وان كان تحديده موضوع العلم بأن نسبته الى

( 1 ) حاصل غرضه قدس سره : أن الثمرة المتصورة لجعل الضحك عارضا غريبا للانسان - بناء على أن العارض الغريب : ما يعرض على الشئ بواسطتين - هي : اخراج الضحك من علم يكون موضوعه ( الانسان ) . لكن لازم كون الضحك - مع ذلك - عارضا على الانسان حقيقة دخوله في العلم الذي يكون موضوعه ( الانسان ) . فلا تترتب الثمرة المطلوبة .


52
موضوعات المسائل كنسبة الكلي الى أفراده باطلاقه منظور فيه ، كيف ! وقد أشرنا سابقا بأن كثيرا ما لا يكون لموضوعاتها جامع معنوي ذاتي ، وعلى فرض وجود جامع لها [ لا تكون ] عوارض نوعه عوارض لها ( 1 ) .

بل الأولى أن يقال في [ الموضوعات ] العلوم بقول مطلق انها متحدة مع موضوعات المسائل بنحو من الاتحاد ، لا كاتحاد الجنس [ بنوعه ] أو [ بفصله ] كما عرفت مفصلا .

[ موضوع علم الاصول ]

ثم بعد ما اتضح ما ذكرنا نقول : إن موضوع علم الاصول هي الأدلة الأربعة بما لها من الخصوصية بلا موجب لانتزاع جامع بينها ، وانها عين موضوعات [ مسائله ] ذاتا ، كعينية [ موضوعات مسائل ] النحو للكلمة والكلام ، وهكذا في موضوع الفقه من كون موضوعه عين موضوعات مسائله ذاتا خصوصافي الصلاة والصوم . ومجرد عدم عنوان واحد لموضوعات هذه العلوم القابلة لجعله مقياس تميز هذه عن غيرها لا يوجب اخراجها عن دائرة الفنون المضبوطة والعلوم المعنونة ، إذ يكفي في تميزها عن غيرها مجرد اختلاف [ اغراضها ] سنخا بلا احتياج - في تحديد هذه [ الاغراض ] بحد ينحفظ ، من قبل المسائل المعدودة المعهودة - الى الميز في موضوعاتها ، بل لاختلافها سنخا كان كل سنخ منها مترتبا على شطر من المسائل وسميت باسم وفن مخصوص عكس بعض العلوم [ الاخرى ] .

( 1 ) ينبغي ان تكون العبارة هكذا : " لا تكون عوارض نوعه عوارض له " بأن يعود الضمير الاخير الى الجامع .


53

[غرض مسائل علم الاصول ]

وكيف كان نقول : ان الغرض من هذا العلم هو استنباط الأحكام ، فلا جرم ترجع [ مسائله ] الى ( القواعد الواقعة في طريق استفادة الوظائف العملية عقلية أو شرعية ) ، ولو [ بجعلها ] كبرى قياس ينتج حكما شرعيا كليا واقعيا - كقولنا : هذا ما أخبر به العادل بوجوبه واقعا ، وكلما كان كذلك فهو واجب كذلك - أو ظاهريا - كقولنا : هذا مما تيقن سابقا بوجوبه وشك لاحقا وكلما كان كذلك فهو واجب ظاهرا - أو حكما عقليا - كقولنا : هذا مما لم يرد عليه بيان وكلما كان كذلك فهو مما لا حرج فيه عقلا أو يجب فيه الاحتياط أو تخير بين الأمرين ( 1 ) .

وهذا الميزان في تعيين المسائل أولى من جعل ميزانها [ الوقوع ] في طريق استنباط الحكم الشرعي أو ما يتعلق ( بالعمل بالواسطة ) لخروج المسائل الاصولية العملية عنها لأنها متعلقة بالعمل بلا واسطة لأن مضمونها أحكامظاهرية تكليفية منطبقة على مواردها وينحصر بالبحث عن حجية الخبر بناء على كون مفاد أدلة اعتبارها أيضا مجرد جعل الحجية وإلا فلو جعلنا مفادها الأمر بالمعاملة فكانت أيضا مما يتعلق بالعمل بلا واسطة . كما لا يخفى .

وأيضا ما ذكرناه أولى مما أفاده شيخنا العلامة من كون ميزان المسألة الاصولية انحصار أمر تطبيقه بيد المجتهد إذ تطبيق عنوان مخالفة الكتاب والسنة أيضا بيد المجتهد مع أن شرطيته للصلح أو الشروط من المسائل الفرعية فتدبر .

بقي هناك اشكال مشهور وهو : ميزان المسألة الاصولية ان كان على وقوعها في طريق الاستنباط المزبور بلا واسطة فلازمه خروج مباحث الألفاظ

( 1 ) هذه اشارة الى الاصول العقلية الثلاثة . اصل البراءة العقلية واصل الاحتياط العقلي واصل التخيير العقلي .


54
من اول الأوامر الى آخر المطلق والمقيد من مسائله لأن نتيجة هذه المسائل تعيين الظهور الذي هو صغرى لكبري اخرى هي المنتجة للحكم الشرعي أو الوظيفة العملية ، وان كان الميزان وقوعها في طريق الاستنباط ولو بالواسطة فلازمه دخول مسائل كثير من العلوم الأدبية ومسائل علم الرجال في المسائل الاصولية ، إذ نتيجتها بالأخرة تنتهي إلى الوظائف العملية . هذا مضافا الى أن ديدنهم على اخراج مسألة المشتق عن المسائل وجعل أول المباحث مباحث الأوامر فيبقى حينئذ سؤال الفرق بين هذه المسألة وبين بقية المباحث المزبورة خصوصا المباحث الراجعة الى العام والخاص إلى آخره .

وتوضيح الجواب هو : أن المدار في المسألة الاصولية على وقوعها في طريق استنباط الحكم الشرعي بنحو يكون ناظرا الى اثبات الحكم بنفسه أو بكيفية تعلقه بموضوعه وذلك يقتضي عدم دخول العلوم الادبية في المسائل الاصولية إذليس المهم فيها احراز ظهور الكلمة أو الكلام في شئ ، بل تمام المقصود في ظرف الفراغ عن فاعلية كلمة أو [ مفعوليتها ] كون الفاعل مرفوعا و [ المفعول ] منصوبا فحينئذ لا يصدق عليها كون قواعدها ممهدة للاستنباط ، وعلى فرض [ أن ] المقصود منها أيضا احراز الظهور في شئ ، [ فغاية ] ما في الباب وقوعها في طريق استنباط الموضوع للأحكام لا نفسها .

وتوهم أن مباحث العام والخاص والمطلق والمقيد أيضا كذلك ، مدفوع بأن نتيجة هذه المسائل وان لم يكن استنباط ذات الحكم ، ولكن من المعلوم أنه يستفاد منها كيفية تعلق الحكم بموضوعه ، كما أن مبحث المفاهيم أيضا موضوع لبيان سنخ إناطة الحكم بشئ فهو أيضا من أنحاء وجود الحكم وثبوته ، وهذا بخلاف المسائل الأدبية فانها ربما تقع في طريق استنباط موضوع الحكم بلا نظر فيها اصلا الى كيفية تعلق حكمه .

ومن هذا البيان أيضا ظهر وجه خروج المشتق أيضا من المسائل إذ شأنه


55
ليس الا احراز موضوع الحكم لا نفسه ، لا بذاته ولا بكيفية تعلقه بموضوعه .

ومن هنا ظهر أيضا وجه خروج مسائل علم الرجال عن المسائل الاصولية لكونها أيضا كمبحث المشتق وسائر العلوم الأدبية واقعة في طريق استنباط الموضوع لا نفس الحكم ولا لكيفية تعلقه بموضوعه ، بل شأنه اثبات موضوع الحكم محضا من كون السند موثوقا به كي [ تشمله ] أدلة التعبد به . مع إمكان أن يقال أيضا أن كثرة مسائله كانت بمثابة موجبة لانفرادها وجعلها علما مخصوصا مستقلا عن الاصول ، وحينئذ تختص المباحث الاصولية بالبحث عن الحجية واحراز الدلالة لأصل الحكم أو لكيفية تعلقه بموضوع .

كما أن في المقام أيضا [ اشكالا ] آخر وهو : أن البحث عن قاعدة الطهارةفي الشبهات الحكمية أيضا مع كونها واقعة في طريق استنباط الحكم الفرعي الكلي داخلة عندهم في القواعد الفقهية وخارجة عن المسائل الاصولية .

ولكن اعتذر عن ذلك استاذنا الأعظم في كفايته بازدياد قيد آخر في المسألة الاصولية [ هو ] عدم اختصاصها بباب دون باب ولا يرد عليه قاعدة لا ضرر ولا حرج غير المختصة بباب ، لأن ذلك لم يكن منتجا لحكم كلي الا في ظرف جريانهما في مقدار الفحص من الطرق أو في موارد التبعيض في الاحتياط في الشبهات الحكمية ، فهذه القاعدة من حيث عدم اختصاصها بباب دون باب [ لا تنتج ] حكما كليا وانما انتاجها له أيضا من جهة خصوصية في المورد ، فتدبر .

ثم إن من فحاوي ما تلوناه ظهر غاية هذا العلم من كونه الاستنباط المعهود بين الأعلام ، كما أن تعريفه أيضا لابد وأن يجعل عبارة عن نفس القواعد المزبورة وحيث ان لتلك القواعد علاوة على واقعيتها وجودات علمية صح تعريفه ب‍ ( العلم بهذه القواعد ) نظرا الى أن العلم بشئ بعناية عين المعلوم ، بل ولها أيضا وجودات كتبية ، وبهذه العناية [ تطلق ] هذه الفنون على الصور المنقوشة ، ولو لوحظ شغل الاصولي في استخراج قواعدها من مباديها [ لناسب ] تعريفه


56
ب‍ ( صناعة مخصوصة ) فلجميع هذه التعابير نحو مناسبة مع الفن المزبور ، فكل الى ذلك الجمال يشير .

ثم إنه بعد ما عرفت ما يتعلق بالعلم موضوعا وغاية وتعريفا يقتضي قبل الشروع في المقصد تقديم امور تكون من المبادي لمسائله توطئة للبصير في دخول المقصد ، والمناسب طي هذه الامور أيضا في مقالات فنقول وبه نستعين :


57

المقالة الثانية

حقيقة الوضع

58

59

[ المقالة الثانية ]

[ في حقيقة الوضع ]

لا شبهة في عدم دلالة الألفاظ على معانيها بنفس ذاتها ، بحيث [ يفهم ] كل أحد من اللفظ معناه بلا توسيط شئ آخر في البين ، ولا اظن توهمه من أحد ، فليس نظر من التزم بأن دلالة الألفاظ [ مستندة ] الى المناسبات الذاتية الى كون المناسبة المزبورة مما يلتفت إليها كل أحد ، وبتوسطها يفهم المعنى من نفس اللفظ بلا قرينة عامة أو خاصة بل قصارى ما يتخيل في المقام أمران :

أحدهما : أن تعيين كل لفظ لأي معنى وتخصيصه به لابد وان يكون لخصوصية وربط بينهما كي لا يلزم الترجيح بلا مرجح في هذا التخصيص ، مع الالتزام بأن هذه الخصوصية لابد وان تكون ملتفتا إليها حين الوضع والتخصيص لدى الواضع والمعين . وحيث ان المحيط بهذه الجهات اليس إلا علام الغيوب فالجاعل لا يكون الا هو ، غاية الأمر قد ألهم غيره في استعماله اللفظ الخاص في معنى مخصوص بلا التفاته [ الى ] خصوصيتها . مؤيدا ذلك أيضا بأن المحيط بألفاظ غير متناهية ومعاني كذلك لا يكون إلا الباري عز اسمه علاوة من عدم معروفية أحد في وضع هذه الألفاظ بكثرتها واختلاف لغاتها من تاريخ أو غيره ولو كان الواضع أحد من المخلوقين لبان .

ثانيهما : هذا المعنى مع عدم لزوم التفات الواضع الى المناسبة المزبورة بل المناسبة الواقعية دعته الى التفاته [ الى لفظ مخصوص ] والمعنى كذلك


60
[ ف‍ ] عينه له بلا شعوره [ بالمناسبة ] المسطورة ، أو ان إلهامه تعالى اياه دعاه الىوضع لفظ خاص لمعنى مخصوص لعلمه بمناسبة بينهما بلا وضعه تعالى له بل أوكل الوضع الى مخلوقه بإلهامه لوضعه [ له ] . هذا غاية بيان لما يتوهم .

أقول : لا يخفى ان عمدة الذي دعاهم الى الالتزام بما ذكر هو توهم احتياج تخصيص كل لفظ بمعناه الى خصوصية وربط بينهما هو المرجح للتخصيص ، وأظن أن الإلتزام بذلك في جميع الاضافات والاختصاصات يوجب انكار المقارنات الاتفاقية بين الأشياء ، إذ مقارنة الوجودين أو الموتين يستلزم [ ربطا ] بينهما حذرا من ترجيح اختصاص هذا الوجود بحال وجود الآخر دون غيره بلا مرجح ، فلابد وان يكون لمرجح وربط بينهما ، وهكذا الأمر في الموتين . ورفع هذه الغائلة ليس إلا بدعوى إمكان تقارن الآجال و [ تصرم ] الاستعدادات للوجودات .

بل ويمكن في المقام دعوى كون المرجح خصوصية في نفس وضع اللفظ لمعناه لا بينهما . نظير ما قيل في الأحكام الوضعية ( 1 ) من كون الجعل لمصلحة في نفس الجعل بلا ربط بين متعلقي الجعل أبدا ، كما أن الالتزام بكون علام الغيوب واضعا أيضا مستند إلى توهم كون [ واضع جميع ] الألفاظ لمعانيها شخصا واحدا محيطا بجميع الألفاظ بمعانيها . وهذا التوهم أيضا أوضح فسادا من الأول ، إذ من الممكن إن من زمن آدم الى زماننا في كل طبقة [ أشخاصا ] [ عديدين ] واضعين ألفاظا مخصوصة لمقدار من المعاني التي كانت محل ابتلائهم بحيث ينتهي أمر الواضعين بمرور الزمان الى أشخاص غير محصورين [ خارجين ] عن تحت الضبط بحيث لم يقبل نقلهم في التواريخ ولا في [ غيرها ] .

( 1 ) المقصود من الأحكام الوضعية : الأحكام الموضوعة بمعنى ( المجعولة ) لا الوضعية المقابلة للتكليفية .


61

نعم ربما ضبطوا في التاريخ اول واضع في كل لغة ، كما حكي أن المخترع للغة العرب يعرب ، وهكذا الأمر لمخترعي سائر اللغات ، وان كان [ الواضعون ] في كل طائفة أيضا غير محصورين .

ولعمري إن الوجدان السليم يساعد ما ذكرنا ، ولا أقل من امكانه واحتماله فينسد حينئذ طريق كشف الربط والخصوصية بين اللفظ والمعنى أو كون الواضع هو الباري عز اسمه ، فلا محيص حينئذ إلا من الالتزام [ بعدم ] انتهاء دلالة الألفاظ الى المناسبات الذاتية ، ولا كون الواضع علام الغيوب ، بل من الممكن وضع الألفاظ من المخلوقين لمحض [ إنتقالهم ] الى لفظ من باب الإتفاق بالنسبة الى معنى كذلك ، أو لا أقل من جهة خصوصية في نفس وضعه بلا ربط بين اللفظ والمعنى كما نشاهد في وضع الأعلام الشخصية أو المعاني الحادثة الاختراعية .

وما نرى أيضا من بعض المناسبات العرضية في بعض المقامات غير مرتبط بمحل البحث إذ هي امور عرضية ملحوظة احيانا غير مرتبطة بالمناسبة الذاتية المقتضية لتعيين اللفظ لمعناه بالطبيعة ( 1 ) كما هو المدعى كما لا يخفى .

وحيث اتضح لك ما تلوناه وانتهى أمر الدلالة الى نحو علقة واختصاص حاصل بين اللفظ والمعنى من جعل جاعل أو كثرة استعمال يبقى الكلام في شرح حقيقة هذه العلقة فنقول :

أولا : إن هذه العلقة هي نحو من الارتباط الحاصل بين المرآة ومرئيه بحيث لا يلتفت الى اثنينيتهما ، ويحسب أحدهما قالبا للآخر ونحو وجود له وكانا بنحو يكون الانتقال بأحدهما عين الانتقال بالآخر ، وربما [ تسري ] صفات أحدهما الى الآخر ، فقبح المعنى ربما يسري الى اللفظ ، كما أن تعقيد اللفظ قد

( 1 ) متعلق بقوله ( المقتضية ) أي المناسبة الذاتية المقتضية بطبيعتها لتعيين اللفظ لمعناه .


62
يسري الى المعنى وبذلك تمتاز نسبة الألفاظ إلى معانيها عن نسبة العلامات الى ذيها كالبيرق الموضوع علامة للحرب أو الخشبة الموضوعة علامة للفرسخ أو الدخان الذي هو علامة وجود النار ، فان الالتفات الى البيرق والخشب والدخان يلازم الالتفات الى غيره لا عينه ، بل و [ لا تسري ] صفات أحدهما - حسنا وقبحا - الى الآخر كما يشهد له الوجدان السليم والذوق المستقيم .

بقي تتميم فيه تحقيق : وهو أن هذه العلقة والارتباط بعد تمامية جعلها وصحة منشأ اعتبارها وإن سميت من الامور الاعتبارية في قبال مالها ما بإزاء في الأعيان من نحو هيئة قائمة بها ولكن لم [ تكن ] من الاعتبارات المحضة المتقومة بالاعتبار محضا بحيث تنعدم بانقطاعه بل كانت من الواقعيات التي كان الاعتبار طريقا إليها بحيث كانت قابلة لتعلق الالتفات إليها تارة والغفلة اخرى ، ولها موطن ذهني وخارجي [ نظير ] الملازمات الذاتية بين الأشياء المحفوظة في عالم تقررها المخزونة في الذهن تارة وفي الخارج اخرى تبعا لوجود طرفيها خارجا وذهنا ، فالعقل كما يرى في الذهن الملازمة بين الطبيعتين كذلك يرى في الخارج هذه الملازمة بين الموجودين في الخارج وهكذا نقول في العلقة المزبورة بأنها بين الطبيعتين [ ذهنية ] وبين الموجودين خارجا [ خارجية ] ، ولا نعني من خارجية هذه الامور إلا كونها بنفسها خارجية لا بوجودها ، نظير نفس الوجود والعدم كما أن في الذهن ايضا كذلك ، إذ واقع ما هو ملازمة واختصاص بالحمل الشايع غير مفهومهما . وما هو موجود في الذهن هو أمثال هذه المفاهيم لا مصداقها ، فمصداقيتهما التي هي قائمة بالطرفين تبعا لنفس الطرفين بنفسها ذهنية بحيث لا يرى في الذهن وجود زائد عن الطرفين بشهادة أنه لو فرض رفع الملازمة مثلا عنهما [ لا تتغير ] صورتهما في الذهن عما هما عليه حين تلازمهما كماهو الشأن أيضا في وجودهما خارجا وبهذه الجهة نقول : إن مثل هذه العلائق [ لا توجب ] تغيرا في وجود [ أطرافها ] لا خارجا [ و ] لا ذهنا ، وليست من الموجودات


63
في الأعيان كالنسب الموجبة لهيئة خارجية أو ذهنية في طرفيهما كالفوقية والتحتية [ والمحاذاة ] والتقابل وامثالها ، ولكن مع ذلك لا يقتضي ذلك نفي الواقعية لها ، فلا مجال حينئذ للاستشهاد بعدم تغير الوجودات بمثل هذه النسب ذهنا وخارجا على كونها من الاعتباريات المحضة المنقطعة بانقطاع الاعتبار ، كيف ؛ وذلك يستلزم انعدامها واقعا بانعدام الاعتبار واللحاظ ، والعقل يأبى عن الإلتزام بانعدام الملازمة - ولو جعلية واقعا - بمحض الغفلة عن لحاظها أو اعتبار عدمها في مورد ثبوتها .

ولئن شئت توضيح المقام بأزيد من ذلك فاسمع : إن حقيقة الملازمة [ تنتزع ] من ملاحظة وجود شئ في ظرف وجود غيره ولو في فرضه الطريق الى الخارج . كما ان مرجع اختصاص اللفظ بالمعنى في مقام الابراز ايضا الى مبرزية اللفظ له في فرض وجوده كذلك ، ومثل هذه الجهة من الامور الواقعية كسائر القضايا الحقيقية المبنية على فرض وجود الموضوع في فرضه الطريق الى واقعه لا بنحو الموضوعية وبذلك [ تمتاز ] أمثال هذه النسب والاختصاصات عن الامور الاعتبارية المحضة المتقومة بحقائقها بنفس الاعتبار ، كالوجودات الادعائية والتنزيلية حيث لا واقعية لها لو لا اعتبار معتبر . ومن هذا الباب اعتبار وجود غول وأنيابه ، ومنه أيضا النسب الحاصلة بين المفاهيم التحليلية المنتزعة عن وجود واحد حيث إن بانقطاع الاعتبار [ تنعدم ] مثل هذه النسب واقعا .

وبذلك ايضا أجابوا عن شبهة اعتبار اضافة اخرى بين الاضافة والمضاف على من التزم بوجود الاضافات في الخارج . وعمدة الوجه فيها هو أنفي أمثال هذه الاعتبارات كان لحاظ المعتبر من وسائط ثبوتها لا طريقا إليها بخلاف ما ذكرنا من أنحاء الاختصاصات الجعلية ، إذ هي كانحاء الملازمات الذاتية كان لحاظها مجددا طريقا إليها ، لا من وسائط ثبوتها ، ولقد أشرنا في أول الكتاب بأن حقيقة الفنون عبارة عن القواعد التي يتعلق بها العلم تارة والجهل


64
اخرى ، مع أن قوانينها غالبا جعلية ، وما كان منها غير جعلي كان من سنخ أبواب الملازمات الواقعية ، ولو كانت مثل هذه أيضا من الاعتبارات المتقومة باعتبار المعتبر لزم الالتزام بانعدام القوانين من كل فن بمحض غفلة اللاحظ عن لحاظها فينتهي الى انعدام الفنون واقعا بمحض الغفلة عنها وهذا مما يأبى عنه العقل السليم والذوق المستقيم .

فان قلت : ان ذلك إنما يلزم لو كانت اعتباريتها [ تابعة ] [ لاعتبار ] أي شخص كان . وأما لو قيل بأنها [ تابعة ] [ لاعتبار ] معتبر خاص فلا شبهة حينئذ في أن نظر غيرهم بالنسبة إليها طريق صرف بلا موضوعية له إلا نظر شخص الجاعل وحينئذ لا يلزم ما ذكرت من التالي من انعدام الفنون بالغفلة عنها .

قلت : إن كان الغرض من اعتبار [ المعتبر ] الخاص ، حدوث اعتباره محضا فلا شبهة في انعدامه خصوصا بفناء معتبره فلازمه عدم بقاء الأمر الاعتباري إذ هو تابع اعتباره حدوثا وبقاء فلازمه حينئذ عدم تصور بقاء للفنون حتى مع التفات غير المعتبر فضلا عن غفلته ، وهذا المعنى أشد محذورا في باب الفنون الأبدية [ غير ] المنسوخة .

وإن كان الغرض اعتبار المعتبر بنحو يبقى اعتباره الموجب لبقاء الامر الاعتباري فنقول : كيف يتصور ذلك مع فناء المعتبر ، وحينئذ لا يتصور البقاء في الامور الجعلية إلا بدعوى سيرورة الجعل منشأ لإحداث نحو اختصاصوملازمة بين الطرفين باقية ما دام اقتضاء الجعل له نظير سائر الملازمات الذاتية ، ومرجع ذلك الى الالتزام بنحو من الواقعية التي أشرنا إليها آنفا فراجع .

وعليه فلا غرو بدعوى أن لأمثال هذه النسبة نحو شباهة بالاعتبارات المحضة حيث لا يوجب تغيير صورة بين الطرفين لا خارجا ولا ذهنا ، بل هي بنفسها ذهنية وخارجية ، ولها أيضا نحو شباهة بالاضافات المقولية والنسب


65
الخارجية حيث إن لها واقعية بحيث [ تكون ] [ قابلة ] للالتفات إليها تارة والغفلة اخرى .

ولئن شئت قلت : ان مثل هذه الاعتبارات بل وأنحاء الملازمات الخارجية نحو اعتبار وسيط بين الاعتباريات المحضة المنقطعة بانقطاع الاعتبار وبين النسب الخارجية المحدثة لأنحاء من الهيئة لطرفيها ، كما لا يخفى .

بقي هنا دفع سهم آخر ؛ لعلك تقول ايضا : ان لازم واقعية هذه الامور الجعلية عدم اختلاف أحد في اعتبارها بمحض جعل جاعل ، مع أنا نرى اختلافهم فيه ، وربما لا يعتبر بعضهم الاختصاص المعهود مع التفاته [ الى جعل ] غيره كما ترى مخالفة الشارع مع العرف في اعتبار الملكية بل وترى الاختلاف بين أهل العرف في ذلك .

قلت : ذلك كله لولا رجوع اختلافهم إلى صحة الجعل ومنشأه ، والا فمرجع اختلافهم إلى تخطئة بعضهم بعضا في المنشأ بملاحظة عدم كون ما يرى غيره منشأ بمنشأ . وإلى ذلك أيضا يرجع أمر اختلاف العرف والشرع في اعتبار الملكية ، وهذا المقدار لا يقتضي نفي الواقعية لها عند واقعية منشأه وصحته ، وهل ترى [ أحدا ] يعتبر عدم الاختصاص واقعا بين اللفظ والمعنى في فرض كون المنشأ كثرة الاستعمال . ولو كان أمرا اعتباريا محضا لزم امكان اعتبار خلافالاختصاص حتى مع كثرة الاستعمال وهو كما ترى .

هنا ايقاظ فيه إرشاد : وهو ان حقيقة الجعل عبارة عن ارادة الجاعل كون اللفظ مبرزا وقالبا لمعناه ، وهو نحو من اختصاصه به ، ومرجع ذلك إلى توجه الارادة إلى ثبوت القالبية له ، و [ الباسه ] لباس المبرزية . ولئن شئت فعبر عنه بتعهد الواضع والجاعل على اتصاف اللفظ بصفة المبرزية والقالبية بحيث يكون ارادته وتعهده متوجها إلى صيرورته قالبا ومبرزا . وحينئذ فغرض القائل بارجاع أمر الوضع وحقيقته إلى تعهد الواضع على ذكر اللفظ عند لحاظ المعنى أو مع


66
ارادة تفهيمه ، إن كان تعهده على اتصاف اللفظ بصفة المبرزية والقالبية فنعم الوفاق إذ [ القائلون ] بجعلية الوضع ايضا لا يريدون أزيد من هذا ، بل ذكر اللفظ عند ارادة تفهيم المعنى حينئذ مستدرك ، إذ اتصاف اللفظ بالمبرزية والقالبية لو كان قابلا للتحقق بمحض ارادة المريد فلا يحتاج تقييده بحين ذكر اللفظ ولحاظ المعنى ، والا فلا معنى لتعلق الارادة بايجاد صفة المبرزية والقالبية له مطلقا [ لإستحالة ] تعلق الارادة بالمحال .

وان كان غرضه التعهد على ذكر اللفظ وايجاده فارغا عن الاتصاف بالمبرزية والقالبية فلا محيص من كون اتصافه بهما من ناحية غير هذا التعهد ولازمه حينئذ ان ينتهي الأمر بالأخرة إلى تعهد آخر راجع إلى حقيقة الجعل كما أسلفنا .

نعم هنا تصور آخر لا يرجع إلى الجعل ولا ينتهي إليه وهو : أن يراد من التعهد ارادة ذكر اللفظ لا بعنوان كونه مبرزا لمعناه اتصافا أو ايجادا بل كان لمصلحة اخرى حاصلة عند لحاظ المعنى فانه حينئذ ربما ينتقل إلى المعنى باللفظ لكونه من اللوازم الاتفاقية من جهة إناطة ارادته به .

ولعمري ان هذا التوهم مما [ تأبى ] عنه الفطرة المستقيمة لأوله إلى كون اللفظ مرادا لمصلحة نفسية اخرى غير ملحوظ فيه حيث آليته لتفهيم المعنى مع أن لازمه صيرورة اللفظ حينئذ علامة لمعناه كعلامة البيرق للحرب مثلا ، لا أنه قالب له بحيث يكون انتقاله للمعنى بعين انتقاله إلى اللفظ ، كما لا يخفى على كل ذي مسكة .

تشريح فيه تحقيق : وهو انه بعد ما عرفت حقيقة الجعل والمجعول فربما يستفاد لعنوانه بعض العناوين الخارجية فيدعى ، نحو عنوان " وضع اللفظ على معناه " لمثله تشبيها له بوضع شئ خارجي على غيره ، ولكن ذلك المقدار لا يخرج حقيقة الجعل والاختصاص عن الحقيقة الواقعية ، وإنما الاعتبار والعناية في عنوانه


67

فلا مجال حينئذ لتوهم الخلط بين العناية في العنوان الجاري على الشئ وبين جعل حقيقة الشئ أمرا ادعائيا عنائيا ، وارجاع جعل الاختصاص المسمى بالوضع بحقيقته إلى اعتبار العناية والتنزيل التي هي من الاعتبارات المحضة المنقطعة بانقطاع الاعتبار .

ولعمري إن الفهم المستقيم أيضا يأبى عن ذلك ويرى ان حقية الجعل هو ايجاد العلقة بين اللفظ والمعنى الراجع في الحقيقة إلى ايجاد صفة المبرزية للمعنى بارادته ، ومرجعه إلى نحو تخصيص اللفظ بمعنى مخصوص ، الراجع إلى نحو تلازم بينهما ، واجري على هذا المعنى عنوان ادعائي عنائي وعبر عنه بوضع اللفظ على معنى ، ففي هذا المورد [ لوحظت ] العناية في جري العنوان لا في الحقيقة فلا معنى لجعل حقيقة الوضع الذي هو عبارة عن الجعل المعهود أمرا اعتباريا محضا وعنائيا ، كما لا يخفى على من راجع إلى ما اسلفنا في وجه فساده .

ثم ان من التأمل في ما ذكرنا ظهر حال سائر الأحكام الوضعية منالملكية والزوجية وان روحها ايضا مثل الاختصاص الوضعي في الألفاظ يرجع إلى نحو اعتبار واقعي بنحو [ تكون ] الاعتبارات الذهنية طريقا إليها لا ان قوام حقيقتها بصرف الاعتبار الذهني كما هو الشأن في الاعتباريات المحضة كالوجودات التنزيلية أو النسب التحليلية ، كما أن مثلها ايضا غير حاكية عما بازاء خارجي ولو مثل هيئة خارجية كما هو شأن الاضافات المقولية من الفوقية والتحتية ولقد أشرنا إلى ذلك سابقا أيضا ، فتدبر .

تتميم للمرام بإرشاد في المقام وهو : ان حقيقة الوضع كما انه قد يتحقق بجعل قبل الاستعمال فقد يتحقق بنفس استعمال لفظ في معناه بقصد حصوله ، وتوهم أوله إلى اجتماع اللحاظين غلط ، إذ النظر المرآتي متوجه إلى شخص اللفظ والمعنى حال الاستعمال وهما غير ملحوظين استقلالا حين الوضع وما هو ملحوظ


68
كذلك فهو طبيعة اللفظ وطبيعة المعنى حين وضعه وأحدهما غير الآخر في مقام اللحاظ كما لا يخفى ، والعجب من صدور هذا الإشكال من بعض أعاظم المعاصرين على ما في تقرير بعض تلامذته .
69

المقالة الثالثة

اقسام الوضع

70

71

[ المقالة الثالثة ]

[ في أقسام الوضع ]

قد يقسم الوضع إلى شخصي كوضع الجوامد ، أو قانوني كما في المشتقات لما سيجئ ان شاء الله تعالى ، فانه بعد البناء في وضعها على انحلاله إلى وضعينكان وضع كل واحد من المادة والهيئة قانونيا نظرا إلى سريان المادة في ضمن أي هيئة موضوعة ، وسريان الهيئة ايضا في ضمن كل مادة موضوعة ، فلكل منهما جهة تكثر وانحلال قابل للقانونية ، بخلاف وضع الجوامد ، كما لا يخفى .

وقد يقسم الوضع بلحاظ تعلقه بالصور الذهنية إلى عموم الوضع والموضوع له أو خصوصهما أو عموم الوضع وخصوص الموضوع له أو بالعكس فمن الأول : أسماء الأجناس ، ومن الثاني : الأعلام الشخصية ، وقيل من الثالث : الحروف وما يلحق بها ، واستشكلوا في الرابع .

ووجه اتصاف الوضع بالعمومية والخصوصية بملاحظة تبعيته لما تعلق به في الذهن من صور المفاهيم ، إجمالية أو تفصيلية ( 1 ) ، ولا أهمية في ذلك ، وإنما المهم في المقام امور [ اخرى ] .

( 1 ) فإذا كانت الصورة الذهنية التي تعلق بها الوضع اجمالية كان الوضع عاما وإذا كانت تفصيلية كان الوضع خاصا .

والظاهر ان المراد من الاجمال والتفصيل هو الكلية والجزئية . فالصورة الذهنية الكلية اجمالية ، بينما الصورة الذهنية الجزئية صورة تفصيلية .


72

أحدها ( 1 ) : ان تصور عموم الوضع والموضوع له ، تارة بنحو هو المشهور من تصور معنى مستقل في الوجود ( 2 ) عاريا عن صور الخصوصيات المفردة الخارجية كمفهوم الحيوان أو غيره مثلا ووضع اللفظ له ، واخرى بنحو آخر من تصور معنى ملاصق مع صور الخصوصيات الفردية بحيث كان لازمه عدم مجيئه في الذهن الا في ضمن صور أشخاص [ الافراد ] فيضع اللفظ لتلك الجهة الضمنية المحفوظة في ضمن صور الأفراد بلا دخول خصوصياتها تحت اللفظ .

ولئن شئت توضيح المرام بأزيد من ذلك فاسمع :

إن الأفراد الخارجية من كل ماهية وان لم [ تكن ] في الخارج إلا مشتملة على حصة من الطبيعي غير الحصة [ المشتمل ] عليها [ غيرها ] بداهة تكثر وجود الطبيعي خارجا ولا معنى له إلا بتخلل العدم بين مراتب وجوده في الخارج ، والا يلزم وحدة وجود الأفراد الخارجية بوحدة عددية ، ولم يلتزم به ذو مسكة ، ولذا قيل بأن الطبيعي مع الأفراد كنسبة الآباء ولكن مع ذلك لا شبهة في أن جهة وجود الطبيعي - بما هو وجوده السعي ( 3 ) - محفوظة في هذه الحصص والمراتب وهي الواحدة بالوحدة الذاتية المنتزع [ عنها ] جنسه وفصله ويترتب عليه الآثار المشتركة بل هو المنشأ لانتزاع مفهوم واحد عن الافراد ، كيف ؛ ويستحيل انتزاعه من المتكثرات بما هي متكثرات خارجية ويعبر عنه ايضا بالوحدة السنخية ( 4 ) بين العلتين لمعلول واحد ، بل وبين كل علة ومعلول .

( 1 ) مقصوده من هذه المقدمة تقسيم ( عموم الوضع والموضوع له ) الى قسمين .

( 2 ) وهو المعنى الاسمي .

( 3 ) وهو وجوده المنتشر بين الأفراد .

( 4 ) يشير بهذه العبارة لنظريته الخاصة بالنسبة للوجود الحصصي للطبيعي وحاصلها :

ان الطبيعي وان لم يوجد في الخارج بوجود واحد عددي ولكنه موجود بوحدته الذاتية وجودا خارجيا موزعا على افراده ، فكل فرد يشكل حصة من وجود الطبيعي . ودليله يتكون من مقدمتين : >


73

ولئن ترد وضوح المقام فقايس وحدة وجود الانسان بوحدة حقيقة الوجود من كونه وحدة ذاتية لا عددية وهو المتحد مع كل مرتبة من مراتبه باتحاد ذاتي لا عددي ، غاية الأمر بلحاظ حد الانسانية يمتاز عن غيره ( 1 ) ولكن لا يخرج عما [ هو ] عليه من الوحدة الذاتية المحفوظة في كنه الوجود الممتاز بالنسبةإلى المراتب المحفوظة في ضمن حدوده الشخصية وحينئذ نقول :

ان هذه الجهة المحفوظة [ بوحدتها ] الذاتية في ضمن الحصص الفردية :

تارة [ تلاحظ ] في الذهن و [ ينالها ] العقل معراة عن الخصوصية .

واخرى [ ينالها ] العقل بنحو يكون [ وجودها ] في ضمن الخصوصيات بحيث [ لا تجئ ] في الذهن إلا مع صور أفرادها الشخصية ، ففي هذه الصورة كانت صور الأفراد في الذهن حاكية عن نحو وجودها خارجا .

فكما أن الفرد بوجوده الخارجي متضمن للجهة المتحدة مع خصوصيته في الوجود مع محفوظية عين تلك الجهة ذاتا في ضمن فرد آخر ، كذلك صورة هذا الفرد في الذهن أيضا [ متضمنة ] لجهة متحدة مع خصوصية في

<

أ - انتزاع مفهوم واحد من المصاديق المتعددة .

ب - ان الواحد لا يصدر الا من واحد ( وهذه قاعدة التسانخ بين العلة والمعلول المعبر عنها بالوحدة السنخية ) .

اذن لابد من وجود وحدة حقيقية في الخارج بين الافراد هي المنشأ لانتزاع ذلك المفهوم الواحد .

( 1 ) يقول الفلاسفة بأن الوجود مساوق للوحدة وهو في عين وحدته متكثر بلحاظ المراتب والحدود التي يتحدد بها .

وإذا كان هذا حكم الوجود - على الاطلاق - فهو يجري في الوجود الانساني أيضا باعتباره أحد مصاديق الوجود .

ولا يرد عليه : لزوم اتحاد الوجود الانساني وغيره من الوجودات الخارجية باعتبار أن مرتبة الوجود الانساني - وهو حد الانسانية - تميز وجود الانسان عن سائر الوجودات .


74
الذهن مع محفوظية عين تلك الجهة بحسب الذات في [ غيرها ] من صور الأفراد ، كيف ؛ ولولا ذلك لما كانت الصورة المخزونة في الذهن [ تامة ] الحكاية عن الخارج ، [ فتماميتها ] في مقام الحكاية أن تكون الصورة المنقوشة في الذهن مشتملة على جميع الجهات المطابقة لما في الخارج كي [ تصير ] مثل هذه الصور فئ الخارجيات [ الحاكي ] عما فيها من الجهات ، فمنها حينئذ الجهة الواحدة السنخية المتحدة مع كل خصوصية والسارية في جميعها علاوة عن الحدود الشخصية الطارية عليها وحينئذ فلا غرو بدعوى امكان ملاحظة صورة هذه الجهة المتحدة ( 1 ) المطابقة لما في الخارج بتوسيط مفهوم اجمالي فيوضع اللفظ له في قبال وضع اللفظ للمعنى العام المنفصل عن الخصوصية بحيث [ لا تجئ ] صور الأفراد في الذهن حين الاستعمال أصلا كما هو المشهور .

وأظن لو تأملت في ما تلوناه لا يبقى لك اشكال في البناء ولا في المبنى ( 2 ) ولا توهم غفلة القائل به عما هو المعروف من أن الطبيعي مع الأفراد كنسبة الآباء ( 3 ) ، وتصدق بان لعموم الوضع والموضوع له [ نحوين ] من التصور [ مشتركين ] في أن اللفظ الموضوع في أي الفرضين داخل في متحد المعنى لا متكثره ، وأن الخصوصيات المكثرة خارجة عن مدلول اللفظ ومفهومه بدال آخر مع عدم انتقال النفس في مقام الاستعمال إلا إلى صور الأفراد الشخصية في

( 1 ) أي الواحدة .

( 2 ) المبنى : هو لزوم اشتراك جميع حصص الطبيعي في جهة واحدة بوحدة ذاتية .

( 3 ) قد يتوهم بأن الطبيعي حينئذ نسبته لافراده نسبة الاب الواحد للابن الواحد وهذا خلاف ما قيل من ان نسبته إليها نسبة الآباء للابناء .

والجواب : ان كون نسبة الطبيعي لافراده نسبة الآباء للابناء لا يمنع من افتراض وحدة ذاتية بين الآباء ولازمها الوحدة الذاتية بين الابناء . إذ الوحدة الذاتية في المنتزع تكشف عن وحدة ذاتية في منشأ الانتزاع .


75
الفرض الثاني دون الأول وليكن ذلك في ذكر منك إلى أن يجئ الكلام في تعيين مصداقه .

ثانيها : ان العناوين الصادقة على الكثيرين تارة [ تنتزع ] من الأفراد بملاحظة ما في ضمنها من الحيثيات الذاتية المتحدة مع الخصوصيات الزائدة عنها خارجا ووجودا كالعناوين الذاتية النوعية أو الجنسية المنتزعة عن أفرادها .

واخرى [ تنتزع ] منها بملاحظة ما فيها من الجهات العرضية ( الخارجة من ذاتها ) المتحدة مع خصوصياتها الشخصية الذاتية بنحو من الاتحاد نظير عنوان ( الشئ ) و ( الذات ) و ( الموجودية ) وأمثالها ، ففي مثلها أيضا الخصوصيات الشخصية الذاتية جهات خارجة عما بازاء هذه المفاهيم المستتبع ( 1 ) لكون حملها على أفرادها كالقسم السابق حملا شائعا صناعيا ،

ولذا نقول : إن في أمثال هذه العناوين لا يحكي العنوان العام أيضا إلا عن الجهة العرضية الضمنية في الأفراد بلا حكايتها في عالم التصور عن الخصوصيات لا اجمالا ولا تفصيلا .

وثالثة يكون العنوان بنحو يحكي عن نفس الخصوصيات المشخصة اجمالا بحيث [ لا تكون ] الخصوصيات المزبورة جهة زائدة عن حقيقة هذا العنوان المستتبع ( 2 ) [ لانطباقه ] على كل خصوصية بشخصها وذلك مثل عنوان الخصوصية و ( التشخص ) و ( الفردية ) ، فانها في الخارج [ تامة ] الانطباق على كل خصوصية معينة وليس حالها كسائر الكليات المنطبقة على الفرد بمحض اتحادها مع

( 1 ) ( المستتبع ) وصف للخروج المقدر . أي أن الخصوصيات الشخصية الذاتية عما بازاء هذه المفاهيم هو الذي يستتبع كون حمل هذه المفاهيم على افرادها حملا شائعا ، فلو كانت داخلة لصح حمل هذه المفاهيم على افراده حملا اوليا .

( 2 ) ( المستتبع ) وصف لمقدر ومعناه : ان عدم كون الخصوصيات المزبورة زائدة عن هذا العنوان يستتبع انطباق العنوان على كل خصوصية بشخصها .


76
خصوصياتها خارجا بنحو من الاتحاد .

وربما يشهد لهذه الجهة من الفرق فرض وقوع العنوانين في حيز الخطاب حيث إنه لو كان المأخوذ ما كان من قبيل الأول والثاني فلا شبهة في أنه في مقام الامتثال ليس للمكلف قصد التقرب بالخصوصية بخلاف العنوان الأخير فان له التقرب بأية خصوصية يأتي بها ، ففي مثل هذه العناوين لا محيص من الإلتزام بكونها من العناوين الاجمالية الحاكية عن الخصوصيات التفصيلية بحيث تكون نسبتها إلى الخصوصيات التفصيلية كنسبة الاجمال إلى التفصيل ويكون حملها على الخصوصيات التفصيلية من قبيل حمل المجمل على المفصل ويكون الحمل ذاتيا لا شائعا صناعيا ، ومرجعها في الحقيقة إلى اختراع النفس صورة اجمالية قبال الصورة التفصيلية المنتزعة عن كل خصوصية خارجية .

فلا يبقى حينئذ مجال دعوى أن المفهوم الواحد كيف ينتزع عن امور متعددة متباينة فلابد وأن يكون بجامع ولو عرضيا زائدا على الخصوصيات محفوظة [ فيه ] فيكون حال عنوان الفرد والخصوصية حال عنوان الشئ والذات [ منتزعا ] عن الجهة المشتركة إذ ذلك كذلك لو كانت أمثال هذه العناوين أيضا من المنتزعات عن الخارجيات وإلا ففي المخترعات الذهنية أمكن تصور مفاهيم اجمالية قابلة للتطبيق على تمام الخصوصيات التفصيلية خارجا .

ويشهد لذلك سراية الحكم المتعلق بمثل هذه العناوين إلى الخصوصيات الخارجية بشراشرها ، بخلاف الحكم المتعلق بسائر العناوين إذ لا يكاد يسري منها إلى الخصوصيات الخارجة عما [ بازائها ] كما أشرنا إليه بفرض صحة التقرببالخصوصية وعدمها .

ثم ان هنا [ عنوانا رابعا مبهما ] من جميع الجهات بحيث لا يجئ في الذهن إلا بنحو الشبح في الخارجيات القابل للانطباق على أي عنوان تفصيلي - ذاتيا كان أم عرضيا - أو اجمالي كعنوان الشخص والخصوصية وأمثالها وهذه العناوين


77
المبهمة كالعناوين الاجمالية أيضا [ تامة ] الانطباق على العناوين التفصيلية وحاكية عن الخصوصيات الشخصية بنحو الابهام والاجمال ويكون حملها أيضا على العناوين التفصيلية حملا ذاتيا لا شائعا صناعيا ، ومن تلك الجهة [ كانت تامة ] الشباهة [ بالعناوين ] السابقة الإجمالية .

إلا أن جهة الفرق بينهما [ هي ] : أن العناوين السابقة فيها جهة تعيين مانعة عن التطبيق على كل عنوان تفصيلي ، بخلاف هذا العنوان المبهم فانه بملاحظة توغله في الابهام [ قابل ] للانطباق على أي عنوان تفصيلي كلية كانت العناوين التفصيلية أو جزئية ، وربما يكون وضع أسماء الاشارة والضمائر والموصولات لمثل هذا المعنى وسيجئ الكلام أيضا في شرحها إن شاء الله تعالى .

ثم انه بعد ما اتضح ذلك فنقول : إن ما يصلح للاشارة إلى المصاديق في باب عموم الوضع وخصوص الموضوع له هو العناوين العامة الإجمالية لا العمومات الحاكية عن الجوامع التفصيلية ، كيف ؛ وقد أشرنا [ إلى ] ان كل مفهوم لا يحكي الا عما بازائه من الجهة الخارجية ، وحيث كانت الخصوصيات زائدة عن هذه الجهة في أمثال هذه العمومات فلا مجال [ لحكايتها ] عنها لا إجمالا ولا تفصيلا في عالم التصور .

نعم هذه الجهات المشتركة حيث كانت في الخارج ملازمة مع الخصوصيات ربما ينتقل الذهن منها إليها بنحو الاجمال لكن مرجع هذا الانتقال أيضا إلىمجئ احدى الصور الاجمالية من مثل الخصوصية وما يساوقها بسبب الملازمة الارتكازية الذهنية ، وهذا غير مرتبط بعالم مرآتية نفس العام بصورته التفصيلية إلى تلك الخصوصيات . ففي الحقيقة الحاكي عن الخاص هو المفهوم الاجمالي المخترع في النفس بازائه ، وانما شأن المفاهيم التفصيلية في أمثال المقام ليس الا تحديد دائرة الاجمال في مفهوم آخر هو المرآة لا [ أنها ] هي المرآة كما لا يخفى ( 1 ) .

( 1 ) ف‍ ( الانسان ) - مثلا - مفهوم تفصيلي يحدد دائرة الاجمال في مفهوم ( الفرد ) بحصره في دائرة >


78

ثالثها : إنه من التأمل فيما ذكرنا ظهر أنه كما يستحيل حكاية المفاهيم العامة التفصيلية عن الخصوصية كذلك يستحيل أيضا حكاية الخصوصية عن الجهة المشتركة .

نعم ربما يلازم هنا أيضا الانتقال [ الى ] [ الخصوصية ] [ الانتقال ] الى الجهة المشتركة للملازمة المزبورة بينهما خارجا ، كما أنه ( 1 ) يصلح ان [ تصير ] محددا لدائرة يشار بها الى المفاهيم العامة [ بتوسط ] مفهوم اجمالي - ولو بمثل ( ما ينطبق على هذا الفرد ) - ، وهذه الجهات غير [ مرتبطة ] بعالم مرآتية الخاص - بما هو خاص - عن العام ، كما ان الامر كذلك في عكسه ( 2 ) أيضا ، كما عرفت .

ولعمري ان القائل بامكانه ( 3 ) تخيل بأن الملازمة الموجبة للانتقال من العام إليه هو أيضا موجب للانتقال من الخاص الى العام ، فلو كان مناط مرآتية

< الانسان ويكون مفهوم ( الفرد ) هو المرآة للخصوصيات الخارجية الملازمة لما بازاء مفهوم الانسان ، لا ان مفهوم الانسان هو المرآة لتلك الخصوصيات .

( 1 ) أي مفهوم ( الخصوصية ) يصلح لأن يصير محددا لدائرة يشار بتلك الدائرة الى مفهوم عام تفصيلي . فلو اشرت الى ( زيد ) وتصورت مفهوم ( ما ينطبق على هذا الفرد ) فقد حددت دائرة مفهوم ( الفرد ) في ( الانسان ) بتوسيط مفهوم اجمالي هو ( ما ينطبق عليه ) .

( 2 ) العكس هو ما أشار إليه بقوله : ( نعم هذه الجهات المشتركة حيث كانت في الخارج ملازمة مع الخصوصيات ) وهو : مرآتية العام بما هو عام الى الخاص .

( 3 ) أي الوضع العام والموضوع له الخاص .

وفهرست ما جاء في المقدمات الثلاث هو :

في المقدمة الاولى جاء بنحوين من الوضع العام والموضوع له العام .

وفي المقدمة الثانية جاء باربعة عناوين وذكر بأن اثنين منها لا يكونا الا من الوضع العام والموضوع له العام ، وان اثنين منها فقط يصلحان لأن يكونا من الوضع العام والموضوع له الخاص .

وذكر في المقدمة الثالثة بأن العام التفصيلي لا يكون مرآة للخاص بل يلازم عنوانا حاكيا عن الخاص ، وكذلك الخاص بما هو خاص لا يكون مرآة للعام بل يلازم عنوانا يحكي عن ذلك العام .


79
العام عن الخاص هذا المقدار فلا محيص من التصديق بأن الخاص ايضا قابل لأن يصير مرآة للعام ، ولكن بعد ما عرفت بأن هذه الجهة غير [ مرتبطة ] بمقام بمرآتية عنوان عن آخر فلا محيص من انكار المرآتية في الطرفين ، فلا محيص من أن تكون المرآة عنوانا اجماليا لا تفصيليا من دون فرق بين الكلي والجزئي كما لا يخفى ، وحينئذ لا يكون الخاص مرآة لعموماتها ولا العمومات الحاكية عن الجوامع التفصيلية لخصوصياتها ، كما لا يخفى .
80

81

المقالة الرابعة

المعاني الحرفية

82

83

[ المقالة الرابعة ]

في

المعاني الحرفية

لا اشكال في ثبوت عموم الوضع والموضوع له كما في أسماء الأجناس ، بل وفي ثبوت خصوص الوضع والموضوع له كما في الأعلام الشخصية . وإنما الكلام في ثبوت عموم الوضع وخصوص الموضوع له . قيل بأن من مصاديقه وضع الحروف والهيئات وما يشابهها من الأسماء . وتوضيح ذلك يقتضي أولا بيان سنخ معاني الامور المزبورة كي به ينكشف الحال في المرام فهنا مقامات :

المقام الاول : في بيان المعاني الحرفية فنقول أولا إنهم أطبقوا على كونها غير مستقلة بالمفهومية . وربما ارجع عدم الاستقلال بالمفهومية الى عدم استقلالها في مقام لحاظها بجعلها آلة لملاحظة حال الغير قبال مفاهيم الأسماء الملحوظة بالاستقلال ، والى ذلك نظر من قال بأن معانيها آلية ومرآتية .

والمشهور ( 1 ) ان المعنى والملحوظ مفاهيم غير مستقلة بذاتها في عالم الذهن

( 1 ) والحاصل ان هنا رأيين .

الأول : ان المعاني الحرفية كالمعاني الاسمية مستقلة في ذاتها ، فالابتداء هو الموضوع له مثلا ، وانما الفرق في اللحاظ فقط ، بمعنى ان الابتداء لوحظ آلة ( رابطا بين طرفين ) فوضع له الحرف ( من ) ، ولوحظ مستقلا فوضع له الاسم .

الثاني ( المنسوب الى المشهور ) : ان المعاني الحرفية بذاتها غير مستقلة أي انها عين الربط بين الطرفين ، ويلحظ هذا الربط بلحاظ مستقل تبعا للحاظ الطرفين فيوضع له لفظ الحرف ، بينما تكون المعاني الاسمية مستقلة في ذاتها وتلحظ بلحاظ مستقل بالاصالة .


84
نظير النسب الخارجية القائمة بالوجودات الخارجية المتقومة بغيرها في الخارج مع كون اللحاظ المتوجه إليها استقلاليا بمعنى عدم كونها مرآة لغيرها الموجب لعدم الالتفات إليها ، بل [ تكون ] مثل هذه النسب القائمة بالغير المعبر [ عنها ] بتقيدات معان اخرى ( 1 ) مما يلتفت إليها بحيث يوجه طلبه نحو الذات المتقيدة بقيد كذا ، على وجه يكون [ التقيد ] جزء للمطلوب والقيد خارجا . وبديهي انه لولا الالتفات الى [ تقيدات ] المعاني في حيز الخطاب فما معنى توجيه الطلب نحوها ؟ .

نعم [ لا تكون ] مثل هذه [ التقيدات ] مما يلتفت إليها بالأصالة ، بل يكون اللحاظ والالتفات المتوجه إليها تبعيا ، ولذلك لا يقع مبتدء ولا خبرا ولا فاعلا ولا مفعولا ، [ بل هذا ] شأن الأسماء الملتفت إليها اصالة ، ولكن ذلك المقدار لا يقتضي مرآتيتها لغيرها - بحيث لا يلتفت إليها أصلا ، بل تمام الالتفات كان متوجها الى غيرها - ، وحينئذ هذا المسلك في تمام المعاكسة مع المسلك السابق ، بل على المسلك السابق لا يعقل أخذ الاستقلالية وعدمها في مفاهيم الأسماء والحروف ، بل لا محيص من تجريد المعنى منهما .

وحينئذ ، وان قيل لازمه اتحاد [ معاني ] الأسماء والحروف ، وانما الاختلاف في كيفية استعمالهما ، - والا يلزم الاشكالات الثلاثة المعروفة في أخذ هذه القيود في الموضوع له ( 2 ) - ، ولكن [ يمكن ] الالتزام ايضا باختلاف المفهومين مع عدم

( 1 ) بيان لكيفية الالتفات الى المعاني الحرفية وحاصله :

ان المعاني الحرفية لا يتوجه إليها اللحاظ منعزلة عن اطرافها بل يكون الالتفات إليها في ضمن الالتفات الى اطرافها ، فمثلا في ( سر من البصرة ) يكون المأمور به هو ( السير المتصف بالابتداء من البصرة ) فيكون ( الابتداء ) الحرفي ملحوظا ضمن لحاظ ( السير ) .

( 2 ) الاشكال الأول : ان اللحاظ الآلي لو كان جزء من المعني الموضوع له للزم لحاظ هذا اللحاظ الآلي حين الاستعمال لتوقف الاستعمال على لحاظ المعنى الموضوع له . واللحاظ تشخص ذهني للماهية ولا تتشخص الماهية مرتين في الذهن .

ثم ان الذي يتشخص باللحاظ في الذهن انما هو الماهية الفاقدة للتشخيص بنفسها واما >


85
[ أخذ ] اللحاظ في [ الموضوع له ] ( 1 ) بدعوى وضع الحرف لما تعلق به اللحاظ الاستقلالي بنحو المشيرية الى ما تعلق لا بنحو التقييد ( 2 ) ، إذ حينئذ معنى الأسماء مرتبة من المعنى التوأم مع الاستقلال والحروف كذلك في المرآتية من دون أخذ اللحاظ [ فيها ] أبدا كي [ ترد ] الاشكالات ، و [ بمثل ] هذا المعنى [ يمكن ] بيان مراد الفصول بلا لزوم تهافت في كلماته فراجع ( 3 ) .
< اللحاظ نفسه فهو عين التشخص الذهني فلا يقبل اللحاظ عروض اللحاظ عليه .

الاشكال الثاني : ان لازم كون اللحاظ جزء من الموضوع له هو أن يكون الموضع له أمرا ذهنيا صرفا فلا يمكن امتثاله خارجا .

الاشكال الثالث : لو جاز ان يكون اللحاظ الآلي جزء من الموضوع له في الحروف لجاز ان يكون اللحاظ الاستقلالي جزء من الموضوع له في الاسماء .

وحيث ان الاسماء تستعمل في نفس معانيها المجردة عن قيد اللحاظ الاستقلالي فاللحاظ غير مأخوذة في معانيها حين الوضع .

وليكن هذا شأن الحروف ايضا .

( 1 ) والظاهر ان الصحيح هو ما ادرجناه بين القوسين .

( 2 ) يحاول المصنف دفع الاشكالات الثلاثة على المسلك الأول وذلك بعدم اخذ اللحاظ قيدا في المعنى الموضوع له بل بأخذ اللحاظ مشيرا الى المعنى في الأسماء والحروف معا ، فيكون الابتداء - مثلا - معنى ذا مرتبتين :

مرتبة الابتداء الاستقلالي ومرتبة الابتداء الآلي ( المرآتي ) ، وقد لوحظ في وضع ( من معنى الابتداء الملحوظ مرآتا على ان يكون هذا اللحاظ مشيرا الى تلك المرتبة .بينما الملحوظ في وضع الاسم معنى الابتداء الملحوظ استقلالا على ان يكون هذا اللحاظ مشيرا الى تلك المرتبة ايضا .

( 3 ) قال في الفصول :

" فان التحقيق : ان الواضع لاحظ في وضعها معانيها الكلية ووضعها بازائها باعتبار كونها آلة ومرآة لملاحظة حال متعلقاتها الخاصة فلاحظ في وضع ( من ) مثلا مفهوم ( الابتداء المطلق ) ووضعها بازائه باعتبار كونه آلة ومرآة لملاحظة حال متعلقاتها الخاصة من السير والبصرة مثلا فيكون مداليلها خاصة لا محالة ، وكذلك لاحظ في وضع اسماء الاشارة مفهوم ( المشار إليه ) ووضعها بازاء ذاته بضميمة الاشارة الخارجة المأخوذة آلة ومرآة لتعرف حال الذات فيكون معانيها جزئيات لا محالة لوضوح ان المهية إذا اخذت مع تشخص لاحق لها كانت جزئية . >


86

هذا كله على شرح التبعية في عالم اللحاظ - كما هو لازم المسلك الأول - وهذا بخلاف المسلك الأخير حيث انه في مقام اللحاظ الاستقلالي الملازم للالتفات الي الشئ هما سيان وانما الاختلاف بين المفهومين في أصل ذات المعنى وسنخه ، حيث إن مفاهيم الأسماء غير قائمة بغيرها بل هي في عالم الذهن مستقلات في الوجود بخلاف المعاني الحرفية حيث انها قائمة بغيرها ومتقومة بالغير كتقوم العرض بجوهره ، بل وليس سنخ المعاني الحرفية لدى المشهور من سنخ المحمولات بالضميمة كالكيف والكم وأمثالهما بل هي من سنخ النسب والاضافات القائمة بالطرفين فهي في الأذهان من سنخ الوجودات الرابطية الخارجية لا الوجود الرابط - على ما [ اصطلحه ] صدر المتألهين رضي الله عنه - في أسفاره ( 1 ) .

<

مع احتمال ان يكون قد لاحظ في وضع الحروف معانيها الكلية ووضعها بازاء كل جزئي جزئي من جزئياتها المأخوذة آلة ومرآة لملاحظة حال متعلقاتها ، ولاحظ في وضع اسماء الاشارة مفهوم ( الذات المشار إليها ) ووضعها بازاء كل جزئي جزئي من خصوصيات الذات مع الاشارة المأخوذة آلة ومرآة لتعرف حال تلك الذات وعلى هذا القياس .

والفرق بين الاعتبارين : ان الخصوصية مأخوذة في أحدهما باعتبارين وفي الآخر باعتبار واحد وهو أقرب لسلامته عن الاعتبار الزائد ، هذا على ما هو المختار وفاقا لجماعة من المحققين لأن المتبادر منها ليس الا المعاني الخاصة وانها لا تستعمل الا فيها ، ومنهم من أنكر ذلك وجعل الوضع في تلك الالفاظ بازاء معانيها الكلية . " راجع الفصول : 16 .

( 1 ) قسم صدر المتألهين الوجود الى ثلاثة أقسام .

أ - الوجود المستقل كوجود الجواهر وهو ما لا يحتاج في وجوده الى موضوع .

ب - الوجود الرابطي كوجود الأعراض وهو ما يحتاج في وجوده الى موضوع غير ان الوجود يحمل عليه مستقلا .

ج - الوجود الرابط كوجود المعاني الحرفية ، وهو ما يكون وجوده قائما بوجود طرفيه ولا يحمل عليه الوجود مستقلا .

راجع الأسفار ج 1 ص 78 وص 327 - 331 .

هذا ما ذكره صدر المتألهين واما المحقق العراقي فيرى ان المعاني الحرفية من سنخ الاعراض >


87

ولقد اشتبه الأمر على بعض وجعلها من سنخ مطلق الأعراض القائمة بالجوهر في عالم الذهن كخارجه ، ولعل منشأ اشتباهه تعبيرهم أن ( من ) للابتداء و ( الى ) للانتهاء و ( لعل ) للترجي و ( ليت ) للتمني و ( لام الأمر ) للطلب ، إذ هذه كلها من غير مقولة الاضافة ، وجعل الفرق بين الاسم والحرف بحسب قيام هذه المعاني بغيرها في الحرف ، واستقلال وجودها في الذهن في الاسماء ( 1 ) .

ولكن فيه غفلة وذهول ، كيف ؛ ولازمه عدم احتياج المعاني الحرفية الى الطرفين بل [ يكفيها ] طرف واحد هي قائمة به وهو كما ترى ينادي الوجدان بفساده ، فلا محيص من جعل سنخ معانيها على هذا المسلك ( 2 ) من سنخ النسب

< النسبية لا من سنخ مطلق الاعراض فرأيه وسط بين رأيين .

الأول رأي صدر المتألهين وهو كون معاني الحروف والهيئات مطلقا من سنخ الوجود الرابط .

الثاني رأي المحقق النائيني وهو كون معاني الحروف والهيئات مطلقا من سنخ الوجود الرابطي . ويرى المحقق العراقي ان المعاني الحرفية من سنخ الوجود الرابطي أي من سنخ الاعراض لكن لا مطلق الاعراض بل النسبية منها - كمقولة الأين والاضافة والفعل والانفعال - وهي ما تحتاج في تحققها الى موضوعين يتقوم بهما وجودها . واما مثل مقولتي الكم والكيف فلا تحتاج الا الى طرف واحد .

راجع بدائع الافكار ص 49 - 51 .

( 1 ) جاء في تقريرات المحقق النائيني قدس سره :

" ان المفاهيم الحرفية . قائمة بالمفاهيم الاسمية نظير قيام الاعراض بموضوعاتها فكما ان الخارجيات لها جواهر واعراض فكذلك المفاهيم ، فالمفاهيم الاسمية بانواعها معان استقلالية جوهرية والمعاني الحرفية معان عرضية قائمة بها فكما ان الاعراض في مقام تحصلها وقوامها لا تحتاج الى موضوع وان ما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز لبساطتها فهي في كل مرتبة بسيطة فكذلك المفاهيم الحرفية ايضا بسائط في مقام مفهوميتها ويحتاج في مقام وجودها في عالم الاستعمال الى مفاهيم اسمية حتى تتحقق بها ففرق بين التحصل والتحقق " . أجود التقريرات ج 1 ص 28 .

( 2 ) أي مسلك المشهور .


88
والارتباطات المعبر عنها بتقيدات المعاني الاسمية . وأما تعبيراتهم المزبورة ( 1 ) فانما هي في مقام شرح اللفظ وصرف الاشارة الى سنخ النسب الملازمة لهذه المعاني ، وان دلالة الحروف عليها لمحض الملازمة لا أنها بنفسها مأخوذة في مفاهيم الحروف .

وأوهن من ذلك توهم انكار المعنى للحروف رأسا وجعل الحروف من قبيلالرفع الذي هو علامة الفاعلية ، فالحروف أيضا علامة خصوصيات معاني [ طرفيها ] من [ كونها ] بنحو مخصوص بأحد انحاء التقيدات ، ومثل بأن ( في ) علامة لكون الدار [ موجودا ] في الذهن بنحو الأينية . [ لا كونه ] بنحو العينية ( 2 ) .

وتوضيح فساده : بأن الخصوصيات الزائدة عن ذات الطرف من أنحاء وجوده ، خارجة عن مدلول لفظ الطرف ومحفوظة في الذهن [ قائمة ] بغيرها وحيث إن لفظ الطرف غير حاك عنها فيحتاج الى مبرز آخر وحينئذ : فتارة يكون لفظ ( من ) قرينة على ارادة الخصوصية المزبورة من لفظ طرفه فيلزم كونه مجازا فيه ، وإلا فما هو في [ قبالها ] هو هذه الكلمة ( 3 ) ولا نعني من معناها إلا هذا .

وأعجب من أصل المختار تمثيله بالرفع للفاعلية إذ جهة الفاعلية - وهو كونه طرف اضافة المادة صدورا [ أو ] قياما - أيضا جهة زائدة عن أصل المعنى ، ومن المعلوم أن الدال عليه ولو بالملازمة لابد وأن يكون هيئة الكلام ، فهي أيضا من حيث المعنى من سنخ الاضافات والارتباطات القائمة بالطرفين كما سيجئ توضيح ذلك في شرح مداليل الهيئة ان شاء الله تعالى .

( 1 ) وهي ما أشار إليه بقوله : ولعل منشأ اشتباهه تعبيرهم ان ( من ) للابتداء .

( 2 ) أي ان القائل ( زيد في الدار ) يكون تعبيره ب‍ ( في ) علامة على ارادة الدار ظرفا لزيد أي ( الدار بنحو الاينية ) ، لا ارادة الدار بما هي أي ( بنحو العينية ) .

( 3 ) أي وان لم تكن لفظة ( من ) قرينة على ارادة الخصوصية المزبورة من لفظ الطرف لئلا يكون استعمال لفظ الطرف مجازيا ، فاللفظ الذي هو في قبال هذه الخصوصية هو نفس كلمة ( من ) .


89

وبالجملة نقول : إن ما هو طرف الترديد في المعاني الحرفية لدى المحققين الصورتان السابقتان ، وبعد ذلك نقول : إن لازم المسلك الأول أن المعاني الحرفية آلة لملاحظة حال الغير ، ولازم المسلك الثاني كون المعاني الحرفية بنفسها حالةللغير فالجمع بين كونها آلة وحالة لا يخلو عن خلط بين المسلكين ( 1 ) .

وكيف كان الذي يقتضيه التحقيق اختيار المسلك الثاني ، وذلك لا لما توهم من أن لازم المسلك الأول صحة استعمال ( من ) في مفهوم الابتداء وعكسه بعد الجزم بعدم نفوذ شرط الواضع لكيفية الاستعمال بعد الفراغ من وضعهما لمعنى واحد ، للجزم ( 2 ) بخروج أنحاء اللحاظات الاستعمالية عن الموضوع له ، لأنه يقال ، إن كيفية الاستعمال وان لم [ تكن ] شرطا من الواضع مع عدم وجه لنفوذ هذا الشرط ولكن نقول : إن غرض الواضع بعد تعلقه - في وضع الأسماء والحروف لسنخ واحد من المعنى - بتفهيم المخاطب كيفية لحاظ المعنى حين استعماله بنحو الاستقلال أو المرآتية فلا جرم يصير نحو استعماله بنحو مخصوص من أغراض الوضع على وجه لا يمكنه الأخذ في الموضوع له فلازمه قهرا ضيق دائرة الوضع والترخيص بمقدار ضيق غرضه فيصير حينئذ الموضوع له : المعنى في حال كونه مرآة لا بشرط المرآتية ولا لا بشرطه ، كما أفاده المحقق القمي بالنسبة الى حال الانفراد ( 3 ) ، فكان ما نحن فيه من تلك الجهة حال الأوامر

( 1 ) الظاهر انه اشارة إلى ما ذكره المحقق الاصفهاني من ان بعض المعاني الاسمية آلة لتعقل حال الغير كالامكان والوجوب والامتناع . راجع نهاية الدراية الجزء الاول ، الطبعة الثانية ، المطبعة العلمية بقم .

( 2 ) تعليل لقوله : ( بعد الفراغ . ) .

( 3 ) ذكر المحقق القمي قدس سره في المقدمة الثانية من المقدمات التي ساقها لبيان مختارة في استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى : ان اللفظ المفرد - أعني ما ليس بتثنية ولا جمع - إذا وضع لمعنى كلي أو جزئي حقيقي فمقتضى الحكمة في الوضع ان يكون المعنى مرادا في الدلالة عليه بذلك اللفظ منفردا ، ثم قال :

" لا اقول ان الواضع يصرح بأني اضع ذلك اللفظ لهذا المعنى بشرط ان لا يراد معه شئ >


90
العبادية بالضافة الى نحو امتثالها القربي ، فكما أن خصوصية هذا النحو من الأمتثال [ مأخوذة ] في الغرض الداعي على الأمر بالذات من دون كونه قيدا للمأمور به لاستحالته ومع ذلك صار موجبا لضيق دائرة الأمر بنحو لم يتعلق إلا بالذات التوأمة مع التقرب في عالم الوجود لا ب‍ ( شرط التقرب ) ولا ( لا بشرطه ) ، فكذلك في المقام ولازم ذلك حينئذ قصور ترخيص الواضع من وضعه على أي نحو من الاستعمال ، بلا احتياج فيه الى شرط خارجي في متن عقد لازم ( 1 ) ، وحينئذ يكون استعمال كل واحد بغير ما يوافق غرضه الداعي على وضعه غلطا كما لا يخفى .

بل العمدة في وجه الاشكال أنه بعد الجزم بحسب الوجدان ان في موارد استعمال الحروف [ تنسبق ] الى الذهن النسب المخصوصة أو الابتداء الخاص مثلا بخصوصياتها التفصيلية ، لا مجال لاستفادة ذلك من مفهوم النسبة أو الابتداء الملحوظ مرأة ، إذ يستحيل مرآتية نفس الكلي عن مصاديقه بنحو التفصيل ولا استفادة الفرد الخاص المشتمل [ على الجهة ] المشتركة الضمنية [ من ] المفهوم المشترك المخزون بنحو الاستقلال في الذهن ولو بضميمة دال آخر ، وحينئذ فلا محيص من انكار مفهوم آخر بين اللفظ وهذه الخصوصيات التفصيلية ، فلا يبقى بازاء اللفظ الا هذه [ الصورة التفصيلية ] ولا يتبادر منها إلا هذا . فلا وجه للالتزام بمعنى آخر غير ملتفت إليه [ آب ] عن ارائة هذه

< آخر وبشرط الوحدة ، ولا يجب ان ينوي ذلك حين الوضع ايضا ، بل اقوال : انما صدر الوضع من الواضع مع الانفراد وفي حال الانفراد ، لا بشرط الانفراد حتى تكون الوحدة جزء للموضوع له كما ذكره بعضهم ، فيكون المعنى الحقيقي للمفرد هو المعنى في حال الوحدة ، لا المعنى والوحدة . " .

( 1 ) لعله يريد بذلك : انه لا حاجة هنا الى شرط خارجي ليقال بأنه غير ملزم الا ان يكون فيمتن عقد لازم .


91
الخصوصيات أيضا بنحو التفصيل المنسبق الى الذهن ولو بدال آخر بشهادة الوجدان كما عرفت .

ولعمري : ان عمدة ما دعاهم الى هذا التصوير شهادة وجدانهم على كون معنى ( من ) و ( الى ) و ( على ) في موارد استعمالها سنخ واحد ، وان استفادة الخصوصيات بدال آخر ، فالتزموا لحفظ الوحدة السنخية بمعنى كلي مستقل وجعل ذلك مرآة الى الحالة الطارئة على السير والبصرة ، وغفلوا عن ان المفهوم الكلي [ المعرى ] عن الخصوصية يستحيل ان يري الخصوصية التفصيلية ولو بضميمة ألف دال آخر ، بل لا ينسبق من المفهوم العام المعرى عن الخصوصية إلا ما بازائه من الوجود السعي [ المعرى بلا انتقال ] منه الى الخصوصيات بصورة انضمامها [ الى ] الجهة المشتركة المطابقة لنحو وجودها خارجا .

وحينئذ التحقيق في حقيقة المعاني الحرفية ، كونها عبارة عن : النسب والارتباطات القائمة بالمعاني [ المستقلة ب‍ ] المفهومية ، على اختلاف النسب والارتباطات من النسب الابتدائية [ و ] الاستعلائية والظرفية وغيرها . فحينئذ معنى عدم استقلالها بالمفهومية : عدم استقلال ذات المفهوم المجامع مع الاستقلال في عالم اللحاظ ، كما أشرنا .

ولقد أجاد من قال في تعريفها : بان الحرف ما دل على معنى في غيره : يعني معناه قائم بمعنى آخر لا انه تحت لفظ آخر كما توهم ( 1 ) .

( 1 ) يقصد بذلك : ان الرواية انما تفيد تعلقية الحرف بالطرفين من حيث المعنى لا من حيث اللفظ . فالالفاظ الموضوعة للمعاني الحرفية - وهي الحروف - تفيد معانيها افادة مستقلة بالرغم من ان المعاني تعلقية غير قائمة بنفسها ، ف‍ ( من ) معناه سنخ معنى قائم بغيره ، لا ان معنى الحرفمستفاد من غير لفظ الحرف .


92

نتائج ولوازم :

منها : انه بعد ما كانت حقيقة هذه من سنخ أشخاص النسب القائمة بأشخاص الصور الذهنية كلية أم جزئية فلا محيص الا من الالتزام بكونها في الذهن كخارجه من متكثرات الوجود ؛ حتى جعل بعض المحققين هذه الجهة من عيوب المعاني الحرفية بنحو يأبى عن كونها من متحد المعنى فالتزم فيها بعموم الوضع وخصوص الموضوع له .

ولكن قد أسلفنا سابقا في تصور عموم الموضوع له نحوا لا ينافي تكثرها في الوجود ذهنا وان الموضوع له هي الحيثية السنخية المحفوظة في ضمن أنحاء النسب الشخصية من الابتدائية والانتهائية والظرفية وغيرها .

ولقد أجاد من التزم بوحدة مفهومها نظرا الى تبادر جهة وحدة سنخية من كل حرف ، غاية الأمر [ انه ] أخطأ في تشخيص هذا المفهوم الواحد وجعله من المفاهيم الكلية المتصورة في الذهن معراة عن الخصوصيات ثم جعل ذلك مرآة الى الخصوصيات الطارئة على الطرفين ولقد عرفت ما فيه .

فالأولى في حفظ الوحدة السنخية ومجئ المتكثرات في الأذهان هو الالتزام بعموم الموضوع له بنحو نحن حققناه في قبال العام المشهوري فتدبر فيه فانه دقيق .

تذييل فيه تنقيح : وهو ان النسب ان كانت قائمة بالشخصين فلا تقبل [ الصدق ] على الكثيرين نظرا الى عدم صدق الطرفين على الكثيرين ، وان كانت قائمة [ بالكليين ] ، يستتبع صدق الطرفين على الكثيرين [ صدق ] النسبة المفهومية أيضا على نسب متكثرة خارجية . وهذا معنى قولهم بأن كلية المعانيالحرفية [ وجزئيتها تابعة ] كلية الطرفين [ وجزئيتهما ] فتدبر .

ومنها : انه بعد ما ظهر سنخ المعاني الحرفية يبقى الكلام في ان الحروف


93
هل هي دالة على مثل [ هذه المعاني ] ومنبئة عنها كانباء الأسماء عن معانيها أو أنها موجدة لها وكانت من قبيل الوسائط في الثبوت لها كي يكون كيفية استعمالها على خلاف استعمال الأسماء .

اختار ذلك بعض الأعاظم من المعاصرين ( 1 ) ولعل نظره - كما استفدناه من بعض تقريرات بحثه - ان مفاهيم الأسماء بعد ما لم يوجد فيها جهة الارتباط الى الغير فلا جرم كانت عارية عن الارتباط المزبور في عالم الذهن وحينئذ أين الارتباط في البين كي يكون اللفظ حاكيا عنه ؟ فلا محيص إلا من الالتزام بكون اللفظ موجدا للارتباط بين المفهومين .

اقول : ما افيد كذلك لو كانت المعاني الاسمية الموضوعة للماهية المهملة موجودة في الذهن بوصف إراءتها عن التقييد والتجرد المساوق للاطلاق ، وإلا فبناء على التحقيق من استحالة تحقق المعنى اللابشرط المقسمي في الذهن إلا بشكل التجرد أو بشكل [ التقيد ] فعند ارادة المقيد لابد وأن يكون المعنى الحاضر في ذهن المتكلم [ واجدا ] للتقييد وبعد ذا يحكي المتكلم عن ذات المهية المحفوظة في المقيد بالاسم وعن [ تقيدها ] بالحرف ، كما يحكي عن [ تجردها ] المساوق [ لاطلاقها ] المسمى باللابشرط القسمي بدال آخر ولو مثل مقدمات الحكمة ، وإلا فجهة الاطلاق كجهة التقييد زائدة عن ذات المعنى الاسمي فيلزم أن [ تكون ] مقدمات الحكمة ايضا موجدة لاطلاق المعنى [ لا حاكية ] عنه ولا اظن

( 1 ) جاء في تقريرات المحقق النائيني قدس سره في المقدمة الخامسة من مقدمات توضيح مختاره في المعنى الحرفي : " ان الحروف باجمعها معانيها ايجادية نسبية كانت أو غيرها فانها لم توضع الالأجل إيجاد الربط بين مفهومين لا ربط بينهما كلفظ زيد والدار فكلمة ( في ) هي الرابطة بينهما في الكلام في مقام الاستعمال فالموجد للربط الكلامي هو الحرف . ولا منافاة بين كون المعاني الحرفية إيجادية وان تكون للنسبة الحقيقية واقعية وخارجية قد تطابق النسبة الكلامية وقد تخالفها . " . أجود التقريرات ج 1 ص 18 .


94
[ ان ] يلتزمه أحد ، فنحن حينئذ نقول : إن الحاكي عن التقييد كالحاكي عن الاطلاق بدال آخر لا بأسباب موجدة اخرى كما لا يخفى .

نعم هنا توهم آخر ( 1 ) [ هو ] التفصيل في موجدية المعنى بين بعض الحروف [ و ] بعض . نظرا الى توهم كون بعض الحروف موجدة للنسب الخاصة ك‍ ( لام الأمر ) و ( اداة النداء والتمني والترجي ) وأمثالها في قبال سائر الحروف الحاكية [ عن ] نسب ثابتة .

وفيه : انه على فرض تسليم ايقاعية مفاهيم هذه الألفاظ - كما سيأتي توضيحها - لا يقتضي ذلك ايضا كون اللفظ موجدا بل اللفظ ايضا حاك [ عن ] ايقاع هذه النسب وحينئذ : لنا ان ندعي ان الحروف بقول مطلق حاكيات عن النسب [ ثبوتا ] ام اثباتا ( 2 ) كما صرح به في النص المحكي بأن الحرف ما أنبأ عن معنى لا هذا ولا ذاك ، نعم في رواية اخرى : الحرف ما أوجد معنى في غيره . و [ يمكن ] توجيهه بأن غالب الحروف حاكية عن نسبة محدثة للهيئة المخصوصة بين طرفيها في الذهن كاحداثها [ بينهما ] خارجا وان نسبة الموجدية الى اللفظ بملاحظة شدة [ علاقته ] مع المعنى وقوة [ ارتباطه ] معه تراهما شيئا واحدا بحيث تضاف صفات المعنى الى اللفظ وبالعكس - كما أسلفناه - .

ومن التأمل فيما ذكرنا ظهر معنى الهيئات الطارئة على الكلمة أو الكلام بعد ما كان سنخ معانيها سنخ الحروف من كونها من سنخ النسب والارتباطات ،وان كان بينهما فرق من حيث إن معاني الحروف من سنخ الاضافة بين الشيئين القائمة بهما ومعاني [ الهيئات ] ربما تكون من سنخ قيام العرض بمعروضه ومنها قيام الاضافة بطرفيها ، فهذه النسبة ربما تكون معنى الهيئة ، ونفس الاضافة

( 1 ) كما عن صاحب الحاشية ، راجع الفائدة الثانية من الفوائد التي ذكرها بعد تعليقته على قول صاحب المعالم : ( وان كان بدون المناسبة فهو المرتجل ) .

( 2 ) أي سواء كانت على نحو الكشف أم الإيجاد .


95
القائمة بالطرفين معنى حرفي كما لا يخفى ( 1 ) .

ثم ان ذلك ايضا هو الفارق بين الهيئة [ في ] المركبات الناقصة والحروف ، والا فالفرق بين الحروف ومعاني الجمل - اسمية أو فعلية - في غاية الظهور ، إذ لمفاد الجمل نحو إراءة [ لواقعية النسب ] في موقعه كما هو شأن التصديق بشئ قبال تصوره ولذا [ تسمى ] هذه النسب بنسب تصديقية بخلاف معاني الحروف ومفاد الجمل الناقصة إذ ليس فيها هذه بل هي شبيه بالتصور القابل لواقعية متصوره وعدمه ، بل في النسبة التصديقية - انشائية أم خبرية - امتياز آخر عنها حيث [ ان ] مفادها ليس الا كنفس التصديق من كون ظرف عروضها ذهنا وانما الخارج ظرف اتصافها بخلاف النسبة التصورية فانها ربما [ يكون ] ظرف عروضها واتصافها خارجيا وأن الصور الموجودة في الذهن منتزعة عن خارجها كما لا يخفى . ولقد أشرنا في مبحث المشتق أيضا الى ذلك فراجع .

وحيث [ ظهرت ] لك هذه الجهات نقول ايضا في معاني الهيئات : فانها ايضا قد تحكي عن نسب ثابتة كهيئة المركبات التقييدية ( 2 ) ومنه الأوصاف الاشتقاقية ، ومنها ما يحكي عن ايقاع النسبة كالجمل التامة - حملية [ أم ] شرطية . فعلية أم اسمية - بشهادة الوجدان من انه فيها ترى الموضوعات عارية عنالنسبة فيوقع المتكلم - حين استعماله محمولاتها أو مباديها - نسبة حملية أو صدورية وأمثالهما بمعنى انه يلاحظ مفاهيمها بنظر ايقاع النسبة [ بينهما ] وبين المسند إليه فكان شأن المتكلم اسناد أحدهما الى الآخر فيصير بهذا الاسناد

( 1 ) حاصل مقصوده : ان معنى الحرف هو العرض النسبي أي نفس الإضافة القائمة بالطرفين . وأما معنى الهيئة فهو ربط هذا العرض النسبي بموضوعه وهو الذي عبر عنه بقيام العرض بموضوعه وقيام الإضافة بطرفيها .

وبهذا يتطابق ما في المقالات مع ما جاء في تقريرات بحثه صفحة 49 من بدائع الافكار ، فما جاء في تقرير بحث السيد الصدر صفحة 275 من عدم التطابق ليس في محله .

( 2 ) أي المركبات الناقصة ك‍ ( قيام زيد ) ؟ .


96
أحدهما مسندا والآخر مسند إليه ، وحيث ان في ايقاع النسبة بين المبدأ وفاعله يرى خروج المبدأ عن فاعله ماضيا أو مستقبلا ، واخراج المبدأ عن فاعله [ تسبيبا ] كما في الأمر - حاضرا أم غائبا - فبالنظر المزبور يرى حركة المبدأ ، والى ذلك أشار في النص بأن الفعل ما دل على حركة المسمى لا أن المراد من الحركة : الحركة من كتم العدم الى الوجود كيف ! ولا معنى له في مثل استحال وامتنع وعدم إذ لا يتصور لها وجود كما لا يخفى .

بل لنا اعتبار آخر في اطلاق الحركة بلحاظ دلالة الفعل على حركة المادة من القابلية الى الفعلية . وبهذه العناية ربما يحسب من منافع الأعيان - قبال النظر الى فراغها عن الفعلية - فانها لا تحسب من تبعات شئ آخر [ يحسب ] منفعته وبذلك أجبنا عن شبهة اجارة الاراضي والبساتين بلحاظ كلائها وأثمارها كما لا يخفى .

ثم بعد دلالة الهيئة على هذا الايقاع لا شبهة في أنه يتصف المركببالكلامية ويمتاز عن المركبات التقييدية الحاكية عن النسبة الثابتة وربما تكون مفاهيمها في رتبة متأخرة عن مفاهيم الجمل تأخر الثبوت عن الاثبات . واليه ايضا [ تشير ] كلماتهم من أن الاخبار بعد العلم بها أوصاف والأوصاف قبل العلم بها أخبار ، وان احتمل فيه معنى آخر أيضا .

وبالجملة نقول : بعد امتياز الجمل التامة عن المركبات الناقصة تخرج الناقصة عن التقسيم [ الى الانشائية ] والإخبارية ، كيف ؛ وهو من شؤون الجمل والا فالمركبات الناقصة غير صالحة للاخبارية فلا يصلح للانشائية أيضا إذ العنوانان طاريان على ما يصح السكوت عليه وما هذا شأنه ليس الا الجمل التامة . وبعد ذا نقول :

في مقدار دلالة الكلام على ايقاعية النسبة جهة مشتركة بين الإخبار والانشاء فامتيازهما لابد وان يكون بجهة زائدة عن هذا المقدار فقد يتوهم حينئذ


97
ان الفارق بينهما هو قصد الحكاية عن الواقع أو قصد موجوديته لمضمونه .

وفيه : ان جهة الموجدية مأخوذة في أطواره لا في نفسه ، كيف ؛ وفي صورة الجد بانشائه لابد من قصد موجودية الانشاء لمضمونه . ولو كان هذا القصد واللحاظ مأخوذا في قوام الانشائية أيضا للزم لحاظ الموجدية مرتين ولو في طول الآخر وهو خلاف الوجدان فلا محيص من تعرية الانشاء عن قصد الموجدية وحينئذ فالفارق يكون بكيفية الملحوظ في محكي كل منهما من انه تارة يحكي بالكلام المستعمل في معناه عن مبدء ثابت فارغا عن ثبوته ، واخرى يحكى عن ايقاع المبدء الملازم لعدم وجود نسبة خارجية [ تطابقها ] النسبة الكلامية أو [ لا تطابقها ] بخلاف الصورة السابقة إذ لنسبة الكلام خارج تطابقه أو لا تطابقه .

ثم انه بعد اتصاف الكلام بهذا اللحاظ بالانشائية لو [ انضمت ] إليه جهة الجد يتصف بالموجدية أيضا وإلا [ يبقى ] على صرف انشائيته المحفوظ مع الهزل تارة ومع السخرية اخرى كما ان الإخبار أيضا ان انضم إليه الجد بالحكاية يتصف بصفة المبرزية للواقع والا فلا يكون مبرزا ويبقى على صرف اخباريته [ المجتمعة ] مع الهزل والسخرية وغيرهما .

ثم ان الانشاء في غاية خفة المؤونة كالإخبار ففي كل شئ يصح الاخبار به يصح انشاؤه . نعم في اتصافه بالموجدية [ يحتاج ] الى قابلية ترتب مضمونه بانشائه ، وهذه الجهة انما [ تتصور ] في الامور الاعتبارية لا في سائر الامور من الجواهر والأعراض ففي مثلها يستحيل اتصاف إنشائها بالموجدية .

ومن هذه الجهة ربما يفرق بين الانشاء بمادة الطلب وبين الانشاءات في أبواب المعاملات حيث ان مضامينها لما كانت بحقائقها من الاعتبارات فصلح ترتبها بانشائها فيصح الجد بانشائها في مقام ايجادها فيتصف هذا الانشاء بصفة الموجدية ويكون من وسائط الثبوت لها ، وهذا بخلاف الانشاء في الطلب إذ


98
الطلب سواء كان عين الارادة أو التحريك الناشي منها غير [ صالح ] لأن يترتب بالانشاء بلا واسطة اما الأول فواضح وأما الثاني فلأن التحريك ناش عن ابراز الارادة بانشائه فالطلب الذي هو مضمون انشائه ما نشأ عن انشاء هذا المضمون ، بل انما نشأ من مبرزيته لمضمون آخر ومن هذه الجهت قلنا بأن الانشاء في باب الاحكام التكليفية ليس الا من وسائط اثبات الارادة المترتب على هذا الاثبات عناوين اعتبارية أو غائية [ ادعائية ] من الوجوب أو البعث أو التحريك وأمثالها بخلاف الإنشاءات في باب المعاملات فانها من وسائط الثبوت لمضامينها بلا واسطة .

نعم بواسطة ترتب التحريك على مبرزيتها قد تتصف الانشاءات المزبورة أيضا بصفة الموجدية لمضمونها من الطلب على فرض [ كونه ] غير الارادة بتوسيط موجداتها لمضمون آخر من ابراز الارادة ولكن أين هذا [ من ] موجدية [ الانشاءات المعاملية ] لمضامينها بلا واسطة كما لا يخفى ( 1 ) .

ثم انه قد تبرز الارادة بواسطة الهيئة كهيئة الأمر أو بواسطة الحرف ك‍ ( لام الامر ) كقوله : اضرب أو لتضرب ففي مثلها لا مجال لصيرورة الفعل والجملة اخبارية . والنكتة فيه ان الهيئة المزبورة وضعت لالقاء الفاعل على المبدأ الستتبع لإخراجه المبدأ [ من ] قبله وايقاع هذه النسبة بينهما . [ وهذا ] المعنى من

( 1 ) حاصل مقصوده : ان الطلب إذا كان عين الإرادة فالإنشاء لا يكون موجدا له لأن الإرادة موجودة قبل وجود الإنشاء فلا يعقل وجودها بسبب إنشاء الطلب .

وأما إذا كان الطلب هو التحريك الاعتباري الناشئ من الإرادة ، فهذا التحريك : يترتب على ابراز الإرادة المتحقق بالإنشاء ولا يترتب على نفس الإنشاء فالإنشاء باعتباره مبرزا للإرادة - لا باعتبار انشاء موجدا لمضمونه - يوجد التحريك الاعتباري ، فالإنشاء هنا واسطة لإثبات الإرادة التي يترتب عليها التحريك وليس علة له بخلاف الإنشاء في عقد البيع - مثلا - فان انشاء البيع بنفسه يحقق البيع الاعتباري فهو العلة المباشرة بلا أية واسطة في الاثبات .


99
لوازم طلب الامر للمادة إذ يرجع طلبه إما الى الارادة فيصير الالقاء المزبور من [ شؤونها ] أو الى التحريك الذي هو من شؤون الارادة ، لانفسها ، فلا شبهة في أن من شؤون التحريك أيضا احداث هذه النسبة بين المبدأ وفاعله . وعلى أي حال لا يبقى مجال وجود نسبة ثابتة في الخارج كي تصلح هذه النسبة الكلامية للتطابق معها بل النسبة المتصورة منه في الخارج أيضا ليس الا النسبة المزبورةالايقاعية التي هي من شؤون التحريك ومن هذه الجهة كان الانشاء بالهيئة متوغلا في الانشائية كما لا يخفى .

ومما ذكرنا ظهر حال لام الأمر [ فانها ] أيضا وضعت لايقاع النسبة المزبورة التي هي من شؤون تحريك الغائب قبال الحاضر وليس لمثل هذا المعنى خارج [ يطابقه ] . نعم من جهة كون مثل هذا التحريك من شؤون الطلب والارادة تدل هذه الصيغ عليه ( 1 ) لا أنها موضوعة لنفس الطلب خارجيا أم ذهنيا لإباء اللفظ - مادة وهيئة - عن هذه الجهة ، بل ولا يكون التحريك الخارجي أيضا مأخوذا فيه بل النسبة المفهومية المزبورة من تبعات التحريك الايقاعي المفهومي وانما التحريك الخارجي من دواعي استعمالها في معناها وعليه فكم فرق بين الانشاء بهيئة الأمر أو بحرفه وبين الانشاء بمادة الطلب والارادة فانهما من حيث دلالتهما على الطلب والتحريك في طرفي المعاكسة كما لا يخفى .

ومن التأمل في ما ذكرنا ظهر حال حروف التمني والترجي بأنها أيضا لم توضع لايجاد حقيقة هذه الصفات خارجا لعدم كونها ايجادية علاوة عما ترى تبادر مفهوم مصداق التمني والترجي منها عند استعمالها مع الجزم بعدم كون المتكلم في مقام التمني أو الترجي حقيقة مضافا الى ان حرفيتها [ تأبى ] عن أخذ هذه المفاهيم كلية أم جزئية في مدلولها ، كيف ؛ وشأن الحروف ليس الا حكايتها عن

( 1 ) أي على الطلب .


100
النسب المفهومية وعليه فليس مفادها الا حيث قيام صور مصاديق هذه المعاني بالنسب الايقاعية في الجمل [ الداخلة ] عليها هذه الحروف فكأنها حينئذ موقعة بعين ايقاع النسبة الكلامية حيث إنها في الحقيقة من شؤونها وحينئذ فدلالتها على مثل هذه الصفات ليس الا بالملازمة كدلالة ( من للابتداء ) و ( الىللانتهاء ) . كما أن النظر الى هذه المصاديق لما [ كان ] [ مرآتيا ] للخارجيات [ فيراها ] الانسان خارجية مع انها في الواقع [ لا تكون ] كذلك الا عند الجد باظهارها . ولعمري ان مثل هذه الجهة ربما [ أوقعت ] في وهم من توهم بأنها موضوعة لإيقاع حقائق هذه الامور في الخارج كتوهمهم بأن الأعلام الشخصية موضوعة للخارجيات وهو وهم محض واشتباه صرف من ناحية مرآتية الصور المفهومية [ للخارجيات ] كما هو ظاهر لمن تعمق في النظر وفتح البصر .

تذييل واستنتاج وهو : ان من نتائج نسبية المعاني الحرفية والهيئات قابلية اناطتها في عالم اللحاظ بشئ قبال اطلاقها نظرا الى ان المعاني النسبية قابلة لتعلق اللحاظ بها مستقلا فلا قصور في جعلها منوطة بشئ تارة ومطلقة اخرى .

ولازمه كون الجزاء المشتمل على [ نسبة ] كلامية [ بنسبته ] ( 1 ) المخصوصة منوطا بشرطه ، ولازمه ارجاع الشرط الى تمام مضمون الكلام المشتمل على الإسناد ، ومرجعه الى اناطة الاسناد المزبور أيضا [ بالشرط ] ، لا اناطة ذات المسند أو المسند إليه فقط . ومن هذه الجهة نقول : ان الظاهر من أدوات الشرط في الجمل الشرطية رجوع القيد الى الهيئة والمادة ، لا خصوص المادة محضا . ويترتب على هذه النتيجة ظهور [ رجوع ] القيد فيما كان ( 2 ) هيئة أمر أو نهي أو [ حرفاهما ] الى الجملة بتمام مدلولها ومرجعه [ الى ] اناطة الجملة - هيئة ومادة -

( 1 ) أي نسبة الجزاء المخصوصة .

( 2 ) ( كان ) هنا تامة ويمكن ان تكون ناقصة بتقدير .


101
[ بشرطها ] لا خصوص مادتها محضا [ ولذلك ] نقول : ان مقتضى ظواهر أمثال هذه الجمل الشرطية كون الطلب مشروطا لا ان الطلب مطلق تعلق بالمشروط .

نعم لو بنينا على كون مفاد الهيئة أو الحروف ملحوظات آلية بحيث لايلتفت الا إلى ما قامت الهيئة [ به ] مثلا ، قيل : بانه حينئذ يستحيل ارجاع القيد إليها فلا محيص من ارجاع القيد الى المادة فينتج ظهور الجمل الشرطية في كون الطلب المطلق متعلقا بالمقيد .

وقد يقال بأن المعنى لوحظ مقيدا مرآة الى متعلقه ( 1 ) فلا نتيجة بن المرآتية والاستقلالية ، ولكن الانصاف كونه خلاف الوجدان كما عرفته آنفا .

وقد يتوهم ابتناؤها أيضا على عموم الموضوع له في الحروف أو خصوصه ، وأنه على الثاني لا معنى لارجاع القيد إليه لعدم قابلية التكثر بخلاف الأول ، كما أنه لا معنى لتعليق السنخ في مثلها في باب المفاهيم لأن شخص الارتباط المنسبق الى الذهن لا سنخ له في هذا النظر ( 2 ) وان كان له سنخ بنظر آخر ثانوي ولكن مثل هذا المعقول الثانوي غير ملتفت [ إليه ] في مقام الاناطة على شرط أو غاية مثلا . بل ولئن [ دققت ] النظر ترى جريان هذا الاشكال ( 3 ) ولو بنينا

( 1 ) أي ان معنى الهيئة الذي يراد لحاظه آلة ، يقيد ثم يلاحظ مرآة وآلة .

( 2 ) أي في النظر الأولي حال التكلم .

( 3 ) وهذا الاشكال هو : كون المعاني الحرفية جزئية ، والجزئي غير قابل للتقييد وهذا الاشكال يجري حتى على القول برجوع القيد الى الهيئة ، بمعنى ان القول بالرجوع الى الهيئة انما دفع الاشكال الاول على تقييد الهيئة وهو ( عدم قابلية الهيئة للحاظ الاستقلالي ) .

وتوضيح ذلك : -

انه يتوجه على رجوع القيد الى الهيئة اشكالان :

الأول ان الهيئة باعتبارها معنى حرفيا ، فهي لا تقبل تعلق اللحاظ الاستقلالي والتقييد يتوقف على امكان اللحاظ الاستقلالي .

وقد أجاب المصنف عن هذا الاشكال بان نسبية المعنى الحرفي لا تستلزم آليته فيمكن >


102
على رجوع القيد - بالتقريب السابق - الى الهيئة ، وأجبنا له عن الاشكال بأن مثل هذه القيود [ مضيقة ] لاطلاق الشخص حالا وهو لا ينافي شخصية مفاده كما هو شأن كل شخص بالنسبة الى حالاته بخلاف اعتبار السنخ في باب المفاهيم حيث ان اطلاقها لابد وان يكون بلحاظ افراده كي يفيد حصر الطبيعة في فرد موجبا لنفيها في غيره ومعلوم حينئذ ان الاطلاق الفردي لا يناسب الشخصية وحينئذ [ فتسجل ] هذا الاشكال في مفاد الهيئات أوضح من الاشكال الأول .

فحل هذا الاشكال أيضا بأن يقال : انه مبني على توهم كون الغرض من خصوصية الموضوع له هي الخصوصية الخارجية وهو بمعزل عن التحقيق كيف وصريحهم ان الحروف قابلة للكلية تبعا لكلية طرفيها ، فالمقصود من خصوصيتها هي الخصوصية الناشئة عن خصوص المفاهيم المرتبطة إذفي ربط كل مفهوم غير مرتبط بربط ، مفهوم آخر ( 1 ) . [ وبذلك ] لا [ يتنافى ] مع [ كليتها ] تبعا لكلية طرفيها وحينئذ لا قصور في سنخ مادته المنتسبة ويناط بشرط أو غاية إذ لمثله اطلاق أفرادي أيضا . ولقد أجاد بعض الأعاظم ( 2 ) في مقام ارجاع القيد الى الهيئة بمثل هذا

< لحاظه مستقلا .

الثاني : ان المعاني الحرفية جزئية والجزئي لا يقبل التقييد . وأشار المصنف الى أن هذا الاشكال يرد حتى لو دفعنا الاشكال الأول . لأن جزئية المعنى الحرفي لا تنافي قابلية لحاظه الاستقلالي .

ثم انه لا يندفع هذا الاشكال بادعاء : " ان الجزئي وان لم يقبل التقييد الإفرادي لكنه قابل للتقييد الاحوالي " وذلك : لان الاطلاق المقيد هنا ( في باب المفاهيم ) هو الاطلاق الافرادي لأن المفهوم في الحقيقة يتضمن نفي سائر مصاديق الوجوب . ولذلك قال المصنف : " فتسجل هذا الاشكال في مفاد ( الهيئات ) أوضح من الاشكال الأول " .

( 1 ) فانك إذا ربطت أي مفهوم غير مرتبط تكون قد اعطيته مفهوما جديدا بسبب هذا الربط .

( 2 ) هو المحقق النائيني رحمه الله ، راجع فوائد الاصول الجزء 1 : 181 .


103
التعبير ولكن ياليته [ اقتصر ] في تعبيره هذا بالنسبة الى مقام أخذ السنخ في باب المفاهيم لا في مقام ارجاع القيد الى الهيئة إذ في هذا المقام الهيئة بنفسها [ مقيدة ] بلا تقييد في المادة وان [ ضاقت ] قهرا تبعا لضيق [ حكمها ] كما هو الشأن في طرف العكس فتدبر . وأعجب منه أن [ الذي ] دعاه الى هذا التعبير في هذا المقام توهم مفغولية المعاني الحرفية ، إذ مع المغفولية كيف [ تلاحظ ] المادة المنتسبة كي يرجع القيد إليها بل حينئذ لا يلتفت إلا الى نفس المادة . فتدبر .

بقي الكلام في أسماء الاشارة وبقية المبهمات فنقول : انه قد يتوهم أيضا وضع أسماء الاشارة لنفس الاشارة الخارجية الى مدلول مدخولها ، وزاد بعض آخر : دلالتها على معنى متخصص بهذه الاشارة ( 1 ) والتزم بكونها من باب الوضع العام والموضوع له الخاص الناشئة خصوصياته من قبل الاشارة الحاصلة بنفس اللفظ وجعل ذلك فارقا ( 2 ) بينها وبين سائر ما كان [ الموضوع له ] خاصا بوضعه العام ، ولكن يمكن رفض القولين بنحو [ ما أشرنا ] في أداة التمني والترجي من ان لازم أخذ الاشارة الخارجية في وضعها عدم صدق استعمالها على وفق وضعها في غير صورة ارادة الاشارة الحقيقية بها ويلزمه كون استعمالها في مثل مورد التمثيل وغيره لقلقة لسان وهو كما ترى ( 3 ) .

( 1 ) حاصل الرأيين :

أما الأول : فهو ان " هذا " مثلا موضوع للاشارة الخارجية لا الذهنية المتوجهة نحو مدلول كلمة ( الرجل ) في قولنا ( هذا الرجل ) .

وأما الثاني : فهو ان " هذا " موضوع لمدلول الرجل المتخصص بالاشارة الخارجية .

( 2 ) يعني ان الفارق بين معاني اسماء الاشارة - على القول الثاني - وسائر ما كان الوضع فيه عاما والموضوع له خاصا هو ان الخصوصية هنا تنشأ من الاشارة الحاصلة باللفظ ولا تنشأ من المعنى نفسه . بخلاف بقية الموارد .

( 3 ) حاصل الاشكال على القول الأول :

ان الاشارة الخارجية إذا كانت دخيلة في المعنى الموضوع له فلازمه اننا حينما نستعمل >


104

ويؤيده انسباق صورة الاشارة الذهنية من سماع هذا اللفظ من النائم والساهي مع الجزم بعدم اشارتهما خارجا ولو كان اللفظ موضوعا للاشارة الخارجية فلا معنى لانسباق مفهومها في الذهن لأنه اجنبي عن الموضوع له ، والمفروض انه لا موجب لهذا الانسباق أيضا الا الوضع فذلك [ أقوى ] دليل وشاهد على عدم وضعها كأمثالها من [ أدوات ] التمني والترجي لمعانيها بما هي حقائق خارجية ، وبعد ذلك نقول :

انه لا معنى لوضعها لصرف الاشارة الى معنى لفظ آخر كيف ! ولازمه كون معانيها من النسب والروابط وهو لا يناسب اسميتها ، وصيرورتها مبتدأ تارة وخبرا اخرى ، بل لابد من وضعها لمعنى مستقل متعلق للاشارة لا نفس الاشارة وهذا المعنى أيضا لا يعقل أن يكون من المفاهيم التفصيلية من مثل مفهوم الانسان في مثل ( هذا الانسان ) إذ لا يكاد ينسبق في الذهن الا مفهوم واحد وهذا المفهوم الواحد يستحيل أن يكون معنى كل واحد من اللفظين للزوم اجتماع اللحاظين في شئ واحد ( 1 ) فلا محيص من جعله من المفاهيم الاجمالية والمبهمات المحضة القابلة لانطباقها على أي مفهوم تفصيلي بحيث تكون المفاهيم التفصيلية الواقعية في ذيلها بيانا لإجمالها .

ولقد أجاد النحويون حيث جعلوا هذه المفاهيم التفصيلية المتصلة بهاعطف بيان لأسماء الاشارة وجعلوا أسماء الاشارة والضمائر من المبهمات ولقد

< اسم الاشارة ولم نرد به الاشارة الحقيقية ، كما إذا اردنا التمثيل فقلنا : ( اسم الاشارة مثل " هذا " ) فحينئذ لا يكون استعمال ( هذا ) في المثال استعمالا حقيقيا . ويترتب عليه عدم تطابق المثال والممثل له . فان الممثل له هو اسم الاشارة الحقيقي ولكن المثال هو اسم الاشارة المستعمل في غير المعنى الحقيقي . ولهذا يكون هذا الاستعمال لغوا ولقلقة لسان حسب تعبيره .

( 1 ) ان معنى ( هذا ) في ( هذا الانسان ) لو كان مفهوما تفصيليا يوازي مفهوم الانسان للزم لحاظ هذا المفهوم التفصيلي مشيرا ومشارا إليه في آن واحد . وبهذا يجتمع اللحاظان في شئ واحد .


105
أسلفنا في مقام شرح المفاهيم اشارة الى ذلك ايضا .

ثم بعد ذلك نقول : انه من الممكن دعوى وضعها لما هو معروض الاشارة المستلزم لخروج نفس الاشارة والتقييد بها عن الموضوع له وان الموضوع له حصة من العنوان المبهم التوأم مع الاشارة لا المقيد بها ولا المطلق فالموضوع له المعنى في حال الاشارة لا بشرطها ولا لا بشرطها . وعليه يكون الوضع فيها والموضوع له عامين مع استفادة الاشارة الشخصية منها بالملازمة ( 1 ) بلا احتياج الى الالتزام بكونها من باب عموم الوضع وخصوص الموضوع له . وعلى فرض الالتزام به أيضا لا وجه للالتزام بكون الاشارة مدلول نفس لفظه ، بل هو أمر خارج عن مدلول اللفظ ، بل المأخوذ فيه التقيدات بالصور الحاكية ( 2 ) عن الاشارات الشخصية الموجبة لتخصص المعنى بهذه الخصوصية [ الحاكي ] عنها لفظه لا أن اللفظ موجدها . بل ولو فرض أخذ صور الاشارات الخاصة أيضا في المدلول لا يكون أيضا الا منبئا لا موجدا .

وتوهم ان الاشارة الخارجية لابد وأن [ تكون ] بآلة من يد أو لفظ ، والمفروض أن آلة الاشارة في موردها ليس الا لفظه ، وحينئذ كيف يحكي هذااللفظ عن نفسه ؟ فلا محيص من كون اللفظ موجدا لها ( 3 ) .

( 1 ) أي ان القرائن الخارجية الملازمة للاستعمال هي التي تفيد الاشارة الشخصية .

( 2 ) يقصد انه على فرض ان تكون الاشارة الشخصية مأخوذة في الموضوع فليس معنى ذلك أخذ الاشارة الخارجية بل أخذ الصورة الحاكية عن الاشارة بحيث يكون التقييد داخلا والقيد خارجا عن المفهوم .

( 3 ) وعلى فرض أخذ الاشارة الخاصة قيدا في الموضوع له قد يتوهم بان لازم ذلك ان يكون معنى اسم الاشارة ايجاديا وذلك : لأن الاشارة مأخوذة قيدا في المعنى والاشارة تحتاج الى آلة وليست الآلة هنا الا لفظ ( هذا ) .

فإذا اعتبرنا ( هذا ) حاكيا عن الاشارة لزم اتحاد الحاكي والمحكي عنه لأن الحاكي عن الاشارة هو ( هذا ) إذ الاشارة لم تتحقق الا ب‍ ( هذا ) فلابد من أخذ لفظ ( هذا ) موجدا للمعنى الاشاري .


106

مدفوع ( 1 ) بان حقيقة الاشارة [ ليست ] إلا نحوا من توجه النفس الى شئ معين وهذا التعيين تارة يكون بواسطة قرينة خارجية من حركة يد أو بواسطة بيان تفصيلي بلفظه من مثل الانسان في " هذا الانسان " ففي الحقيقة في موقع الاشارة باليد ليست اليد آلة للاشارة بل قرينة على تعيين المشار إليه ، وإلا فحقيقة الاشارة ليس إلا توجه نفسه إلى المعين باليد وإذا فرض تعيين المشار إليه في موضع الاشارة باللفظ بواسطة ما جئ به في ذيله من عطف البيان بعنوان آخر تفصيلي فلا تحتاج الاشارة المزبورة إلا إلى منبئ ومبرز وليس ذلك إلا لفظ هذا مثلا بلا إحتياج الى آلة كما لا يخفى .

ومن التأمل في ما ذكرنا ظهر حال الضمائر إذ هي أيضا موضوعة للمفاهيم المبهمة الشبحية المنطبقة مع مراجعها بنحو انطباق المجمل مع المبين من دونفرق بين غائبها وحاضرها ، كما ان الموصولات أيضا كذلك ، غاية الأمر اخذ فيها جهة معهودية ليست في الموصوفة وهي الملاك لتعريفها لا حيث التقيد بصلاتها إذ هذا التقيد من مداليل هيئة الكلام كما هو الشأن في الموصوفة ، ومرجع الفرق بين الموصولة والموصوفة الى قولنا بالفارسية ( كس ) و ( آنكس ) الراجع في الحقيقة الى إشراب جهة معهودية في الموصولة دون الموصوفة كما لا يخفى .

( 1 ) والجواب : ان هذا التوهم ناشئ من تخيل ان الاشارة الخارجية باليد مثلا هي حقيقة الاشارة ، في حين ان حقيقة الاشارة هي توجه النفس الى المعنى المعين ، والاشارة الخارجية قرينة لتعيين ما توجهت إليه النفس فلفظة ( هذا ) تكون مبرزة للاشارة النفسانية وليست آلة لايجاد الاشارة كي يرد هذا التوهم .


107

المقالة الخامسة

وضع المركبات

108

109

[ المقالة الخامسة ]

في

[ وضع المركبات ]

بعد ما عرفت وضع المفردات التي هي بمنزلة المادة للمركبات ، ووضع الهيئات الطارئة على الجمل - فعلية كانت أم إسمية - لا يبقى مجال وضع للمركبات بموادها وهيئاتها مجموعا قبال وضعهما بلا إشكال ، لعدم الحاجة إليه قطعا إذ المقصود من انفهام المعنى من المركبات بالخصوصيات الطارئة على الذوات من أنحاء النسب والاسنادات حاصل بمحض جعل موادها وهيئاتها بلا احتياج الى وضع آخر لمجموع المادة والهيئة .

نعم هنا شئ آخر وهو : ان الهيئة التركيبية تارة عارضة على الجمل الاسمية كالحملية ( 1 ) واخرى عارضة على الجمل الفعلية ك‍ ( ضرب زيد ) مثلا . ففي الأول لا اشكال في وضع هيئته للاسناد وايقاع النسبة المعهودة بين الطرفين قبال وضع مفرداته المعروضة لهيئتها ، ومن هذا القبيل أيضا هيئات المركبات الناقصة الحاكية عن النسب الثابتة كما أسلفناه . وأما في الجمل الفعلية أو الإسمية [ غير ] الحملية ك‍ ( زيد ضرب ) أو في مثل القضايا الشرطية قد يتوهم

( 1 ) يبدو ان مراده من الجمل الحملية ما يصدق فيها الاتحاد بين الطرفين مثل ( زيد ضارب ) .

ومراده من الجمل غير الحملية هي القائمة على أساس الاسناد لا الاتحاد مثل ( زيد ضرب ) أو ( ضرب زيد ) .


110
بأنه لا يبقى أيضا مجال لوضع هيئة الجملة [ زائدا ] عن وضع [ مفرداتها ] إذ مثل هيئة الفعل واف لبيان الإسناد فيها ، كما أن كلمة ( أن ) واخواتها وافية لبيان إناطة الجزاء بشرطه فلا يبقى بعد ذلك مجال لوضع هيئة المركب زائدا على وضع [ مفرداته ] .

أقول : لا يخفى ان غاية دلالة هيئة الفعل هو إسناد المسند الى شئ ما ، واما كون ( زيد ) فاعلا و ( عمرو ) مفعولا [ أو ] كونهما من قيود الفاعل أو المفعول فالهيئة المزبورة آبية عن هذه الدلالة فلا يكون الدال على مثل هذه الجهات الزائدة عن وضع المفردات - اشتقاقيا أم غير اشتقاقيي - إلا الرفع والنصب والجر المقومات للهيئة الكلامية وحينئذ الغرض من الفرق بين الجمل الحملية و [ غيرها ] ان كان من جهة وضع الهيئة القائمة بجميع أجزاء المركب في الحملية وببعضها في غيره ففي غاية المتانة ، إذ في غير الحملية من الجمل نفس الفعل خارج من تحت الهيئة التركيبية الموضوعة ، وان كان الغرض عدم وضع الهيئةالتركيبية في الحجمل الفعلية وأمثالها بقول مطلق فهو خلاف التحقيق ، إذ [ لرفع ] زيد أو نصبه المقوم لهيئة الكلام في الجملة دخل في الدلالة على فاعليته أو مفعوليته زائدا عن وضع مفرده كما لا يخفى .

ولئن شئت قلت : إنا لا نعني من الهيئة الطارئة على الكلام إلا حالة تطرأ على المفردات زائدا عما يقتضيه وضع مفرده . ومن المعلوم أن هذا المعنى في الجمل الحملية [ طار ] على مجموع مفرداته من المبتدأ والخبر ، وفي الجمل غير الحملية من الفعلية وما يشابهها لا تكون الهيئة المزبورة إلا طارئة على متعلقات الفعل من الفاعل والمفعول وقيودهما بلا عروضها على نفس الفعل لان الرفع والنصب والجر [ الموجب ] لعروض حالة مخصوصة على المفرد زائدة عما يقتضيه وضعه مختصة في الجمل الفعلية بمتعلقات الفعل ولا يصلح طروها لنفس الفعل فيختص وضع الهيئة فيها بمتعلقات الأفعال بلا عروضها لنفسها كما لا يخفى .


111

المقالة السادسة

علامات الحقيقة والمجاز

112

113

[ المقالة السادسة ]

في

علامات الحقيقة والمجاز

قد ذكروا لعلائم الوضع امورا من التبادر وصحة السلب والاطراد ، ولكن هذه الامور ليست بمساق واحد ، إذ التبادر علامة لوجوب الوضع ، وصحة السلب علامة عدمه ، والاطراد علامة لاستناد التبادر أو صحة السلب الى حاق اللفظ ورافع [ احتمال ] استنادهما الى قرينة حافة بالكلام ولو بمثل الانصرافالاطلاقي ، حيث إن الاستقراء في موارد الاستعمال - سلبا أم ايجابا - ربما يكشف بحكم ارتكاز الذهن ان فهم المعنى - سلبا أم ايجابا - سمتند الى نفس اللفظ لا قرينة اخرى ، كما انه قد يستفاد هذه الجهة من أمر آخر بحيث لا يحتاج الى استقراء موارده ، ومن المعلوم حينئذ انه ينتقل تفصيلا الى وجود الوضع أو عدمه وان كان منشأ هذا الانفهام هو الارتكاز الاجمالي .

وباختلاف العلمين تفصيلا واجمالا [ ترفع ] شبهة الدور المعروفة ولو بتقريب ان مطلقهما لا يكون علامة ومقيدا باستنادهما الى الوضع يوجب الدور ، لوضوخ الجواب بأن مجرد استنادهما الى اللفظ المجرد كاف في اثبات الوضع ، واستكشاف هذا الاستناد بالأخرة ينتهي الى العلم الاجمالي الارتكازي ولو من أهل المحاورة وهو الموجب للعلم التفصيلي بالوضع كما لا يخفى فتدبر ( 1 ) .

( 1 ) لشبهة الدور هنا تقريبان :

الأول : ان التبادر متوقف على العلم بالمعنى الموضوع له ، فإذا كان العلم بالمعنى الموضوع له >


114

ايقاظ نائم : وهو ان هذا البحث إنما ينتج بناء على كون مدار حجية اللفظ على أصالة الحقيقة تعبدا الجارية حتى مع عدم انعقاد الظهور الفعلي ولو لاتصال الكلام بما يصلح للقرينية المانع عن انعقاد الظهور والدلالة الفعلية ولو التصورية فضلا عن التصديقية ، إذ حينئذ لابد من احراز الموضوع له بالتبادر وأمثاله الموجب لحمل اللفظ في مورد آخر - ولو مع الشك في ارادة المجاز بلا ظهور فيه - على المعنى الحقيقي ، والا فلو كان مدار حجية اللفظ على الظهور الفعلي ولو من جهة القرينة الحافة به - كما هو التحقيق - لا يبقى مجال ونتيجة لهذا البحث إذ اللفظ في كل مورد استعمل ان كان ظاهرا في معنى ولو لاحتمال وجود قرينة حافة به في البين يؤخذ به ولو لم يحرز استناد هذا الظهور الى الوضع ، وان لم يكنظاهرا لا يؤخذ به وان احرز [ ما وضع له ] بالتبادر أو غيره في غير هذا المورد إذ الظهور في مورد لا يجدي بالنسبة الى مورد لا ظهور فيه ولو لاتصاله بما يصلح للقرينية وحينئذ لا يرى لمثل هذا البحث نتيجة عملية كما لا يخفى .

ثم انه في المقام بعد البناء على كون مدار الحجية على الظهور الفعلي قد يقع نزاع على ان المدار على مطلق الظهور ولو تصوريا الحاصل ولو من خرق الصوت أو النائم ، أو المدار على الدلالة التصديقية المحتاجة الى ثبوت كون

< متوقفا على التبادر لزم الدور .

وجوابه : ان العلم المتوقف على التبادر هو العلم التفصيلي ، والذي يتوقف عليه التبارد هو العلم الاجمالي . فلا دور حينئذ .

الثاني : ان مطلق التبادر لا يكون علامة على الحقيقة بل تبادر المعنى الموضوع له علامة الحقيقة . ( وكذلك عدم صحة السلب ) وحينئذ فالتبادر متوقف على العلم بالوضع ، والعلم بالوضع متوقف على التبادر فيلزم الدور .

وجوابه : عدم الحاجة الى تقييد التبادر باستناده الى الوضع .

إذ يكفي في اثبات الوضع احراز استناد التبادر الى حاق اللفظ وهذا لا يتوقف على العلم بالوضع فلا دور حينئذ .


115
المتكلم في مقام الافادة والاستفادة ، وعلى الأخير أيضا قد ينازع بأن مدار الحجية على مجرد هذا الظهور التصديقي ولو نوعيا أو المدار على التصديق الفعلي الظني بالمراد ونتيجة هذا البحث [ ظاهرة ] . وأما البحث السابق منه فنتيجته ربما تظهر في بحث التمسك بالعام في الشبهات المصداقية ، وتوضيحه موكول الى محله إن شاء الله تعالى .
116

117

المقالة السابعة

حقيقة الدلالة واقسامها

118

119

[المقالة السابعة ]

في

حقيقة الدلالة وأقسامها

فنقول أولا :

ان حقيقة الدلالة عبارة عن إراءة شئ لشئ من جهة ارتباط خاص بينهما ناشئة عن الجعل تارة وقائمة بذاتها اخرى . وذلك ايضا تارة على وجه لا يكون الواسطة في ثبوتها إلا نفس ذاتها بلا دخل لشئ آخر فيه ، واخرى على وجه يكون بجهة خارجة من ذاتها من مثل الطبيعة أو شدة الانس بينهما لكثرة استعمال أو غيره .

ثم الطريق لاستكشاف هذا الربط تارة هو العقل واخرى غيره من سائر القوى الوجدانية . وعلى أي حال مثل هذه الطرق خارجة عن مقتضياتها وانما هي منشأ لفعليتها بحيث لولاها لا إراءة له فعلا . والا فهي بمقتضاها متحققة واقعا .

بل ولئن دققت النظر ترى ان الجهل بها مانع عن فعليتها وان شأن العلم رفع هذا المانع لا انه بنفسه دخيل في العلة ، كما يشهد الوجدان بأن في صورة الالتفات الى مقتضيات الدلالة بتوسيط القوة العاقلة أو سائر القوى يرى تمام التأثير مستندا إليها بلا التفات الى [ عمله ] وانما نظره إليه نظر طريقي محض .

ومن هذا البيان ظهر ان نسبة العقل الى الدلالة ليس كنسبة الطبع أو الوضع إليها ، كيف ! و [ الأخيران ] من وسائط الثبوت ، والأول من وسائ


120
الاثبات ، فحينئذ ففي تقسيمهم الى العقلية والوضعية مثلا ليس على نسق واحد ، بل الأولى في مقام التقسيم بالنظر الى مرحلة الاقتضاء ان يقسم الى الذاتي والجعلي ، وبالنسبة الى مرحلة الفعلية [ إلى ] العقلية وغيرها من سائر القوى الوجدانية .

ثم ان في تقابل العقلية والوضعية جهة اختلال [ اخرى ] حيث ان الدلالة العقلية ليس الا دلالة تصديقية [ توجب ] الاذعان بالمدلول بخلالف ما يستند الى مجرد الوضع لأنه ليس الا دلالة تصورية على وجه ينسبق المعنى من اللفظ الى ذهن السامع مع الجزم بعدم وجوده خارجا أم في ذهن المتكلم أو في مرحلة ارادة تفهيمه . كيف ؛ وأشرنا في المقالة السابقة الى ان الدلالة التصديقية فرع تحقق مقدمات اخرى من مثل كون المتكلم في مقام الافادة والاستفادة على وجه يوجب بمثلها التصديق بمرادية المعنى للمتكلم قطعيا أم ظنيا . وعليه فكم فرق بين سنخ الدلالة الوضعية في الألفاظ أو الطبيعية والعقلية ! .

بل وبينهما فرق آخر من حيث ان في دلالة اللفظ على المعنى لا يلتفت الانسان الى اللفظ مستقلا بل تمام الالتفات الى معناه على وجه كان المعنى بعناية عين اللفظ واللفظ عينه . ولذا ربما [ تسري ] المقبحات المعنوية الى اللفظ وكذا العكس ، بخلاف سائر الدلالات حيث ان شأن الدال ليس الا صيرورته موجبا للاذعان بغيره مع كمال الالتفات الى اثنينيتهما .

ومن هنا نقول بان سنخ استعمال الألفاظ ليس من باب سائر العلامات الملتفت إليها مستقلا الموجبة للاذعان بغيرها ، ولذا لا تسري جهات قبح العلامة الى ذيها وعكسه بخلاف باب الاستعمال .

ثم انه بعد شرح حقيقة الدلالة وأقسامها من حيث مقتضياتها ثبوتا أماثباتا يبقى الكلام في تقسيم آخر لها من جهة الاختلاف في المدلول بكونه مطابقة أو تضمنا أو التزاما وذلك لان إراءة الشئ بالنسبة الى تمام ما هو مرتبط معه


121
مطابقة وعلى جزئه تضمن وعلى خارجه التزام .

ولا يخفى أيضا ان لتصوير مثل هذه الأقسام في الدلالة الغير العقلية مجال ، نظرا الى ان العلقة الحاصلة من ناحية الوضع أو كثرة الانس وغيرهما بين الطرفين ربما يختص بخصوص طرفه دون غيره وانما إراءته عن الغير باقتضاء ذات الطرف المدلول معه .

واما في الدلالة العقلية فتصوير الالتزام فيه لا يخلو عن اشكال نظرا الى ان وجه الانتقال الى الملزوم من الدال بعينه متحقق بالنسبة الى لازمه ولازم لازمه إذ جميع اللوازم بالنسبة الى الدال كنسبة واحدة بلا جهة ميز بينها من تلك الجهة كما هو الشأن في الدلالات الالتزامية بالنسبة الى لازم الشئ ولازم لازمه وهكذا كما لا يخفى . نعم لا بأس بتقسيمها اي المطابقة والتضمن كسائر الدلالات كما لا يخفى .

نعم قد يتوهم بأن دلالة الشئ على تمام المعنى عين إراءته لجزئه لأن المركب في الخارج عين أجزائه فلا مجال لجعل قسم ثالث يسمى بالتضمن ، ولكن نقول : ان للاجزاء اعتبارات في ظرف الانضمام بغيره :

أحدها اعتبارها بشرط لا وهو بهذا الاعتبار غير الكل و [ لا تحمل ] عليه أيضا .

والآخر اعتباره بشرط الانضمام وهو بهذا الاعتبار عين الكل ويحمل عليه بالحمل الذاتي الأولي كحمل كل شئ على نفسه .

وثالثة اعتباره لا بشرط وفي هذا الاعتبار مغاير مع الكل ولكن قابلللحمل عليه بالحمل المتعارف .

ومن المعلوم ان دلالة الشئ على الجزء متحد مع دلالته على الكل لو لوحظ الجزء بشرط شئ ، والا فمع اعتباره لا بشرط أو بشرط لا فدلالة الشئ على الكل قاصرة عن الاراءة [ عن ] الجزء بهذا الاعتبار إلا بانتقال ثانوي وهو


122
بهذه الإراءة دلالة تضمنية و [ خارجة ] عن المطابقة كما لا يخفى .

ثم ان الملازمة بين المعنى المطابقي وغيره تارة بينة على وجه يستلزم تصور أحدهما تصور غيره ولا ينفك أحد المدلولين عن الآخر في مقام الانسباق الى الذهن ، واخرى ليس الأمر بهذه المثابة بل يحتاج في الانتقال الى غيره الى الالتفات [ للملازمة ] بينهما تفصيلا ، وهذا الالتفات أيضا تارة مستند الى التأمل في جهات خفية واخرى [ حاصل ] بأول نظرة وتوجه إليها ، وربما تسمى الاولى بالدلالة البينة بالمعنى الأخص و [ الأخيرة ] بالأعم ، و [ الوسيطة ] بغير [ البينة ] .

ومن سنخ الاول باب المفاهيم وبه يمتاز عن دللاة الآيتين على أقل الحمل أو دلالة [ حاتم ] على الجود وأمثاله من مفاد الجمل والحال أن جميع المدولات الالتزامية خارجة عن محل النطق فحينئذ ففي تعريفهم المفهوم بمدلول ليس في محل النطق قبال المنطوق لا يكون باطلاقه تاما . كيف ! ويلزم طرد الأخير وعكس الأول بدلالة الايماء من دلالة الآيتين على أقل الحمل إذ ظاهرهم إدخال مثل هذه الدلالة في المنطوقية فراجع الفصول في باب المفاهيم ( 1 ) ترى صدق ما حكيناه والله العالم ( 2 ) .

( 1 ) الفصول الغروية : 145 و 146 .

( 2 ) يقصد بالأخير ( المنطوق ) كما يقصد بالأول ( المفهوم ) .

وحاصل ايراده حينئذ : ان دلالة الآيتين على أقل الحمل من دلالة المنطوق عندهم بالرغممن أنه يلزم من تعريفهم للمفهوم خروج دلالة الايتين من المنطوق ودخولها في المفهوم لكون الدلالة على اقل الحمل ليست في محل النطق .


123

المقالة الثامنة

تعارض الاحوال

124

125

[ المقالة الثامنة ]

في

تعارض الأحوال

لا شبهة في أن اللفظ بملاحظة تعدد الوضع وعدمه ينقسم الى : مشترك وغيره ، وبملاحظة اقتران معناه بخصوصية زائدة ينقسم الى : اطلاق وتقييد ، وبلحاظ استعماله في ما وضع له وغيره : الى حقيقة ومجاز ، ومن جهة بقائه على الوضع الأول وعدمه الى : منقول وغير منقول ، ومن حيث احتياج صحة الكلام الى تقدير وعدم احتياجه الى : إضمار وغير إضمار ، ومن حيث عدم الاتحاد مع الضمير الراجع إليه الى : استخدام وغيره .

ولا شبهة في [ أن ] المصير الى كل واحد من هذه الحالالت وترتيب آثارها عند قيام أمارة خاصة معتبرة عليها [ قطعية كانت ] أم ظنية . ومع عدمها فمقتضى أصالة عدم وضع آخر في عرض الوضع الأول الحكم بعدم الاشتراك عند الشك في أصل تحققه ولازمه حينئذ عند استعمال اللفظ الحمل على ما علم من الحقيقة له من جهة أصالة الحقيقة المعهود بين الأعلام .

نعم لو لم يكن الأصل المزبور مورد اتكال العقلاء أشكل الحمل على الحقيقة الأولية بناء على ارجاعه الى أصالة الظهور لعدم احرازه .

وأما لو بنينا على التعبد بأصالة الحقيقة حتى مع عدم احراز ظهور في الكلام : فإن قلنا بأن موضوع مثل هذا الاصل صورة احراز الوضع وعدم الاشتراك فلا اشكال في عدم الجريان أيضا ، وإن قلنا بأن مقتضى الأصل مجرد


126
احراز الوضع حتى في الاشتراك أيضا وانما المانع عن الجريان فيه هو المعارضة مع مثله فأمكن الجريان بالنسبة الى معلوم الحقيقة دون غيره للشك في موضوعه فبقي الأصل في المعلوم بلا معارض . هذا كله حال دوران الأمر بين الحقيقة المعلومة والاشتراك في كلام واحد .

وأما دورانه بين الاطلاق والتقييد أو الحقيقة والمجاز فمع عدم اقتران الكلام بما يصلح للقرينية فلا اشكال في تقديم الاطلاق أو الحقيقة على التقييد والمجاز ، ومع الاقتران فلا مجال للرجوع اليهما الا بناء على التعبد باصالة الحقيقة واصالة الاطلاق بلا احتياج الى احراز ظهور في اللفظ ولو بمعونة مقدمات الحكمة . واتمام هذه الحجة في باب الألفاظ في غاية الاشكال ولو للشك في بنائهم على مثل هذه الاصول من باب التعبد المحض حتى مع الشك في الظهور فيه .

واما صورة الدوران بين الحقيقة الأولية والنقل بالمعنى الأعم فمع الشك في أصل حدوث وضع جديد ملازم لهجر الأول فلا اشكال ظاهرا في مرجعية الوضع الأول لاصالة عدم النقل المتقدم الذي قلنا [ ان ] عليه بناء الاستنباط .

وأما مع العلم به والشك في حدوثه قبل الاستعمال أو بعده فمع العلم بتاريخ الاستعمال لا بأس بالرجوع الى الأصل المزبور المقتضي لحمل اللفظ على معناه الأولي ففي مثل هذا الفرض نقول :

إن مع تعارض العرف العام واللغة أو الخاص والعام السابق يحمل على اللغة والعرف السابق ومع الشك في تاريخ الاستعمال يشكل أمر جريان الأصلالمزبور من دون فرق بين العلم بتاريخ الوضع الجديد أو عدمه لأن مثل هذا الأصل متكفل لرفع الشك عن جهة بقائه من حيث الأزمنة المتمادية بلا نظر الى رفع الشك من حيث مقارنة هذا الزمان الى جهة اخرى من استعمال أو غيره ، فمع الشك في مقارنة الزمان الباقي فيه الوضع مع الاستعمال لا يثمر مثل هذا الأصل فبقي الشك في بقاء الوضع الأول في حين الاستعمال بحاله فلا وجه (


127
حينئذ للرجوع الى الحقيقة الاولى حين الاستعمال المقتضي لحمل اللفظ عليه كما هو ظاهر .

ولا يتوهم مثل هذا الاشكال في الفرض السابق لأن الأصل بعد ما احرز بقاء الأول في زمان خاص كان مقارنته مع زمان الاستعمال محرزا بالوجدان .

ومن هذا البيان ظهر أن سقوط اصالة عدم النقل في صورة الجهل بتاريخهما ليس بملاك المعارضة مع اصالة عدم الاستعمال قبل حدوث الوضع الجديد كي يرد عليه بعدم كونه من الاصول العقلائية ، وعدم سبيل للاستصحاب المعروف أيضا في باب الألفاظ لعدم حجية مثبته ، ولا بملاك شبهة احتمال الانتقاض باليقين بخلافه من جهة احتمال كون زمان الاستعمال ذاك الزمان كما هو مختار العلامة الاستاذ في كفايته وذلك لما أوردنا في محله من أن المعلوم بالاجمال بوصف معلوميته يستحيل انطباقه على المشكوك فيستحيل احتمال الانتقاض بالعلم بخلافه ، بل عمدة الوجه فيه ما ذكرنا ولقد شرحنا المرام في حاشية الكفاية وسيأتي تتميم المقال في هذا الكتاب في محله أيضا ان شاء الله .

واما صورة الدوران بين الاضمار وعدمه فلا شبهة في ان الأصل عدمه .

نعم مع دورانه بينه وبين سائر التصرفات الاخر من التقييد أو المجاز أو الاستخدام ففي صورة كونهما في كلام واحد فلا يصلح انعقاد ظهور في الكلاملصلاحية كل منهما للقرينة المانعة عن انعقاد أصل الظهور ، وفي الكلامين لا يكون الترجيح لأحد الظهورين الا من جهة [ الأقوائية المستندة ] الى خصوصيات المقامات بلا كونها تحت ضبط كي يبقى مجال البحث الاصولي عن مثله .

ومن هذا البيان ظهر حال دوران اللامر بين الاستخدام وغيره من سائر الأحوال ومع عدم الدوران المزبور فالأصل عدم جزما كما لا يخفى .

وأما صورة دوران الأمر بين الاشتراك وبقية الأحوال المعارضة على


128
خلاف الحقيقة فمقتضى أصالة عدم تعدد الوضع يثبت سائر الأحوال كما هو واضح .

ومن هنا ظهر حال دوران الأمر بين النقل وغير الحقيقة السابقة فان اصالة عدم النقل أيضا يحرز البقية كما هو واضح .

وحيث اتضح ما ذكرنا ظهر ان في اطلاق كلام العلامة الاستاذ رضي الله عنه في كفايته مواقع للنظر . والإعراض عن تعرضها تفصيلا أجدر كما لا يخفى على من تأمل وتدبر .

كما ان ترجيح بعضهم بعض الطواري على بعضها مثل الأشيعية وأمثالها لا وقع لها بعد عدم إجداء مثل هذه الجهات لإفادة ظهور في الكلام ، ومع عدمه لا يعتنى بغيره في باب الألفاظ وإن كان ظنا اطمئنانيا فضلا عن غيره كما لا يخفى والله العالم .


129

المقالة التاسعة

الحقيقة الشرعية

130

131

[ المقالة التاسعة ]

في

الحقيقة الشرعية

في ان الحقيقة الشرعية ثابتة أم لا ، فليعلم أولا : ان مركز هذا البحث [ الماهيات ] المخترعة ( السماة ) باسم في لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم من دون فرق بين كون المخترع لها والمؤسس هو الشرع أو العرف مع عدم كون الشرع ممضيا لتسميتهم وان كان أمضاهم في أصل اختراع الماهية .

واما لو كان الشارع ممضيا لتسميتهم وان زاد أو نقص شيئا في مخترعاتهم فلا مجال للنزاع المزبور . فان مرجع امضاء تسميتهم الى عدم تصرفه في هذا العالم فيكون داخلا في العناوين العرفية المسماة عندهم باسم مخصوص .

وأولى بذلك في الخروج عن حريم النزاع : العناوين البسيطة العرفية من دون تصرف من الشرع فيها وان كان متصرفا في موضوع حكمه بجعل بعضها مقيدا ببعض ؛ إذ مرجع التسمية فيها أيضا هو العرف بلا ربط من ناحية الشارع بالنسبة إليها .

وعليه فيختص النزاع في خصوص ما كان الشارع مسميا له باسم مخصوص سواء كان المعنى أيضا من [ الماهيات ] المخترعة الشرعية أم لا . وحينئذ ربما يفرق في الدخول في حريم النزاع مثل عنوان الصلاة وأمثالها الحاكية عن المخترعات التي [ سماها ] الشارع بالعنوان المزبور أو مثل عنوان التكبيرة المقيدة بالفاتحة الملحوقة بالركوع والسجود الى آخرها من المسميات العرفية ، فان هذه خارجة عن حريم النزاع وان كانت [ الماهية ] المطلوبة من مخترعات الشارع


132
محضا بلا التفات من العرف إليها .

كما ان الصورة الاولى داخلة في حريم النزاع وان كان المسمى بها من المخترعات العرفية . إذ عمدة المدار في الدخول في حريم النزاع مرحلة تسمية الشارع لها باسم مخصوص وعدمه ، ولذا قلنا بأنه على الأول لو كانت التسمية أيضا عرفية بحيث كان الشارع ممضيا لهم في تسميتهم أيضا لكان يخرج عن عنوان البحث . فتمام مركز البحث هو الألفاظ [ الواقعية ] في لسان الشرع الحاكية عن معنى بلا سبق العرف في هذه التسمية والحكاية سواء كانوا [ سابقين ] في اختراع الماهية أم لا .

وحينئذ فما في بعض الكلمات من جعل مركز البحث الأسامي الحاكية عن المخترعات الشرعية منظور فيه ، كما ان الاستدلال بمثل :﴿ أوصاني بالصلاة والزكاة ﴿ كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لاثبات عدم الحقيقة الشرعية بظهورها في معهودية هذه المعاني في الامم السالفة أيضا مورد المناقشة : بأن مجرد معهودية هذه المعاني لا تقتضي معهودية التسمية بها فمن المحتمل ان يكون التسمية من ناحية الشارع لا غيره . فلا يقتضي مثل هذه اثبات عدم الحقيقة الشرعية في هذه الألفاظ .

اللهم [ الا ] أن يقال : إن غاية ما يستفاد من الدليل الآتي في اثبات الحقيقة الشرعية إنما هو في الألفاظ الحاكية عن الماهيات [ المخترعة ] الشرعية . واما في المخترعات العرفية مجرد احتمال امضاء التسمية بها عندهم [ كاف ] في منع الثبوت وان لم يكن دليلا على عدم الثبوت .

نعم الذي يسهل الخطب هو ان معهودية سنخ الماهية مع اختلاف شرعنا معهم في الخصوصيات كما هو الشأن في أمثال المقام إنما يجدي لمنع ثبوت الحقيقة الشرعية لو لم يكن المتبادر من هذه الأسامي الماهية المخصوصة بخصوصية ، وإلا فمع تبادر هذا المعنى منها يستكشف [ إنا ] بأن الألفاظ المزبورة مستعملة ف


133
المخترعة الشرعية لا العرفية فيصير حالها من تلك الجهة حال ما لو استعمل اللفظ في لسان الشرع في المخترعات الشرعية محضا .

وحينئذ فلنا في مثلها أن ندعي ان طريقة الشارع من هذه الجهات عين طريقة العرف ولو [ ببركة ] مقدمات عدم ثبوت الردع عن الطريقة العرفية الكاشفة عن اتحاد طريقه معهم في هذه الجهة ، ومن المعلوم ان طريقة أهل اختراع شئ أو صنعة كون الغرض من [ تسميتهم ] بلفظ مخصوص [ تفهيم ] المعنى باللفظ محضا لا بقرينة خارجية فلا جرم [ طريقة ] الشارع أيضا في مقام التسمية لمخترعاته بعين طريقتهم من كون غرضه من هذه التسمية [ تفهيم ] المعنى به لا بشئ آخر ، ومثل هذا الغرض في كل مورد احرز كان نفس استعماله الأولي مساوق انشاء وضعه بعمله لا بقول كي يستبعد صدوره من الشارع في زمان إذ لو كان لبان كما لا يخفى .

وتوهم الاستحالة في عقد الوضع بنفس الاستعمال للزوم اجتماع اللحاظين قد دفعناه سابقا بأوضح بيان فراجع .

ومن التأمل في ما ذكرنا ظهر ان مجرد كون الصلاة في العرف بمعنى العطوفة وصلاحية انطباقه على هذه المخترعات من باب الكلي على الفرد لا يقتضي أيضا منع ثبوت الحقيقة الشرعية إذ ذلك كذلك لو لم يكن الظاهر من هذه الألفاظ ارادة الخصوصية من لفظها والا فلا معنى لحملها على المعاني العرفية كما أشرنا .

ثم انه لو بنينا على عدم ثبوت الوضع التعييني فثبوت الوضع التعيني في لسان الشارع في المتداولات المعروفة ليس [ بعيدا ] .

نعم في غيرها أمكن منعه . كما ان بلوغ استعمالها في المستحدثات الى حدالحقيقة في زمان الصادقين لا استبعاد [ فيه ] أيضا .

وعلى أي حال في كل زمان بلغ الاستعمال الى حد الحقيقة لابد وان يحمل


134
عليه حتى مع عدم القرينة ، والا فلابد عند فقد القرينة من الحمل على معناه العرفي . وهذه الجهة أيضا نتيجة ثبوت الحقيقة الشرعية وعدمها أيضا .

ولكن قد يدعى بأنه ما من مورد من استعمال هذه الألفاظ إلا وهي مستعملة في المعاني المستحدثة ولو بالقرينة وحينئذ يلغو في البين نتيجة البحث والعهدة على المدعي ، كيف ؛ وترى استعمال لفظ الصلاة في معناه العرفي كثيرا فلم لا ينتج مثل هذا البحث في مثله فتأمل .

بل ربما يدعى بان مجرد ثبوت الحقيقة الشرعية لا يقتضي حمل اللفظ على معناه الشرعي بلا قرينة ما لم يكن موجبا لهجر المعنى الأول ، وإلا فغاية ثبوتها اجمال اللفظ مع فقد القرينة المعينة لاشتراكه مع معنى آخر .

وعليه فحق نتيجة البحث هو حمل اللفظ بلا قرينة على المعنى العرفي على فرض عدم ثبوت الحقيقة الشرعية بخلافه على الثبوت .

هذا ولكن لا يخفى ان ما افيد انما يتم بناء على عدم كون الغرض من التسمية تفهيم المعنى بمحض اللفظ كما هو شأن كل مخترع في تسمية [ مخترعاته ] بأسام مخصوصة على ما أشرنا ، والا فنفس هذه الجهة من القرائن العامة على ارادة المعنى الشرعي عند استعماله حتى مع فرض عدم هجر الوضع السابق .

اللهم [ إلا ] ان يقال إن ما ذكرنا من طريقة أهل الصنايع انما هو في الألفاظ المستحدثة [ غير المسبوقة ] بوضع آخر إذ الغرض من تسميتهم بها تفهيم المعنى بفنسها ، وأما الألفاظ المتداولة بين العرف لا نسلم كون طريقتهم في التسمية بها تفهيم المعنى بنفس اللفظ بل من الممكن كون الغرض احداثالاشتراك في اللفظ بحيث يصير عند عدم القرينة مجملا ففي مثله - ولا أقل من احتماله - لا يكون نتيجة البحث الا ما ذكر من الحمل على المعنى العرفي على عدم الثبوت ( 1 ) لا الحمل على المعنى الشرعي على الثبوت كما لا يخفى .

( 1 ) أي على تقدير عدم الثبوت .


135

المقالة العاشرة

الصحيح والاعم

136

137

[ المقالة العاشرة ]

في

[ الألفاظ المستعملة في الماهيات المخترعة ]

إن الالفاظ المستعملة في الماهيات المخترعة أعم من العرفية أو الشرعية هل هي أسام للصحيحة منها أم الأعم .

وهذا العنوان ظاهر في كون مركز البحث الألفاظ الموضوعة [ للماهيات ] المزبورة سواء كانت حقيقة عرفية أم شرعية ، ولا اختصاص لها بالحقيقة الشرعية .

وثمرة البحث أيضا [ تجري ] في فقد ما له دخل في التسمية على الصحيحي دون الأعمي مطلقا .

وحينئذ فدائرة هذا البحث أوسع من دائرة البحث السابق لاختصاصها بمورد قابل لكون التسمية شرعية وان كان المسمى عرفيا . بخلاف بحثنا [ هذا ] فانه يجري حتى مع القطع بأن التسمية كالمسمى عرفية وأن الشارع ممض لهما .

نعم مع احتمال اختلاف العرف والشرع في صحة الماهية أمكن نفيالنتيجة في اجراء البحث في الصحة والأعم شرعا لأن المرجع حينئذ ليس إلا صدق التسمية عرفا فيستكشف باطلاقه عدم دخل ما شك دخله في صحته شرعا .


138

كما ان مثل هذا العنوان من البحث لا يجري في العناوين الحاكية عن المعاني البسيطة التي لا صحة لنفسها ، وان أمرها يدور مدار الوجود والعدم وان كان تقييد بعضها ببعض في لسان الدليل عند جعلها في حيز خطاب ينتج كون موضوع الخطاب ماهية مخترعة شرعية بلا معهوديتها عند العرف أبدا لأن ( 1 ) المرجع عند الشك في دخل قيد زائد الى اطلاق بقية العناوين العرفية كما لا يخفى .

نعم لو فرض وجود قرينة عامة صارفة عن المعنى العرفي أو مبينة لقيد مضموم إليه وكانت القرينة مرددة بين تمام القيود الملازم مع الصحة أو بعضها القابلة لغير الصحة أمكن اجراء البحث فيما يستفاد من القرينة من أنه معنى يلازم الأعم أو خصوص الصحيح ، ولكنه مجرد فرض إذ القرائن على القيود الزائدة غالبا شخصية حاكية عن خصوص قيد دون قيد .

وعلى فرض [ كليتها ] فغالبا [ ليست ] بمثابة يستظهر منها كل طائفة شيئا بل اما ظاهرة في طرف عند الكل أو مجملة من هذه الجهة وحينئذ فمع [ اتصالها ] بالكلام يصير الكلام رأسا مجملا . الا فيبقى المقيد بالنسبة الى المقدار المشكوك على اطلاقه فلا يبقى على أي حال بحال لثمرة البحث كما لا يخفى .

ثم اعلم ان المراد من الصحة في العنوان هو التمامية قبال الفساد المساوق للنقص في الوفاء بالمقصود . فمع اختلاف المقصود ربما يختلف الشئ صحة وفسادا بملاحظة الوفاء بمقصود دون مقصود فقد ينتهي حينئذ الى اتصاف شئواحد بالصحة من جهة وبالفساد من جهة اخرى ، وحينئذ ليس المتكلم والفقيه

( 1 ) لعله يقصد : اننا إذا كنا نتمسك باطلاق العنوان عرفا عند الشك في دخل قيد زائد فمن الطبيعي ان لا يجري هذا البحث في العناوين البسيطة التي يتألف من مجموعها معنى مخترع شرعي لان هذا المعنى المخترع ليس عرفيا ليصدق اطلاق الاسم عليه عرفا ليمكن التمسك بهذا الاطلاق حين الشك .


139
مختلفين في حقيقة الصحة مع اختلاف كل منهما في التعبير عنه ب‍ ( اسقاط القضاء ) أو ( موافقة الأمر ) المساوق لعنوان [ الصحة ] واستحقاق الثواب إذ هذا الاختلاف انما نشأ من الاختلاف في الغرض المهم من الشئ فكل يلاحظ تمامية الشئ بالاضافة الى مقصوده فيعبر عنها بما يناسبه والا فهما مشتركان ومتفقان في أن حقيقة الصحة هو التمامية ، ومنه الصحة في المعاملات المساوق لترتب الأثر المعهود على الصحيح منها قبال فاسدها .

وبعد هذا البيان نقول : إن المقصود الذي يقاس تمامية الشئ بالنسبة إليه تارة يراد به المصلحة الداعية للأمر المحفوظة في المتعلق في الرتبة السابقة على الأمر والمجامعة مع المفسدة في عنوان آخر متحد معه ، واخرى الغرض الحاصل من التقرب به الملحوظ في الرتبة اللاحقة للأمر به .

كما أن المراد من التمامية بالاضافة الى المقصود الأول أيضا تارة يراد [ تماميته ] من حيث أجزائه الدخيلة في اقتضائه للأثر واستناد الأثر إليه ، واخرى يراد [ تماميته ] في كل ما له دخل في ترتب المقصود جزء أم شرطا .

الظاهر بمقتضى اطلاق كلماتهم في الجهة الأخيرة كون محط البحث هو الأخير .

وتوهم ظهور بعض أدلة الشرائط في تقييد العنوان بشئ نظير قوله : صلمتسترا أو الى القبلة أو لا تصل كذا ، وذلك يناسب خروج الشرائط عن التسمية حتى عند الصحيحي ولازمه كون محط البحث هو التمامية من حيث الأجزاء الدخيلة في المقتضي الذي هو المؤثر لا الشرائط التي هي دخيلة في قابلية المحل للتأثير .

مدفوع بأن مجرد تقييد العنوان بشئ لا يقتضي صدقه بدونه ، بل من الممكن كون العنوان حينئذ عبارة عن الذات التوأم مع التقيد لا مطلقا ولا مقيدا .


140

ويؤيده نفي الصلاة كثيرا عند فقد الشرط ك‍ ( لا صلاة إلا الى القبلة أو بطنور وأمثالها ) . فلصحيحي حينئذ أن لا يلتزم بصدق العنوان مع فقد الشرط كما لا يخفى .

نعم في الجهة الاولى أمكن اختيار الجهة الاولى فيلاحظ التمامية بالقياس إليها بشهادة حفظ العنوان في حيز الخطاب وصلاحية ورود المزاحمات بالنسبة إليه كما هو الشأن في باب اجتماع الأمر والنهي ، بل ونزاعهم في باب الضد بأن الأمر بالشئ هل يقتضي النهي عن الضد العبادي حتى عند الصحيحي فان ذلك كله يشهد بصدق العنوان عند الصحيحي حتى مع فقد القربة كما هو ظاهر .

وتوهم جريان الكلام السابق من كون العنوان في هذه المقامات أيضا اسما للذات التوأم مع القربة كسائر الشرائط .

مدفوع جدا بأن لازمه عدم امكان تصور اجتماع العنوانين في باب اجتماع الأمر والنهي مع ان فرض اجتماع عنوان الصلاة والغصب حتى عند القائل بالامتناع مع فرض العلم بحرمة الغصب والغصبية كالنار على المنار . وهكذا فرض الضد العبادي حتى عند القائل بالاقتضاء ، فذلك كله يكشف عنعدم تضييق في العنوان حتى عند الصحيحي على وجه لا يشمل الفاقد للقربة بخلاف صور فقد العنوان بقية الشرائط القابلة أخذها في حيز الخطاب فان حكمها عندهم حكم الأجزاء في دخلها في المسمى عند الصحيحي خصوصا لو لاحظنا جزئية التقييد في المأمور فانه لا يبقى مجال فرق بينه وبين بقية الاجزاء كما لا يخفى فتدبر .

ثم اعلم ان الصلوات الصحيحة للكامل المختار بعد ما كانت على أشكال مختلفة وصور متفاوتة كما لا يخفى على من لاحظ الصلاة اليومية مع صلاة الآيات بضميمة صلاة جعفر بل وصلاة الميت أيضا وأمثالها فلا محيص لدى من جعل الصلاة من متحد المعنى - بشهادة صحة اطلاق قوله : بان الجماعة يصلون


141
مع فرض اشتغال كل واحد بصلاة [ مخصوصة ] من بين المذكورات - من ان يلتزم بوجود جامع نوعي لهذا العنوان على وجه يشمل المصاديق المزبورة ، ولا يجديه الالتزام بصحة صلاة الكامل المختار وبدلية غيرها عنها فان ذلك انما يصح التزامه فرضا في كل واحد من [ الصلوات ] المزبورة بالقياس الى مراتبها الناقضة لا بالنسبة الى مجموعها ، فانه لا محيص من تصوير جامع لصلاة الكامل المختار إذ لا معنى فيها للأصلية والبدلية كما لا يخفى .

وحينئذ فالقائل الصحيحي أيضا لابد [ له ] من تصوير جامع بين هذه [ الصلوات ] الصحيحة أيضا كالأعمي فقط ، وحينئذ فقد يدعى تصويره على الصحيحي بتوسيط عنوان عرضي مشير الى جهة متحدة في الجميع بملاحظة وحدة أثره بمثل ما هو ( قربان كل تقي ) و ( ناه من الفحشاء ) بخلاف الأعمي حيث لا أثر له بنحو يشار [ به ] الى جهة واحدة بتوسيط عنوان مؤثريته في شئ .

وربما استشكل عليه بأن لازمه كون الصلاة من العناوين البسيطةالناشئة عن الامور الخارجية ولازمه كون المجرى عند الشك في جزئية شئ هو الاشتغال .

وفيه ان مجرد كشف العنوان المزبور عن وحدة الحقيقة لا يقتضي خروج الأفعال الخارجية عن [ الحقيقة ] كي يستلزم كون الشك في دخل شئ فيه [ شكا ] في المحقق ، بل الحقيقة الواحدة [ متحدة ] خارجا مع المتكثرات بنحو اتحاد الطبيعي مع أفراده ولازمه عند الشك في دخل شئ زائد رجوع الأمر الى الشك في أن الواحد المتحد مع المتكثرات هل لوجوده سعة [ تشمل ] المشكوك أم لا فينتهي الأمر في هذا الواحد البسيط أيضا الى الأقل والأكثر .

مع انه على فرض كون المتكثرات الخارجية من محققات الأمر البسيط نقول من الممكن ازدياد الأمر البسيط بزيادة تحققه وقلته بقلته ولازمه أيضا عند الك في دخل الزائد لزوم الشك في سعة الأمر البسيط [ و ] ضيقه ، ولا قصور


142
في جريان البراءة في مثله أيضا .

وما قرع سمعك من جريان الاشتغال عند الشك في محقق الأمر البسيط إنما هو في صورة تعيين حدود الأمر البسيط بلا ابهام في مثله بنحو تردد أمره بين الزائد والناقص أصلا وأين مقامنا عن هذا ؟ .

وأوهن من هذا الاشكال توهم آخر من عدم جهة وحدة بين أفعال الصلاة لأن أفعالها مرددة بين مقولات متباينة [ لا تكون ] تحت جامع ذاتي أصلا . وبهذه الجهة ربما يستشكل أيضا على تنظير بعض آخر باب الصلاة مثلا بباب الكلمة والكلام حيث [ إنها ] مركبة من امور مختلفة مع حفظ معنى وحداني جامع بين مصاديقهما بجعله الصلاة أيضا عبارة [ عن ] عدة امور قابلة للزيادة والنقصان كالكلمة والكلام وصادق على مصاديق مختلفة .

وتوضيح الاشكال بأن في الكلمة والكلام كانت الامور الملتئمة منها - مثل هذين - كلها تحت جامع واحد ذاتي حيث إن الحروف كلها من مقولة [ واحدة ] فأمكن فيهما بان يدعى تركبهما عن مقدار من الحروف بنحو الكلي في المعين مع أخذه من حيث القلة والكثرة [ منهما ] بلا أخذ حد في طرفيه أو خصوص طرفه الأكثر .

واين ذلك [ من ] باب الصلاة التي لا جامع ذاتي بين أبعاضها و [ أبعاض ] أفرادها لاختلافهما ذاتا ومقولة ، فكيف يمكن جعل الصلاة والتيامها من الامور المخصوصة بنحو الكلي في المعين إذ أين [ الجامع ] بين المختلفات كي يلاحظ الكلية بالنسبة إليه كما لا يخفى .

وتوضيح فساد الوهن بأن المقولات وان كانت بحسب الذات متباينة بحيث لا يكون فوق كل مقولة جنس جامع بين هذه ومقولة اخرى ولكن من البديهي ان كل مقولة بعد ما [ كانت واجدة ] لمرتبة من الوجود غير المرتبة الاخرى الحاوي لها [ غيرها ] فلا جرم كان جميعها مشتركا في الحيثية الوجودية


143
الموجبة لانتزاع عنوان الموجود والوجود منها . وبعد ذلك نقول :

ان التيام الصلاة من المقولات ان كان بلحاظ دخل كل مقولة [ بخصوصيتها ] الذاتية في حقيقة الصلاتية فالأمر كما تقول من عدم تصور معنى واحد جامع بين المقولات المتباينة .

واما ان قلنا بأن دخلها في الصلاة بلحاظ دخل حيث وجوده الحاوي للمراتب المحفوظة في المقولات المختلفة بلا دخل خصوصية المقولية في حقيقة الصلاة فلا ضير حينئذ من جعل الصلاة عبارة عن مفهوم منتزع عن مرتبة من الوجود الجامع بين الوجودات المحدودة المحفوظة في كل مقولة مع أخذه منحيث الزيادة والنقصان من سنخ التشكيكيات القابلة للانطباق على القليل تارة وعلى الكثير اخرى .

ولا يتوهم حينئذ بأن الجامع بين الوجودات المزبورة ليس الا مفهوم الوجود ولازمه صدق الصلاة على كل موجود .

لأنه يقال : بامكان تحديد الجامع بكونها في الدائرة المخصوصة إذ حينئذ بمثل هذا التحديد يخرج عن سعة دائرة مفهوم الوجود .

كما ان مرجع التيام الصلاة من هذا الجامع الوجودي أيضا ليس الى كون مفهوم الصلاة مساوق مفهوم الوجود أو الوجود الخاص إذ مثل هذه الحيثية الوجودية الخاصة اخذت في مفهوم الصلاة بنحو البساطة الفهومية غاية الأمر عند التحليل ينحل الى الوجود المحفوظ في مقدار من المقولات بنحو الكلي في المعين في دائرة الوجودات لا في دائرة الماهيات والذوات .

وحينئذ فلا قصور أيضا في تشبيه الصلاة بالكلمة والكلام من حيث الجامع الوجودي لا الذاتي الماهوي وان كان بينهما فرق من جهة اخرى أظهرها عدم اخذ الحروف المخصوصة في حقيقة الكلمة مع ان في الصلاة لابد من أخذ الأركان فيها ، مع أن في صدق الكلمة على الملتم من الحروف لا يفرق بين طائفة


144
دون طائفة بخلافه في صدق الصلاة على الملتم من الأفعال المخصوصة إذ لابد فيها وان يفرق بين الطوائف من المسافر والحاضر والمختار وغيره من أنحاء العذر لولا الالتزام ببدلية الناقص عن الكامل فينحصر الاختلاف حينئذ بالحاضر والمسافر كما لا يخفى .

نعم بين الصلاة والكلمة تمام المشابهة في كونهما بالاضافة الى الأفراد العرضية من قبيل الكلي في المعين وبالنسبة الى جهتي النقصان والزيادة من قبيلالتشكيكيات القابلة للصدق على الزايد والناقص .

وبمثل هذا البيان لا غرو في دعوى وجود الجامع بين الأفراد الصحيحة ويشار إليه بتوسيط لوازمه من كونه ( قربان كل تقي ) الذي هو كناية عن مرتبة من التكميل الذي لا يحصل إلا مما هو عمود الدين .

كما ان هذه الجهة من اللوازم البسيطة المترتبة [ على ] المتكثرات الماهوية إنما هو بلحاظ ما فيها من [ جهة ] الوحدة الوجودية .

وليس حاله حال النهي عن الفحشاء القابل للتكثر المترتب كل نهي [ على ] مقولة خاصة من أجزاء الصلاة بلا لزوم بساطة في أثرها كي يحتاج الى الالتزام بجهة وحدة في مؤثره .

بل الصلاة حينئذ على تكثرها مؤثرة في مثل هذا الأثر ، وذلك أيضا ، لولا دعوى ان الردع من الفحشاء أيضا من لوازم الأثر الذي هو سنخ من الكمال والقرب لأن مرجع الردع الى منعه عن ترتب هذه الامور ، ومآله الى ملازمة كماله لعدم صدورها منه ، لا أن الصلاة بما هو أمر وجودي يترتب عليه عدم صدور الفحشاء والمنكر .

مع ان هذا الاحتمال ( 1 ) يضر بكشف الجامع بين أجزاء الصلاة لا أفرادها

( 1 ) يشير الى قوله آنفا : ( ليس حاله حال النهي عن الفحشاء القابل للتكثر المترتب كل نهي على >


145
التي قد يتفق أيضا كونهما من مقولتين للجزم باشتراك جميع الأفراد في النهي عن مرتبة مخصوصة من الفحشاء كما لا يخفى فتدبر .

وبالجملة نقول : لا قصور في تصور الجامع في الصلوات الصحيحة المختلفة الصادرة عن الكامل المختار بالتقريب السابق .

بل بعد هذا التقريب لا غرو بدعوى ثبوت الجامع بين المراتب الناقصةبالنسبة الى كل كامل ولو بنينا بأنها أبدال لأن صدق [ البدلية ] فرع وفاء الناقص بمرتبة من الغرض المترتب على الكامل . فعلى فرض بساطة الأثر كما أشرنا إليه [ لا محيص ] من استكشاف وجود جامع بين هذه الأبدال ، بل وبينها وبين الكامل بوجه . ويكفي في تصوره ملاحظة الجامع الوجودي المحفوظ بين جميع المراتب المختلفة زيادة ونقصا .

بل وعلى ما ذركنا لا قصور أيضا في جعل جميع هذه المراتب من مراتب الصلاة أيضا ، فجميعها حينئذ داخلة في مسمى الصلاة ومن مصاديقها نظير صلاة السفر والحضر وغيرهما من [ الصلوات ] الكاملة المختلفة زيادة ونقصا .

وربما يؤيد ذلك عموم قوله : الصلاة [ لا تترك ] بحال ( 1 ) ، الوارد في مورد الصلاة الناقصة العذرية .

وتوهم كون الاطلاق ادعائيا وعنائيا لا وجه له بعد مساعدة الارتكاز على كون الاطلاق في المقام بنحو الاطلاق في سائر المقامات .

وحينئذ لا ريب في كون الصلاة على الصحيحي لها عرض عريض بنحو

< مقولة خاصة من اجزاء الصلاة بلا لزوم بساطة في اثرها كي يحتاج الى الالتزام بجهة واحدة في موثره ) .

فان لازم هذا ان لا يكون هناك جامع بين اجزاء الصلاة إذ لا جامع بين المقولات ولكنه لا يتنافى مع وجود جامع بين افراد الصلاة .

( 1 ) لم نعثر على حديث بهذا النص ولعله مقتنص من قوله في المستحاضة إنها لا تدع الصلاة على حال . راجع وسائل الشيعة 2 : 605 ، أبواب الاستحاضة ، الباب 1 ، الحديث 5 .


146
يشمل الكامل والناقص حسب اختلاف مراتب الوجود فيها الذي هو منشأ انتزاع المفهوم الوحداني البسيط المنطبق على المقولات المختلفة بعد الالتزامبخروج الخصوصيات المقولية عن حقيقة الصلاة .

وربما قيل [ بترتب ] ثمرة مهمة على هذا البحث وهي أنه : على البدلية لازمه اشتغال الذمة في كل طائفة بالصلاة [ التامة ] غاية الأمر في مقام الفراغ رخص باتيان بدله ، ومع الشك في بدلية شئ لها ولو من جهة فقده لمشكوك الجزئية أو الشرطية لابد من تحصيل ما هو متيقن البدلية لعدم حصول الفراغ الجزمي عن الصلاة إلا به ولازمه الاحتياط باتيان ما شك في دخله فيه .

واما على الصلاتية فكل طائفة [ مكلفة ] من الأول بنحو من الصلاة ، فعند شكه في دخل شئ في صلاته التي كلف [ بها ] مرجع أمره الى البراءة لأول الشك حينئذ الى التكليف بالأقل [ و ] الأكثر كما لا يخفى .

هذا ولكن يمكن أن يقال : ان ما افيد يتم في الديون الوضعية التي لا يكون اشتغال الذمة بها منوطا بالقدرة على أداء نفسه ففي مثلها ربما يقنع في مقام الفراغ عنه ببدله ومع الشك في البدلية حينئذ المرجع قاعدة الاشتغال .

واما في التكليفيات التي كان الاشتغال بها بمقدار استعداد التكليف فمع عدم القدرة [ على المبدل ] لا مجال لتعلق التكليف به كي ينتزع منه العقل اشتغال الذمة به ففي مثلها لا يكون متعلق التكليف من الأول إلا ما هو المقدور في حقه من البدل ، والعقل أيضا لا ينتزع الاشتغال من الأول الا للبدل وحينئذ فمع تردد البدل بين الأقل والأكثر مرجع الأمر فيه أيضا البراءة كما لا يخفى .

وحينئذ لا ثمرة مهمة في جعل المراتب الناقصة من أبدال الصلاة أو من مصاديقها .

نعم لنا دعوى انه لا مجال للالتزام بالبدلية لمحض زعم عدم تصور الجامع بين الزائد والناقص إذ لا محيص على البدلية أيضا من تصور جامع بين الأبدال


147
بل وبينها وبين مبدلاتها بناء على كونها مؤثرات في الأثر البسيط من مثل القرب والكمال حفظا للسنخية بين الطرفين .

كما انه لا وجه للالتزام بالبدلية رأسا بعد اطلاق الصلاة في غير مورد على المراتب الناقصة خصوصا في قوله : الصلاة [ لا تترك ] بحال ، حيث إنه ناظر الى الصلاة العذرية ، وحيث إن هذه الاطلاقات بحسب الارتكاز مثل اطلاقها في سائر المقامات لا يبقى مجال توهم المجازية فيها كي يقال : ان الاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز .

وحينئذ فلا غرو بدعوى ان للصلاة [ عرضا عريضا قابلا ] للانطباق على أي مرتبة من مراتبها وان جميع المراتب الكاملة والناقصة من مصاديق هذا العنوان العام المنطبق على هذه الشتات على اختلافها كما وكيفا ويشار الى هذا الجامع بتوسيط أثره من انها ( قربان كل تقي ) و ( ناهية عن الفحشاء والمنكر ) غاية الأمر لابد من الالتزام بخروج الخصوصيات المقولية عن هذه الحقيقة وجعلها من المشخصات الفردية .

لا يقال ان لازم خروج الخصوصيات المقولية عن دائرة المفهوم والحقيقة خروجها عن حيز الأمر ولازمه حينئذ عدم صحة التقرب بالخصوصيات المزبورة وهو خلاف المرتكز في أذهان المتشرعة من تقربهم بالفاتحة والسجود وأمثالها حين [ اشتغالهم ] بالصلاة .

لأنه يقال : انه كذلك لو كان بين دائرة المفهوم مع دائرة الأمر ملازمه وإلا فلا قصور في تعلق الأمر بالخصوصيات المشخصة مع فرض خروجها عن دائرة المفهوم كما هو الشأن أيضا في تكليف كل طائفة بصنف خاص من الصلاة على وجه لهم التقرب بهذا الصنف بخصوصه مع خروج الخصوصيات الصنفية عن دائرة المفهوم العام جزما .


148

ثم هنا دفع غشاوة ورفع غباوة حيث انه بلغني عمن التزم بأن الصادر خارجا مركب من مقولات متعددة بلا جامع بينها رأسا مع ذلك جعل الصلاة من متحد المعنى بجعل مفهوم الصلاة أمرا مبهما من جميع الجهات بنحو كان في الخارج متحدا مع المقولات المختلفة كما وكيفا .

وفي مقام تقريب الذهن شبه المقام بابهام سائر المفاهيم من حيث الخصوصيات الخارجة عن الذات كالانسان المبهم من حيث شكله وجثته وهزاله وسمنه وقامته وغيرها وكالخمر من حيث مرتبة اسكاره واتخاذه من التمر أو العنب والزبيب وغيرها .

فكما ان ابهام هذه المفاهيم من الجهات الخارجة لا يقتضي إلا مجئ هذه الجهات بشكل وحداني منطبق في الخارج مع أنحاء هذه الصفات الخاصة كذلك ابهام الصلاة من الجهات الداخلية أيضا لا يوجب الا مجئ هذه الجهات في الذهن بشكل وحداني متحد مع الخصوصيات المقولية خارجا . هذا ملخص كلامه .

توضيح الدفع بأن الغرض من ابهام المعنى ان كان مرجعه الى صورة مرتبة من الذات المحفوظة في ضمن المقولات بنحو الابهام واللاحدية كما هو شأن وجود كل جنس في ضمن نوعه ، ففيه :

انه بعد اختلاف ماهيات المقولات بتمام ذاتها بلا جهة مشتركة في عالم ما هويتها وذواتها كيف يتصور مثل هذا المعنى المبهم المحفوظ بنحو اللاحدية بين المختلفات المزبورة ؟ كيف ، وتصوره فيها مساوق تصور جهة مشتركة بينها وهو خلف .

وان اريد من المعنى المبهم جهة عرضية ( 1 ) محفوظة بين الجميع بنحو كان

( 1 ) لا يقصد بالجهة العرضية والعنوانات العرضية : العرضي المقابل للذاتي لان للعرضي بهذا المعنى >


149
خارجا عن ذواتها وكان مثل هذه الجهة بالنسبة الى المقولات من قبيل العنوانات العرضية بالاضافة إليها فلازمه عدم وجود ما بازاء خارجي لها محفوظ في ضمن الوجودات المقولية خارجا .

وحينئذ فلازم ذلك عدم قيام مصلحة في مثل هذا العنوان لأن المصلحة قائمة بالخارجيات والمفروض حينئذ ان مثل عنوان الصلاة لا خارجية له بل هي من سنخ العناوين العرضية التي لا يكون لها ما بازاء وجودي في الخارج .

ولعمري انه مما لم يلتزم به أحد لكثرة تواليه الفاسدة أقلها عدم صحة التقرب باتيان العمل بهذا العنوان ( 1 ) وهو كما ترى .

وان اريد من المعنى المبهم ما هو بمنزلة الشبح في المرئيات الخارجية ومحسوساتها الحاكية بنحو الاجمال عن الخارجيات كما هو متعلق العلم بها اجمالا ومرجعه الى اختراع الذهن معنى ينطبق على المعاني التفصيلية بنحو انطباق المجمل على المبين لا كانطباق الكلي على الفرد ففيه :

ان لازمه كون عنوان الصلاة من العناوين المشيرة الى عنوان آخر فيه المصلحة لا انه باستقلاله [ ذا ] مصلحة كما هو الشأن في سائر العناوين الاجمالية بالاضافة الى العناوين التفصيلية ،

وهذا المعنى أفحش فسادا من سابقه بل ومن تبعاته أيضا عدم جواز التقرب بهذا العنوان مستقلا بل لابد من الاشارة به الى ما به التقرب بمثله من سائر المقولات بعناوينها وهو كما ترى .

< ما بازاء خارجي .

بل يقصد به العنوان الانتزاعي الذي ليس له ما بازاء خارجي سوى منشأ انتزاعه .

( 1 ) لان المأتي به هو نفس العمل اي منشا الانتزاع ومنشأ الانتزاع هو غير الامر المنتزع وهو الصلاة .


150

وان أراد بالعنوان المبهم معنى آخر غير ما ذكر فعليه البيان ولا أظن في حقه ذلك سوى اجمال الكلام لمحض فساد الأصاغر من الأذهان .

فهنا تذييل فيه تحقيق :

وهو انه : بعد ما اتضح لك شرح الجامع بين الأفراد الصحيحة خصوصا في المصاديق المختلفة الصادرة عن الكامل المختار لنا ان نتصور نظير هذا الجامع بين الصحيح من كل صنف وفاسده بدعوى أخذ مرتبة من الوجود الساري في الوجودات الخاصة كما يؤخذ في مقام التسمية بأقل مما أخذ في الصحيح منها مع حفظ سائر الجهات المقومة لصلاتية الصلاة كما وكيفا فيها ، بضميمة أخذ هذه المرتبة الذاتية أيضا لا بشرط في عالم الاتصاف بالصلاتية ، المساوق لكونه مبهما بالنسبة الى ضم شئ زائد عليه على وجه يصدق الصلاة على الجميع كما هو الشأن في المعاني التشكيكية التي كان ما به اشتراكها من سنخ ما به امتيازها كي لا يبقى مجال لتوهم كون الصلاة عند ضم شئ عليه مركبا من صلاة وغيرها إذ ذلك من لوازم أخذها بشرط لا في مرحلة الاتصاف وهو خلاف الفرض .

وبالجملة نقول : إن مدعى الأعمي من تلك الجهات بعينه هو مدعى الصحيحي بالاضافة الى الأفراد الكاملة والناقصة غاية الأمر هو يقصر نظره في خصوص الدائرة المؤثرة ويجعل دائرة التسمية أوسع من المؤثرة وحينئذ لا يرد عليه محذور إلا توهم عدم طريق الى تشخيص هذا المعنى الوسيع بعد عدم وفاء دليل الأثر لأزيد من الاشارة [ به ] الى خصوص المؤثرة [ فلا محيص ] إلا من الالتزامبالوضع لخصوص الصحيح دون الأعم . ولكن لا يخفى ما فيه .

أولا : بأن الطريق الى وجود جامع بين الأفراد الصحيحة لا ينحصر بالاشارة إليه بتوسيط الأثر بل تقدم انه يكفي للالتزام بوجود الجامع صحة القول بأن الجماعة يصلون مع فرض اشتغال كل واحد منهم بصورة صلاة صحيحة غير الآخر بعد الجزم ببطلان استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد


151
بنحو الاستقلال في مقام الانتساب كما في المقام .

ومن المعلوم ان مثل هذه الجهة جارية في فرض اشتغال بعض بالصحيح والآخر بالفاسد ولو من باب المجاز كما هو الشأن في صحة تقسيمه الى الصحيحة والفاسدة ولو في استعمال مجازي إذ ليس همنا فعلا اثبات الحقيقة بل تمام الهم في استعمال اللفظ في الجامع ولو مجازا .

بل وفي الشاهد الأخير لا يبقى مجال اعمال العناية في الصلاة بجعلها من الحقائق الادعائية إذ بعد فرض هذه العناية لا يصح حمل الفاسد عليه ( 1 ) .

نعم لا بأس بجريان هذه الشبهة في الشاهد الأول لولا دعوى أوسعية صحة الاستعمال المزبور من العناية المسطورة .

وثانيا نقول : إن الأثر المزبور ينبئ عن المؤثرية الفعلية للواجد لتمام الأجزاء والشرائط كذلك ينبئ عن شأنية التأثير لفاقدها بنحو يصدق عليه بأنه لو انضم إليه بقية الأجزاء والشرائط [ لأثر ] ، غاية الأمر للشأنية المزبورة بملاحظة قلة الفاقد وكثرته مراتب .

وحينئذ : لك أن تقول انه ليس مناط التسمية لدى الاعمي أيضا بمطلق الشأنية بل مرتبة منها قريبة [ من الفعلية ] وربما أمكن تميز هذه المرتبة بالأقربية صورة الى المؤثرة ولازمه كون المناط فيها أيضا الأقربية من كل طائفة بالاضافةالى ما يصدر منه من المؤثرة الفعلية وهو موجب لأن يكون الصلاة حتى عند الأعمي من كل طائفة بنحو مخصوص كصحيحها فلا يرد عليهم حينئذ ان لازم الاعمي صدق الصلاة على الاشارات الأربعة حتى عند صدورها من الكامل

( 1 ) لعله يقصد ان الحقيقة الادعائية لا يتصور فيها الصحة والفاسد ليحمل الفاسد عليها فلا يصح ان يقال ( هذه صلاة فاسدة ) ويكون اطلاق الصلاة عليها مجازا ادعاء لأن المدعى حينئذ ان الصلاة الفاسدة ( صلاة ) . فالفساد مقوم لهذه الصلاة الادعائية .


152
المختار وليس كذلك جزما .

وبعد ما اتضح ما تلوناه لك من تصوير الجامع على القولين يبقى الكلام في التصديق بأيهما في مقام وضع اللفظ فنقول :

الأقوى المصير الى الأعم وذلك لا لمحض صحة التقسيم بحسب الارتكاز الآلي للحمل على المجاز بل من جهة ان بناء العرف عند اختراعهم لشئ من الآلات والمعاجين ليس - في مقام التسمية - الاقتصار على خصوص المؤثرة لما يرى بالوجدان في مثل الساعة وأمثالها من الآلات المخترعة والمعاجين والأدوية حيث انه ليس ديدنهم على صحة سلب الاسم عنها بمجرد اختلال جزء يسير منها .

ومن المعلوم [ انه ليس ] للشارع في مقام تسميته لمخترعاته ديدن مخصوص بل هو من هذه الجهة يمشي مشيهم حسب ارتكاز الذهن في أخذ اللاحق طريقة السابقين في أمثال هذه الجهات النوعية ، وحينئذ لو كان لأحد طريقة مخصوصة لابد وان [ يبينها ] . فمع عدم البيان مقتضى الحكمة اتحاد الطريقتين . ولقد أشرنا الى هذا البرهان في المسألة السابقة أيضا . هذا .

مضافا الى ان الظاهر من قوله : " لا تعاد الصلاة إلا من خمس " ( 1 ) كونالفاقد للخمس أيضا صلاة ولازم ارتكاز الذهن بأن اطلاق الصلاة في المقام كاطلاقها في سائر المقامات عدم احتمال عموم المجاز في خصوص المقام .

كما ان تطبيقه عليه السلام العنوان في المقام على الفاسدة أيضا يرفع الشبهة الآتية في التمسك بالاطلاق في دليل الأثر لاثبات مذهب الصحيحي .

ويؤيد ذلك أيضا عمومات " من زاد في صلاته فعليه الاعادة " . ( 2 ) إذ على

( 1 ) وسائل الشيعة 4 : 683 ، الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة ، الحديث 14 .

( 2 ) وسائل الشيعة 1 : 332 ، الباب 19 من أبواب الخلل ، الحديث 2 .


153
فرض حمله على الزيادة الحقيقية كما تصورنا في محله فلا محيص من اعتبار دائرة الماهية أوسع من دائرة الأمر ، ولازمه كون دائرة التسمية أوسع وهو المدعى . وعلى فرض حمله على الزيادة التشريعية بزعم عدم تصور الزيادة الحقيقية فنقول : ان جعل الصلاة ظرفا لها يساوق تطبيقها ارتكازا على الواجد لها ولا معنى له إلا بناء على وضعها للأعم كما لا يخفى .

وقد يستدل للأعمي أيضا تارة بقوله : ( دعي الصلاة أيام أقرائك ) ( 1 ) . تقريب الاستدلال بأن توجيه هذا الخطاب الى الحائض لا يتم إلا [ في ] فرض أعمية الصلاة .

وفيه : ان لازمه حرمة كل ما يصدق عليه الصلاة عند الأعمي ولو لم يكن فساده من ناحية الحيض ولا أظن التزامه به .

وحينئذ لابد إما من [ حملها ] على الفاسدة من خصوص ناحية الحيض أو الصحيحة في رتبة [ سابقة ] عن هذا الخطاب . والأول مستلزم لتقييد الاطلاق الثابت لدى الأعمي بخلاف الثاني فيخرج الدليل عن الشهادة على المدعى كما لا يخفى . واخرى بقوله : ( الناس أخذوا بالأربع وتركوا الولاية ) .

تقريب الاستدلال : ان الأربع اشارة الى الصلاة وغيرها ، ومعلوم ان الصلاةبل كل عبادة بلا ولاية [ باطلة ] جزما .

وتوهم ان الولاية من شرائط القبول لا الصحة كالتقوى كلام ظاهري إذ كلماتهم في شرطية مقربية العمل للعامل في صحة العبادة مشحونة ومن البديهي ان غير أهل الولاية غير صالحين للتقرب كما لا يخفى .

هذا مضافا الى بطلان عمل غير أهل الولاية غالبا من جهة التزامهم بالتكتف في الصلاة وعدم المتعة في الحج والافطار عند الغروب ومع ذلك أطلق على عملهم عناوين العبادات كما لا يخفى .

هذا ولكن يمكن أن يجاب عنه بامكان ارادة الصحيحة منها وان تطبيقها

( 1 ) عوالي اللآلي 2 : 207 .


154
على أعمالهم اعتقادي . كما انه يمكن في الدليل السابق أيضا أن يقال : بأن المراد من الصلاة أيضا هي الصحيحة التامة وان تطبيقها على عمل الحائض تشريعي ولا ينافي ذلك أيضا مع حرمة عبادة الحائض من صلاتها وصومها ذاتا كما لا يخفى .

وثالثة بأنه لو نذر ان لا يصلي في مكان مكروه فإنه على الصحيحي يلزم فساد نذره إذ صحته مستتبع لعدم تمكنه عن حنثه وذلك ملازم لعدم وجوب وفائه المستتبع لفساده .

وفيه : ان هذا النقص يرد على الأعمي أيضا لو كان الناذر قاصدا للصحيح منها كما هو الغالب ، بل لا يكون الترك راجحا إلا في الصحيح منها مع أن النذر المزبور مانع عن القربة ، وقد تقدم ان الفساد من جهته خارج عن حريم النزاع وتمام مركز البحث هو التمامية في الوفاء بالمصلحة الداعية على الأمر به وهذه الجهة محفوظة في الصلاة حتى بعد النذر فلا بأس بحنثه حينئذ ولا قصور أيضا في صحة نذره كما لا يخفى .

وكيف كان لا يكاد يثبت مدعى الأعمي بمثل هذه الوجوه . كما انه لا يكاد يثبت مدعى الصحيحي أيضا بمثل التبادر وصحة السلب إذ يمكن دعوى ان التبادر وصحة السلب اطلاقيان بل ولا يثبت ايضا بمثل اطلاق قوله : الصلاة قربان كل تقي ( 1 ) ، وتنهى عن الفحشاء والمنكر بتقريب : ان مقتضى اطلاق ترتب الأثر على طبيعة الصلاة كون كل ما كان صلاة واجدا للأثر فلازمه بمقتضى عكس النقيض : ان كل ما لا يترتب عليه الأثر المزبور فليس بصلاة وهو المطلوب . وقد تمسك بمثل هذا البيان استاذنا الأعظم في كفايته ( 2 ) .

إذ فيه : ان ذلك مبني على حجية أصالة العموم والاطلاق في ما شك في مصداقية شئ للعام مع الجزم بخروجه عن الحكم وهو ممنوع . ولقد اعترف هو

( 1 ) بحار الأنوار 10 : 99 .

( 2 ) كفاية الالصول : 45 .


155
- طاب ثراه - أيضا في بحث العام والخاص من الكفاية بأن المسلم من حجية اصالة العموم أو الاطلاق صورة الشك في الخروج مع الجزم بالمصداقية .

وأما في فرض العكس كما نحن فيه لا نسلم حجية الأصل المسطور فراجع كلماته .

هذا كله في أسامي العبادات المركبة المخترعة .

وأما أسامي المعاملات فهي بين أن لا يكون مركبا كأسامي المسببات بناء على مسلك تخطئة الشارع للعرف في مورد المخالفة ، وبين أن لا يكون من المخترعات الشرعية بحيث يكون العنوان المأخوذ في حيز الخطاب مسوقا لبيان ما هو المعهود عرفا ولو بنينا على وضعها عندهم للصحيح منها كأسامي الأسباب .

ولازمه عدم جريان النزاع فيها لعدم [ ترتب ] ثمرة عليه من الاجمال على الصحيحي والبيان على الأعمي ، لان المفروض عدم اجمال الخطاب المنزلعلى الافهام العرفية عند صدق العنوان عندهم .

ومن هنا أيضا ظهر عدم جريان النزاع المزبور لعدم الثمرة من جهة سوق الخطاب بلحاظ الأنظار العرفية حتى على مسلك اختلاف العرف والشرع في المسببات أو الأسباب بملاحظة دخل بعض القيود في المجعول الشرعي قبال جعل العرف مع اشتراكهما في صدق المعنى عند العرف أيضا .

وحينئذ [ تنحصر ] الثمرة [ المزبورة ] - الباعثة على النزاع الشمهور - في أسامي المخترعات الشرعية مع عدم سوق الخطاب أيضا بلحاظ الأنظار العرفية ، إذ حينئذ صح دعوى اجمال العنوان على الصحيحي وعدمه على الأعمي - في غير ما هو مقوم العنوان حتى لدى الأعمي .

هذا ولكن ذلك أيضا مبني على كون الاطلاقات على الأعمي في مقام البيان وإلا فلا بيان على الأعمي أيضا لأن المهمل بمنزلة المجمل كما لا يخفى .


156

وحينئذ لا يبقى ثمرة مهمة في مثل هذه المسألة .

وتوهم الانتاج في النذر مدفوع :

بأنه لم يكن ثمرة المسألة من حيث وقوعها في طريق استنباط حكم فرعي كلي ، كيف ، ولازمه قابلية جعل النزاع في كل بر وفاجر من المسائل الاصولية أو مباديها توطئة لترتب هذه النتيجة وهو كما ترى .

وعليك بالمراجعة الى المطولات في توضيح هذه النكتة وتدبر فيها .


157

المقالة الحادية عشر

استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى

158

159

[ المقالة الحادية عشرة ]

في

[ استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى ]

لا إشكال في وقوع الاشتراك في أي لغة كما نراه بالوجدان .

وتوهم ارجاع كل مورد يوهم الاشتراك الى معنى وحداني جامع بين الفردين تكلف بارد لا يصلح لان ينظر إليه .

كما ان توهم منافاته لحكمه الوضع أبرد ، إذ ربما يتعلق الغرض باجمال الكلام ، بل ربما يترتب عليه غرض التفهيم كما في صورة قيام القرينة على عدم ارادة بقية المعاني فانه مع الوضع لهذه يحمل عليه والا فلابد من الحمل على أقرب المجازات .

وأيضا توهم اقتضاء اختصاص شئ حصر استعماله فيه وانحصار ارائته به وهو ينافي الاشتراك - ومرجعه في الحقيقة الى منافاة الاشتراك مع حقيقة الوضع الذي هو اختصاص اللفظ بالمعنى بنحو الطبيعة السارية في الطرفين - مدفوع جدا .

إذ لا نعني من الوضع إلا مجرد جعل اللفظ بازاء معنى وهذا المعنى قابل للتحقق بالنسبة الى المعنيين أو أزيد .

غاية الأمر نتيجة صلاحتيه للإرائة بالنسبة الى كل واحد يحتاج فعليته الى قرينة شخصية .

وحيث إن بنفس هذا الجعل يخرج اللفظ من اطلاق قابلية الارائة


160
بالنسبة الى غير المجعول ، ينتزع حينئذ نحو اختصاص حاصل بينهما .

وهذا المعنى من الاختصاص لا يوجب حصر القالبية له ، بل ومع تعدد الوضع يتحقق [ للفظ ] أيضا نحو اختصاص بالاضافة الى غير الموضوع له أولا .

ولئن شئت قلت : هذا المقدار من الاختصاص لا يقتضي أزيد من صلاحية اللفظ للإراءة لا فعليتها .

وبازاء هذه التوهمات السابقة توهم آخر وهو :

توهم وجوب الاشتراك بخيال تناهي الألفاظ وعدم تناهي المعاني ،

ولا بعد فيه في الأعلام الشخصية بعد جريان الديدن على عدم البناء في تفهيمها على القاء الكلي بنحو الدالين إذ حينئذ لا محيص من الاشتراك فيها .

نعم امكان القاء الكلي وإراءة الخصوصية بدال آخر يمنع عن وجوب وقوع الاشتراك على الاطلاق مع قطع النظر عن الديدن المزبور .

كما أن في غير الأعلام الشخصية أيضا أمكن دعوى عدم التناهي بالنسبة الى الماهيات المخترعة والمركبات الاختراعية الاعتبارية أو الحقيقية المزجية الخارجية .

نعم في البسائط الخارجية وان كانت من المركبات التحليلية العقلية فضلا عن البسائط العقلية أمكن دعوى تناهيها كتناهي الألفاظ لكن المفاهيم الكلية غير مختصة بالبسائط بل يشمل المركبات والاختراعيات وحينئذ حالها حال الأعلام الشخصية من لزوم الاشتراك بالنظر الى الديدن وعدمه ( 1 ) على الاطلاق لإمكان تفهيم كل مورد بالدالين كما لا يخفى .

وبالجملة لا إشكال في هذه الجهات وانما الكلام ومعركة الآراء في جواز

( 1 ) أي وعدم لزوم الاشتراك بدون النظر الى الديون فقوله ( وعدمه ) معطوف على ( لزوم الاشتراك ) .


161
استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد سواء كانا حقيقتين أو حقيقة ومجازا أو مجازيين .

وتوضيح الحال في هذا المجال يقتضي رسم مقدمة لتنقيح محط هذا البحث بين الأعلام فنقول وبه التكلان :

ان مورد نزاع الأعلام - حسب صراحة كلماتهم - إنما هو في صورة ارادة المعنيين من اللفظ بنحو يكون كل واحد من المعنيين موضوع النفي والاثبات ومن المعلوم ان غرضهم من النفي والاثبات هو النفي والاثبات في النسبة الكلامية الملازمة مع الارادة الاستعمالية لا النفي والاثبات في سائر الجهات من مثل الأحكام الخارجية عن النسب الايقاعية ( 1 ) التي كان الكلام طريقا إليها أو [ موجدا ] لها إذ مثل هذه النسب غير مرتبط بكيفية استعمال اللفظ في معناه ( 2 ) .

وحينئذ نقول : ان لازم كون كل واحد من المعنيين مورد النسبة الكلامية نفيا أو إثباتا بنحو الاستقلال توجه اللحاظ الى كل واحد من المعنيين مستقلا نظرا الى أن الحكم والنسبة الايقاعية الكلامية الى شئ بالاستقلال لا يكاد ينفك عن النظر الى الموضوع والمحمول كذلك . وحينئذ نقول :

إن باب استعمال اللفظ في معناه ان كان من باب العلامة بمعنى كون الانتقال الى اللفظ منشأ للانتقال الى المعنى بلا مرآتية اللفظ عن معناه بل كان المعنى متعلق اللحاظ مستقلا في عرض لحاظ اللفظ فلا قصور حينئذ لارادة أزيد من معنى واحد من اللفظ لعدم محذور في لحاظ كل واحد من المعاني بلحاظ مستقل بلا توسيط مرآة في البين كما هو الشأن في لحاظ كل منهما كذلك في مورد

( 1 ) سيوضحه هو قدس سره في نفس المتن . ومقصوده الأحكام التي هي من قبيل ما ينحل إليه الحكم العام الاستغراقي .

( 2 ) إذ الانحلال قهري لا لأجل استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد .


162
الارادة والكراهة ( 1 ) .

وأما لو كان باب استعمال اللفظ في معناه كون اللفظ مرآة لمعناه بمعنى كون لحاظ المعنى بعين لحاظ اللفظ بنحو يعبر اللحاظ من اللفظ الى المعنى وان النظر الى اللفظ عبوري على وجه لا يلتفت الانسان إليه بل تمام التفاته الى المعنى بحيث كأنه يوجد المعنى بلسانه فلا شبهة في أو لازم هذا المسلك عند ارادة المعنيين بنحو الاستقلال في شخص لحاظه ( 2 ) بتوسيط لفظ واحد توجه اللحاظين الى لفظ واحد وهو محال لأوله الى اجتماع المثلين في شئ واحد كما لا يخفى ( 3 ) .

وحيث ان المختار في باب الاستعمال هو المسلك الثاني فلا محيص من المصير الى استحالة الاستعمال في أكثر من معنى واحد بنحو الاستقلال .

نعم لا قصور في استعماله فيهما بلحاظ واحد بحيث يكون كل واحد مورد الاستعمال ضمنا وان وقع كل منهما مورد النفي والاثبات في الأحكام الخارجية مستقلا كما هو الشأن في العمومات الاستغراقية .

وبالجملة نقول : إن عمدة وجه الاستحالة هو لزوم اجتماع اللحاظين في لفظ واحد بحيث لو ارتفع اللفظ من البين لا قصور في توجه اللحاظ الى كل واحد مستقلا لنفسه كما أشرنا إليه في مورد الارادة والكراهة .

نعم قد يرى من بعض التقريبات في وجه الاستحالة توهم جريانه حتى على فرض كون اللفظ علامة بحيث يكون المعنى ملحوظا في عرض لحاظ اللفظ لا بتوسيطه .

وملخص بيانه : ان اللفظ بعد ما كان مقتضيا لافهام المخاطب فقهرا

( 1 ) أي كما تتعلق كل من الارادة والكراهة بكل واحد من المعاني عل نحو الاستقلال .

( 2 ) الضمير يرجع الى الملاحظ .

( 3 ) إذ الشئ الواحد لا يقبل الفناء إلا مرة واحدة .


163
[ يصير ] فهم المعنى من آثار وجوده ولا يمكن ترتب الفهمين على [ مقتض ] واحد حذرا من توارد المعلولين على علة واحدة وهو كعكسه محال .

ولا يرد عليه بان احضار اللفظ في ذهن السامع بذكره وإسماعه خارجا غير احضار المعنى فيه فلا بأس باحضارات للمعاني بتوسيط احضار لفظ واحد [ بلا لزوم ] اثنينية الواحد إذ ذلك انما يرد عليه لو كان محط الاشكال اتحاد الاحضارين وإلا فلو كان النظر الى وحدة السبب وتعدد المسبب ، فلا يصلح هذا الكلام لرده .

فالأولى حينئذ أن يجاب : ان اللفظ بعد ضم القرينة [ كان علة ] ومع تعدد القرينة عند تعدد المعنى لا يكون [ الفهمان ] [ مستندين ] الى لفظ واحد بل الى قرينتين كما هو ظاهر فتدبر .

فالمحذور كل المحذور مع وجود لفظ واحد توجه اللحاظين الى لفظ واحد وهو محال كتوجه الارادتين والكراهتين الى شئ واحد .

ولذا قلنا بان باب الاستعمال لو كان من باب العلامة - لا مرآتية اللفظ - لا بأس بارادة أزيد من معنى واحد من لفظ واحد .

كما انه لو بنينا على موجدية اللفظ في مورد لمعناه كما قيل في المعاني الحرفية - على ما أسلفناه - فلا بأس أيضا بان يلاحظ كلا من المعنيين مستقلا ، ويوجدهما بلفظ واحد مثل ما يراد في ( سرت من البصرة أو إليها ) [ من ] كون البصرة مبتدء منه ومنتهى إليه [ بايجاد ] ربطي الابتداء والانتهاء بين السير والبصرةبكلمة واحدة من قوله ( من ) أو ( الى ) .

إذ لا يلزم حينئذ اجتماع اللحاظين في شئ واحد إذ على هذا المبنى ما تعلق [ اللحاظان ] باللفظ أبدا وانما [ تعلقا ] بالمعنيين بلا واسطة ، [ غاية ] الأمر جعل اللفظ الواحد الملحوظ بلحاظ واحد آلة لايقاع الربطين بين المفهومين في الذهن .


164

وعليه ربما يترتب نتيجة صحيحة بين القول بالموجدية في المعاني الحرفية [ والمنبئية ] إذ على الآخر يكون حاله حال سائر الأسماء في لزوم توجه اللحاظين الى لفظ واحد وهو المحذور بخلافه على الأول .

ثم ان بعض أعاظم العصر بالغ في جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد واستشهد بأبيات وعبارات من القصص والحكايات على مدعاه .

وذلك ليس إلا من جهة خلط المبحث بجعله محطه صورة وحدة لحاظ المتعددات أو بجعله الاستعمال من باب العلامة .

والا فمع تنقيح مركز البحث وكيفية الاستعمال كيف يغفل عن شبهة اجتماع النظرين في لفظ واحد فتدبر جيدا .

وأضعف منه توهم المعالم من أن وجه عدم الجواز لزوم استعمال اللفظ [ الموضوع ] للكل في الجزء بتوهم أخذ قيد الوحدة في المفهوم .

إذ مضافا الى فساد المبنى - إذ اللفظ موضوع لنفس المعنى عاريا عن الخصوصيات الزائدة عن ذاته - يرد عليه :

بانه كيف له أخذ مثل هذا القيد في المستعمل فيه والموضوع له ؟

إذ من البديهي ان الغرض من هذه الوحدة ليس ما هو من لوازم ذات الشئ من كونه في قبال الاثنين المعبر عنه بالوحدة العددية ، كيف ! ومثل هذه الجهةغير قابل للخلع عنه في عالم من العوالم .

بل المراد الوحدة في عالم الاستعمال واللحاظ قبال الضمنية في هذا العالم ،

ومن البديهي ان هذه الوحدة انما [ تطرء ] عليه من قبل استقلال اللحاظ الاستعمالي قبال ضمنيته ومثل هذه الجهة ناش عن قبل الاستعمال ويستحيل أخذه في المستعمل فيه .

ولقد أجاد المحقق القمي حيث أخرجه عن قيد المعنى وجعله من شؤون الوضع نظرا الى ان لحاظ المعنى منفردا في حال الوضع مانع عن اطلاق وضعه


165
لانه تبع لحاظه كذلك ، وإن لم يكن من أغراضه ، فيتبعه أيضا كيفية استعماله بلا أخذه قيدا في المستعمل فيه .

فكان ما نحن فيه من تلك الجهة نظير أخذ الاستقلالية في اللحاظ والمرآتية في الأسماء والحروف من أغراض الوضع المانع عن اطلاق الموضوع له بلا تقييد فيه كما هو الشأن في باب قصد القربة بالنسبة الى المأمور به بجعل أمثال هذه المقامات من القضايا الحينية لا المطلقة ولا المقيدة .

والعجب عمن لم يتعمق كلام المحقق القمي وفتح باب الايراد عليه بأنه : بعد تجريد المعنى عن [ خصوصية ] لا معنى لمنع الواضع عن استعماله عند فقد الخصوصية .

إذ ذلك انما يرد في الخصوصيات القابلة أخذها في الموضوع له وإلا فكل خصوصية طارئة على المستعمل فيه من قبل استعماله التابع لوضعه يستحيل [ أخذها ] في الموضوع له مع أنه مانع عن اطلاقه أيضا .

نعم إنما يرد عليه بأن غاية نتيجته عدم جواز الاستعمال بنحو الحقيقة وأما بنحو المجاز فلا بأس به .

ولذا قلنا بأن هذا المعنى من جواز الاستعمال عقلا ولو بنحو الضمنية بالنسبة الى استعمال ولحاظ واحد خارج عن محط البحث .

وانما محله في جواز استعمال اللفظ في كل منهما بنحو الاستقلال بحيث كان بمنزلة استعمالين مستقلين .

ومن المعلوم ان في مثل هذه الصورة لو بنينا على امكانه لا يرد عليه أيضا شبهة المعالم حتى مع الاغماض عما أسلفنا إذ كل واحد من المعنيين اريد من اللفظ بقيد الوحدة ، ولا شبهة [ المحقق ] القمي إذ اريد كل منهما من اللفظ في حال الانفراد في اللحاظ .

وحينئذ العمدة فيه تصور إمكانه لما عرفت من استحالة طرو اللحاظين


166
على لفظ واحد وحينئذ فعمدة المحذور ذلك لا غيره فتدبر .

وقد يتخيل طريق آخر أقرب من ما ذكرنا وملخصه : ان استعمال اللفظ عبارة عن ايجاد المعنى في الخارج بوجوده التنزيلي ، وحيث ان ايجاد كل واحد من المعنيين بلفظ واحد ، فلا محيص من ان يكون وجود المعنيين واحدا وحينئذ لا يعقل ان يكون لكل معنى وجود مستقل بل كلاهما تحت وجود واحد وهو يقتضي عدم استقلال كل واحد بالوجود وهو خلاف فرض استقلال كل منهما في عالم الايجاد والاستعمال حيث ان الايجاد عين وجود الشئ كما هو واضح ( 1 ) .

[ كما ] أنه ذكر في ذيل مرامه بيانا آخر أتقن باعتقاده تسجيلا لمرامه بأنه لو فرض كون الاستعمال خاليا عن اللحاظ كان [ الايجادان ] [ محالين ] وانه [ لا تناط ] الاستحالة [ بإمكان ] اللحاظين وعدمه .

أقول : لا شبهة في أن مصحح تنزيل كون وجود اللفظ عين وجود المعنى ليس إلا [ فناؤه ] فيه ومرجع فنائه الى كونه مرآة له ومقوم مرآتيته ليس إلا عبورنظره منه إليه .

وحينئذ فلئن فرض امكان النظرين مستقلا حسب اعترافه فقهرا يتحقق مناط التنزيلين فيه ومرجعه الى اعتبار العقل لفظا واحدا بالوحدة الحقيقية متعددا بالعناية بملاحظة تعدد مناط تنزيله له وهو تعدد اللحاظين الموجب كل لحاظ لفناء مستقل المستتبع لكونه وجودا لكل [ واحد ] من المعنيين بوجود مستقل فعدم اعتبار العقل مثل هذه العنايات بملاحظة عدم تعقل منشأه من تعدد اللحاظين .

ومن هنا ظهر انه لو فرض خلوه من اللحاظ لا معنى [ لفنائه ] فيه كي يبقى مجال تنزيله منزلة وجوده كما لا يخفى .

( 1 ) راجع نهاية الدراية 1 : 88 .


167

فتأمل كي لا يغشك مثل هذه التمويهات المبعدة عن الواقعيات وبعد وضوح المقصد نقول :

انه لا مجال للفرق في منع الجواز بين المفرد والتثنية الملحق ( بها ) الجمع أيضا بخيال ان الالف والنون دال على ارادة المعنيين من مدخولهما إذ مرجعه الى لحاظهما مستقلا بتوسيط لفظ المبدأ بقرينة أداة التثنية .

وحينئذ علاوة ، عن لزوم استعمال اللفظ الموضوع للطبيعي - في تثنية الطبائع الكلية - في خصوص الفرد وهو مجاز يلزم في لحاظ كل واحد مستقلا اجتماع النظرين في لفظ واحد أيضا وعرفت انه محال .

وحينئذ فلابد أن يراد في أمثال هذه المقامات من المبدأ نفس الطبيعة ومن أداة التثنية وجودها في ضمن فردين بنحو الدالين والمدلولين فليس في البين حينئذ استعمال لفظ في المعنيين .

نعم قد يشكل الأمر في تثنية الأعلام الشخصية كزيدين وحسنين وأمثالهما إذ لا مجال للبيان السابق هنا لعدم صلاحية المبدأ للوجودين كي يصلح دخوله في باب الدالين والمدلولين .

وتوهم تأويلهما بالمسمى وهو أيضا من الطبائع القابلة للتكرر مدفوع باستلزامه نكارة العلم الشخصي عند تثنيته مع أنهم يرتبون أيضا آثار المعرفة على مثلها

وحينئذ الأولى في أمثال المقام أن يقال :

بأن علامة التثنية فيها دالة على تكرر طبيعة مدخوله إما بنفسه أو بمعناه . وهنا بلحاظ تكرر اللفظ في ضمن فردين الحاكي كل منهما عن شخص معناه ، بل ويمكن الالتزام بمثله في تثنية الأجناس أيضا فيراد من الانسانين لفظين من الانسان المراد من كل واحد فرد منه لولا لزوم محذور المجاز من ارادة الفرد من اللفظ الموضوع للطبيعة ففيها لابد وأن يكون بلحاظ تكرر معناه .


168

وعليه فيختص هذا التوجيه في تثنية الأعلام الشخصية .

بل ويجرى مثل ذلك في تثنية أسماء الاشارة المتوغلة في التعريف كهذين مثلا بحيث لا معنى فيها للتأويل بالمسمى أصلا .

مع امكان دعوى ان مثل هذه الالفاظ لما كان وضعها للمعنى المبهم المعروض للاشارة إليه فيكون تعيينها من قبل هذا العارض وحينئذ فلا قصور في ذات المعنى لان يتحقق في ضمن المتكرر الحاكي عنه أداة التثنية بنحو الدالين والمدلولين بضميمة كون المتكرر متعلق التعين بالاشارة إليها كما لا يخفى فتدبر .

ولقد عجز في الفصول ( 1 ) عن الاشكال المزبور خصوصا في تثنية الاشاراتفأجاب بجعل مثل هذه الكلمة [ بمجموعها ] موضوعة للاشارة الى الاثنتين بلا مراعاة قواعد التثنية فيها من كونها من باب الدالين والمدلولين وهو كما ترى لا يساعده الوجدان والذوق المستقيم .

تفريع : قد يتوهم بان ارادة التكليف والمال من الموصول في قوله تعالى ﴿ لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها من باب استعمال اللفظ في المعنيين كما هو الشأن في إرادة الإعلام والإعطاء من الايتاء علاوة عن لزوم اجتماع النظرين في اضافة الفعل إليه حيث ان اضافة الفعل الى المفعول المطلق نحو من الربط [ غير ] المربوط ( 2 ) باضافته الى المفعول به .

ولكن يمكن التفصي عن الشبهة الاولى بان المراد من الموصول هو الجامع المنطبق على كل من الفردين من باب الدالين كما هو الشأن في الايتاء بارادة المعنى الواحد منه وتطبيقه على مصداقه الادعائي والحقيقي من باب الدالين .

( 1 ) الفصول الغروية : 55 ، السطر 29 من الطبعة الحجرية .

( 2 ) أي ان اضافة الفعل الى المفعول المطلق لا ربط لها بإضافته إلى المفعول به .


169

وعن الشبهة الثانية : أولا بأن اضافة الفعل الى الجامع بين المفعولين اضافة ثالثة ولا يلزم في مثله اجتماع النظرين . وثانيا بامكان جعل الموصول من باب المفعول له وان التكليف بمعنى الكلفة والمشقة الحاصلة لأجل الإعلام بالحكم تارة وإعطاء المال اخرى ، وحينئذ يخرج مثل هذا المقام من باب استعمال اللفظ في المعنيين كما لا يخفى .


170

171

المقالة الثانية عشرة

المشتق

172

173

[ المقالة الثانية عشرة ]

في

[ المشتق ]

هو من الشق ، ولو بملاحظة كون الهيئات المختلفة الطارئة على مادة واحدة موجبة لتشقيق المادة بشقوق محفوظة في ضمن هيئاته ، كما هو الشأن في معناها من جهة تصور جهة واحدة في ضمن خصوصيات متصورة .

وربما [ تكون ] المناسبة المغروسة بين اللفظ والمعنى داعية على كون وضعها انحلاليا : منحلا الى وضع وحداني للمادة في ضمن كل هيئة موضوعة ووضع كل هيئة [ لخصوصية ] طارية على هذه المادة وغيرها من المواد الموضوعة .

وبهذه الملاحظة يكون وضع كل منهما قانونيا قبال وضع الجوامد [ غير ] الملحوظ فيها مادة في ضمن هيئات ، ولا هيئة كذلك ( 1 ) بل وضع اللفظ فيها بمادته وهيئة المخصوصة لمعنى خاص بوضع شخصي بلا تصور القانونية فيها .

وأيضا لازم كون الهيئة في المشتقات حاكية عن أنحاء الارتباطات بين المادة الحدثية والذوات [ كون ] وضعها حرفيا قبال إسمية المادة .

كما أن تباين الهيئات [ بعضها ] عن الآخر يقتضي كون طروها على مادة واحدة بنسبة واحدة وفي عرض فارد ( 2 ) ولكن ربما يكون اختلافها من حيث

( 1 ) أي ولا هيئة في ضمن المواد .

( 2 ) المقصود أن تباين الهيئات يقتضي أن تكون كل هيئة بذاتها عارضة على المادة من دون أن تكون مأخوذة من هيئة قبلها .


174
اقتران بعضها بشئ زائد وعدمه .

بل واعتبار العقل في بعض [ تأخر رتبته ] عن غيره أوجب الطولية في أنحاء المشتق حتى اعتبر الصرفيون أخذ بعضها عن بعض ، ويقال فلان مشتق من فلان ، وليس ذلك إلا من العنايات المأخوذة في المعاني ، وبهذه الملاحظة ربما يكون أسبق المعاني الاشتقاقية لعرائه عن بقية الطواري هو المصدر ، ولعل بهذه المناسبة صار المصدر أصلا في المشتقات .

ثم ان مفاد الهيئة في الأفعال نحو اضافة بين المنفصلين مفهوما ، وفي الأوصاف نحو ربط اتصالي بين المبدأ والذات بحيث يرى المبدأ متحدا مع الذات بنحو من الاتحاد الحاصل بينهما خارجا ، ومن هذه الجهة كانت الأفعال أشبه بالمعاني الحرفية الحاكية عن الاضافة بين المنفصلين .

وربما [ تكون ] هذه الجهة أوجبت البناء في الأفعال دون الأوصاف لكونها أشبه بالجوامد العارية عن الاضافة بين الشيئين فصارت معربة .

وأما المصادر فلعل وجه اعرابها من جهة ان النسبة المأخوذة فيها نسبة ايجادية متحدة مع وجوده فكأنه لا يرى منه إلا وجوده بلا نظر الى جهة [ نسبية ] إلا تبعا ، فأصل النظر الى نفس المبدأ محضا ، بخلاف الأفعال فإن جهة نسبتها الى فاعل ما ملحوظة فيها في عرض النظر الى المادة كما هو ظاهر .

ثم ان بين النسبة المأخوذة في الأفعال وبين المأخوذة في الأسماء بل والمركبات الناقصة [ فرقا ] آخر وهو : إن في مثل هذه النسب التصديقية - إخبارية أم انشائية - لا يكون بازائها نسبة خارجية كانت هذه منتزعة منها ، فلا يكون في قبال إخباره بشئ نسبة ايقاعية خارجية بخلاف النسب الناقصة إذ بازائها في الخارج عن ظرف النسبة نسبة اخرى خارجية مثلا .

وربما بذلك ( 1 ) [ تشبه ] النسب الايقاعية بنفس التصديق أو الارادة من

( 1 ) الباء سببية .


175
عدم كون ظرف عروضها خارجا فلا يكون بازاء نسبتها نسبة اخرى خارجية .

كما أنها أيضا من جهة اخرى [ تشبه ] التصديق بملاحظة ان النسبة المأخوذة في الأفعال حاكية من نحو ثبوت خارجا كما هو شأن التصديق الوجداني بشئ فإن مرجعه الى الجزم بتحققه خارجا . ففي نسبة الأفعال [ ترى مفروغية ] المبدأ خارجا - في عالم التصور - ولو مع الجزم بخلافه واقعا .

وهذا بخلاف النسبة المأخوذة في الأسماء إذ هي برمتها بنسبة تصورية التي من شأنها - في عالم التصور - قابليتها للتحقيق في الخارج وعدمه بلا انسباق مفروغية ثبوت المبدأ في الخارج منها .

وربما يترتب على النسب التصديقية من حيث اقتضاء كون الخارج ظرفا له - أعم من أن يكون الخارج دهرا أم زمانا - أنه لو كان المبدأ زمانيا فقهرا يلازم انسباق وقوعه في أحد الأزمنة وحينئذ فدلالتها على الوقوع في أحد الأزمنة من لوازم تصديقية نسبتها لا أنه جهة زائدة عن النسبة مأخوذة فيه جزءا أم شرطا .

نعم ربما يفرق بينها من حيث أخذ جهة سبق في بعضها دون غيره ، الملازم مع السبق الزماني في الزمانيات . وهذه الجهة غير مرتبطة بأخذ الزمان فيها . فما هو المشهور في ألسنة النحاة من أن الزمان أحد مدلولي الفعل من الأغلاط خصوصا لو اريد بذلك أخذ نفس الزمان لا التقيد به بنحو خروج القيد ودخول التقييد .

وحينئذ ففي الفعل المضارع قبال الماضي أخذ عدم السبق ، فدلالة المضارع على أحد الزمانين من الحال أو الاستقبال انما هو من لوازم طبع نسبتهالتصديقية المأخوذة فيه لا جهة [ زائدة ] ، وانما الجهة الزائدة دلالتها على عدم سبق وجود المبدأ قبال الماضي المأخوذة فيه جهة سبقه .

بل ولئن دققت النظر ترى أيضا ان السبق المأخوذة في الفعل الماضي أو


176
عدمه في المضارع مجرد سبق الوجود ، وكونه زمانيا أو دهريا أو ذاتيا انما هو من لوازم المبادئ الزمانية أو غيرها ، لا ان السبق المأخوذ فيه هو الجامع بين السبق الزماني وغيره فضلا عن خصوصه ، كيف ، وقد عرفت أن جهة [ ظرفية ] الزمان والدهر [ ملغاة من ] المدلول رأسا حتى بجامعها .

ومن هذا البيان ظهر أيضا ان الأفعال المنسوبة الى الباري حتى المتعلق بالزمانيات لا يحتاج الى التصرف في مدلولها لأن حيثية السبق الوجودي [ المأخوذة ] في [ الفعل ] الماضي محضا [ مأخوذة ] فيها أيضا فضلا عن ارجاعها أيضا الى السبق الزماني بملاحظة معيتها مع الزمان بمعية قيومية كما توهم .

ثم إن بين النسبة المأخوذة في الأفعال مع النسبة في الأوصاف [ فرقا ] آخر وهو أن نسبة الأفعال نسبة ايقاعية كسائر [ نسب ] الجمل التصديقية من الحملية وغيرها ، ونسبة الأوصاف نسبة وقوعية . فهيئة الأفعال تدل على ايقاع الربط بين الشيئين وهيئة الأوصاف تدل على [ وقوعه ] ، فمرجع الأول الى اثبات النسبة الذي هو شأن كل نسبة تصديقية ومرجع الثاني الى نسبة ثابتة ، ومن تبعات هذه التفرقة كون الأول بحسب الرتبة مقدما على الثاني لحكم الوجدان بتأخر ثبوت النسبة عن [ اثباتها ] . وحينئذ ربما يكون ذلك سبب تأخر مفاد الأوصاف عن الأفعال ويقال : ان الوصف مشتق عن الفعل . وربما يشير الى تلك الجهة أيضا قولهم ب‍ " أن الاوصاف قبل العلم بها أخبار والاخبار بعد العلم أوصاف " . ولقد أشرنا الى ذلك كله سابقا ( 1 ) .

( 1 ) حاصل ما ذكره قدس سره حول الفرق بين معاني الأفعال والأسماء ثلاثة امور :

الأول : أن النسبة الموجودة في الأفعال هي نسبة الإضافة بين المنفصلين في مرحلة المفهوم ، وأما في الأسماء فالنسبة نسبة الربط الإتصالي بين المتحدين في مرحلة المفهوم فالفرق بين ( جاء زيد ) و ( زيد الجائي ) أن الأول لا يفترض فيه الإتحاد في مرحلة المفهوم بخلاف الثاني إذ يفترض فيه الإتحاد في عالم الذهن .

وبهذا اللحاظ أصبحت الأفعال أشبه بالحروف من الأوصاف لأن الأفعال متمحضة في >


177

وأيضا لازم ايقاعية النسبة بين المبدأ والذات المأخوذة في الأفعال : عدم

<النسبة بين الشيئين واما الأوصاف فالنسبة فيها نسبة الإتحاد فتكون بهذا الاعتبار أشبه بالأسماء ولهذا بنيت الأفعال لشبهها بالحروف وأصبحت الأوصاف معربة لشبهها بالأسماء .

وأما المصادر مثل ( مجئ زيد ) فقد اعربت أيضا لشبهها بالأسماء من جهة أن الملحوظ فيها ذات الفعل الصادر وإن كانت متضمنة للنسبة إلى الفاعل غير أن هذه النسبة لكونها نسبة الإيجاد فهي متحدة مع وجود الفعل فتكون من هذه الناحية مشبهة بالأسماء أيضا .

الثاني : أن عالم النسب المأخوذة في الأفعال هو عالم الذهن وعالم النسبة المأخوذة في الأسماء هو عالم الخارج . فمثلا : حينما نقول : ( زيد الجائي ) فإن النسبة المعبر عنها في هذا الكلام هو اتصاف زيد بالمجئ في الواقع وهذه النسبة تنطبق على إتصاف زيد بالمجئ خارجا .

أما إذا قلنا : ( جاء زيد ) فقد أوجدنا نسبة بين المجئ وزيد ، ومن الطبيعي أن الذي أوجدناه ليس هو الأمر الخارجي بل هو الربط الذهني بين المجئ وزيد ، ولهذا فعالم هذه النسبة هو الذهن وليس لها نسبة خارجية توازيها . ولهذا أشبهت التصديق والإرادة من جهة كون عالم عروضهما هو النفس وليس لهما ما يوازيهما خارجا .

وهنالك شبه آخر بين التصديق وبين النسبة المأخوذة في الأفعال وهو كون التصديق ذا طبيعة حكائية عن الخارج وإن كان بنفسه أمرا نفسيا ، وكذلك الأمر في النسب المأخوذة فيالأفعال فإنها ذات طبيعة حكائية عن الخارج ، وكأن المبدأ فيها يؤخذ مفروض التحقق والوجود ، فلو قلنا : ( جاء زيد ) كان المجئ مفترض الوجود وإن كنا عالمين بكذب هذه القضية ، لأن القضية ذاتها تقتضي أن يكون المبدأ مفترض الوجود .

ومن هنا نعرف السر في انطواء الأفعال على معنى الزمان فإن ذلك ليس من جهة كون الزمان عنصرا مأخوذا في مدلول الفعل وإنما طبيعة كون المبدأ في النسبة الفعلية مفترض الوجود يقتضي الوقوع في أحد الأزمنة إذا كان المبدأ زمانيا .

الثالث : أن النسبة المأخوذة في الأفعال نسبة إيقاعية والنسبة المأخوذة في الأوصاف نسبة وقوعية بمعنى أننا حين نقول : ( جاء زيد ) فهيئة الفعل تدل على إيقاع النسبة بين المجئ وزيد . وهيئة الجائي في ( زيد الجائي ) تدل على وقوع النسبة بين زيد والمجئ ، ولهذا كانت الأفعال متقدمة في الرتبة على الأوصاف لتقدم الإيقاع رتبة على الوقوع . وعلى هذا يتضح معنى قولهم : الأوصاف قبل العلم بها أخبار والأخبار بعد العلم بها أوصاف ، فإن الإخبار إيقاع للنسبة فإذا قال المخبر : جاء زيد وعلمنا بهذا الإخبار كان الناتج من هذا الإيقاع ( والإخبار ) هو علمنا بوقوع النسبة أي علمنا بأن زيدا متصف بالمجئ فيكون الموجود في ظرف علمنا ( زيد الجائي ) .>


178
صلاحية جري مداليلها على الذوات لأن المبدأ فيها ملحوظ مغايرا مع الذات بخلاف الأوصاف كما أشرنا إليها . وحينئذ نقول :

إن محط البحث في المسألة هو الأوصاف الجارية على الذوات الملازم لكونها متحدة معها بنحو من الاتحاد وحينئذ [ تخرج ] الافعال طرا عن هذا البحث وهكذا المصادر لعدم جريها على الذات .

كما أن فرض محفوظية الذات [ بخصوصيتها ] الشخصية مع وجدان المبدأ وفقدانه أوجب تخصيص البحث بما كان شأن الذات المأخوذة فيه كذلك كما هوالشأن في كل مورد يكون الذات متصفا بأمر زائد عما به قوام ذاته فيجري فيه احتمال كونه [ حقيقة ] حتى في ما انقضى عنه بالمبدأ ، ولو بتوهم أن الهيئة [ لا تقتضي ] إلا تلبس الذات الفعلي بالمبدأ في الجملة . وحينئذ فالذوات المتصفة بالأوصاف العنوانية المقومة لذاتها كوصف الانسانية والحجرية وأمثالها [ خارجة ] عن حريم النزاع لأن بانتفاء الوصف لا يبقى ذات بوجوده الشخصي المحفوظ بين الحالتين .

كيف ! وفي الأمثلة المزبورة ينقلب حد الذات بانتفاء وصفه فلم يبق في البين الا الهيولى المحفوظ بين الصورتين . فلا جرم لا [ تكون ] هذه الهيولى إلا في ضمن صورة اخرى ، فيصير حينئذ شيئا آخر لأن شيئيته [ بصورته ] فبواسطة تبدل الصورة [ تتبدل ] الشيئية فليس في الحالة الثانية ما هو موجود بشخصه وبحده في الحالة الاولى ، فلا يبقى حينئذ مجال توهم وضع اللفظ للذات المتلبس بالمبدأ في الجملة الصادق بخصوصه بحده وشخصه بين حالي الوجدان والفقدان كي يصدق مع الفقد انقضاء الوصف محضا ، بل في هذه الصورة كان الذات

<

ثم إن علمنا هذا بالوصف إذا قسناه بشخص آخر لم يعلم بعد بهذا الوصف فهو خبر بالقياس إليه فإن علم به كما علمنا أصبح وصفا بالنسبة إليه أيضا .


179
منقضيا ، وهذه الجهة [ هي ] عمدة النكتة في تحقيق مركز البحث بالذوات المتصفة بأوصاف خارجة عن [ ذاتها ] على وجه ينحصر الانقضاء بالوصف محضا مع بقاء الذات .

وحينئذ ربما يستشكل أيضا في شمول عنوان البحث لأسماء الزمان حيث ان تدريجية الذات فيها أيضا موجبة لعدم حصر الانقضاء بأوصافها بل الذات منقضية فيها أيضا ، وبمثل هذه الجهة استشكل أيضا في جريان الاستصحابفيها .

وقد يتوهم ارتفاع الاشكال في الحركة [ التوسطية ] وهو كون الشئ بين المبدأ والمنتهى وهو باق حقيقة .

وفيه ان ما يكون بين المبدأ والمنتهى هو الجهة المحفوظة بين مراتب الوجود المندرجة تحت كل مرتبة يزول بانوجاد الاخرى ، وبديهي ان المحفوظ بين هذه المراتب ليس له وجود مستقل بل هو موجود بعين هذه الوجودات التدريجية [ نظير ] وجود الكلي في ضمن أفراده ، وفي مثل ذلك لا يصدق عليه البقاء مع تبدل مشخصاته ومراتب وجوداته وحينئذ لا مجال للفرار عن الاشكال في المقامين إلا بدعوى كفاية صدق البقاء وعدم الانقضاء بعدم تخلل العدم بين هذه المراتب الموجب لصدق وحدته الشخصية ، مضافا الى الاكتفاء في باب الاستصحاب بصدق البقاء بالنظر العرفي ، وتوضيحه أزيد من ذلك موكول بباب الاستصحاب .

وكيف كان يكفينا في المقام أيضا صدق انقضاء الوصف مع بقاء شخص الذات ولو في ضمن مراتب مختلفة متجددة .

نعم في أسماء الزمان كالمكان ربما ينسبق مظروفية المادة للزمان أو المكان ، وبهذه العناية ربما يختلف صدق العنوان باختلاف اعتبار دائرة الظرف ، فقد يعتبر دائرته مطلق الزمان قبال الدهر ، وقد يعتبر القرن أو السنة أو الشهر أو اليوم


180
الى أن ينتهي الى الساعة والدقيقة ففي هذه الصور ربما لا يتصور الانقضاء قبال التلبس الفعلي في المظروفية بلحاظ ما اعتبره ظرفا . نعم إنما يتصور الانقضاء بالنسبة [ الى ] شخص قطعة مظروفة دقة وحقيقة مع قطع النظر عن الاعتبار السابق فتدبر .

ثم ان هنا [ شيئا ] آخر وهو ان هذا المقدار من عنوان البحث لا يكاد يختص بالأوصاف الاشتقاقية بل يجري في كل ذات متصف بأمر خارج عن ذاته كالزوج والملك وأمثالها ، ولذا جعل في الايضاح والمسالك حرمة المرضعة الثانية مع الدخول مبتنيا على النزاع في مسألة المشتق وظاهرهما تسلم الحرمة في المرضعة الاولى و ( الكبيرة ) على القاعدة المسلمة لولا دعوى امكان استنادهم فيهما الى النص أيضا ، والا فيمكن الخدشة في القاعدة بعدم جريانها في الاولى لأن اتصافها بالامومة في رتبة خروج الصغيرة عن الزوجية فلا يكون في زمان ام زوجة فعلية بل يبتني حرمته أيضا على النزاع في باب المشتق كالزوجة الكبيرة الثانية .

اللهم [ إلا ] أن يقال إن ما هو مركز البحث ومورد النفي والاثبات هو صور انقضاء الوصف زمانا لا رتبة فيخرج مثل هذا الانقضاء عن حريم النزاع وكان ملحقا بصورة عدمه ، وذلك أيضا لولا دعوى أن ما هو المسلم في كونه حقيقة هو فرض تلبس الذات بالوصف زمانا ، ومع فقده - كما في المقام - ربما يجري فيه مناط النفي والاثبات .

وبالجملة نقول : إنه يكفي في حرمته النص وما لا يشمله النص هو الزوجة الأخيرة فجعلت حرمته مبتنية على القاعدة فتدبر ( 1 ) .

( 1 ) قال في الإيضاح : تحرم المرضعة الاولى والصغيرة مع الدخول بإحدى الكبيرتين بالإجماع وأما المرضعة الأخيرة ففي تحريمها خلاف واختار والدي المصنف وابن إدريس تحريمها لأن هذه يصدق عليها أنها ام زوجته لأنه لا يشترط في صدق المشتق بقاء المعنى المشتق منه فكذا هنا >


181

وأيضا نقول : إن مركز البحث في المشتق بناء على وضعه الانحلالي

< ولأن عنوان الموضوع لا يشترط صدقه حال الحكم بل لو صدق قبله كفى فيدخل تحت قوله تعالى " وامهات نسائكم " .

وقال في المسالك : وبقي الكلام في تحريم الثانية من الكبيرتين . وذهب إبن إدريس والمصنف في النافع وأكثر المتأخرين إلى تحريهما أيضا وهو الظاهر من كلام الشيخ في المبسوط على التباس يسير فيه لأن هذه عليها أنها زوجته وإن كان عهدها قد انفسخ لأن الأصح أنه لا يشترط في صدق المشتق بقاء المعنى المشتق منه فيدخل تحت قوله " وامهات نسائكم " .

ويظهر منهما على ما يقول المصنف : إن حرمة المرضعة الاولى والزوجة الصغيرة مسلمتان بناء على قاعدة ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) . وأما المرضعة الثانية فشمول القاعدة لها يبتني على النزاع في مسألة المشتق ، فلو قلنا بجريان المشتق على من انقضى عنه المبدأ ، صدق عليها أنها ام زوجة فتحرم كما حرمت الاولى وإلا فلا .

يقول المصنف رحمه الله إننا لو كنا نحن وهذه القاعدة فشمولها للمرضعة الثانية كما يبتني على النزاع المزبور في المشتق ، كذلك شمولها للاولى يبتني عليه أيضا ، وذلك لأن المرضعة الاولى إنما اتصف بكونها أم زوجة بقاء لخروج الصغيرة عن الزوجية فلو كان المشتق حقيقة فيمن انقضى عن المبدأ صدق عليها أنها ام زوجة وانطبقت عليها قاعدة التحريم بالرضاع وإلا فلا .

ثم يورد على هذا بقوله : (اللهم ...) .

ولتوضيحه نقول : إن الرضاع علة لأمرين : أحدهما : تحقق الامومة للكبيرة ( الاولى ) . ثانيهما : عدم زوجية الصغيرة .

وعلى هذا فامومة الكبيرة مقارنة في الرتبة ل‍ ( عدم زوجية الصغيرة ) وقد بنى دخول الكبيرة في محل النزاع على هذا الإقتران الرتبي والذي يعني أن زوجية الصغيرة منقضية رتبة عند أمومة الكبيرة .

ولكن قد يقال :

إن زوجية الصغيرة وإن كانت منقضية رتبة عن امومة الكبيرة ولكن ذلك لا يعني انقضاءها زمانا ، بمعنى أن من الممكن أن تكون العلة الواحدة - وهي الرضاع هنا - علة لمعلولين متفاوتينزمانا ، فيكون المعلولان متقارنين رتبة متفاوتين زمانا ، كما يمكن إفتراض ذلك بالنسبة إلى امومة الكبيرة وخروج الصغيرة عن الزوجية ، وهما معلولان للرضاع .

وعلى هذا فيمكن أن تكون الزوجية مستمرة زمانا إلى حين تحقق الامومة ، وعليه فلا يكون الإنقضاء الزماني للزوجية متحققا عند تحقق الامومة . >


182
الاشتقاقي إنما هو في مدلول الهيئة بتقريب أن مرجع البحث الى ان اللفظ موضوع لحصة من الذات التوأم مع المبدأ بحيث لا يكاد يصدق العنوان عند انفكاك الذات عنه أو موضوع للجامع بين ما وجد فيه المبدأ وفاقده دون ما لم يوجد فيه المبدأ بعد .

ولازم كل واحد من الفرضين نحو من الصدق وطور من التطبيق . فانه على الأول لابد وأن يكون تطبيقه بلحاظ حال التلبس سواء كان سابقا عن زمان نسبة شئ إليه ونسبته الى شئ أو مقارنا لها أو متأخرا عنها ، بخلافه على الثاني فانه يصح التطبيق على الفاقد تلبسه به سابقا من دون فرق فيه أيضا بين كون زمان انقضائه سابقا عن النسبتين أو لاحقا أم مقارنا .

ومن هذا البيان أيضا ظهر أن المدار في المعنى الأول ليس على التلبس بلحاظ حال الجري والتطبيق ولا حال النطق وحال النسبتين ، بل المدار على التلبس في ظرف ما انطبق عليه ، فربما يكون التطبيق والنسبة في زمان النطق والمنطبق عليه كان سابقا أو لاحقا عنهما ، فانه إذا طبق في زمان النسبة على المتلبس السابق بما هو متلبس كان حقيقة على الاول أيضا وحينئذ فالمراد من ( الحال ) في عنوان البحث : ( بالجري بلحاظ الحال ) ليس الا حال التلبس .

كما انه لا يكون مثل هذا التحرير إلا من باب الأخذ اللازم في كيفية

<

وبهذا يخرج المورد عن محل النزاع أيضا لصدق تلبس الكبيرة بالمبدأ فعلا .

لكن قد يرد على هذا الكلام أيضا بما أشار إليه بقوله : ( لولا دعوى . ) .

وحاصله : أن ما ذكر إنما يعني أن انقضاء وصف الزوجية عن الصغيرة زمانا غير محرز وهو لا يعني أن تلبس الكبيرة بالوصف وهو ( ام الزوجة ) زمانا محرز .

والذي يوجب الخروج عن محل النزاع هو إحراز التلبس الزماني الفعلي بالمبدأ لا مجرد عدم إحراز الإنقضاء الزماني . وحينئذ فجريان وصف ( ام الزوجة ) على الكبيرة داخل في محل النزاع لأنا لم نحرز تلبسها بهذا المبدأ فعلا وان لم نكن نحرز انقضاء الزوجية زمانا أيضا .

فقوله : ( ومع فقده ) أي مع فقد الأمر المسلم ( وهو فرض تلبس الذات بالمبدأ زمانا ) .


183
أخذ المدلول لا أن مركز البحث مثل هذا العنوان بنفسه ، كيف ؛ ومرحلة التطبيق في رتبة لاحقة عن المدلول ومن تبعات كيفيته .

كيف ؛ وبعد اقتضاء الهيئة قيام المادة بالذات يتصور حينئذ صورتان : صورة توأمية المادة مع حصة من الذات ، أو أوسعية الذات عن دائرة التلبس ، ولقد عرفت أن لكل صورة [ طورا ] من التطبيق فحينئذ هذا الاختلاف ناش عن الاختلاف في مدلول الكلمة وهو ظاهر .

نعم [ مثل ] هذا التحرير بنفسه له وجه بناء على توهم بساطة حقيقة المشتق على أحد الوجهين بجعله عبارة عن نفس المبدأ لا بشرط بلا أخذ ذات ولا نسبة فيه أصلا ، فانه بناء على هذا المسلك لا مجال لجريان النزاع في حقيقة الكلمة [ ومدلولها ] ، إذ مدلول المشتق من المداليل فلا يتصور في مدلول الكلمة حينئذ صورتان كي يتنازع في وضع اللفظ لأي واحد ، فلا محيص حينئذ من إرجاعه الى البحث في اقتضاء هيئة الكلام في عالم التوصيف جري المشتق بلحاظ حال التلبس أو الأعم ، وسيجئ تحقيق الكلام في شرح حقيقة المشتق وتوضيح فساد هذا المسلك عن قريب إن شاء الله ، وحينئذ فلا محيص من جعل مثل هذاالتحرير من لوازم أصل البحث لا أنه بنفسه مركز بحث المقام .

نعم هنا شئ آخر وهو أنه لو كان القائل بالمعنى الأخص يلتزم بصدق المشتق بنحو الحقيقة في فرض جريه بلحاظ حال التلبس السابق عن ظرف النسبة ، فليس له حينئذ أخذ نتيجة البحث في كثير من المقامات إذ كل مقام صدق انقضاء المبدأ عنه قابل لجري المشتق فيه بلحاظ حال تلبسه ففي قوله " يكره البول تحت الشجرة المثمرة " يصلح أن يكون المشتق جاريا على الشجرة بلحاظ حال [ إثمارها ] ولو قبل اضافة البول ونسبته الى [ الشجرة ] مع أن الغرض من النفي والاثبات في هذه المسألة وأمثالها هو الحكم بعدم الكراهة أو غيرها في


184
فرض انقضاء الاثمار وغيره من المواد بالنسبة الى زمان البول وغيره على القول بالأخص .

ولعله لذا جعل بعضهم المراد من الحال في عنوان البحث حال النسبة . ولكن معلوم أنه لا يمكن أخذ هذا الحال قيدا لمدلول اللفظ لتأخر رتبته عن المدلول الذي هو المنسوب إليه .

وأخذ القضية حيثية أيضا لا وجه له في المقام بداهة أنه لو لم يكن في البين نسبة يلزم خلو اللفظ عن المعنى لأن المفروض أن النسبة اخذت مقياسا للتلبس بنحو يكون التلبس المأخوذ في مدلول الكلمة توأما وملازما مع النسبة ، فمع عدم النسبة أين [ التلبس ] [ المأخوذ ] في المدلول بنحو يصدق المدلول مع عدم النسبة فلا محيص من عدم التضييق في دائرة التلبس من أمثال هذه الجهات وحينئذ لازم التوسعة في التلبس صدق العنوان بلحاظ حال التلبس ولو سابقا كما هو الشأن في جميع العناوين الكلية الصادقة عقلا على المصاديق السابقة أو اللاحقة عن النسبة فعناوين الاوصاف منها ايضا كما لا يخفى .

وعليه فلا يمكن الفرار عن الغائلة المزبورة إلا بضم دعوى اخرى الى ظهور اللفظ في الجري بلحاظ حال التلبس أي وقت كان وهو دعوى ظهور هيئة الكلام ولو من حيث الانصراف في وحدة ظرف النسبة مع ظرف المجرى عليه تلبسيا كان أو انقضائيا ، وان هذا الضيق إنما جاء من قبل هيئة الكلام لا أنه مأخوذ في مدلول الكلمة ، وعليه ربما [ تترتب ] ثمرة البحث في المثال المزبور كما لا يخفى .

وحيث آل الأمر في أخذ نتيجة المسألة الى الاحتياج الى دعوى ظهور هيئة الكلام ولو انصرافا في اتحاد ظرفي النسبة والمجرى عليه أمكن دعوى ان هذا الانصراف انما هو في المبادئ القارة مع صلاحية كون العنوان بحدوثه وبقائه مقتضيا للحكم المنسوب إليه أيضا حدوثا وبقاء .


185

وأما في المبادئ الغير القارة [ الآنية ] أمكن منع الانصراف المذكور لكثرة التخلف بين ظرف التلبس وظرف النسبة خصوصا لو كان المنسوب من الامور القارة .

وهكذا في كل مورد [ تكون ] المادة [ بحدوثها ] علة للحكم الى الأبد أو شرطا مقدما زمانيا فانه في مثل ذلك لا معنى للانصراف المزبور .

فبالتأمل في هذه الجهة أيضا ربما [ ترتفع ] شبهة القائل بالانقضاء من حيث استدلاله ببعض الأمثلة التي [ تكون ] من قبل الأول أو الأخيرين المعلوم عدم منافاة المورد لارادة الجري بلحاظ التلبس لا بلحاظ الانقضاء ولو من جهة منع انصراف هيئة الكلام في اتحاد ظرف النسبة مع المجرى عليه ، وعليه فلا يبقى مجال تشبث القائل بالانقضاء بمثل آية السرقة ولا آية نيل عهد الظالم وأمثال ذلك .

كما أن في الامور القارة كالعلم والتجارة وأمثالها أمكن أيضا دعوى كفاية بقاء المتقضي في العناية باطلاق العنوان على الفاقد عن الفعلية خصوصا لو كانت التخللات العدمية في منتهى القلة بحيث كانت ملحقة بالمعدوم .

وعليه فلا يبقى للقائل بالانقضاء أيضا ميدان الاستشهاد على مدعاه بدعوى صدق العالم والتاجر وأمثالهما على مصاديقها حال فراغهم عن الشغل كحال نومهم وغيره من دون احتياج في مثلها الى التصرف في موادها بجعلها عبارة عن الشأنية أو الحرفة وأمثالها إذ يكفي في صدقها بلحاظ حال التلبس أيضا ملاحظة ما ذكرنا فيه من العناية بلا احتياج الى أخذ المجاز في المادة أو الالتزام باختلاف الموضوع له من مادة واحدة في ضمن هيئات مختلفة لعدم قبول ارتكاز الذهن ذلك وان صدر من بعض الاعاظم فتدبر .

وحيث اتضح ما ذركناه من أول الأمر الى هنا يبقى الكلام في تأسيس أصل المسألة وبيان أقوالها وشرح المختار فيها [ فأقول ] مستعينا به :


186

أما أصل المسألة فنقول :

إن الاصول العملية بملاحظة عدم حجية مثبتها ولو مع فرض تحقق مجراها في أمثال المقام ساقطة بالمرة . نعم لا بأس بالاصول اللفظية عند فرض عام أو مطلق في قبال مثل هذه العناوين المرددة مفهوما بين الأكثر والأقل فان المرجع في الزائد عن المتيقن هو العموم أو الاطلاق ، كما أنه مع سقوط الأصل اللفظي لا بأس بالرجوع الى الأصل العملي في حكمه الفرعي فلا بأس بجريان الاستصحاب في حكمه مع العلم بحاله السابق ، وإلا فالمرجع هي البراءة في الزائد عن المتيقن كما لا يخفى .

وأما الأقوال فكثيرة من دخل خصوص حال التلبس مطلقا وعدمه كذلكوالتفاصيل المزبورة في كتبهم بأنحاء مختلفة لا يهمنا شرحها بعد ما لم يكن لها أساس قابل للذكر فالعمدة هو القولان الأولان .

والذي يقتضيه النظر فيهما أيضا هو اختيار القول الأول ، ويكفي له مساعدة الوجدان بعدم صدق الفارغ على المشتغل وبالعكس ، بل ويحكم الوجدان بالتضاد بين العالم والجاهل وأمثالها من العناوين الاشتقاقية المضادة ، إذ على القول بالأعم يلزم صدق العنوانين المزبورين في زمان واحد على موضوع واحد وهو كما ترى ينادي الوجدان بفساده .

وتوهم كون التضاد المزبور مستندا الى الانصراف الى حال التلبس لا حاق اللفظ مدفوع بمنع وجه الانصراف المذكور بعد الجزم بصدق المضادة في بدو زمان استعمال العنوانين أيضا لعدم المقتضي للانصراف حينئذ مع أن موارد توهم الانقضاء فيه كثيرة ومعه كيف ينصرف اللفظ الى خصوص حال التلبس فلا محيص حينئذ إلا من الالتزام بأن انسباق حال التلبس مستند الى حاق اللفظ كما هو ظاهر .

وأوضح فسادا من هذا البيان إشكال آخر على صحة سلب العنوان [ عن ]


187
من [ انقضى ] عنه المبدأ بأن صحة السلب على الاطلاق [ غير ] سديد ، وفي الجملة غير مفيد .

إذ لنا أن ندعي ان الفارغ الفعلي لا يصدق على الشاغل الفعلي لمحض فراغه سابقا وهذا المعنى مسلوب عنه بقول مطلق .

نعم ما لا يصح على الاطلاق هو الفارغ بلحاظ جريه على حال فراغه وهذا المعنى لا يضر بالمدعى ، وحينئذ لا ينتهى النوبة الى اختيار الشق الثاني وارجاع القيد الى السلب لا المسلوب ، إذ لو فرض تقييد المسلوب وحكم بصحةسلب الفارغ الفعلي [ عن ] الشاغل يكفي في المدعى ، إذ لازم القول بالانقضاء صدقه أيضا . كما أنه لو فرض تقييد السلب بالفعلية مع أخذ الاطلاق في المسلوب يلزم في حال الشغل صحة سلب الفارغ ولو بلحاظ زمان التلبس وهو كما ترى .

وحينئذ لا نرى لمثل هذا التشقيق [ مجالا ] أصلا إلا في فرض النزاع بان المشتق بعد ما كان جريه بلحاظ حال التلبس هل يختص بالتلبس في [ ظرف ] النسبة أولا بل يصح اطلاقه حتى بلحاظ حال التلبس سابقا أيضا ففي مثل هذه الصورة صح البيان بأن سلب الأخص لا يستلزم سلب الأعم ، وصح أيضا التشقيق في جوابه من جعل الخصوصية قيدا للسلب أو المسلوب ، ولكن هذا النزاع غير مربوط بنزاع الباب المعروف بين الأعلام ، ولا أظن القائلين بأخذ ظرف التلبس نزاعهم في هذا المقام أيضا فتدبر .

والأولى دعوى صحة السلب على الاطلاق عن الفارغ الفعلي بالنسبة الى من اشتغل فعلا كما لا يخفى فتدبر .

ومن التأمل في ما ذكرناه سابقا ظهر بطلان استدلال الأعمي بمثل آية السرقة وآية نيل الخلافة واطلاق كثير من العناوين على الفارغ عن المبدأ كالعالم حال نومه وغفلته ، والتاجر حال استراحته وأمثال ذلك في ذوي الحرفة وغيرهم ، لما عرفت الجواب عن جميعها بلا مزيد عليه .


188
بقي التنبيه على امور :

أهمها شرح حقيقة المشتقوأنه بسيط أو مركب ، [ فأقول ] مستعينا به : انه تارة يجري الكلام في بساطة مفهومه ولو مع فرض تركب [ حقيقته ] بحيث يجئ في الذهن مفهوم واحد مع قابليته للتحليل بشئ وشئ ، نظير مفهوم الانسان القابل للتحليل في الذهن [ الى ] حيوان ناطق ، واخرى [ يجري ] النقضوالابرام في بساطة حقيقته بحيث لا يصلح تحليل مفهومه في الذهن بشئ فشئ .

وحينئذ فقد [ توهم ] كلمات بعض الأعلام بأن مركز بحث البساطة والتركيب في المقام هو المقام الأول ، بل هو الظاهر من كل من يأخذ الذات في حقيقة المشتق ، ولا أق من أخذ النسبة فيه وإن لم يكن الذات مأخوذا في [ حقيقته ] ، إذ على كلا الاحتمالين كان المفهوم على فرض البساطة قابلا للتحليل بشئ فشئ .

ولكن يمكن أن يقال : إن توهم القول بالتركيب مفهوما لا يكاد ينسب الى أحد ، وعلى فرض القول به لا يستأهل ردا لبداهة مساعدة الوجدان على وحدة صورة المفهوم من القائم في الذهن بنحو [ ما ] يكون خارجا ، وان التركيب من تبعات التحليل [ الى ذات ] له القيام ، والا يلزم أخذ مفهوم المصدر في الأوصاف وهو كما ترى .

وحينئذ فالحري أن يقال : انه بعد الفراغ عن بساطة المفهوم ربما يقع النقض والابرام في تركب [ حقيقته ] كي يقبل مفهومه البسيط [ التحليل ] بشئ فشئ ، أو بساطته كي لا يقبل المفهوم [ التحليل ] بشئ فشئ أيضا ، ففي ميدان هذا الجدال :

ربما يجعل القائل بأخذ الذات أو النسبة في حقيقة المشتق داخلا في القول بالتركيب ، قبال توهم أن ما بازاء المشتق ليس إلا نفس المبدأ . وذلك أيضا : بين أن يكون المدلول هو صرف المبدأ ولكن في حال كونه قائما بالذات ومن


189
شؤونه لكن لا بنحو القيدية بل بنحو القضية الحينية بلا اطلاق في المبدأ يشمل غير هذه الحالة ولا تقييد به كي [ تكون ] النسبة مأخوذة فيه كما هو شأن سابقه ، وبين ان يكون المدلول هو المبدأ المنفصل عن الذات نظير المصدر ، غاية الأمرالفرق بينهما بصرف الاعتبار من كونه مأخوذا بنحو اللا بشرطية قبال مفهوم المصدر الذي يكون عبارة عن المبدأ بشرط لا .

والى الوجه الأخير من البساطة أيضا [ نظر ] من جعل الفرق بين المشتق والمصدر هو الفرق بين الجنس والهيولى من حيث كونهما حقيقة واحدة [ مختلفين ] بالاعتبار الذي هو مصحح الحمل على الذات وعدمه . كيف ؛ وفي الفرض السابق من تصوير البساطة ليس الفرق بين المشتق والمصدر بصرف الاعتبار المزبور ، إذ من المعلوم أن في الصورة الاولى يرى المبدأ قائما بالغير ومن شؤونه بخلاف مفهوم المصدر ، وهذا النحو من الفرق انما جاء في نفس الملحوظ لا أنه بصرف اللحاظ والاعتبار القائم به كما لا يخفى .

وبالجملة نقول : إن مثل هذا القائل مختاره أيضا بساطة حقيقة المشتق بنحو لا يصلح مفهومه للتحليل بشئ فشئ كالفرض الأول .

ولا يتوهم بأن اختلافهما في الاعتبار موجب لأخذ جهة زائدة عن حقيقة المبدأ في المشتق ولازمه أيضا تركب حقيقته بنحو قابل للتحليل بذات مبدأ مقرونا باعتباره لا بشرط ، لأنه يقال :

إن قوام هذا الاعتبار بشخص لحاظه كذلك . وكيف يمكن دخل شخص اللحاظ في حقيقته جزءا أو شرطا إذ لازمه عند الاستعمال إما تجريد المعنى عن قيده أو تعلق اللحاظ الاستعمالي بشخص لحاظه ، وكل منهما كما ترى لا يستأهل ردا .

وحينئذ ليس المعنى على هذا المسلك إلا نفس المبدأ التوأم مع لحاظه كذلك بنحو القضية الحينية لا المطلقة ولا المشروطة كما هو الشأن في الفرض


190
الأول أيضا . وبديهي إن هذا المقدار لا ينافي البساطة [ غير ] القابلة للتحليل كما هو ظاهر . وحيث اتضح ذلك فنقول :

إن الذي يقتضيه التحقيق في المقام هو المصير الى خروج الذات عن حقيقة المشتق ، وإن حقيقته عبارة عن المبدأ المنتسب الى الذات بنحو اتصاله وقيامه به خارجا المستتبع لعدم انفكاك تصور مفهومه عن تصور الذات ذهنا ومرجعه الى تركب حقيقة المشتق [ من ] مبدأ ونحو نسبة وقيام بالذات مع خروج الذات عن حقيقته ومفهومه .

وعمدة الوجه فيه : اشتمال المشتق على هيئة ومادة ، والاولى حاكية عن معنى حرفي يعبر عنه بحيث اتصاله وقيامه بالذات ، والثاني عن المبدأ بذاته من دون وجه وخصوصية في اللفظ دالة على الذات وحينئذ فلا يكون عناوين الأوصاف إلا منتزعة عن المبائئ القائمة بالذات لا أنها منتزعة عن الذوات بلحاظ تلبسها بمبدئها ، كيف ، وبناء عليه لا محيص من دعوى انحلالية وضعها الى ذات ومبدأ ، مع أن لازم الانحلال ليس إلا ما ذكرنا بلا وجود جهة فيه حاكية عن الذات في عالم وضعه .

كما انه بمقتضى ما ذكرنا أيضا ظهر بطلان توهم البساطة في حقيقته بجعل اللفظ في قبال المادة الصرفة ، غاية الأمر التوأمة مع [ اعتبارها ] وجهة للذات أو مجرد [ اعتبارها ] لا بشرط بنحو قابل للحمل على الذات ، إذ لازمه [ إلغاء ] وضع [ هيئته ] رأسا فيخرج عن الوضع الاشتقاقي أيضا وهو كما ترى خلاف [ المنساق ] منها .

مع أن لازم المسلك الثاني من البساطة عدم صحة نسبة ما هو من شؤون الذات إليه ك‍ ( إطعام العالم ) و ( تقبيل يده ) حيث إن صفة الانكشاف المنفصل عن الذات بأي نحو من الاعتبار لا يكون مركز هذه الامور بل هي [ باعتبارها ] لا بشرط [ قابلة ] [ لحملها ] على ما هو مركز الامور المزبورة لا [ أنها بنفسها ] مركز .


191

بل لازم هذا المعنى عدم كون مجئ الذات في الذهن من لوازم مفهوم المشتق . بل ليس اعتباره لا بشرط إلا كاعتبار الحيوان في قبال الناطق القابل للحمل عليه - كما هو شأن كل جزء معتبر بنحو يحمل على كله أو على جزء آخر - حيث إن في أمثالها ليس اعتبار اللا بشرطية في ذات الشئ ملازما لوجود موضوعه في الذهن فعلا ، بل غاية الأمر مثل هذا الاعتبار موجب لقابليته للحمل فذلك المقدار لا يقتضي حضور موضوعه باحضار نفسه .

مع أنه على فرض الملازمة نقول : إن قضية صحة حمل نفس المبدأ مستقلا يلازم تغايرهما مفهوما واتحادهما خارجا ، ومرجع التغاير المفهومي الى ملاحظة كل منهما منفصلا عن موضوعه ، ومع هذه المغايرة كيف ينتسب ما هو من [ شؤون ] الموضوع الى المحمول الملحوظ خارجا عنه .

وبالجملة نقول : إن روح اعتبار المادة لا بشرط [ يرجع ] الى لحاظ نفس ذاته بلا نظر الى حيث تقابله مع الذات . وهذا المقدار قابل لأن يجئ في الذهن بلا مجئ ذات أصلا ، وعليه فليس لمثله ( يد ) ولا ( بطن ) كي يضاف أمثال هذه إليه .

ولا يتوهم جريان هذا الاشكال على مسلكنا من خروج الذات عن الحقيقة أيضا ، بل ولا على المسلك الآخر من تصوير بساطة الحقيقة أيضا ، لأنه يقال :

إن لازم اعتبار النسبة الاتصالية مع الذات بنحو التقييد أو الحينية عدم انفكاك تصور حقيقته عن تصور الذات ، بل يرى المبدأ قائما بالذات ومتحدا معه بنحو اتحادهما خارجا ، بل يكون النظر الأصلي الى الذات ونرى المبدأ تبعا له ومن [ شؤونه ] ، كما ان النظر الأصلي في الخارجيات الى ذات الشئ وان النظرالى لباسه وبقية أطواره تبعي محض .

ولقد أجادوا في تعبيراتهم في المقام بالذات المتلبس بالمبدأ إذ ذلك يشعر


192
بأن النظر الى المبدأ بنحو النظر الى لباس الشخص تبعي صرف ، وإن النظر الأصلي متوجه الى الذات وحينئذ فلا غرو بدعوى أن أمثال هذه الأوصاف اعتبرت من [ شؤون ] الذات وتمام التوجه في مقام نسبتها الى شئ أو نسبة شئ إليها الى الذات ، وان الوصف الاشتقاقي من [ شؤون ] الموضوع والمحمول وأن المسند والمسند إليه هو الذات المتشأن بهذا الشأن والمتجلي بهذه الجلوة .

ومن هنا نقول : إن في عالم الحمل ما هو محمول حقيقة هو الذات وأن حمل الوصف على غيره انما هو بملاحظة كونه من جلوات ذاته ومن [ شؤونها ] بحيث لا يرى مغايرة [ بينهما ] ، ففي هذا النظر كأن الوصف عين الذات ومن مراتبه و [ شؤونه ] ، وبهذه الملاحظة لا بأس بنسبة ما هو من [ شؤون ] الذات إليها مع الالتزام بخروج الذات فيها .

وحينئذ ظهر أن وجه قابلية الأوصاف للحمل ليس بمحض اعتبارها لا بشرط ، بل بملاحظة صرف تبعيتها للذات الذي هو في الحقيقة مسند ومسند إليه ، غاية الأمر متشئنا بشأن ومتجليا بجلوة مخصوصة من أنحاء المبادئ القائمة بها .

كما أن الفرق بين المشتق والمصدر حينئذ كون المبدأ ملحوظا بالأصالة في قبال الذات في المصدر ، وفي الأوصاف يلاحظ المبدأ من [ شؤون ] الذات ومن تبعاته .

وحينئذ فما هو المنسوب الى أهل المعقول من أن الفرق بينهما بصرف اللحاظ والاعتبار بلا أخذ ذات ولا نسبة في حقيقته يناسب المسلك الأخير ، ولقدعرفت أنه أردأها .

ولعل الذي دعاهم الى هذا المعنى ملاحظتهم صفات الباري عز اسمه من ( العالم ) و ( الحاكم ) و ( الموجود ) وغيرها بعد الجزم بأنه عين العلم وعين الحكم وعين الوجود ، لا ذات له العلم وغيره من صفات جماله وجلاله ، بل وفي مثل


193
الأبيض المنتزع عن نفس البياض أيضا كذلك .

ولكن يمكن أن يقال بأنه : كما يصح انتزاع المفاهيم المختلفة عنه تعالى مع الجزم بعدم تعدد جهة في ذاته المقدسة صح أيضا انتزاع ذات متجلي بهذه الصفات ، وان وجه انتزاع هذه المختلفات مفهوما انما هو وفور وجوده بنحو لا يحيط النظر بكنهه . فقهرا قصور النظر الى [ حقيقته ] أوجب اتخاذ مفاهيم مختلفة من جلوات وجوده . فمن كل جلوة ينال النظر الى مفهوم دون مفهوم مع وحدة المنشأ حقيقة وحيثية وجهة بحيث لا يكون في الحقيقة ذات مغاير مع صفة دون صفة ، ولذا كان كمال التوحيد نفي الصفات عنه .

ولكن مع ذلك لا ينافي ذلك مع اتخاذ النظر القاصر من كل جلوة لهذا الوجود البحت البسيط على الاطلاق مفهوما غير مفهوم آخر .

وحينئذ فلا غرو في دعوى كون الصفات الجارية على ذاته المقدسة أيضا حاكية عن ذات [ متجلية ] بمبدأ دون مبدأ ، وان الصفات الجارية عليه تعالى في عالم المفهوم [ عين ] الصفات الجارية على الممكن كما هو الشأن أيضا في الأبيض الجاري على نفس البياض أو ماله البياض ، غاية الأمر أن تجلي الذات بجلوات صفاته في الواجب ذاتي وبعين ذاته وبوفور وجوده وفي الممكن عرضي بنحو يكون جلوات ذاته بصفات زائدة عن الذات لقصور ذاته وعدم وفوره . ولكن هذا المقدار لا يوجب فرقا في عالم المفهوم المتقوم بصرف اختلاف الأنظار .

وعليه فلا مجال للالتزام بمغايرة مفاهيم صفات الممكن والواجب بخلع صفات الواجب عن الذات أو بجعل مداليل الصفات طرا حتى في الممكنات عبارة عن صرف المبدأ لا بشرط مع تجريد الذهن عن تصور الذات معها رأسا كي يرد عليه النقوض السابقة كما لا يخفى .

بقي هنا شئ توضيحا للمرام وتنقيحا للمقام وهو : إن لقائل أن يقول : إن الذات الملحوظ في الذهن متصلا بالوصف القائم به :


194

إن كان هو المفهوم العام العرضي فلا شبهة في عدم كونه محط ورود الأوصاف المختلفة حتى بحسب المقولة إذ هذا العنوان العرضي الخارج عن حقيقة كل مقولة موضوعا ومحمولا لا يعقل أن يكون محطا ومحلا للأوصاف المزبورة لفرض خروجه عن حقائقها المعروضة لمثلها ، بل ولا يناسب نسبة اليد والبطن الى مثل هذا المعنى العام العرضي بنفسها فبقي النقض السابق واردا حتى على مسلك خروج الذات ودخول النسبة ، وبل وعلى دخول الذات أيضا كما لا يخفى .

وتوهم أنه جنس الأجناس بالنسبة الى جميع المقولات بحسب صدقه على كل مقولة كلام ظاهري لا يستأهل ردا كيف ؛ ولازمه الالتزام بوجود جامع بين الجنس والفصل أيضا من جهة صدقه على كل منهما ، والالتزام به تخريب لأساس السابقين واللاحقين في عدم التزامهم بوجود جامع خارجي له حظ من الوجود في ضمن كل مقولة أو بين جنس كل نوع مع فصله . ولذا منعوا فوق المقولات مقولة اخرى حاوية للبقية كما هو ظاهر .

وإن كان مصاديقه المناسبة للمادة التي كان في كل مورد من مقولة مخصوصة فيلزم اختلاف الصور الجائية في الذهن من هذه الهيئة علاوة علىاختلاف المادة وهو أيضا خلاف الوجدان ولذا لا يكون المدلول عند أخذ الذات في حقيقته من هذه الجهة من متكثر المعنى .

أقول :

أولا : يمكن اختيار الشق الأول ويلتزم بكون هذا المفهوم العام يجئ في الذهن مرآتا الى المعروضات الأصلية من المقولات المختلفة حسب اختلاف عوارضها ، [ فهو ] من حيث وحدة المفهوم العام داخل في متحد المعنى ، ومن حيث مرآتيته لمصاديقها المناسبة للأوصاف ينسب إليه أوصافها وأحكامها ولوازمها من اليد والبط وأمثالهما . ولا منافاة بين هذه الوحدة في عالم المرآة والتكثر في عالم


195
المرئي بنحو يناسب الأحكام والأوصاف والمواد العارضة لها .

وثانيا : يمكن اختيار الشق الثاني ويقال : ان المسلم من وحدة معنى المشتق هو الوحدة من حيث الذات المخصوص المناسب كلكل مادة مخصوصة ، لا أنه متحد المعنى بالاضافة الى ما هو معروض أي مادة من المواد ، وحينئذ فالوصف من كل مادة يحكي عن جامع ذاتي مناسب لمعروضه فهو من متحد المعنى بمقدار اتحاد مادته معنى مع أي جامع ذائي يناسبه ، ومتكثر المعنى من حيث المادة بما هو معروضه بخصوصه وهذا المقدار من تكثر المعنى لا ضير فيه ، وأمكن دعوى الوجدان أيضا على أن كل مادة يجئ في الذهن اتحاده مع سنخ ما هو معروضه ذاتا ، والذي خارج عن دائرة المعنى هو مصاديق هذه الأجناس لا هي بنفسها هذا .

ولكن مقتضى الانصاف اختيار الشق الأول لعدم مجئ امور مختلفة على حسب اختلاف المواد في الذهن . علاوة عن ان بعض المواد يناسب قيامه بالجوهر والعرض كالمحبوب والمبغوض وأمثالها ، ففي مثلها لا معنى لأخذ جامع ذاتي بينالمعروضين بلا جامع بينها إلا عرضيا ، وإلا يلزم تكثر المفهوم في مادة واحدة ولم يلتزم به أحد . فلا محيص حينئذ إلا من المصير الى الوجه الأول وهو يكفي ونعم الوكيل .

الثاني من الامور : ان المنسوب الى الشريف استدلاله على خروج الذات عن مدلول المشتق بأن أخذه بمفهومه فيه مستتبع لأخذ الأمر العرضي في الفصل كالناطق وبمصداقه يلزم انقلاب القضايا الممكنة ضرورية .

أقول : يمكن اختيار الشق الأول ويقال : إن الإشكال انما يرد لو كان ( الذات ) المأخوذ في مثل الناطق مأخوذا بمعناه العرضي بنحو الاستقلال ، ولقد عرفت انه غير ممكن لعدم صلاحية مثل هذا العنوان العرضي لقيام المبادئ الحاكية من الوجودات العينية بمثله ، ولا لإضافة بعض الامور إليه كما شرحناه ،


196
بل لابد وأن يكون بنحو المرآتية الى ما هو معروض هذه المبادئ .

وحينئذ فروح المشتق وحقيقته المرآتية بهذا العنوان بناء على أخذ الذات فيه عبارة عن جهة خارجية معروضه للمبدأ ، غاية الأمر في عالم انتزاع المفهوم من باب الجمع في التعبير اعتبر مفهوما عاما عرضيا مشيرا به الى حقيقة ما هو معروض المبادئ بنحو الكلية لا بأشخاص مصاديقه خارجا . وأخذ هذا المقدار من المفهوم العام العرضي في مفهوم المشتق لا يقتضي أخذه في حقيقة [ المحكي ] به .

وعليه فلا غرو بدعوى كون المرئي بهذا العنوان الذي هو معروض النطق حقيقة هو الفصل وان المادة [ أخذت ] وجها له بملاحظة [ كونها ] أظهر خواصه . وبهذه الملاحظة لا بأس بدعوى حمل عنوان الفصل عليه حقيقة لما عرفت سابقا بأن النظر في مقام نسبة شئ إليه أو نسبته الى شئ آخر الىمعروض المبدأ ، وأن النظر الى المبدأ ليس إلا تبعيا من جهة كونه من [ شؤون ] المنسوب إليه ومن جلواته ووجوهه لا أنه بنفسه منسوب إليه الا بنحو من العناية

وحينئذ لك أن تجعل الناطق فصلا [ حقيقيا ] بهذا الاعتبار لا بجعل المبدأ عبارة عن النفس الناطقة وأن الاشتقاق جعلي كالتحجر وأمثاله كما يوهم ، إذ مضافا الى أن مطلق النفس لا يكون فصلا وتميزه بالناطقة موجب لعود المحذور ، انه تكلف بارد .

وأبرد منه تجريد هذا المشتق عن الذات - كما عن الفصول ( 1 ) - إذ مجرد ذلك لا يكفي في [ فصليته ] إلا بالتصرف في المادة أيضا باخراجه عن الوصفية الى معنى جوهري ، وفيه تكلفان .

وما عن العلامة الاستاذ أيضا بجعله فصلا مشهوريا منطقيا لا حقيقيا وأنه من أظهر خواص الفصل إنما يصح أيضا لو كان المناط في فصلية مادته ، والا فلو

( 1 ) الفصول الغروية : 61 ، السطر 36 .


197
كان المناط في اتصافه بالفصلية هو معروض مادته وان تخصيص المشتمل على هذه المادة بالفصلية كون المادة من خواص الفصل ومن عوارضه على وجه لا ينتقل الذهن من المادة إلا الى الفصل فلا مجال لجعله محكوما بالعرضية الخاصة بل كان متصفا بالفصلية حقيقة .

وبالجملة نقول : ان لمثل هذا الوصف ، بل كل ما كانت مادته من خواص الفصل وعوارضه ، جهتان : [ بإحداهما ] يحسب من الأعراض و [ بالاخرى ] كان فصلا حقيقيا .

فبالنظر الى الذات المأخوذة فيها معروضا للوصف فصل حقيقي ، وبالنظر الى موادها الملحوظة جلوة وشأنا ووجها للذات يحسب من الأعراضوالخواص الفصلية .

وبذلك يمتاز مثل هذه الأوصاف عن الأوصاف العارضة للنوع كالضاحك والكاتب ، أؤ للجنس كالحساس والمتحرك بالارادة ، فان فيها ليس جهة الفصلية لا بمادتها ولا بهيئتها ، وانما فيها جهة مشيرة الى الحيثية الذاتية من النوع أو الجنس ، وجهة عرضية بلا جهة فصلية فيها .

نعم هنا شئ آخر وهو : أن الأوصاف المشتملة على المواد العرضية برمتها مشتملة على جهة ذاتية معروضة لموادها ، وجهة عرضية هي عين المواد ، فجميعها مشتركة في كونها من الخواص بنظر ، و [ ذي الخاصة ] بنظر ، وحينئذ فلم لوحظ في أوصاف الفصول جهة ذاتها وسميت بالفصل ، وفي أوصاف الأنواع والأجناس لوحظت جهة عرضيتها وسميت بالخاصة أو العرض العام ؟ .

وحل هذه الشبهة بأن اشتهار عنوان الجنس أو النوع كان موجبا للغناء عن الاشارة إليها في مقام البيان بعنوان اجمالي هو مضمون أمثال هذه الأوصاف ، ولذا لا يكون المقصود من ذكر أوصافها إلا بيان عوارض النوع أو الجنس بمثل موادها فصارت خاصة .


198

وهذا بخلاف [ الفصل ] حيث إن حقيقته في غاية الخفاء بحيث لا يكون في البين عنوان مخصوص به فيحتاج في مقام بيانه الى الاشارة إليه بمثل الناطق أو النفس الناطقة أو المدركة للكليات المعلوم بأن جميعها لا يحكي عن الفصل إلا بحكاية إجمالية ، ففي مثل هذه الأوصاف إذا صار موردا للذكر والبيان ليس المقصود منها جهة عرضه مادته بل تمام المقصود بها بيان ما هو معروض هذه الأعراض بمحض الاشارة بالمفهوم العام إليها بخلاف الأوصاف السابقة .

ولهذه النكتة الدقيقة [ صارت الأوصاف ] الاشتقاقية [ مسماة ] بالفصولوقدمت فيها جهتها الذاتية على حيثية [ عرضيتها ] بخلاف أوصاف النوع والجنس حيث قدمت فيها جهتها العرضية على الذاتية لغناء ذاتيتها عن البيان وسميت بالخاصة والعوارض .

ومن التأمل في ما ذكرنا أيضا ظهر أن ما هو مأخوذ في الأوصاف الفصلية هو نفس الفصول لا جنسها . فما عن بعض الأعلام من أن الأليق بالشرطية الاولى هو أخذ الجنس أو النوع في الفصل منظور فيه ، إذ ذلك - مضافا الى انه من نتائج أخذ المصداق في حقيقة المشتق لا المفهوم وهو الشرطية الثانية - إنما يتم بناء على جعل الفصل نفس المادة لا [ معروضها ] ، ولقد عرفت ما فيه ، إذ لا معنى لجعل المادة فصلا إلا على التوهم البارد السابق ، أو الخيال الآخر الأبرد وكلاهما كما ترى .

هذا كله على فرض اختيار الشق الأول من الشرطية في كلامه .

ولنا أن نختار الشق الثاني ونقول : إن الأوصاف بملاحظة بساطة مفهومها حتى بناء على أخذ الذات في حقيقتها بحيث يرجع المعنى الى ذات [ متجلية ] بجلوة مخصوصة وبوجه خاص لا يكون إلا محمولا وحدانيا بلا اشتماله على نسبة اخرى غير هذه النسبة الحملية الوحدانية الغير [ القابلة ] للتحليل ،


199
ومعلوم أن الحمل القائم بالذات المتجلي بوصف كذا ليس إلا بالامكان .

نعم لو بنينا على تركب مفهوم المشتق وانه عبارة عن ذات له المبدأ كان مجال لأن يقال بأن الوصف بنفسه مشتمل على نسبة اخرى بين الذات والوصف زائدا عن النسبة الحملية القائمة بهذه الذات [ المنسوبة ] الى الوصف ، ولازمه عند الحمل كون المحمول مشتملا على نسبتين الموجب لانحلاله الى قضيتين [ إحداهما ] : حمل الذات المعروض للوصف على الذات وهو ضروري ، والاخرى :اضافة الذات الى الوصف وهو بالامكان .

ولا يرد عليه : بأن الذات [ المتقيدة ] حصة من الذات أخص من [ المجردة ] وحمله على الأعم أيضا بالامكان لا بالضرورة ، لقابلية انفكاك الأعم عن الأخص خارجا دون العكس .

لأنه يقال : إن ما هو حصته هو الذات في [ ظرف ] عروض الوصف [ عليها ] ، وإلا ففي المرتبة السابقة التي [ هي ] رتبة ذاته مساوق لما حمل عليه هذا الذات . كيف ؟ وأعمية الذات الذي هو موضوع هذا الحمل إنما هو بملاحظة نفس ذاته ، وإلا فما هو معروض هذا الحمل أيضا حصة من الذات الذي هو توأم مع المحمول وغير منفك عنه خارجا .

وبالجملة ذات المحمول المعروض للوصف مع ذات الموضوع المعروض للحمل إن لوحظ كل منهما من حيث المعروضية فهما حصة من الذات المتحدان خارجا بلا انفكاك بينهما فيه ، وإن لوحظ كل منهما في مرتبة ذاته مع قطع النظر عن عالم المعروضية للنسبتين فهما أيضا مساوقان في الأعمية ، فلا وجه لاعتبار ما هو معروض الوصف في ظرف معروضه من الحصة دون الموضوع الذي هو معروض للنسبة الحملية .

والى ذلك كله نظر استاذنا أعلى الله مقامه في كفايته من اشكاله على الفصول حيث أجاب عن أصل الاشكال بأن المحمول هو الذات المقيد بالوصف وحمله


200
على المطلق بالامكان فأشكل عليه بنحو ما بينا بتوضيح له منا .

ولكن مع ما ذكرنا كله يرد عليه : بأن ما أفاده الاستاذ رحمه الله على الفصول إنما يرد في فرض كون الذات منسوبا الى الوصف في عرض حمله على موضوعه فانه حينئذ نسبتان واردتان على ذات واحدة وهذا الذات في عالم ذاته - مع قطعالنظر عن نسبته الى شئ عام - مساوق مع موضوعه . كما أن [ كلا ] منهما في عالم عروض النسبة عليه حصة وخارج عن مرتبة عمومه فكانا أيضا غير منفكين عن الآخر .

وأما لو قلنا بأن نسبة الذات الى الوصف [ مأخوذة ] في رتبة سابقة على حمله وإن الحمل وارد على الذات المقيد في [ ظرف ] الفراغ عن تقييده بوصفه فلا شبهة حينئذ أن الحمل حينئذ ورد على الذات المقيد فارغا عن تقييده ، ولازمه فراغه عن صيرورته حصة من الذات ، وبديهي ان حمل هذه الحصة المقيدة بوصفه على الذات الملحوظ في الرتبة السابقة على حمله ليس إلا بالامكان .

وحينئذ فلو بنينا على تركب مفهوم الوصف واشتماله على نسبة اخرى لا يقتضي هذا المقدار أيضا ضرورية النسبة في البين وانحلال القضية الى القضيتين وانما يوجب ذلك على فرض عرضية النسبتين لا طوليتهما كما لا يخفى وجهه .

الثالث من الامور :

إن الأوصاف تارة [ تنسب ] الى ما هو له ك‍ ( الماء جار ) أو ( السفينة متحركة ) ، وتارة الى غير ما هو له ك‍ ( الميزاب جار ) أو ( جالس السفينة متحرك ) .

لا اشكال في الأول .

وانما الكلام في الأخير من أنه من باب المجاز في كلمة الوصف بإرادة قيام المادة بغير ما هو له ، أو من باب المجاز في اسناده الى الميزاب ، أو من باب اعمال العناية في موضوع القضية بجعله من مصاديق ما له الجريان حقيقة فاسند إليه


201
الوصف حينئذ بنحو الحقيقة في الإسناد وكلمة الوصف أيضا ، وجوه :

أرقها أخيرها ، خلافا لمن ذهب الى الأول أو الثاني ، فتدبر جيدا وافهمواستقم .

هذا تمام الكلام في نبذة من المبادئ العلمية واللغوية .

بقي الكلام في شرح المقاصد وفيها مباحث أيضا .


202

203

المقالة الثالثة عشر

شرح مادة الامر

204

205

[ المقالة الثالة عشرة ]

في

[ شرح مادة الأمر ]

وربما يتوهم له معاني متعددة ، ولكن امكن ارجاع بعضها الى بعض بجعله مصداقا لمعنى آخر ، وان اصل المعنى ربما يرجع الى معنيين :

أحدهما : عبارة عن مفهوم عام عرضي مساوق لمفهوم " الشئ " و " الذات " من حيث كونهما أيضا من المفاهيم العامة العرضية وإن كان له نحو أخصية عما يساوقه من العنوانين . وبهذا المعنى كان من الجوامد ، ويجمع على " امور " . وربما ينطبق على الغرض والحادثة ، [ أو الأمر ] العجيب ، وغير ذلك مما عد من معانيه بواسطة اشتباه المصداق بالمفهوم .

[ وثانيهما ] : ما يساوق " الطلب المظهر " بالقول أو غيره من الكتابة والاشارة ، لا صرف اظهاره ولو لم يكن في الواقع طلب . وبهذه المعنى مشتق ، ويجئ فيه العناوين الاشتقاقية اسما أم فعلا ويجمع على " أوامر " .

ثم ان المراد من " الطلب المظهر " الراجع إليه حقيقة الأمر هو " الطلب الحقيقي " وما هو بالحمل الشايع طلب . كما أن المراد من اظهاره أيضا كذلك . ولكن هذا المعنى مأخوذ في [ حقيقته ] ومنشأ انتزاع مفهومه ، لا مفهومه ، كما هو الشأن في شرح كل عنوان بأمر حقيقي خارجي هو منشأ انتزاع مفهومه مع عدم أخذه في مفهومه . وحينئذ لا منافاه بين ذلك وبين استعمال لفظ الامر في معناه ومفهومه بنحو الحقيقة مع عدم وجود طلب خارجي ولا ابرازه ، كما هو الشأن في


206
استعمال ساير الألفاظ في معانيها ، وحينئذ لا يكشف ذلك عن كون الأمر بحقيقته عبارة عن الطلب الانشائي ، لدلالة الوجدان على كون اللفظ مستعملا في معناه الحقيقي مع عدم وجود طلب حقيقي في البين أصلا ، وذلك لما عرفت بان استعمال اللفظ في مفهومه لا يقتضي وجود منشأ انتزاع المفهوم خارجا كما لا يخفى .

ثم لا اشكال في صدق الأمر بابراز الطلب بصيغة اخرى . وفي صدقه بابراز الطلب بهذه المادة اشكال .

ووجه الإشكال : ان مفهوم هذه المادة بعدما كان منتزعا عن ابراز الطلب فقهرا يكون هذا المفهوم في عالم التصور حاكيا [ عن ] الابراز ، [ فتكون ] هذه المادة [ بمفهومها ] بمنزلة الطريق الى الابراز . [ فكيف ] يمكن أن يصير واسطة لثبوته ؟ إذ مرجع الطريقية الى كونه من وسائط اثباته بحيث يرى المحكي عنه مفروغ الثبوت . وفي هذا النظر يستحيل توجه النظر الى اثباته بنفس هذه المادة المستعملة في معناه .

وحينئذ لا محيص عند ارادة اظهار الطلب بهذه المادة من تجريد المعنى عن قيد اظهاره فيراد منه حينئذ صرف الطلب كي يرد عليه اظهاره بهذه المادة .

ولازم ذلك كون مادة الأمر في مقام انشائه وابراز الارادة به مستعملا في نفس الطلب لا في الطلب المظهر ، وانما اريد منه هذا المعنى عند اخباره بهذه المادةعن اظهار طلبه بصيغة اخرى لا بهذه المادة ، كما لا يخفى ( 1 ) .

( 1 ) حاصل الاشكال ووجهه : اننا بعد ان افترضنا ان معنى مادة الامر هو ابراز الطلب ، تكون مادة الامر حاكيه وداله على هذا الابراز ، فلو قال المولى : ( آمرك بالصلاة ) يكون قوله : آمرك : كاشفا عن ابراز الطلب بالصلاة اي واسطة في الاثبات للابراز ، وعلى هذا فلا يجتمع مع كون نفس هذا الكلام - وهو : آمرك - ابرازا ، أو قل واسطة في الثبوت ؛ لان كونه واسطة في الاثبات أو كاشفا يعني ان هناك ابرازا للطلب متحققا كشف عنه قوله : آمرك ، وهذا لا يجتمع مع كونه >


207

ثم ان في اعتبار العلو محضا أو كفاية الاستعلاء أيضا أو عدم اعتبار شئ منهما وجوه : أردأها الأخير لعدم صدقه من الداني الى العالي ، بل وفي المتساويين أيضا الا من باب الاستهزاء والاستنكار .

فالعمدة حينئذ الوجهان الأولان ، وأقواهما الأول ، وانما صدقه مع الاستعلاء من باب اعمال العناية في المستعلي بادعاء نفسه عاليا . فنسبة الأمر الى نفسه نظير " أنشبت المنية أظفارها " . فالمصحح لهذه النسبة إعمال [ عناية ] وادعاء العلو لنفسه ، فالمستعلي آمر بالعناية ، لا ان [ استعلاءه ] موجب لصدق الآمر عليه حقيقة فتدبر .

ثم ان الطلب المظهر به وجوبي أو جامع بين الوجوبي والاستحبابي ؟

فيه وجهان ، بل قولان :

يمكن دعوى انسباق الوجوبي منه ، وأما كونه مستندا الى حاق اللفظ [ ففيه ] اشكال .

والتشبت ببعض الأخبار ( 1 ) على كونه للوجوب أشكل لكونه من باب

< بنفسه ابرازا للطلب وواسطة في تحقق الطلب المبرز وثبوته . وعلى هذا : فإذا اريد ابراز الطلب بنفس المادة كما في آمرك بالصلاة لابد ان تستعمل المادة في خصوص الطلب مجردا عن الابراز ،ونتيجة ذلك ان المادة متى استعملت في الاخبار عن الطلب بصيغة اخرى كانت دالة على الطلب المبرز كما في قوله : امرتك بالصلاة البارحة ، ومتى استعملت في انشاء الطلب كانت دالة على صرف الطلب لا الطلب المبرز .

( 1 ) كقوله صلى الله عليه وآله وسلم فيما روي عنه " لولا أن أشق على امتي لأمرتهم بالسواك " إذ يدل على أن الامر موجب للمشقة ، أو كقوله تعالى :﴿ فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم إذ يدل على ان مخالفة الامر موجبة للعقاب ، وكلاهما ملازم لاختصاص الامر بالوجوب وبهذا تتشكل الكبرى المذكورة : كل امر ملازم للمشقة أو العقوبة على المخالفة ، فما لا يلازم احداهما ليس امرا فلا يكون الاستحباب مصداقا للامر .

ثم ان مراده قدس سره ان اصالة العموم انما تجري عندما يكون مصداقية المشكوك للعام محرزة فيتمسك بأصالة العموم لاثبات شمول الحكم له كما في " اكرم العلماء " عندما نعلم بكون زيد >


208
إعمال أصالة العموم في ما هو معلوم الخروج ومشكوك المصداقية لاثبات المصداقية ولو بتقريب :

أن المستفاد منها ان كل امر ملازم [ للمشقة ] أو العقوبة على المخالفة ، وما لا يلازمه فليس بالأمر ، فالأمر الاستحبابي ليس مصداقا للامر ، فينحصر مصداقه بالوجوبي ، والا يلزم تخصيص الكبرى المستفاد ذلك منه .

ولقد عرفت في نظائره منع حجية أصالة العموم في مثله ، وانما يتمحض حجيته في فرض القطع بالمصداقية والشك في الخروج عن تحت الحكم ، فتدبر .

وبالجملة يكفي لاثبات الوجوب ظهور اطلاقه في كونه في مقام حفظ المطلوب ولو بكونه حافظا لمبادئ اختياره من جهة احداثه الداعي على [ الفرار من العقاب ] أيضا ، بخلاف الاستحبابي [ فانه ] لمحض احداث الداعي على تحصل الثواب فلا يوجب مثله حفظ مبادئ اختيار العبد للايجاد بمقدارما يقتضيه الطلب الوجوبي ، ولذا يكون في مقام حفظ الوجود أنقص ، فاطلاق الحافظية يقتضي حمله على ما يكون في حافظيته أشمل .

وقد يقرب الاطلاق أيضا بان مقتضى اطلاق اللفظ في مقام البيان حمل معناه على ما هو أكمل ، لما في الأضعف نقص ليس فيه .

وكلا [ التقريبين ] للاطلاق وان كانا خفيين ولكن بعد ارتكاز الذهن باقتضاء الاطلاق ذلك لا ضير في خفاء وجهه ، كيف وغالب الارتكازيات مخفية على الخواص فضلا عن [ العوام ] ، والله العالم .

< عالما ولكن نحتمل عدم شمول الحكم له ، اما إذا شككنا في كون زيد عالما فلا يمكن التمسك باصالة العموم لاثبات كونه مصداقا للعام . وفيما نحن فيه من قبيل الثاني ؛ فإن القائل يريد ان يتمسك باصالة العموم في لفظ الامر من اجل تحديد مصداق الامر وانه منحصر في الوجوب وليس هذا مورد التمسك باصالة العموم إذ ليس المصداق محددا ليكون الشك في الشمول وعدمه لتجري اصالة العموم لاثبات الشمول .

209

[ بحث فيالطلب والارادة ]

بقي في المقام شئ آخر وهو ان الطلب المأخوذ في [ حقيقته ] هل هو عين الارادة أم غيره ؟ .

كانت هذه الجهة معركة الآراء بين الأعلام ، وعمدة من ذهب الى المغايرة الأشعريون لشبهة حصلت لهم في وحدتهما .

وعمدة ما أوقعهم في الوهم زعمهم الفاسد بان العباد مجبورون في أفعالهم ، وهو أيضا أساس إنكارهم التحسين والتقبيح في أفعال العباد عقلا ، نظرا الى ان موضوع حكم العقل هو الفعل الاختياري وحيث لا اختيار لهم في أفعالهم فلا مجال لتحسينهم في عملهم عقلا ولا تقبيحهم فيه ، بل الله يفعل في حقهم ما يشاءبسلطانه فيعاقب المطيع ويثيب العاصي بلا قبح في نظر العقل في الفعلين ولا حسن في عكسهما لان ذلك كله تحت حيطة سلطته وقدرته فيفعل ما يشاء ويحكم ما يريد .

وحينئذ فمن نتائج هذا الزعم والخيال استحالة تعلق الارادة الأزلية بفعل المخلوق الا وهو صادر لأنه إذا أراد [ شيئا ] أن يقول له كن فيكون ، ولازمه حينئذ عدم تصور العاصي في العباد ، فمع تحققه وجدانا يكشف عن عدم تعلق الارادة الازلية في مورد الأوامر والنواهي [ المتوجهة ] إليهم .

ولا محيص لهم بالالتزام بمعنى آخر غير الارادة حذرا عن كون الخطابات المزبورة لقلقة لسان ، وسمي المعنى الآخر بالطلب .

والتزموا أيضا بامكان تعلقه بالمحال وبغير المقدور ، بل وبجواز أمره مع علمه بانتفاء شرط المأمور به كأمر ابراهيم بذبح ولده مع أن الجليل ينهى السكين عن تأثيره في قطع الأوداج وعدم قدرة ابراهيم [ على الذبح ] المزبور .

وحينئذ ربما يستشكل في تصوير هذا المعنى الأخير المسمى بالطلب بأنه


210
اي شئ قائم بالنفس وكان من أفعال القلوب [ القابلة ] لان [ تكون ] مضمون الخطابات ويناسب مع مقام أمر المولى ونهي العالي ، وقابلا للتعلق بالمحال ولو لانتفاء شرطه ؟ .

وحيث [ إن هذا المعنى قابل ] للتعلق بفعل الغير فيكشف انه لا يكون من سنخ بقية الصفات الوجدانية القائمة بالنفس من الجوع والعطش والشجاعة وأمثالها ، إذ لا مناسبة لها مع الأمر والنهي المتعلق بفعل الغير .

كما ان قابلية تعلقه بالمحال وبفعل المجبورين لا يناسب شرحه بمثل عنوان البعث والتحريك ، إذ مضافا الى أنه ناش عن نفس الأمر لا أنه مأخوذفي مدلوله ، من المعلوم انه يستحيل تعلقهما بالمحال ذاتا لا بمناط التحسين والتقبيح كي يمنع ذلك في أفعاله تعالى في حق عباده .

بل ولا مجال لشرح الطلب أيضا بحملة النفس [ الحاصلة ] بعد تمامية اشتياقه وقدرته ، إذ مثل ذلك أيضا يستحيل انفكاكه عن العلم بالقدرة ، فمع فرض المجبورية يستحيل تحققه .

وبالجملة ما في ألسنة بعض المعاصرين ( 1 ) من تصور مغايرة الطلب مع الارادة بأمثال هذه البيانات أجنبية عن مرام الأشاعرة المؤسسين لهذا الأساس .

كما ان انكار بعض آخر بعدم مساعدة الوجدان على وجود معنى آخر قابل للتعلق بفعل الغير العلم والارادة أيضا قابل للمنع ، كيف ونرى بالوجدان معنى آخر غيرهما ، ويعبر عنه بالبناء الذي هو أيضا من أفعال القلوب وبه قوام التنزيلات عرفا وشرعا وكان تحت الاختيار بلا واسطة في قوله : " ابن على الأكثر " ( 2 ) مثلا قبال العلم والارادة الذين لا يكونان كذلك ، بل ومنه

( 1 ) فوائد الاصول 1 : 132 و 133 .

( 2 ) وسائل الشيعة 5 : 38 . الباب 8 من أبواب الخلل ، الحديث 3 .


211
أيضا عقد القلب المقابل للجحود القلبي مع العلم بالنبوة مثلا وغيرها ، بل هو قابل للتعلق بالمحال .

وحينئذ لا مجال لرد الأشعري بالمغايرة بين الطلب والارادة بمثل هذا الوجدان وحينئذ فللأشعري أن يلتزم بأن مفاد الأوامر معنى آخر غير العلم والارادة وانه من سنخ البناء وعقد القلب المزبورين ، غاية الأمر يدعي بان هذا السنخ من المعنى - باختلاف أنحاء متعلقاته - يختلف عنوانا فمن حيث تعلقه بقيام شئ ثابت أو بقيامه مقام آخر مع القطع بعدمه يعبر عنه بالبناء التنزيلي ،ومن حيث تعلقه بثبوت شئ مع القطع بوجوده يعبر عنه بعقد القلب ، ومن حيث تعلقه بايجاد شئ لا بشئ فارغا عن وجوده يعبر عنه بالطلب .

كما أن الأمر في الاشتياق أيضا كذلك ، إذ هو من حيث تعلقه بالوجود الثابت يسمى عشقا وباثبات الوجود يسمى ارادة ، ولا ينافي اختلاف هذه العناوين مع وحدة الحقيقة ، ومعلوم ان مثل هذا المعنى قابل للتعلق بالمحال وبغير المقدور ومع العلم بانتفاء شرط المأمور به .

كما أنه بعد تسليم أساسهم الكاسد لا يبقى دعوى أحد عليهم بأن العقل لا يحكم باستحقاق العقوبة على مخالفة مجرد هذا البناء القابل للتعلق بالمحال إذ حينئذ أين يبقى للعقل حكم في حق المجبورين الذين هم [ مقهورون ] في حيطة سلطانه ؟ وانما ذلك جاء من جهة توعيده على المخالفة كما أن الثواب على الاطاعة انما هو من قبل وعده على طاعتهم . ولا بأس [ بالتوعيد ] المذكور ولا الوعيد المزبور على مخالفة هذا البناء المحض المنفك عن الارادة أو موافقته مع انعزال العقل عن الحكم في هذا المقام رأسا .

وحينئذ لا ملزم عليهم ولا شاهد على وجود الارادة والكراهة في مدلول الأوامر والنواهي إلا تخريب أساسهم الفاسد وبيان زعمهم الكاسد فنقول وهو المعين : أو لا يكفي في دفع شبههم حكم بداهة الوجدان بالفرق بين حركة المرتعش وحركة المختار ؟ وهو الذي عليه عقيدتي .


212

ولكن مع ذلك في مقام المناظرة معهم لنا أن ندعي شيئا آخر فنقول بان توضيح فساد مرامهم يقتضي رسم مقدمة وهي :

ان من المعلوم ان عوارض الشئ قد لا يكون من لوازم وجوده ولا مهيته ، وقد يكون من لوازم مهيته كالزوجية بالنسبة الى الأربعة أو وجوده كالحرارة للنار ،

فما كان من قبيل الأول فلا شبهة في أن جعل الشئ وايجاده لا يقتضي وجود وصفه ، بل يحتاج وجود الوصف أيضا الى جعل آخر .

وأما ما كان من قبيل الثاني والثالث فما هو قابل لتعلق الجعل هو الموصوف وأما لازمه [ فيتحقق ] قهرا بنفس وجود ملزومه واقتضائه بلا احتياج الى جعل آخر وراء جعل ملزومه ، بل بعد جعل الملزوم بالارادة الأزلية [ يوجد ] اللازم بنفس اقتضاء الملزوم تبعا له بلا استناده الى إرادة أزلية اخرى [ متعلقة ] بذلك اللازم ، بل هذا الوجود من لوازم وجود آخر مهية أو وجودا بلا تعلل وجوده إلا بوجود ملزومه [ المنتهي ] الى ارادة أزلية بلا انتهائه إليها زائدا عما عليه ملزومه .

وحيث كان الأمر كذلك فنقول : ان مثل القدرة والعلم بالمصلحة وغيرها من الصفات القابلة للانفكاك عن الانسان ربما يحتاج في تحققها الى إعمال ارادته تعالى ولو بايجاد أسبابها ، ولا يكفي في وجودها مجرد تعلق الجعل بايجاد الانسان ،

وأما صفة الاختيار من الممكن كونه من لوازم وجود الانسان بحيث لا يحتاج في جعله الى أزيد من جعل ملزومه ، بل ولا أقل من دعوى كونه من لوازم بعض مراتبه لو لم نقل بكونه من لوازم وجوده على الاطلاق .

ولازمه كون الاختيار موجودا بمحض اقتضاء وجود ملزومه بلا كونه معللا بجعل آخر غير جعل ملزومه .

وحينئذ ففي ظرف القدرة والعلم بالمصلحة بلا مزاحم إذا توجه اختياره الى وجود شئ أو عدمه ربما يترتب العمل عليه [ بتوسط ] ارداته [ المنتهية ] الى اختياره .


213

وحينئذ هذا العمل له مبادئ متعددة من كونه مقدورا وكونه مما علم بمصلحة بلا مزاحم وكونه مما اعمل فيه الاختيار الموجب لتوجه الاشتياق نحوه ،فبعضها مستند الى ارادته الأزلية مثل قدرته وعلمه كوجود العامل وبعضها مستند الى اقتضاء ذات ملزومه من جهة ما عرفت من كونه من لوازم وجوده ولو في ظرف تحقق القدرة والعلم المزبور ، وذلك مثل اختياره المستتبع لاشتياقه وارادته .

وحينئذ لهذا العمل الصادر جهتان ، بجهة مستند الى الارادة الأزلية ، وبجهة اخرى مستند الى ذاته بلا تعلله بشئ آخر وراء وجود ملزومه ، ولازمه عدم صحة استناد مبادئ وجوده - بقول مطلق - إليه تعالى لفرض توسيط اختياره الذي من لوازم وجود ملزومه بلا تعلق جعل به زائدا على جعل ملزومه ، وعدم صحة استناد مباديه إليه أيضا على الاطلاق .

فلا يكون مثل هذا العمل مفوضا الى العبد بقول مطلق ولا [ مستندا ] إليه تعالى كذلك كي يكون في ايجاده مقهورا ، فصح لنا حينئذ أن نقول : لا جبر في البين من جهة الاختيار [ المنتهي ] اقتضاؤه الى ذاته ، ولا تفويض بملاحظة انتهاء بقية مبادئ وجوده الى إرادته الأزلية وجعله ، وهذا معنى قولهم " لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين " .

ولقد أجاد بعض أعاظم المعاصرين في بيان هذا المعنى : بأن الاختيار من الصفات الذاتية غير المحتاجة الى جعل غير جعل الملزوم ، ولكن التزم بأن الاختيار [ يتحقق ] في ظرف تحقق الارادة منه بحيث يكون الاختيار واسطة بين العلم والارادة بلا كون العمل [ مستندا ] الى الارادة بلا واسطة ، بل العمل مستند الى نفس [ الاختيار ] بلا واسطة .

وفيه : ان انعزال الارادة عن التأثير وكون تمام المؤثر هو [ الاختيار ] خلاف الوجدان ، كيف ، ويعتبر في العبادات أن تكون ارادية قربية ولو انعزلت الإرادة عن التأثير فلا معنى لإرادية العبادة ، ولا لنشوها [ من ] قصد القربة ، وهو كما ترى .


214

وأصعب من البيان الصادر عن المعاصر المزبور . خيال بعض آخر [ بانه ] لا يكون المراد من الفعل الاختياري إلا مجرد نشوه عن الارادة بلا وجود صفة اخرى في البين .

وذلك - مضافا الى ان دائرة الاختيار ربما [ تكون ] أوسع من الارادة ، إذ ربما يكون الفعل اختياريا ولو بتوسيط اختيارية لازمه ولا يكون إراديا ولو بالواسطة لعدم الملازمة بين ارادة شئ وارادة لازمه ، ولذا لا يكون الأمر مقتضيا للنهي عن ضده على منع المقدمية - ان الارادة بعد ما لم [ تكن ] من لوازم وجوده فلا محيص من كونه مستندا الى الارادة وجعل مستقل أزلي فقهرا يصير مجبورا في هذه الارادة ، فأين يكون له اختيار في تركه ؟

وتسميته العمل بمجرد توسط الارادة المجبورة بالاختيارية لا يصحح حقيقة الاختيار وروحه .

وهذا بخلاف ما لو بنينا بان في البين [ صفة ] اخرى وهو معنى : له أن يفعل وله أن لا يفعل من قبل نفسه بلا اعمال جعل أزلي في هذه الصفة ، ولا يعلل مثله بارادة ازلية متعلقة بنفسه .

فلا شبهة حينئذ أن العقل ينال من مثله روح الاختيار بحيث ينسب ارادته إليه ولو ببعض مباديه ، إذ تعلق الجعل بهذه الارادة حينئذ ليس على الاطلاق كي يصير مجبورا في ارادته ، بل إنما يتعلق به في ظرف اعمال اختياره بطرف الوجود أو العدم ، ومعلوم ان اعمال اختياره هذا ليس إلا بعين اختياره لا بجعل آخر أزلي .

ولئن شئت قلت : إن [ صفة ] " له أن يفعل وله ان لا يفعل " . بعدما كان من لوازم وجود الانسان بحيث لا يعلل بأمر خارجي ، هذه الصفة بمنزلة الهيولى لفعلية اعماله وتوجهه الى طرف من الوجود أو العدم ، [ تحتاج ] هذه الفعلية الىقابلية المحل المعبر عنه بشرط تحققه ، ومهما تحقق شرطة [ تصير ] هذه الهيولى


215
فعلية باقتضاء ذاته لا بمؤثر خارجي .

وحينئذ فلك أن تجعل مثل هذه الشرائط خصوصا مثل العلم بالمصلحة بلا مزاحم مرجحا لإعمال الاختيار بطرفه بلا كونه مؤثرا فيه ، وحينئذ لا يكون هذا الإعمال في طرف وجود المرجح إلا عين اختياره الذي هو من صفات ذاته بلا تعلل .

وهذا غاية ما لنا من البيان في دفع الشبهة المعروفة وبه التكلان من وسوسة الشيطان في مثل هذا الميدان وحينئذ نرجع الى المقصد فنقول :

انه بعد ما [ اتضح ] فساد شبهة الجبرية في اختيارية أعمال العباد [ ترتفع ] أيضا شبهة انعزال العقل عن الحكم باستحقاق العاصي للعقوبة والمطيع للثواب ، إذ لا اظن انكارهم التحسين والتقبيح في موضوع الاختيار وان شبهتهم في هذا المصداق دعاهم [ الى ] الانكار ، كما [ نحن أيضا ] معترفون بانعزال العقل عن حكمه على فرض تسليم جبرية العباد - العياذ بالله - ، وإنما همنا رفع هذه الشبهة .

وبعد حكم العقل بالاستحقاقين لا يبقى مجال للالتزام بجعلية الثواب والعقاب . نعم ربما لا يلتفت المكلف في المعاصي مقدار العقوبة والمثوبة ولو من جهة جهله باهتمام الحكيم في مثله ، فيرشد الحكيم إليه [ تنبها ] على مقدار اهتمامه به ، فليس ذلك من باب الجعل بلا استحقاق حينئذ .

والعجب ممن قال باختيارية العباد وعدم انعزال العقل عن الحكم رأسا ومع ذلك التزم بجعلية الثواب والعقاب في باب الاطاعة والعصيان .

وما أوهمه في ذلك إلا ما ورد من الآيات والأخبار في ثواب الاعمالوعقابها ، وغفل عن كون ذلك كله ارشادا الى حكم العقل في أصله ، والى بيان مقدار الاهتمام في تحديده كما هو الشأن في أمره باطاعة أمره والانتهاء عن نهيه فان ذلك كله ليس الا [ ارشادا ] الى ما يحكم به العقل بفطرته كما لا يخفى .


216

ومن البيان المزبور ظهر أيضا بطلان الالتزام بكون مفاد الخطابات أيضا صرف البناء القابل للتعلق بالمحال . [ إذ ] العقل يأبى من حكمه باستحقاق العبد على صرف البناء المزبور بلا ارادة أصلا للعقوبة أو المثوبة .

كما أن توهم ان الارادة [ تقتضي ] عدم العصيان لعدم صلاحية انفكاكه عن المراد أيضا في غاية السخافة وذلك لان متعلق الارادة إذا كان الفعل بتوسط اختيار عبده من قبل نفسه فيستحيل قلب هذه الارادة العمل عن الاختيارية الى المجبورية في عالم الايجاد لعدم صلاحية الارادة لقلب موضوعه ، كيف وهو خلف محض .

وحينئذ إذا بقي [ الفعل ] بعد الارادة المزبورة على [ الاختيارية ] فيبقى له حينئذ بعده أيضا هذا الشأن من أنه " له ان يفعل وله أن لا يفعل " ، ومعلوم ان مثل هذا الشأن ملازم لان يكون له تركه ، والا فيلزم أخذ الارادة الأزلية مثل هذا الشأن منه فيخرج اختياره حينئذ عن التوسيط وهو خلف محض .

وبذلك البيان ظهرت النكتة الفارقة بين الارادة التكوينية والتشريعية حيث إن الارادة التكوينية إنما [ تتعلق ] بشئ بنحو يكون سالب الاختيار ولو من جهة سلب مبادئ اختياره من القدرة أو العلم بالمصلحة وغيرها ، بخلاف الارادة التشريعية [ فانها ] إنما [ تتعلق ] بالفعل الاختياري بوصف اختياريته ، ومثل ذلك يستحيل أن يكون سالب مبادئ اختياره ، ومع عدم سلبها يبقى اختياره بعد الارادة بحالها ، وحينئذ له أن يطيع مولاه وله ان يعصي ، غاية الأمرعقله يستقل بحسن اطاعته وقبح معصيته وباستحقاق العقوبة على الثاني والمثوبة على الأول .

ولك أن تقول أيضا بان الارادة التكوينية ما هو الحافظ لوجود الشئ على الاطلاق ولو بسلبه مبادئ اختياره على خلافها ، والارادة التشريعية ما كان لوجوده من قبل مبادئ اختياره من حفظ قدرته واعلامه بالمصلحة بمثل خطابه


217
واعلامه بارادته الذي هو موضوع حكم عقله بطاعته من دون كونه سالب اختياره .

والى ذلك يشير قوله [ تعالى ] : " ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة " ( 1 ) وان شأن الخطابات ليس إلا اتمام الحجة وتتميم مبادئ اختيار العبد كما هو ظاهر .

وحينئذ فلنا ان نقول : ان مفاد الخطابات ليس إلا الارادة المزبورة لعدم حكم العقل بلزوم الاطاعة إلا في ظرف تحققها من المولى لا من جهة عدم تصور معنى آخر في الوجدان غير الارادة والعلم . كيف ! وقد عرفت ما فيه بما لا مزيد عليه .

وحينئذ فلك ان تقول : ان الطلب الذي هو مفاد الخطابات وكان موضوع حكم العقل باستحقاق الثواب والعقاب على الموافقة والمخالفة ليس إلا عين الارادة المسطورة [ المسماة ] بالتشريعية ، وان امكن دعوى أوسعية دائرة الارادة عن الطلب لصحة سلب الطلب عن موارد التكوين فتدبر واستقم وافهم .

( 1 ) الانفال ، الآية 42 .


218

219

المقالة الرابعة عشر

وضع صيغة الامر

220

221

[ المقالة الرابعة عشرة ]

في

وضع صيغة الأمر

و لو بملاحظة كونها مظهرا للطلب الذي به قوام مدلولها ومناط صدق مفهومها .

ولا اشكال في أن الصيغ المزبورة بهيئتها حاكية عن نحو نسبة بين الفاعل والمبدأ ( أي ) بنسبة ارسالية [ هي ] شأن من يبعث الى شئ ويحرك نحوه ، وهذه النسبة قائمة بالمفهومين كما هو شأن المفاهيم الحرفية الحاكية عما بازائها من التحريك والبعث الخارجي في عالم التصور وان انفك عنه في عالم التصديق ، كما هو الشأن في كل مفهوم .

غاية الأمر فرض ظهور الكلام واحتمال مطابقة هذا الظهور مع الخارج يستفاد منه البعث الملازم للطلب من الأمر خارجا ، وحينئذ فدلالة هيئة الأمر على الطلب ليس الا بالالتزام لا بالمطابقة لان الطلب القائم بالنفس أجنبي عن مدلول الهيئة والمادة ، كما أسلفنا الكلام فيه مستقصى ( 1 ) .

ومن هذا البيان أيضا ظهر ان استعمال صيغة الأمر في معناه بنحو الحقيقة لا يقتضي وجود الطلب أو البعث خارجا لما عرفت من ان ميزان استعمال اللفظ في معناه حقيقة ارادة مفهومه منه ، وهذا المقدار لا يقتضي وجود ما بازاء هذا المفهوم

( 1 ) راجع صفحة 205 قوله : ثم ان المراد من الطلب المظهر . . . الخ .


222
في الخارج ، بل ذلك يحتاج الى مبادئ اخرى .

وحينئذ فاستعمال صيغة الأمر في مقام التهديد ، أو التعجيز أو السخرية لا ينافي استعمال الأمر في هذه المقامات في مفهومه بنحو الحقيقة مع كون الداعي على اجراء الصيغة المزبورة [ شيئا ] آخر غير الحكاية عن وجود ما بازاء مفهومه تصديقا .

فلا يتوهم حينئذ استعمال الصيغة في هذه المقامات في هذه المعاني ، إذ ارادة حقايقها الخارجية من اللفظ غلط وارادة مفاهيمها أغلط لعدم مناسبة مفاهيمها مع المعاني الحرفية فيكون مفاهيمها أجنبية عن مدلول الهيئة والمادة ، بل انما يستفاد هذه المعاني من سياق الكلام ، فأمثال هذه الدلالات داخلة في الظهورات السياقية لا اللفظية فتدبر .

ثم ان ظهورها في خصوص الطلب الوجوبي في الصيغ أشكل من ظهور مادة الأمر ، إذ في المادة كانت دلالته على الطلب بعد تجريد مفهومه عن قيد اظهاره بنحو المطابقة وفي مثله أمكن ارادة الوجوبي منه ولو لم يكن في البين مقدمات اطلاق لامكان ارادة مطلق الطلب منه .

واما في الصيغ فليس دلالتها على الطلب إلا بتوسيط مفاد الهيئة ومعلوم ان مفاد الهيئة ليس إلا نسبة ارسالية بين الفاعل والمبدأ ، وهذه النسبة كما [ تناسب ] الوجوب [ تناسب ] الاستحباب أيضا ، فلا وجه لتوهم وضعها لخصوص الوجوب لعدم ميز بين النسبة الارسالية الوجوبية والاستحبابية . وحينئذ [ فاستفادة ] الوجوب لا يكون إلا بتقريب الاطلاق بأحد الوجهين السابقين كما لا يخفى ( 1 ) .

( 1 ) وهما الوجهان المذكوران في مقام دلالة المادة على الوجوب باطلاقهما في صفحة 208 بقوله ( وبالجملة يكفي لاثبات الوجوب . . . الخ ) .


223

ثم ان ديدنهم في الفقه استفادة الوجوب من [ الجمل الفعلية ] كقوله : تغتسل وتصلي .

وقيل في وجهه : بان الجمل المزبورة استعملت في انشاء الطلب ، وهو من البعد بمكان .

ولذا ذهب آخرون [ الى ] ان الجمل [ باقية ] على [ اخباريتها ] ، وان المصحح للاخبار وجود مقتضيه من طلب المولى فيخبر بوقوع المطلوب لمحض وجود مقتضيه التشريعي ، كما انه قد [ يخبر ] بوقوع التكوينيات للإخبار بهلاك الشخص لمحض العلم بوجود مقتضي هلاكه .

وفيه : ان المقتضي لوجود المخبر به في التشريعيات هو علم المأمور بوجود الطلب وان لم يكن في الواقع طلب . كما أنه لو كان ولم يعلم به المكلف لما كان طلبه بوجوده الواقعي مقتضيا .

وحيث كان الأمر كذلك يستحيل أن يكون الموجب لهذا [ الخبر ] طلبه واقعا ولا علمه به . كيف ! وعلمه به من نتائج هذا الخبر لا من مباديه .

فلا مجال حينئذ لقياس المقام بالاخبار في التكوينيات بوجود المخبر به بعناية وجود مقتضيه كالاخبار بموت الشخص مثلا لوجود مقتضيه كما لا يخفى .

والأولى ان يقال في وجهه : ان هيئة الكلام بعد ما كان دالا على ايقاع نسبة بين الفعل وفاعله فلا شبهة في أنه قد يقصد به الحكاية عن ايقاع النسبة بينهما تشريعيا وهذا الايقاع بالملازمة يدل على ارادة تشريعية قبال قصد الحكاية بها عن وقوع النسبة ومفروغية ثبوته خارجا .

وما هو مقوم الخبر هو هذا القصد ، ولازمه انسلاخه عن قصد حكايته عن الأمر الثابت ، وارادة الحكاية منه عن ايقاع النسبة بينهما بتشريعه وتسبيبه .

فهذه الجمل في الحقيقة وان كانت منسلخة عن الاخبار لكن ليس المرادمنها ارادة انشاء الطلب وايقاعه ، بل اريد منها انشاء مادته وايقاع نسبته الى


224
الفاعل ولو تسبيبا بتوسط تشريعه ، فقهرا يدل على ارادته التشريعية بهذه المناسبة .

ولئن شئت قلت : إن المتكلم بهذا الكلام في مقام ايقاع نسبة المبدأ خارجا الى الفاعل بعناية وجود مقتضيه من ارادته التشريعية لا في مقام الحكاية عن صدوره عن الفاعل بعناية وجود مقتضيه من ارادة المخبر ؛ إذ من المعلوم ان مثل ارادة المخبر أجنبي عن الاقتضاء في صدور الفعل منه كما أسلفنا ، بخلاف مقام اصداره من المخبر ولو تسبيبا ، فان لارادته التشريعية كمال الاقتضاء لهذا المعنى .

نعم في دلالتها على الوجوب مع فرض مناسبة هذه العناية للاستحباب أيضا [ تحتاج ] الى مقدمات اخرى قد [ أسلفناها ] في وجه دلالة الصيغ على الوجوب ، وهي بعينها جارية في المقام أيضا .

نعم عن بعض الأعاظم من المعاصرين كلام في وجه استفادة الوجوب من الصيغ والجمل بدعوى - [ ملخصها ] - :

ان الصيغة بمحض صدورها عن المولى ، العقل يحكم بلزوم [ امتثالها ] ، إلا أن يقوم قرينة على خلافه .

وافاد في توضيح مرامه بان الوجوب بمعنى الثبوت وهو تكويني وتشريعي . وكل منهما ينقسم الى ما كان بالذات وبالغير . وكل ما بالغير أيضا في المقامين ينتهي الى ما بالذات ، وان وجوب الطاعة نفسي ، ووجوب غيره به . الى ان أفاد بعده :

إذا صدر بعث من المولى ، العقل يحكم بوجوب طاعته قضاء لحق المولوية ؛ فالوجوب إنما هو من تبعات حكم العقل بالطاعة ، ومن لوازم صدور الصيغة منالمولى أو صدور الجمل منه . انتهى كلامه ( 1 ) .

( 1 ) اجود التقريرات ج 1 صفحة 95 و 96 .


225

اقول : إن اراد ان مجرد تحريك المولى وبعثه ملازم ذاتا مع وجوب امتثاله ولو لكون ذلك باطلاقه حق المولى ، فهو مع التزامه بان تحريكه مع القرينة على ارادة غير لزومية لا يوجب الامتثال ، غير خال عن المضادة .

إذ لازم كلامه الأخير عدم الملازمة بين التحريك ذاتا مع الوجوب والا لا يجتمع التحريك مع القرينة على الخلاف ، ولازمه عدم كونه مطلقا حق المولى .

ومع عدم الملازمة الذاتية فمن أين يقتضي مجرد التحريك وجوب الطاعة ؟ ! وهل هو إلا دعوى بلا برهان وقول بلا اتقان ولا اظن صدور ذلك منه .

وأظن ان بيان مقرره قاصر . والا مثل هذا البيان لا يصلح من ذي مسكة ، فلابد وان يحصل مرامه من نفسه أو من غير هذا المقرر والا هذا المقدار لا يستأهل ردا .


226

227

المقالة الخامسة عشر

اطلاق الامر أو الخطاب هل يقتضي التوصلية

228

229

[ المقالة الخامسة عشرة ]

اطلاق الأمر أو الخطاب هل يقتضي التوصلية أم لا ؟

فيه كلام . وتوضيح هذا المقصد يقتضي تقديم مقدمة في بيان المراد من التعبدية والتوصلية .

المشهور بين القدماء كون المدار في توصلية المأمور به معلومية الغرض الداعي على الأم بحيث يعلم ان المقصود للآمر أو المأمور التوصل به الى هذا الغرض . وفي قباله ما لا يعلم الغرض المزبور فيسمى تعبديا بملاحظة ان الاقدام به ليس إلا من جهة التعبد [ لمولاه ] بلا قصده التوصل به الى شئ معلوم .

وعند أهل العصر من أمثال زماننا كون المدار في التوصلية على عدم احتياج حصول الغرض والمصلحة القائمة بالمأمور به الى كون الفعل قربيا ، قبال ما إذا احتاج الى ذلك فيسمى تعبديا .

ولئن قيل : بأن المدار في التوصلية على عدم احتياج رفع اشتغال الذمة بالمأمور به على اتيانه قربيا قبال احتياجه إليه فيسمى تعبديا لكان أشمل من التعريف السابق ، إذ حينئذ ربما يحكم بالتوصلية مع عدم العلم بحصول الغرض والمصلحة المزبورة بلا كون العمل قربيا بخلافه على الأول .

ولكن ربما يقال : إن ذلك لا يكون إلا مع الشك في التعبدية والتوصلية واقعا ، وإلا فمع العلم بالتعبدية لا يكاد يسقط الغرض إلا بقربية العمل وحينئذ فالتعبدية الواقعية منوطة به فتعين التعريب الأول .


230

نعم هنا شئ آخر وهو ان لقائل أن يقول ان ذلك البيان إنما يتم على كون عبادية الشئ ملازما لقربيته ، بحيث لا يتصور فيه المصلحة إلا في صورة ايجاده قربيا ، ومن لوازمه أيضا عدم تصور حرمة العبادة بوصف [ عباديتها ] إلا تشريعيا نظرا الى مضادة الحرمة مع أصل العبادية .

واما لو قلنا بان حقيقة العبادة - [ المقابلة للتوصلية ] - عبارة عما جعلت من وظائف العبودية ومن [ ادواتها ] ( 1 ) وكانت مما بها يتخضع العبد لمولاه كتقبيل اليد والقيام في حضوره أو السجدة له وأمثالها المعمولة عند العرف لمواليهم معامضاء الشرع اياهم في أصل الوظيفة فربما ينفك مثل هذه الامور عن القربية ، غاية الأمر هي [ مقتضيات ] للتقرب بها الى المولى لولا نهيه [ عنها ] ، وإلا فمع نهيه [ تخرج ] عن القربية ، ومع ذلك [ لا تخرج ] عن كونها من وظائف العبودية .

غاية الأمر هذه الوظيفة في مورد خاص وبجهة خاصة مبغوضة للمولى ومنهي [ عنها ] وحينئذ [ تخرج ] عن القربية ، لا عن كونها عبادة وعن [ كونها ] وظيفة العبد من حيث خضوعه لمولاه .

والى هذا المعنى أيضا نظر من تصور حرمة العبادة مولويا لا تشريعيا محضا .

ففي مثل هذه الصورة أمكن تصور قيام المصلحة بنفس ذات هذه الوظيفة المجامعة حتى مع المفسدة الطارية [ عليها ] من العوارض الخارجية .

ولازمه حينئذ امكان استيفاء المصلحة حتى مع اتيانه محرما نظير التوصليات التي لم يكن شأنها كونها من وظائف العبودية ، ولا يسمى عبادة حتى مع الأمر بها ، وحينئذ لا يكون سقوط الأمر بها منوطا بقربيتها .

ولئن شئت توضيح المرام بأزيد من ذلك فاسمع : بان ملاك [ عبادية ]

( 1 ) في الأصل هكذا : من وظائف العبودية ومن أبزاره .


231
العمل - قبال التوصليات - تارة [ بكونه ] اطاعة لأمره ، [ الذي ] يكون مقربيته ذاتية على وجه يستحيل انفكاكه عن المقربية .

وتارة [ بكونه ] من أدوات الخضوع لمولاه ، وهذا الصنف ليست [ مقربيته ] ذاتية بل [ هو مقتض ] للتقرب لولا نهي مولاه عنه ، فمع نهي المولى لا يخرج عن كونه خضوعا أيضا ، ولا عن [ كونه ] من [ أدوات ] العبودية ، ولكن يخرج عن [ كونه ] مقربا . ومن شأن هذا الصنف أيضا عدم [ جريانه ] إلا في مجعولاتمخصوصة عرفية وشرعية ، ولا يكاد ينطبق على كل عمل ولو [ كان مأمورا به ] .

بخلاف عنوان الطاعة فانه يجري في كل عمل امر به بلا اختصاصه بعمل دون عمل .

كما أن من شؤون الصنف الأول أيضا قابلية [ صدوره ] عن النائب ، بل ويصدر عمن يقصد عمله عن قبل غيره مع رضاء الغير به ولو تقديرا بلا انشاء توكيل منه ولا أمره به فيصير هذا العمل مقربا لغيره إلا ان ينهى الغير اياه عن اتيانه من قبله ، فانه حينئذ لا يكون مقربا له لمنع صدق الخضوع منه أيضا .

وهذا بخلاف الصنف الثاني فان حقيقة الاطاعة من المنوب [ لا تكون ] إلا بكون المنوب مامورا بعمل غيره ولو تسبيبا . وإلا فمع عدم التسبب وعدم اضافة ايجاد العمل إليه ولو تسبيبا لا يكاد يحصل له التقرب لعدم صدق الاطاعة على مثله في حقه ، بل ولا يكون هذا العمل مقربا للنائب أيضا لعدم أمر متعلق بالنائب .

ومجرد تنزيل النائب نفسه منزلة المنوب لا يقتضي توجه امره إليه حقيقة ، بل غاية الأمر ادعاء الأمر في حقه بالعناية والتنزيل وهو لا يجدي إلا في ادعاء مقربيته وتنزيله منزلة المقرب ، وهذا التنزيل لا اثر له عند العقل في حكمه باستحقاق المثوبة ، بل مورد حكمه هذا ليس إلا مورد صدق الاطاعة حقيقة والمقربية واقعا .


232

ومن هنا نقول إن النيابة في العبادات [ لا تتصور ] الا في الصنف الأول ، كما هو شأن كل عبادة . وإلا ففي الصنف الثاني لا مجال لمقربية العمل للمنوب عنه بل ولا للنائب كما عرفت آنفا .

وبعد هذه البيانات ووضوح ان العبادة القابلة للصدور عن النائبمنحصرة بالعبادة بالمعنى الأول نقول :

انه لو كان المراد من التعبدي في قبال التوصلي مطلق التعبدي القابل للصدور عن النائب أيضا أمكن في مثله دعوى امكان عدم اناطة الغرض القائم به بقربيته وعدم ملازمة التعبد به مع القربية كما أشرنا .

ولو كان المراد من التعبدي خصوص ما كانت عبوديته باطاعة أمره ولو لم يكن العمل بذاته من وظائف العبودية فلا محيص حينئذ إلا من ادخال ما هو صادر من النائب المقرب للمنوب عنه في التوصليات إذ حينئذ كل ما لم يكن تقربه إلا باطاعة أمره فهو من التوصليات لعدم واسطة بين التعبدي والتوصلي . وحيث لا اظن التزام ذلك من أحد فلا محيص من اختيار الشق الاول ، ولازمه حينئذ كما عرفت عدم ملازمة سقوط الغرض بكونه قربيا ، وحينئذ لابد وان يقال :

إن المعيار في التعبدية كون العمل بنفسه أو بعنوان اطاعة امره من وظائف العبودية ، قبال التوصلي وهو ما لا يكن من وظائف العبودية لا بنفسه ولا من جهة كونه معنونا بعنوان الاطاعة ، كما لا يخفى . هذا .

ولكن مع ذلك كله نقول :

إن بناء الأصحاب ليس على الاكتفاء في العبادات بمجرد كونها [ مقتضيات ] للقرب ولو لم [ تكن ] [ مقربات ] فعلا ولو لنهي عرضي متوجه [ إليها ] بشهادة أعلى صوتهم بفساد العبادة في فرض [ كونها ] ضدا للأهم منها مع الالتزام بان الأمر [ مقتض ] للنهي [ عن ] ضده . إذ مثل هذا الأمر عرضي محض


233
غير مناف لعبادية ما هو مجعول لوظيفة العبودية ولا لمصلحته لو فرض قيامها بنفس ذاته ، وانما هو مضر بقربيته .

فالتزامهم بفساد العبادة في هذه الصورة يكشف عن عدم التزامهم بقيام المصلحة الداعية على الأمر بها بنفس ذاتها ، بل إنما هي قائمة بها بقيد قربيتها .

وحينئذ فالتعبدي في كلماتهم قبال التوصلي ليس مطلق ما كان مقتضيا للقرب لمحض كونه من وظائف العبودية ، بل المراد منه ما كان مصلحته والغرض الباعث على الأمر به منوطا بقربيته فعلا .

بل لنا ان نقول أيضا بانه ليس بناؤهم على الاكتفاء بمقربيتها الذاتية ولو لم يكن في البين مانع عن مقربيتها . كيف ! ولازمه الاكتفاء باتيانها بداعي الشهوة ، إذ هذا المقدار لا يضر [ بقربية ] ما هو من وظائف العبودية ، إذ من [ دعته ] شهوته على الخضوع لمولاه ولو بتقبيل يده بداعي خضوعه له ولو كان محركه على هذا الخضوع شهوته كان متقربا لمولاه ، ولا يضر هذا المقدار بمقربيته الذاتية .

ومع ذلك ليس بناؤهم على الاكتفاء في مثل الصلاة والصوم وغيرهما - مع كونها من وظائف العبودية و [ مقربة ] ذاتا بشهادة تشريعها في نيابة العبادات - باتيانها خضوعا لمولاه ولو بداعي شهوته ، بل يحتاجون في مثلها الى التقرب بجهة زائدة عن مقربية ذواتها ، كما لا يخفى ، ولازمه قيام المصلحة في أمثالها على الفعل باتيانها بهذا النحو من التقرب [ غير ] المجامع مع اتيانها بداعي الشهوة .

ولا يرد عليه حينئذ بان لازم ذلك عدم صحة نيابتها ، إذ مع عدم الاكتفاء بقربيتها بنفسها والاحتياج الى قربيتها بعنوان آخر كيف يتصور ذلك في حق النائب عن الميت ، لما عرفت من انه لم يكن في البين جهة قابلة للتقرب بداعيها عن الميت .


234

قلت : من الممكن التفكيك في القرب الدخيل في المصلحة بين مراتبه بالاضافة الى الحي والميت ، وان ما هو دخيل في المصلحة في الأحياء هو الفعل القربي بجهة زائدة حتى في وظائف العبودية ، وفي غير الأحياء مجرد اتيان الوظيفة المخصوصة على وجه قربيته من قبل نفسه لغيره عند اتيانه عن قبل الغير .

وحينئذ فلك ان تقول : إن للقرب مراتب ، بمرتبة منه يجدي في فعل النائب عن الميت وبمرتبة اخرى زائدا عن هذه المرتبة يحتاج إليه في حق الأحياء .

وعلى اي تقدير : مصلحة العبادي منوطة بالقربة الفعلية ليس إلا .

وحينئذ فلا محيص في تعريف التعبدي أن يقال بما قالوا ، ولازمه كون القربية قيدا شرعيا لا عقليا ، لان المدار في القيود الشرعية على دخلها في [ الغرض ] بنحو يكون تفويتها تقصيرا مستتبعا لاستحقاق العقوبة ومن المعلوم ان العقل قاصر عن درك هذا المعنى ، فلابد وأن يكون بيانه بيد الشرع ليس الا .

نعم ما يدركه العقل مستقلا هو دخل القربية في استحقاق المثوبة ، وفي مثل ذلك لا يكون [ أمرا ] وضعه ورفعه بيد الشرع . بل لو بين ذلك كان من باب الارشاد الى حكم العقل محضا . ولكن هذه الجهة غير مرتبطة ، بعالم دخله في الغرض . كيف ! وهو جار حتى في التوصليات كما لا يخفى .

وبعد ما اتضح هذا الامر [ نقول ] :

ان الجهة الزائدة عن قربيتها الذاتية الاقتضائية الموجبة لمرتبة اخرى من القرب تتصور في طي مراتب اخرى :

إذ تارة يتصور القرب بداعي رجحان العمل عقلا المعبر عنه بداعي حسنها المحرز لدى المولى جزما .

واخرى بداعي رجحانه شرعا المعبر عنه بداعي محبوبية العمل لدى الشرع .


235

وثالثة بداعي ارادتها الفعلية الذي هو مضمون أمره وهو المعبر عنه بداعي أمره .

ورابعة بداعي كون مولاه مستحقا للعبودية مع فرض كون العمل من وظائف العبودية ذاتا [ أو ] جعلا .

واما اتيان العمل بداعي تحصل الثواب أو الفرار عن العقاب فلا محيص في العبادات من سبق داع آخر والا فيستحيل اتيانها بهذا الداعي إلا لغفلة وذهول ، وهو مما لا يعبأ به .

ثم ان الظاهر الاكتفاء بكل واحد من هذه المراتب في قرب العبادي الزائد عن قربه الذاتي الاقتضائي .

كما ان الظاهر أيضا امكان أخذ المرتبة الاولى والاخيرة في حيز الأمر والارادة ولو شخصية .

نعم في أخذ القرب بالمرتبتين الاخيرتين من دعوة المحبوبية أو الامر شخصا اشكال مشهور ، وعمدة وجه الاشكال استحالة أخذ ما هو من شؤون الأمر في موضوعه .

وتوضيح الاشكال بأزيد من ذلك بان يقال : إن من المعلوم ان ما هو موضوع للامر ملحوظ في رتبة سابقة عنه ، ومن البديهي ان ما هو ملحوظ في الرتبة اللاحقة يستحيل في هذا اللحاظ [ ان ] يرى في الموضوع الملحوظ سابقا .

وحينئذ فكما ان الحكم والأمر يرى لاحقا كذلك العلم بالأمر ايضا يرى لاحقا عن الأمر ، وكذلك ما هو من شؤون هذا العلم كدعوته أيضا يرى في المرتبة اللاحقة عن المعلوم من الأمر ، وحينئذ يرى جميع هذه المراتب كنفس الأمر في المرتبة اللاحقة عن الموضوع .

وحينئذ فيستحيل أخذ كل واحد من هذه المراتب في موضوع هذا الأمر لان ما يراه العقل في الرتبة المتأخرة يأبى عن ان يأخذه في الرتبة السابقة عنه .


236

وبهذه الجهة نقول : إن العقل يأبى أن ياخذ العلم بحكم الشئ في موضوع هذا الحكم ، وذلك لا من جهة ما توهم من توقف الحكم على العلم بنفسه ، والعلم بنفسه على الحكم وهو دور ، لإمكان دفعه بمنع التوقف الثاني لإمكان تخلف العلم عن المعلوم .

بل عمدة الوجه هو ان العقل يرى العلم بالشئ في الرتبة اللاحقة عن الشئ لحاظا لا واقعا ، فكأنه يرى الشئ موضوع علمه ومتعلقه ، وفي هذا النظر يرى المعلوم سابقا عن علمه ، ومع هذا اللحاظ يأبى عن ان يأخذ العلم به في موضوع نفسه ، إذ لازمه كون العلم به مقدما عليه رتبة في نظره مع انه مؤخر عنه في لحاظه .

وبعين هذا المناط أيضا يأبى عن الأخذ في الموضوع ما هو من شؤون هذا العلم من الدعوة ، وحينئذ فمجرد كون الدعوة من تبعات العلم بالأمر لانفسه واقعا لا يصحح الأخذ في الموضوع ولا يرفع الاشكال .

ولئن اغمض عن هذه الجهة وبنينا على عدم مانع في اخذ ما هو من تبعات العلم بالأمر في موضوعه لا يبقى مجال لاشكال آخر :

من ان لازم أخذ الداعي في حيز الأمر كون الأمر محركا الى محركية شخصه ، ومرجعه الى كون الشئ علة لعلية نفسه .

إذ لنا حينئذ ان نقول إن ما يلزم في المقام محركية العلم بالأمر بالدعوة للعلم بالأمر المتعلق بالذات إذ الأمر المتعلق بالجميع وان كان واحدا ولكن بملاحظة قابلية التحليل بقطعة متعلقة بالذات وقطعة اخرى متعلقة بالدعوةكان العلم بكل قطعة علما على حده فأحدهما محرك لمحركية الآخر ، وحينئذ من أين يلزم محركية الأمر الى محركية نفسه كي يجئ ما ذكرت من المحذور ؟ ! .

وأضعف من هذا التقرير توهم آخر من ادخال المقام في صغريات القضايا الحقيقية من كون الحكم منوطا بفرض وجود الموضوع خارجا بنحو يصير


237
خارجيا ولازمه أخذ الحكم في موضوعه المفروض وجوده في رتبة سابقة عن حكمه .

وتوضيح الفساد بان جعل الأحكام [ المتعلقة ] بأفعال المكلفين من القضايا الحقيقية واضح الفساد إذ في فرض وجود الموضوع خارجا يرى العقل سقوط الحكم لا وجوده ، وانما يصح تصوير القضايا الحقيقية على فرضه بالنسبة الى متعلقات الأفعال التي هي بمنزلة شرايط الأحكام كالخمر والعالم وأمثالها لا بالنسبة الى فعل المكلف الذي هو معروض الحكم .

وكيف كان الأولى تقرير الاشكال بنحو [ ما ذكرنا ] .

وبعدما ذكرنا من البيان أيضا لا يرد عليه بان ما هو متأخر عن الحكم هو الداعي بوجوده خارجا وإما هو مقدم عليه الداعي بوجوده ذهنا وهما مختلفان .

وتوضيح الضعف بان عمدة المحذور كون الداعي علاوة عن تأخره خارجا يرى في عالم اللحاظ أيضا متأخرا ومع تأخره عن الأمر لحاظا كيف يعقل ان يرى في موضوعه المرئي سابقا ؟ ! .

وأضعف من هذا الجواب توهم أخذ الداعي طبيعة لا شخصا كي يلزم محذور لحاظ اللاحق في السابق .

ووجه الضعف هو ان لازم لحاظ الداعي الشخصي من شؤون الأمر ومتأخرا عن الموضوع لحاظ شخص هذا الفرد خارجا عن دائرة الطبيعة وهويلازم لحاظ الطبيعة في دائرة لا يشمل هذا الفرد ، وهو بمنزلة تخصيص الطبيعة بغيره ، وما هذا شأنه يستحيل انطباق الطبيعة عليه كما لا يخفى .

وبالجملة نقول : ان من جهة هذه الشبهة ذهب جل من الفحول الى امتناع أخذ هذا القيد وأمثاله في حيز الأمر والخطاب الواحد .

وهم بين من التزم بعدم تعلق الخطاب إلا بذات العمل مع عدم تعلق الأمر بالقيد إلا ارشادا الى حكم العقل بالاتيان .


238

وبين من التزم بأخذ القيد في طي خطاب وأمر آخر غير الخطاب بذات العمل .

وعمدة منشأ هذا الاختلاف هو ان هذا القيد مثل سائر القيود الشرعية محتاج الى البيان ؟ أم يكفي لبيانه حكم العقل بلزوم اتيانه من قبل تمامية البيان للأمر بنفس الذات ؟ وسيجئ توضيحه عن قريب ان شاء الله .

هذا كله مما استفدته من كلمات الأعلام ولكن لنا كلام مع هؤلاء الأعاظم قدس الله أسرارهم ، وتوضيحه يقتضي رسم مقدمة [ وهي ] : ان شخص انشاء الأمر الوارد في شخص الخطاب : تارة يراد منه ابراز شخص الارادة القائمة بموضوع الأمر ومادته . واخرى يراد سنخه ، ففي الثاني :

تارة يراد منه السنخ الموجود في ضمن أفراد [ عرضية ] نظير الأمر بكل طبيعة سارية كأكرم العالم فان من شخص هذا الانشاء اريد سنخ الوجوب القائم بطبيعة العالم السارية في ضمن أفراد [ عرضية ] ، ولذا يقال بان مثل هذا الخطاب قابل للانحلال بخطابات متعددة بعدد أفراد الطبيعة ومنه أيضا الانشاء المتعلق بالعمومات الاستغراقية .

وتارة يراد منه السنخ الموجود في ضمن أفراد طولية وذلك أيضا :

تارة يكون طولية الحكم بملاحظة طولية أحد الفردين للآخر ذاتا حسب معلولية أحدهما عن الآخر وذلك كما في قوله : ( إذا دخل الوقت وجب الصلاة والطهور ) ( 1 ) حيث إن وجوب الطهور من جهة كونه معلول وجوب الصلاة - نظرا الى علية كل وجوب نفسي لوجوب مقدمته الغيري - كانا [ فردين ] من الوجوب في طول الآخر ومع ذلك من انشاء " وجب " اريد سنخ الوجوب الموجود في ضمن الفردين الطوليين .

( 1 ) وسائل الشيعة 1 : 261 ، الباب 4 من أبواب الوضوء ، الحديث 8 ، مع اختلاف يسير .


239

واخرى تكون طولية أحد الفردين للآخر من جهة اناطة موضوعه على قيام الفرد الآخر من الحكم على موضوع آخر وذلك مثل قوله ( وجب تصديق العادل ) الشامل باطلاقه للافراد الطولية من مثل الأخبار مع الواسطة حيث إن موضوع هذا الانشاء كل خبر لمؤداه أثر فإذا فرض صيرورة موضوعية الخبر بالواسطة لهذا الانشاء منوطة بشمول شخص حكم آخر وفرد وجود للفرد السابق الذي هو محكي هذا الخبر فقهرا يصير الوجوب المتعلق به فردا [ آخر ] من الوجوب في طول الفرد السابق ففي ذلك المورد اريد من الوجوب سنخ من الوجوب الموجود في ضمن أفراد طولية حسب دخل الفرد الآخر في موضوع هذا الفرد ولا ضير فيه أبدا ، وبمثله ينحل الاشكال المعروف في باب الخبر بالواسطة .

وحيث اتضح ذلك نقول في المقام أيضا : انه لو اريد من انشاء الأمر سنخ من الوجوب الموجود في ضمن الفردين الطوليين - بملاحظة دخل قيام أحد الفردين بموضوعه ، وهو الذات ، في تحقق موضوع الآخر ، وهو دعوة الأمر به - فلا ضير حينئذ في أخذ مثل هذا القيد في حيز شخص هذا الخطاب المشتمل على شخص هذا الانشاء .

وإنما المحذور كل المحذور في المقام وفي باب الاخبار مع الواسطة في صورة ارادة شخص الوجوب أو الارادة من مثل هذا الانشاء أو السنخ المتحقق في ضمن أفراد [ عرضية ] .

وهذا [ هو ] الذي أوقعهم في المقام وفي الأخبار مع الواسطة في حيص وبيص ، وإلا فلو دققوا النظر وفتحوا البصر في المقامين وجعلوهما من وادي انشاء سنخ الحكم الموجود في ضمن أفراد طولية [ لم ] يرد عليهم محذور ولا محتاجين في المقام - بناء على شرعية قيد دعوة الأمر - الى تعدد خطاب وتكرار انشاء وجوب ، بل للمولى ان ينشئ وجوبا متعلقا بالذات عن دعوة مفاد أمره من الوجوب .

وحينئذ فلنا ان ندعي بانه بعد امكان أخذ مثل هذا القيد في حيز شخص


240
انشائه المتعلق بالذات أيضا ففي صورة لم يؤخذ مثل هذا القيد في حيز الخطاب فلا بأس بالأخذ باطلاق الخطاب لنفي مثل هذا القيد القابل لأخذه في حيزه بناء على التحقيق - كما سيجئ ان شاء الله تعالى - من ان مثل هذا القيد أيضا محتاج الى البيان عند دخله في [ الغرض ] .

والا فلو بنينا على ان المرجع في مثلها لزوم الاحتياط بحيث يكفي لتنجز التكليف بها مجرد تمامية البيان في الأمر بنفس الذات أمكن دعوى عدم اقتضاء اطلاق الخطاب أيضا نفي قيديته ، لإمكان اتكال الشارع في بيانه الى حكم العقل بلزوم تحصيله عند تنجز الأمر بنفس الذات كما هو ظاهر .

لا يقال إن شخص هذا الخطاب لا محيص من دعوته حتى في التوصليات نظرا الى أن شأن الأمر المولوي بأي شئ هو الدعوة غاية الأمر [ لا تكون ] هذه الدعوة [ دخيلة ] - في التوصليات - في المصلحة بخلاف العبادات وما هذا شأنه كيف له اطلاق يشمل حال عدم الدعوة ؟ ! بل مهما تحقق يكون توأما معالدعوة وان لم يؤخذ مثله في حيزه .

لانه يقال : إن هذه الدعوة التي تكون من لوازم وجوده ربما [ ليست مأخوذة ] في المصلحة بل هي من الامور العقلية التي شأن الشارع ليس [ بيانها ] ، وما هو شأنه بيانه هو الدعوة الدخيلة في المصلحة ، والعقل لا يحكم بأن ما هو من لوازمه عقلا دخيل في مصلحة أمره مطلقا .

وحينئذ يحتاج بيان هذه الجهة الى أخذه في حيز خطابه ، فمع عدم أخذه يحكم - باطلاق الخطاب وتجريده عنه - بعدم دخله في المصلحة .

فكان ما نحن فيه من هذه الجهة نظير القدرة الملازمة عقلا لفعلية الخطاب ، ومع ذلك عند تجريد الخطاب عنه يستكشف - باطلاق الخطاب - عدم دخله في المصلحة .

ولئن شئت فعبر في المقامين باطلاق المادة أيضا فتدبر .


241

ومن هذا البيان ظهر أيضا فساد زعم عدم جواز التمسك باطلاق الخطاب لدفع قيدية دعوة الأمر ببيان :

ان هذا ليس تقييدا في دليل تلك العبادة حتى يدفع باطلاقها . إذ ذلك الكلام أيضا من فروع زعم أن المنشأ بهذا الانشاء شخص وجوب قائم بموضوعه .

والا فعلى ما ذكرنا [ يصلح ] الخطاب للتقيد به فيكون مثل هذا القيد أيضا قابلا لتقيد الخطاب الشخصي [ به ] فيدفع حينئذ باطلاقه .

نعم لو بدل هذا البيان ببيان آخر من امكان اتكال الشارع في بيانه الى حكم العقل بلزوم تحصيله عند تنجز الأمر والخطاب بنفس الذات - كما هو شأن من ذهب الى الاحتياط في مثل هذه القيود عند الشك ، لكان أمتن .

إذ قصور الخطاب في اطلاقه حينئذ من جهة احتمال اتكاله في بيان القيد الى حكم العقل بلزوم تحصيله ، وهذه الجهة غير [ مرتبطة ] بعالم عدم قابليته لتقييد به كي يرد عليه ما ذكرنا فتدبر .

هذا كله حال الاطلاقات لفظيا .

وفي المقام تقريب آخر للاطلاق بدعوى ان هذا القيد لما كان مغفولا عنه عند العرف في محاوراتهم فعند تجريد الخطاب منه لا ينسبق الى أذهانهم إلا كفاية مجرد الاتيان بالمأمور به في الوفاء بالغرض .

ففي هذه الصورة لو لم ينبه المولى الى القيد لنقض غرضه فالعقل يحكم حينئذ بعدم دخله فيه .

ومثل هذا التقريب يسمى في كلماتهم بالاطلاق المقامي ، وهو أوسع من التقريب الأول الراجع الى الاطلاق اللفظي من جهة ، وأضيق منه من جهة .

وجه أوسعيته انه يجري حتى على مسلك جعل مفاد الخطاب حكما شخصيا غير قابل للاطلاق كعدم قابليته للتقييد حيث إنهما متضايفان .


242

ووجه [ أضيقيته ] بملاحظة اختصاصه بامور [ تكون ] غالبا مغفولا [ عنها ] عند العرف ، والا فلا مجال لاتمام هذا التقريب .

وحينئذ ربما أمكن الجمع بين كلمات شيخنا العلامة في رسائله حيث منع من الأخذ بالاطلاقات في مقام واتكل بها في مقام آخر [ بحمل ] الاول على اللفظي والآخر على المقامي على ما وجه به بعض الأعاظم من المحشين .

ولكن الذي يمكن أن يقال على التقريب الثاني هو ان ذلك صحيح في كل اطلاق وارد قبل معهودية العبادات في شرعنا ، وإلا فبعد معهوديتها لا يبقى للغفلة عن مثل هذا القيد مجال .

ومجرد عدم معهوديته في محاوراتهم لا يقتضي الغفلة عنها في الشرعيات بعد فرض معهودية عباداته .

وحينئذ لا يكون في البين إلا الاطلاقات اللفظية بالتقريب المتقدم على المبنى المقدم كما لا يخفى . هذا كله بمقتضى الدليل الاجتهادي .

وأما بحسب الأصول العملية ، فنقول :

إنه قد يتوهم بان المرجع في المقام هو الاحتياط - وان بنينا على البراءة في الأقل والأكثر - نظرا الى اشتغال الذمة في المقام بالصلاة ولا يحصل الفراغ إلا باتيانه بداعي القربة بخلافه في الأقل والأكثر إذ الاشتغال بالأكثر غير ثابت ولو لانحلال العلم الاجمالي .

أقول : إن ثبوت الاشتغال بالصلاة في المقام بعد احتمال دخل القيد في الغرض مساوق ثبوت الاشتغال بالأقل في باب الأقل والأكثر .

كما أن دخل وجود القيد في الجزم بالفراغ عن الأمر بذات الصلاة في المقام كدخل وجود الجزء المشكوك في الفراغ عن التكليف بالأقل في ذاك الباب .

وعليه فهذا التقريب من الاحتياط في المقام مستتبع لجريانه في الأقل والأكثر أيضا فلا مجال للتفكيك بينهما من هذه الجهة .


243

ولئن شئت توضيح الشبهة بأزيد من ذلك فاسمع : بأن لازم دخل كل قيد في الغرض كون دخل بقية الأجزاء فيه دخلا ضمنيا لا مستقلا ، ولازم الضمنية قيامه بكل واحد حين انضمام القيد به ، لا مطلقا ، ويستتبع ذلك قيام التكليف به على نحوه ؛ لفرض تبعية التكليف من حيث الاطلاق وعدمه لكليفية قيام المصلحة به .

وحينئذ فان أمكن أخذ القيد في متعلق التكليف فقهرا ينبسط التكليفعلى الذوات المفروضة مع تقييدها بالقيد .

واما إن لم يمكن أخذه فيه فقهرا المصلحة القائمة به بنحو الضمنية يوجب توجه الأمر الى الذوات محضا ولكن بلا اطلاق فيه ولا تقييد . ونتيجته وجوب الذوات في حال الانضمام الى القيد لا مطلقا ولا مقيدا وهو المعبر [ عنه ] في ألسنتنا بالقضية الحينية لا مطلقة ولا مشروطة .

وحينئذ لا يقتضي استقلال الأمر بنفس الذات في أمثال المقام مصلحة مستقلة قائمة بها وراء الغرض القائم بالمقيد كما توهم ، إذ هو كذلك لو كان الأمر بها بنحو الاطلاق بوجه شامل لصورة فقد القيد أيضا .

وإلا فلو كان الأمر المتعلق بذوات الأفعال لا اطلاق له بالنحو المزبور ، بل كانت الذوات متعلقة للأمر في حال انضمامها الى القيد بلا اطلاق ولا تقييد ، يكفي في مصلحة الأمر صرف المصلحة القائمة بالذوات المقيدة ضمنا ، غاية الأمر إباء الأمر عن التقييد أوجب قصره بنفس الذات بنحو قيام المصلحة الضمنية به من الذات المهملة التوأم مع القيد لا مطلقا ولا مقيدا ، كما لا يخفى .

ومن هذا البيان ظهر فساد خيال آخر وهو أن المصلحة المستقلة القائمة بالذات لا يحصل بمجرد اتيان الذات بلا قربى نظرا الى عدم كون الاتيان بالذات علة لحصوله بل كان مقتضيا .

وتوضيح فساده بأن عدم حصول المصلحة القائمة بنفس الذات ان كان


244
من جهة ملازمته في الوجود مع المصلحة القائمة بالقربية فمرجعه الى عدم قيامها بالذات مطلقا بل به توأما مع القربة .

وحينئذ تكفيه المصلحة الواحدة القائمة بالمجموع بلا احتياج الى مصلحة اخرى لان مصلحة كل مقيد ومركب قائمة بنفس الذوات التوأمة فيالوجود مع غيره كما شرحنا .

وبالجملة نقول : إن في العبادات والتوصليات ليس إلا مصلحة واحدة غاية الأمر في التوصليات قائمة بالذوات المطلقة ولذا [ تكون ] الارادة القائمة به [ مطلقة ] وان لم يكن الخطاب به كذلك لعدم انفكاكه عن الدعوة كما هو شأن كل أمر مولوي ، بخلافه في التعبديات حيث إن المصلحة قائمة بالمقيد المستتبع لتقطيع الارادة بقطعة قائمة بنفس الذات وقطعة اخرى قائمة بالقيد . والعمدة في التقطيع المزبور عدم امكان أخذ القيد في حيز الخطاب كما هو ظاهر .

وبعد هذا البيان يتضح تقرير حكم العقل بالاشتغال بأن خروج العهدة عن بقاء الأمر في المقام وكذا من بقاء الأمر بالأقل في باب الأقل والأكثر ليس إلا باسقاط أمرهما المنوط باتيان ما في عهدة المأمور من حصة من الذات المهملة التوأم مع المشكوك على فرض دخله ، وبديهي أنه لا يحصل الجزم به إلا باتيان المشكوك .

ومن هنا ظهر بطلان توهم ثالث من أوضحية التزامه في المقام عن التزامه في الأقل والأكثر إذ ذلك كله مبني على زعمه السابق من تعدد المصلحة والجعل في المقام دون الأقل والأكثر .

إذ بعد وضوح فساد المبنى يتضح فساد هذا الخيال أيضا ، ويظهر بأن مناط الاشتغال أو البراءة في البابين واحد بلا فرق بينهما أبدا كما بينا .

وحينئذ العمدة في المقام دفع الشبهة التوأمية في البابين فنقول وعليه التكلان :


245

أولا ان المراد من الحصة المستعملة في لساننا :

تارة يراد منه مرتبة من الطبيعي المغايرة للمرتبة الاخرى المسماة بحصةاخرى كالحصص الموجودة في ضمن الأفراد للكلي المتواطي .

وتارة يراد مرتبة من الطبيعي معينة بنفس ذاته ولكن مقيدة بالوجدان لغيره قبال هذه المرتبة [ بعينها ] المطلقة الشاملة للأعم من الواجد للقيد أو فاقده .

ومن المعلوم ان هذه الحصة [ لا تكاد تتغير عما عليها ] من الحدود الذاتية لها ولا مما به قوام كونها مرتبة من الطبيعي ، وانما [ تتغير ] بفقدان القيد ووجد انه جهاتها العرضية الخارجة عن ذاتها بخلاف الحصص الموجودة في ضمن أفراد المتواطي فانها بفقد قيدها ينقلب مرتبة الطبيعي بمرتبة اخرى بلا انخفاظ المرتبة المخصوصة في الواجد بالنسبة الى الفاقد .

وحيث اتضح ذلك نقول :

مرجع اشتغال الذمة بالحصة التوأمة مع القيد مجئ ذات الحصة بخصوصياته وحدوده في الذمة .

ومرجع اطلاق هذا الذات مجئ نفسه في الذمة بلا اقترانه بشئ آخر .

وحينئذ فمع الشك في دخل القيد في الغرض يشك بان ما في العهدة هو نفس الذات فقط أو هو مع القيد . والعقل لا يحكم بالفراغ إلا عما اشتغلت الذمة به يقينا . والمفروض عدم التعين بمجئ العهدة أزيد من هذا الذات .

واحتمال [ توأميته ] مع غيره لا يوجب تغييرا في ذاته وحدود نفسه وإنما يوجب احتمال مجئ شئ آخر في عهدته أزيد من هذا الذات .

وهذا الاحتمال لا يكون مورد حكم العقل بالفراغ لعدم تمامية بيانه .

كما ان احتمال عدم سقوط التكليف المستند باحتمال دخل القيد في الواجب أيضا لا يكون مما يعتني به العقل ؛ إذ مرجع عدم سقوط التكليف حينئذ الى ملازمة التكليف بالذات مع التكليف بالقيد الذي ما تم له البيان .


246

ومعلوم أن هذه الملازمة أيضا ليس مورد اهتمام العقل بتحصيله مع الشك به .

ولازمه عدم اهتمام العقل بالشك بالسقوط المستند الى الشك بالملازمة المزبورة ، وإنما همه تحصيل الجزم بالسقوط عما جاء في عهدة المكلف ، وهو ليس أزيد من الذات محضا .

ولئن شئت قلت : بأن مجرد سقوط التكليف واقعا ليس هم العقل وإنما همه سقوط ما أوجب التكليف مجيئه في عهدة المكلف وفي المفروض في المقام وباب الأقل والأكثر ما أوجب التكليف إلا مجئ الذات ، والمفروض أنه يأتي بحدوده الذاتية كما لا يخفى . فالزايد من القيود المشكوكة ليس إلا [ تحت ] البراءة الأصلية والله العالم .


247

المقالة السادسة عشر

المرة والتكرار

248

249

[ المقالة السادسة عشرة ]

ان صيغ الأوامر هل تقتضي الاتيان بالمأمور به مرة ؟

أو [ تقتضي ] تكرارا ، أو [ لا تقتضي ] شيئا منهما ، بل العقل حاكم بالاكتفاء بالمرة في مورد وعدمه اخرى ولو من جهة اختلاف المراد من الصيغ حسب اختلاف المقامات ؟ .

المشهور هو الأخير وأظن ارجاع الأولين إليه أيضا بملاحظة نظر كل طائفة الى اقتضاء الصيغ في مورد معنى لا يحكم العقل فيه إلا بالاكتفاء بالمرة وفي مورد آخر يقتضي معنى لا يحكم العقل إلا اتيانه مكررا ، غاية الأمر اخطأوا فيتسرية ما فهموه على طبق مرامهم في كل مورد والتزموا بما التزموه على الاطلاق ، والا ففي غاية البعد منهم أخذ القيدين في مدلول الصيغ مع إباء [ مادتها وهيئتها ] عنه كما لا يخفى . وبالجملة نقول :

إن الظاهر من العنوان كون المراد من القيدين الدفعة والدفعات لا الوجود والوجودات .

وعلى اي تقدير [ لا ترتبط ] المسألة بباب تعلق الأمر بالطبيعة أو الأفراد بخيال انه من تبعات تعلق الأمر بالفرد فانه حينئذ ينازع بأن المراد فرد واحد أو الافراد ، إذ على تقدير كون المراد الدفعة والدفعات الأمر واضح لملائمته مع تعلق الأمر بالطبيعة أيضا .


250

كما انه بناء على المعنى الآخر أيضا يجئ هذا النزاع على الطبيعة بملاحظة قابلية الطبيعة لوحدة الوجود وتكرره الآبي عن دخل الخصوصية في المطلوب ، وهذه الجهة غير مرتبطة بعالم الفرد الملازم لدخل الخصوصية الفردية في متعلق طلبه .

كما أن هذا البحث غير مرتبط بالبحث الآتي من اقتضاء الأمر للإجزاء وعدمه ، إذ البحث الآتي في أن كل مطلوب يقتضي الإجزاء أم لا ؟ وهذا البحث في أن المطلوب اي مقدار ؟ ولا يرتبط أحدهما بالآخر . وكيف كان نقول :

إن عمدة نظر القائل بالمرة الى الأمر بالموقتات في وقتها والأمر بالحج وأمثالها حيث لا يجب إلا مرة ، ونظر القائل بالتكرار الى الأمر بالصلاة بلحاظ الأيام ، وصوم رمضان بلحاظ السنوات وأمثالها ولا يكاد يطرد كلام كل واحد في كل مورد .

وجواب كل واحد معلوم من امكان كون المراد من الصيغة بمادتها صرفالطبيعة في الأول الملازم لحكم العقل بالاكتفاء بالمرة وكون المراد في الثاني من المادة الطبيعة السارية الملازم عقلا لعدم الاكتفاء بمرة واحدة ، بلا كون المرة في الأول ولا التكرار في الثاني مأخوذا في مدلول الصيغة .

ومن هذه الجهة ذهب المشهور الى عدم أخذ واحد من القيدين في مدلول الصيغة وانما هما من تبعات حكم العقل في أخذ المادة صرف الطبيعة أو الطبيعة السارية .

ومن هنا نقول : إن طبع مقدمات الحكمة أيضا يقتضي كون المراد من المادة صرف الطبيعة إلا إذا كان في البين قرينة - ولو بمثل مناسبة الحكم مع الموضوع - [ على ] كون المراد الطبيعة السارية .

ومن هذه الجهة ربما تقول : إن الأصل في الأوامر الإجزاء بالمرة الى ان يثبت الخلاف .


251

نعم في المقام اشكال آخر وهو : ان هذا الأصل ربما انقلب في النواهي الشرعية النفسية حيث إن الأصل فيها كون المراد من مادتها الطبيعة السارية بشهادة عدم سقوط النهي بالعصيان . وحينئذ يبقى مجال السؤال عن الفرق بين الأمر والنهي بأنه : لم صار الأصل في الأمر المرة وفي النهي التكرار ؟ .

وقد يجاب بأن مناسبة المفسدة للطبيعة السارية والمصلحة لصرف الطبيعة أوجب الفرق بينهما . وهو كلام ظاهري لالتيام كل من المصلحة والمفسدة لكل نحو من الطبيعة .

والأولى أن يقال : إن طبع اطلاق المادة في المقامين وان كان مقتضيا لموضوعية صرف الطبيعة ولكن اطلاق الهيئة بمفادها يقتضي سعة الطلب أو الزجر المناسب قيامهما بالطبيعة السارية .

وعمدة النكتة الفارقة بين الاطلاقين هو ان الاطلاق في طرف المادة إنما يجري في طرف موضوعية الحكم وهو منحصر [ بما ] قبل وجوده .

فمركز هذا الاطلاق ليس إلا نفس الطبيعة .

وبديهي أن سعة الطبيعي إنما هو بسعة قابليته للانطباق على أي مرتبة من وجودها قليلا كان أو كثيرا .

ولذا لا يقتضي هذا الاطلاق إلا قابلية وجودها في ضمن فرد واحد ، فلذا يجتزي العقل من قبل اطلاقه بفرد واحد .

وهذا بخلاف الاطلاق في مدلول الهيئة إذ اطلاقه إنما يجري في الطبيعة المنطبقة على الوجود وفارغا عن انطباقه .

وحينئذ مركز هذا الاطلاق الطبيعة الموجودة .

ومعلوم ان سعة الطبيعة الموجودة بسعة وجودها والطلب بهذه السعة لا يناسب تعلقه بصرف الطبيعة القابلة للانطباق على وجود واحد ، إذ الوجود الواحد غير متحمل لسعة الطلب إلا من حيث الشدة لا حيثية [ اخرى ]


252
فالمناسب للسعة حتى من الحيثية الاخرى ليس الا الطبيعة السارية ، وحيث [ إن ] الأمر كذلك فنقول :

لازم الاطلاقين وقوع تزاحم بين مدلولي الهيئة والمادة ، وعليه فنقول : إن المادة لما [ كانت ] في عالم الخارج معلول الهيئة فيحسب قهرا من تبعاتها ولا ينظر الى موضوعية المادة في عالم لحاظه كي [ تصير ] الهيئة من تبعات المادة .

ومقتضاه حينئذ تقديم اطلاق الهيئة وكشف الطبيعة السارية من المادة إلا إذا كان في البين محذور آخر وحينئذ نقول :

إن تقديم الهيئة على المادة في النواهي مما لا محذور فيه للقدرة على التروكبقول مطلق فلا يرى العقل محذورا في الترجيح المزبور .

وهذا بخلاف الأوامر فان محذور وقوع المكلف فيما [ لا يطاق ] من أعظم المحاذير ،

ولذا صار المرتكز في الأذهان تقديم اطلاق المادة فيها على الهيئة للمحذور المغروس في الذهن ، بل وربما يؤخذ باطلاق الهيئة أيضا فيها فيما لا محذور فيه ، ولذا ربما يختلف أيضا دلالة الأمر على مطلوبية الطبيعة السارية أو صرف الوجود حسب اختلاف المقامات كما لا يخفى .

وبعين هذه النكتة أيضا ربما نستفيد في كثير من المستحبات أيضا الطبيعة السارية المستلزم لتقديم الهيئة فيها على المادة لعدم المحذور المزبور فيها كما لا يخفى .

ولنا في المقام بيان آخر - في وجه التفرقة بين الأوامر والنواهي - لعله أمتن من البيان السابق وهو :

ان لفظ المادة بعدما كان موضوعا للطبيعة المهملة وبينا أيضا أن الطبيعة المهملة لا يكون لها وجود مستقل بل هو معنى محفوظ في ضمن صور متعددة : من صرف الطبيعة الساذجة ، أو المخلوطة بقيد زائد داخلي مثل سريانه في ضمن


253
أفراده ، أو خارجي كسائر قيوده من مثل قيامه وقعوده .

وإذا فرض اقتضاء مقدمات الحكمة كون ما هو مدلول اللفظ تمام الموضوع لازمه قيام تمام الحكم الشخصي بما هو مدلول اللفظ .

وحينئذ بعد ما كان هذا المدلول في ضمن صور متعددة فان كان الحكم المزبور ايجابيا مقتضيا لوجود موضوعه فمع صدق الموضوع مع الطبيعة الساذجة الصادقة على وجود واحد العقل يجتزي بامتثاله في ضمن أول الوجودات ، إذبوجوده يصدق تحقق الطبيعة المهملة المحفوظة في ضمن صور عديدة القابلة للانطباق على الطبيعة الساذجة أيضا .

وبعد تحقق اول وجودها يسقط الطلب لفرض تحقق تمام موضوعه . وان كان الحكم المزبور سلبيا مقتضيا لإعدامها فلا شبهة في أن اعدام الطبيعة المهملة بإعدام جميع صورها .

ومن الصور الطبيعة السارية ، ومعلوم ان اعدام الطبيعة السارية لا يكون الا باعدامها ولو بعد وجودها ، ولذا لا يسقط النهي بعد عصيانه .

وحينئذ عمدة وجه التفرقة بين المقامين بعد اشتراك الطرفين في التعلق بالطبيعة المهملة وان تمام الموضوع هذه الطبيعة المحفوظة في ضمن الصور :

ان الحكم الايجابي لا يقتضي إلا وجود هذه الطبيعة والعقل حينئذ يكتفي ولو [ بوجودها ] في ضمن احدى الصور التي منها الطبيعة الصرفة الساذجة القابلة للانطباق على أول الوجودات .

والحكم السلبي لا يقتضي إلا ترك هذه الطبيعة المهملة المحفوظة في ضمن صورها ، وترك هذه الطبيعة لا يكون إلا بترك جميع صورها في الخارج الذي من جملتها الطبيعة السارية الملازمة لترك الطبيعة ولو بعد وجودها ، إذ لو لم يترك لما صدق حينئذ ترك الطبيعة المحفوظة في ضمن الطبيعة السارية أيضا ، إذ لا يصدق ترك الطبيعة السارية إلا بترك افرادها المتعاقبة .


254

وحينئذ فعمدة المحذور في وجه الفرق وعمود الاشكال في التسوية بين الأمر والنهي خيال تعلق الأمر والنهي بالطبيعة الصرفة قبال السارية فانه لا يبقى حينئذ مجال فرق بينهما ، إذ الموضوع في المقامين لو كان خصوص الطبيعة الصرفة لا محيص من سقوط النهي أيضا بأول وجودها لصدق وجود تمام موضوع المبغوضبمجرد ذلك ، فلا يبقى حينئذ مجال لمبغوضية وجود الطبيعة بعد وجودها لعدم قابلية الطبيعة الصرفة للانطباق بعد الانطباق .

وأما لو جعل مركز الأحكام الطبيعة المهملة المحفوظة في ضمن الصور المزبورة فالتفرقة بين المقامين في غاية الوضوح .

ومن التأمل فيما ذكرنا ظهر أيضا مطلب آخر وهو ان نتيجة مقدمات الحكمة في الأمر أيضا ليس مطلوبية صرف الوجود الذي [ هو ] معنى اللابشرط القسمي بل النتيجة مطلوبية الطبيعة المهملة القابلة للانطباق على الصرف أيضا

وبهذه الجهة يقنع العقل في امتثاله المستتبع لسقوطه بوجود واحد .

كما أن نتيجة مقدمات الحكمة في النواهي أيضا ليس إلا مبغوضية الطبيعة المحفوظة في جميع الصور الذي من جملتها الطبيعة السارية ، والعقل في امتثال النهي وكذا في عصيانه لا يقنع بترك مجرد أول وجود الطبيعة بل يحكم بلزوم ترك الطبيعة السارية أيضا المستتبع لعدم سقوط المبغوض بصرف العصيان بأول وجوده كما لا يخفى . [ وستأتي ] - ان شاء الله - تتمة الكلام في باب المطلق والمقيد عند تشكيل مقدمات الحكمة ، وليكن ذلك في ذكرك الى أن يجئ محله .


255

المقالة السابعة عشر

الفور والتراخي

256

257

[ المقالة السابعة عشرة ]

[ في الفور والتراخي ]

هل الأمر بصيغته يقتضي فورية ايجاد المطلوب ؟

أو يقتضي تراخيه أو لا يقتضي شيئا منهما ؟

وجوه : أخيرها هو المشهور بين الأصحاب .

ولا يخفى ان نظر القائل بالفورية والتراخي ليس الى دخل الزمان في مدلول الهيئة ، كيف وهو معترف بعدم دلالة صيغ الأمر على الزمان ، بل هو مساوق للتعجيل في الوجود المتصور أحيانا في المجردات الخارجة عن الزمان ، بل وفي نفس الزمان أيضا .

كما انه يمكن ان يدعى أيضا بعدم نظرهم الى أخذ القيدين في مدلول الصيغة ، كيف والصيغ آبية عن أخذ جهة زائدة عن مدلول المادة من الطبيعة ، والهيئة من ارسال الفاعل الى المبدأ في مدلولها .

بل تمام النظر الى أن المستفاد من الصيغ معنى يلازم حكم العقل بالتعجيل في الامتثال ، أو يلازم التراخي وعدم التعجيل ، أولا يلازم شيئا منهما ؟ بتوضيح :

أن القائل بالفورية يتخيل بأن الأمر باقتضائه طلب المولى علة تامة تشريعية لوجود المادة ، وشأن العلة عدم [ انفكاكها ] عن المعلول ، ولازمه حكم العقل بلزوم تعجيل العبد في امتثاله .


258

والقائل بالتراخي يتخيل بأن المادة غالبا يحتاج الى مقدمات موجبة لعدم كون الأمر علة تامة لوجود المادة بل هو [ أحد ] المقتضيات المستتبعة لتهيئة العبد لبقية المقدمات الملازمة قهرا للتراخي المادة في الوجود .

والقائل بعدم الاقتضاء ناظر الى أن علية الأمر ليس إلا بملاحظة دعوته الى متعلقه وبمقدار اقتضاء الدعوة ينتزع عنه العلية ، ومن المعلوم أن الأمر إذا تعلق بالجامع بين الأفراد الفعلية والآتية فلا يدعو إلا الى هذا الجامع والعقل أيضا لا يحكم إلا بايجاد الجامع بلا تعيينه في خصوص الأفراد الفعلية ، ومقتضاه ليس [ إلا ] حكمه بالتخيير بين الأفراد العاجلة والآجلة ، ومنه ينتزع أيضا عليةالأمر لمثل هذا التخيير لا لتعين الأفراد العاجلة ، أو لايجاد الطبيعة في ضمنها بخصوصها كما لا يخفى .

وعليه فالتحقيق ما ذهب إليه المشهور .

كما أن الأمر بالاستباق والمسارعة أيضا ليس إلا ارشادا الى حكم العقل بحسن التعجيل الى تحصيل الخير والفراغ من عهدة التكليف بلا [ اقتضائهما ] لزوم فورية الايجاد .

بل منهما ربما يستفاد صدق المغفرة والخير مع التأخير أيضا . وهذا مساوق عدم اقتضاء الأمر تعيين الفورية ، وإلا [ تعين ] الخير فيه ومعه لا معنى للأمر بالاستباق الى الخير مثلا . فتدبر .


259

المقالة الثامنة عشر

الاجزاء

260

261

[ المقالة الثامنة عشرة ]

[ في الاجزاء ]

أن اتيان المأمور به هل يقتضي الاجزاء أم لا ؟

وقد يقيد العنوان [ بقيد ] " على وجهه " .

وفسر الوجه بالنهج الذي ينبغي أن يؤتى بما أمر .

وعمدة نظره فيه الى ادخال العبادات في العنوان بخيال أن خروج القربة الدخيلة في سقوط الأمر والاجتزاء به عن متعلق الأمر يوجب قصور صرف اتيان المأمور به عن الاجتزاء به لعدم كون اتيانه على النهج الذي ينبغي أن يؤتى به .

ولكن لا يخفى أن ذلك مبني على كون الأمر - بواسطة عدم تقييده بالقربة - متعلقا بذات العمل على الاطلاق بخيال أن عدم تقييد الموضوع بأي شئ يقتضي اطلاقه من هذه الجهة .

ولكن قد تقدم في المبحث السابق فساد هذا الخيال . كيف ! وتعلق الأمر الضمني بكل جزء لا يكون موضوعه إلا ذات الجزء بلا كونه مقيدا بجزء آخر ، ومع ذلك لا يكون مطلقا بحيث يشمل طلبه حال فقد الجزء الآخر .

وبمثل هذا البيان نقول في كل موضوع بالنسبة الى محموله ، بل ونمشي بمثله في المقدمة الموصلة .

وهكذا في المقام حيث بينا سابقا أن متعلق الأمر في المقام بعد ما لم يكن مقيدا لا يكون مطلقا أيضا ، بل هو حصة من الذات التوأم مع القربة لعدم


262
اقتضاء المصلحة الضمنية القائمة بالذات أزيد من ذلك .

وحينئذ فلو أتى بالذات بلا قربة ما أتى أيضا بالمأمور به فلا يشمله العنوان كي يحتاج الى القيد المزبور ، بل لا يشمل العنوان له إلا إذا أتى بالذات مع القربة كما هو ظاهر .

وحينئذ فتجريد [ الذات ] عن القيد المزبور أولى لعدم فائدة فيه إلا التوضيح .

ثم ان ظاهر العنوان خصوصا بملاحظة اسناد اقتضاء الإجزاء الى الاتيان كون محط النظر الاقتضاء في عالم الثبوت عقلا ولو من جهة ظهور الخطاب في معنى يلازم عقلا ذلك

لا أن مثل هذا المعنى مأخوذ في مدلول الصيغة - كما اخترناه نظيره في البحثين السابقين أيضا - كيف ! وقد عرفت أن مدلول الصيغ بمادتها وهيئتهاآبية عن أخذ هذه المعاني فيها .

ففي الحقيقة مرجع النزاع الى أن مدلول الخطاب ولو من حيث السياق كون المادة علة تامة لسقوط الغرض منه أو من غيره أم لا ؟ .

فعلى الأول يستقل العقل باجزائه عنه وعن غيره ، بخلافه على الثاني .

ومنه يظهر أيضا أن المراد من الإجزاء هو الكفاية عن نفسه وعن غيره لا عن خصوص نفسه .

ومعنى الكفاية اقتضاؤه سقوط الأمر به ثانيا في وقته أو خارجه قبال عدم [ كفايته ] ، المراد به عدم سقوط الأمر به ولو من غيره .

ومن ذلك اتضح عدم مساس هذه المسألة بمسألة اقتضاء الأمر للمرة أو التكرار إذ اقتضاء التكرار بملاحظة أمر جديد لابقاء الأمر الأول . كما أن اقتضاء المرة أيضا بملاحظة قصور طلبه عن الشمول لأزيد من وجود واحد ، لا من جهة علية اتيانه لسقوط غرضه بل وغرض غيره .


263

وحيث اتضح مثل هذه الجهات فنقول :

ان الكلام تارة في اقتضاء كل أمر للاجزاء عن نفسه .

واخرى في اقتضاء الاضطراري منه أو الظاهري للاجتزاء عن الأمر الاختياري أو الواقعي .

فهنا مقامات ثلاثة :

المقام الأول في اجتزاء كل أمر واقعيا أم ظاهريا اختياريا أم اضطراريا عن نفسه . فنقول :

لا شبهة في أن طبع الأمر بكل شئ كونه علة تامة لسقوط الغرض الداعي [ الى ] هذا الأمر . إذ لو لم يسقط الغرض [ باتيانه ] محضا يكشف ذلك عندخل شئ آخر في سقوطه .

ولازمه كون المأمور به بنفسه غير واف بغرضه ، ومرجعه الى كون وفائه في [ ظرف ] الانضمام بغيره لا مطلقا .

ومع هذا الضيق في الوافي بالغرض يستحيل تعلق الأمر به على الاطلاق ، لأوليه الى تعلق الأمر بالوجود ولو في حال عرائه عن المصلحة وهو كما ترى .

ولذلك قلنا بأن الأمر المتعلق بالعبادة لا يكاد يتعلق بالذات مطلقا بعد عدم امكان تقييده بالقربة ، بل إنما يتعلق بالذات التوأم مع القربة لا مطقا ولا مقيدا .

وحينئذ يستحيل الأمر بالذات على الاطلاق إلا في فرض استقلاله في الوفاء بالغرض .

ومع استقلاله كذلك - الذي لازمه عدم دخل شئ آخر في الوفاء بالغرض - لازمه كون المأمور به تمام العلة في حصوله . ومع تمامية علته يستحيل عدم سقوط الغرض بحصوله على الاطلاق .

نعم قد يحصل من الغرض الأصلي غرض آخر تبعي ناش عن فعل


264
العبد على الاطلاق ، ولكن هذا الغرض التبعي غير واف بالغرض الأصلي بلا واسطة بل هو شرط حصول مقدمة اخرى من قبل الآمر والمولى باختياره الخارج عن اختيار العبد بحيث هو كان وافيا بالغرض الأصلي بلا واسطة .

ففي هذه الصورة لا شبهة في ترشح ارادة المولى الى فعل العبد بمناط [ مقدميته ] للغرض الذي هو أيضا مقدمة لاختيار المولى .

وحيث إن المختار ان الارادة [ المقدمية ] مخصوصة بالمقدمة الموصلة فلا يكاد يترشح الارادة نحو عمل العبد إلا في ظرف ايصاله الى ذيها ، ولازمهاختصاص تعلق الارادة بعمل العبد بصورة [ تترتب ] المقدمة الاخرى عليه .

وحينئذ لو كان لعمل العبد فردان وكان كل واحد وافيا بالغرض التبعي الملازم لكون الغرض المزبور قائما بجامع بين الفردين على وجه للمولى اختيار ايهما في [ ظرف ] تمكنه من اختياره لا محيص حينئذ من اختصاص ارادة المولى بخصوص ما اختاره من الفردين ولا يكاد يتعلق بما لا يختاره ولو كان هو أول الوجودين ، إذ غاية ما في الباب أن أول الوجودين [ واف ] قهرا بما هو غرض تبعي ، ولكن بعد فرض عدم كون هذا الغرض تحت الارادة اللزومية على الاطلاق بل ما هو مشمول ارادة المولى ما يترتب عليه [ ذوها ] [ فما لم ] يترتب عليه اختيار المولى يستحيل ان يقع تحت الارادة حسب الفرض ، فلا جرم يخرج هذا الفرد عن حيز الارادة و [ تختص ] الارادة بخصوص ما اختاره المولى .

وحينئذ ليس للعبد في [ ظرف ] بنائه لاتيان الفردين أن ياتيهما بداعي الارادة الجزمية بكل منهما ، بل لابد وأن يأتي بأي الفردين رجاء لكونه مختار مولاه كي يكون مرادا له .

نعم له أن يقتصر بفعل واحد ويأتيه عن الجزم بكونه مرادا ، لانه مع اقتصاره بفرد واحد يجزم بأنه المختار قهرا ، ولا يحتمل في هذه الصورة عدم اختياره كيف ! ولازمه انصراف المولى عن أصل غرضه اللزومي وهو خلاف الفرض .


265

نعم بعد اتيانه الفرد الأول عن جزم ، له أيضا أن يبدو ويأتي أيضا بفرد آخر رجاء لا جزما .

وعلى اي حال لا يعقل أن يأتي بالفرد الثاني عن جزم إلا مع جزمه باختيار مولاه ذلك . وإلا فمهما احتمل في كل واحد من الفردين اختيار مولاه غيره ليس له الجزم بكونه مرادا لمولاه .

فظهر من هذا البيان أيضا بطلان توهم الامتثال عقيب الامتثال واقعا بل لا يكون الامتثال الواقعي إلا بما هو واف بغرض المولى رأسا ، والمفروض أن ما هو كذلك في مثل الفرض ليس إلا ما اختاره المولى بخصوصه دون غيره ، بل ولو أتى بكل منهما رجاء أيضا لا يكون الامتثال الواقعي إلا بما اختاره المولى واقعا ، وأما غيره فليس الا انقيادا صرفا .

ومن هذا البيان ظهر حال المعادة في باب الصلاة وأنه من هذا الباب وأنه مصداق ما ذكرناه من الفرض بقرينة قوله صلى الله عليه وآله : " يختار الله أفضلهما " . ( 1 )

ولئن شئت توضيح المرام وتطبيق باب المعادة على المقام فاسمع بأن الغرض الداعي على الأمر بالصلاة هو حصول التمكن من اختياره الدخيل في الوفاء بغرضه ولازمه - كما أسلفناه - اختصاص ارادته بخصوص ما اختاره عند تعدده لا مطلقا .

[ ونظيره ] في العرفيات أيضا أمر المولى باحضار الماء لديه فيأتي العبد بالمائين مقدمة لاختياره اياه ، فيختار أصفاهما . ومثل هذا المعنى أجنبي عن الامتثال عقيب الامتثال .

وعلى اي حال ظهر أيضا أن باب المعادة أجنبي عن قيام أول الوجودين بالمصلحة الملزمة وثانيهما بمصلحة غير ملزمة ، إذ مثل هذا المعنى لا يناسب

( 1 ) وسائل الشيعة 5 : 456 ، الباب 54 من أبواب صلاة الجماعة ، الحديث 10 ، مع اختلاف يسير .


266
[ اختيار ] الله أفضلهما إذ لو فرض كون ثاني الوجودين هو الأفضل فهو المختار لأمره الايجابي دون الأول ، ولو كان الأمر كما ذكر يلزم سقوط ايجابه به قهرا ، فلا معنى لاختياره الثاني الأفضل في تحصل مرامه الوجوبي - كما هو الظاهر من هذا البيان .

ولذا نقول بأن مع الجزم بأفضلية كل واحد له ان يأتي بداعي الأمر الايجابي - كما أشرنا - فالمراد من قوله يختار أفضلهما انه يختار أفضل ما أمر به وجوبا ، لا انه يختار [ ذا فضيلة ] غير واجبة ، ولذا كان بناؤهم على اتيان الثاني أيضا بداعي الأمر الوجوبي ، غاية الامر نحن نقول بأنه كذلك مع الجزم بالأفضلية ، وإلا فمع احتماله فلابد وان يكون برجاء الأمر الوجوبي لا جزمه . وعلى أي حال لا يخرج عن دعوة الأمر الوجوبي إما جزما أو رجاء .

نعم توهم الجزم به مطلقا ليس في محله - كما لا يخفى - ولا أظن ذلك أيضا من الأعاظم السابقين - كما لا يخفى - .

فان قلت : بناء على هذا لا معنى لاستحباب المعادة لان المفروض ان ما يقع امتثالا لامره الوجوبي ليس إلا الفرد المختار وان الفرد الآخر [ غير ] الأفضل خارج عن دائرة الأمر رأسا وان الغرض القائم بكل واحد من الفردين أيضا ليس إلا تبعا للغرض الأصلي المقصور مطلوبيته بخصوص المختار دون غيره . ولازمه حينئذ أنه لو فرض الأفضل [ أول الوجودين ] اين [ تبقى ] مطلوبية للثاني كي [ تكون ] المعادة [ راجحة ] على الاطلاق الشامل لصورة عدم أفضليته ؟ .

قلت : ذلك المقدار أيضا لا يقتضي الالتزام بوجوب خصوص أول الوجودين وأن الثاني ممحض في الوفاء بالمصلحة غير الملزمة ولو كان افضل ، كما هو لازم التوهم المزبور .

بل من الممكن الجمع بين الجهتين من وفاء الثاني بالمصلحة الملزمة عند


267
كونه [ الأفضل ] المختار ومع ذلك كان نفس وجوده راجحا حتى مع عدم اختياره إلا الأول الأفضل ، بدعوى أن الغرض من عمل المكلف بعد ما كان إقدارالمولى على اختياره ربما يكون توسعة الإقدار للمولى بتوسعة اختياره أيضا مرغوبا لدى المولى ، وان كان الوافي بغرضه اللزومي ليس الا إقدار ما تعلق به اختياره . ففي مثل هذا الغرض يجمع بين وقوع الثاني واجبا عند أفضليته ومستحبا عند [ عدمها ] ، كما لا يخفى .

ثم ان من التأمل في ما ذكرنا ظهر أن باب المعادة ليس من باب كون المصلحة مقتضية للارادة ، بل من باب أن المأمور به بجامعة علة للقدرة التي هي الغرض التبعي الناشئ عن الغرض الأصلي ، وهذا الغرض التبعي متعلق للارادة في فرض اختيار المولى لمورده دون غيره وان كان توسعة القدرة والاختيار للمولى أيضا [ أمرا مرغوبا ] في نفسه ، بل في كلية المقامات لا يتصور اقتضاء المصلحة مع فعلية الارادة إذ مع وجود المانع لا يعقل تأثيره في فعلية الارادة ومع عدمه فيكون المقتضي علة تامة للتأثير لا مقتضيا محضا .

وكيف كان نقول : مهما كان العمل وافيا بالمصلحة الفعلية الداعية للأمر سواء كان تمام المؤثر أو جزأه المنضم إليه فمجرد اتيانه موجب لسقوط غرضه وأمره من دون فرق في ذلك بين باب المعادة وغيره .

وخلاف الجبائي الأشعري [ غير ] القائل بالمصالح والمفاسد وان امره تعالى ونهيه تحت حيطة سلطانه فينهى بما يريد ويأمر بما يشاء ويبقى امره ولو مع اتيان عبده ما امر به ، وربما يرفع امره عما أمر به بلا تغيير في موضوع أمره إنما يناسب مذهبه الفاسد وزعمه الكاسد .

وربما يلتزم بما هو أعظم من ذلك ولقد تقدم شطر من كلامهم في مسألة الطلب والارادة وعرفت هناك وجه فساد خيالهم وبطلان مقالهم ولا يستأهل هنا ردا زائدا عما ذكر هناك فراجع .


268

وحينئذ ما ربما يصلح أن يقع موردا للبحث والجدال المقامان الآخران من اقتضاء الأوامر الاضطرارية الإجزاء عن الأمر الاختياري أو الظاهري بالنسبة الى الأمر الواقعي وحينئذ هنا مقامان :

المقام الأول :

في اقتضاء الأوامر الاضطرارية الإجزاء عن الاختيارية

فنقول : قبل الخوض في أصل المسألة يقتضي طي امور :

أحدها : ان وجه الإجزاء في المقام تارة من جهة وفاء الاضطراري بتمام غرض المختار .

واخرى من جهة كونه ملازما لفوت الزائد من مصلحة الاختياري بنحو لا يمكن تحصيله مطلقا .

ومن لوازم الأول عدم حرمة تفويت الاختيار ولو من جهة عدم دخل الخصوصية الاختيارية في أصل الغرض بل الغرض حينئذ قائم بالجامع بين الفعل الاختياري وغيره وأن الاختيارية والاضطرارية [ دخيلتان ] في تشخصات الطبيعة في الخارج لا [ أنهما دخيلتان ] في المأمور به مولويا .

وهذا بخلاف الفرض الأخير فانه ملازم لكون الاختيارية بخصوصها متعلق للأمر ، المستتبع لوجوب حفظ الاختيار مهما أمكن ، الملازم لحرمة تفويته .

وعلى كلا التقديرين في مقام تسرية النزاع الى الإجزاء عن الاعادة في الوقت لابد من فرض طرو الاختيار في الوقت وإلا فمع بقاء الاضطرار الى آخر الوقت لا يبقى مجال لهذا البحث كما لا يخفى .

ثانيها : ان الإجزاء على الوجه الأول يقتضي خروج خصوصية الفعل الاختياري والاضطراري عن حيز الطلب المولوي بجميع مباديه حتى مرحلة ترخيصه في اتيانه ، بل أمر ترخيصه موكول بيد العقل ، كما هو الشأن في جميعموارد الأمر بالجامع بالقياس الى أفراده .


269

وأما الإجزاء على الوجه الأخير فلا شبهة في كونه ملازما لتعلق الأمر في الاختياري بخصوصه كما أشرنا ، كما أن لازمه أيضا تعلق الترخيص المولوي أيضا بخصوص الاضطراري . كيف ؟ .

ولولاه لا يرخص العقل باتيانه لان اتيانه موجب لفوت غرض المولى ، ومعه لا يرخص العقل باتيانه وان كان المكلف لو أتاه يكون صحيحا بمناط [ المصادقة ] ( 1 ) للمأمور به .

فنحن لا نقول ان اجزاءه بهذا المناط منوط بالترخيص ، بل نقول ان ترخيص العقل في الاقدام به منوط بترخيص الشارع اياه بخصوصه .

وحينئذ فلو كان الأمر متعلقا بالفعل الاضطراري بخصوصه لا وجه لرفع اليد عن تعلق الأمر ولو ببعض مباديه عن الخصوصية .

بخلاف ما لو لم نقل بالإجزاء فانه لا محيص من رفع الأمر عن الخصوصية بجميع مباديه ، لاستقلال العقل بترخيص مثله لانه طرف التخيير بالنسبة الى مرتبة الغرض الناقص ، كما هو الشأن لو قلنا بالإجزاء بالمناط الأول فانه حينئذ طرف التخيير بالنسبة الى [ الغرض ] الكامل كما هو ظاهر .

ثالثها : ان ادلة الاضطراري من حيث الشمول لصورة طرو الاختيار في الوقت ربما [ تختلف ] ، فكلما كان بلسان عمومات نفي الاضطرار من مثل حديث الرفع وما ورد في باب التقية من عموم حلية كل شئ اضطر إليه [ بنو ] آدم فلا شبهة في كونها ناظرة الى الاضطرار عن المأمور به ، ولازمه في صورة كون المأمور به الطبيعة الجامعة بين الأفراد التدريجية الى آخر الوقت بقاء الاضطرار أيضا الى آخر الوقت ولا يشمل الاضطرار الطاري عليه الاختيار في الوقت ، كما هوظاهر .

( 1 ) الموجود في النسخة المطبوعة بالطبعة الحجرية " المضادة " بدلا من المصادقة لكن الصحيح ما أثبتناه .


270

ومن هذا القبيل ما كان بلسان قاعدة الميسور [ وأمثالها ] من عمومات الحرج والضرر ومنه الأمر بمسح المرارة للحرج أو الأمر بالاستلقاء للصلاة أو الاضطجاع لقاعدة الميسور وأمثالها ، فانها أيضا بجميعها منصرفة الى صورة بقاء الاضطرار الى آخر الوقت ، ففي أمثالها لا يبقى مجال توهم الإجزاء من الاعادة في الوقت ، كما لا يخفى .

نعم في باب التقية ربما يكون ظاهر أمرها في الاتيان على طبق رأيهم مطلقا بنحو يشمل مورد ابتلائهم بها ولو مع العلم بطرو القدرة وارتفاع التقية في الوقت بل ولو فرض تنزيلها على صورة بقاء الابتلاء الى آخر الوقت يوجب تنزيل اطلاقاتها على المورد النادر ، ولذا التزموا بتوسعة من حيث المندوحة في باب التقية لم يلتزموا [ بمثلها ] في غيرها فراجع .

ومن هذا الباب أيضا باب التيمم حيث إن ظاهر قوله [ تعالى ] : " إذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا - الى قوله تعالى [ فلم ] تجدوا ماء فتيمموا " ( 1 ) هو عدم الوجدان في [ ظرف ] القيام الى الصلاة لا عدم الوجدان الى آخر الوقت كما توهم .

وبالجملة ظاهر أمثال هذه الادلة شمولها لصورة طرو الاختيار في الوقت أيضا بعد اضطراره ، ففي مثلها ربما يجري النزاع في اقتضاء امرها [ الإجزاء ] حتى عن الاعادة في الوقت ، ولازمه أيضا جواز البدار حتى مع العلم بطرو الاختيار فيما بعد ، بخلاف الأدلة السابقة حيث لا يجوز [ له ] البدار مع العلمبالاختيار في الوقت . نعم مع عدم العلم أمكن دعوى استصحاب بقاء الاضطرار الى آخر الوقت فيجوز له حينئذ البدار . وتوهم عدم جريان الاستصحاب في المقام إذ المدار حينئذ على الاضطرار

( 1 ) المائدة : 6 .


271
عن الطبيعة وبقاء الاضطرار الى آخر الوقت من لوازمه عقلا فيكون من الاصول المثبتة [ غير ] الجارية أصلا ، مدفوع بأن في [ ظرف ] اضطراره في أول الوقت يصدق الاضطرار عن الطبيعة لان الطبيعة في هذا الوقت منحصر [ فردها فيما ] يتمشى منه بخصوص وقته فمع الاضطرار عنه يصدق الاضطرار عن الطبيعة في مثل هذا الوقت فيستصحب هذا المعنى .

فان قلت : إذا صدق في كل وقت اضطر فيه ، الى ترك فرد الطبيعة اضطرار ترك الطبيعة فعمومات الاضطرار أيضا يشملها فلم [ تختص ] هذه العمومات بالاضطرار الباقي الى آخر الوقت .

قلت : وجه الاختصاص بالاضطرار الباقي هو انصراف العمومات الى الاضطرار عن الجامع بين الافراد التدريجية ومثل هذا الجامع أيضا بتبع [ أفراده ] [ تدريجي ] ، فقهرا يلازم الاضطرار عن هذا الأمر التدريجي بقاؤه الى آخر الوقت ، وما عرفت من الاضطرار المتيقن سابقا المصحح للاستصحاب هو الاضطرار عن الطبيعة دفعيا ، غاية الأمر [ تثبت ] تدريجية اضطراره ببقاء الاضطرار الى آخر الوقت ولو بالاستصحاب ، وحينئذ لا قصور للاستصحاب في شموله للمقام واثباته موضوع الحكم كما هو واضح .

وعلى اي حال لا مجال لمصيرهم في المقام الى الفرق بين الوثوق بالاختيار البعدي وعدمه سواء قلنا بجريان الاستصحاب المزبور أم لم نقل ، فما يستشممن كلماتهم [ من ] الفرق بين الوثوق بطرو الاختيار وعدمه منظور فيه .

رابعها : ان مقتضى الأصل بالنسبة الى الإجزاء في الوقت عدمه ؛ لانه على الإجزاء بمناط التفويت مع الجزم بعدم الوفاء بتمام مصلحة المختار فمرجعه الى الشك في القدرة على [ تحصيل ] الزائد ، والعقل في مثله مستقل بالاحتياط .

ومع احتمال الوفاء بتمام مصلحة المختار فلأن مرجع الشك فيه الى الشك


272
في وجوب الفعل الاختياري بخصوصه أو التخيير بينه وبين الاضطراري ، ومرجع المسألة حينئذ الى التعيين والتخيير ، والعقل مستقل بعدم حصول الفراغ الا بالمعين .

ومع ذا لا يبقى مجال توهم البراءة عن الفعل الاختياري للشك في وجوبه بعد اتيان المضطر إليه ، إذ العلم الاجمالي الأولي أثر أثره فلا يجديه الشك في وجوب الطرف بعد اتيان طرفه كما هو الشأن في كل علم اجمالي كما لا يخفى .

وأما الإجزاء بالنسبة الى القضاء بعد مضي الوقت فأمكن المصير فيه الى البراءة حتى في الإجزاء بمناط التفويت لامكان اختصاص الغرض الفائت بخصوص الوقت وأنه بعد الوقت - منوطا بفوت المصلحة السابقة - يحدث تكليف جديد ترتيبي لجبرانه .

نعم لو بنينا في القضاء على تعدد المطلوب يجري فيه أيضا ما ذكرنا من الاحتياط على المسلكين ، ولكن مع احتمال الترتب وحدوث تكليف جديد لا يبقى مجال للاحتياط على المسلكين .

نعم لو تم عمومات القضاء لكل فوت تكليف اقتضائي أمكن المصير الى الاستصحاب المثبت لفوت المصلحة حتى على مسلك الوفاء بتمام المصلحة فضلا عن المسلك الآخر المعلوم فيه فوت المصلحة الذي هو موضوع التكليف بالقضاءكما لا يخفى .

وحيث اتضحت هذه المقدمات ، فنقول :

أما من قبل عمومات الاضطرار فلا مجال لاثبات التكليف بالفاقد كي ينازع في أنه يقتضي الإجزاء أم لا ؟ .

وذلك لان عمومات الاضطرار خصوصا في مثل حديث الرفع وعمومات الضرر والحرج حيث كانت في مقام الامتنان فلا [ تصلح ] إلا لرفع فعلية التكليف عن المضطر إليه ولا يصلح مثلها لاثبات التكليف بالفاقد .

كما أن أدلة بقية الأجزاء بعد تقيدها بما اضطر إليه في عالم المصلحة فلا


273
تكون المصلحة الداعية على أمرها إلا مصلحة ضمنية ، وبديهي أن الأمر المستفاد منها ليس إلا بتبع هذه المصلحة المعلوم عدم صلاحيتها للشمول لصورة فقد الجزء الآخر ، ولذا لم يتوهم أحد بالتمسك في موارد الاضطرار بل تمام نظرهم الى مثل قاعدة الميسور المنوط تطبيقها على صدق ميسور المعسور على البقية .

ولو كان النظر الى قاعدة الاضطرار لما [ كان ] يحتاج الى هذه العناية ، مع أن سوق أدلة الأجزاء في مقام بيان ماله الدخل في المركب بلا نظر فيها الى أزيد مما كان المركب مسوقا له ولذا نرى بناءهم على عدم التمسك بمثل اطلاق أدلة بقية الأجزاء عند الشك في دخل شئ آخر في باب الأقل والاكثر بل كان مرجعهم فيه البراءة أو الاشتغال .

وبالجملة من مثل هذه العمومات [ لا يكاد يثبت ] وجود البقية لا من قبل نفسها ولا من قبل أدلة بقية الأجزاء والشرائط .

فإن قلت : إن ظاهر قوله ( يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله امسح على المرارة ) ( 1 ) استفادة التكليف بالمسح على المرارة من نفس قاعدة الحرج ولازمه كونمثل هذه القواعد علاوة على استفادة نفي التكليف عن المضطر إليه منها يستفاد أيضا منها اثبات التكليف بالفاقد .

قلت : في خصوص المورد لما كان نفي التكليف عن الفاقد أيضا موجبا لاثبات تكليف آخر من وجوب التيمم الذي هو من آثار رفع التكليف عن المائية بالمرة ففي مثله طبع الامتنان يقتضي أن [ يكون ] مثبتا لأخف الأمرين . وأين هذا وسائر الموارد التي لا يترتب على نفي التكليف رأسا شئ ؟ .

مع امكان أن يقال : إن نظر استشهاد الامام عليه السلام بعموم الحرج أيضا الى حيث نفي التكليف بالأمر الحرجي من المسح على البشرة وان اثباته التكليف بالمرارة بتعبد جديد فلا ينافي حينئذ ما ذكرنا كما لا يخفى .

( 1 ) وسائل الشيعة 1 : 327 ، الباب 39 من أبواب الوضوء ، الحديث 5 .


274

نعم في بقية الطوائف من مثل عمومات التقية وأدلة التيمم وقاعدة الميسور وأمثالها ظاهرها اثبات التكليف وحينئذ يبقى مجال البحث عن اقتضاء أمرها للاجزاء وعدمه وحينئذ نقول :

إن في مثل قاعدة الميسور أيضا : بملاحظة انصرافها الى صور بقاء الاضطرار الى آخر الوقت لا يبقى المجال إلا للبحث عن الإجزاء بالاضافة الى خارج الوقت من وجوب القضاء . نعم في أدلة التقية وأدلة التيمم بالتقريب المتقدم يبقى مجال النزاع في الإجزاء وعدمه بالنسبة الى الاعادة في الوقت أيضا .

وحينئذ قد يقال في تقريب دلالتها على الاجزاء مطلقا : بان مقتضى سوقها حيث كانت في مقام تعيين مصداق الطبيعة المأمور بها فطبع اطلاقها يقتضي كونها مصداقا لتمام الطبيعة المأمور بها لا لبعض مراتبها ولازمه وفاؤها بتمام مصلحة المختار فيجزي . ( 1 )

وهنا أيضا تقريب آخر للإجزاء : بأن الأمر بالفاقد مستلزم لعدم دخل القيد - ولو في ظرف الاضطرار به - في المصلحة وإلا فلا معنى للأمر بالفاقد ولازمه وفاء الفاقد لتمام مصلحة المختار .

قال أيضا : وبعبارة اخرى مع وفاء الفاقد للمصلحة فلا معنى للفوت كي يجب اعادته أو قضاؤه ومع عدمه فلا معنى للأمر به فصدق فوت المصلحة مع الأمر بالفاقد متضادان لا يلائم أحدهما للآخر هذا كله ما في تقريرات بعض تلامذته . ( 2 ) .

وهنا تقريب ثالث للاجزاء : بأن مصلحة القيد لا يمكن [ استيفاؤها ] إلا في ضمن مصلحة الذات لانه في عالم الوجود تبع لتلك المصلحة كما هو الشأن في مصلحة كل خصوصية قائمة بذات تبعه ، نظير مصلحة الالتذاذ بالتبريد القائم بشرب الماء وحينئذ فبعد تحصل مصلحة الذات حسب الفرض لا مجال لتحصل مصلحة القيد فلا محيص حينئذ من إجزائه بمناط التفويت . ( 3 ) .

( 1 ) ( 2 ) ( 3 ) فوائد الاصول 1 - 2 : 244 - 245 .


275

بل وهنا تقريب رابع - مبني على ما سنقول من معارضة أدلة الاختيارية مع اطلاق دليل الاضطراري وتقديم الاختيارية عليها - : بان أدلة الاضطرارية كما يقتضي اطلاقها الوفاء بتمام المصلحة ، كذلك يقتضي بمدلوله الالتزامي إجزاؤه عن الاختياري ، وحينئذ فغاية ما يقتضيه تقديم ادلة الاختيارية عليها نفي وفائها بتمام المصلحة لا نفي اقتضائها الإجزاء لإمكان المصير إليه بمناط التفويت المعلوم عدم اقتضاء دليل الاختياري لقابلية الباقي للتدارك كما لا يخفى .

أقول : لا مجال لاثبات [ الإجزاء ] بأي المناطين بمثل هذه التقريبات وتوضيح المقال بأن يقال :

أما [ التقرير ] الأول فنقول : إن ما افيد من اقتضاء أدلة الاضطرار وفاءه بتمام المصلحة في غاية المتانة ، ولكن مقتضى اطلاقات أدلة الاختيارية أيضا دخل القيد في المصلحة الملازم لوجوب حفظ القدرة على تحصيل القيد وحرمة تفويت الاختيار . ولا شبهة في أن لازمه أيضا عدم وفاء المضطر إليه بتمام المصلحة [ فيتعارضان ] .

بل ولنا أن ندعي تقديم ظهور أدلة الاختيارية في دخل القيد في المصلحة على ظهور أدلة الاضطرارية في الوفاء بتمام المصلحة ، إذ الظهور الأول مستند الى وضع الهيئة التركيبية في دخل ما هو موضوع الخطاب والأمر في المصلحة وهذا الظهور أقوى من ظهور الاطلاق المزبور في أدلة الاضطرار كما لا يخفى .

هذا مضافا الى أن اطلاق أدلة الاختيارية بعد ما اقتضى حفظ الاختيار في تحصيل القيد فلازمه كونه ناظرا الى رفع الاضطرار عنه ومرجعه حينئذ الى نظره الى رفع موضوع أدلة الاضطرار .

وأدلة الاضطرارية لا نظر فيها الى حفظ موضوعها بل غاية الأمر اطلاقها يقتضي نفي وجوب القيد الملازم لعدم حرمة تفويت الاختيار ، وهذا النظر يعارض حكم أدلة الاختيارية بلا نظر له الى رفع موضوع أدلة الاختيار .


276

وحينئذ لسان الأول بالطبع مقدم على الثاني كما هو الشأن في كلية موارد الحكومة أو الورود .

وعليه فلا يبقى مجال للتشبث باطلاق أدلة الاضطرارية لاثبات الاجزاء بمناط الوفاء بتمام مصلحة المختار .

ومن هذا البيان ظهر بطلان التقريب الآخر المنسوب الى بعض الأعاظم كما عن مقرر بحثه ، ( 1 ) وتوضيحه :

إن كون الفعل الاضطراري وافيا ببعض مراتب المصلحة في غايةالامكان ، ومن جهة ذلك كان الفاقد مأمورا [ به ] بمرتبة من الأمر المندك في ضمن الأمر بالمقيد بلا منافاته مع الأمر بالمقيد بمرتبة اخرى من الطلب .

كما أن المراد من وفاء الفاقد بالمصلحة الناقصة ليس وفاؤه بتمام مصلحة الذات مع بقاء صرف مصلحة القيد والخصوصية بحياله كي يبقى مجال توهم عدم امكان تدارك مصلحة القيد مستقلا بلا مصلحة في ذات المقيد كما هو مضمون التقرير الثالث .

بل المراد أن المصلحة القائمة بالذات [ المقيدة ] ، [ لها ] مراتب يتدارك بعضها بالفاقد وبعضها الآخر أيضا قائمة بالذات المقيدة القابلة للتدارك لا بصرف القيد [ غير ] القابل له إلا في ضمن مصلحة الذات .

وأضعف من ذلك توهم الإجزاء من الجهة الرابعة ، وتوضيح الضعف : بأن غاية دلالة أدلة الاضطرارية من جهة الملازمة هو الإجزاء بمناط الوفاء بتمام المصلحة ولا دلالة لها على الإجزاء مطلقا .

ومن المعلوم أن الإجزاء من جهة الوفاء بتمام المصلحة منفي بأدلة الاختيارية ، وما لا ينفيه أدلة الاختيارية لا يكون من الأول مستفادا من أدلة

( 1 ) فوائد الاصول 1 - 2 : 245 .


277
الاضطرارية فلا يصلح مثل هذا البيان لاثباته .

نعم الذي يقتضيه التحقيق في المقام في اثبات الإجزاء هو أن يقال بما أشرنا إليه في المقدمة الثانية من :

أن ظاهر الاختيارية وكذلك الأوامر الاضطرارية في ظرف الاضطرار تعلقها بكل من الفعلين بخصوصهما .

وهذا المعنى لا يناسب الإجزاء بمناط الوفاء بتمام المصلحة . كيف ! ولازمهتعلق التكليف بالجامع وخروج خصوصية كل منهما عن حيز الخطاب رأسا كما هو الشأن في كل فرد بالنسبة الى الجامع المأمور به .

كما أنه لا يناسب عدم الإجزاء أيضا إذ التكليف بالاختياري وان كان متعلقا بالخصوصية حينئذ إلا أن التكليف بالاضطراري لا يمكن [ تعلقه بالخصوصية ] بل [ الخصوصية ] خارجة عن حيز الطلب ولو الناقص منه جزما .

وهذا بخلاف ما لو قيل بالإجزاء بمناط التفويت إذ لا محيص من الأمر به بخصوصيته دفعا لتوهم حظره عقلا .

وحينئذ حفظ ظهور الأمر بهما بخصوصهما يقتضي إجزاءه بمناط التفويت بعد تحكيم ظهور الخطاب بالخصوصية في الطرفين على إطلاق الأمر الاضطراري الملازم للوفاء بتمام مصلحة المختار .

ويؤيد ذلك ما ورد في باب التقية من الصلاة في بيته ثم الصلاة معهم تطوعا ( 1 ) بضميمة الاطلاقات الآمرة باتيان العمل في [ ظرف ] ابتلائه بهم على وفق مذهبهم ( 2 ) الشامل لصورة طرو الاختيار في الوقت بل هو الغالب ، حيث إن المستفاد من المجموع حرمة التفويت قبل ابتلائه بهم وجوازه في [ ظرف ] ابتلائه

( 1 ) ( 2 ) وسائل الشيعة 5 : 381 و 455 ، البابان 5 و 54 من أبواب صلاة الجماعة .


278
حتى مع علمه بالقدرة على العمل الاختياري في وقته فضلا عن خارجه .

ثم أن ذلك كله في غير ما كان بلسان قاعدة الميسور وإلا فلو كان [ بلسانها ] [ فاقتضاؤه ] الإجزاء بمناط الوفاء بتمام المصلحة لا مجال لتوهمه ، إذ هي ( 3 ) بلسانها تنادي بأن المأتي به لا يكون تمام المعسور بل ميسوره .

ولا يفهم العرف من ذلك البيان إلا كون المأتي به وافيا ببعض مراتب المصلحة الوافي بها تمامه لا أنه أيضا واف بتمام مصلحة المعسور .

وحينئذ لا مجال للمصير الى إجزائه عن القضاء بصرف هذا اللسان ولو لم يعارضه ظهور أدلة الاختيار في دخل الخصوصية في المصلحة فضلا عن وجود هذا الدليل في المقام أيضا .

بل لا مجال لاثبات [ الإجزاء ] بها بالتقريب الذي نحن اخترناه إذ الترخيص بالاتيان بخصوص الميسور بل الأمر به بخصوصه بملاحظة حفظ الوقت لا من جهة الترخيص في تفويت المصلحة ولو في خارجه كي يستفاد منه [ الإجزاء ] بمناط التفويت .

وحينئذ لا طريق الى الإجزاء عن القضاء إلا الأصل مبنيا على أمرين : -

أحدهما : كون باب القضاء من باب الترتب لا من باب تعدد المطلوب .

وثانيهما : انصراف عمومات القضاء لما فات الى صورة فوت تمام المصلحة لا مطلقا ولو بفوت بعض مراتبها .

وإلا فلو بنينا على تعدد المطلوب لرجع الشك الى الشك في القدرة على تحصيل الفائت والعقل مستقل فيه بالاحتياط .

كما أنه لو بنينا على إطلاق الفوت في أدلة القضاء [ لاقتضى ] وجوب تدارك الفائت ولو ببعض مراتب المصلحة .

وحينئذ احتمال كون باب القضاء من باب الترتب كاف في نفي حكم العقل بالاحتياط ، وانما الاشكال في انصراف أدلة القضاء الى فوت المرتبة التامة


279

وعليه ففي اقتضاء مثل هذه القاعدة ولو بضميمة الأصل اشكال .

ولكن ظاهر كلماتهم في الصلاة إجزاؤه فان تم اجماع فيها - كما هو الظاهر - فيقتصر عليه ويجري في غيرها على طبق ما يقتضيه عمومات القضاء .

ولكن الذي يسهل الخطب قلة [ مورده ] بل انعدامه ( 1 ) من مصيرهم الىصرف قاعدة الميسور مع ثبوت القضاء فيه بعموماته في غير باب الصلاة ؛

إذ في الطهارات الثلاث والصوم لا مجرى لقاعدة الميسور وفي باب الحج وأمثاله لا يكون قضاء ، ففي مثلها أمكن اثبات [ الإجزاء ] بالتقريب المتقدم منا .

وفي غسل الميت وكفنه أيضا كذلك الى ان يدفن ، وبعده حرمة نبشه مانع عن اعادة الغسل بل ولا يكون أيضا مؤقتا مستفادا منه الإجزاء من الترخيص المتعلق بخصوصه مولويا كما [ أسلفنا ] .

ولا يبقى في البين إلا باب النذر المعين [ للقائلين ] بوجوب القضاء فيه ، ففي مثلها [ اجزاء ] [ قاعدة ] الميسور أشكل لكشف العسر عن عدم صحة النذر فلا أمر بالمعسور كي يؤخذ بميسوره ، وعلى فرضه فالالتزام بعدم القضاء لمحض هذه القاعدة أشد إشكالا ، فتدبر .

هذا كله في الإجزاء عن الأوامر الاضطرارية .

وأما الإجزاء بالفاقد للشرائط ، أو الإجزاء نسيانا فهو خارج عن مسألتنا ، إذ المسألة بظهور [ عنوانها ] في اتيان المأمور به بالأمر الشرعي والمنسيات جزءا أو شرطا داخلة في المأمور به بالأمر العقلي ولم يتوهم [ الاجزاء ] فيها أحد إلا في باب الصلاة لعموم ( لا تعاد ) ( 2 ) المختصة بصورة النسيان عن ذات الجزء والشرط وفي غير الخمسة أيضا .

( 1 ) يبدو أن الضمير يرجع الى المذكور بمعناه وتقديره " ما ذكرناه " والمراد : قلة مورد ما ذكرناه من مصيرهم إلى صرف قاعدة الميسور . . . إلى آخره .

( 2 ) وسائل الشيعة 1 : 260 ، الباب 3 من أبواب الوضوء ، الحديث 8 .


280

ولذا ليس بناؤهم على الإجزاء مع الفوت جهلا بالحكم أو نسيانا حتى في الصلاة فضلا عن غيرها كما لا يخفى .

[ المقام الثالث : إجزاء الظاهري عن الواقعي ]

بقي الكلام في اقتضاء الأوامر الظاهرية للاجزاء عن الواقعيات فنقول :

إن الكلام فيها تارة في الحكم الظاهري المستفاد من أدلة الأمارات و [ اخرى ] في الحكم المستفاد من الاصول .

وعلى أي تقدير تارة يقع الكلام في [ صورة ] كشف الخلاف قطعيا واخرى في فرض كشفه ظنا اجتهاديا .

أما المقام الأول من اقتضاء الأمارات للإجزاء مع كشف الخلاف قطعيا فنقول :

إن بنينا على [ طريقتيها ] الى الواقع بلا احداثها [ تكليفا ] حقيقيا في قبال الواقع ، فلا شبهة في عدم اقتضائها الاجزاء عن الواقعيات إذ بناء عليه ليس في [ مؤدياتها ] مصلحة قابلة للجبر عن المصالح الواقعية .

غاية الأمر الالتزام بمصلحة في نفس الترخيص في العمل بها وفي أصل جعلها ، ومثل هذه المصلحة غير قابلة للجبر كي يجئ توهم الإجزاء ، كيف ؟ . ولازمه الالتزام بالجبر ولو قبل العمل بها ، ولأن المفروض عراء العمل عن المصلحة رأسا بل غاية ما يفيد مصلحة الجعل ملاحظة جهة أهمية التسهيل على المكلفين عن حفظ المصالح الواقعية ومثل هذه الجهة لا يستأهل للإجزاء عن ما فات من الواقعيات كما هو ظاهر .

وبمثل ذلك أيضا [ تندفع ] شبهة [ ابن قبة ] كما [ سنقررها ] بجوابها - إن شاء الله - في محله .


281

فان قلت : إن ما افيد إنما يتم في نفي الإجزاء بمناط الوفاء بالغرض وأما الإجزاء بمناط التفويت بالتقريب المزبور فلا يمنعه فمن الممكن إقتضاؤه بمناط التفويت .

قلت : مجرد الامكان لا يجدي للمصير إليه ما لم يقم لاثباته الدليل وفي المقام لا وجه للمصير إليه بعد اختصاص الأمر بمفاد الطرق بزمان الجهل بالواقع ، إذ من مثل هذا الترخيص لا يستفاد أزيد من تسهيل أمره مع عدم الفحص عن الواقع أو احتياطه ولا يستفاد منه كونه مفوتا للواقع مطلقا ولا وفاؤه بشئ من مصلحته كما هو المفروض .

ولا يقاس المقام بباب الاضطرار إذ لا مقتضي للترخيص عنه مع العلم بطرو القدرة في الوقت إلا الرضا بتفويته للتقية كما تقدم شرحه .

وأما لو بنينا على موضوعيتها ، فنقول :

إن مرجع الموضوعية ان كان الى انقلاب الواقع حتى [ بمصلحته ] الى مؤدى الطريق فلابد وان يقتضي الاجزاء ، إلا أنه تصويب محال مجمع على خلافه .

وان كان مرجعها الى توسعة الكبرى [ الواقعية ] حقيقة على وجه [ تشمل ] المؤدى بأن يكون مؤدى الامارات أيضا من مصاديق الكبرى الواقعية ، وأن لها مصداقين [ حقيقيين ] أحدهما : واقعي والآخر : ظاهري .

فهذا المعنى أيضا موجب للإجزاء به عن الواقعي ولم يحكم العقل باستحالته أيضا لإمكان جعل الأدلة الظاهرية شارحة للكبرى الواقعية الدالة على تعيين الواقعية في تعلق الأمر به بخصوصه بجعلها [ رافعة ] لظهور الكبرى المزبورة في دخل خصوصه في الحكم وأن لب موضوع الحكم هو الجامع بين الواقعية والظاهرية ولكن الظاهر كونه أيضا تصويبا مجمعا على خلافه .

ولئن اغمض عن الاجماع المزبور فلا أقل من احتمال آخر [ وهو ] كون


282
مفاد الأدلة الظاهرية جعل حكم مماثل للواقع في مرتبة الظاهر بلا اقتضائها تغيير الواقعيات عما هي عليها من تعلق الخطاب بموضوعاتها بخصوصياتها .

إذ مع هذا الاحتمال لا يبقى مجال للتحكيم المزبور بنحو [ توجب ] الادلة الظاهرية لرفع اليد عن ظهور الكبريات الواقعية في دخل الخصوصية ، ولازمه عدم اقتضائها الاجزاء عن الواقعيات إلا بمناط التفويت الممنوع في المقام بملاحظة احتمال [ كون ] وجه اختصاص أوامرها بخصوصها في [ ظرف ] الجهل من جهة المصلحة القائمة بخصوصها في هذه المرتبة ، لا من جهة الرضا بتفويته المصلحة الواقعية حتى مع كشف خلافها .

وبذلك يمتاز المقام أيضا عن باب الاضطرار إذ لا مصلحة [ تلزمه ] بخصوصه بل لا مقتضي للترخيص به إلا الرضا بفوت مصلحة المختار كما أسلفناه ، فتدبر .

هذا كله في فرض الانكشاف قطعيا .

وان كان الانكشاف ظنيا بظن [ معتبر ] مثله فلا شبهة في أن مرجعية الظن الثاني - لا محيص - إما من جهة ترجيحه على الأول بأحد المرجحات أو من جهة الأخذ به من جهة التخيير الاستمراري الثابت له بدليله .

وعلى التقديرين نقول : إن لازم اختيار الثاني حصر حجيته في هذا الحال بما أخذ ترجيحا أم تخييرا ولازم حصر حجيته هو الأخذ بخصوصه الحاكم ببطلان العمل على طبق الأول [ ولا يعنى ] من عدم الاجزاء إلا هذا .

ولا فرق أيضا في مثل هذا البيان بين العبادات أو المعاملات لولا دعوى شمول قولهم ( لكل قوم نكاح ) لمثل المقام ، والا فبناء على انصرافه الى صور اختلاف الامم في نكاحهم من حيث حكمهم واقعا لا مجرد اختلافهم في الأحكامالظاهرية فيلحق باب النكاح أيضا بسائر الأبواب فلابد من الحكم بفساد النكاح السابق حين كشف الخلاف ولو بالأمارة ، غاية الأمر يكون الوطء


283
السابق للشبهة ، الموجب لالحاق الولد والتوارث بينهم .

وتفصيله أيضا موكول الى محله .

وفي الفصول هنا تفصيل لا يفهم منه مقصوده بل المحكي عن بعض الأساطين انه سئل [ من ] نفسه قدس سره في شرح مرامه بعبارته فتأمل كثيرا واعترف باني لا افهم منها شيئا إلا أني حين كتبت كتبته صحيحا فيحتاج بعد الى تأمل جديد .

ثم إن ذلك كله في الإجزاء بمقتضى أدلة الأمارات والطرق .

وأما أدلة الاصول فهي أيضا على ألسنة مختلفة :

منها : ما كان لسانه اثبات الواقع تعبدا بما له من الآثار وذلك مثل الاستصحاب وقاعدة التجاوز والفراغ ويلحق به مثل ( كل شئ طاهر ) بل و ( كل شئ لك حلال ) بناء على كون مفادهما اثبات الطهارة والحلية الواقعية تنزيلا ، ويعبر عن هذه بالاصول التنزيلية .

ومنها : ما لا يكون بلسانه ناظرا الى اثبات الواقع بل [ كان مثبتا ] للحكم في ظرف الشك وذلك مثل الأصلين الأخيرين بناء على وجه آخر من كون مفادهما مجرد اثبات الطهارة أو الحلية في [ ظرف ] الشك بلا نظر فيهما الى كونهما [ واقعيتين ] ولو تنزيلا ، ويلحق بهما ما كان بلسان ايجاب الاحتياط عند الشك بحكم أو موضوع .

ومنها : ما لا يكون بلسانه مثبتا لحكم أصلا بل كان لسانه نفي الحكم عن موضوعه في ظرف الشك ، وذلك من حديث الرفع والحجب وأمثالهما ، وحينئذنقول :

أما ما كان بلسان الاستصحاب من الاصول التنزيلية فان كانت ناظرة الى توسعة الواقع حقيقة ولو بتحكيمها على الكبريات الواقعية في ظهورها في دخل خصوصية موضوعها في حكمه برفع اليد عن هذا الظهور وجعل الموضوع


284
الجامع بين الواقعية والظاهرية فلا شبهة في اقتضائه الاجزاء عن الواقع ولكن مثل هذا المعنى ممنوع في الأمارات حتى على الموضوعية فضلا عن الاصول التنزيلية الناظرة الى صرف توسعة الواقع في مقام العمل لمحض المصلحة في الجعل من جهة التسهيل على المكلف ، ولا أقل من كونها في مقام [ جعل ] المماثل للحكم في مرتبة الظاهر بلا نظر الى توسعة الموضوع الواقعي حقيقة ، فيبقى الواقع على ما هو عليه من دخل [ خصوصية ] مؤدى كبراه في موضوع حكمه ولقد عرفت ان هذا المعنى في الطرق حتى على الموضوعية غير مقتض [ للإجزاء ] فالمقام أيضا مثله .

وأما في غير الاصول التنزيلية فأمر اقتضائها [ للإجزاء ] فرع نظر الكبرى الواقعية في [ موضوعها ] نفيا أم اثباتا الى الأعم من الواقعي والظاهري

والا فلو كان [ نظرها ] الى خصوص النفي والاثبات الواقعيين فلا يصلح مثل هذه الاصول لاثبات موضوع الكبرى أصلا ، فضلا عن اقتضائه الاجزاء عنه .

نعم غاية ما في الباب احتمال كونه مفوتا للمصلحة الواقعية والأصل يقتضي خلافه بعد عدم اقتضاء أدلة الاصول للإجزاء المزبور كما أشرنا [ الى ] نظيره في الامارات ، فتدبر .

وفيما ذكرنا كله أيضا لا فرق بين كشف الخلاف باليقين أو بالامارة لكشفالامارة عن فساد العمل من الأول فلا يجزي .

بقي في المقام شئ : وهو ان مثل ( كل شئ لك حلال ) أو ( طاهر ) هل هو من الاصول التنزيلية أم لا ؟ وجهان .

والظاهر انه لا مجال للمصير في قاعدة الطهارة الى مجرد جعل الطهارة في مرتبة الشك بها بلا نظر فيه الى اثبات الواقع ، إذ بعد [ كون مقتضى ] ظهور كبرى دخل الطهارة في شئ هو الطهارة الواقعية لو كان مفاد القاعدة اثبات


285
مجرد الطهارة الظاهرية لا يكاد يثبت بمثله الكبرى [ الواقعية ] ، مع أن بناءهم على احرازها بها فيجرون القاعدة في ماء شك في طهارته فيتطهر به حدثا وخبثا .

ولا مجال حينئذ لتوهم أعمية موضوع الكبرى عن الطهارة الواقعية [ والظاهرية ] ، كيف ؟ ! ولازمه صحة الوضوء [ بماء ] كشفت بعده نجاسته وكذلك صحة تغسيله به من البدن أو اللباس بلا احتياج الى تغسيل جديد ، ولا أظن التزامه من أحد .

فلا محيص حينئذ إلا من دعوى نظر القاعدة الى اثبات الطهارة الواقعية بلحاظ التوسعة في مقام العمل محضا كي به يجمع بين ترتيب آثار الطهارة الواقعية مع عدم اقتضاء صحة العمل واقعا عند كشف خلافها .

وحينئذ فربما أمكن حمل قاعدة الحلية عليه بمقتضى وحدة لسانه ، ولازمه أيضا اثبات حلية لحم ما يشك في حليته وحرمته ولو كان لحمه خارجا فعلا عن محل الابتلاء مع الابتلاء بجلده وشعره وأمثالهما فعلا بلحاظ صلاته فيه .

نعم ، لو بنينا على جعل صرف الحلية الظاهرية بلا نظر منه الى اثبات الواقع فاقتضاؤه صحة الصلاة في المشكوك مبتن على جعل الحلية في كبراه أعم من الواقعية والظاهرية .

نعم بناء عليه أيضا لا يكاد يجري إلا في موارد يكون اللحم المشكوك بنفسه محل ابتلاء المكلف والا فلا يكاد يجري الأصل إذ لا معنى لجعل الحلية الفعلية لما هو خارج عن محل ابتلاء المكلف فعلا ، فتدبر .


286

287

المقالة التاسعة عشر

مقدمة الواجب

288

289

المقالة التاسعة عشرة

[ في وجوب مقدمة الواجب ]

[ نقول ] قبل الخوض في المرام ينبغي بيان كون المسألة من المسائل الفقهية أو الاصولية أو الكلامية أو أنها من المبادئ الاحكامية ؟

كما أنه بناء على [ كونها ] من المسائل الاصولية هل هي من المباحث العقلية أو اللفظية أو القواعد الكلية التي أمر تطبيقها بيد المجتهد ؟ .

أقول : قد يتوهم من ظاهر العنوان كونه من المسائل الفقهية وان ذكرها في المقام استطرادي محض لمجرد مناسبته لمدلول الأمر من الوجوب الثابت للشئ بصيغة الأمر أو مادته .

واورد عليه : بان علم الفقه متكفل لبيان أحوال موضوعات خاصة كالصلاة والصوم وغيرها والبحث عن عنوان المقدمة [ غير ] المنطبق على شئ مخصوص لا يتكفله علم الفقه .

وفيه : ان كثيرا من القواعد - الاصطيادية وغيرها من القواعد الفقهية - مع أن موضوعها بنفسها ليس عنوانا مخصوصا بل كان موضوعها مرآة للعناوين المخصوصة .

مثل قاعدة ( كلما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ) الشامل للمعاوضات وعقود الضمانات كالقرض وغيرها إذ عنوان ما يضمن في مثلها جعل مرآة الى نحوى الضمان وما هو موضوع الحكم في كل باب شئ غير الآخر .


290

ومثل قاعدة الطهارة المعلوم كون موضوعها مرآة للعناوين الخاصة كموضوع قاعدة ( كل ما لاقى نجسا فهو نجس ) الذي هو أيضا مرآة لعناوين اخرى .

ومنها أيضا قاعدة مخالفة الشرط أو الصلح للكتاب والسنة بناء على أن المراد مخالفة [ مضمونها ] الحاكية عن امور مختلفة وموارد متفاوته .

وحينئذ الأولى جعل المدار في فقهية المسألة اشتمالها على محمول خاص ثابت للعناوين المخصوصة ولو بتوسيط عنوان آخر مرآة لها ، إذ حينئذ ما من مسألة فقهية إلا وشأنها ذلك ، ولا يرد حينئذ النقوض السابقة أيضا .

وحينئذ ربما يكفي هذا المقدار أيضا لاخراج مسألتنا هذه عن المسائل الفقهية إذ مضافا الى مرآتية موضوعها للعناوين بخصوصية اخرى كان محمولها أيضا مرآة لأحكام خاصة ناشئة عن مناطات مخصوصة علاوة عن اختلافها بحسب المرتبة من الشدة والضعف ، بل ولئن الحق بالوجوب باقي الأحكام الخمسة بوحدة المناط كان اختلاف المحمول في المسألة أوضح . وبهذه الملاحظة لا [ تتناسب ] هذه المسألة مع المسائل الفقهية .

كما أن المهم من هذه المسألة اثبات وجوب المقدمة من ناحية وجوب ذيها وان كان وجوب ذيها ثابتا بالأدلة اللبية فلا يناسب جعلها من مباحث الألفاظ إذ لا خصوصية للفظ في هذه الجهة من الكلام .

وارجاع هذا العنوان الى البحث عن الملازمة بين الوجوبين أيضا غيروجيه فلا وجه لادراجها في المسائل العقلية [ غير ] المستقلة ومجرد تلازم العنوانين لا يقتضي ارجاع أحدهما الى الآخر بل لابد في كل عنوان ملاحظة دخوله في أي مسألة .

وبهذه الجهة لا وجه لارجاعها الى البحث عن المبادئ الاحكامية وان [ كان ] لا يخلو عن مناسبة .


291

بل ومن هذه البيانات ظهر أيضا عدم مناسبة مثل هذا العنوان مع كون [ المسألة ] كلامية كما عرفت من أن مدار ميزان المسألة من أي [ المسائل ] على ملاحظة نفس العنوان لا على ملاحظة لازمه من حيث التحسين والتقبيح خصوصا مع عدم درك العقل في الباب حسن المقدمة إلا بتوسيط وجوبه [ و ] وجوب ذيه والا فلا يستقل العقل بحسن ذيه لولا الوجوب فضلا عن حسن مقدمته .

وحينئذ فلا يناسب للمقام إلا بجعلها من القواعد الواقعة في طريق حكم كلي فرعي كوجوب عنوان خاص احرزت [ مقدميته ] بتوسيط هذه الكبرى ، بل في كثير من المصاديق الكلية لا يكون امر تطبيقها الا بيد المجتهد فقط نظير مقدمية الوضوء وغيرها .

نعم قد يكون مثل هذه المسألة منتجا لحكم جزئي أيضا ولكن لا يضر ذلك باصوليته في موارد تطبيق هذه القاعدة على العناوين الكلية المنتجة لحكم كلي .

كما [ أنه ] بعد هذه النتيجة لا يضر باصوليته عدم اختصاص المجتهد أحيانا بتطبيقه أيضا ، وبالجملة لا نعني بالمسألة الاصولية إلا القواعد الواقعة في طريق استنباط حكم كلي لموضوع كلي كما لا يخفى . فتدبر جيدا .

وبعدما ظهر ذلك ينبغي في المقام طي امور :

منها : أن مناط المقدمية التي هي محط البحث في المقام هو تقدم الشئ وجودا على غيره [ ورتبة ] بحيث يرى العقل بين وجوديهما تخلل " فاء " وأنه وجد فوجد . وحينئذ يخرج باب التلازم الصادق وجودهما معا بلا تخلل الفاء بينهما عن مركز البحث .

كما أن باب الطبيعي وأفراده [ المتحدين ] وجودا أيضا خارج عن هذا العنوان ، فتوهم مقدمية الفرد للكلي ليس في محله .

ومنه تقدم الجزء على الكل بالماهية والتجوهر ، إذ مثل هذا التقدم أيضا


292
لا يقتضي تخلل الفاء بين وجوديهما ، فمثل هذا التقدم أيضا خارج عن مركز البحث كما سنشير إليه أيضا في الأمر الآتي ان شاء الله .

بل ربما نقول بخروج التقدم الطبيعي بين الشيئين أيضا عن مركز البحث كالواحد بالاضافة الى الاثنين .

ومنه أيضا حدوث الشئ بالاضافة الى بقائه إذ في أمثال ذلك لا يرى العقل وجودين بينهما تخلل " فاء " وما هو مورد الكلام هو ذلك ، كيف ؟ ! ولو فرض وجوب للاثنين لا يترشح منه وجوب آخر للواحد في ضمنه ، كيف ؟ ! ولازمه اجتماع المثلين كما سنشير .

فلا محيص من كون مركز الوجوب الآخر وجود آخر وهو لا يكون الا بما ذكرنا كما لا يخفى .

ومنها : تقسيمهم المقدمة [ الى ] الداخلية والخارجية .

والغرض من الداخلية اجزاء المركبات ، والظاهر ان المقصود من المركبات أيضا المركبات الخارجية الاعتبارية ، كيف ؟ والمركبات العقلية لا جزء لها إلا في موطن العقل وعالم التحليل ، وهو خارج عن مصب الوجوب الغيري إذ لا وجودلها بوصف جزئيتها إلا في الذهن [ غير ] القابل لتوجه الايجاب الغيري المستتبع لامتثال مستقل خارجا ، بل في الخارج لا يكون إلا وجودا واحدا محضا كما هو ظاهر .

وهكذا الأمر في المركبات الحقيقية الخارجية كتركب الأجسام من العناصر فان الأجزاء المحفوظة فيها لم [ تبق ] على حقيقتها الأولية بل بتلاقي كل واحد بالآخر انخلعت منها صورتها الأولى وحصلت للمجموع صورة اخرى فانقلبت شيئيتها [ الى ] شيئية اخرى ، فلها أيضا وجود واحد خارجي بلا وجود لأجزائها في الخارج ، فخرجت الأجزاء المزبورة أيضا عن مصب الأحكام الغيرية القابلة لتوجه الوجوب الغيري المستتبع لامتثاله مستقلا قبال وجوبها النفسي ،


293
وحينئذ لا مجال لتوهم ادخالها في حريم النزاع .

فما هو قابل لادخالها في حريمه هي المركبات الاعتبارية التي كان لكل جزء منها وجود مستقل غير وجود الآخر خارجا غاية الأمر [ شملتها ] وحدة اعتبارية من قبل وحدة عارضها من الهيئة المخصوصة كالسرير أو أثرها المخصوص بملاحظة تأثيرها في أمر خاص كمحركية أيادي متعددة لحجر واحد ، إذ حينئذ كان مجال توهم ان كل جزء بملاحظة وجوده مستقلا في الخارج يصلح أن يترشح إليها وجوب غيري قبال الوجوب النفسي العارض لمجموعها ، وان الفرق بين الجزء والكل حينئذ بصرف اعتبار الانضمام في الكل دونه .

فالاجزاء عبارة عن وجود كل واحد لا بشرط الانضمام ، والكل عبارة عن الوجودات الزبورة بشرط الانضمام .

والى مثل هذا البيان أيضا نظر من قال في الفرق بين الكل والجزء بأن الأجزاء مأخوذة لا بشرط والكل مأخوذ بشرط شئ .

وفي جملة من الكلمات المنسوبة الى المحققين جعل الفرق بين الكل والاجزاء بأخذ الجزء بشرط لا والكل بشرط شئ .

والظاهر أن مراده من بشرط لا صرف ملاحظته في قبال الغير لا ملاحظته مقيدا بعدم ضم الغير إليه كيف ! وهو لا يجتمع مع الكل في الوجود مع أن الكل حاو لأجزائه ويستحيل ان يفارق الجزء لكله وجودا خارجيا فلا معنى لأخذها بشرط لا إلا بالمعنى الذي نحن أشرنا إليه الذي هو قابل للاجتماع مع غيره .

وفي قبال هذ الاعتبار اعتبار كل جزء لا بشرط الراجع الى ملاحظة ذاته بنفسه لا في قبال الغير وبهذه الملاحظة قابل لحمل كل جزء على الآخر وحمل كل واحد على الكل .

وهذا المعنى من لا بشرط أيضا غير معنى اللا بشرطية من حيث الانضمام الذي أشرنا إليه سابقا إذ مثل هذا الاعتبار أيضا لا يصحح الحمل المزبور .


294

وعلى أي حال كل واحد من هذه التعابير ناظر الى جهة غير جهة اخرى .

نعم اعتبار الجزء بشرط لا من حيث الانضمام بالغير كما توهم في التقريرات المنسوبة الى شيخنا الأعظم في غاية السخافة كما أشرنا ولا أظن صدوره من خريط هذه الصناعة .

وبالجملة كلماتهم مشحونة في مقام الفرق بين الجزء والكل بما ذكرنا .

وعلى أي حال من المسلمات عند الكل أن الكل في الوجود الخارجي متحد مع وجود أجزائه ولذا يقال بأن الكل عين الأجزاء بالأسر غاية الأمر يدعى تقدم الأجزاء على الكل بالماهية وبالتجوهر وهو لا ينافي وحدة وجودهما خارجا .

وحينئذ نقول : مع فرض تعلق الوجوب النفسي بهذه الوجودات لا يبقى مجال لتعلق الوجوب الغيري من قبل هذا الوجوب بها إذ الوجود الواحد [ لا يحتمل ] الوجوبين .

وتوهم التأكد في مثل المقام غلط إذ الوجوب الغيري معلول الوجوب النفسي ومتأخر عنه بمقدار تخلل الفاء الحاصل بين العلة والمعلول وهذا الفاء مانع عن اتحاد وجودهما ولو بالتأكد كما أن التقدم بالماهية والتجوهر محضا يمنع كونه مناط ترشح الوجوب بل العقل لا يرى مناطه إلا التقدم خارجا ووجودا .

وحينئذ لا مجال لتوهم ادخال الاجزاء في مركز البحث أصلا .

ثم ان ذلك أيضا بناء على ممشى القوم في المقام من تعلق الوجوب النفسي بالمركب والكل المحفوظة كليته وتركبه في المرتبة السابقة عن الوجوب .

ولكن لنا في المقام مسلك آخر [ لا تنتهي ] النوبة بناء عليه الى ما أشرنا سابقا .

وتوضيح المرام بأن يقال أنه لا شبهة في أن تركب الواجب بما هو واجب


295
وارتباط أجزائه بالآخر في عالم الامتثال وقصده فرع وحدة الوجوب المتعلق بالمتكثرات بلا دخل في ساير الوحدات الطارية على الشئ من عارض خارجي مثل هيئة خارجية وأشكال مخصوصة حاصلة من اضافات بعضها ببعض باتصالها أو انفصالها في جهة تركب الواجب من حيث واجبيته .

كيف ! ولو فرض تعدد الوجوب المتعلق بكل واحد من الوجودات الموجودة تحت هذه الهيئة لاتكاد [ تتصور ] حينئذ انتزاع تركب الواجب عنه بل كل واحد من هذه الوجودات واجب مستقل في قبال الآخر ولو كان تحت هيئة مخصوصة دخيلا في تعلق الوجوب بها .

ويشهد له أن قصد امتثال كل واحد بما هو واجب ضمني أو غيري حينئذ تشريع محرم غاية الأمر اعتبار كونها تحت هذه الهيئة أوجب تلازم امتثالها خارجا ولكن مجرد ذلك لا يخرج كل واحد عن كونه واجبا مستقلا غير مرتبط في عالم واجبيته بالآخر .

وذلك أيضا في فرض دخل الهيئة المخصوصة في تعلق الوجوب بالمتكثرات تحتها بنحو الشرطية أو الشطرية .

والا فلو فرض قيام المصلحة بنفس الذوات على الاطلاق بلا دخل للهيئة الخاصة في المصلحة فيصير الوجوب حينئذ [ قائما ] بنفس المتكثرات بلا دخل لمثل هذه الهيئة فيها .

وفي هذه الصورة لا يكاد يتصور في متعلق الوجوب بما هو كذلك جهة وحدة وارتباط غير الارتباط الناشئ من قبل وحدة وجوبها بحيث لو فرض تعدد وجوبها واستقلال كل واحد بوجوبه لما كانت إلا [ واجبات ] مستقلة بلا ارتباط بينها في عالم واجبيتها .

وحينئذ لا يكاد [ يتعلق ] الوجوب إلا بالذوات المتكثرة بلا جهة وحدة في معروضه . كيف ! والوحدة الناشئة من قبل وحدة الوجوب والارتباط الجائي من


296
قبله يستحيل أخذها في معروضه والمفروض عدم أخذ وحدة اخرى في متعلق وجوبه ولو فرض أخذها فيه أيضا لا دخل لهذه الوحدة في الارتباط في الواجب بما هو واجب بشهادة فرض تعدد وجوب كل واحد مقيدا بهذه الوحدة كما أسلفناه .

وحينئذ أين كل [ واحد ] ارتباطي مأخوذ في متعلق الوجوب وموضوعه كي ينازع بأن جزء الواجب هل واجب غيري بمناط المقدمية أم لا .

بل اعتبار الكلية والجزئية بما هو واجب إنما هو في الرتبة المتأخرة عن الوجوب وفي هذه الرتبة لا يكون وجوب . وفي رتبه كان له وجوب ليس هنا صقع الكلية والجزئية كي يصير مركز البحث والقيل والقال في وجوب جزء الواجب كما لا يخفى .

فان قلت : لو تعلق الوجوب الواحد بمتكثرات تحت هيئة واحدة مثل السرير وأمثاله أو الهيئات المخصوصة بأشكال من المسدس والمربع وغيرها في فرض دخل الهيئة المخصوصة في الواجب فقهرا يكون هذا الواحد المتشكل بشكل مخصوص [ ذا ] أجزاء مرتبطة في رتبة سابقة عن تعلق الوجوب بها ففي هذه الصورة يبقى مجال البحث في أن جزء هذا الواحد المتشكل المعروض للوجوب واجب بوجوب غيري ام لا ، فنظر [ المتنازعين ] في وجوب المقدمات الداخلية الى أمثال هذا الفرض وهذه الصور .

قلت : بعد فرض عدم دخل هذه الجهة من الوحدة في تركب الواجب بما هو واجب بشهادة فرض تعدد الوجوب لكل واحد من الذوات مع الهيئة القائمة بها نقول :

إنه مع فرض تعدد الوجوبات فهل متعلق الوجوبات إلا ذوات [ كل واحد ] مع هيئتها في عرض واحد بلا اعتبار مقدمية لأجزاء هذا الواحد الخارجي لواجب مركب منها ؟


297

بل غاية ما في الباب حينئذ مقدمية بعض الواجبات لواجب آخر نظرا الى مقدمية معروضات الهيئة من الذوات للهيئة التي هي أيضا واجب مستقل في عرض وجوب البقية وذلك غير مرتبط بمقدمية الجزء للكل إذ لا يتصور حينئذ تركب وكلية للواجب كما هو ظاهر فكذلك نقول أيضا :

إنه لو فرض تعلق وجوب واحد بعين ما تعقلت الوجوبات المتعددة به لابد ان يقال :

ان معروض هذا الوجوب الواحد أيضا كل واحد من الذوات في عرض وجوب الهيئة بلا جهة ارتباط في جهة وجوبه إلا وحدة وجوبه نظرا الى عرضية الجميع في عالم عروض الوجوب فإذا [ كان ] في [ عروض ] الوجوب على الجميع عرضية محضة فأين مقدمية شئ لشئ بالنسبة الى معروض الوجوب بما هو معروضه .

ومجرد جزئية الذوات للمركب من حيث الشكل والهيئة لا يوجب جزئيتها لما هو واجب مركب في رتبة سابقة عن وجوبه كما هو ظاهر .

نعم غاية ما في الباب أيضا مقدمية بعض الواجبات الضمنية على واجب ضمني آخر نظير ما فرضنا مقدمية بعض الواجبات المستقلة على بعض في فرض تعدد الوجوب من دون فرق بينهما من تلك الجهة .

نعم غاية الفرق بينهما ان هذه المقدمية في فرض تعدد الوجوب يكون موجبا لترشح الوجوب من ذي المقدمة الى مقدمته ونتيجته تأكد وجوبه كما هو الشأن في كل واجب نفسي مقدمة لواجب نفسي آخر .

ولكن في صورة وحدة الوجوب [ لا تصلح ] هذه المقدمية ان [ تصير ] مناط ترشح الوجوب عن ذي المقدمة الى مقدمته لأن الوجوب الغيري الناشي عما هو متحد مع وجوبه يستحيل قبوله للتأكد كما انه يستحيل اجتماع الوجوبين أيضا في محل واحد والله العالم .


298

وبالجملة نقول إنه بعد فرض انتزاع تركب الواجب من وحدة وجوب المتكثرات يستحيل حينئذ تعلق الوجوب بالمركب والكل بما هو مركب اعتباريوكل ، بل صقع الكلية والجزئية في المرتبة المتأخرة عن وحدة الوجوب المنشأ لاعتبار الارتباط بين المتكثرات ولذا اشتهر في الأحكام الوضعية انتزاع الجزئية عن الوجوب ومن المعلوم أن لازمه انتزاع الكلية أيضا منه كيف والجزئية والكلية متضايفان منتزعان عن الشئ في رتبة واحدة فمع التزام انتزاع الكلية المساوق للتركب عن الوجوب فلا يكون في الرتبة السابقة اعتبار تركب وكلية بل ليس في هذه المرتبة إلا متكثرات تحت هيئة واحدة قابلة لتعلق وجوب واحد بها فيصير مركبا أو وجوبات متعددة فيصير واجبات متعددة بلا وحدة واجب ولا تركبه .

وحينئذ فمع الالتزام بتأخر صقع الكلية والجزئية رتبة عن وجوب الشئ كيف يبقى له مجال البحث في المقام بأن الوجوب إذا تعلق بالمركب فأجزاؤه الداخلية تحت بحث وجوب المقدمة إذ حينئذ لنا ان نقول : أين مركب اعتباري تعلق به الوجوب كي يبقى المجال للبحث المزبور فتدبر في المقام فانه من مزال الأقدام .

ومنها : تقسيمهم المقدمة [ الى العقلية ] والشرعية والعادية .

وقيل بارجاع الجميع الى العقلية وهو كذلك لو كان النظر في كل واحد بعد الفراغ عن مرحلة الاناطة التي هي مناط المقدمية . والا فلا شبهة في اختلاف المقامات بالاضافة الى هذه المرحلة لأنه ربما يكون اناطة أحد الوجودين بالآخر ذاتيا بحيث لو عرض على العقل يرى بينهما الترتب ، وأخرى يكون الاناطة بجعل شرعي ففي مثل هذا الفرض لا يرى العقل بنفسه بينهما اناطة وانما يرى الاناطة بينهما من ناحية الشرع ، وثالثة لا يرى الاناطة المزبورة إلا من جهة اقتضاء العادة ، وفي الأخير أيضا تارة [ تكون ] العادة بمثابة لا ينفك عن الاناطة المزبورة دائما واخرى ينفك عنه أحيانا .


299

وبهذه الملاحظة أمكن دعوى اختلاف المقدمات في الانتساب الى العقل والشرع والعادة بمناط اختلافهم في مناط المقدمية الذي هو جهة اناطة أحدهما بالآخر .

ثم لا اشكال في دخول المقدمات العقلية والشرعية والعادية بالمعنى الأول في حريم النزاع فيصير مقدمية نصب السلم من قبيل المقدمات العادية لكونه على السطح قبال الطهارة التي [ تكون ] من المقدمات الشرعية و [ تحصيل ] الماء الذي هو من المقدمات العقلية .

واما المقدمات العادية بالمعنى الثاني كاعتياده بحركة قبل صلاته مثلا ففي دخوله في حريم النزاع بحث ربما يجزم بخروجه عن مركز البحث ؛ إذ المدار في المقدمية على اقتضاء انتفاء ذيه وهذا المعنى لا يكاد يتحقق في مثله غاية الأمر يدخل ذلك في باب المقدمية الغالبية لا مطلقا وهو أجنبي عن محل الكلام فتدبر .

ومنها : تقسيمهم المقدمات الىالمقتضي والشرط وعدم المانع والمعد .

ومنشأ هذا التقسيم أيضا ليس إلا بلحاظ اختلاف المقدمات في أنحاء دخلها في وجود ذيها بعد اشتراك الجميع في أصل الدخل الموجب لانتفاء ذيها بانتفائها .

وتوضيح الحال في هذا المقام بأن يقال :

إن المقدمة تارة كان شأنها اعطاء وجود ذيها بحيث يخرج وجود ذيها من كمونه .

وتارة ليس شأنها ذلك بل كان شأنها تحديد دائرة الوجود بنحو يكون بهذا الحد قابلا للتحقق خارجا أو قابلا للتأثير في المقصود ومرجع هذا النحو من الدخل ليس الى تأثير المقدمة في وجود شئ لعدم كون الحد من سنخ الوجود بل مرجعه الى تضييق دائرة الوجود بحد يكون بذلك الحد قابلا للتحقق خارجاأو قابلا للتأثير في الغرض المقصود .


300

والحد مثل هذا الحد روحه يرجع الى انتهاء الوجود واتصاله بالعدم فلا يكون وجودا ولا عدما بل نحو اتصال بينهما ويعبر عنه بشر التركيب وهو أيضا لا يخلو عن مسامحة إذ ليس الحد مركبا منهما بل عبارة عن انتهاء كل منهما بالآخر .

ولئن شئت فعبر عنه بنحو اضافة واتصال بين الوجود والعدم لا وجود ولا عدم .

نعم له واقعية كالوجود في الخارج ولذا لا يكون موجودا ولا معدوما بل بنفسه كالوجود في الخارج غاية الأمر يتبعه .

ثم إن هذا الحد تارة ذاتي لوجود خاص واخرى عرضي بمعنى انه يلاحظ من وجود الشئ مقدارا منه على قيام استعداد التأثير في هذا المقدار وربما يقاس المقدار المزبور بمقارنته لشئ أوبسبقه به أو لحوقه بحيث يكون مثل هذه الاعتبارات من مقدرات الوجود بنحو ينحصر استعداد التأثير فيه وفي مثله قهرا يستند الأثر الى أصل وجوده ، وحده الى مقداره .

وعليه ربما تكون التحديدات القياسية - كان - لطرف اضافاتها دخل في حد الأثر أو في حد المؤثرية .

وبديهي ان هذا الدخل ليس خللا تأثيريا - بل هو نحو من الدخل وطور من الارتباط الذي ليس شأن وجودها اعطاء الوجود بل ليس شأنها إلا التحديد الموجب للقابلية على نحو لا يعلل كما لا يخفى وبهذه العناية يقال بأن شأن أمثال هذه المقدمات ليس إلا اعطاء القابلية للمعلول وجودا أم تأثيرا .

ومما يوضح هذه الجهة ملاحظة الشرائط الشرعية الصادرة عن العالمبالواقعيات في تحديد موضوعات حكمه بمقدار قابليتها للتأثير في أغراضه إذ ترى فيها تحديد موضوعه بكونه في حال كذا وبوصف كذا .

ومعلوم أن مرجعه الى تقييد الموضوع بامور يكون طرف الاضافة


301
لموضوعه الموجب لاناطة الموضوع به وهذه الاناطة ما جاءت إلا من جهة دخل المنوط به في الاضافة المزبورة المقدرة للوجود بكذا مقدار .

وليس شأنه اعطاء وجود الموضوع . كيف ! وما به انوجاده ليس إلا ارادة المكلف أو شئ آخر بل تمام شأنه اعطاء تقييد مخرج له عن سعة وجوده وكان محددا له .

والى ذلك نظر ما اشتهر في الشرط بأن التقييد به داخل في الموضوع دون القيد قبال الجزء الداخل فيه القيد بنفسه ومرجعه الى ما ذكرنا بأن الشرط مما به تقييد الشئ وهذا نحو من الدخل وطور من الاناطة الأجنبي عن دخل المؤثر في الوجود في متأثره بل غاية دخله اعطاء حد فيه به كان قابلا للتأثير ويكون بنحو من العناية دخيلا في قابلية الموضوع في تأثيره .

ولئن شئت قلت كان دخيلا في قابلية الموضوع بما هو موضوع للانوجاد أيضا .

ثم ان المحدد المزبور إن كان وجوديا يسمى شرطا وان كان عدميا يسمى وجوده مانعا ، وان كان باجتماعهما يسمى معدا كالاقدام .

وبهذه الملاحظة ربما يفرق تعريف الشرط وأمثاله مع المقتضي حيث صح أن يقال في المقتضي فانه مما يوجب وجوده وجود معلوله ولو في المحل القابل ولا يصح هذا المعنى في الشرط وأمثاله بل لا يصدق فيها إلا كونها مما يلزم من عدمها عدم المعلول .

ولئن شئت فعبر فيها بانها مما يلزم من وجودها قابلية المعلول للانوجاد ولو لملاحظة دخلها في تحديده بحد يكون بذاك الحد قابلا له كما أشرنا .

ومن هذا البيان ظهر مطلب آخر وهو أن المعلول إذا كان وجودا محدودا كان لحقيقته جهتان أحدهما حيث وجوده والآخر جهة حده وتقييده .

ومن المعلوم أن جهة الحد والتقيد قائمتان بحيث الوجود ومعلوم ان حيث


302
وجوده مستند الى المقتضي ، وحده الى شرطه أو عدم مانعه .

وحينئذ لجهة وجوده نحو أولية يوجب أوليته على جهة حده في انتسابه وجودا وعدما إليه .

ولذا اشتهر اسناد عدم المعلول الى عدم المقتضي حتى مع وجود المانع بلا اسناده إليه أصلا مع أنهما جزءان من العلة بنحو لا يتخلل بين المعلول وكل واحد منهما إلا فاء واحد فاصل بين الوجود والموجد والحد والمحدد ولكن هذا المقدار لا يتنافى مع اختلافهما في أصل الدخل ويكون أحد الدخلين في طول الآخر حسب طولية الحيثيتين [ المحفوظة ] في معلولهما الموجب لأولوية استناد المعلول الى المقتضي وجودا وعدما .

ومن التأمل فيما ذكرنا أيضا ظهر مطلب آخر وهو ان فيما كان دخله في المعلول من باب التأثير في وجود المعلول كالمقتضي فلا محيص من أن يكون مقارنا زمانا مع المعلول ولا يعقل تقدمه عنه ولا تأخره لانتهاء كل منهما الى انفكاك المؤثر الفعلي عن المتأثر والعقل يأبى عنه ولذا اشتهر عدم انفكاك العلة بهذا المعنى عن المعلول زمانا وان اختلفا رتبة بمقدار تخلل فاء عقلا .

وأما ما كان دخله من باب كونه مما به الحد والتقييد فلا يأبى العقل عن تقدم ما به قوام حد الشئ وتقييده عن الشئ زمانا بل عن تأخيرهما أيضا عنالمشروط بحسب الزمان إذ الاضافة إلى الامور المتقدمة زمانا أو المتأخرة كالنار على المنار وكالشمس في رابعة النهار .

وعمدة ما يختلج في الأذهان في استنكاره الشرائط المتأخرة توهمه لزوم مقاربة العلة بجميع [ أجزائها ] مع المعلول وهذا المعنى في غاية المتانة بالنسبة الى أجزاء العلة الموجدة التي شأنها اعطاء الوجود للمعلول وهو منحصر بالمقتضيات وأما بقية أجزاء العلة المصطلحة التي منها عدم المانع فهي خارجة عن دائرة اعطاء الوجود بل شأنها ليس إلا اعطاء القابلية للمعلول في الانوجاد .


303

ولقد تقدم أن مرجع اعطاء القابلية فيه الى كونها طرف اضافة لشئ يكون الشئ متحددا ومقدرا به وخارجا عن سعته بنحو يكون بهذا الحد قابلا للانوجاد وفي مثل هذا المعنى لا يأبى العقل عن تقدمه زمانا أو تأخره .

ومن العجب عمن بالغ في انكار الشرائط المتأخرة زمانا حيث يكون عمدة تشبثه في مدعاه بجعل الشرط متمما للمقتضي في التأثير فلنا حق السؤال بانه ما المراد من التتميم فان كان الغرض كونه من أجزاء معطيات الوجود فلازمه ارجاع الشرائط طرا الى أجزاء المقتضي وهو كما ترى .

ثم لازمه انكار مقدمية عدم المانع لو كان مناط المقدمية منحصرا بذلك لعدم تصور التأثير والتأثر بين الوجود والعدم .

وان كان الغرض معنى آخر غير ما ذكر وغير ما أشرنا إليه من الدخل في القابلية بالبيان السابق [ فعليه ] البيان .

وأظرف من ذلك تعبيرهم الآخر من كون الشرط موصلا لتأثير المقتضي الى المقتضى وأن المؤثر خصوص المقتضي فهذا البيان اكثر اجمالا من البيان الاول إذ مرجع الموصلية ان كان الى تأثير الشرط في اتصال الأثر عن المقتضيفهو صرف لفظ لا مفهوم له إذ لا فصل بين المقتضي ومقتضاه كي تحتاج الى سبب الايصال فلا محيص من عوده الى دخل الشرط في أصل التأثير فيعود الى ما ذكرنا من دخله في قابلية المحل للانوجاد من قبل مؤثره وحينئذ نقول إنه خرج كلية باب الشرط عن عالم المؤثرية وبعد ذلك لا يأبى العقل عن تقدمه أو تأخره زمانا عن المشروط كما أسلفناه .

وبالجملة نقول إنه لا واسطة بين عنوان التأثير في الوجود المعبر عنه بالموجدية وبين عنوان تحديد الوجود بحد قابل للانوجاد أو التأثير في المقصود المعبر عنه باعطاء القابلية للانوجاد وما يأبى العقل عن تقدمه أو تأخره هو الأول دون الأخير ولا يتصور في البين شق ثالث يجري عليه حكم الموجدية وما


304
في كلماتهم من التعابير المزبورة لا يكون إلا من باب اعمال نحو من العناية في معطيات القابلية لا ان غرضهم بيان معنى ثالث خارجا عنهما فلا يغرنك حينئذ مثل هذه البيانات لاثبات كون الشرائط أيضا بحكم معطيات الوجود في عدم التقدم والتأخر كما لا يخفى .

ثم ان [ لاستاذنا ] العلامة طاب ثراه في المقام كلاما آخر وهو انه بعدما التزم بلزوم تقارن أجزاء العلة بجميعها حتى الشرائط وعدم الموانع مع المعلول التزم في الأحكام بصحة الشرط [ المتأخر ] بارجاع الشرط الى وجودها العلمي لا الخارجي والغرض من وجودها العلمي أيضا وجوداتها التصورية في عالم الجعل فلا يتنافى مع ارجاع القضايا الشرعية الى القضايا الحقيقية الراجعة الى جعل الحكم منوطا بوجود موضوعه خارجا .

غاية الأمر يدعى ان الجاعل في مقام جعله تارة يتصور الموضوع أو الحكم منوطا بوجود الشئ سابقا واخرى متأخرا كتصوره منوطا به مقارنافجعل تصور الحكم المجعول أو موضوعه شرط جعله فجعله حينئذ منوط بتصور الموضوع أو حكمه لا مجعوله .

نعم لو ارجع العلم الى شرط المجعول من الحكم أو الموضوع فلا محيص من ارادته العلم التصديقي بهما وحينئذ [ تخرج ] القضية عن القضايا الحقيقية ويدخل في الخارجية حيث إن في القضايا الخارجية لا يصلح الحكم من الحاكم إلا في طرف جزمه بالتطبيق وذلك هو عمدة الفارق بين القضايا الخارجية والحقيقية كما لا يخفى .

واظن [ أن ] من راجع كلماته يرى منها ما شرحناه ولا يبقى مجال رده بان ما افيد مبني على خلط القضايا الحقيقية بالخارجية وان كلامه مبني على جعل القضايا الشرعية من الخارجية مع أن كلية القضايا في العلوم ليست إلا من القضايا الحقيقية .


305

وأضعف من ذلك توهم اقتضاء القضية الحقيقية اناطة الحكم بوجود موضوعه خارجا وحينئذ يستحيل مجئ الحكم قبل وجود موضوعه بعد ارجاع شرائط الحكم الى الموضوع طرا .

وتوضيح الضعف انه بعد تسليم جميع ما ذكر نقول إن الموضوع تارة مقيد بأمر مقارن مع حكم ذاته واخرى متقدم عنه زمانا وثالثة متأخر عنه كذلك .

فتارة يكون الموضوع المستطيع الظاهر في جري المشتق بلحاظ حال الحكم وتارة الموضوع من استطاع قبل ظرف الحكم وثالثة من يستطيع بعد ظرف الحكم .

فلا شبهة أن في جميع هذه الصور ما هو موجود في ظرف الحكم هو ذاته المقيد بأحد القيود وهو الذي يستحيل وجود الحكم بدونه واما قيده الخارج عن الموضوع مع دخول تقييده فيه فلا يلزم ان يكون موجودا في ظرف الحكم إلا إذافرض أخذه فيه بنحو المقارنة وحينئذ من أين [ تقتضي ] القضايا الحقيقية استحالة الشرط المتأخر وحينئذ لا يستأهل استادنا الطعن بمثل هذا البيان .

نعم الذي يصلح لأن يورد عليه هو ان الجعل تعبديا لابد وان يكون على وفق المصلحة ففي صورة لحاظ الأمر المتأخر مقدمة لجعله فمثل هذا اللحاظ وان كان بنفسه مقدمة الجعل ولكن بالاضافة الى المصلحة الداعية على الجعل المزبور لا محيص أن يكون طريقا الى دخل القيد بوجوده المتأخر في مصلحة بحيث لولا وجوده فيما بعد لا يكون العمل [ ذا ] مصلحة .

وعليه فلا محيص له إلا من التزامه بصلاحية الأمر المتأخر بوجوده الخارجي في المصلحة الفعلية كيف وبدونه لا يصلح مجئ الجعل بتصوره أيضا ومع التزامه بذلك لا يبقى مجال تصديقه بلزوم مقارنة اجزاء العلة خارجا وارجاع الشرائط المتأخرة في باب الأحكام الى شرطية وجودها العلمي كي لا ينخرم قاعدة مقارنة أجزاء العلة مع المعلول .

وكيف كان نقول بعد اخراج الشرائط وجودية أم عدمية عن عالم الموثر


306
في الوجود وارجاعها جميعا الى محددات الوجود ومقيداتها لا يبقى مجال لانكار الشرائط المتأخرة في الوجودات الخارجية أيضا فضلا عن الامورات الجعلية الكافي في جعلها تصور المجعول [ بحدوده ] الخارجية .

بل قيل بانه ربما ينتهي الأمر في المجعولات الاعتبارية الى توهم تقدم المعلول على [ علته نظير ] جعل الملكية - السابقة عن زمان جعله - منوطا باجازة المالك بناء على كون أمثالها من الاعتباريات المحضة . ففي مثل هذه الصورة ربما يتراءى تقدم الملكية التي هي معلول جعله على نفس الجعل ولكن حيث لا يكون في البين تأثير وتأثر بل غاية الأمر كون الجعل المخصوص منشأ اعتبارللمجعول الخاص فلا يأبى العقل بعدم المنتزع عن منشأ انتزاعه كما أنه ربما يتأخر عنه كما في العقود التعليقية ومن هذه الجهة ربما يكون أمره أهون من الشرائط في الأمور الواقعية .

نعم ما هو منها هو اناطة الجعل باجازة المالك ولو من جهة دخلها في مصلحة الجعل وفي هذا المقام ربما كان الشرط مقارنا مع مشروطه لا متأخرا .

وحينئذ فابتناء هذه المسألة على تصحيح الشرائط المتأخرة في الواقعيات لا يخلو عن خلط كما لا يخفى .

وحينئذ فالكشف المشهوري في باب الاجازة غير مرتبط بمرحلة الشرائط المتأخرة في الامور الواقعية .

نعم ما هو من بابها هو الكشف المنسوب الى صاحب الفصول من كون الاجازة شرطا [ متأخرا ] لجعل الملكية من حين العقد بحيث يكون ظرف الجعل هو حين العقد السابق على الاجازة وهذا المعنى بمعزل عن كلمات المشهور في باب الكشف والنقل للاجازة فراجع إليه .

( 1 ) الفصول الغروية : 55 ، السطر 29 من الطبعة الحجرية .


307

ولقد اختاره شيخنا العلامة أعلى الله مقامه في مكاسبه حيث ابطل كشف الفصول وارجع الكلمات الى الكشف بالمعنى الأول المنسوب الى المشهور .

ولكن في ايراده عليه [ بزعم ] كون أمثال هذه الامور الجعلية بالنسبة الى مناشئها من باب التأثير والتأثر كمال المناقشة ولا ضير فيه .

نعم لا بأس بناء على كون أمثال الملكية من قبيل الملازمات الواقعية لا الاعتبارية المحضة كما أشرنا إليه في باب الوضع فتدبر .

تتميم فيه تحقيق

وهو انه بعدما عرفت اختلاف انحاء الدخل في المقدمات لك أن تقول باختلاف مناط ترشح الطلب الغيري ولازمه اعتبار نحو اختلاف وميز في الوجوبات الغيرية بملاحظة اختلاف مناطها وحينئذ يلحظ كل واحد من هذه المناطات من حيث قيامها بواحد أو بمتعدد وبتبعه يعتبر في وجوبه أيضا كذلك .

وحينئذ يرفع بهذا البيان اشكال مشهور آخر في جعلهم - في باب المقدمة - بعضها واجبا واحدا مركبا وبعضها غير مركب كما ترى في غسل الاحداث والاخباث بناء على اعتبار التعدد .

وملخص الاشكال هو أن مناط المقدمية ان كان بترتب وجود المعلول عليه مستقلا فهذا المعنى غير صادق على الغسلين وان كان المناط بترتب العدم على العدم فهذا المعنى صادق على واحد من أجزاء الوضوء أيضا فما وجه التفكيك بين هذه الاجزاء مع غسل الاخباث ؟ .

وحل ذلك ليس إلا بما ذكرنا من البيان .

وربما أجابوا عن هذه الشبهات بأن اختلاف نحوي الوجوب بكيفية النظر الى الجميع منضما أو منفردا ولقد عرفت أن النظر باختلافه لا يصلح لتغيير الواجب عما هو عليه من الوجوب فراجع الى بحث اجزاء المركب فتدبر .


308

ومنها : تقسيمها الى مقدمة وجوب ومقدمة واجب .

وحيث إن الوجوب في الأول منوط بوجودها يستحيل تأثيره في ايجادها إذ نتيجة التأثير كون الوجود [ المتأثر ] مرئيا في الرتبة المتأخرة عنه وهذا المعنى لا يناسب مقدمية الوجوب المرئي في الرتبة السابقة على الوجوب كما لا يخفى .

ولذا اشتهر بأن الوجوب المشروط لا يقتضي حفظ شرطه .

وحينئذ فما هو داخل في حريم النزاع هو القسم الثانيمن مقدمةالواجبمن دون فرق في ذلك أيضا بين أنحاء المقدمة من المقتضي أم غيره نعم لو كان المقتضي من سنخ الارادة ربما يكون خارجا عن دائرة الوجوب الشرعي وان كان تحت الزام العقل بايجاده .

وعمدة النكتة في ذلك هو ان ارادة المكلف يرى من شؤون الخطاب نفسيا أم غيريا نظير دعوته فلا يعقل ان يقع موضوع نفسه كما أوضحناه في بحث الدواعي القربية .

وبعبارة اخرى ان شأن الخطابات نفسية أو غيرية احداث الدواعي والارادة نحو متعلقاتها فلا جرم يكون مثل هذه الشؤون من معاليلها وتبعاتها وخارجة عن موضوعاتها فلا مجال في مثلها إلا إبقاؤها تحت الزام العقل باحداثها مقدمة لإطاعة الخطابات من دون أن يكون موضوعا لها ، وحيث ظهر مثل هذه الجهة فنقول :

انه لا اشكال في بقية مقدمات الواجب المطلق إذ جميعها قابلة لتوجه الخطاب إليها ولو غيريا ولذا كانت داخلة تحت حريم النزاع في وجوبها غيريا .

نعم على القول بعدم وجوبها الغيري لا مجال لتوهم توجه الخطاب النفسي نحوها أيضا إذ الخطابات طرا لا يتوجه إلا الى موضوعاتها ومن المعلوم ان مقدمات الموضوعات طرا خارجة عنها والا فيصير جزء لها وهو خلاف مقدميتها الناشئة عن ترتب أحد الوجودين على الآخر . ولقد أوضحنا شطرا منها في باب


309
أجزاء المركب عند دفع توهم وجوبها بمناط المقدمية فراجع .

[ الوجوب المطلق والمشروط ]

ثم انه بعد وضوح هذه الجهات ينبغي طي الكلام في شرح الوجوب المطلق والمشروط وتوضيح المقال في هذا المجال يقتضي طي مقامات كي به يرتفعالظلام عن وجه الاوهام فنقول وعليه التكلان .

المقام الأول في تبعية الأحكام التكليفية بمباديها للمصلحة في المتعلق إذ المصلحة من الأغراض الداعية الى جعل الاحكام فيكون من مقتضياتها بحيث يكون الحاكم بمباديها من الارادة والاشتياق ناشيا منها .

وتوهم نشوها عن المصلحة في نفس الحك بمباديه خلاف الوجدان إذ الوجدان شاهد عدم توجه الاشتياق الى شئ بلا لحاظ خصوصية فيه على وجه يرى في رتبة سابقة عن اشتياقه لا لاحقة عنه كما لا يخفى . وتوضيحه بأزيد من ذلك موكول الى محل آخر .

المقام الثاني ان المصلحة القائمة بشئ تارة [ تقوم ] بوجود العمل على الاطلاق واخرى [ تقوم ] به مقيدا بشئ آخر . وفي الأخير تارة يكون القيد سببا لاتصاف الخصوصية القائمة بالعمل بكونه مصلحة واخرى موجبا لوجودها فارغا عن الاتصاف بكونه مصلحة .

وبعبارة اخرى تارة يكون القيد سببا للاحتياج الى شئ واخرى موجب لوجود المحتاج إليه ولا نعني من المصلحة إلا ما يحتاج إليه الانسان .

ولئن شئت توضيح الفرق بينهما فانظر الى المرض والمنضج بالنسبة الى شرب المسهل أو دواء آخر فان الأول سبب للاحتياج إليه والآخر سبب لوجوده [ فارغا ] عن الاحتياج إليه .

وحينئذ ظهر لك وضوح اختلاف أنحاء دخل القيود في المصلحة من دون


310
أن يكون دخلها فيها على منوال واحد كما هو ظاهر .

المقام الثالث في أن الانسان بمجرد علمه بوجود المصلحة في شئ بلا مزاحم لمفسدة اخرى فيه يتوجه إليه اشتياقه ولازمه ملاحظة [ ما قامت ] بهالمصلحة بجميع حدوده وقيوده .

وحينئذ فبأي نحو يكون القيد دخيلا في المصلحة بذاك النحو يكون لحاظه دخيلا في توجه الاشتياق نحوه ولازمه حينئذ أن يلاحظ قيود الاحتياج خارجة عن حيز اشتياقه وتوجه الشوق نحو العمل منوطا بفرض وجوده الطريق الى خارجه كما هو الشأن في دخله في المصلحة واتصافها بها حفظا لتبعية الاشتياق بشئ لنحو مصلحته فقيودها علاوة عن ان الانسان - مهما أمكن - لا يصير في مقام الاحتياج فما هو علة للاحتياج لا يشتاق إليه جزما .

نعم لابد وأن يلاحظ القيد المزبور ويجعل فرض وجوده مما انيط به اشتياقه تبعا لكيفية دخله في قيام المصلحة في المتعلق نعم قيود وجود المحتاج إليه لا محيص في صيرورتها في طي اشتياقه ولو غيريا .

ومن هذا البيان ظهر أن وجه اناطة الاشتياق بقيد وعدمه ليس إلا مستندا الى اختلاف أنحاء دخله في المصلحة لا أنه مستند الى اختلاف في كيفية نفس القيد من أخذ وجوده مطلقا أو من باب الاتفاق وان قيود الوجود طرا من قبيل الثاني كيف وهذا المقدار لا يوجب فرقا في توجه الاشتياق نحوه ولازمه الاشتياق الى حصول شرط الوجوب أيضا وان لم يكن واجبا وكان خارجا عن حيز الارادة كغير المقدور وهو خلاف ظاهر الخطابات المشروطة بشروطها الخارجة عن حيزها بجميع مباديها .

مع أنه كيف يلتزم في مثل الكفارة المنوطة بالعصيان إذ مقتضاه توجه الاشتياق نحو العصيان وهو كما ترى .

المقام الرابع ان الحاكم بعد اشتياقه الى فعل عبده فمع عدم وجود مزاحم


311
في البين يوجب هذا الاشتياق تحريكا للحاكم بابراز اشتياقه بانشائه على وفق مرامه ومثل هذه الحركة كاشف عن مرتبة من ارادة المولى لوجود العمل وحفظه بمقدار استعداد انشائه وخطابه بلا كونه مريدا له من سائر الجهات .

ومن هذا المقام أيضا ينتزع مقام جعل الأحكام إذ لا نعني من جعل الأحكام التكليفية إلا مجرد ابراز اشتياقه الكاشف عن مرتبة من الارادة المنتزع عن حملة نفس المشتاق الى حفظ وجود المقصود ولو من ناحية مقدمة من مقدماته فلا جرم يصير مثل هذه الخطابات حاكيا عن مرتبة من فعلية الحكم المحفوظ في حق العالم والجاهل وهو أيضا بنفسه قابل للتحقق ولو كان منفكا عن مقام محركية عبده . ولذا يصلح أن [ ينشئ ] الأمر ويبرز اشتياقه منوطا بفرض وجود الموضوع ولحاظه بحدوده وقيوده بلا احتياج الى وجوده خارجا أصلا .

ثم ان الغرض من الخطاب وابراز الاشتياق لما كان هو دعوة الخطاب لعبده فلا شبهة في أن شأن الخطابات ليس إلا مجرد صلاحيتها للدعوة وعدم قصور فيها من ناحيتها وإلا فمن البديهي ان الدعوة الفعلية [ المساوقة ] لمحركية الخطاب عقلا [ منوطة ] بتطبيق العبد جميع القيود المأخوذة في الخطاب حتى قيد القدرة المأخوذة فيه عقلا على المورد . ومن البديهي أن هذه المرحلة خارجة عن مضمون الخطاب ومتأخر عنه رتبة . وحينئذ فما هو مأخوذ فيه هي هذه الأمور بوجوداتها اللحاظية لا الخارجية كيف ووجودها خارجا إنما كان ضم العلم بها دخيلا في تطبيق الخطاب على المورد الخارج عن مضمونه وإلا ففي توجه اشتياق المولى نحو العمل المقيد بأي قيد لا يحتاج الى وجودها خارجا بل يكفي مجرد وجودها في لحاظ المولى فلا يكون للوجودات الخارجية المزبورة مدخلية إلا في تحريك العبد المنوط بتطبيق العبد إياها على المحل ولقد عرفت ان هذه المرحلة خارجة عن مضمون الخطاب ومتأخرة عن مضمونه رتبة .

ومن هذا البيان ظهر ان دخل قيد القدرة أيضا في الخطابات نظير دخل


312
سائر القيود فيه من كونه بوجوده اللحاظي مأخوذا في مضمون الخطاب وبوجوده الخارجي مأخوذا في مقام تطبيق العبد المنوط به محركية خطاب المولى .

وإن توهم من توهم في أخذ القدرة الخارجية من قيود الخطاب وشروطه كتوهمه دخل بقية القيود بوجودها الخارجي في مضمون الخطاب ليس إلا لأجل خياله أخذ فعلية الارادة المساوق للمحركية للعبد في مضمون الخطاب .

والا فلو فتح البصر ودقق النظر في أن مقام محركية الخطاب ودعوته الفعلية للعبيد إنما هو من شؤون [ تطبيق ] العبد خطاب مولاه بجميع قيوده حتى القدرة على المورد لا يبقى له مجال شبهة في أخذ وجود القدرة وأمثالها خارجا في مضمون الخطاب لبداهة أن مقام التطبيق المزبور متأخر عن مضمون الخطاب رتبة ويستحيل أخذها فيه .

نعم كلما له بوجوده الخارجي دخل في التطبيق لابد وان يكون بوجوده اللحاظي مأخوذا في مضمون الخطاب لاستحالة أوسعية مضمون الخطاب عن مرحلة تطبيقه .

فان قلت : إن غاية ما يستقل به العلق أن لتطبيق القدرة أيضا دخل في المحركية في عرض [ تطبيق ] سائر القيود المأخوذة في الخطاب وذلك لا يقتضي دخل القدرة ولو بوجودها اللحاظي في مضمون الخطاب كي يكون حال القدرة أيضا حال سائر القيود المأخوذة في مضمون الخطاب .

قلت : إن دخل القدرة في المحركية لا يكون إلا من جهة دخلها في وجود المرام عقلا وان لم يكن دخيلا في مصلحته ومن البديهي ان ماله الدخل في وجود مرام المولى لابد في مقام ابراز اشتياقه المقصود به التوصل به الى مرامه ان يلاحظه في مقام توجيه اشتياقه نحو مقصوده لجزمه بعدم وصوله بمقصده بدونه . غاية الأمر منشأ هذا الدخل هو العقل قبال سائر القيود [ إذ ] المنشأ [ لدخلها ] مدخليتها في المصلحة .


313

ومن هذا البيان أيضا ظهر معنى حكم العقل بشرطية القدرة في الخطابات بأن مرجع هذا الحكم الى دخل تطبيقه في محركية الخطابات لا دخله بوجوده فيه بمضمونه . كيف ؟ ولا يعقل دخله في صرف ابراز الاشتياق بحكم الوجدان ولا تكفل الخطاب لفعلية الارادة البالغة الى [ محركيته ] لعبده إذ هذه المرتبة من شؤون تطبيق العبد الاجنبي عن مضمون الخطاب كما عرفت والمفروض أيضا ان العقل لا يحكم بدخل القدرة في أزيد من هذه المرتبة .

نعم لازم دخلها في مرحلة التطبيق والمحركية دخلها بوجودها اللحاظي كسائر القيود في مضمون الخطاب .

وبذلك ربما يفرق بين القدرة والعلم مع ان كلاهما من مقومات التطبيق ومع ذلك مثل القدرة مأخوذة في مضمون الخطاب ولو بوجودها اللحاظي كسائر القيود الشرعية بخلاف العلم فانه لم يكن مأخوذا في الخطاب ولو بوجوده اللحاظي ولا يحسب أيضا من قيود الخطاب بوجه أصلا .

وتوضيح وجه الفرق هو ان العلم بالخطاب لما كان في رتبة متأخرة عن الخطاب فيستحيل أخذه ولو في عالم اللحاظ في مضمون خطابه إذ يرى العلم بالخطاب خارجا عنه وطريقا إليه . وكيف يرى دخيلا فيه في لحاظه الطريق الى الخارج بنحو لا يلتفت الى ذهنيته ؟ وهذا بخلاف نفس القدرة فانها بملاحظة دخلها في وجود المرام إنما [ كانت ] في عرض سائر القيود ، فلا قصور في أخذها بوجودها اللحاظي في مضمون الخطاب .

نعم للقدرة جهة فرق مع سائر القيود المأخوذة في الخطاب علاوة عنعدم دخلها في المصلحة دون سائر القيود الشرعية : ان الدليل على الدخل المزبور لما كان هو العقل المنفصل عن الخطاب فلا يوجب مثل هذا الدليل إلا رفع اليد عن حجية الخطاب في فعلية المحركية في ظرف تطبيقه .

وأما حجية الخطاب في ثبوت المصلحة حتى في حال العجز فلا قصور


314
للخطاب عنه .

وبمثل هذا البيان نتمسك باطلاقات الخطابات لإحراز المصلحة حتى في حال العجز لا بما يتوهم من التمسك باطلاق المادة دون الهيئة إذ التفكيك بين الهيئة والمادة في ظهور الاطلاق وعدمه مع اتصالهما في الكلام في غاية البعد والاشكال وسيجئ توضيح ذلك أيضا في بحث خطاب المشافهة إن شاء الله .

نعم مع انفصال القرينة العقلية في التمسك باطلاق الخطاب عند الشك في القدرة واحرازها به مبني على جواز التمسك بالعام عند الشك في مصداق المخصص اللبي وإلا كما هو المختار ففي التمسك باطلاق الخطاب اشكال .

نعم الذي يسهل الخطب هو ان الشك في القدرة في كلية التكاليف حتى الثابتة بأدلة لبية كحكم العقل بالملازمة وأمثاله محكوم عند العقل بالاحتياط بل وبالغاء احتمال عدمها قبال سائر قيود التكليف شرعا فانها تجري البراءة عند الشك وذلك هو الوجه في احراز القدرة مع الشك بها حتى في مورد لم يكن للتكليف اطلاق لا بالاطلاق في الخطاب كما توهم .

وكيف كان ظهر مما ذكرنا أن حال القدرة من سائر الجهات حال سائر القيود كانت بوجودها اللحاظي دخيلا في مضمون الخطاب وبوجودها الخارجي دخيلة في مقام تطبيق العبد ومحركيته .

وبالجملة نقول إن ملخص الكلام في كلية المرام حرصا لتوضيح المرام :

إن شأن الخطابات ليس إلا مجرد ابراز الاشتياق توطئة لدعوة المأمور وانبعاثه في طرف تطبيق المأمور هذا الخطاب على مورده وحينئذ من الواضح ان ما هو لازم من وجود الموضوع وقيوده خارجا إنما هو في طرف تطبيق المأمور الذي هو أيضا طرف محركية خطابه وبعثه الذي هو من آثار الخطاب وأما في نفس الخطاب فلا يحتاج الى احراز شئ من الموضوع بنفسه أو بقيده وإنما المحتاج إليه في هذا المقام ليس إلا لحاظ الموضوع بنفسه أو بقيده ، وفرض وجوده خارجا


315
بقيوده المشتاق إليه فعلا ويريدها بمرتبة منها الموجب له ابراز اشتياقه .

وحينئذ فمرتبة محركية الخطاب للعبيد أجنبية عن مدلول الخطاب بل هو من شؤون التطبيق المتأخر عن الخطاب رتبة ولذا نقول بأن لفعلية الخطاب مقام غير مقام فاعليته وانما مرحلة الفاعلية المساوق لتأثير الخطاب في حركة العبد منوط بتطبيق العبد إياه على المورد الذي هو في رتبة متأخرة عن مضمون الخطاب ويستحيل بلوغ نفس الخطاب الى هذه المرتبة لاستحالة شموله مرتبة متأخرة عن نفسه .

وحينئذ فما توهمه بعض بأن الخطابات حيث كانت في مقام انشاء البعث فلا تكاد تتحقق حقيقة المنشأ إلا بوجود شرطه خارجا وان روح الحكم هو البعث وأنه لا مجال للتفكيك بين فعلية الحكم وفاعله فاسد جدا .

إذ لنا أن نسال ان الغرض من البعث المساوق للمحركية ما هو محفوظ في مرتبة نفس الخطاب بلا دخل لمرحلة التطبيق المتأخر عنه رتبة فيه فهو من الأغلاط لما عرفت ان محركية الخطاب من شؤون تطبيق العبد لا من شؤونه ولو قبل التطبيق .

وان كان الغرض ان البعث من شؤون الخطاب ولو بشرط تحقق مقدماتللتطبيق ففيه : ان مثل هذه المرحلة إذا كان دخيلا في البعث يستحيل ان يكون البعث من شؤون الخطاب ومأخوذا فيه لاستحالة سعة الخطاب للمرتبة المتأخرة عن نفسه فكيف يكون الأمر المترتب في المرتبة المتأخرة من شؤون الخطاب ومضمونه ؟ .

ومما ذكرنا ظهر أيضا أن مفاد نفس الخطابات التكليفية [ أجنبي ] عن القضايا الحقيقية المستلزم فيها تبعية فعلية المحمول لفعلية موضوعه وفرضه لفرضه إذ في المقام فعلية مضمون الخطاب الذي هو المحمول تابع فرض وجود الموضوع ولحاظه طريقا الى خارجه وانما تخيل من تخيل كونها من القضايا


316
الحقيقية من جهة توهمه في أخذ حيثية المحركية الفعلية في مضمون الخطاب وعبر عنها بمرتبة الارادة والايجاب غافلا عن ان هذه المرتبة من لوازم تطبيق العبد خطابه على المورد وبديهي أن مرحلة التطبيق المزبور أجنبي من مفاد الخطاب ومتأخر عنه رتبة كما هو واضح .

كما أن من توهم توقف فعلية الوجوب بوجود الشرط خارجا أيضا مبني على أخذ المحركية في مضمون الخطاب والا لو ترى - كما أشرنا سابقا - ايضا أن شان الخطاب ليس الا بروز مجرد الاشتياق الملازم لمرتبة من الارادة من الآمر المتعلق بحفظ وجود مرامه بصرف خطابه مع جعل مقدمات التطبيق في عهدة عبده لكان يصدق ان هذا المقدار لا يقتضي فعلية وجود الشرط أو الموضوع بقيوده خارجا بل شأنه ابراز الاشتياق المنوط بوجود الموضوع بحدوده وقيوده في لحاظه الطريق الى خارجه فيكتفي بقوله﴿ لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا من دون احتياج مضمون الخطاب الحاصل فعلا الى وجود مستطيع أو استطاعة وانما يحتاج إليه في مقام تطبيق العبد إياه على المورد .

وعليه فلب الواجبات ومضمون الخطابات ليس إلا ارادة المولى الموجب لابراز اشتياقه لمحض الدعوة بمباديها في ظرف تطبيق العبد وهذه المرتبة من الارادة تارة مطلقة حسب اطلاقه اشتياقه واخرى منوطة بوجود موضوعه أو شرط من شروطه في لحاظ الآمر حسب اناطة اشتياقه بها وصالحة للمحركية في طرف تحقق مقدمات تطبيق المأمور هذه الكبريات على المورد بلا محركيتها للعبد فعلا .

ولعمري انه لا يكاد ينقضي تعجبي في أخذهم المحركية المزبورة في مضمون الخطاب وجعل الايجاب الذي هو مضمونه بزعمهم منوطا بوجود الموضوع والشرط خارجا بحيث يوجب فرض الموضوع فرض محموله ، وأدخلوا مثل هذه الخطابات أيضا في القضايا الحقيقية مع أن مضامين الخطابات التكليفية


317
على ما عرفت بما لا مزيد عليه أجنبية عن هذه المرتبة بمراحل .

ثم إن للعلامة الاستاذ كلام في تصويره اناطة فعلية البعث في المشروطات بوجود الشرط خارجا مع التزامه بكفاية وجوده اللحاظي في توجه اشتياقه .

وملخصه انه من الممكن قيام مفسد في بعثه قبل وجود شرطه فلا جرم يصير بعثه منوطا بانتفاء المفسدة الملازم لوجود شرطه خارجا .

ولكن لا يخفى ما فيه - مضافا الى أن ظاهر الخطابات المشروطة اناطة الوجوب بجميع مباديه على الشرط كما أن الظاهر منها أيضا أن الحكم بفعليته منوط بنفس الشرط لا بلازمه - انه ما المراد من البعث المانع عنه المفسد ؟ .

فان اريد مرتبة محركية الاشتياق للمولى في عالم جعل احكامه الفعلية على العباد ففيه : ان هذه المرتبة كما تقدم منتزعة عن مجرد ابراز اشتياقه بانشائه وخطابه ليدعو عبيده عند تطبيقه الى العمل وبديهي أن هذا المعنى قد تحقق إذبخطابه أبرز اشتياقه الغير المنوط لوجود شئ خارجا حسب اعترافه .

وان اريد مرتبة محركيته للعبد فقد تقدم انه تبعات تطبيق العبد مفاد الخطاب على المورد وهو حينئذ أجبني عن مضمون الخطابات طرا وكان منوطا بوجود الشرط خارجا بلا احتياج الى قيام مفسدة في نفسه كما لا يخفى .

ثم إن من شؤون كون المحركية من شؤون تطبيق العبيد كبراه على مورده ان العبد بمحض علمه بحصول الشرط في موطنه يقطع باحتياج حفظه مرام مولاه بحفظ مقدماته فعلا فيطبق الاشتياق الغيري على المقدمة الناشي عن الاشتياق الفعلي الحاصل في طرف لحاظ القيد في موطنه إذ لا يرى حينئذ قصورا في ترشح الاشتياق الغيري من الاشتياق الفعلي المنوط بوجود الشئ المحرز في موطنه فيتحرك العبد حينئذ نحو المقدمات قبل حركته نحو ذيها .

وحينئذ لنا أيضا [ ان ] نقول : إنه لو كانت المحركية الفعلية للمأمور [ مأخوذة ] في فعلية الارادة ومضمون الخطاب فيلزم الالتزام بتقدم ارادة المقدمة


318
في غالب المقامات عن ارادة ذيها وهو خلاف ديدنهم من تبعية ارادة المقدمة عن ارادة ذيها كما لا يخفى .

ومن التأمل فيما ذكرنا ظهر أيضا أن الخطابات بنفسها كافية في احداث الارادة الغيرية نحو المقدمات المفوتة بمحض تطبيق العبد الخطاب في المورد حتى في الموقتات قبل وقتها من دون احتياج الى خطاب آخر مسمى بمتمم الايجاب أو بالوجوب التهيئي إذ هذه التكلفات إنما [ هي ] من تبعات أخذ المحركية الفعلية في مضمون الخطاب ولقد عرفت ما فيه بما لا مزيد عليه .

وبالجملة نقول إن الواجبات والخطابات المطلقة مع المشروطة منها والموقتة قبل شرطيتها سيان في فعلية الاشتياق الذي هو مضمون الخطاب البالغالى مرتبة من الارادة بابرازها بها وانما الفرق بينهما في صرف اناطة الاشتياق بوجود الوقت أو المشروط في لحاظه في الثاني دون الأول .

نعم في المقام صورة اخرى من الاشتياق المتعلق بالمقيد لكن لا به بجميع شؤونه بل كان متعلقا به ببعض شؤونه على وجه يكون مانعا عن بعض أنحاء تروكه ، نظير ما تصورنا هذا النحو من الوجوب في الواجبات التخييرية .

ونقول إن المطلوب والمشتاق إليه هو المقيد من حيث ذاته التوأم مع قيده بلا توجهه الى قيده بل القيد خارج عن حيز [ الاشتياق ] .

فهذه الصورة من حيث عدم محركيته نحو المقيد إلا في ظرف وجود القيد [ شريكة ] مع الواجب المشروط .

كما [ أنها ] في عدم اناطة الاشتياق بوجود القيد شبيهة بالواجب المطلق فهو حينئذ نحو من الوجوب ووسيط بين المطلق والمشروط ومرجعه الى وجوب الذات الملازم مع وجوب قيده من باب الاتفاق كما هو الشأن في وجوب كل طرف من الوجوب التخييري بالنسبة الى وجود الطرف الآخر بلا اناطة كل منهما به .

ولذا ليست الواجبات التخييرية من سنخ المشروطات بل هي ايجابات


319
مطلقة ناقصة حافظة لبعض جهات وجود المتعلق الملازم لمنعها عن بعض تروكها لا مطلقا .

ففي ما نحن فيه أيضا قد يكون طلب المولى بالمقيد بهذا المنوال لا مطلق حافظ لجميع أنحاء وجوده ولا مشروط بقيوده ففي هذه الصورة أيضا إذا طبق المأمور مثل هذه الكبرى على المورد ولو باحرازه وجود القيد من باب الاتفاق في موطنه يتحرك فعلا من قبل ارادته الحاصلة بابراز المولى اشتياقه نحو مقدماته المفوتة من دون فرق فيه أيضا بين كون القيد الخارج عن حيز الاشتياق حالياأم استقباليا .

ولئن شئت فسم مثل هذه الصورة بالواجب المعلق الراجع الى فعلية الايجاب والارادة بمحض ابراز المولى هذا النحو من الاشتياق لعبده متعلقا بأمر استقبالي المستلزم لتحريك العبد عند تطبيقه نحو مقدماته المفوتة من قبل فعلية ارادة مولاه من جهة ابراز ارادته كما هو الشأن في المشروطات الموقتات قبل وقتها .

وبعد مثل هذه البيانات لا يبقى لك مجال حوصة وصيحة في انكار الواجب المعلق قبال المطلق والمشروط .

نعم إنما المجال لانكاره وللالتزام باناطة الوجوب في المشروطات بوجود الشرط خارجا وأن القضايا المشروطة والموقتات من قبيل القضايا الحقيقية في اقتضاء فعلية الموضوع فعلية المحمول وفرضه فرضية لو بنينا على أخذ مرتبة المحركية للمأمور في مضمون الخطاب .

ولقد تقدم منا أيضا أن تمام حوصتنا وصيحتنا [ البالغة ] الى السماء في انكار ذلك وان هذه المحركية من شؤون تطبيق العبد بمفاد الخطاب على المورد ومن البديهي أن مرحلة التطبيق المزبور كما تقدم أيضا متأخرة عن مضمون الخطاب رتبة ولا يعقل أخذها في مضمونه وذلك ظاهر لمن أنصف وأعرض عن الاعتساف .


320
هذا كله في شرح حقيقة الواجبات بأنحائها .

بقي الكلام في استظهار كل منها من نحو خطابه وحكم الشك في الكيفية عند الاجمال فنقول وعليه التكلان أيضا :

ان الخطاب تارة [ مطلق ] غير [ مشروط ] بشئ زائد عن الشرائط العامة بمعنى عدم وقوع اللفظ الحاكي عن [ الايجاب ] هيئة أو مادة في حيز اداة الشرطبل القيود المأخوذة فيه مأخوذة في طي متعلق الحكم ومعروضه .

واخرى كانت القيود المزبورة واقعة في طي أداة الشرط مثل المجئ في قوله إن جاء مثلا .

ونظيره ما كان من القيود [ مأخوذا ] في طي متعلقات الأفعال المعروضة للطلب في صورة ظهور الخطاب في اناطة الحكم بالمتعلق المزبور .

وثالثة صورة كون القيد [ مأخوذا ] في الفعل مع فرض خروجه عن حيز القدرة .

فعلى الأول فالظاهر من اطلاق الخطاب بمحموله وموضوعه كون الوجوب المتعلق بالمقيد وجوبا مطلقا حافظا لوجود موضوعه مطلقا وسادا لجميع أبواب عدمه .

كما أن الظاهر من الثاني في فرض وقوع الحكم المنشأ بمادته في طي الأداة كونه من المشروط لظهور أداة الشرط في كون متلوها شرطا لما انيط به من الحكم .

ومن هذا الباب أيضا القيود المأخوذة في طي المتعلق المعلوم اناطة الحكم بوجوده .

كما أن الظاهر من اطلاق الهيئة في الفرض الأخير عدم اناطته بوجود القيد بل إنما كان متعلقا بالقيد ببعض شؤونه لا بجميع انحاء وجوده بحيث يكون القيد المزبور خارجا عن حيز ارادته كما هو لازم القسم الأخير من الوجوب .


321

نعم قد يبقى الاشكال في صورة كون الحكم المتلو للاداة منشأ بالهيئة فان في كلماتهم [ اختلافا عظيما ] في ارجاعها الى الهيئة أو المادة .

ومنشأ الإشكال أمران :

أحدهما توهم كون مفاد الهيئة على حذو المعاني الحرفية معاني آلية غير ملتفت إليها وارجاع القيد الى شئ يحتاج الى الالتفات [ إليه ] .

ثانيهما ان مفادها معاني خاصة غير قابلة للسعة والضيق ببركة القيد فكيف يرجع القيد الذي شأنه [ التضييق ] إليها ؟ .

ولكن لا يخفى أن الاشكال الأول مبني على جعل المعاني الحرفية [ آلية ] [ مرآتية ] بحيث لا يلتفت إليها مستقلا أصلا وهو خلاف التحقيق بل لب معانيها من سنخ الاضافات والروابط بين متعلقاتها من المعاني الاسمية ومثل هذه الروابط ربما يلتفت إليها غاية الأمر تبعا لمتعلقاتها وهذا المقدار كاف في ارجاع القيد إليها كما لا يخفى .

وأما الشبهة الثانية فانما [ تتوجه ] لو اريد من الخصوصية المأخوذة فيها الخصوصية الناشئة حتى من قبل الحالات الطارية عليها وإلا فلو لم يؤخذ فيها أزيد من المشخصات الفردية والخصوصيات المفردة مع قطع النظر عن طرو الحالات الخاصة على كل فرد فرد فلا شبهة حينئذ أن كل فرد قابل للسعة والضيق من ناحية طرو الحالات المخصوصة عليها فلا قصور حينئذ في تضييقها بارجاع قيد إليه موجب لطرو ضيق حالي على الفرد المخصوص .

ثم ان ذلك بناء على الالتزام [ بخصو ص ] المستعمل فيه في الحروف ، وإلا فبناء على كونها من باب عموم الموضوع له والمستعمل فيه ولو بنحو نحن تصورناه في أمثال المقام بلا قصور أيضا في ارجاع القيد الى الجامع الملحوظ مع خصوصية فردية ومتحد معه في ذهنه كما لا يخفى .

وحينئذ فلا غرو في ابقاء ظهور اللفظ في رجوع القيد الى الحكم ولو كان


322
منشأ بالهيئة وحينئد فلا داعي على ارتكاب خلاف الظاهر في أمثالها وارجاع القيد الى المادة ويلتزم برجوع الواجبات المشروطة الى المطلقة المعلقة وان كان [ المعنيان ] سيان في عدم لزوم الامتثال إلا في طرف وجود القيد .

نعم هنا فذلكة اخرى و [ هي ] أن من التزم بارجاع الواجبات المعلقة الى المشروطة لابد له من جوابه عن الشبهتين في ارجاع القيود الى الهيئة والا فيكف يمكنه الالتزام باشتراط الوجوب الذي هو مفاد الهيئة في القضية وحينئذ فالجمع بين المسلكين غير معقول كما لا يخفى والله العالم .

ومنها : تقسيمهم الوجوب الى نفسي وغيري ومرجع الوجوب النفسي الى الايجاب الصادر [ من ] المولى بدوا بلا تبعية لايجاب آخر بخلاف الوجوب الغيري فانه ايجاب ناشئ عن ايجاب آخر ثم التزموا بأن المقدمة واجبة بالايجاب الغيري المسبوق بايجاب شئ آخر نفسي كوجوب الوضوء مثلا بالنسبة الى وجوب الصلاة .

وفي هذا المقام اشكال مشهور وهو أن الغرض من هذا التقسيم ان كان ارجاعه الى مرتبة لب الاشتياق فروح الارادة بها غيري ناشئ عن الاغراض المترتبة عليها من المصالح القائمة بها .

وان كان الغرض منه ارجاعها الى مقام ابرازهما بالخطاب الذي هو في الحقيقة منشأ انتزاع الايجاب دون المرتبة السابقة عن هذا الابراز ففيه ان لازمه عدم وجوب غالب المقدمات غيريا لعدم وقوعها في حيز خطاب أصلا ، وحينئذ أين مركز هذا التقسيم وما هو مقسمه ؟ .

وحل الاشكال بأن يقال إن هذه الشبهة إنما [ ترد ] لو كان المراد من الوجوب الغيري القائم بالمقدمة وجوبا مستقلا ناشيا عن الخطاب بها مستقلا .

وأما لو كان الغرض [ من ] وجوب المقدمة غيريا مجرد كونه من لوازمالخطاب لغيره بنحو يكون مدلولا التزاميا له فلا غرو حينئذ بدعوى كون مركز


323
التقسيم مقام ابراز الارادة ولو بكونه مدلوله الالتزامي فانه حينئذ أمكن دعوى ان المولى بأي عنوان ابرز ارادة بخطابه بدوا ينتزع عنه عنوان الوجوب النفسي وان كان لب ارادته غيرية وبأي عنوان ، ما ابرز بخطابه بدوا بل في ابرازه أوكل على ما هو مدلوله الالتزامي ولو عقلا انتزع من مثله الوجوب الغيري التابع لغيره في جميع العوالم من عالم الاشتياق الى عالم الابراز بالخطاب .

وبذلك يجاب عن النقض بصورة يكون الوجوبان النفسيان متلازمين في الوجود ، وابرز ارادته بخطابه في أحدهما وأوكل بمدلوله الالتزامي في الآخر ولازمه تبعية هذا الوجوب للآخر في عالم الابراز فيلزم أن يكون واجبا غيريا للآخر وهو كما ترى .

وتوضيح الجواب بأن مجرد التبعية في عالم الابراز غير كاف في غيرية الوجوب بل الوجوب الغيري ما هو تابع غيره في جميع العوالم كما أشرنا .

نعم هنا شبهة اخرى و [ هي ] أن ابراز الارادة لشئ ولو بالمدلول الالتزامي فرع الالتفات بموضوعه فمع الغفلة يستحيل كون المغفول عنه تحت ارادته كى يتكل في ابرازه بمدلول خطابه ولو التزاما وحينئذ فيخرج المقدمات المغفول عنها عن حيز الوجوب الغيري بأي مرتبة منه .

ودفع الشبهة - مضافا الى عدم [ ورودها ] في الشرعيات التي يأتي فيها المولى عن الغفلة عن مقدمات مطلوبه - انه يكفي فيه التفاته الاجمالي نحو المقدمة ولو بهذا العنوان في سراية الوجوب الى المعنون كما هو الشأن في كثير من الموارد الساري فيه الحكم الى موضوعه بعنوانه الاجمالي كالأحكام السارية الى كل فرد ملحوظ بعنوانه الاجمالي لا التفصيلي .

وهذه الجهة من الشبهة أيضا [ دعتهم ] الى تقسيم الوجوب [ الى ] الأصلي والتبعي .

وغرضهم من الأصلي ما هو منظور إليه تفصيلا ، ومن التبعي ما هو منظور


324
إليه بعنوانه الاجمالي المشير الى الموضوع بأشارة اجمالية كما لا يخفى .

ثم ان المناط في استحقاق العقوبة في نظر العقل بعد ما كان منحصرا بتفويت الغرض الاصلي فلا يرى العقل عقوبة على تفويت كل مقدمة مقدمة وحينئذ فليس الوجوب المتعلق بالمقدمات موجبا لاستحقاق العقوبة على كل مقدمة مقدمة وحينئذ لا مجال لتغير الوجوب القائم بالمقدمات بما يستحق فاعله العقاب على متعلقه بل هذا المعنى أيضا لا يجري في غالب الواجبات النفسية التي لب ارادتها غيرية وان كان في عالم الابراز لم يكن تبع غيره .

نعم في المقام شئ وهو أن المقدمة بتفويتها كما كان علة لفوت الغرض فالاقدام من الأول على هذا التفويت ابراز نحو جرأته على المولى وربما يستحق بهذه الجرأة والطغيان عقوبة مولاه ولكن لا بنحو يتعدد العقوبة بتعدد تفويت المقدمة عرضا إذ مناط الجرأة والطغيان على وحدة الغرض الأصلي فتفويت ألف مقدمة إذا لم [ ينته ] إلا الى فوت غرض واحد فلا يكون مثله إلا تجريا واحدا فلا يستحق حينئذ إلا عقوبة واحدة .

وحينئذ فلك أن تقول باستحقاق العبد من حين تفويته لكن لا من جهة تفويته بما هو بل من جهة دخوله به في صراط تفويت غرض المولى وهذا نحو طغيان كان شروعه من حين تفويت المقدمة .

وربما يؤيد بناء العقلاء على ذمه بمجرد رفع يده عن الشاهق بلا انتظارهم في لومهم الى حين موته كما هو ظاهر لصاحب الوجدان .

ثم انه كما كان تفويث المقدمة من حينه شروعا في الطغيان على المولى وبه يستحق اللوم والعقوبة كذلك اتيانها بقصد التوصل بها الى ذيها أيضا كان شروعا في تسليمه لمولاه وكونه في صراط اطاعته وانقياده .

ومن المعلوم أن العقل في هذه الصورة أيضا يرى استحقاق المدح والثواب بنفس شروعه بايجادها بهذا القصد .


325

نعم لا يستحق الثواب أيضا بايجاده المقدمة بما هو مقدمة ولو لم يكن في ايجاده قاصدا للتوصل به الى غرض مولاه كما عرفت من هم العقل في حكمه باستحقاق الثواب والعقاب كونه في مقام التسليم وطغيانه التابعين لكونه في صراط تفويت غرض مولاه وتحصيله وذلك لا يحصل إلا بصيرورته في مقام ايجاده المقدمة قاصدا للتوصل به الى الغرض وحينئذ يستحق الثواب بتسليمه من حين ايجادها ولو لم نقل بوجوب مقدمة الواجب .

نعم أمكن دعوى استحقاقه الثواب أيضا بمحض اتيانها بداعي وجوبها كما هو الشأن في الواجبات النفسية وان كانت لبها غيرية إذ لا شبهة في استحقاقه الثواب باتيانه لمحض محبوبيته لدى مولاه وان لم يكن بباله تحصيل غرضه .

فان قلت : إن ذلك يتم بناء على وجوب ذات المقدمة وأما بناء [ على ] وجوب المقدمة الموصلة كما يأتي ان شاء الله فلا يمكن الاتيان بداعي وجوبه إلا مع قصد التوصل بذيها فلا جرم يحتاج في التقرب بأمره الى قصد التوصل به الى ذيها إذ بدونه لا يكون واجبا .

ولا يرد في هذا المقام النقض بالواجبات النفسية التي لب ارادتها غيره إذ موصليتها الى الغرض ذاتي فيها من دون احتياج فيه الى ارادة وقصد آخربخلاف بقية المقدمات فان موصليتها منوطة باعمال ارادة اخرى نحو ذيها فحينئذ فهذه الارادة والقصد دخيل في وجوبها وحينئذ لا يكون دعوة وجوبه إلا في ظرف قصده لذي المقدمة [ الملازم ] القصد التوصل بها الى ذيها فإذا كان كذلك فنقول :

إن قصد التوصل مقدمة لدعوة أمره ، فمع تحققه يكفي في استحقاقه المثوبة مجرد هذا القصد السابق [ على ] دعوة الأمر فلا يبقى حينئذ مجال لصيرورة دعوة الأمر موجبا لاستحقاقه الثواب بعد الجزم بعدم استحقاق واحد على المقدمة .


326

قلت : إن غاية ما يقتضي القول بايصال المقدمة عدم الجزم بوجوبها في [ ظرف ] عدم العلم بالايصال لا في [ ظرف ] عدم قصده إليه فعلا إذ ربما لا يلتفت الانسان إلا الى ترتب ذيها وأما كونها منوطا بقصده لذيها فعلا فلا يلزم .

مع أنه لو فرض لزوم ذلك فلا شبهة في أن هذه الارادة [ ملازمة ] للتوصل بالمقدمة الى ذيها لا [ ملازمة ] لقصده وحينئذ ربما يلتفت الانسان الى الملزوم ولا يلتفت الى لازمه وعلى فرض الالتفات إليه أيضا لا يقتض الالتفات إليه قصده .

وحينئذ فملازمة وجود ذي المقدمة لوجوبها أجنبي عن ملازمة وجوبها لقصد التوصل بها الى ذيها بمراحل شتى ففي هذه الصورة لا بأس بدعوة وجوبها بلا خطور قصد التوصل بها الى البال .

وأضعف من ذلك تقريب آخر لاعتبار قصد التوصل في الامتثال وهو أن ارادته للعمل بعدما كان تبعا لارادة مولاه فلا محيص في كونه في مقام اطاعته مطاوعا لمولاه كمطاوعة القابل في عقود المعاملات للموجب . ومن الواضح أن روح المطاوعة بتبعية قصده لقصده وإذا كان قصد المولى للمقدمة التوصل به الى ذيها فلا جرم يكون قصد المأمور أيضا كذلك وإلا لم يكن مطاوعا له ولا مطيعالمثله .

وتوضيح دفعه بأن مرجع ما افيد الى أن الاطاعة والمطاوعة لا تكاد تتحقق إلا بكون ارادة العبد للعمل في الكيفية من حيث النفسية والغيرية تبعا لارادة مولاه وهو أول شئ ينكر كيف ؟ وفي هذا المقام يكفي النقض باطاعة الأوامر النفسية التي لب ارادتها غيرية إذا لم يلتزم أحد بلزوم ارادته لمحض التوصل به الى الغرض ، إذ بدونه لا يكون ارادة العبد غيريا . ولازم ما افيد حينئذ عدم تحقق الاطاعة فيها بصرف اتيانها بداعي محبوبيتها لدى المولى وهو كما ترى لا يستأهل ردا .

ثم انه بعد ما ظهر نحوي التقرب في المقدمات فلا بأس حينئذ بأخذ أحد


327
النحوين في المقدمات [ العبادية ] كالطهارات الثلاث .

وتوهم [ أن ] دخلها في المقدمية مستلزم لعدم التقرب بكل واحد من النحوين إذ حينئذ بدون التقرب لا يمكن اتيانها بقصد التوصل ولا بداعي وجوبها فينتهي حينئذ استلزام دخل التقرب في المقدمات [ العبادية ] الى توقف التقرب بها على نفس التقرب وهو كما ترى .

مدفوع بأن دخل التقرب في المقدمية لا يخرج ذواتها عما لها من الدخل فيها كما لا يخرج هذه الذوات عن صلاحية تعلق الوجوب بهذه الذوات في الرتبة السابقة عن التقرب بها كما هو الشأن في دخل التقرب بدعوة الأمر في الواجبات النفسية وبعد ذلك فلا غرو [ بقصد ] التوصل بنفس الذوات الى ذيها . وبمثل هذا القصد حينئذ [ تتم ] المقدمية بضم القربة .

كما لا غرو بجعل وجوب نفس هذه الذوات داعيا بنفسها ومتمما للمقدمية .

ولئن شئت قلت : إن الاشكال المزبور إنما يتم لو كان التقرب بأحد النحوين دخيلا في أصل المقدمية وتمامه لا دخيلا في تتميم المقدمة بعد الفراغ عن وجدان الذات لأصل المقدمية والوجوب .

فان قلت : إن الذات على الاطلاق لا يكون واجبا بناء على دخل الايصال فيه ومع عدم وجوبه كيف يتقرب بأمره ؟ .

قلت : ذلك كذلك ولكن لا يقتضي ذلك أيضا اناطة الذات في وجوبه بالتقرب به بل غاية الأمر ما هو واجب هو الذات التوأم مع التقرب في رتبة سابقة عنه كما هو الشأن في كلية العبادات كما لا يخفى .

وبعدما اتضح ما ذكرنا لا تحتاج هذه المسألة الى القيل والقال والالزام بما لا يلزم أو المخل بالمقصود فراجع الكلمات ترى أي قدر كثروا الكلام في هذه النقطة فتعرف قدر ما قلنا .


328

بقي الكلام في تحرير المبحث فيما هو الواجب فان في هذا المقام أيضا هوسات وصيحات عظيمة . فمنهم ذهب الى أن الواجب منها مطلق المقدمة ولو لم يوصل ولا قصد به التوصل الى ذيها .

ومنهم ذهب الى أن الواجب ما قصد به التوصل ولو لم يوصل .

ومنهم ذهب الى أن الواجب خصوص الموصل منها ولو لم يقصد به التوصل .

والتحقيق هو الأخير ثم الأول .

وأردأ الوجوه هو الوسط .

وذلك لان ما هو تمام الموضوع للارادة الغيرية ليس إلا ذات المقدمة ولذايترشح الارادة من الأغراض الأصلية الى ذوات الأفعال في كلية الواجبات النفسية التي كانت الارادة [ المتعلقة ] بها ناشئة من الغرض المترتب عليها .

كيف ؟ ولو كان لقصد التوصل الى ذيها دخلا في وجوب المقدمة يلزم عدم ترشح الارادة من الغرض الى ذوات الأفعال بل لابد من كون دخل قصد التوصل به الى الغرض دخيلا في وجوب العمل ولازمه في مقام التقرب في الواجبات النفسية عدم كفاية اتيان ذات العمل بداعي محبوبيته ومراديته لدى المولى بل لا محيص من اتيانه بقصد التوصل به الى الغرض .

وهو مضافا الى أنه فاسد جدا كما تقدم لازمه عدم التقرب بدعوة أمرها إذ نفس قصد التوصل به الى الغرض كاف في التقرب بها فلا تنتهي النوبة إلى حصول التقرب بدعوة أمره الذي هو في الرتبة المتأخرة عن قصد التوصل المزبور بعد الجزم بان في عبادة وعمل واحد لا يكون تقربان كما لا يخفى .

ولعمري ان هذا البيان برهان جزمي في عدم دخل قصد التوصل في وجوب المقدمة وإنما هي من تبعات التقرب بها ولو لم [ تكن ] واجبة لا أنها دخيلة في


329
وجوبها .

نعم هنا وجه آخر في عدم تعدي الوجوب عن صورة قصد التوصل بالمقدمة الى ذيها في بعض الفروض وهو صورة انحصار المقدمة بالمحرم وأقوائية وجوب ذيها عن حرمتها بدعوى أن مفسدة الحرمة يقتضي مبغوضية المقدمة على الاطلاق ، ولكن حيث اقترن بها جهة محسنة فقهرا يصير قوة تأثير المفسدة في مبغوضيتها أضعف .

وبعد ذا فإذا فرضنا أن الوجوب متعلق بالجامع بين ما فيه جهة محسنة وعدمه فالعقل يحكم بترجيح ما فيه الجهة المحسنة في ترشح الوجوب إليه علىغيره ، ففي غيره على اقتضاء حرمته ، ولازمه حينئذ انحصار الوجوب فيما نحن فيه بصورة اقترانه بقصد التوصل ، إذ فيها جهة محسنة حسب صلاحيتها للتقرب بها دون غيرها . ففي غيرها على حرمتها ولا يتعدى الوجوب حينئذ إليها ، وذلك أيضا لا لعدم المقتضي فيه بل لوجود المانع من بقاء تأثير الحرمة فيها بحاله .

هذا نهاية بيان لمرام بعض الأعاظم في وجه اختصاص الوجوب في مثل هذا الغرض بخصوص ما قصد به التوصل .

وفرع عليه بأن جواز العبور عن الأرض المغصوبة [ لانقاذ ] الغريق عند حصر الطريق به إنما هو منحصر في خصوص ما قصد به التوصل لا مطلقا وهكذا الأمر في نظايره .

ولكن لنا في المقام كلام وهو إن ذلك إنما يتم لو فر ض كون الجهة المحسنة في أحد الفردين أو الحالين جهة محسنة ملزمة ، إذ حينئذ لازم الجمع بين أغراض المولى مهما أمكن تخصيص الوجوب بما فيه تلك الجهة .

وأما لو فرض كون الجهة المحسنة غير ملزمة كما نحن فيه فلا شبهة في أن العقل أيضا يحكم بحفظ أغراض المولى بنحو كان المولى بصراط حفظه وإذا فرضنا أن المزية الزائدة لم تكن لدى المولى لازمة التحصيل فالعقل حينئذ


330
لا يحكم بلزوم حفظ [ أغراضه ] حتى ما لا يلزم حفظه لديه بل غاية الأمر يحكم باستحسانه لا بلزومه .

وهذا المقدار لا يقتضي - حتى فيما فرضت - اختصاص ما قصد به التوصل بالوجوب بل كان ذلك مورد استحسانه في اختياره ولقد شرحنا نظير هذه المقالة في العبادات المكروهة فراجع باب اجتماع الأمر والنهي ترى ما ذكرنا في المقامين حقيقا بالقبول .

هذا كله في دفع توهم دخل قصد التوصل في وجوب المقدمة .

وأما توهم وجوب مطلق المقدمة فعمدة النظر فيه أيضا الى عدم دخل حيثية الايصال الى ذيها في وجوبها لانه ان كان من باب دخله في وجوبه فيلزم وجوب المقدمة في [ ظرف ] وجوب وجوده ، إذ وجود ذيها يستحيل انفكاكه منها وهو كما ترى [ واضح ] فساده .

وان كان من باب دخله في الواجب فمرجعه الى كون الواجب من المقدمة مقيدا بوجود ذيها فلازمه تقيد الواجب بشئ يستلزم استحالة تركه وهو أفحش فسادا من الأول فلا محيص من عدم دخل حيثية الايصال الى ذيها في الوجوب أو الواجب . مضافا الى حكم الوجدان بأن تمام المناط في الوجوب الغيري هو ذات المقدمة بلا دخل شئ زائد عن المقدمية في وجوبه كما أسلفنا ذلك سابقا أيضا .

ثم نقول أيضا إن الغرض من كل مقدمة الذي هو الداعي على ايجابه ليس إلا ما يترتب عليه وحينئذ ليس وجود ذيها غرضا لكل مقدمة مقدمة إذ يستحيل ترتب ذيها بكل واحد منها فلا محيص من كون الغرض من كل مقدمة حفظ وجود ذيها من قبله وسد باب عدمه من ناحيته .

ولازمه ترتب مثل هذا الغرض على كل مقدمة ولو لم ينضم إليه غيره ولا يتحقق وجود ذي المقدمة ويستتبعه حينئذ وجوب ذاته وان لم يوصل مضافا الى


331
أن بوجود كل مقدمة يسقط وجوبه ويستحيل بقاء وجوده ولولا قيام الوجوب بها على الاطلاق يستحيل سقوط وجوبه حتى في حال انفراده عن بقية المقدمات .

وهذا غاية بيان لمرام القائل بوجوب المقدمة بذاتها على الاطلاق بلا دخلشئ آخر فيه .

ولكن لنا في مقامنا هذا كلام وهو أن هذه البيانات بعد تماميتها في نفسها إنما [ تنتج ] المقصود لو كان سد باب مترتب على مقدمة مطلوبا مستقلا .

واما لو بنينا على أن مطلوبية السدود إنما هو من لوازم مطلوبية وجود الشئ فلا شبهة في عدم اقتضاء مطلوبية الوجود بطلب واحد إلا مطلوبية مجموع السدود بنحو الارتباط ومقتضاه حينئذ تعلق الطلب الضمني بكل واحد بنفس ذاته في حال الانضمام بسد آخر لا مطلقا ولا مقيدا كما هو الشأن في وجوب كل جزء من أجزاء المركب وحينئذ من المعلوم ان من هذا النحو من الطلب القائم بالسد المترتب على كل مقدمة لا يترشح إلا نحوه الى المقدمة .

لا اقول إن مجموع المقدمات واجبة بوجوب وحداني ارتباطي .

كيف ؟ ولقد أشرنا بان اختلاف انحاء دخل المقدمة أوجب استقلال كل بارادة .

وانما [ نقول ] ان مطلوبية الغرض منها إذا كان طلبا ناقصا ضمنيا لا ينتج ذلك بالنسبة الى كل مقدمة إلا طلبا مستقلا غير منفك عن مطلوبية الغرض .

وحيث إن المطلوب من كل سد هو ذات السد التوأم مع بقية السدود كذلك الواجب من المقدمة أيضا هو الذات التوأم مع البقية بلا اطلاق ولا تقيد .

ولئن شئت تقول : إن عدم سراية الوجوب من المقدمة الى حال انفراده عن الغير إنما هو لقصور في وجوبه لا من جهة تقييد في الواجب بشئ .

وبعدما اتضح ذلك نجيب عن البرهان الأخير - مضافا [ إلى النقض ]


332
بأجزاء الواجب أو الواجب المشروط بأمر متأخر عنه - أن في أمثال المقام يسقط الوجوب عن الفاعلية ولو في فرض فعليته في الواقع .

وعمدة النكتة فيه أن مؤثرية الوجوب في الايجاد إنما هو في [ ظرف ] عدم وجوده ، وأما بعدما وجد فلا مجال لتأثيره .

لا يقال : إنه مع وجود الموضوع لا يبقى وجوب أصلا .

لانه يقال : ان ذلك كذلك في الواجبات المستقلة وأما في [ الضمنيات ] فقهرا يكون سقوطه توأما مع سقوط غيره ، وبعد فرض عدم سقوط الوجوب عن غيره يستحيل سقوط وجوبه . غاية الأمر حيث وجد موضوعه يسقط الوجوب عن التأثير .

وهذا معنى ما ذكرنا من التفكيك بين الفعلية والفاعلية في أمثال هذه الأوامر فتدبر .

وحينئذ نتيجة ما ذكرنا ليس إلا وجوب ذات المقدمة في حال الايصال [ لابشرطه ] ولا لابشرطه .

ولئن شئت تقول : إن الواجب في باب المقدمة ما هو الموصل منها بحيث يكون هذا العنوان كعنوان نفس المقدمية من العناوين المشيرة الى ما هو واجب لا انه بنفس هذا العنوان كان واجبا .

واظن أن غرض صاحب الفصول ( 1 ) أيضا ليس بأزيد من ذلك وان لا يفي به [ بيانه ] فتدبر .

ثم إنه قد يقال في ثمرة المسألة بأنه على القول بالايصال يلزم تصحيح العبادة حتى بناء على المقدمية لانه في ظرف . اتيان العبادة لا يكون عدمها محبوبا كي يستلزم مبغوضية وجوده لعدم تصور الايصال لعدمها حينئذ .

( 1 ) الفصول الغروية : 86 ، السطر 13 .


333

نعم يصح البطلان لو بني على الاطلاق في وجوب المقدمة .

وقد يتوهم بأن من طرف شرطية عدمه لوجود ضده فالأمر كما ذكرت .

وأما من جهة علية الوجود للعدم فالمقدمة موصلة فيصير الوجود مبغوضا ناشيا من مبغوضية ترك ضده .

ولكن قد تقدم سابقا أنه مع وجود الضد لا يكون المقتضي للآخر موجودا فالعدم حينئذ مستند الى عدم المقتضى لا وجود المانع بل المانع في هذه الحالة خارج عن المقدمية الفعلية وبعد ذا وجوده كيف يجلب المبغوضية من عدم ضده هذا .

ولكن مع ذلك يمكن دعوى أن هذا الوجود لا يصير محبوبا على الاطلاق إذ لو كان بمثابة لو ترك هذا ليريد ايجاد غيره فلا شبهة حينئذ في أن عدم هذا الوجود محبوب لكونه في هذا الغرض موصلا ولازمه مبغوضية وجوده حينئذ .

نعم يكفي في الثمرة عدم مبغوضية الوجود ولو في فرض عدم ارادة غيره على فرض تركه هذا لانه حينئذ لم يكن تركه موصلا كما لا يخفى .

بقي الكلام في بيان الوجه في أصل وجوبها موصلة أم غير موصلة ويكفي فيه شهادة الوجدان على نشوة الارادات من ناحية الأغراض المترتبة عليها إذ لبها في كثير من الواجبات النفسية غيرية ولو لا ترشح الارادة الغيرية من الشئ الى مقدمة لما يترشح الارادة من الأغراض الأصلية على الأفعال التي كانت مقدمة لترتب الأغراض .

ولعمري ان هذا الوجدان أصدق شاهد على المدعى بلا احتياج فيه على إقامة البرهان بتقريب أنه لو لم يجب لجاز تركه وحينئذ ، ان بقي الواجب على وجوبه يلزم التكليف بما لا يطاق ، وإلا يلزم خروج الواجب عن كونه واجبا ، كي يرد عليه بمنع الملازمة بين عدم الوجوب وجواز الترك فعلا إذ بعد حكم العقل بلابدية ايجادها مقدمة لامتثال ذيها لا يبقى مجال [ الحكم الشرعي ] بجواز تركه


334
فعلا إذ حكم هذه المقدمة حكم الغير المقدور تركه الآبي عن تعلق الحكم المولوي ايجابا أو ترخيصا نحوه .

نعم لئن أغمض عن منع الملازمة المزبورة أمكن تصحيح التالي بلا ورود اشكال عليه ؛ لانه لو فرض جواز الترك من ناحية الشرع : فلو بقي الوجوب لزم التكليف بما رخص في تركه ومن المعلوم أن لازم الترخيص الفعلي أن له اختيار تركه ففي هذا الظرف لو التزم بايجاد ذيها يلزم التكليف بما لا يطاق وإلا يلزم خروج الواجب عن كونه واجبا .

وحينئذ العمدة في رد البرهان المزبور منع الملازمة المسطورة ، ولكن قد عرفت أن شهادة الوجدان تكفينا لاثبات المدعى بلا احتياج فيه الى اقامة برهان كما لا يخفى .

خاتمة في بيان ثمرة المسألة

وأحسن ثمراتها التوسعة في دائرة التقرب بالمقدمة خصوصا إذا كانت المقدمة [ عبادية ] كما أشرنا في بحث التقرب بالمقدمة في طي تقسيم الوجوب [ إلى ] النفسي والغيري فراجع .

وأيضا ربما [ تظهر ] الثمرة فيما لو أمر بفعل له مقدمة فعلى القول بملازمة أمره بالفعل أمره بمقدمته ، ربما يستحق الفاعل المأمور الاجرة على المقدمة أيضا لانه أيضا تحت أمره ، وأما لو لم نقل بالملازمة المزبورة فلا يقتضي أمره بالفعل إلا استحقاق الاجرة على ذي المقدمة لا المقدمة لانه لم يكن بأمر الآمر وإنما الملزم له لابدية وجوده عقلا وذلك غير مرتبط بالآمر .

ثم في هذه الثمرة ربما يفرق بين القول بوجوب مطلق المقدمة أو الموصلة منها في فرض اتيانه بالمقدمة محضا فيستحق الاجرة عليها على الأول دون الثانيكما لا يخفى .


335

وأما بقية الثمرات المذكورة لها من عدم جواز أخذ الاجرة عليه بناء على وجوبه ، وجوازه بناء على عدمه ، أو النذر باتيان واجب أو واجبين مثلا في يومه ، وأمثال ذلك مما ذكر في المطولات فلا مجال لإتمامها ؛ إذ النذر لا يصلح أن يقع ثمرة في المسائل الاصولية الواقعة في طريق استخراج أحكام كلية كما أشرنا إليه في بحث الصحيح والأعم .

كما أن جواز الاجرة على المقدمة وعدمه تابع مجانية وجوده لدى الشارع وعدمها من دون دخل وجوبه وعدمه في جهة مجانيته إذ لا ملازمة بين الجهتين كما لا يخفى .

وقس عليهما حال بقية الثمرات المذكورة في المقام من دون مساعدة الفرصة لتعرضها ودفعها والله العالم .


336

337

المقالة العشرون

الامر بالشئ هل يقتضي النهي عن ضده

338

339

[ المقالة العشرون ]

في

أن الأمر بالشئ هل يقتضي النهي عن ضده أم لا ؟

على أقوال ، ثالثها التفصيل بين الضد الموجود وغيره بالاقتضاء في الأول دون غيره .

ثم إن الغرض ضمن الاقتضاء ليس إلا الاقتضاء في عالم الثبوت وأن الاقتضاء في عالم الاثبات من تبعاته ولذا ليس البحث مختصا بصورة ثبوت الأمر بلفظ وغيره ، وبه نخرجه عن مباحث الألفاظ .

وربما يكون مثل هذا العنوان قابلا لأن يجعل هذه المسألة من مبادئ الأحكام وأمكن ادراجها أيضا في العقليات الغير المستقلة وان كان جعلها من القواعد الكلية الواقعة في طريق استخراج أحكام كلية - كما هو شأن المسائل الاصولية - أوفق بالمقصود .

وأيضا نقول إن منشأ الاقتضاء لدى القائل به تارة صرف الملازمة بين وجود ضد وعدم الآخر ، وأخرى دعوى مقدمية عدم أحد الضدين لوجود ضده [ فتدخل ] المسألة حينئذ في طي مقدمات المسألة السابقة .

وحيث إن العقل يأبى عن اقتضاء صرف الملازمة بين الشيئين الملازمة بين حكميهما بشهادة الوجدان بأن الاشتياق الى شئ لا يقتضي الاشتياق الى


340
لوازم وجوده من احتياجه الى زمان أو مكان . وبهذه الجهة أيضا نقول بأن الأمر بالطبيعة لا يقتضي سراية الاشتياق الى الخصوصية بل ربما [ تكون ] الخصوصية [ مبغوضة ] لديه مع أنهما حيثيتان [ متلازمتان ] بل ومتحدان وجودا .

فالعمدة في المقام تخيل مقدمية عدم أحد الضدين لوجود ضده نظرا الى تمانعهما في الوجود ، وأن وجود كل واحد من موانع وجود الآخر ومعلوم أن عدم المانع من اجزاء العلة التامة . وحيث عرفت من ان دخل عدم المانع بل ووجود الشرط ليس دخلا [ تأثيريا ] بل هي دخيلة في قابلية المعلول للوجود - كما فصلنا الكلام فيه في باب المقدمة - لا يبقى مجال منع المقدمية باستحالة مؤثرية العدم في الوجود لعدم سنخية بينهما . كيف ؟ ولازم هذا الكلام اخراج عدم المانع كليةعن أجزاء العلة وهو كما ترى .

كما أن شبهة ورود الدور في المقام من استلزام التمانع بينهما توقف كل واحد من الوجود والعدم على الآخر نظرا الى أن عدم كل واحد شرط وجود الآخر ووجود كل واحد علة لعدم الآخر أيضا لا يكاد يتم كما عرفت في بحث المقدمة بأن عدم الشئ في صورة عدم المقتضي ووجود المانع مستند الى عدم المقتضي لا وجود المانع ففي ما نحن فيه عدم الضد مستند الى عدم ارادته لا وجود الضد .

نعم الذي يرد على المقدمية في الطرفين هو استلزام كون وجود كل واحد في رتبة متأخرة عن الآخر نظرا الى حفظ الرتبة الواحدة بين [ النقيضين ] . ونفس هذه الجهة محذور مستقل بل هو في الحقيقة وجه استحالة الدور أيضا هذا كله .

مضافا الى امكان دعوى أن مجرد التعاند بين الوجودين لا يقتضي التمانع المصطلح بل غاية اقتضائه عدم اجتماعهما في الوجوب . وهذا المقدار لا يقتضي تقدم أحدهما على الآخر بل غاية الأمر اقتضاؤه وجود أحدهما مع عدم الآخر ولو في رتبة واحدة وحينئذ لا موجب لاقتضاء أزيد من التلازم بين أحد الوجودين


341
في الضدين مع عدم الآخر بلا مقدمية لأحدهما على الآخر أصلا .

وحينئذ فلا موجب لاقتضاء الأمر بأحدهما النهي عن الآخر إذ قد عرفت بأن ما هو مقتضي له من المقدمية فصغراه ممنوعة وما هو موجود من صغرى الملازمة فكبري اقتضائه ممنوعة . ولذا كان نظر المشهور بين القائلين بالاقتضاء الى حيث المقدمية والتمانع المصطلحة ولا اظن فيهم من التزم باقتضاء صرف تلازم الوجودين التلازم بين حكميهما فراجع كلماتهم .

نعم غاية ما يقتضي التلازم المزبور عدم اجتماع الأمر بأحد الوجودين معالأمر بالآخر فوجوب الشئ حينئذ لا يقتضي إلا عدم وجوب آخر لا حرمته وهذا المقدار في الجملة مما لا اشكال فيه .

وإنما الاشكال ومعركة الآراء في أن الأمر بشئ يقتضي عدم الأمر بضده على الاطلاق ويقتضي عدم اطلاق أمره .

وأما إذا كان مشروطا بعصيانه بنحو الشرط المقارن فلا يقتضي الأمر بضده منعه .

وإليه ذهب جملة من أساطين الفن ، مبدأهم المحقق الثاني صاحب جامع المقاصد على ما نسب إليه وأيد هذا المسلك سيد الأساطين الميرزا الشيرازي عطر الله مرقده وتبعه جملة من أساتيد العصر رضوان الله عليهم .

ولا يخفى أن هذا المسلك يقتضي قهرا طولية الأمرين ولعله وجه مناسبة تسمية هذه المسألة بالترتب .

وعمدة نظرهم في وجه تصحيح الأمرين المزبورين في زمان واحد هو أن وجه المضادة بين الأمرين على الاطلاق وقوع المطاردة بينهما حيث إن كل أمر يقتضي وجودا طاردا لضده ولازمه ايقاع المكلف فيما لا يطاق ، وأما إذا كان أحدهما مشروطا بعصيان الآخر فلا يقتضي هذا الأمر طرد الآخر لعدم اقتضاء الأمر المشروط حفظ شرطه كما أن الآخر أيضا لا يطارد هذا لأمر المشروط


342
بعصيانه لانه في مرتبة وجود المشروط منعزل عن التأثير بل لا يكون في هذه المرتبة موجودا لاستحالة اطلاقه مرتبة عصيانه أو اطاعته وحينئذ فمن قبل هذين الأمرين لا يقع المكلف فيما لا يطاق لعدم أول أمره الى الجمع بين الضدين .

ولئن شئت قلت : بأن كل واحد من الأمرين في اقتضائه وجود المرام لا يزاحم الآخر لأن الأمر المطلق يقتضي طرد عصيانه الملازم لطرد نفس الأمرالآخر لا مقتضاه ، كما أن الأمر المشروط لا يقتضي طرد مقتضى الآخر لانه مشروط بعصيانه ، ولا يقتضي الأمر المشروط حفظ شرطه كما أشرنا هذا ملخص بيان مرامهم .

أقول ما افيد في بيان المرام في غاية المتانة ولكن هذا المقدار لا يقتضي طولية الأمرين واشتراط أحدهما بعصيان الآخر .

وتوضيح ذلك بأن يقال إنه لا شبهة في صورة تساوي المصلحتين في حكم العقل بالتخيير بينهما .

ومن الواضح أن مرجع التخيير فيهما ليس الى اشتراط وجوب كل واحد بعصيان الآخر إذ لازمه تأخر رتبة كل واحد من الأمرين عن الآخر والعقل يأبى عن مثله كما عرفت لزوم هذا المحذور في مقدمية كل واحد من الضدين للآخر ، وهو عمدة الوجه في ابطال التمانع المصطلح بينهما .

كما أنه ليس مرجعه أيضا الى اشتراط كل أمر بعدم وجود غيره الذي هو في رتبة سابقة عن التكليف ، إذ في مثل هذا الاشتراط وان لم يلتزم المحذور السابق وليس لازمه أيضا في ظرف عدم الضدين كونه ملزما بايجاد الضدين بنحو المطاردة ، إذ لازم الاشتراط المزبور خروج جهة الوجود الملازم لسد باب العدم من قبل الشرط عن حيز الايجاب فقهرا يكون الطلب في كل واجب مشروط طلبا ناقصا متوجها الى بقية جهات الوجود وسد سائر الأعدام غير سد باب واحد ملازم مع شرطه ، ومن المعلوم أنه لا ضير بتعلق مثل هذين الطلبين الناقصين


343
بوجود الضدين لعدم المطاردة بينهما بعد الجزم بأن الطلب ناقص في كل مشروط لا يصير تاما بوجود شرطه كما هو ظاهر .

بل عمدة الوجه في منع الاشتراط أنه بعد امكان توجه الطلب الناقصالى سائر الجهات الملازم لتحقق الجهة الملازمة لعدم الآخر من باب الاتفاق لاداعي على تقييد الطلب واناطته بعدم غيره بل يبقى الطلب الناقص على اطلاقه من هذه الجهة ولذا كان المغروس في الأذهان دخول الوجوبات التنجزية في الواجبات المطلقة وخروجها عن الواجبات المشروطة وأن روحها يرجع الى طلب الفعل بنحو يقتضي المنع عن بعض أنحاء تروكه قبال الطلب التام المقتضي للمنع عن جميع أنحاء تركوه مع اشتراكهما في اطلاق الطلب وعدم اناطته بشئ كما هو ظاهر .

وحيث اتضح ذلك فلنا أن نقول : إن الطلب بالنحو المزبور إذا لم يكن بينهما مطاردة لنقص فهما كذلك لم يكن بينهما المطاردة المزبورة لو فرض نقص الطلب من طرف واحد ولو لم يشترط الطلب الناقص المزبور بعصيان الآخر أو بعدم الضد [ السابق ] على العصيان .

فان قلت : كيف لم يكن حينئذ المطاردة بينهما مع أن الطلب التام في الطرف الآخر يطرد الأمر الناقص بمقتضاه وان لم يكن الأمر الناقص يطرد الأمر التام ، لان مقتضاه حفظ الوجود من سائر الجهات غير ما يلازم وجود غيره .

قلت : بعد ما اعترفت أن مقتضى الطلب الناقص حفظ سائر الجهات في طرف انسداد الباب الملازم لوجود الضد ، كيف يقتضي الطلب التام طرد هذا المقتضي ، إذ نتيجة طرده منع انسداد تلك الجهة ، وفي ظرفه لا اقتضاء للطلب الناقص ، فأين المطاردة ولو من طرف واحد فضلا عن الطرفين ؟ .

وبعد ما اتضح ذلك نقول إن اللازم بحكم العقل رفع اليد عن ظهور


344
الأمر في التمامية إذ هو المتيقن في البين سواء قلنا باشتراط الأمر بعصيان أم لا ،فيبقى جهة ظهور الطلب في عدم اناطته بشئ تحت الاطلاق ، ولازمه عدم طولية الطلب بالضدين بل كل منهما مطلوب في عرض مطلوبية الآخر غاية الأمر مع [ تساوي ] المصلحتين كل واحد منهما ناقص قاصر عن اقتضاء سد باب جميع الأعدام .

ومع أهمية المصلحة في أحد الطرفين كان الطلب في الأهم تاما وفي المهم ناقصا بلا لزوم الالتزام بشرطية العصيان في أمر المهم أو شرطية غيره كي يوجب ذلك طولية الأمرين كما يفصح عن مثله عنوان الترتب في كلماتهم فتدبر في المقام فانه من مزال الأقدام .


345

المقالة الواحدة والعشرون

شرح مفاد النهي

346

347

[ المقالة الواحدة والعشرون ]

" في شرح مفاد النهي"

والظاهر أن مفاده الردع عن العمل قبال البعث إليه في الأمر .

وهذا العنوان مثل عنوان البعث في الأمر ، منتزع عن مرحلة ابراز المولى بغضه للعمل بانشائه بقصد صلاحيته لدعوة المكلف الى تركه في طرف تطبيق كبراه على المحل فيردع نفسه عنه بلا أخذ الدعوة الفعلية ولا الرادعية كذلك في مضمون الخطاب أيضا : إذ هذه كلها من شؤون تطبيق العبد الكبريات على المورد كما أسلفناه في باب الأمر .

وحيث عرفت أن مفاد النهي هو الردع عن العمل فكان النهي مثل الأمر متعلقا بالعنوان الحاكي عن الوجود لا بنفسه .

وحينئذ الامتياز بين هيئة النهي والأمر إنما يكون بتمام المفاد لا ببعضه كما توهم بخيال أن مفاد النهي هو طلب الترك قبال الأمر الذي مفاده طلب وجود الفعل فأخذ الوجود في مدلول هيئة الأمر قبال أخذ الترك في مدلول هيئة النهي مع جعل المتعلق لهما نفس الماهية عارية عن الوجود والعدم إذ حينئذ يكون الامتياز بين الهيئتين بجزء من مدلولهما مع اشتراكهما في دلالتهما على الطلب


348
المتعلق بوجود الماهية أو عدمه .

وتوضيح الفساد : أن من المعلوم أن العنوان المأخوذ في مادة الهيئتين إنما اخذ بنحو الحكاية عن الخارج بلا التفات الى ذهنيته وفي هذه الحكاية لا يرى منه إلا الوجود كما هو الشأن في الاخبارات أيضا فاستفادة الوجود من حكاية المادة جهة مشتركة بين الأمر والنهي فلا يبقى فارق بينهما إلا من حيث البعث إليه أو الزجر عنه وهما مأخوذان في هيئتهما ليس إلا ، بلا أخذ وجود أو عدم في مفاد الهيئة [ الذي ] هو من المعاني الحرفية كما هو الظاهر وجدانا .

ثم ان ظاهر اطلاق المادة في طي الأمر لديهم كون المطلوب صرف وجود الشئ الساقط بأول وجوده ، كما أن بناءهم على استفادة الدوام في النهي بنحو لا يسقط النهي بأول وجوده .

وحينئذ ربما يتولد في المقام اشكال وهوأن طبع اطلاق المادة ان اقتضى كون المتعلق صرف وجود الطبيعة فلازمه سقوط الأمر والنهي المتعلق بها بأول وجوده أيضا ، وان اقتضى كون المتعلق الطبيعة السارية فلازمه عدم سقوط الأمر كذلك بأول وجوده أيضا فما الفارق بينهما ؟ .

وقد يتوهم الفرق بينهما من جهة القرينة النوعية على الدوام في النهي دون الأمر .

وفيه أنه كلام ظاهري إذ ليس نظرهم في استفادة الدوام من النهي أيضا الى غير طبع اطلاق المادة .

والتحقيق أن يقال - كما مر سابقا أيضا - : ان مرجع الاطلاق الذي هو نتيجة مقدمات الحكمة ليس إلا الى جعل الطبيعة المهملة المحفوظة في ضمن جميع صور الماهية من المقيدة والعارية عن القيد وغيرهما تمام الموضوع للهيئة مثلا ، ومن المعلوم ان طبع تماميته للموضوع تحقق تمامه بأول وجوده ولازمه سقوط الأمر المقصود منه الوجود بذلك اذ لا قصور في تماميته لموضوع أمره .


349

وأما في النهي حيث كان المقصود الأصلي إعدامه فطبع اطلاق المهية المهملة يقتضي عدم صدق الإعدام عليها إلا بإعدام جميع افرادها حتى المتعاقبة منها إذ بوجودها ولو بعد وجوده يصدق أيضا وجود الطبيعة المهملة فلا مجال لإعدامها الا بترك ذلك أيضا .

وحينئذ هذه الجهة من الفرق بين الأمر والنهي إنما جاء من ناحية اختلافهما في المقتضي بالفتح لا من ناحية طبع اطلاق المادة .

نعم هذا الاشكال انما يتسجل على مسلك من تخيل أن نتيجة مقدمات الحكمة مطلوبية الطبيعة الصرفة قبال المقيدة الذي هو مسمى باللابشرط القسمي ، إذ حينئذ كان مجال الاشكال السابق في النواهي باقيا ، إذ الطبيعة الصرفة إذا [ تحققت ] لا يتصور [ لها ] تكرر وجود لان صرف الشئ غير قابل للتكرر بنحو التعاقب فمهما تحقق في الخارج يسقط النهي عنه ولا يكاد يبقى في ثاني الوجود ، لعدم انطباق الصرف عليه كما هو ظاهر .

وأما بناء على ما ذكرنا من أن نتيجة المقدمات ليس إلا جعل الماهية المهملة الجامعة للمطلقة والمخلوطة تمام الموضوع فلا يكاد مجال للاشكال المزبور .

إذ حينئذ منشأ الفرق بين الأمر والنهي اختلافهما في كيفية الاقتضاء إذ الأمر يقتضي وجود الماهية وبديهي أن وجود الماهية الجامعة المحفوظة في ضمن المجردة والمخلوطة بتمامه يتحقق بأول وجوده فلا يبقى حينئذ مجال لاقتضاء الأمر شيئا .

كما أن النهي يقتضي عدم هذا الجامع بين المجردة والمخلوطة ولا يكاد يتحقق إلا بعدم تمام الأفراد حتى الأفراد المتعاقبة التدريجية ولو من جهة كونها أحد مصاديقها وذلك عمدة الفارق بين الأمر والنهي مع فرض اتحادهما في كيفية الاطلاق وما هو نتيجة مقدمات الحكمة كما لا يخفى وتوضيح المقام بأزيد من ذلك موكول الى محله إن شاء الله تعالى .


350

ثم لا يخفى أن طبع النهي لما كان الردع عن الوجود فطبع الاطلاق كما يقتضي الدوام بنحو شرحناه كذلك يقتضي الفورية إذ لازم إعدام الطبيعة من حين الإنشاء عدم وجوده من حين النهي . وبذلك أيضا يفرق النواهي عن الأوامر بعدم اقتضائها في الأمر فورية ولا [ تراخيا ] ولا الإدامة ايضا بخلافه في النواهي فإنه يقتضي بالأخرة الإدامة والفورية كما لا يخفى والله العالم .


351

المقالة الثانية والعشرون

اجتماع الامر والنهي

352

353

[ المقالة الثانية والعشرون ]

في

( جواز اجتماع الامر والنهي في واحد يكون مجمع الخطابين )

وقد اختلفت كلمتهم فيه بمنتهى الاختلاف بحد غير قابل للائتلاف .

وتنقيح المرام يحتاج الى بيان مقدمة ربما نكتفي بها لتوضيح المقام بلا احتياج الى المبادئ التي كثرها الأعلام فنقول وبه التكلان :

إن المراد من الواحد في العنوان هو مجمع العنوانين ولو كليا ، كما هو المناسب لاصولية المسألة المستخرج منها المسألة الكلية الفقهية .

كما أن المقصود من الواحد المجمع ما كان له وجود واحد ، وتحت حد خارجي فارد . فلا يشمل الوجودين المتصل [ احدهما ] بالآخر من مقولتين أو مقولة واحدة على وجه يكون التركيب بينهما انضماميا من حيث الوجود خارجا ، إذ مثل ذلك داخل في المتلازمين وجودا ، ولا اشكال لأحد في عدم مانع لمحبوبية أحدهما ومبغوضية الآخر ، بعد الفراغ عن عدم مقدمية ترك أحدهما للآخر لفرض تلازمهما وجودا كما لا يخفى .

وحينئذ كل مورد يكون المجمع مركبا من وجودين على وجه يكون بكل جزء مصداقا لمقولة غير الآخر فهو خارج عن محط البحث - كما هو الظاهر - .

فمركز البحث منحصر في المقام بصورة وحدة الوجود في المجمع على وجه كان هذا الواحد مصداقا للعنوانين - ولو لما فيه من الحيثيتين - .


354

حينئذ نقول : إن روح هذا البحث الى أن الامر بعنوان منطبق على هذا الوجود هل يسري باقتضاء اطلاق خطابه الى ما هو موضوع النهي المتعلق به - ولو ضمنا - كي يستحيل جمعهما في المجمع الواحد ، أم لا يسري إليه كي لا يكون مانع عن اجتماعهما في المجمع ؟ .

وحينئذ عمدة مبنى القائل بالجواز عدم السراية المزبورة ، قبال مبنى القائل بالامتناع فانه يلتزم بالسراية المتقدمة فيدعي استحالة الاجتماع في الواحد .

وحيث عرفت ذلك فاسمع أيضا : ان القائل بعدم السراية الذي هو مبنى جوازه ، تارة نظره الى عدم سراية الامر من الطبيعي الى فرده في أي مقام كان - وفي هذه الكبرى ربما يخالفه القائل بالامتناع بلا مخالفة بينهما في الصغرى ، حتى في مثل الصلاة في الدار المغصوبة الذي هومصداق طبيعة الصلاة - .

وعلى هذا المبنى في الجواز لا يحتاج قائله الى اختلاف العنوان في متعلقي الأمر والنهي بل مع اتحادهما عنوانا واختلافهما في صرف الكلية والجزئية يكتفي به في مصيره الى الجواز ، فيلتزم - حتى في مثل " صل " و " لا تصل صلاة جعفر " –

بالجواز فضلا عن المثال السابق ( 1 ) .

واخرى نظره - بعد التزامه بسراية الحكم من الطبيعي الى فرده - الى حيث مكثرية الجهات في وجود بحيث يلتزم بأن الحكم بعد سرايته الى فرده لا يكاد يسري من هذا الفرد الى فرد آخر من الطبيعي المنهي عنه .

ولا يخفى ان هذا القائل لابد وان يجرى كلامه في صورة كون المجمع تحت

( 1 ) والفرق بين الموردين ، الذي جعل الالتزام بالجواز في المورد السابق اولى هو ان النسبة بين متعلق الامر ومتعلق النهي هنا عموم وخصوص مطلق بخلاف النسبة بينهما في " الصلاة في الدار المغصوبة " فان النسبة بينهما عموم وخصوص من وجه .


355
عنوانين مختلفين منتزع كل منهما عن مرتبة من الوجود غير المرتبة الاخرى مجتمعان في وجود واحد ، ويدعي أيضا أن الصلاة في الدار المغصوبة من هذا الباب ، وأن المجمع المزبور مجمع الفردين من الطبيعتين على وجه لا يسري الحكم من أحدهما الى الآخر ، ولا شبهة حينئذ أن القائل بالامتناع لا منازعة ( له ) ( 1 ) حينئذ في الكبرى المزبورة ، وإنما تمام بحثه معه في الصغرى ، وان نزاعه في أن باب الصلاة في المغصوب من هذا القبيل كي [ تكون ] الجهتان [ فيه تقييديتين ] باصطلاحهم أم ليس كذلك بل هو من باب سراية الحكم من الطرفين الى جهة واحدة مصداق عنوان واحد في الحقيقة كي [ تكون ] الجهات الزائدة المتعددة فيه من [ قبيل ] علل ترشح الحكمين الى جهة معينة بحتة بسيطة [ فتكون ] الجهتان فيه [ تعليليتين ] .

وعليه فكم فرق بين مشربي القائل بالجواز ، ففي الأول القائل بالامتناع ينازعه في أصل الكبرى مع تسليمه صغراه وفي الثانية تمام بحثه معه في تطبيق كبراه من العنوانين المتخالفين حتى مصداقا على مثل الصلاة في المغصوب ويكون نزاعه معه في الصغرى المزبورة ، والا ففي كبراه من عدم السراية عند اختلاف العنوانين حتى مصداقا في المجمع لا نزاع معه في جواز الاجتماع .

وحيث اتضح لك مركز البحث فينبغي تشريحا للمرام جري الكلام في [ مقامين ] :

أحدهما في شرح أنحاء اختلاف العناوين المنتزعة عن الوجود .

وثانيهما في بسط الكلام في الصلاة والغصب ، كي به يتضح أن صغرى الصلاة في الدار المغصوبة من أي واحد من العناوين كي به يتضح حكم مسألتنا هذه في أمثال المثال جوازا وامتناعا . وحينئذ اسمع :

( 1 ) الأولى أن تكون العبارة هكذا ( ولا شبهة حينئذ أن بين القائل بالاجتماع والقائل بالامتناع لا منازعة في الكبرى المزبورة .


356

[ المقام الأول ]

ان العنوانين المنطبقين على المجمع تارة من سنخ المهيات الأصلية المأخوذة عن الحدود الذاتية الثابتة في كل مقولة في ضمن جنسه وفصله وهي التي كانت تحت المبحث عن اصالتها ( 1 ) .

واخرى من سنخ المفاهيم العرضية المنتزعة عن تحديدات الوجود أو المهية المزبورة بحد اعتباري مخصوص كان من مقدرات تلك المهية أو الوجود و [ بالفارسية ] ( چوب كز هر يك از وجود ومهيه ذاتيه ) ( 2 ) .

فان كان العنوانان من [ قبيل ] الأول بنحو كان بأزاء كل واحد في الخارج وجود فلا محيص من كونهما من مقولتين ، إذ يستحيل لشئ واحد ومقولة فاردة جنسان وفصلان ، فلا جرم يكون لكل مقولة مهية واحدة من جنس واحد وفصل فارد ، وحيث فرضنا ان بازاء كل عنوان [ وجودا ] فلا محيص من اجتماع الوجودين في المجمع ويكون التركيب حينئذ انضماميا لفرض تحديد وجود كل عنوان بحدود ممتازة عن غيره ، ومع هذا الامتياز يستحيل وحدة لوجود المجمع بحيث يكون تحت حد واحد .

نعم لو بنينا ان [ الاضافة ] المقولية ليس [ لها ] حظ من الوجود في الخارج بل هي كنفس حد الشئ بنفسها خارجية كنفس الوجود ، أمكن دعوى اجتماع

( 1 ) ولعل الاولى ان تكون العبارة هكذا : ( تحت البحث )

اي وهي التي يقع البحث عن اصالتها عندما يبحث عن الاصيل ما هو ؟ الوجود ام الماهية ؟ .

( 2 ) والمراد ب‍ ( چوب كز ) المقياس الذي تقاس به الأقمشة حيث يحدد به مقدار القماش ، فالحد الاعتباري للوجود أو الماهية بمنزلة الآلة التي يتحدد بها مقدار الشئ فكأن هذا الحد هو الآلة التي يميز بها هذا الوجود عن ذاك أو هذه الماهية عن تلك .


357
المقولتين في المجمع في وجود محدود بحد واحد بلا تعدد في وجودهما خارجا ( 1 ) .

كما أنه لو بنينا أيضا ان الاعراض من مراتب وجود [ معروضها ] ومقام كماله ، أمكن أيضا تصوير وجود واحد للمقولتين العارض أحدهما للآخر ، وفي هذا الفرض أيضا أمكن دعوى كون التركيب بينهما في المجمع اتحاديا من حيث الوجود وان كان انضماميا جهة وحيثية .

والا فمع غمض العين عن هذين [ المبنيين ] لا محيص في فرض تركب المجمع من المقولتين من وجودين ويكون التركيب بينهما انضماميا وجودا أيضا ، ومن لوازم ذلك خروج هذه الصورة عن مركز البحث - كما أشرنا سابقا من أن المأخوذ في عنوان البحث صورة كون المجمع وجودا واحدا تحت حد فارد - وحينئذ فادخال فرض تعدد العناوين الذاتية المحفوظة كل في مقولة مستقلة في مركز البحث - ولو توطئة لمورد النزاع - مبني على البنائين الأخيرين - كما لا يخفى - .

وان كان العنوانان من العناوين العرضية المقدرة لوجودات واحدة أو الماهية كذلك ، فلا شبهة في عدم لزوم كونهما من مقولتين ، بل كل مقولة [ قابلة ] لتحديد مرتبة من وجوده وينتزع عنه عنوان ، ومرتبة اخرى ( 2 ) من هذا الوجود وينتزع عنه آخر ، مع كون ما بازاء العنوانين في الخارج وجود ومقولة واحدة بلا تعدد في المجمع حينئذ وجودا ولا مقولة ، وفي مثله لا يكون التركيب في المجمع من حيث الوجود إلا اتحاديا .

نعم هنا شئ آخر وهو ان مثل هذين العنوانين تارة مأخوذ كل واحد من مرتبة من الوجود المزبور الممتاز عن المرتبة الاخرى المأخوذ غيره منها بتمام

( 1 ) الاصح : وجود معروضها ومقام كماله .

( 2 ) أي وتحديد مرتبة اخرى .


358
الحقيقة بلا اشتراكهما في مرتبة محفوظة فيهما ولا في حيثية مشتركة بينهما أصلا ، واخرى مأخوذان من مراتب الوجود الواحد مع فرض اشتراكهما في جهة من الجهات وحيثية من الحيثيات .

وحينئذ ففي الصورة الاولى كان المجمع مركبا من الحيثيتين بتركيب انضمامي في عالم الحيثية - وان كان التركيب فيه من حيث الوجود اتحاديا - وفي مثله لا قصور في سراية المحبوبية من الطبيعي الى فرده ، وكذا المبغوضية ، من دون سراية من فرد كل إلى غيره ( 1 ) ، إذا المفروض ان في المجمع اجتمع فرد كل واحد في ضمن حيثية مخصوصة .

وقضية السراية من الطبيعي الى الفرد ليس الا كون ما [ بأزائه ] من الحيثية الخارجية جالبا لما في طبيعته من الحكم بلا سراية الحكم من غيره إليه ولا منه الى غيره .

ومجرد وحدتهما وجودا لا يمنع عن جمع المتضادين في الحيثيتين المحفوظتين فيه بلا لزوم اجتماع الضدين في مركز فارد وجهة واحدة .

نعم في الصورة الأخيرة بواسطة اشتراك الفردين في جهة من الجهات وحيثية من الحيثيات لا يبقى مجال الجمع بين الحكمين في المجمع - ولو بمرتبة المحبوبية والمبغوضية - لأن سراية الحكم من كل طبيعي الى فرده يقتضي اجتماع الحكمين المتضادين في جهة واحدة محفوظة في المجمع في ضمن فرد كل واحد من الطبيعتين - كما هو ظاهر - .

هذا كله في شرح المقام الاول ، وفي هذا المقام قلنا إنه لدى القائل بسراية الحكم من الطبيعي الى فرده لا نزاع بين الطرفين في كبرى الفرضين ، بل القائل [ بالامتناع ] يلتزم بالجواز في الفرض الأول ، كما أن القائل بالجواز يلتزم بالامتناع في الفرض الثاني .

( 1 ) والمقصود من فرد كل واحد من الكليين الطبيعيين إلى فرد الكلي الطبيعي الآخر .


359

وإنما مركز بحثهم وجدالهم في أن الصغرى من مثل الصلاة في الدار المغصوبة صغرى أي واحد من الكبريين ، فتمام هم القائل بالجواز في مسألة الصلاة في المغصوب ارجاعه المثال الى الفرض الأول وجعل [ الجهتين ] في المثال [ تقييديتين ] باصطلاحه وتمام هم القائل بالامتناع ارجاعه المثال المزبور الى صغريات الكبرى الثانية وجعل [ الجهتين ] فيه [ تعليليتين ] ، بملاحظة ان تعدد الجهات صار سببا لسراية الحكم الى حيثية واحدة مشتركة في ضمنها وجعل التركيب بينهما من هذه الجهة المشتركة اتحاديا وجودا وحيثية ، بخلاف الأخير ( 1 ) فانه جعل التركيب بينهما انضماميا حيثية ، وان كان اتحاديا وجودا .

نعم القائل بعدم سراية الحكم من الطبيعي الى الفرد في [ فسحة ] عن أنحاء اختلاف العناوين ، بل يلتزم بالجواز في المثال المزبور بلا نظر منه الى كونه مصداق أي نحو من العنوانين ، ولذا أشرنا سابقا أن القائل بالامتناع معارض له في كبراه بعد فرض كونه من مصاديق الكبرى الأخيرة لديه .

وبعد ما عرفت جهات المطلب وشتات المقصد ينبغي ختم الكلام :

أولا : في اثبات كبرى السراية من الطبيعي الى الفرد ونفيه .

وثانيا : في اثبات كون المثال - على فرض السراية - من مصداق أي [ الكبريين ] وهو المقام الثاني الذي عمدة مركز البحث لدى القائلين بالسراية المزبورة .

فنقول :

[ المقام الثاني ]

أما شرح كبرى السراية الى الفرد وعدمها فبأن قصارى ما يتخيل في وجه عدم السراية هو : ان الامر أو غيره من الاحكام إنما يتعلق بالعنوان قبل

( 1 ) ( ويحتمل ان يكون الصحيح : غير الملزمة ) .


360
وجوده ، وان ظرف وجوده خارجا ظرف سقوط حكمه وحينئذ يستحيل سراية الحكم من الطبيعي الى فرده المساوق لوجوده خارجا ، بل لا بد وان يقف الحكم على العنوان بلا سرايته الى الفرد أصلا ، مضافا الى ان صرف الطبيعي الجامع بين الأفراد قابل للصدق على كل واحد ، فقبل التطبق على الفرد كانت القابلية محفوظة فيه وصالح لأن لا ينطبق على كل [ فرد ] معين يفرض ، لصلاحيته للانطباق على غيره ، ففي هذا الظرف لا انطباق في البين كي يصير ساريا إليه ، وفي [ ظرف ] الانطباق الملازم لوجود الفرد فهو ظرف سقوط الحكم فحينئذ أين [ الحكم القابل ] للسريان من الطبيعي الى فرده ؟ . هذا غاية بيان لوجه عدم السريان .

أقول : لا شبهة في أن لازم انتزاع الطبيعي من الخارج كون الفرد بوجوده الخارجي حاويا للطبيعي والا فيستحيل انتزاع الطبيعي من الخارج إذ ليس في الخارج إلا فرده وحينئذ لازمه أنه لو فرض تصور الفرد المزبور - ولو قبل وجوده - لابد وان يجئ في الذهن صورة منه قبال ما هو حاو للطبيعي خارجا ، فهذه الصورة قهرا فيها جهة متحدة مع الطبيعي وجهة زائدة عنها بها قوام خصوصيتها وتشخص الطبيعي بها ، وحينئذ الحكم القائم بالطبيعي قبل وجوده لو عرض على تلك الجهة المحفوظة في الفرد فلا محيص من سريانه إليها وان لم يسر الحكم الى الخصوصية الزائدة .

حينئذ غرض القائل بعدم السراية الى الفرد : ان كان عدم السراية إليه بوجوده خارجا فهو متين ، ولكن لا يجديه في الجواز إذ بعد سرايته إليه بوجوده الذهني - ولو لم يوجد خارجا - يكفي لمنع العقل الجمع بين الأمر بالطبيعي والنهي عن فرده ، إذ متعلق النهي أيضا ليس الفرد بوجوده الخارجي ، كيف ! وهو [ ظرف ] سقوط جميع الأحكام ، بل المتعلق للنهي أيضا هو الفرد بوجوده التصوري الحاكي عن الخارج - لا بوجوده خارجا - .


361

وان كان الغرض من عدم السراية عدم سرايته الى الفرد الذهني بشراشر [ حقيقته ] حتى بخصوصيته المقومة لشخصه ، فهو أيضا في غاية المتانة ، والقائل بالسراية لا يدعي هذا المقدار ، ولكن هذا المقدار ايضا بعد سراية الحكم الى الجهة الضمنية المحفوظة في الفرد الذي بازاء وجود الطبيعي خارجا الذي ينتزع منه لا يجديه في دفع امتناع الاجتماع ، إذ حينئذ هذه الجهة المتحدة المحفوظة في الطبيعي وفي ضمن الفرد يصير مركب الحكمين المتضادين والعقل يأبى عن مثله .

وان كان غرضه عدم سراية حكم الطبيعي حتى الى الجهة المتحدة معها في ضمن الفرد ، فكيف يصدق العقل بأن هذه الجهة البحتة البسيطة المتحدة ذاتا ووجودا ومرتبة مع الطبيعي لا يسري حكمه إليه إذ مرجعه الى عدم سراية حكم شئ الى ما هو عين نفسه بجميع الجهات ، وبديهي ان العقل يأبى عن ذلك ، وحينئذ فتوهم الجمع بين حكم الطبيعي مع حكم الفرد الحاوي لعين الجهة المحفوظة في الطبيعي حتى مرتبة في فرض تضاد الحكمين ببرهان عدم السراية فاسد جدا .

نعم لو كان الوجود الخارجي حاويا للفردين من الطبيعتين بحيث لا يكون بينهما جهة مشتركة فان السراية المزبورة [ لا تضر ] باجتماع الحكمين المتضادين في هذا الوجود لعدم تعدي حكم كل عنوان عما بأزاه من فرده الى ما بأزاه الآخر من الوجود - كما شرحنا في المقدمة - .

وبالجملة نقول : إن مجرد الالتزام بعدم السراية حتى في الفردين المتشاركين في جهة واحدة وان يفي بالجواز ولكن عمدة الاشكال في هذه الكبرى كما بينا .

نعم على السراية - كما هو المختار - إنما يفي بالجواز الالتزام بالفرض الأخير لا مطلقا - كما لا يخفى وأشرنا إليه ايضا سابقا مفصلا - . هذا كله في


362
الكلام على مبنى عدم السراية وقد اتضح في طي الكلام أيضا شرح المقصد على مبنى السراية أيضا والله العالم .

بقي الكلام في شرح صغرى [ الصلاة ] والغصب بأنهما من أي العناوين المتصورة في الباب . ولقد أشرنا سابقا أيضا أنه على السراية عمدة البحث ومركز الجدال في [ هذه ] الصغرى من أنها تحت أي [ واحدة ] من الكبريات المتقدمة . فنقول :

ان قصارى ما يتخيل في المقام جعل المورد تحت المقولتين وكون الوجود الواحد حاويا للحيثيتين الممتازتين [ بتمامهما ] عن [ الاخرى بخيال ] : ان الصلاة من مقولة الفعل أو الوضع أيضا ، والغصب من مقولة الاضافة القائمة بها ، نظرا الى أنه عبارة عن اشغال مال الغير أو الاستيلاء عليه - ولو بوضع يده عليه - واليه أيضا يومئ تعريفاتهم للغصب في كتابه - كما لا يخفى على من راجع - .

وعليه فلا [ ترتبط إحدى ] الجهتين والحيثيتين [ بالاخرى ] ، ولازمه عدم سراية الحكم من حيثية الى حيثية ، - ولو بنينا على سراية الحكم من الطبيعي الى الفرد - ، ولازمه دخول " الصلاة في المغصوب " في صغريات كبرى العنوانين المنتزعين من مقولتين ، واليه أيضا نظر من قال بأن [ الجهتين ] في مثل هذا المورد تقييديتان بلا سراية الحكم من جهة الى جهة .

أقول : أولا جعل المقام من باب المقولتين - مع فرض دخوله في عنوان البحث من اجتماع الحيثيتين في وجود واحد - فرع عدم الالتزام بحظ وجود للاضافة ، أو الالتزام بكون الأعراض القائمة بمعروضاتها من مراتب وجود معروضها ومكملاتها ، وإلا لازمه تركب المجمع من الوجودين بنحو الانضمام في الوجود ، ولازمه خروج أمثال هذه الفروض [ عن ] عنوان البحث من فرض انطباق العنوانين على وجود واحد واتحادهما مصداقا ووجودا - كما أشرنا إليه في صدر المبحث - .


363

ثم مع الغض عنه وصرف النظر عن احتمال كون الغصب عبارة عن الفعل الشاغل - لا الإشغال - ، إن هذا المقدار لا يفي لاثبات مدعاه من الجواز ، لأن الصلاة حينئذ كانت مما به الاشتغال وبديهي ان حرمة الاشغال يسري الى ما هو مقدمته ومعروضه حيث إنه بمنزلة العلة التامة له .

ولئن اغمض عن ذلك أيضا نقول :

إن وجه حرمة الفرد المزبور ليس منحصرا بعنوان الغصب ، بل من المحرم عنوان التصرف في مال الغير ، وبديهي أن التصرف المزبور عبارة عن القيام فيه والقعود وغيرهما فقهرا يتحد مثل هذا العنوان مع الصلاة حيثية ووجودا .

ومع الإغماض عنه أيضا نقول : إن من البديهي ان منافع كل أرض أو دار عبارة عن قيام فيه و [ قعود ] ، وان ايجادها من الغاصب عبارة عن استيفائه [ اياها ] وهذه الاستيفاءات حيث كانت بلا إذن من السلطان عليها بنفسها كانت حراما على مستوفيها ولازمه حينئذ أيضا توجه الحرمة الى عين قيامه وقعوده في المغصوب وهو الذي كان الأمر بالصلاة أيضا متوجها إليها .

وحينئذ لا يبقى مجال توهم في مثل هذا المثال المعروف بجعله من سنخ كبرى المقولتين ، ولا من سنخ اختلاف كبرى الحيثيتين بتمام الحقيقة والمرتبة كي يصير التركب فيه انضماميا وجودا أو حيثية وجهة ، وكون [ الجهتين ] فيهما [ تقييديتين ] بلا شركة بين العنوانين في جهة من الجهات وجودا أو مرتبة .

بل لا محيص من كونهما من مصاديق العنوانين الأخيرين من السابقة من حيث كونهما [ مشتركتين ] ( 1 ) في جهة من الجهات و [ متحدتين ] ( 2 ) في حيثية من الحيثيات وبهذه الملاحظة تكون الجهتان فيه [ تعليليتين ] ولو بملاحظة صيرورة الجهات

( 1 ) متعلق بقوله ( المزاحمة ) .

( 2 ) اي بين هذا الفرد وهو الصلاة المخصوصة .


364
متحدة فكانا من هذه الجهة بمنزلة التعليل في هذه السراية ، وبتلك المناسبة سميت الجهتان [ تعليليتين ] .

لا أن المقصود كون الجهات الزائدة خارجة عن مركب الحكم بالمرة ، وان تمام الموضوع هو هذه الجهة المشتركة كسائر الجهات التعليلية ، كيف ! ومن البديهي ان الجهات الزائدة من الجهة المشتركة أيضا مأخوذة في عنوان الموضوع فكانت داخلة فيه لا خارجة ، وبهذه الملاحظة كانت الجهات الزائدة أيضا من الجهات التقييدية المأخوذة في عنوان كل موضوع ، غاية الأمر بواسطة اشتراكهما في جهة واحدة ضمنية صارت بمنزلة السبب لسراية الحكم من العنوان الى هذه الجهة الضمنية المتحدة .

نعم ليست من الجهات التقييدية المفارقة كل منهما عن الآخر بتمام الحيثية كما إليه نظر القائل بالجواز في جعل الجهتين تقييديتين ، وان كان الأمر فيه سهلا بعد وضوح المرام ، والا كان الاولى جعل مركز البحث بعد تسليم كون الجهتين تقييديتين [ في انه ] هل هما من باب اشتراكهما في جهة ضمنية أم ليس بينهما جهة مشتركة أصلا ، لا أن الجهتين تقييديتان أم [ تعليليتان ] فتدبر حتى لا يختلط عليك الأمر ولا يختلج بخاطرك توهم جواز اجتماع الحكمين بمقتضى اطلاق العنوانين في المجمع في أمثال هذه الأمثلة [ المتحد فيها العمل ] العبادي مع التصرف في مال الغير واستيفاء منفعته والله العالم بحقائق أحكامه .

وينبغي التنبيه على أمور :

منها : انه على القول بالجواز بمناط عدم السراية من الطبيعي الى فرده أمكن دعوى الفرق بين مقام المحبوبية والمبغوضية وبين الارادة الفعلية والكراهة ، إذ في عالم المحبوبية والمبغوضية لا مانع في الجمع بين محبوبية الطبيعة ومبغوضية الفرد حتى مع عدم المندوحة وانحصار أمر الطبيعة بالفرد الحرام ، وهذا


365
بخلاف مقام الارادة الفعلية ، إذ مع انحصار الأمر بالفرد المحرم وتوقف امتثال الطبيعة بايجاد فرده يستحيل حينئذ فعلية الارادة بايجادها مع فرض [ تعلق ] الارادة الفعلية أيضا بترك فردها المنحصر بالمحرم . نعم [ مع ] وجود المندوحة لا بأس بالجمع بين فعلية الارادة بالطبيعة والكراهة [ لفردها غير ] المنحصر به ، والى مثل هذه الصورة نظر من قال باشتراط المندوحة في مركز البحث .

وأما على القول بالجواز بناء على السراية المزبورة ومكثرية الجهات في الموجود ، أمكن دعوى عدم اجتماع الارادة والكراهة في الوجود الواحد حتى مع وجود المندوحة ، فضلا عن عدمها ، وذلك لأن الجهتين في الوجود الواحد إذ كانا من قبيل المتلازمين يستحيل تعلق الحكمين الفعليين المتضادين بهما فلا يمكن حينئذ التشبث باطلاق العنوان بالنسبة الى حيث الوجود لمثله بل لا محيص من تقييد العقل المتعلق للوجوب بفرد آخر مباح ، وعليه فاشتراط المندوحة لمثله في مركز البحث لغو صرف .

كما أن دعوى القائل بالجواز بان الاجتماع مأموري لا آمري ، في غير محله لو اريد اجتماع الخطابين مضمونا ، إذ لا يكاد يتم هذا البيان ، لا في الجواز بمعنى عدم السراية ، ولا بمعنى السراية ومكثرية الجهات ، إذ على الأول فلا يكون اجتماع حتى من المأمور ، وأما على مكثرية الجهات والسراية فيكون الاجتماع آمريا أيضا بالنسبة الى مرتبة الارادة - ولو مع وجود المندوحة كما عرفت - وبالنسبة الى مرتبة المحبوبية والمبغوضية أيضا يكون الاجتماع آمريا أيضا في فرض اتحاد الفردين في جهة مشتركة ، وفي فرض عدم اشتراكهما في تلك الجهة فلا يكون الاجتماع مأموريا أيضا إذ لا اجتماع في معروضي الحكمين على هذا الفرض - من دون فرق في هذا المقام أيضا بين وجود المندوحة وعدمه - .

نعم أمكن الفرق في مرتبة الارادة بين صورة وجود المندوحة وعدمه من جهة اخرى [ هي ] : ان في فرض المندوحة يصدق أن الآمر ما ألقى المكلف فيما


366
لا يطاق ، وإنما هو أقدم لسوء اختياره في امتثال الأمر في الفرد الحرام ، بخلافه في فرض عدم المندوحة بأن الشارع ألقى المكلف بخطابيه فيما لا يطاق وهذه الجهة غير [ مرتبطة ] بمقام الاجتماع الآمري والمأموري في مضمون خطابه .

نعم لو اريد من الاجتماع في المقام هو الاجتماع في عالم الامتثال لا الاجتماع بين الأمر والنهي كان للتفصيل المزبور وجه فتدبر كي لا يختلط الأمر عليك .

ومنها : انه بعد ما عرفت من فحاوي كلماتنا بل في مسألة تعلق الأوامر بالطبايع أو الأفراد : ان امثال هذه الصفات الوجدانية من الارادة والكراهة كالعلم والجهل بل والتمني والترجي وأمثالها لا يكاد أن يتعلق بالوجود خارجا ، وانما مركزها العناوين بما هي حاكيات عنه لا بما هي هي أيضا ومآلها الي الوجودات الزعمية لا الحقيقية الخارجية . ظهر لك أن في باب تعلق الاحكام لا يبقى مجال للبحث في حقيقة الوجود وأنه أصيل أم ليس بأصيل ، إذ مثل هذا البحث غير مرتبط بباب موضوعات الأحكام بالمرة .

كما أن البحث عن أصالة الماهية قبال أصالة الوجود أيضا [ اجنبي ] عن موضوعات الاحكام التي ليست مثل هذه الماهيات الأصلية بما هي هي في قبال الوجود ، بل بما هي حواك عن الوجود ومرائي لها على وجه لا يرى بينهما اثنينية أصلا ، علاوة عن أن العناوين المأخوذة في طي الاحكام غالبا ليست من المهيات الأصلية المأخوذة من جنس مخصوص وفصل كذلك بل هي من مقدرات تلك المهيات ومحدداتها بحد اعتباري مخصوص مع كون العنوانين ربما يكونان من مقولة واحدة - كما أشرنا سابقا - وحينئذ جعل البحث عن أصالة الوجود أو المهية من مقدمات هذه المسألة ليس الا تبعيدا للمسافة بلا داخله في تمامية المسألة نفيا أم إثباتا - كما لا يخفى - .

ومنها : انه بناء على مسلكنا من عدم امكان توجه المحبوبية والمبغوضية


367
الى جهة واحدة ، قد يستشكل في العبادات المكروهة خصوصا فيما لا بدل لها إذ فيها ( 1 ) كان مجال توهم الاجتماع الآمري .

وتوهم أن الكراهة الفعلية غير [ مضرة ] بالتقرب بالاتيان بداعي التوصل به الى الغرض الأصلي كما هو أحد المقربات في باب المقدمة على ما عرفت ، لأنها ( 2 ) [ لا تصلح ] للمبعدية كي [ تزاحم ] جهة التقرب به ،

مدفوع بان الكراهة الفعلية أيضا موجبة للعتاب ، وفيه أيضا مرتبة من المبعدية المضادة مع التقرب بمثله ، وحيث إن الكراهة الفعلية - حسب الفرض - تلازم عدم الأمر لأن الاحكام بأسرها متضادة لا يكون التقرب المزبور أقوى موجبا عن البعد الناشي عن الكراهة المسطورة .

ومن هذه الجهة ربما استظهر القائل بالجواز وجعل ذلك برهانا على مدعاه ، كما أن القائل بالامتناع وقع من هذه الجهة في حيص وبيص ، ورفع اليد عن عنوان الكراهة الفعلية ، وجعل الكراهة في العبادات بمعنى أقلية الثواب ولو لمزاحمة المفسدة [ غير ] اللازمة ( 3 ) لمرتبة ( 4 ) من المصلحة التي طبع العبادة [ مقتض ] لها ، فصارت العبادة المزبورة أقل ثوابا عما يقتضيه طبعها في فرد آخر ، كي لا يرد عليه أن بعض العبادات أقل ثوابا عن بعض آخر ومع ذلك لا يسمي مكروها ، إذ قلة الثواب لقصور الاقتضاء غير مرتبط بقلته لمزاحمة مصلحته مع المفسدة

( 1 ) اي في العبادات المكروهة التي لا بدل لها فان التي لها بدل لا مجال فيها لتوهم الاجتماع الآمري لان متعلق المحبوبية فيها هو الجامع ومتعلق المبغوضية فيها هو الفرد فاجتماع المبغوضية والمحبوبية فيها مأموري لا آمري ، اما التي ليس لها بدل فيأتي فيها اشكال ان متعلق المحبوبية والمبغوضية فيها واحد فيكون اجتماعها اجتماعا آمريا وهو مستحيل .

( 2 ) اي الكراهة الفعلية .

( 3 ) ( ويحتمل أن يكون الصحيح : غير الملزمة ) . ( 4 ) متعلق بقوله ( لمزاحمة ) .


368
[ غير ] الملزمة ، وما هو قابل لاطلاق الكراهة عليه هو الأخير دون الأول .

ولكن التحقيق في المقام أيضا الالتزام بالكراهية الفعلية مع عدم اضراره برجحان العمل الموجب للتقرب به ، وتوضيح ذلك يقتضي طي الكلام تارة فيما له بدل من العبادة المكروهة ، واخرى فيما لا بدل له .

أما الكلام فيما له بدل - كالصلاة في الحمام أو في مكان التهمة - فنقول : إن المفسدة [ غير ] الملزمة إذا قامت في الصلاة المخصوصة فلا شبهة في أن مصلحة ذات الصلاة الجامع بينه ( 1 ) وبين غيره سارية الى هذا الفرد من جهة ما فيها بما هو جامع لامن حيث خصوصه كما هو الشأن في كل أمر بالطبيعة بالاضافة الى خصوصيات الافراد حيث لا يسري الامر منها إليها ، وبعد ما يسري الأمر الى الفرد من جهة الحيثية الجامعة فقهرا يصير المفسدة [ غير ] الملزمة بالاضافة الى هذه الحيثية مغلوبة غير مؤثرة ، فيصير هذا الفرد من الحيثية الجامعة الصلاتية محبوبا ، وأما بالنسبة الى الخصوصية الفردية باق على تأثيره في المبغوضية ، وحينئذ نقول :

إن هذه المصلحة الملزمة - وان [ تزاحم ] المفسدة [ غير ] الملزمة بالنسبة الى حيثية الطبيعة المحفوظة في الفرد ، و [ تصير ] المفسدة في [ تأثيرها مغلوبة ] - ولكن لا يزاحم مصلحة الجامع المفسدة القائمة بخصوصية الفرد ، لا في مقام التأثير ولا الايجاد ، إذ بترك هذه الخصوصية لا يفوت مصلحة الجامع ، فمقتضى حكم العقل بالجمع بين الغرضين حكمه بترك الفرد المخصوص بترك تنزيهي والإتيان بالجامع في غير هذا الفرد ، ولا نعني من الكراهية الفعلية لهذا الفرد إلا هذا ، مع عدم منافاته بالتقرب بهذا الفرد من حيث ما فيه من الجامع الراجح ليس الا لأن المفروض بقاؤه على رجحانه ولكن لا يحكم العقل حينئذ بالتخيير بينه وبين غيره

( 1 ) أي بين هذا الفرد وهو الصلاة والمخصوصة .


369
من الافراد بنحو التخيير في غير المقام ، لأن التخيير المزبور إنما نشأ من عدم ترجيح بين الافراد وتساويها في عالم الايجاد ، وأما مع وجود مرجح فعلي ولو تنزيهي فالعقل لا يحكم إلا بترجيح ذي المزية بمقدار مزيته من الكراهة المصطلحة المفروضة في المقام وهو المقصود والمرام ، هذا كله فيما له بدل .

وأما فيما لا بدل له - كالصلاة في أوقات مخصوصة - فيمكن دعوى أن الكراهة الفعلية متوجهة فيها الى ايقاعها في وقت خاص على وجه يكون المبغوض كينونته في الظرف الكذائي مع حفظ المحبوبية في نفس ذاته ولم يكن ( 1 ) مأمورا به بأمر فعلي ولو استحبابا لفرض تعلق الكراهية المصطلحة بلازم وجوده بلا احتياج فيها أيضا الى الالتزام بأقلية الثواب ، وان لم يكن فيه أيضا محذور .

وبالجملة نقول : إن ظاهر تعلق النهي بنفس العمل ينافي فعلية رجحانه ، فالأمر يدور بين رفع اليد عن الظهور في الكراهية بحمله على أقلية الثواب بمقتضي ما أسلفناه ، أو رفع اليد عن ظهور تعلق النهي بالعمل بالمقيد وصرفه الى حيث تقييده واخراج العمل بذاته عن حيز النهي فبقي النهي حينئذ على ظهوره من الكراهة المصطلحة .

وربما ترجح هذا الوجه قوة ظهور النهي في الكراهة المصطلحة وبعد حمله على أقلية الثواب - وان كانت الكلمات [ تساعده ] - وعلى أي حال لا يبقى في البين مجال لتوجهات اخرى في المقام : بارجاع النهي الى مطلوبية نفس الترك ، أو جهة اخرى ملازمة لتركه ، إذ مثل هذه أيضا ينتج مبغوضية الفعل أو أجنبية المنهي عن هذا العمل ، بل غاية الأمر كونه لازمه ولا مجال للمصير الى الطرفين - كما لا يخفى - فتدبر .

( 1 ) اي التقيد وهو ايقاعها في وقت خاص .


370

ومنها : أن مقتضى اطلاق الخطابين شمول الحكم بجميع مباديه للمجمع غاية الأمر لابد من رفع اليد عن حجية هذا الظهور في فعلية الارادة والكراهة مطلقا ، بل عن فعلية المحبوبية والمبغوضية أيضا على الامتناع ( 1 ) .

وأما ظهورهما في جود المصلحة والمفسدة في المجمع فلا مانع عن بقاء الاطلاقين [ بحالهما ] وأشرنا سابقا أيضا بأن مثل هذا التقريب في اثبات الاقتضاء في العنوانين أولى عن التعبير باطلاق المادة دون الهيئة ، إذ بعد اتصال أحدهما بالآخر - خصوصا مع تبعية أحدهما للآخر - لا مجال للتفكيك بينهما اطلاقا وعدمه عرفا ، ولا أقل من صلاحية كل منهما [ للقرينية ] في غيره ، فلا مجال للتفكيك بينهما في مقام الاستظهار - كما لا يخفى - .

وهذا بخلاف مسلكنا الراجع الى التفكيك في ظهور واحد في أنحاء مدلوله من حيث الحجية ، إذ هو غير عزيز ، كما هو الديدن في موارد الجمع بين

( 1 ) وقد سبق التعرض لذلك في التنبيه الأول ، والسر في هذا التفصيل بين الارادة والكراهة والمحبوبية المبغوضية أن تعلق الارادة والكراهة الفعليتين بالمجمع مستحيل على كل التقادير اي على تقدير القول بالامتناع كما هو واضح وعلى تقدير القول بالجواز على مبنى عدم السراية من الطبيعي الى الفرد في صورة عدم المندوحة إذ يستحيل تعلق الارادة الفعلية بالطبيعة المفروض انحصار فردها بالمحرم وتعلق الارادة الفعلية بترك الفرد المحرم في آن واحد ، ويستثنى من ذلك صورة وجود المندوحة ولذلك أخذ قيد المندوحة في موضوع البحث على هذا المبنى ، وكذلك على تقدير القول بالجواز على مبنى تكثر الحيثيات لان الحيثيتين متلازمتان في الوجود الواحد وبما ان الاحكام متضادة فيستحيل توجه الحكمين الفعليين المتضادين الى وجود واحد ولو كانا من جهتين ، هذا بخلاف المحبوبية والمبغوضية فلا مانع من فعليتهما على القول بالجواز على مبنى عدم السراية إذ لا مانع من الجمع بين محبوبية الطبيعية ومبغوضية الفرد حتى مع عدم المندوحة فضلا عن وجودها . ولهذا فلا حاجة الى تقييد اطلاق الخطابين بالنسبة الى مرحلة المحبوبية والمبغوضية بناء على الجواز على مبنى عدم السراية ، نعم على القول بالجواز على مبنى القول بالسراية وتعدد الحيثيات لابد من التقييد في مرحلة المحبوبية والمبغوضية أيضا لأن التركيب في المجمع اتحادي لا انضمامي ، فان افتراض كون التركيب في المجمع انضماميا خروج عن محل البحث .


371
الظواهر خصوصا في الاطلاقات والعمومات ، وذلك هو الوجه أيضا في بقاء العام على الحجية في الباقي بعد التخصيص - كما لا يخفى على من راجع المسألة و [ نظائرها ] - .

وحيث كان الأمر كذلك فلا محيص من جعل هذه المسألة من صغريات باب التزاحم الذي يكون المناط في ترجيح أحد الخطابين بقوة مناطه لا بقوة سنده ، فربما يقدم [ الاقوى ] مناطا في أمثال المقام على ما هو أقوى سندا .

وتوهم ارجاع المسألة - لمحض تزاحمهما في التأثير من حيث الرجحان لدى المولى - الى باب التعارض ، وتخصيص باب التزاحم بالمتضادين وجودا - كما توهم - لا يفهم له وجه ، عدا ما افيد : " بأن تزاحمهما في مثل المقام في التأثير موجب لكون زمام بيان ما هو راجح فعلي لدى المولى بيده ، وربما يوكل أمر بيانه الى ما هو أقواهما سندا .

وهذا بخلاف ما لا يكون بينهما تزاحم في التأثير كالمتزاحمين فانه حينئذ ليس أمر تعيين مرامه بيده إذ هو مبين ، فلا محيص حينئذ من [ ايكال ] أمر تزاحمه الى العقل المستقل بالأخذ بما هو أقوى مناطا لا سندا " ، وهو فاسد جدا .

وذلك لأنه الاطلاقين بعد فرض ظهورهما في أصل الاقتضاء في الطرفين ، وفرضنا أنه لا مانع في تأثير كل واحد إلا تمانعهما في التأثير فكيف للمولى ترجيح [ أقواهما ] سندا على أقواهما مناطا في فرض احراز الاقوائية لدى العقل .

نعم للمولى ذلك لو فرض احتمال وجود مانع آخر عن تأثير الأقوى بنظر العقل إذ العقل حينئذ منعزل عن الحكم في هذه الصورة ، ولكن ذلك خلاف الفرض وخلاف ظهور اطلاق الخطابين في الفعلية من جميع الجهات غير جهة تزاحم المقتضيين في تأثيرهما فقط ، إذ حينئذ ليس العقل منعزلا عن حكمه بالأخذ بأقواهما مناطا ، وفي مثله ليس للشارع الحكم على خلافه ، لأن حكم العقل في هذه الصورة تنجيزي - كما هو ظاهر - فتدبر .


372

وكيف كان ، [ فلا شبهة ] في ادخال المقام في باب التزاحم واجراء أحكامه فيه من الأخذ باقواهما مناطا - ولو كان أضعف سندا عن غيره - فباب التعارض منحصر بصورة تكاذب الخطابين في أصل الاقتضاء أيضا زائدا عن الفعلية ، إذ حينئذ زمام بيان ما فيه من الحكم باقتضائه بيده والعقل في مثله منعزل عن الحكم ، وله حينئذ ايكال بيان مرامه بالأخذ بما هو أقوى سندا كما هو شأن المتعارضين من النصوص .

نعم هنا كلام آخر في أن الاصل في كل خطابين واردين على مورد واحد هو التزاحم أو التعارض ؟ وفي هذا المجال أيضا مقتضى التحقيق أن يقال :

إن كل مورد تعلق [ الخطابان ] بعنوان واحد ، طبع كل خطاب يقتضي الردع عن نقيضه ، كما أن الظاهر من كل خطاب أيضا نفيا واثباتا ثبوت مباديه في متعلقه أو عدمه .

ولازم اقتضائه عدم النقيض سلب جميع مباديه عنه . كما أن الظاهر من ثبوته وجود جميع مباديه فيه .

وحينئذ يقع المطاردة بين الخطابين في عالم الاقتضاء أيضا ، ولا نعني من تكاذبهما في عالم الاقتضاء إلا ذلك فيجرى عليه أحكام التعارض - كما أسلفناه - .

وأما لو كان [ الخطابان ] [ متعلقين ] بعنوانين - ولو كانا مشتركين في جهة - فلا شبهة في أن كل خطاب لا يقتضي إلا المنع عن نقيض متعلقه بلا نظر منه الى نقيض المتعلق الآخر ، ونتيجة منعه المزبور أيضا منع الاقتضاء في نقيض عنوانه بماله من الخصوصية فيبقى العنوان الآخر على اقتضاء خطابه بلا موجب لتكاذبهما في أصل الاقتضاء ، فيبقى كل منهما على [ ظهوره ] في ظهور ( 1 ) الاقتضاء

( 1 ) الاولى : ( في ثبوت الاقتضاء ) .


373
في عنوانه ، وباطلاقهما يحرز الاقتضاء في مجمعهما .

ولا يقال : بأن لازم نفي الاقتضاء في نقيض كل عنوان عدم امكان الأخذ باطلاقهما في المجمع واحراز الاقتضائين في مثله .

لأنه يقال : إن غاية اقتضاء خطاب كل منهما عدم اقتضاء في نقيض عنوانه ، ومعلوم أن نقيضه بقلب العنوان بخصوصه لا بقلب كل جزء جزء من العنوان ، فلا يقتضي الخطاب المزبور إلا سلب الاقتضاء في نقيض المجموع ، ولا ينافي هذا ثبوته في جزء من أجزاء الطرفين باطلاق خطابيهما .

وحينئذ لا محيص من تفصيل المسألة بين صورة تعلق الخطابين بعنوانين [ مستقلين ] يكون أحدهما بحسب العنوان غير الآخر ، فيجري في مثله حكم التزاحم ، وأن الاصل فيه هو التزاحم الى ان فيهم خلافه ، وبين صورة تعلق الخطابين بعنوان واحد [ فانه ] لا محيص من اجراء حكم التعارض عليه وهو الأصل فيه الى ان يفهم خلافه .

وربما يلحق بذلك أيضا صورة كون العنوان المأخوذ في أحد الخطابين جزء لموضوعه وفي الآخر تمامه ، فان الخطاب المتعلق بتمامه أيضا يمنع عن النقيض بجميع مباديه في موضوعه وهو يمانع اقتضاء الحكم ولو في جزئه فيجري عليه أيضا حكم التعارض كما هو الشأن في غالب العموم والخصوص المطلق .

نعم لو فرض بين العنوانين المختلفين مثل هذه النسبة فلا بأس باجراء حكم التزاحم عليه ، ولكن قل ما يتفق من العمومات والخصوصات المطلقة من هذا القبيل ، كما ان الغالب [ هو أن ] ما كان بينهما عموم من وجه كان من باب تعلق كل منهما بعنوانين مختلفين .

ومن ذلك أمكن دعوى أن الأصل في مثل العامين من وجه هو التزاحم ، كما أن الأصل في العموم المطلق غالبا هو التعارض .

ولعمري أن المغروس في الاذهان في أبواب الفقه أيضا هو الذي ذكرناه


374
من التفصيل المزبور ، وعليك بالمراجعة في أبواب الفقه ، [ لترى ] ديدن الاعلام [ و ] تجدهم أنهم لا يتعدون أيضا مما ذكرنا من التفصيل . فتدبر وافهم .

ومنها : ان من لوازم باب التزاحم انه لو فرض تعلق الجهل به من قصور لا يكون مخالفة خطابه مبعدا فيبقى الخطاب الآخر على مقربيته بلا مزاحم . هكذا قيل واشتهر في ألسنتهم .

ولكن نقول : إنه لو اريد به التقرب بمضمون الخطاب من حيث المحبوبية والرجحان لدى المولى فهو فاسد جدا ، لأن الجهل بخطاب لا يغير الواقع ومضمون الخطاب عما هو عليه من المرجوحية ، وحيث فرضنا في مقامنا امتناع الاجتماع ويغلب جانب النهي على الامر [ فيبقى ] العمل مبغوضا واقعيا بلا تغيره عما هو عليه بجهله قصورا أم تقصيرا .

نعم لا بأس حينئذ بالتقرب به من حيث قصده التوصل به الا غرضه - كما عرفت ذلك في باب المقدمة - ولكن ليس ذلك نفس مضمون خطابه ، بل هو من لوازم مضمونه ، فليس مثل هذا التقرب تقربا بخطابه على ما هو ظاهر كلماتهم .

وبالجملة لا مجال للتقرب في المقام إلا بهذا النحو أو بدعوة الأمر باعتقاده كما في الجهل المركب بعدم النهي ، أو بدعوة الأمر رجاء كما في الجهل البسيط .

ولكن هذه كلها من التقربات الانقيادية ، ولا بأس بالاكتفاء بمثلها في المقام أيضا بعد عدم قصور في العمل من حيث وجدانه للمصلحة ، فلا ينقض بعدم الاكتفاء بمثله في غيره .

وعلى أي حال : مثل هذه التقربات أجنبية عن التقرب بمضمون الخطابات الواقعية ، إذ مرجوحية العمل واقعا لا يكاد ينقلب بطرو الجهل ، وهذه الجهة أيضا [ إحدى ] لوازم باب التزاحم ، ولذا كان المشهور : ان اباحة المكان من


375
الشرائط العلمية ، إذ ليس الغرض منه موضوعية العلم في شرطيته ، بل المقصود : ان الحرمة لا يكون مانعا عن التقرب به إلا في فرض تنجزه من دون خصوصية للعلم فيه أيضا ، بل لو كان جاهلا مقصرا أيضا لكان النهي المزبور مانعا .

وتوهم أن مانعية النهي إنما هو من جهة منعه عن قصد القربة بأمره حيث إن بوجوده لا أمر للعالم به كي يقصد به التقرب ، بخلاف الجاهل ولو كان مقصرا إذله التقرب بأمره الاعتقادي أو الرجائي ، مدفوع بأن مبعديته مانعة عن مقربية العمل وان لم يمنع عن قصده القربة بخياله ، وما هو معتبر في العبادة هو هذه الجهة ، لا صرف قصد التقرب - كما لا يخفى - .

ومنها : انه لو اضطر الى الغصب ، فان كان قاصرا في اضطراره بارتكابه فلا شبهة في صحة صلاته صلاة الكامل المختار عند عدم تمكنه من الخروج ، ويكفي للتقرب به أيضا اتيانه بقصد التوصل به الى غرض المولى - كما عرفت نظيره في الجاهل - ولا يمكنه في المقام التقرب بأمره ورجحانه ، إذ مر أن مبغوضية العمل [ لا ترتفع ] بطرو الاضطرار عليه - كما لا يخفى - .

وتوهم أن العمل وان كان مرجوحا فعلا ولكن له رجحان فاعلي ، وذلك المقدار يكفي في التقرب برجحان عمله ، كلام ظاهري ، إذ الغرض من رجحانه الفاعلي : [ ان كان ] أن الفاعل [ ذو ] طينة حسنة فذلك غير مرتبط برجحان العمل . وان كان الغرض ان العمل من حيث صدوره عن هذا الفاعل راجح ، فلا معنى لقبحه الفعلي ، كيف ! ومرجعه الى التفكيك بين ايجاد العمل ووجوده ، وبعد اتحادهما خارجا فلا معنى لرجحان أحدهما ومرجوحية الآخر .

وان كان الغرض رجحان نفس صدوره منه الذي مرجعه الى اضافة الفعل الى الفاعل فلا شبهة في أنه أيضا أجنبي عن التقرب بالعمل الذي هو عبادي دون حيث اضافته الى الفاعل - كما هو واضح - .

وبالجملة لا قصور في التقرب بالعمل من حيث قصده - ولو ارتكازا -


376
كونه بصراط تحصيل مرام المولى وغرضه .

ثم إن ذلك كله حكم صورة بقائه في المغصوب وعدم تمكنه من الخروج .

وأما صورة تمكنه منه فلا شبهة حينئذ في وجوب المبادرة الى الخروج كي لا يستلزم من بقائه ازدياد الغصب .

ومرجع وجوب المبادرة الى الخروج في الحقيقة الى حرمة ارتكاب الغصب الزائد ، حيث إن بقاءه ملازم لازدياد الغصب .

وحينئذ فهذا الوجوب ليس وجوبا شرعيا ، بل هو من باب لا بدية ترك الملزوم بملاحظة حرمة [ اللازم ] .

فتوهم وجوب التخلص حينئذ شرعيا بل ومحسنا بحسن ملزم عقلي ليس في محله ، إذ ذلك إنما يتم لو كان الخروج مقدمة لترك الغصب وهو ليس كذلك جزما . كيف ! وهو ضد البقاء في المحل ، وهما ( 1 ) في رتبة واحدة - كما عرفت في باب الضد - بل البقاء في المحل أيضا لو كان بمقدار خروجه زمانا ليس حراما شرعيا ، إذ هو أيضا ملازم لارتكاب الغصب الزائد ، لا مقدمة ، فلا يقتضي حرمة [ ارتكاب ] الغصب الزائد أيضا حرمة بقائه ، كما هو الشأن في كلية المتلازمات في الوجود .

وحينئذ من نتائج ذلك عدم مانع عن صحة [ صلاة ] الكامل [ المختار ] ببقائه هذا في الدار وعدم خروجه مع تمكنه منه في سعة الوقت ، إذ هذا المقدار من الزمان مقهور في غصبه ولم يكن معاقبا عليه من الأول ، فلا يكون هذا المقدار من الغصب مبعدا في حقه وانما المبعد هو لازمه من الغصب الزائد عن هذا المقدار من الزمان لكونه تحت اختياره ولو باختيار ملزومه من البقاء المزبور .

وعليه فلا قصور في اتيان [ صلاة ] الكامل المختار في هذا المقدار من

( 1 ) أي الضدان .


377
البقاء وان استلزم ذلك غصبا زائدا حراما .

نعم لو كان زمان الخروج أقل من البقاء بمقدار [ صلاة ] الكامل المختار كان بقاؤه حينئذ بالمقدار الزائد عن زمان الخروج مبعدا ولا يجوز شرعا ، ولازمه عدم صحة [ الصلاة ] الكامل المختار في هذا المقدار ، وحينئذ مع سعة الوقت يجب عليه الصبر ولا يأتي بالصلاة الى ان يخرج من الغصب ولا يصح منه الصلاة حينئذ في الغصب لا كاملا ولا ناقصا .

نعم مع ضيق الوقت يجب عليه في الفرض المزبور الصلاة ماشيا راكعا كذلك وساجدا بايماء حال مشيه .

ولكن لنا أن نقول في الصورة المزبورة أيضا بمقتضي ما ذكرنا أن له بقاءه بمقدار زمان خروجه والاتيان بمقدار من الصلاة كاملا واتيان البقية في الزائد عن هذا الزمان ناقصا في حال المشي .

وتوهم أن في هذا الزمان كان الغصب مبعدا في حقه مع تمكنه عن اتمام صلاته - ولو ناقصا - بلا غصب مبعد ، فيبطل هذا المقدار منه - ولو ناقصا - فلا مصحح لصلاته [ هذه ] .

مدفوع بقياس المقام بصورة ارتكاب الغصب من الأول بسوء اختياره فان بناءهم في ضيق الوقت على اتيان الصلاة ماشيا - بنحو أشرنا - ولا فرق في مبعدية الغصب بين كونه من الأول بسوء اختياره أو من الحين باختيار بقائه .

كما أن لنا [ كلاما ] أيضا في الصلاة بالنحو المزبور في فرض مبعدية الغصب من الأول أيضا مع ضيق الوقت ، إذ لازم مبعدية الغصب وتقديم حق الناس على حق الله خروج الأكوان عن الجزئية ورجوع الصلاة في حقه الى الاشارات المعهودة كصلاة الغريق ، وذلك أيضا جمعا بين ترك الغصب وعدم ترك الصلاة بحال .

وتوهم ان ما هو تحت اختياره من الأول هو ترك الغصب بترك الدخول ،


378
وأما تركه بترك الخروج فمن الأول خارج عن اختياره فلا يكون نقيض هذا الترك مبعدا ، وإنما المبعد هو نقيض الترك بترك الدخول ، والمفروض انه بالعصيان بالدخول سقط النهي السابق ، فلا يكون في طرف الخروج نهي مبعد ، فلا مانع حينئذ من حفظ الاجزاء [ غير ] المانعة عن الخروج . نعم المانع عنه لابد وان [ يلغى ] لأن مثله أيضا تحت النهي من الأول المقدور امتثاله فيكون مبعدا ومنهيا فعلا .

مدفوع بأن ما افيد من التفكيك بين أنحاء التروك في المبعديه من جهة النهي في غاية المتانة ، ولكن نقول :

إن سقوط النهي الأولي بسوء الاختيار لا يقتضي سقوط المبعدية عما هو نقيض هذا الترك ، كما هو الشأن في من القى نفسه عن شاهق ، فإذا بقي النقيض المزبور على المبعدية ، يكفي هذا المقدار لخروجه عن جزئية الصلاة - كما لا يخفى - ، ولازمه هو الذي ذكرنا .

ولقد أجاد في الجواهر أيضا حيث احتمل في المقام انتهاء الامر الى ما ذكرنا من صيرورة تكليفه بالصلاة كتكليف [ الغرقى ] بها من خروج الأكوان الملازمة للغصب المبعد عن حقيقة الصلاة . فراجع الجواهر ( 1 ) .

ولكن الظاهر عدم بناء الاصحاب في فرض التقصير وضيق الوقت على ذلك ، بل ظاهرهم التزامهم باتيان الصلاة حال المشي محافظا لأجزائها بمقدار لا يستلزم الغصب الزائد بحيث لو تمكن عن الركوع أيضا ماشيا يركع [ يومئ ] في سجوده ولا يقعد في تشهده وسلامه .

كما أن بناءهم أيضا في فرض القصور في غصبه - ظاهرهم - عدم صحة صلاته كاملا حتى في الزمان الملجأ بغصبه الدائر بين خروجه وبقائه في سعة

( 1 ) جواهر الكلام 8 : 295 و 296 .


379
الوقت فضلا عن ضيقه بضميمة التفكيك بين الركعات مثلا من حيث الكمال والنقص - كما أشرنا - .

واثبات هذه الدعاوي منهم بمقتضي القواعد في نهاية الإشكال ، فلا وجه للمصير الى ما ذهبوا إليه من التفصيل بين السعة والضيق بترك الصلاة في المغصوب رأسا واتيانها في خارجها في الأول واتيان الصلاة ناقصا حال المشي الخروجي محافظا لأجزائه [ غير ] الموجب للغصب الزائد في الثاني من دون فرق منهم بين تقصيره في الغصب وقصوره إلا دعوى الاجماع ، والا فللنظر فيما اختاروه في هذه الفروض كمال مجال . والله العالم بحقيقة الحال .


380

381

المقالة الثالثة والعشرون

النهي هل يقتضي الفساد

382

383

[ المقالة الثالثة والعشرون ]

في

أن النهي عن شئ هل يقتضي الفساد أو لا ؟

والظاهر أن الغرض من الفساد : عدم ترتب الأثر المقصود منه من سقوط القضاء والاعادة - عند الفقيه - في غير المعاملات ، وعدم ترتب النتيجة المقصودة بانشائه في المعاملات .

كما أن الغرض من الفساد في هذه المسألة هو : الفساد الواقعي الناشئ عن قصور في مصلحته ، لا الفساد الناشئ عن قصوره عن التقرب به مع عدم قصوره في المصلحة المقتضية للأمر به واقعا ، وذلك لأن ظاهر العنوان في اقتضاء النهي بوجوده الواقعي للفساد ومثل ذلك لا يشمل الصورة الثانية إذ المقتضي له هو النهي بوجوده العلمي ، والا [ فهو ] بوجوده الواقعي عن عذر لا يقتضي الفساد التقربي .

ومن [ هاتين ] الجهتين أمكن دعوى اختصاص هذه المسألة بباب التعارض وكانت من شؤونها وغير مرتبطة بباب التزاحم ( 1 )

( 1 ) لانه بناء على هاتين الجهتين ( كون المقصود بالفساد عدم ترتب الاثر والنتيجة المقصودة ، وكون المراد بالفساد هنا الفساد الاقتضائي بمعنى قصور الملاك لا الفساد القربي ) يكون التكاذب بين دليلي الامر والنهي تكاذبا اقتضائيا فان النهي ينفي الامر اقتضاء ، والتكاذب الاقتضائي ملاك باب التعارض .

بخلاف ما إذا كان المراد ما يعم الفساد القربي فان معنى ذلك كون الفساد ناشئا عن عدم >


384

وعليه فلا مساس بين هذه المسألة والمسألة السابقة - على ما أسلفنا - .

نعم لو جعلنا الفساد في العنوان أعم من الفساد التقربي فلا محيص من جعل المسألة السابقة صغرى لهذه المسألة ، إذ [ مرجعها ] ( 1 ) الى ان النهي متوجه الى متعلق الأمر أم لا ؟ والقائل بالامتناع يلتزم بالتوجه فنحقق له صغرى هذه المسألة .

ولكن انت خبير بأنه بعد اثبات توجه النهي الى موضوع الأمر لا نزاع لأحد في منعه عن التقرب بمثله ، بل لا أمر له حينئذ ، وكان مبعدا محضا بنهيه فكيف يتقرب به . وحينئذ لا يبقى المجال للبحث عن هذا الفساد ( 2 ) ، وذلك أيضا شاهد آخر لعدم شمول الفساد في العنوان الفساد التقربي ، فينحصر الفساد فيه بالفساد الواقعي الناشي عن القصور في اقتضائه ، فيختص مثل هذا النزاع بباب التكاذب في عالم الاقتضاء ولا يشمل باب التزاحم .

بخلاف المسألة السابقة ، فانه كما أسلفنا مختص بباب التزاحم ومن شؤونه ولا يشمل باب التكاذب في المقتضي .

بل ولئن بنينا على توهم بعض : من كون المسألة السابقة أيضا داخلة في

< تمشي قصد القربة من المنهي لا عدم وجود المقتضي وقصور الملاك فيكون التنافي بين دليلي الامر والنهي تنافيا في مقام الفعلية والتحقق لا في مقام الاقتضاء وهذا ملاك باب التزاحم .

ويترتب على ما ذكر من كون المقام هنا مقام التعارض لكون التكاذب اقتضائيا عدم ارتباط هذه المسألة بمسألة الامتناع والاجتماع لان المفروض هناك عدم التكاذب في الاقتضاء بين الدليلين وانما يقع البحث في الامتناع أو الاجتماع بعد الفراغ عن ذلك .

( 1 ) اي مرجع المسألة السابقة .

( 2 ) اي الفساد القربي ، لأن البحث عن الفساد القربي متفرع على كون الأمر باقي فيبحث عن ان تعلق النهي هل يمنع التقرب به أولا ، وأما بعد اتضاح كون امتناع التقرب بالمنهي عنه مسلما أو خارجا عن محل النزاع وانتفاء الأمر في مورد تعلق النهي فلا يبقي مجال للبحث عن الفساد القربي .


385
باب التعارض أمكن الفرق بينهما في خصوص التعارض من التكاذب في الاقتضاء أو التكاذب في فعلية الحكم . وربما ينتج بينهما فرقا في صورة الجهل بالنهي الفعلي قصورا من حيث الصحة والفساد وعدمه واقعا ( 1 ) فتدبر .

ثم المراد من الاقتضاء هل هو الاقتضاء في عالم الثبوت ، وأن دلالة اللفظ عليه من مباديه ، وأن تمام المقصود : ان المبغوضية الملازمة للمفسدة هل [ تلازم ] عدم المصلحة المقتضية [ للحكم ] أم لا ؟

أو المراد من الاقتضاء أعم من الاقتضاء ثبوتا وإثباتا ، إذ من صغرياتها ( 2 ) صورة ظهور النهي للارشاد الى عدم المشروعية بلا مبغوضية فيه ( 3 ) ، إذ البحث في مثله ممحض في دلالة اللفظ ليس إلا .

الظاهر هو الثاني .

وحينئذ المراد من النهي في العنوان أيضا أعم من النهي الحقيقي الكاشف من المبغوضية والمفسدة في المتعلق ، أو مطلق صيغة النهي القابل للارشاد به على الوجه المسطور .

وأيضا ظاهر العنوان من اقتضاء النهي الفساد لا يكون الا جري الكلام في اقتضاء النهي بمدلوله عدم المصلحة فيه : إما لملازمة المفسدة لعدمها ، أو لصرف دلالة النهي بدوا على عدمها - ولو ارشادا - وهذا المقدار لا يقتضي وجود مقتضي الصحة في البين .

وتوهم أن البحث المزبور لولاه ( 4 ) كان لغوا لكفاية أصالة عدم المشروعية

( 1 ) ففي صورة التكاذب في الاقتضاء نقول بالفساد واقعا وفي صورة التكاذب في فعلية الحكم نقول بالصحة الواقعية - كل ذلك في فرض الجهل بالنهي الفعلي قصورا - ، والظاهر أن كلمة ( الصحة ) أو " عدمه " زائدة في المتن .

( 2 ) أي من صغريات مسألة الاقتضاء .

( 3 ) الظرف متعلق بقوله ( ظهور ) اي من صغرياتها صورة ظهور النهي المذكور في الاقتضاء

( 4 ) اي لولا وجود مقتضى الصحة .


386
في فساد العمل ولو لم يكن في البين نهي .

مدفوع بأن الغرض من البحث اثبات الفساد اجتهاديا بحيث لو قام دليل على الصحة يصلح المنهي المزبور للمعارضة ، وأصالة عدم المشروعية لا يفي [ بذلك ] كما هو ظاهر .

وحيث اتضحت هذه الجهات نقول :

إن النهي تارة في العبادات واخرى في المعاملات بالمعنى الأعم ، وثالثة في المعاملات بالمعنى الأخص .

أما العبادات فتارة يتعلق النهي بنفس العنوان ، واخرى [ يتعلق ] بجزئه ، وثالثة بشرطه ، ورابعة بوصفه الملازم .

فإن تعلق النهي بنفس العنوان فلا شبهة في أن طبع النهي يقتضي المولوية النفسية ، ولازمه اقتضاؤه كون العنوان مما احتيج الى عدمه ، ولازمه استحالة الاحتياج الى وجوده بنفسه ، فيستحيل حينئذ كون العنوان المزبور مصلحة ومفسدة ملازمة لمحبوبيته نفسا ومبغوضيته كذلك ، فقهرا يقتضي مثل هذا النهي فساد متعلقه ، فيتعارض مع الامر المقتضي لصحته .

وربما ينتهي أمرهما الى التساقط وأصالة عدم المشروعية .

ولكن غلبة كون الأمر أو النهي في الشريعة بحسب لب المحبوبية والمبغوضية غيرية وإنما نفسيتها كانت في مرحلة التحميل على العبادة [ تمنع ] عن الحمل على هذا الظهور ، وحينئذ لا يقتضي النهي المزبور إلا وجود مفسدة فيه لا أن المتعلق بنفسه مفسدة ، وهذا المقدار لا يقتضي منع المصلحة في المتعلق . وعليه لا مقتضي لطبع هذا النهي في الفساد ( 1 ) ، بل لو كان متعلق الأمر والنهي [ عنوانين متغايرين مجتمعين ] في واحد ، طبع واطلاق خطابي الأمر والنهي يقتضي إدخاله في باب التزاحم .

( 1 ) الأصح ان تكون العبارة هكذا : " لا مقتضي في طبع هذا النهي للفساد " .


387

نعم لو كان الخطابان متعلقين بعنوان واحد أمكن اثبات التعارض بينهما بالتقريب السابق في تنبيهات المسألة السابقة .

ولكن ذلك أيضا ليس من باب اقتضاء النهي للفساد ، بل إنما كان الفساد بواسطة الأصل بعد تعارض الأمر معه في نفي محبوبية تركه بجميع مباديه كيف ، ولولا اقتضاء الأمر ذلك لما كان النهي معارضا له ولا مقتضيا لفساده فالفساد في مثل هذا الفرض جاء من قبل المعارضة وأصالة الفساد ، وحينئذ لو فرض ترجيح النهي على الأمر لازمه منع دلالة الامر على عدم المقتضي لتركه وهذا المقدار لا يوجب فساده مع احتماله فيكشف ذلك ان هذا الفساد ليس لاقتضاء في النهي ، كما هو ظاهر .

ثم ان ذلك كله في اقتضاء النهي الفساد الواقعي ، والا فلا شبهة في أنه مع تنجز [ النهي ] عنه لا يصلح ان يتقرب به ، ولكن قد عرفت أن هذا الفساد في ظرف تنجز النهي ليس مورد بحث حتى في موارد التزاحم فضلا عن مورد الكلام الذي أشرنا بأنه من صغريات باب التعارض .

وبالجملة : نقول إن في ( 1 ) اقتضاء النهي المولوي النفسي بنفس العنوان فساد المتعلق الملازم لعدم [ مشروعيته ] بعد فرض ظهور ثانوي في كون لب المحبوبية والمبغوضية فيها ( 2 ) غيرية ، وان نفسيتها انما [ هي ] في مرحلة [ التحميل ] على العباد حتى في العبادات فضلا عن غيرها [ دونه ] خرط القتاد .

نعم ربما يوجب مع وحدة عنوان الخطابين فساد المتعلق من جهة التعارض المنتهي الى اصالة عدم المشروعية . فان تقنع بهذا المقدار في اقتضاء النهي للفساد نقول به ، ولكن في ذلك الفساد يشترط وجود أو معارض له ، والا فلو لم يكن في

( 1 ) ( في ) هنا زائدة ، وكلمة " اقتضاء " فما بعدها الى قوله " دونه " اسم لأن وقوله " دونه خرط القتاد " خبر لأن .

( 2 ) أي في الاوامر والنواهي الشرعية .


388
البين أمر يقتضي نفي الاقتضاء في تركه لا يقتضي صرف النهي عنه ذلك لامكان كونها من باب التزاحم ، كما لا يخفى .

هذا ولكن يمكن في أمثال هذه النواهي دعوى ظهور ثانوي في كونها في مقام توهم المشروعية وحينئذ لا قصور في اقتضاء ظهوره فساد المتعلق لا من جهة الملازمة العقلية الراجع إليه الوجه السابق ، بل النهي بلفظه وظهوره يقتضي عدم مشروعية مثل هذه العبادة الملازم لقصوره في اقتضائه ، فتدبر .

ثم ان ذلك كله في النهي بنفس العنوان .

واما النهي بجزئه أو شرطه فالظاهر أنه لا اشكال عندهم في أن النهي أو الامر الوارد في بيان كيفية العبادة لمحض الارشاد الى جزئيته أو شرطيته أو عدمهما بلا احتمال مولويته نفسيا كي يجئ منه البيانات السابقة .

نعم ليس مثل هذا النهي من الجزء أو الشرط كاشفا عن مانعيته لها ، كيف ! وهو لا يناسب النهي عنها إذ لا أقل من توهم جزئيته أو شرطيته لولاه ، فالنهي عن مثله لا ينظر الا الى دفع توهم جزئيته أوشرطيته ومشروعيته [ بلا استفادة ] مخليتة لهاو [ مانعيته ] لولا دليل آخر على مانعية زيادته في العبادة ، كما في الصلاة وذلك أيضا مختص بالجزء دون الشرط كما لا يخفى .

ثم إن ذلك النهي إنما يقتضي عدم الجزئية أو الشرطية للمنهي عنه في صورة عدم اقتضاء ( المنهي ) تقييد اطلاق دليل الجزء أو الشرط [ بعدمه ] وإلا فلازم النهي المزبور تبديله بغيره لولا محذور الزيادة ، كما هو ظاهر .

نعم لو لم يكن في البين توهم الجزئية أمكن دعوى ظهور النهي في الارشاد . الى مانعيته ، كما هو الشأن لو كان متعلق النهي وصفا مقارنا لها أو مفارقا .

نعم لو كان النهي متعلقا بعنوان آخر مفارق مع العبادة تارة ومجتمعا معها اخرى أمكن منع [ ظهوره ] في الارشاد إذ مثل هذا النهي لا ينظر الى العبادة كي يدعي بأنه في مقام بيان ماهيتها ، بل متعلق بعنوان مستقل قابلا للانطباق عليها .


389
ففي هذه الصورة أمكن دعوى بقائه على ظهوره في المولوية ، ولقد عرفت انه لا يقتضي فساد العبادة واقعا وإنما يقتضي فسادها من جهة القصور في التقرب به في صورة اجتماع عنوانه مع عنوان المأمور به في جهة مشتركة بينهما ، والا فلا يقتضي الفساد أصلا ، كما أشرنا إليه في المسألة السابقة فراجع .

ومن هذه البيانات ظهر حال النهي عن المعاملات بالمعنى الأعم إذ يجري فيها جميع ما ذكرنا من لوازم مولوية النهي النفسي .

نعم ظهورها ثانويا في الارشاد الى دفع توهم المشروعية محل اشكال إذ ليس فيها غالبا مثل هذا التوهم .

نعم لو كان في البين مثله لاغر وبدعوى اقتضائه الفساد ، كما لا يخفى .

كما أن النهي بجزئها أو شرطها أو بوصف مقارن لها أو مفارق ظاهره الارشاد الى نفي الجزئية أو المانعية على التفصيل المتقدم . نعم لو تعلق النهي بعنوان آخر قابل للانطباق عليها لا يكون للارشاد بل على طبع ظهوره في المولوية النفسية ولقد عرفت انه لا يقتضي الفساد الواقعي كما أنه لا يقتضي الفساد التقربي مع وجود أمر فيه أيضا بعد عدم اعتبار القربة في مثله وهو ظاهر .

وأما النهي عن المعاملة بالمعنى الأخص فنقول : إن النهي تارة متعلق بنفس عنوان المعاملة الناشية عن عقده كالبيع والصلح وأمثالهما ، واخرى متعلق بعنوان عقده الذي هو بمنزلة السبب له ، وثالثة بجزء عقده أو بشرطه أو بوصفه المقارن أو المفارق ، ورابعة بالتسبب من عقده الى نفسه وخامسة بنتيجة المعاملة من التصرف في أحد العوضين مثلا .

وهكذا الكلام في الايقاعات غير فرض النهي عن جزئه لعدم تصور جزء فيه لا في المسبب ولا في السبب .

أما صورة تعلق النهي بنفس المسبب عن عقد أو ايقاع فالظاهر أن نهيه


390
المولوي نفسيا أم غيريا لا يقتضي فساد المعاملة بمعنى عدم ترتبه ( 1 ) على انشائه المقصود منه ترتبه لعدم منافاة بين مبغوضيته وترتبه ولو لاقتضاء مبغوضية وجوده من قبل انشائه بعد عدم اعتبار قرب فيه .

نعم ما اعتبر فيه التقرب كالصدقات يشكل أمره لأن لازم التقرب بالعنوان رجحانه المنافي مع نهيه .

فما عن أبي حنيفة من أن النهي عن الشئ يقتضي الصحة إنما يتم في غير العبادي ، والا ففيها غير قابل [ للسماع ] .

نعم ذلك كله إنما يصح لولا كون النهي في مقام ردع العقلاء ، في بنائهم على ترتبها ( 2 ) على انشائها ، وإلا أمكن دعوى كونها في مقام نفي مشروعية المعاملة [ الموجب ] لفسادها شرعا ، وربما يستظهر ذلك أيضا من كلية النواهي الواردة في مورد المعاملات العقلائية ، إذ هي ظاهرة في الرادعية الكافية لاثبات الفساد .

اللهم [ إلا ] أن يدعى أن غاية الأمر [ اقترانها ] بما يصلح للقرينية من توهم [ كونها ] لدفع المشروعية وذلك يقتضي نفي [ ظهورها ] في المولوية [ لا ظهورها ] في الرادعية .

وحينئذ فمع الشك في [ رادعيتها ] أصالة عدم الردع [ تقتضي ] الصحة [ لكشفها عن امضائهم ، لأن الاطلاق المقامي ولو لم يكن لفظيا يقتضي امضاء عملهم ما لم يكن في البين ردع وأصل . فتأمل .

( 1 ) أي وعدم ترتب المسبب - وهو عنوان المعاملة الناشئة عن العقد أو الايقاع كالبيع والصلح - على انشائه المقصود من ذلك الانشاء ترتب المسبب - وهو البيع أو الصلح - لعدم المنافاة بين مبغوضية المسبب وترتبه ، حتى وإن كانت المبغوضية مبغوضية وجود المسبب من قبل الانشاء بعد عدم اعتبار القربة فيه ، فلا يقتضي النهي في هذه الصورة فساد المعاملة .

( 2 ) أي المسببات أو عناوين المعاملات .


391

ومن هذه البيانات ظهر أيضا حال الصادر عن عنوان السبب من عقد كذائي أو ايقاع كذلك ، إذ جميع ما ذكرنا في المسبب جار فيه أيضا .

وأما النهي عن جزء السبب أوشرطه أمكن فيها دعوى كونها للارشاد الى [ نفي ] الجزئية أو الشرطية رأسا أو تقييدهما بغيره ، كما هو الشأن في كلية الأوامر أو النواهي الواردة في مقام بيان حقيقة شئ كما أسلفناه .

وأما النهي عن الوصف المفارق أو الملازم أمكن أيضا دعوى ظهورها في المانعية لأنها أيضا من النواهي في مقام بيان حقيقة العنوان من العبادات أو المعاملات مطلقا .

نعم لو كان النهي متعلقا بعنوان مستقل قابل للانطباق على المعاملة فهو لا يقتضي فسادها كما تقدم في المعاملات بالمعنى الأعم .

ومن التأمل فيما ذكرنا أيضا ظهر حال النهي عن التسبب بالعقد أو الايقاع الى مسبباتها ، إذ هي أيضا لا يوجب فسادها إلا إذا فرض كونها في مقام الردع عن بناء العقلاء في هذا [ التسبب ] [ فانها ظاهرة ] في الفساد لولا دعوى ان مجرد توهم كونها لدفع المشروعية يمنع عن [ ظهورها ] في المولوية ولا يوجب ظهورها في الرادعية ، لأن الاقتران بما يصلح للقرينية بحكم المجمل ، وحينئذ يرجع الأمر الى أصالة عدم الرادعية الكافية في صحة المعاملة امضاء فتدبر هنا أيضا .

وأما النهي عن نتيجة المعاملة فلا شبهة في اقتضائه الفساد إذ هو ملازم لعدم جواز التصرف في المال المضاد مع الصحة .

نعم لو كان النهي عن التصرف من عنوان ثانوي من نذر أو غيره فهو لا يقتضي الفساد جزما .

هذا كله حال صور النواهي بحسب الاستظهارات النوعية كما هو شأن


392
الاصولي بيانها تثبيتا للقانون ، والا ففي الموارد الشخصية ربما يتحقق قرائن وخصوصيات شخصية لا محيص [ فيها ] من رفع اليد عن القوانين بها وتشخيص ذلك منوط بنظر الفقيه في كل مورد مورد .
393

المقالة الرابعة والعشرون

المفهوم والمنطوق

394

395

[ المقالة الرابعة والعشرون ]

في

المفهوم والمنطوق

وعرفوهما بما دل عليه اللفظ لا في محل النطق أو في محله .

ولكن لا يخفى ما فيه من أن هذا البيان في المفهوم يشمل مطلق المداليل الالتزامية حتى غير البينة منها فضلا عن البينة منها بالمعنى الأعم ، ولازمه كون المنطوق منحصرا بالدلالة المطابقية والتضمنية لأنها يكون مدلولها في محل النطق لا غير ، والحال أن بناءهم على حصر المفهوم المصطلح بالبينات بالمعنى الأخص الذي كانت الملازمة بينهما بمثابة من الوضوح الموجب للانتقال من [ الملزوم ] الى اللازم في عالم التصور بلا التفات الى الملازمة تفصيلا ، بل يختص المفهوم المصطلح أيضا بالقضايا ولا يشمل دلالة المفردات على لازمها ولو كانت بتلك المثابة كدلالة الحاتم على الجود ، بل ينحصر اصطلاح ( المفهوم ) بصورة تعليق سنخ الحكم لا شخصيته ، وإلا فليس ذلك بمفهوم .

وحينئذ فلو فرض حصر المعنى عندهم بالمفهوم والمنطوق لازمه دخول غير ما هو مفهوم عندهم في المنطوق - كما صرح الفصول - حيث جعل دلالة الآيتين على أقل الحمل في المنطوق ، وحينئذ يختل أمر التعريفين [ كليهما ] .

وأما لو بنينا كما هو الظاهر على وجود الواسطة بين العنوانين المزبورين وتخصيص المنطوق بالمطابقة والتضمن لأختل أمر التعريف في المفهوم فقط .


396

ولكن الذي يسهل الخطب أن أمثال هذه التعريفات من باب شرح الاسم لمحض الاشارة الى ما هو من سنخ المعرف ، فلا يضر بمثلها أمر عدم الطرد والعكس كما لا يخفى .

ثم ان مصطلح ( المفهوم ) بعد ما كان في مورد تعليق السنخ فلا يشمل موارد تعليق الشخص ، ولو على العلة المنحصرة ، بل وظاهرهم في التعليقات الشخصية حتى للألقاب - المنكرين للمفهوم فيها - كون المعلق عليه بمنزلة العلة المنحصرة لشخص الحكم ، ولذا يلتزمون بانتفاء شخص الحكم عند انتفاء موضوعه ذاتا أم وصفا .

ولو لا انحصار موضوعه بخصوصية عنوانه ، وكان الموضوع جامعا بينه وبين غيره لما حكم العقل بانتفاء شخص الحكم أيضا ، لامكان وجوده في فرد آخر .

وتوهم كون المراد من شخص الحكم انشاءه المتقوم بوجود زيد مثلا في خطابه ، كلام ظاهري ، إذ شخص الانشاء إذا كان متعلقا بزيد لا بما هو هو بل بما هو انسان مثلا فلم [ يبق ] انشاء أيضا بانتفاء زيد مثلا ، مع أن الغرض من الحكم سنخا أم شخصا ما هو مدلول انشائه لا نفسه ، وإلا فهو بانعدام كلامه ينعدم ولا يتوقف انعدامه على انعدام زيد أيضا ، فما يتوقف عليه هو مدلول هذا الانشاء من الايجاب شخصا أم سنخا ، ومثل هذا المدلول بأي نحو كان لا يكاد ينعدم إلا بحصر موضوعه في المذكور .

وربما يفصح عما عليه بناؤهم من انتفاء شخص الحكم عقلا صريح كلامهم في المطلق والمقيد المثبتين مثلا على التقييد عقلا بثبوت وحدة المطلوب حتى بناء على عدم المفهوم للوصف أو اللقب . ولولا اقتضاء دليل المقيد انتفاء شخص حكمه لما كان يعارض المطلق ولو مع احراز وحدة المطلوب ، بل يؤخذ بالمطلق ولا يقيد .


397

[ فعمدة ] الوجه في التقييد اقتضاء دليل المقيد انتفاء شخص حكمه كي يعارض مع المطلق عند احراز وحدة المطلوب ، وقد عرفت أن ذلك أيضا لا يتم إلا بظهور ما علق عليه مضمون الخطاب منحصرا .

وربما يؤيد كلامهم في ذلك أيضا ظهور دخل كل عنوان مأخوذ في طي حكم في الحكم بخصوصه ، ولازمه ذلك ليس إلا الانحصار بالنسبة الى شخص هذا الحكم والا يلزم عدم دخل خصوصيته في شخص حكمه وهو خلف . ومن هذه الجهة ربما يستظهر عنوان الموضوع في كل خطاب فيما هو مأخوذ في طي الخطاب .

وحيث عرفت ذلك فنقول :

إن لمنكر المفهوم ليس انكار هذه الجهة عن ظهور دخل عنوان مأخوذ في طي الخطاب بخصوصه في مضمون الخطاب ، وإنما انكاره ممحض في كون المضمون سنخا لا شخصا والا يلزمه عدم اقتضاء الخطاب انتفاء شخص الحكم أيضا بانتفاء هذا العنوان بخصوصه ولو من جهة احتمال عدم دخل خصوصيته في مضمون الخطاب شخصا أيضا كما لا يخفى .

وعليه فتمام مركز البحث بين المنكر والمثبت هو في مضمون الخطاب المعلق على العنوان بخصوصه بانه هو السنخ أو الشخص .

وحينئذ لا مجال في تقرير وجه الانكار من منع العلية تارة ومنع الانحصار اخرى ومنع السنخ ثالثة ، بل لابد وان يقتصر في وجه الانكار على منع خصوص تعليق السنخ لا الشخص .

وعليه فمآل البحث في المقام الى أن الظاهر من القضية - تعليقية كانت أو غيرها - كونها في مقام تعليق السنخ أو الشخص بعد الفراغ عن ظهور العنوان المأخوذ فيه في دخله في مضمون الخطاب بخصوصه الذي هو ملازم لانحصاره فيه كي يصير انتفاء الشخص قدرا متيقنا .


398

وحيث عرفت ذلك فاسمع أيضا : ان الغرض من تعليق الشخص ليس كون المراد من الخطاب المتعلق به شخص الحكم حتى من حيث الخصوصيات الطارية عليه من الموضوع أو الشرط أو الوصف أو الغاية ، كيف ! ومثل هذه الخصوصيات من نتائج تعلق الحكم بها ، ولا يعقل أن تكون معلقة بالامور المزبورة .

كما أن المراد من السنخ أيضا ليس عبارة عن الطبيعة المهملة ولا الطبيعة السارية في ضمن الوجودات المتعددة الخارجية ، إذ مجرد تعليق الطبيعة المهملة بملاحظة قابليتها للشخصية ولو بدال آخر لما يقتضي الانتفاء عند انتفاء المعلق عليه ، كما أن تعليق الطبيعة السارية في ضمن الوجودات المتتعددة الخارجية على موضوع خاص مستحيل عقلا .

وحينئذ لا محيص في مقام تعليق شخص الوجوب مثلا أن يراد من الشخص ما هو المحدود بحدود خاصة ملازم مع ما علق عليه الحد لا الناشي من قبله في قبال سنخه الملازم لتجريده عن هذه الخصوصية الملازم لأخذ اطلاق في الحكم من هذه الجهة زائدا عما هو مدلول خطابه من الطبيعة المهملة ، وحينئذ يدور الأمر في هذا الاطلاق بين الحمل على معنى الاشتراط النفسي المراد منه صرف الشئ [ غير ] القابل للانطباق على غير أول وجوده ، أو الحمل على الطبيعة السارية في ضمن مراتبه المتصورة في مثله ، وعلى التقديرين يقتضي التعليق المزبور انتفاء الحكم عند انتفاء ما علق عليه ، إذ لو وجد الحكم عند انتفاء المعلق عليه يلزم تحقق أول وجود الطبيعة في غيره وهو مناف للتعليق المزبور . كما أنه يلزم وجود مرتبة من الحكم في غير المعلق عليه المنافي لتعليق جميع المراتب بذلك في قبال اقتضائه مجرد اثبات الطبيعة المهملة لموضوعه ، فلا اطلاق في طرف المحمول أصلا .

ومنها ظهر أن طبع القضية بنفسها لا يقتضي إلا كون المراد من المحمول


399
ما يقتضيه وضعه الأولي من الطبيعة المهملة وهو الذي لا يقتضي بنفسه نفي الحكم في غير مورده فلا يكون له مفهوم فالمفهوم حينئذ يحتاج الى عناية زائدة في القضايا من كونها في مقام تعليق المحمول باطلاقه على موضوعه ، فإذا كان كذلك فتحتاج هذه الجهة الى دال آخر زائد على ما يقتضيه طبع القضية من مثل أداة الشرط أو غاية أو حصر أو توصيف ، والا فالعاري عن جميع هذه الامور كالألقاب ليس [ له ] مفهوم ولا يكون أحد يدعيه [ فيه ] الا في مورد قامت قرينة شخصية خارجية ككونه في مقام التحديد وأمثاله . ومن هنا وقع النزاع نفيا واثباتا في الموارد المعهودة المشتملة على خصوصية زائدة عما يقتضيه طبع القضية موضوعا ومحمولا من مثل الامور المذكورة .

ثم لا يخفى أيضا الجهة الفارقة بين أنحاء الأدوات في كيفية المفهوم ، إذ أداة الشرط [ لا تقتضي ] الا تجريد المحمول من الخصوصية الملازمة لشرطه مع حفظ سائر الخصوصيات فيه . وهذا هو المراد من تعليق سنخه واطلاقه ، لأن المراد السنخ من جميع الجهات وسائر الحيثيات واطلاقه كذلك ، كما ان المراد من أداة الغاية تجريد المحمول عن الخصوصية الملازمة لغايته مع حفظ بقية الخصوصيات فيه ، وهكذا الأمر في أداة الحصر والهيئة التوصيفية .

ولئن شئت توضيح ما ذكرنا فانظر الى مثل هذا المثال من قوله : إن جاءك زيد قائما الى يوم الخميس لا يجب اكرامه الا ضاحكا . إذ مقتضى مفهوم الشرط نفي الحكم المزبور المشتمل على سائر خصوصياته عند عدم المجئ الذي هو الشرط ، ولازمه حفظ تمام الخصوصيات في طرف المفهوم حتى الوصف والغاية والحصر ، كما أن مقتضى مفهوم الغاية أيضا حفظ جميع الخصوصيات في مفهومه حتى الشرط والتوصيف ، وهكذا الأمر في طرف التوصيف وأداة الحصر .

وعليه لازم أخذ المفهوم في المثال من جميع جهاته تحقق أنحاء مختلفة في مفهومه من عدم الوجوب ولو ضاحكا عند عدم المجئ ، وعدم الوجوب كذلك


400
عند تحقق الغاية ، وعدم وجوبه كذلك عند عدم الوصف ، وعدم وجوبه عند فقد الضحك .

كما أن لازم عدم أخذ المفهوم من الجمع احتمال ثبوت الحكم عند فقد الجميع ، ولازم التفكيك بينهما الغاء المفهوم عما لم يكن في مقام تعلق السنخ الناشي عن تجريده عما عليه بأداة شرطه أو غيره .

وبالجملة نقول : المدار في أخذ المفهوم من كل جهة ملاحظة تجريده عن الخصوصية الملحوظة بالاضافة الى ما يقتضيه أنحاء الأدوات كما لا يخفى .

ثم انه بعد ما عرفت - في كيفية أخذ المفهوم من أدوات الشرط - بأن المدار فيه على مجرد التجريد في طرف الجزاء عن الخصوصية الملازمة معه مع حفظ بقية الخصوصيات في صورة امكان التفكيك بين أنحاء الخصوصيات فالأمر ظاهر .

وأما مع عدم التفكيك فلا شبهة في أن الاهمال في سائر الخصوصيات يلازم الاهمال من طرف الشرط أيضا ، كما أن التجريد من طرف الشرط يلازم التجريد في الجهات الملازمة أيضا .

مثلا : لو قال : ان وجد زيد يجب اكرامه ففي مثل هذا المقام التجريد من ناحية الشرط الذي هو وجود زيد ملازم للتجريد عن ناحية موضوعه وهو زيد ، كما أن الاهمال من حيث زيد موجب للاهمال من حيث وجوده وشرطه ، ففي هذه الصورة ربما [ يقع ] البحث بعد الفراغ عن جهة مفهوم الشرط في : أن الترجيح في ظهور القضية في الاهمال من ناحية الموضوع [ يلازم ] الغاء ظهور التجريد في طرف الشرط فيحكم بعدم المفهوم ، بل كانت القضية مسوقة لبيان الموضوع أو الترجيح في ظهور الشرط في التجريد ، ولازمه التجريد عن خصوصية الموضوع أيضا كي يصير مفهوم الشرط في المقام مساوق مفهوم اللقب .

والى الجهتين نظر العلمين في مفهوم آية النبأ ، فذهب شيخنا العلامة اعلى


401
الله مقامه الى الجهة الاولى وجعل المقام من باب سوق [ القضية ] لبيان وجود الموضوع . ونظر استاذنا العلامة الى الجهة الثانية فالتزم في مثله بأن مفهومه مساوق مفهوم اللقب ، وحينئذ أمكن دعوى أن اهمال القضية من حيث الاضافة الى الموضوع إنما هو مستند الى طبع القضايا فلا اقتضاء فيها للتجريد وحينئذ فلو كان في البين مقتضي خارجي له فظهور القضية في الاهمال الناشي عن عدم الاقتضاء لا يزاحم ما فيه اقتضاء التجريد .

وحينئذ فالتحقيق ما ذهب إليه استاذنا الأعظم لولا دعوى أن الغالب من أمثال هذه القضايا سوقها لبيان وجود الموضوع فقط ، لا أن لها مفهوما ، ويكون من باب السالبة بانتفاء الموضوع كما لا يخفى .

بقي في المقام فذلكة اخرى و [ هي ] : انه لو كان الجزاء في القضية ينحصر مورده بصورة وجود الشرط بمعنى ملازمة حكمه مع الشرط لا موضوعه ، عكس الفرض السابق ولازمه أيضا امكان التجريد عن الشرط مع عدم التجريد عن موضوعه ، غاية الأمر التجريد عن الشرط يقتضي حصر الطبيعي بفرده المنوط بشرطه وهو أيضا مساوق اهماله من هذه الجهة كما لو قال : ان جهلت بحرمة شئ فهو حلال لك ففي هذه الصورة قد يبقى الكلام في أن المدار في اتحاد المفهوم على مجرد امكان التجريد عن الشرط وان لم يكن له فرد آخر في غير مورده كي يطلق المفهوم المصطلح على مثله ، أو المدار على التجريد في مورد امكان فرد آخر له كي لا يدخل ذلك في المفهوم المصطلح .

لا يبعد في المقام أيضا الالتزام بكفاية امكان مجرد التجريد المزبور في المفهوم وان لم يفد فائدة وكان هذا التجريد بمثابة الاهمال كما لا يخفى .

ثم ان المفهوم بعد ما كان من المداليل الالتزامية البينة لا شبهة في [ كونه ] من اللوازم العقلية ويحسب من الأحكام العقلية [ غير ] المستقلة ، ولازمه استحالة ورود تخصيص أو تقييد على مستقلا بلا تصرف في منطوقه لأنه حينئذ من توابع


402
المنطوق اطلاقا وتقييدا ، وعليه فلو اريد في البين تخصيص المفهوم أو تقييده بحال ، لا محيص حينئذ من التقييد في منطوقه أو تخصيصه ليس الا . وحيث اتضح لك مثل الجهات يبقى الكلام في كل واحد من المفاهيم بخصوصيتها في طي مقالة [ مستقلة ] فنقول :
403

المقالة الخامسة والعشرون

مفهوم الشرط

404

405

[ المقالة الخامسة والعشرون ]

في

البحث عن مفهوم الشرط

وقد اختلفت كلمتهم فيه فبين مثبت للمفهوم فيها وبين ناف .

ونسب الى المنكرين أيضا انكار العلية تارة وانكار [ الانحصار ] اخرى .

ولكن قد تقدم منا بأنه بعد [ التسليم ] في مثل هذه القضايا [ بانتفاء ] شخص الحكم لا يبقى لهم مجال انكار في الحصر بدخول أداة الشرط علة كانت أو غيره ، فلا محيص من أن يكون انكاره ممحضا في تعليق السنخ بعد الفراغ عن ظهور الشرط في الانحصار ولو من جهة ظهور دخل خصوصية العنوان المأخوذ في حيز الخطاب في ترتب الحكم عليه جزاء أو غيره سنخا أم شخصا .

وحينئذ لنا ان نقول : إن طبع القضية باقتضاء ذاتها ليس الا ترتب الحكم - مهملة - على موضوعه .

ولكن لو كان في البين جهة زائدة عن ربط الحكم بموضوعه - كما في المقام - من حيث اقتضاء أداة الشرط ربط الحكم بشرطه زائدا [ على ] ربطه بموضوعه ، فهل القضية في هذه الجهة الخارجة عن مدلولها أيضا [ تقتضي ] اهمال الجزاء أو [ لا تقتضيه ] ؟ . - بل مقتضى مقدمات الحكمة تعليق اطلاق حكمه الملازم لتجريده عن هذه الجهة - أمكن أن يقال إن اصالة الاطلاق [ تقتضي ] التجريد من هذه الجهة ، ويبقى حيث الاضافة الى الموضوع على طبعه [ الأولي ] في


406
القضايا الظاهرة نوعا في [ اهمال ] المحمول من حيث الاضافة الى موضوعه .

وبعبارة اخرى نقول : إن ظهور القضايا نوعا في اهمال المحمول بالنسبة الى موضوعه مانع عن الأخذ باصالة الاطلاق في مثله ، ولكن ذلك لا يمنع عن الأخذ باصالة الاطلاق في سائر الجهات .

وبهذه العناية أيضا نقول بالمفهوم في الغاية وأداة الحصر وأما التوصيف فحيث إنه من شؤون الموضوع وكان نسبة الحكم إليه كنسبته الى ذات موضوعه صار منشأ للتشكيك في اصالة الاطلاق الى حيث اضافة الحكم إليه إذ كان لدعوى اقتضاء طبع القضية اهمال الحكم بالاضافة الى موضوعه بجميع شؤونه كمال مجال . وقد مر الكلام في أمثال المقام كي لا يختلط عليك الأمر ، والله العالم .

ثم انه إذا تعدد الشرط واتحد الجزاء شخصا بحيث [ يكون ] غير قابل للتكثر فلا شبهة في أنه لا محيص من رفع اليد عن ظهور الشرط في المؤثرية بنحو الاستقلال فيحمل على مؤثرية المجموع في وجود الجزاء عند تقارنها خصوصا مع اقتضاء ما هو أحدهما دون الآخر ترجيحا بلا مرجح . نعم مع تعاقبهما كان الأثر لأول الوجودين قهرا . كما لا يخفى .

وأما لو كان الجزاء وجودا سنخيا قابلا للتكثر ففي هذه الصورة يدور الأمر بين الأخذ باطلاق الجزاء الكاشف عن صرف الوجود [ غير ] القابل للتكثر أيضا ولازمه أيضا رفع اليد عن ظهور الشرط في الاستقلال تأثيرا [ فيجري ] فيه حكم الصورة السابقة وبين الأخذ بظهور كل شرط في المؤثرية المستقلة المستلزم لرفع اليد عن وحدة الجزاء بحمله على وجود دون وجود والى مثل هذه النقطة نظر المتخالفين في أمثال المقام بأن الاصل في هذه الموارد هو التداخل أو العدم ، وحيث كان كذلك نقول :

إن ظاهر كون الجزاء تبعا للشرط ثبوتا واثباتا ، وان ظهور الشرط في المؤثرية المستقلة [ صالح ] للبيانية المانع عن الأخذ باطلاق الوحدة في طرف الجزاء ،


407
ولازمه كون الأصل في أمثال الباب هو عدم التداخل .

وتوهم أن ظهور الشرط في استقلال التأثير لا ينافي مع كون الاكتفاء بوجود واحد لامكان تأثير كل واحد في وجوب الشئ الموجب لتأكده عند التعدد ، نعم لو فرض وجود آخر بعد وجود الجزاء يجب أن يؤثر أيضا في وجوبه ، والى ذلك نظر العلامة - أعلى الله مقامه - في مصيره الى التفصيل بين صورة تكرر الشرط قبل الوجود للجزاء فيتداخل ، وبين فرض وجود شرط آخر بعد الجزاء فلا يتداخل بل يؤثر في وجوب آخر .

مدفوع بأن الظاهر من الشرط كون [ مقتضيا ] لوجود الموضوع ، وان اقتضاءه لوجوبه من تبعات اقتضائه الوجود ، حيث إن اقتضاءه التشريعي لوجود شئ كونه موجبا لوجوبه ، وحينئذ لازم ابقاء ظهور الشرط في المؤثرية المستقلة اقتضاؤه وجودا مستقلا .

ولئن أغمض عن ذلك نقول : إن اقتضاء المؤثرية المستقلة كون [ النتيجة ] الوجوب المستقل ، والا فتأكد الوجوب في ظرف تكرر الشرط يوجب عدم استقلال الشرط في التأثير لبداهة استناد الوجوب الواحد المتأكد اليهما لا الى كل واحد منهما وحينئذ من المعلوم اقتضاء الوجوبين المستقلين وجودين كذلك ، فلازمه أيضا عدم التداخل . فتدبر .

ثم إن ذلك أيضا في صورة كون الجزاء في القضيتين عنوانا واحدا ، والا فلو كان الجزاء في كل شرط عنوانا غير عنوان الجزاء في الآخر ففي هذه الصورة ظهور الشرط في المؤثرية المستقلة لا يقتضي أزيد من ترتب عنوان جزائه عليه مستقلا ، وهذا المقدار لا ينافي مع قابلية انطباق العنوانين على وجود واحد ، إذ تأثير الشروط في تعدد العنوان بنحو الاستقلال غير مانع عن الانطباق المزبور ، ومن هذه الجهة ربما التزم [ القائلون ] بعدم التداخل في السبب مع وحدة العنوان التداخل في المسبب عند اختلافهما عنوانا . كما لا يخفى .


408

409

المقالة السادسة والعشرون

مفهوم الوصف

410

411

[ المقالة السادسة والعشرون ]

في

مفهوم الوصف

وفيه أيضا اختلاف بين الأعلام ، وان كان المشهور فيه عدم المفهوم عكس المسألة السابقة .

ولعل عمدة النكتة في انكار المشهور للوصف مفهوما هو الذي أشرنا إليه سابقا من أن الأوصاف [ تحسب ] من قيود الموضوع وتكون من شؤونها ، وان نسبة الحكم والمحمول إليها كنسبته الى ذوات موضوعاتها ، وحينئذ كان لدعوى - اقتضاء طبع القضية اهمال المحمول بالاضافة الى موضوعه بشؤونه - كمال مجال .

وذلك بخلاف سائر المفاهيم ، فان القضية فيها مشتملة على نسبة زائدة عما يقتضيه طبع القضية من الاضافة الى الموضوع ، ولذا لا بأس بأخذ الاطلاق [ الزائد ] مع ابقاء القضية على طبعها في نسبة المحمول الى موضوعه من الاهمال .

بخلافه في الأوصاف فانه ليس في البين نسبتان كي يؤخذ باهمال أحدهما واطلاق [ الاخرى ] بل مقتضى طبع القضية ليس إلا اهمال المحمول بالنسبة الى موضوعه بتبعاته وشؤونه .

وتوهم أن التوصيف أيضا جهة زائدة عما يقتضيه طبع القضية من الاحتياج الى محمول وموضوع ، وأن ما هو مقتضى طبع الكلام من الاهمال إنما


412
هو بالنسبة الى ما به قوام كلامية الكلام والأوصاف جهة زائدة عنها ولا مانع حينئذ من الأخذ بالاطلاق والتجريد في الأوصاف أيضا ، بل ربما يدعي أيضا في كلية الأوصاف بأن الوصف مشعر بالغلبة ، وان غرضه : أن نسبة الحكم الى الوصف بنسبة اخرى زائدة عن نسبة الحكم الى موضوعه فلا بأس حينئذ بالتفكيك بينهما من حيث الاهمال والاطلاق كسائر القضايا الشرطية ،

مدفوع بأن مجرد خروج الأوصاف عما به قوام كلامية الكلام لا يقتضي اختلاف نسبة المحمول الى ذات الموضوع أو وصفه بل نسبة المحمول الى الموصوف بالوصف نسبة واحدة شخصية وان اختلافها الى الذات أو الوصف ليس الا [ تحليليا عقليا ] وإلا ففي الخارج ليس إلا شخص نسبة واحدة والعرف يأبى عن التفكيك في هذه النسبة الشخصية من حيث التجريد وعدمه في هذا الموضوع الشخصي الخارجي لمحض اختلافهما تحليلا .

ومن هنا ظهر أن اشعاره بالعلية لا يوجب تغيير النسبة بين الذات ووصفه خارجا ، ومع عدم اختلافهما في الخارج لا يبقى مجال للتفكيك بينهما من حيث الاطلاق والتقييد كما هو ظاهر ، وحينئذ مقتضى التحقيق ما هو المشهور [ من ] عدم المفهوم في الأوصاف .

ثم على تقدير المفهوم مقتضى ما ذكرنا سابقا من ميزان كل مفهوم ملاحظة تجريد المعلق عليه بالاضافة الى المعلق مع حفظ بقية الخصوصيات فيه ولازمه كون المفهوم في قوله ( في الغنم السائمة زكاة ) عدم الزكاة في معلوفة الغنم لا في معلوفة الابل ، نعم لو كانت القضية في مقام تجريد الحكم عن السوم حتى مع عدم حفظ موضوعه كان لما افيد وجه ، ولكنه كما ترى .


413

المقالة السابعة والعشرون

مفهوم الغاية

414

415

[ المقالة السابعة والعشرون ]

في

مفهوم الغاية

والظاهر أن مركز البحث المزبور في نفي الحكم عما بعد أداة الغاية . وحينئذ ربما [ اختلفت الأدوات ] في ذلك .

فان كانت مثل ( حتى ) فالظاهر [ ظهورها ] في دخول [ مدخولها ] في المغيا مثل : قوله أكلت السمكة حتى رأسها . وصوموا حتى [ الليل ] .

وأما لو كانت مثل ( الى ) فالظاهر عدم [ دلالتها ] على دخول المدخول في المغيا و [ تفارق ] من تلك الجهة كلمة ( حتى ) .

كما أنه لا كلام أيضا في [ اقتضائها ] انتفاء شخص الحكم في ظرف وجود المدخول نظرا الى كون هذه الكلمة دالة على انتهاء [ سابقها ] في ظرف المدخول ، كما أن كلمة ( من ) دالة على ابتداء سابقها في ظرف المدخول مكانا أو زمانا أو حالا . ولازم الانتهاء المزبور انعدامه في ظرف مدخوله من دون فرق في ذلك بين كون الغاية قيدا للموضوع أو المحمول أو النسبة الحكمية .

وأيضا لا شبهة في امكان استفادة انتفاء سنخ الحكم من الغاية المزبورة ولو من قرينة خارجية بلا فرق في ذلك أيضا بين كونه راجعا الى الموضوع أو المحمول أو النسبة ، إذ من الممكن استفادة كون المغيا موضوعا [ أو ] حكما أو نسبة سنخها ، إذ لازمه قهرا انتفاء سنخ الحكم في ظرف الغاية .


416

وإنما الكلام في المقام في أن ظاهر نفس القضية مع قطع النظر عن القرائن الخارجية أيضا انتفاء السنخ أم لا يكون ظاهره ذلك فيكون المتيقن منه انتفاء الشخص فقط .

ففي هذا المقام قد يفصل بين كون الغاية قيدا للموضوع أو المحمول وبين كونه قيدا للنسبة ، بالالتزام بانتفاء السنخ من ظاهر القضية في الآخر دون الأولين .

ولعل عمدة الوجه فيه هو : ان طبع القضية - حسب ما أشرنا إليه - لا يقتضي أزيد من اثبات المحمول [ للموضوع ] الخاص بنحو الاهمال ، فلا نظر فيه الى حصر المحمول في الموضوع ولا عكسه ، ولذا لا يقتضي انتفاء الحكم عن [ غيره ] ولا انتفاؤه بانتفاء حكمه ، وحينئذ فالغاية الواردة على مثل هذا المحمول والموضوع لا [ تقتضي ] إلا تحديد انتهائهما بما هما - مهملة - من دون اطلاق في طرف المحدود موضوعا أو حكما .

ولئن شئت [ فقل ] : إن طبع القضية يقتضي اهمال المحمول أو الموضوع بشؤونه وحدوده ، وأما لو كان قيدا للنسبة الكلامية ففي هذه الصورة أمكن دعوى أن هذه الجهة أمر زائد عن المحمول والموضوع ، فلا بأس بمقتضى اصالة الاطلاق هو الأخذ باطلاق النسبة وتعليق سنخه بالغاية مع الالتزام باهمال الحكم والموضوع بمقتضى طبعه الأولي في القضية فتدل على انتفاء سنخ النسبة بين الطبيعتين فيدل قهرا على انتفاء سنخ الحكم في ظرف وجود المدخول .

لا يقال : كيف يمكن التفكيك بين المحمول والموضوع وبين النسبة بأخذ الاهمال فيهما والاطلاق في الأخير مع أن النسبة [ تبع ] لهما اطلاقا واهمالا كما هو الشأن في كلية المعاني الحرفية من كونها من حيث الاطلاق والاهمال تبع المتعلق وليس [ لها ] قابلية التعميم والتخصيص مستقلا في قبالهما ؟

لأنه يقال : إن ما [ افيد ] كذلك في عالم الثبوت ، وأما في عالم الاثبات


417
فأمكن أن يقال إن طبع القضية [ بظهورها ] النوعي لا يقتضي الااهمال [ موضوعها ومحمولها ] وذلك لا ينافي وجود [ مقتض ] خارجي موجب لاطلاق التعليق الموجب لانتفاء السنخ عند حصول الغاية .

وحينئذ فاطلاق التعليق في طرف النسبة يقتضي أيضا اطلاق التعليق في طرف المحمول بل الموضوع ، كما أن الاطلاق فيهما أيضا يقتضي الاطلاق في النسبة أيضا ، وإنما الفارق بينهما من حيث إجراء الاطلاق في النسبة دونهما إنما هو من جهة كون المحمول [ أو الموضوع ] من شؤون الجملة [ غير ] المقتضية لأزيد من اهمالهما ، بخلاف النسبة الحكمية فانها جهة زائدة عن المحمول والموضوع فلا بأس بالاطلاق في [ طرفها ] مع بقاء الجملة على عدم [ اقتضائها ] أزيد من [ اهمالهما ] بلا منافاة أيضا بين لا اقتضائية الجملة لاطلاق المحمول والموضوع مع اقتضاء الغاية في النسبة تعليق [ معناها ] - باطلاقه وسنخه - وحينئذ فلك ان تختار التفصيل المزبور في المسألة تبعا لبعض الأعلام بأخذ المفهوم في الاخير دون الاولين فتدبر في المقام فانه من مزال الأقدام .

ثم ان في صورة ملازمة النسبة للتحديد بما بعد الأداة ذاتا - كما في قوله : ( كل شئ لك حلال حتى تعرف ) - ففي اطلاق المفهوم المصطلح عليه أم لا كلام تقدمت الاشارة إليه في نظيره في مفهوم الشرط فراجع .


418

419

المقالة الثامنة والعشرون

مفهوم الحصر

420

421

[ المقالة الثامنة والعشرون ]

في

مفهوم الحصر

والظاهر عندهم كونه من أقوى المفاهيم بلا تشكيك فيه من أحد .

أقول : لو كان من جملة وجوه التشكيك في سائر المفاهيم - كما هو المتراءى من كلماتهم - منع استفادة الانحصار في العلية أو الغاية من أداتها ، كان لما افيد من أقوائية المقام في المفهوم وجه . إذ وضع الأداة أو الهيئة مثلا في المورد للحصر ، فلا يبقى مجال في هذا الباب لمنع الحصر في الموضوع ذاتا أم وصفا أم غيرهما .

أما لو بنينا [ على ] ما أسلفنا من عدم قصور في كل قضية [ في ] استفادة دخل خصوصية العنوان في الحكم الذي هو ملازم للانحصار ، وإنما جهة البحث في جميع أبواب المفاهيم الى أن [ المعلق ] على قيود واردة في الكلام زائدا عن المحمول والموضوع هل هو سنخ الشئ أو شخصه ، ففي هذه الجهة لامزية لباب الحصر [ على ] غيره ، لاحتمال كون طرف الحصر فيه شخص الحكم أيضا ومع هذا الاحتمال لا ينفي الحصر المزبور [ ثبوت ] شخص آخر من الحكم في غير مورد الحصر فلا يكون حينئذ له أيضا مفهوم .

فالعمدة في المقام أيضا اثبات تلك الجهة ، وفي ذلك لا مجال لاثبات الأقوائية من غيره بمجرد وضع [ الاداة ] للحصر كما لا يخفى .


422

اللهم [ إلا ] ان يدعي أقوائية الدلالة في [ تعليق ] السنخ في أمثال الجمل المشتملة على أداة الحصر من غيرها ، وهو أول الكلام .

نعم لا بأس باستفادة المفهوم منها بعين الوجه الذي ذكرناه في سائر الأبواب من كون جهة الحصر أيضا خصوصية زائدة عن صرف اثبات المحمول لموضوعه فلا بأس باطلاق ما ورد عليه الحصر ، واستفادة السنخ من الاطلاق المزبور ، كما هو الشأن في غيره من سائر أبواب الشرط أو الغاية وأمثالها فتدبر .

ثم ان في باب الحصر والاستثناء فروع متشتتة [ تعرضوا لها ] في باب الاقرار ، وبواسطة سهولة [ مأخذها ] لا داعي [ للتعرض لها ] في المقام ، بل على الناظر أن يراجع باب الاقرار فيتأمل فيها .


423

المقالة التاسعة والعشرون

مفهوم العدد

424

425

[ المقالة التاسعة والعشرون ]

في

[ مفهوم العدد ]

من المفاهيم مفهوم العدد ، كقوله : جئني بعشرة ، وان مفهومه عدم وجوب الزائد . وفي مثله ربما يقع الكلام بانه من قبيل مفهوم الوصف وكون التعليق على [ العدد ] مثل التعليق على [ الوصف ] من شؤون تعليق المحمول على موضوعه فلا يكون الا مهملا غير مناف لثبوت شخص حكم آخر في الزائد عن العدد أو انه جهة [ زائدة ] عن الموضوع والمحمول فلا يأبى عن تعليق السنخ ؟

والظاهر انه من شؤون الموضوع كالوصف ولكن ظهور كونه في مقام تحديد المرام بتمامه أوجب المفهوم فيه ، كما هو الشأن في الألقاب أيضا فضلا عن الأوصاف لو كانت أحيانا في مقام التحديد المزبور فان لها أيضا مفهوم . والله العالم .


426

427

المقالة الثلاثون

العموم والخصوص

428

429

[ المقالة الثلاثون ]

في

العموم والخصوص

وعرف العموم باستيعاب المفهوم لمصاديق مدخوله أوحالاته ، أداة كانت [ كلفظتي ] كل وجميع ، أو [ هيئة ] كوقوع الطبيعة في طي النفي ، أو حرفا ك‍ ( لام الاستغراق ) [ الداخلة ] على المفرد أو الجمع . ومرجع الاستيعاب الى الاحاطة بها بحيث لا يشذ شئ من المصاديق عنها .

وفي قباله الخصوص الراجع الى عدم الاستيعاب بالاضافة الى ما يستوعبه غيره أو على الاطلاق . فالخصوص تارة إضافي فيه جهة عموم أيضا واخرى حقيقي بلا جهة استيعاب فيه أصلا ، كما هو الشأن في العموم أيضا .

نعم هنا اشكال مشهور [ هو ] : أن الاستيعاب لشئ واحاطته له من المعاني الحرفية الراجعة الى النسب القائمة بشئ ، وهنا أيضا جهة الاستيعاب قائمة بالمستوعب والمستوعب - بالفتح - ومع حرفية المعنى كيف [ تترتب ] آثار الاسم على أداته ، من مثل [ لفظتي ] ( الكل ) و [ الجميع ] من [ جعلهما ] مبتدءا تارة وخبرا اخرى .

وحله بان الاستيعاب المزبور ملازم لحيثية [ الاجتماع ] تحت المستوعب - بالكسر - و ( الكل ) و [ الجميع ] حاكيتان [ عن ] هذه الحيثية ، [ وهي ] معنى اسمي ملازم لمعنى حرفي ، وما هو ممحض في الحرفية مفهوما هو الهيئة أو حرف التعريف


430
المستعمل في استغراق المعنى بنفسه .

ثم انهم قسموا العموم الى استغراقي ومجموعي وبدلي . والظاهر ان جهة الاستيعاب لمصاديق المدخول محفوظة .

وانما الامتياز بين البدلي وغيره بلحاظ خصوصية مدخوله من كونه [ نكرة ] أو جنسا ، فان في النكرة اعتبرت جهة البدلية دون الجنس ، إذ صدقه على مصاديقه ليس الا عرضيا في قبال النكرة [ غير ] الصادقة على مصاديقه إلا بنحو التبادل ، وحينئذ فالاستيعاب [ الوارد ] على النكرة لا يفيد إلا الاستيعاب للمصاديق بنحو التبادل ، بخلاف الاستيعاب الوارد على الجنس فانه لا يكون الا استيعابا عرضيا ، فامتياز العموم الاستغراقي مثلا [ عن ] البدلي ليس إلا من جهة خصوصية في المدخول لا من جهة [ خصوصية ] في العموم .

نعم في الاستغراقي والمجموعي من جهة المدخول اللازم للاستيعاب عرضيا متساويان وحينئذ امتيازهما عن الآخر ليس من ناحية المدخول بل ميزهما ليس إلا بكيفية تعلق الحكم بهما من كونه بنحو قائم بكل واحد من المصاديق مستقلا أو قائم بالمجموع .

فما عن بعض الأعاظم من ان هذا التقسيم ليس من جهة امتياز بين أفراد العموم من حيث انه عموم في غاية المتانة ، إلا أن في حصر جهة الميز في الجميع من قبل الحكم العارض على العام [ إشكالا ] حيث عرفت أن جهة العرضية في الصدق و [ التبادل ] الذي هو الفارق بين البدلي وغيره غير مرتبط بعالم الحكم وإنما هو ناش من قبل [ نكارة ] المدخول وجنسيته .

نعم صح أن يقال - كما أشرنا - بأن هذا التقسيم ليس بلحاظ خصوصية في نفس الاستيعاب كي يصير [ نظير ] سائر التقسيمات حاكية عن حصص

( 1 ) فؤاد الاصول 1 - 2 : 514 و 515 .


431
مخصوصة في الجهة المشتركة موجبة للامتياز بين أفرادها ، بل في المقام جهة الاستيعاب على منوال واحد ، وإنما الميز بين البدلي وغيره بكيفية المتعلق ، وبين الاستغراقي والمجموعي بكيفية الحكم ، ومعلوم أن هذه الامتيازات اجنبية عن حيثية الاستيعاب والعموم وغير صالحة لأن [ تصير ] موجبا لتخصص العموم [ بخصوصية ] كسائر التقسيمات فتدبر .

ثم إن ذلك كله في نفس العموم وأما الأدوات الدالة عليه فربما يختلف [ مدلولها ] ، فبعضها لا يحكي إلا عن نفس العموم الوارد على المدخول من دون اقتضائه اثبات كيفية الحكم أو المتعلق - وذلك مثل كلمة ( أي ) - فانه قابل لأن يرد على النكرة وعلى الجنس وقابل لأن يكون الحكم الوارد على مدخوله بنحو الاستقلال أو المجموعية وان كان الغالب فيه دخولها على النكرة وان الحكم الوارد على مدخوله بنحو الاستقلال ولكن ليس بمثابة لو استعمل في غيره كان مجازا .

وبعضها [ مخصوص ] بكون [ مدخوله ] جنسا صادقا على المصاديق عرضيا ولكن من حيث كيفية الحكم لا اختصاص [ له ] بنحو دون نحو - وذلك مثل ( الكل ) و ( التمام ) - ولذا يستعملان في كل واحد من موردي الاستغراقية والمجموعية . وبعضها [ مخصوص ] بصورة عرضية المصداق [ أو ] استغراقية الحكم [ كلفظة ( الجميع ) ] بشهادة ان استعمالها في مورد المجموع أو البدل مجاز [ لتبادر ] غيرهما منه . وبعضها [ مخصوص ] بعرضية المصداق ومجموعية الحكم كلفظ [ المجموع ] إذ مثل هذا اللفظ من جهة اختلاف الحكم تام التقابل مع ( الجميع ) وان كانا مشتركين من حيث عرضية المصداق قبال البدلي كما لا يخفى .

بقي في المقام شئ آخر وهو ان حيثية الاستيعاب الطاري على الشئ نحو نسبة بين المستوعب - بالكسر - والمستوعب - بالفتح - الذي [ هو ] عبارة عن المندرجات تحت مدخوله ، ولذا كان محتاجا الى تعيين ما هو معروض


432
الاستيعاب ، بذكر متعلقه فالمتعلق في الحقيقة مبين معروض الاستيعاب والا فنفس الاستيعاب آب عن الدلالة على معروضه كما هو شأن كل معنى حرفي بالاضافة الى متعلقه .

وبذلك يمتاز العموم عن أسماء العدد كعشرة إذ فيها نحو حكاية للمندرجات فيه و [ الملحوظات ] من مفهوم لفظه بنفسها فلا احتياج في ذلك الى غيرها علاوة [ على ] عدم تحديد في العموم بخلاف أسماء العدد .

نعم ربما يطرأ العموم عليها فيصير اسم العدد كأسماء الاجناس مبين دائرة العموم ورافع [ ابهامه ] فالعموم حينئذ من أطواره كما هو من أطوار أسماء الاجناس وإنما الفرق بينهما في صورة دخول العموم على نفس عشرة اقتضاؤه المجموعية تبعا لاقتضاء متعلقة ذلك بخلاف صورة دخوله في الجنس إذ المتعلق بنفسه لا يقتضي المجموعية بلا لابد من قرينة خارجية .

نعم لو دخل العموم على الآحاد المندرجة في العشرة بأن يقال : كل واحد منها كان مدخولها جنسا محدودا بحد خاص وفي هذا المقدار يفيد الاستغراق أيضا وفي هذه الصورة يمتاز عن الطبيعة المطلقة بالتحديد بحد خاص في أسماء العدد من العشرة وأمثالها دون غيرها .

نعم لو دخل على طبيعة العشرة لا [ على ] آحاده المندرجة فيها كان كسائر الطبايع قابلا للانطباق على كل عشرة بلا تحديد فيه كسائر الأجناس .

ومما ذكرنا ظهر حال العموم المزبور بالنسبة الى التثنية فان التصورات الملحوظة في العشرة أو الاثنين جارية فيه وأن الامتياز بينهما كالامتياز بينه وبين أسماء العدد ، وان كان بين التثنية وأسماء العدد فرق فإن الإثنين في أسماء العدد ملحوظ مستقلا من نفس اللفظ وفي التثنية ملحوظ تبعا [ لملاحظة ] كونه معروضا لتقييد الطبيعة به وخارجا عن مدلوله هيئة ومادة .

ومن هنا ظهر حال الجمع أيضا فان حاله من تلك الجهات حال التثنية ،


433
غاية الأمر في التثنية معروض الاستيعاب من الآحاد المندرجة محدود [ من الطرفين ] بخلاف الجمع فانه بملاحظة ما فيه نحو ابهام من طرف الكثرة لاحد له ، فالاستيعاب [ الوارد ] على الآحاد المندرجة فيه أيضا بتبع [ ابهام ] متعلقه يصير مبهما من طرف الأكثر . نعم بالنسبة الى طرف القلة وان كان مفاد الجمع محدودا لكن العموم إذا ورد على الآحاد المندرجة فيه لاحد له .

نعم لو ورد العموم على نفس الجمع لابد وان يكون عن طرف الأقل محدودا فلا يشمله العموم تبعا لعدم شمول مدخوله اياه كما هو ظاهر .

نعم في المقام بل وفي التثنية وأسماء العدد أيضا إذا ورد عام عليهما فهل الاستيعاب المستفاد من أداة العموم وارد على الآحاد المندرجة تحتها أو هو وارد على نفس عنوان التثنية والجمع والعدد كي يستفاد منه العموم في عنوان الجمع وغيره بلا نظر فيها الى آحادها ؟ فيه اشكال .

والتحقيق أن يقال : إن في التثنية وأسماء العدد بملاحظة محدودية الطرفين فيهما ربما يفرق بين صورة ورود أداة العموم عليهما معرفا باللام مثل ( كل العشرة ) أو ( كل العالمين ) فالمتبادر منه كون العموم ناظرا الى الآحاد المندرجة فيها ، وربما [ تكون ] النكتة في مثل ذلك توهم [ استفادة ] معهودية العنوان من العدد والتثنية [ فلا يصلحان أنفسهما ] للتعميم حينئذ فلا جرم يتوجه العموم الى الآحاد المندرجة تحتهما .

نعم في صورة كونهما منكرين غير معرفين باللام مثل ( كل عشرة ) أو ( كل عالمين ) فالظاهر ورود العموم على عنوانهما بلا نظر منه الى الآحاد المندرجة تحتهما .

وأما في [ جمع ] الكثرة فحيث انه عنوان مبهم من طرف الاكثر قابل للصدق على مصاديق متداخلة فإذا [ وردت ] أداة العموم عليه فطبع العموم كونه حاويا لجميع المصاديق حتى المتداخلات ولازمه دخول أقل الافراد فيه وأكثرها


434
ولو بواحد وحينئذ لما كان الحكم الوارد عليه لا تداخل في موضوعه فلا محيص من شموله أقل الافراد وأكثرها ولو بواحد بلا تداخل ومرجعه إلى استيعاب الحكم لأقل افراده وأكثرها ولو بواحد واحد ولازمه كون الحكم مستوعبا لجميع الآحاد الموجبة كل [ منها ] لمصداق من الجمع زائدا على الأقل وذلك نحو قرينة [ على ] صرف نظر [ الحاكم ] الى الآحاد المندرجة بلا نظر فيه الى عنوان الجمع الملازم للتداخل كما لا يخفى .

وفي هذه الجهة لا فرق بين كون الجمع الوارد عليه العموم محلى باللام أم لا .

ثم ان [ هذا ] البيان يجري في جمع القلة أيضا وان كان في طرفه الأكثر أيضا محدودا غير مبهم كما لا يخفى فتدبر .


435

المقالة الواحدة والثلاثون

حجية العام المخصص

436

437

[ المقالة الواحدة والثلاثون ]

[ في حجية العام المخصص ]

لا اشكال في أن العام المخصص بالمبين حجة فيما بقي متصلا كان التخصيص - كالاستثناء - أو منفصلا .

أما في صورة الاتصال فالأمر ظاهر من جهة ظهور المستثنى منه في غير المستثنى كما هو الشأن في كل قرينة متصلة حيث إنه موجب لانقلاب ظهور اللفظ بوضعه [ الأولي ] مثلا الى ظهور آخر حيث إن المدار في الحجية على الظهور الفعلي فلا يكون العام المستثنى منه إلا ظاهرا في الباقي فعلا فيتبع .

وأما إذا كان المخصص منفصلا عن العام فلا شبهة أيضا في أن القرينة المنفصلة [ لا تقلب ] ظهور العام أو غيره عما يقتضيه طبع اللفظ بوضعه أو غيره وإنما هو مانع عن حجية هذا الظاهر .

وحينئذ ربما يتولد منه اشكال معروف بأن العام لا يكون له إلا ظهور واحد ودلالة فاردة وبعد مجئ المعارض المانع عن حجية هذا الظاهر لا يبقى له دلالة اخرى على [ الباقي ] بعد التخصيص كي يؤخذ به وحينئذ من أين يكون العام [ حجة ] على الباقي مع أن حجيته [ ليست ] الا بدلالته [ و ] المفروض عدم حجية ما كان له من الدلالة الواحدة وعدم دلالة اخرى له [ تكون هي ] الحجة .


438

ولكن الانصاف عدم وقع لهذا الاشكال وذلك لأن ما افيد من عدم [ وجود ] أزيد من دلالة واحدة للعام في غاية المتانة ولكن هذه الدلالة الواحدة إذا كانت حاكية عن مصاديق متعددة تحته فلا شبهة في أن هذه الحكاية بملاحظة تعدد محكيها بمنزلة حكايات متعددة نظرا الى أن شأن الحكاية والمرآة جذب لون محكيه فمع تعدد المحكي كأن الحكاية متعددة .

وربما يؤيده ملاحظة القرائن المتصلة إذ من الممكن أن الظهور في الباقي ليس من جهة القرينة بل هو مستند الى وضعه [ الأولي ] غاية الأمر [ تمنع ] القرينة عن افادة الوضع لأعلي المراتب من الظهور فيبقى اقتضاؤه للمرتبة الاخرى دونها بحاله . وفي القرائن المنفصلة نرفع اليد عن حجية الأعلى كما لا يخفى فتدبر .

وحينئذ مجرد رفع اليد عن حجية الحكاية المزبورة بالنسبة الى فرد لا يوجب رفع اليد عن حكايته عن البقية ، والى ذلك نظر المشهور في مصيرهم الى عدم سقوط العام عن [ الحجية ] بالنسبة الى الزائد عن التخصيص كما لا يخفى .

وان كان المخصص مجملا : فان كان مجملا مفهوما فتارة يكون مرددا بين الأقل والأكثر ، واخرى يكون مرددا بين المتباينين ، وعلى التقديرين تارة متصل بالكلام واخرى منفصل عنه .

فان كان متصلا بالكلام مع تردده بين الأقل والأكثر فلا شبهة في أن اجمال المخصص يسري الى العام فلا يبقى مجال للتشبث بالعموم بالنسبة الى الزائد المشكوك لفرض انقلاب ظهوره الأولي بالاجمال .

نعم لو بنينا على مرجعية اصالة العموم والحقيقة تعبدا بلا انتهائهما الى الظهور أصلا كان للتمسك بالعموم بالنسبة الى الزائد المشكوك وجه .

ولكن حيث إن حجية أمثال هذه الاصول ليس الا من جهة بناء العرف


439
والعقلاء كان لمنع بنائهم على أزيد من اصالة الظهور كمال مجال ، وحينئذ لا يبقى مجال للتمسك بهذا العام وحجيته في الفرد المشكوك المزبور .

وان كان المخصص المزبور منفصلا عن الكلام فالظاهر عدم منعه عن التمسك بالعام بالنسبة الى الفرد المشكوك نظرا الى ما أشرنا إليه من أن المخصصات المنفصلة [ لا توجب ] قلب الكلام عما له ظهور بطبعه [ الأولي ] وحينئذ اجمال المخصص لا يمنع عن التشبث باصالة الظهور بالنسبة الى ما لم [ تقم ] حجة واصلة على خلافه ، وعليه أيضا ديدن الأعلام في مقام استنباط الاحكام .

وان كان المخصص مرددا بين المتباينين فالظاهر سقوط العام عن الحجية بالنسبة الى كل واحد بخصوصه من دون فرق فيه بين اتصال المخصص وانفصاله .

وأما سقوطه عن الحجية بالنسبة الى الواحد المردد بين الفردين ففيه تفصيل من حيث إن حكم العام ان كان حكما طلبيا ومحل ابتلاء فالظاهر عدم قصور في اجزاء اصالة الظهور بالنسبة الى الواحد المردد الزائد عن مقدار المخصص ونتيجة هذا الاصل انتهاؤه الى العلم الاجمالي [ المنتهي ] الى حكم العقل بالاحتياط لزوما أو استحبابا .

وأما ان لم يكن حكما طلبيا أو كان ولكن لم ينته الى حكم العقل بالاحتياط ولو من جهة خروج أحد الطرفين عن محل الابتلاء ففي حجية اصالة الظهور بالنسبة الى الفرد المردد أيضا اشكال لعدم انتهاء مثل هذا الاصل الى عمل أصلا فلا مجال لحجيته إذ لا معنى للتعبد بشئ الا من جهة ترتب نتيجة عملية كما هو ظاهر . وعلى أي حال في هذا المقدار أيضا لا ميز بين اتصال المخصص [ و ] انفصاله كما لا يخفى .

وان كان المخصص مجملا مصداقا ومبينا مفهوما ففي حجية العام - بالنسبة الى الفرد المشكوك مصداقيته للمخصص مع معلومية مصداقيته للعام -


440
وعدم الحجية نزاع معروف بين الأعلام .

وتنقيح البحث فيه يقتضي رسم مقدمة موضحة لمقدار من المرام وهي :

ان باب التخصيص عبارة عن اخراج فرد من العام بنحو لا يحدث في العام خصوصية زائدة عما فيه بالاضافة الى بقية أفراده .

وتوضيحه : بأن العام في دلالته على دخول الأفراد مثلا تحت الحكم ليس إلا كون كل فرد مشمولا في عرض فرد آخر من دون تقييد كل فرد - في [ معروضيته ] للحكم - بوجود غيره أو عدمه .

وحينئذ تارة [ تقوم ] القرينة في قبال شمول العام لزيد - مثلا - على خروج هذا الفرد عن تحت العام ومثل هذه القرينة [ لا تقتضي ] انقلاب العام في دلالته على دخول بقية الأفراد مستقلا تحته ، نظير موته [ غير ] الموجب لانقلاب دلالة العام على استقلال بقية الافراد في الموضوعية للحكم .

واخرى [ تقوم ] القرينة على تقيد العام بماله من المصاديق بحال دون حال . [ ولا شبهة ] في أن شأن التقييد ليس الا قلب المطلق عما له ظهور في تمامية الموضوع للحكم الى الجزئية وأن للقيد مدخلية في الموضوع .

ولقد أشرنا بأن باب التخصيص من قبيل الأول و [ هو ] يمتاز عن باب [ التقييد ] .

وتوهم ان قصر الحكم [ على البقية ] بالتخصيص موجب لطرو ضيق على العام الفاقد له قبل التخصيص ، ولا نعني من هذا الضيق إلا تحديد العام بحد فقدان الفرد الخارج ، ومرجعه الى وجوب اكرام كل عالم لم يكن فيه زيد مثلا . ولا نعني من [ التقييد ] إلا هذا . وحينئذ لازمه رجوع التخصيص أيضا الى [ التقييد ] .

مدفوع - مضافا الى النقض بموت بعض الأفراد [ غير ] الموجب لاحداث عنوان آخر للعام زائد عما له قبل موت هذا الفرد جزما - [ بأن ] طرو


441
الضيق من التخصيص إنما جاء من قبل قصور الحكم [ عن الشمول ] لهذا الفرد ، ومثل هذا القصور وان أوجب ضيقا في العام وتحديدا له بغير هذا الفرد الخارج الا ان هذا الضيق الناشئ من قبل ضيق الحكم يستحيل أن يكون موجبا لتغيير العام في عالم موضوعيته للحكم المزبور لاستحالة أخذ الضيق الناشئ عن الحكم في موضوعه ، بل غاية الأمر انه مانع عن شمول العام له مع بقائه على ما هو له من العنوان قبل التخصيص .

وبعد هذا البيان نقول : إن مركز بحثهم في المقام إنما هو في فرض التخصيص وإلا ففي باب تقييد المطلقات لم يتوهم أحد جواز التمسك بالاطلاق عند الشك في القيد ، فبعد فرض تقييد [ الرقبة ] بالايمان لم يتوهم أحد التشبث باطلاق [ الرقبة ] عند الشك في [ ايمانها ] ، كما لم يتوهم أحد التمسك بالاطلاق الصلاة عند الشك في الطهارة أو القلبة وغيرها من قيودها حتى عند [ الأعمي ] وليس ذلك إلا من جهة [ تميز ] باب التخصيص عن باب التقييد ، وان التقييد موجب لقلب عنوان الموضوع عما [ وضع ] اولا قبل التقييد بخلاف التخصيص وحينئذ لا يبقى مجال انكار التمسك بالعام في مركز البحث باقتضاء التخصيص قلب ظهور العام في تمام [ الموضوع ] الى جزئه وحينئذ لا يقتضي مثل هذا العام الذي هو جزء الموضوع احراز جزئه الآخر المشكوك ، إذ مثل هذا البيان يناسب باب التقييد لا التخصيص كما عرفت .

كما أن مجرد كون المخصص موجبا لتضييق دائرة حجية العام بغير ما انطبق عليه مفهومه - ومع الشك في مصداق المخصص يشك في انطباق الحجة من العام عليه أيضا - لا يوجب رفع اليد عن العام بالمرة إذ العام إنما خرج عن الحجية من جهة الشبهة الحكمية وأما بالنسبة الى الشبهة الموضوعية فلا قصور للعام - بعد صدقه على هذا الفرد - أن يشمله ، وبالملازمة يستكشف بأن المشكوك خارج عن مصداق الخاص . ومن المعلوم أن دليل المخصص غير موجب لقصر


442
حجية العام - في مقام تعيين المصداق - [ على غير ] هذا الفرد ، فأصالة الظهور - عند احتمال مطابقة العام للواقع ولو من جهة كشفه عن تعيين المصداق - [ باقية بحالها ] .

وأيضا لا يبقى في المقام مجال اشكال آخر وهو ان حجية الظهور بالنسبة الى الشبهة الموضوعية في طول حجيته في الشبهة الحكمية : لأنها [ منقحة لموضوعه ] وحينئذ لازم حجية العام في الجهتين كون العام موضوعا للتعبدين الطوليين . ومن المعلوم ان الظهور الواحد لا يتحمل إلا حكما واحدا ولا يعقل توارد الحكمين المتماثلين - كالضدين - على موضوع واحد محفوظ في رتبة نفسه . وحينئذ لا محيص من صرف النظر عن التعبد بالنسبة الى الجهة الموضوعية دون العكس كما أشرنا .

وتوضيح الدفع بأن ما افيد صحيح لو كان مرجع التعبد بالظهور الى [ شخص ] وجوب العمل على وفقه - طريقيا كان أم نفسيا - ، وأما لو كان مرجع [ التعبد ] به الى [ الغاء ] احتمال خلافه فلا شبهة - في فرض وجود الاحتمالين - [ انه ] لا مانع [ من إلغاء ] الاحتمال الثاني في طول [ إلغاء ] الاحتمال الاول ، إذ موضوع [ الإلغاء ] حينئذ احتمالان طوليان ، ومع تعددهما ولو طوليا لا قصور في شمول دليل [ إلغاء ] الاحتمال لكل من الاحتمالين ولو طوليا . نظير شمول دليل حجية خبر الواحد للأخبار بالواسطة مع أنها طولية ويكون التعبد بكل سابق منقح موضوع اللاحق فتدبر . فلا ضير حينئذ في توجه مثل هذين التعبدين الطوليين الى ظهور واحد كما لا يخفى .

وأيضا لا مجال للمصير الى عدم حجيته العام في المقام من جهة قصور دليل حجيته من حيث تتميم كشف ظهور كلامه بتقريب انه : إنما يتم ذلك منه في صورة اختصاص عبده بالجهل بالمرام ، وأما في صورة اشتراك المولى معه فيه ولو أحيانا فليس مثل هذا الجهل مختصا بالعبد كي يصح من المولى كشف الحال


443
على [ عبده ] لاحتماله إغراءه الى خلاف الواقع لاحتمال نفسه خلافه وحينئذ نقول :

الذي يختص [ به ] العبد في جهله هو الشبهة الحكمية ، وأما في الشبهات الموضوعية فكثيرا ما يكون المولى أسوء حالا من عبده في الجهل ومع ذلك كيف يصح منه تتميم كشف هذا المصداق على العبد ، ومع عدم صحته [ لا يبقى ] مجال لحجية العام بالنسبة إليه بل [ تنحصر ] حجيته بالنسبة الى الشبهة الحكمية .

فعمدة وجه المنع في المقام قصور دليل حجية الظهور بالنسبة الى الشبهات المصداقية لا شئ آخر ، إذ لازم هذا البيان عدم صلاحية جعل المولى أمارة على تعيين الموضوع الذي كان بنفسه جاهلا به كعبده لأن تتميم كشفه ليس رافعا للجهل المختص به عبده وهو كما ترى بديهي البطلان .

نعم الذي ينبغي أن يقال هو أن الحجية بعد ما [ كانت منحصرة ] بالظهور التصديقي المبني على كون المتكلم في مقام الافادة والاستفادة فانما يتحقق مثل هذا المعنى في فرض تعلق قصد المتكلم بابراز مرامه باللفظ وهو فرع التفات المتكلم بما تعلق به مرامه والا فمع جهله به واحتماله خروجه عن مرامه [ كيف ] يتعلق قصده [ بلفظ ] كشفه وابرازه ، ومن المعلوم أن الشبهات الموضوعية طرا من هذا القبيل .

ولقد أجاد شيخنا الأعظم فيما أفاد في وجه المنع بمثل هذا البيان ومرجع هذا الوجه الى منع كون المولى في مقام افادة المرام بالنسبة الى ما كان هو بنفسه مشتبها فيه فلا يكون الظهور حينئذ تصديقيا كي يكون واجدا لشرائط الحجية لا الى منع شمول دليل الحجية للظهور من حيث كونه أمارة لتعيين الموضوع كما توهم . كيف ، ومع الاغماض عما ذكرنا لا قصور في جعل المولى هذا الظهور [ التصوري ] أيضا من الأمارات على تعيين الموضوعات كسائر الأمارات المجعولة منه حتى بالنسبة الى ما هو بنفسه جاهل بوجوده كما هو ظاهر واضح .


444

وحينئذ العمدة في وجه المنع هو الذي أشرنا [ إليه ] وفي ذلك أيضا لا فرق في عدم حجية العام بين المخصص اللفظي [ و ] اللبي .

نعم لو كان منشأ الشبهة المصداقية أحيانا الشبهة الحكمية لا بأس بالمصير الى [ حجيته ] لأن رفع هذا الجهل بيد المولى .

من دون فرق في ذلك أيضا بين كون المخصص لفظيا أو لبيا .

نعم لو بنينا في وجه المنع على تضييق دائرة الحجة والشك في تطبيق الحجة أمكن الفرق بين المخصص اللفظي [ و ] اللبي ، إذ اللفظي موجب لرفع اليد عن حجية العام بمقدار مدلوله فمع الشك في تطبيق مدلول الخاص يشك في تطبيق مقدار حجية العام . وأما المخصص اللبي فلا يوجب [ رفع ] اليد عن حجية العام الا بمقدار القطع الحاصل منه ، ومن البديهي أن القطع بكل عنوان لا يسري الى مصداقه المشكوك فبالنسبة الى المصاديق المشكوكة لا يكون في البين حجة على خلاف العام واقعا فلا قصور حينئذ في تطبيق الحجة على المورد .

وفي هذا التفصيل أيضا لا فرق بين كون الشبهة المصداقية ناشئة عن الشبهة الحكمية أم من الأمور الخارجية كما لا يخفى . وحينئذ بين مشينا وهذا المشي تمام المعاكسة في النتيجة من حيث التفصيلين كما لا يخفى .

بقي التنبيه على أمرين :

أحدهما : ان بناء كثير من المانعين لحجية العام بالنسبة الى الشبهة المصداقية على التشبث بالأصل في مشكوك [ المصداقية ] والحاقه بالأصل السلبي بالعام واجراء حكم العام عليه كأصالة عدم المخالفة في الشروط [ المشكوكة ] المخالفة وكذا في الصلح وهكذا في غيرهما . واستراحوا بذلك عن التمسك بالعام بل حملوا بناء المشهور على ما نسب إليهم في العمل على طبق العام في الموارد المشكوكة على ذلك .

ولكن نقول : إن جريان هذا الأصل إنما يتم بناء على توهم اجراء حكم


445
[ التقييد ] على التخصيص وان المخصص يقلب العام عن تمام [ الموضوع له ] الى جزئه ، والا فبناء على المختار من أن باب التخصيص غير مرتبط بباب [ التقييد ] ، وإنما يكون شأن المخصص اخراج الفرد الخاص مع بقاء العام على تمامية [ الموضوع له ] بالاضافة الى البقية بلا انقلاب في العام نظير صورة موت الفرد فلا يبقى مجال لجريان الأصل المذكور ، إذ الاصل السلبي ليس شأنه إلا نفي حكم الخاص عنه لا اثبات حكم العام عليه لأن هذا الفرد حينئذ مورد العلم الاجمالي بكونه محكوما بحكم الخاص أو محكوما بلا تغيير عنوان بحكم العام . ونفي أحد الحكمين بالأصل لا يثبت الآخر كما هو ظاهر .

نعم في مثل الشك في مخالفة الشرط أو الصلح للكتاب أمكن دعوى أنه من الشبهة المصداقية الناشئة عن الجهل بالمخالفة - الذي كان أمر رفعه بيد المولى - وفي مثله لا بأس بالتمسك بالعام في الشبهة المصداقية من دون احتياج في مثله الى الاصل . ولعل بناء المشهور أيضا في تمسكهم بالعام في الشبهة المصداقية [ مختص ] بأمثال المورد وعليك بالتتبع في كلماتهم ربما ترى ما ذكرنا حقيقا بالقبول وهو الغاية [ و ] المأمول . فتدبر في المقام فانه من مزال الأقدام .

الثاني : هو انه ربما توهم في وجه التمسك بالعام في الشبهة المصداقية التشبث بقاعدة المقتضي والمانع بتقريب : ان ظهور العام مقتضي للحجة وإنما المخصص المنفصل مانع عنه ومع الشك في تطبيق المانع على المورد يؤخذ بالمقتضي لأوله الى الشك في وجود مزاحم حجته ، ومعلوم أن [ في ] فرض الشك في كل مزاحم ، العقل يحكم بالأخذ بالمقتضي ولا يقتصر على المقدار المعلوم عدم المانع فيه كي يوجب رفع اليد عن المقتضي لمحض الشك في المانع .

أقول : هذه الشبهة إنما [ ترد ] على تقريب الشك في تطبيق الحجة على المورد إذ [ يكون ] مجال لدعوى [ انه ] مع وجود المقتضي والشك في المانع عن الحجية ، العقل يحكم باجراء [ اصالة ] العلم بالعدم عليه - وإن [ كانت ] حجيته


446
فعلا مشكوكا [ فيها ] - كما هو الشأن في كل حكم يشك في فعليته من جهة وجود المزاحم .

وأما بناء على بقية التقريبات خصوصا على المختار فالشك جار في أصل اقتضاء الظهور للحجية فلا مجرى حينئذ لاجراء القاعدة المزبورة بالنسبة الى حجية العام .

وأسوء منه توهم جريان قاعدة المقتضي والمانع في مفاد العام بالقياس الى مفاد الخاص بتوهم : ان مفاد العام مقتضي للحكم ومفاد الخاص مانع عنه ومع الشك في وجود المانع يؤخذ بالمقتضي .

وفيه : أن من الممكن كون مفاد الخاص موجبا لقصور مقتضي العام عن المورد . وعلى فرض تمامية الاقتضاء إنما يصار الى القاعدة في فرض تعلق غرض المولى بكل منهما بحيث ينتهي أمره الى عدم القدرة في حفظهما من قبل نفسه أو من قبل عبده ، وأما في مورد لم يتعلق غرض المولى بوجود المانع وانما هو فقط مانع عن فعلية غرضه الآخر ففي مثله مرجعية القاعدة المزبورة أول الكلام .

وبالجملة نقول : إن قاعدة المقتضي والمانع إنما يصار إليها في فرض تعلق غرض المولى بكل منهما مع عدم قدرته على حفظهما ، إما لقصور في نفسه أو لقصور في عبده . وأما في مورد لم يتعلق غرض المولى بوجود ما هو مزاحم لفعلية غرضه بحيث لا ينتهي أمره الى الشك في قدرته على حفظ الغرضين فمرجعية القاعدة المزبورة أول شئ ينكر ، ومن المعلوم أن مفاد باب العام والخاص غالبا من باب الشك في قصور مفاد العام عن الاقتضاء كما هو شأن باب التعارض الذي كان باب التخصيص والتقييد من سنخه . وعلى فرض تمامية العام في اقتضاء مفاده كثيرا ما لا يكون المانع تحت غرض مستقل في قبال مفاد العام وفي مثله لا نسلم القاعدة المزبورة والله العالم .


447

المقالة الثانية والثلاثون

التمسك بالعام لتعيين مشكوك المصداقية

448

449

[ المقالة الثانية والثلاثون ]

في

[ التمسك بالعام لتعيين مشكوك المصداقية ]

هل يجوز التمسك بالعام في تعيين مشكوك المصداقية مع الجزم بالخروج عن تحت العام ، كما لو قيل ، أكرم العلماء مع الجزم بحرمة اكرام زيد ، وشك بان زيدا عالم كي يكون العام مخصصا ، أو ليس بعالم كي لم يرد تخصيص على العام ، فهل في مثل المورد يتمسك بأصالة العموم لاثبات ان زيدا ليس بعالم أم لا .

قد يظهر من شيخنا العلامة قدس سره في باب المعاملات كثيرا التشبث بأصالة العموم لاثبات [ خروج ] ما شك في دخوله في العام [ عنه ] مع الجزم بمخالفة حكمه له .

ونظيره أيضا تمسكهم بالاطلاقات في أمثال المورد في باب الاستنجاء لاثبات طهارته ، فراجع [ المطولات ] . ومن هذا الباب أيضا تشبثهم باطلاقات التحذير على مخالفة الأمر لاثبات خروج الأمر الاستحبابي عن مصداق الأوامر ، ومنه أيضا تمسكهم باطلاقات ترتب الآثار على الصلاة مثل كونها ناهية عن المنكر وقربان كل تقي وأمثالها لاثبات أن الفاسدة منها [ ليست ] بصلاة ، ومن المتمسكين بذلك في مسألة الصحيح والأعم لاثبات مدعاه من وضع الصلاة للصحيحة استاذنا الاعظم في كفايته ، ومع ذلك انكر حجية أصالة العموم في


450
المورد في بحث العام من الكفاية .

ولقد أجاد فيما أفاد في هذا المقام بأن اصالة العموم مدرك حجيتها السيرة وهي دليل لبي يقتصر على المقدار المتيقن من قيام السيرة على الأخذ به وهو في صورة الجزم بدخول الفرد والشك في خروجه عن حكمه لا عكسه .

أقول بتوضيح منا : ان وجه عدم حجية اصالة العموم لاخراج المشكوك ليس من جهة عدم حجية الأصل المزبور لاثبات لعموم أفراد العنوان واقعا إذ هو بمعزل عن التحقيق إذ مرجعه الى عدم حجية الاصل لما هو مفروض الفردية وشأن العمومات في أمثال القضايا الحقيقية اثبات الحكم لجميع أفرادها الواقعية فعلية أو فرضية ، وهو أيضا مورد اعترافهم بحجية الأصل فيها إذ هو من باب التمسك بالعام في متيقن الفردية مع الشك في خروجه عنه حكما .

بل عمدة الوجه عدم قابلية هذا الأصل لاثبات اللوازم والآثار فمرجعه الى عدم مثبتية هذا الأصل كسائر الاصول المثبتة ولو كانت [ بنفسها ] أمارة كأصالة صحة عمل الغير [ غير ] المثبت لملزومه مثلا مع كونه أمارة ومرجعه الى عدم حجية أصالة العموم مع كونه أمارة في لوازمه مع حجيته في نفسه ومورده .

وحينئذ لا يبقى أيضا مجال التشبث بقاعدة منطقية من أن من لوازم القضية الموجبة الكلية عقلا عكس [ نقيضها ] ، فبعد اثبات الأثر لكل صلاة واقعية باصالة العموم [ تصير ] قضية ترتب الآثار على الصلاة موجبة كلية [ مثل ] : ( ان كل صلاة [ تنهى ] عن الفحشاء ) ومعلوم ان عكس [ نقيضها ] الذي هو من لوازم هذا المعنى عقلا هو : ان كل ما ليس [ بناه ] عن الفحشاء فليس بصلاة .

وجه البطلان هو أن ما افيد من اللازم العقلي للعام واقعا في غاية المتانة ولكن نقول : إن ذلك اللازم إنما يترتب في فرض حجية اصالة العموم لاثبات لازم المدلول والا فلا يكون لنا طريق الى هذه الكلية [ المحكومة ] عقلا [ بانها ]


451
من اللوازم . هذا .

فان قلت إن بناء العرف بعد ما كان على التمسك بالاصل لاثبات الحكم لجميع الأفراد واستفادة الموجبة الكلية من دليل الآثار لا يلتفتون الى التفكيك بين ثبوت الواقع وعدم ترتب لازمه عقلا من عكس نقيضه .

قلت : إن عمدة وجه التفكيك عدم نظر العموم الى تعيين صغرى الحكم نفيا واثباتا ، وانما نظره تماما الى اثبات الكبرى ولقد أشرنا إليه في البحث السابق وعليه بنينا عدم حجية العام في الشبهة المصداقية . وما نحن فيه أيضا مبني على هذه الجهة ، وان كان بين ما نحن فيه والبحث السابق فرق من حيث إن المقصود . من اصالة العموم في السابق ادخال المشكوك في العام .

وفي المقام تمام المقصود اخراجه عن العام مصداقا للجزم بخروجه حكما . حسب الفرض .

وحيث نقول من البديهي ان اثبات عكس نقيض المقام الذي هو من لوازم المدلول واقعا عقلا بمثل هذا الاصل فرع حجيته بالنسبة الى الشبهة المصداقية لنفس العام بعد التفات العرف الى التفكيك بين الشبهة الحكمية والمصداقية في الحجية فلا محيص لهم في أمثال هذه القضايا الظنية التعبدية من التفكيك بين حجية الظن في أصله دون عكس نقيضه .

وحينئذ ليس غرضنا من هذا البيان التفكيك بين القضية الواقعية وعكس [ نقيضها ] واقعا كي يقال إنه عقلي .

بل تمام همنا الى عدم طريق مثبت لهذا اللازم إلا مع فرض حجية الأصل المزبور في الشبهة الموضوعية والا فلا طريق لنا إليه ففي الحقيقة في جميع القضايا الظنية التعبدية [ يثبت ] العموم والموجبة الكلية ولا [ يثبت ] عكس [ نقيضها ] من جهة التفكيك في حجية اصالة العموم بين الشبهات الحكمية والمصداقية الذي ينادي العرف بهذا التفكيك بأعلى صوته وبعد ذلك لا يبقى لك مجال أن تقول


452
بان العرف ما أثبت بالأصل الموجبة الكلية لا يرى تفكيكا بين الأصل وعكس نقيضه في مقام الاثبات أيضا إذ ذلك صحيح لو يرون أيضا عدم التفكيك في حجية العام بين الشبهتين وهو كما ترى فتدبر في المقام كي لا [ تغشك ] القواعد المنطقية العقلية .
453

المقالة الثالثة والثلاثون

عدم حجية الاصول الحكمية قبل الفحص

454

455

[ المقالة الثالثة والثلاثون ]

لا شبهة عندهم في عدم حجية كلية الاصول الحكمية - لفظية أو عملية - قبل الفحص عما يعارضها أو المقدم منها حكومة أو ورودا ، للاجماعات والاخبار الواردة بلسان ( هلا تعلمت ) الجارية بالمناط حتى في باب الاصول اللفظية علاوة عن معرضية الاصول اللفظية لورود القرينة على خلافها ومعرضية شكوكها للزوال بالفحص عن المعارض أو الحاكم بنحو [ تكون ] أدلة اعتبارها - خصوصا مثل السيرة وغيرها - آبية عن الشمول لمثلها ، مضافا الى العلم الاجمالي بوجود المعارض أو الحاكم بمقدار لو تفحص [ عنه ] لوجد ، ومثل هذا العلم مانع عن الأخذ بها قبل الفحص ، بل لابد وأن يفحص ، فان ظفر بالمعارض أو الحاكم فهو والا يكشف من الأول خروج هذا المورد عن دائرة هذا العلم فيؤخذ به .

وبمثل هذا البيان [ ترتفع ] شبهة معروفة بأن الفحص لا يصلح ان يزيل العلم المزبور ومع عدم زواله فالمانع عن الأخذ موجود فلا يجوز الأخذ بالاصل بعد الفحص عنه بالمقدار المتعارف الموجب لخروج المورد عن معرضية وجود المعارض أو الحاكم أيضا .

ولا يرد أيضا على مانعية هذا العلم للأخذ بالاصول مطلقا بأن الفحص


456
في مقدار من المسائل إذ أوجب الظن بالمعارض أو الحاكم بمقدار المعلوم بالاجمال المعلوم بالبداهة انتهاء المعلوم الى حد مخصوص لا يبقى مقتضي للتخصص بالنسبة الى بقية الاصول الجارية في سائر الأبواب مع انه ليس بناؤهم على اجراء أصل من الاصول في أبواب الفقه من أول باب الطهارة الى آخر باب الديات بلا فحص وحينئذ مثل هذا العلم غير كاف لاثبات هذا المدعي .

وتوضيح الدفع بأن مقدار المعلوم كما وان كان بالأخرة معلوما بحيث ينتهي الزائد منه الى الشك البدوي ، ولكن هذا المقدار إذا كان مرددا بين محتملات متباينات منتشرات في أبواب الفقه من أوله الى [ آخره ] [ تصير ] جميع الشكوك في تمام الأبواب طرف هذا العلم فيمنع عن الأخذ به قبل فحصه وفي هذه الصورة لا يفيد الظفر بالمعارض بمقدار المعلوم إذ مثل هذا العلم الحاصل جديدا يكون المعلوم بالاجمال في غير هذه الشكوك الباقية التي كانت طرفا من الأول للاحتمال في المتباينات نظيرا [ للعلوم ] الحاصلة بعد العلم الاجمالي غير قابلة للانحلال فقهرا الاحتمال القائم في المورد الموجب لكونه من الأول طرفا للعلم منجز للواقع بمقدار استعداده فلا محيص أن يفحص كي - بعدم ظفره بالمخصص - يكشف خروجه عن دائرة العلم المزبور من الأول ، وهذه الجهة هي النكتة في أخذ هذا القيد في دائرة العلم والا فيلزم عدم الاكتفاء بالفحص ولو ظفرنا بمقدار المعلوم فضلا عما لو لم نظفر كما هو ظاهر فتدبر في المقام فانه من مزال الاقدام وسيجئ ان شاء الله تتمة الكلام في طي الاصول العملية أيضا .


457

المقالة الرابعة والثلاثون

شمول الخطابات الشفاهية للغائبين والمعدومين

458

459

[ المقالة الرابعة والثلاثون ]

في

[ شمول الخطابات الشفاهية للغائبين والمعدومين ]
{في أن الخطابات الشفاهية شاملة للغائبين عن مجلس الخطاب بل المعدومين أيضا أم لا ؟ ، وجهان . ذهب إلى كل طرف فريق . وتوضيح الكلام يقتضي أولا أن يقال :

إن محط البحث ظاهرا الخطابات المشتملة على أداتها حرفا أو هيئة . وإلا ففي الخطاب الكلامي مع فرض اشتماله على ثبوت حكم كلي شامل لكلية المكلفين بل ربما يصرح فيه لخصوص الغائبين بل والمعدومين كقوله : " يجب على عامة الناس كذا أو على الغائبين والمعدومين منهم كذا " مجال لتوهم عدم شمول الحكم للغائبين بل المعدومين أيضا غاية الأمر بواسطة تقييد الخطاب بالقدرة بنحو شرحناه في الواجب المشروط لا يكاد تطبيق الخطاب في موردهم الا بالنسبة الى القادرين منهم .

وبعد ما اتضح ذلك فنقول في محل الكلام بأنه : ربما يتوهم شمول مثل قوله " يا أيها الناس " أو مثل " قوموا " أو " صوموا " مثلا للغائبين - قادرين منهم أو عاجزين - بل المعدومين أيضا بتوهم أن أدوات الخطاب حرفا أو هيئة أو غيرهما موضوعة للخطابات الايقاعية لا الحقيقية ، ولا قصور في الايقاعات منها للشمول


460
بالنسبة الى غير من حضر ، [ فكانت هذه ] الخطابات نظير : " اعلم وافهم " المعمولة في المكاتبات المعلوم عدم القصد بها الخطاب الى طائفة بل المقصود فيها [ يشمل ] الغائبين بل المعدومين .

مضافا إلى أنه بعد تسليم كونها [ خطابات ] حقيقية غاية الأمر قصور الخطاب عن الشمول لغير الحاضر وذلك لا ينافي مع الأخذ بعموم العنوان الذي [ دخلت ] عليه هذه الأداة مثل " الذين آمنوا " [ و ] أمثاله ، نظير التشبث باطلاق المادة مع قصور الهيئة في الأوامر عن الشمول لغير القادر .

هذا مع امكان دعوى اخرى بأنه مع فرض ظهور الخطابات في الخطاب الحقيقي أدعي ما لا يصلح للخطاب الحقيقي بمنزلة ما يصلح كادعاء كون الجبل ذا شعور ويخاطب إياه بقوله : " أيا جبلي نعمان بالله خليا " وحينئذ يكون الخطاب ب‍ " صوموا " نظير " اعلموا " في الكتب أيضا عاما لجميع الناس بضميمة الدعوى المزبورة .

هذا ولكن لا يخفى ما في جميع هذه الوجوه :

أما الأول : فبأن مجرد وضع الأداة للخطاب الايقاعي لا ينافي سوقها في مقام الجد بخطابه نظير سائر الأدوات من لام الإقرار أو هيئته وأداة التمني والترجي وأمثالها ، فجميع هذه الأدوات وان كانت موضوعه للمعاني الايقاعية إلا أن ظهورها السياقي استقر في الجد بابراز المعاني المزبورة حقيقة كما لا يخفى .

وأما الثاني - فمضافا [ الى كونه ] أخص من المدعى ، إذ [ لا يشمل ] هذا الوجه مالا يكون في طي الأداة عنوان عام بل الخطاب بالهيئة أو أداته - ككاف الخطاب - بنفسهما حاكيان عن الموضوع - إن اللفظ الحاكي عن الموضوع إذا وقع في طي هيئة قاصرة عن الشمول لمصداق يستحيل أن يحكي بأزيد من الدائرة الواقعة في طي الهيئة : لاستحالة أو سعية دائرة الموضوع لبا عن حكمه .

نعم بالنسبة الى مقتضيات الحكم وان كان قابلا لأوسعية الموضوع عن


461
دائرة حكمه الفعلي ولكن مع اقترانه بمثل هذه الهيئة القاصرة عن الشمول للعاجز لا يبقى للمادة المقرونة بها ظهور في الشمول له حتى من حيث مقتضيات الحكم بملاحظة اتصال المادة بمثل هذه الهيئة القاصرة الصالحة للقرينية .

وتوهم ان الهيئة قاصرة عن الشمول من جهة اقتضاء فعلية التكليف ، وأما من حيث دلالتها على المقتضي فلا قصور في اقتضائها أوسعية دائرة المصلحة عن دائرة فعلية التكليف فلا يمنع عن الأخذ باطلاق المادة بل الهيئة حنيئذ في هذا المقام .

مدفوع بأن اقتضاء الهيئة للمصلحة إنما هو بتبع اقتضائه فعلية التكليف ، وكيف يمكن اقتضاؤه أوسعية دائرة المصلحة عن فعليته ، غاية الأمر لا يدل أيضا على ضيق دائرة المصلحة لا أنه يدل على [ سعتها ] ، فإذا كانت الهيئة المزبورة قاصرة عن الدلالة على السعة فمع [ اقترانها ] بالمادة كانت من باب اتصال المادة بما يصلح للقرينة وإن لم يكن بقرينة وهذا المقدار ، يكفي لمنع ظهور المادة في الاطلاق ، ولذلك أعرضنا عن هذا الوجه في وجه الأخذ باطلاق الأوامر لاستكشاف المصلحة في حق العاجز والتزمنا بظهور الهيئة أيضا في الاطلاق [ المجرد ] قابلية المحل من جهة القدرة ما لم [ تقم ] قرينة خارجية على عدم القدرة وهذا أيضا لو بنينا على جواز التمسك عند الشك في مصداق المخصص اللبي .

وإلا فعلى المختار فلا مجال للتمسك باطلاق الخطاب أيضا ، بل لابد من إجراء حكم القدرة عند الشك به من طريق آخر - كما شرحنا في طي الواجب المشروط في مقدمة الواجب - .

وعلى أي حال لا يجري هذا الوجه في المقام إذ الهيئة بنفسها ظاهرة في المخاطبين ولا دلالة لها على أوسعية مدلول الهيئة عن خصوص الخطاب كي يكون تخصيصها به بدليل منفصل كما هو الشأن في هيئة الأوامر بالنسبة الى القدرة ، وحينئذ فعلى فرض جواز التمسك بالاطلاق في المخصصات اللبية أيضا لا مجال


462
للتشبث باطلاق الهيئة في المقام ومع عدم جواز التمسك به لا يبقى مجال التمسك باطلاق خصوص المادة لاتصالها بما يصلح للقرينية .

وأضعف من هذا الوجه الوجه الأخير إذ الادعاء والعناية المزبورة [ بنفسها ] على خلاف القاعدة فنحتاج الى قرينة صريحة في مثله ، كما ناسب القرينة المزبورة في الخطاب بالجبل ، فمع عدم وجود قرينة في المقام لا مجال لرفع اليد عن الظهور في كون التطبيق أيضا حقيقيا لا ادعائيا وهذا الظهور أيضا من الظهورات السياقية .

نعم في المقام شئ آخر ربما أمكن التشبث باطلاق الخطاب في المقام دون باب الأوامر بالنسبة للقدرة وهو ان كون [ المخاطبة ] وحضوره مجلس الخطاب ربما يكون من القيود المغفول عنها غالبا في الحكم وفي مثل هذه القيود لابد للمولى التنبيه على دخلها في حكمه ومع عدم التنبيه على ذلك يؤخذ باطلاق العنوان المأخوذ في طي الأداة .

نعم لو لم يكن في البين عنوان عام في طي أداة الخطاب بل كان الحاكي عن الموضوع نفس أداته ككاف الخطاب أو هيئة الأمر ك‍ " صوموا وقوموا " مثلا لا يبقى حينئذ مجال للتشبث بمثله لاثبات الحكم للغائبين لعدم اطلاق يشملهم .

نعم حينئذ أمكن دعوى أن قيد حضور المجلس بعد ما كان مغفولا عنه فلا يعتنى بهذا الاحتمال في وجه اختصاص الحكم بهم ، فيبقى احتمال دخل قيد آخر ولو مثل دخل زمان حضور الامام فيه وبالنسبة الى مثل هذا القيد وان لم يكن اطلاق يشمل الحكم لنا ولكن أمكن دعوى ، [ الاطلاق المقامي لا اللفظي هذا مع أنه امكن دعوى ] أن الاداة الحاكية عن الذات في الحاضرين في المجلس لها اطلاق بالنسبة إليهم على ، وجه لنا أن نتمسك به لاثبات عدم دخل قيد آخر في حق الحاضرين ، وبمثل ذلك يحرز موضوع قاعدة الاشتراك من اتحاد الصنف .


463

نعم لو بنينا على عدم حجية الخطاب لغير من قصد إفهامه أشكل لنا التمسك باطلاق الموضوع في حق الحاضرين فلا مجرى حينئذ لقاعدة الاشتراك أيضا .

والعجب حينئذ ممن توهم بأن لازم اختصاص الخطاب بالحاضرين عدم جواز التمسك باطلاقه ولو بنينا على حجية الاطلاق لغير من قصد إذ ذلك صحيح في مقام عدم إثبات الحكم لنا بنفس اطلاق خطابهم ، وأما في تمسكنا لاثبات الاطلاق في حق الحاضرين فلا قصور للتشبث به ويحرز به موضوع قاعدة الاشتراك وعليه فعمدة المانع عن هذه الجهة توهم اختصاص الحجية بمن قصد ليس إلا . فتدبر .


464

465

المقالة الخامسة والثلاثون

تعقب العام ضمير يرجع الى بعض افراده

466

467

[ المقالة الخامسة والثلاثون ]

في

[ تعقب العام ضمير يرجع إلى بعض أفراده ]

إذا تعقب العام ضمير يرجع الى بعض أفراده مع كون العام متكفلا لحكم مستقل لا أنه ذكر توطية لحكم آخر وذلك مثل قوله : " المطلقات يتربصن ثلاثة قروء " لا مثل قوله " المطلقات أزواجهن أحق بردهن " .

فهل يؤخذ بظهور العام [ ويلتزم ] في الضمير بالاستخدام ؟

أو يؤخذ بظهور الضمير ويخصص العام بمورده ؟ وجهان .

والظاهر أن العنوان المزبور يختص [ بصورة ] اتصال الضمير بالكلام .

ولو بدل الضمير باسم الاشارة ربما يشمل الكلامين المنفصلين أيضا .

وعلى أي حال لو كان محط البحث في العام المتصل بالضمير في كلام واحد - كالمثال المذكور - فالظاهر سقوط كل منهما عن الظهور لاتصال كل منهما بما يصلح للقرينية فلا يبقى حينئذ للعموم ظهور في الزائد عن مرجع الضمير .

نعم لو بنينا على كون أصالة العموم وأصالة عدم الاستخدام في الضمير [ أصلا مستقلا ] غير راجع الى اصالة الظهور ، أو فرض ذلك في اسم الاشارة مع كونهما في كلامين مستقلين فقد يرجح ظهور العام من جهة أن مرجع التمسك بالعموم في المقام الى التمسك بالعام عند الجزم بالمصداق والشك في المراد بخلاف


468
أصالة عدم الاستخدام في الضمير فانه من باب القطع بالمراد والشك في أنه على طبق وضعه ، وأصالة الحقيقة [ لا تكون ] في مثله بحجة كما أشرنا الى نظيره في العام .

هذا ولكن يمكن أن يقال : إن مرجع أصالة عدم الاستخدام الى أصالة اتحاد المرجع مع الضمير ، والشك في مراد العام يلازم مع الشك في المراد في أصالة الاتحاد ، إذا المراد من هذا الاصل ليس إلا اتحادهما واقعا وهو مشكوك بعين الشك في مراد العام .

نعم بالنسبة الى المراد من الضمير الأمر كما ذكر ، ولكن لو كان مرجع الشك في المقام [ الى الشك ] في اتحاد المرجع مع المراد فهو أيضا من الاصول السياقية فيؤخذ مثله عند الشك به مستقلا مع قطع النظر عن اجراء الاصل في المراد من الضمير كما لا يخفى . وحينئذ فربما يقع التعارض بينهما فيصيران بحكم المجمل المستتبع لرفع اليد عن أصالة الظهور في المقام أيضا . فتدبر .


469

المقالة السادسة والثلاثون

تخصيص العام بالمفهوم

470

471

[ المقالة السادسة والثلاثون ]

في

[ تخصيص العام بالمفهوم ]

اختلفوا في جواز تخصيص العام كتابيا أم غيره بمفهوم المخالفة بعد اطباقهم على التخصيص بمفهوم [ الموافقة ] فذهب الى كل فريق .

وتنقيح البحث أن الظهورين تارة وضعيان واخرى إطلاقيان وثالثة مختلفان .

وعلى أي تقدير ، تارة كلاهما في كلام واحد واخرى في كلامين مستقلين .

فإن كانا متفقين وضعا واطلاقا فلا شبهة في تصادمهما فيصيران [ مجملين ] أو بحكم المجمل ، ولكن ذلك لولا خصوصية موردية [ توجب ] أقوائية أحدهما على الآخر وذلك ربما يختلف باختلاف المقامات ببركة المناسبات المقامية في أبواب الفقه ولا يكون تحت ضابطة .

وان كانا مختلفين ، فان كانا في كلام واحد فلا شبهة في تقدم الوضعي على الاطلاقي لأن مقتضي ظهوره تنجزي بخلاف الاطلاقي فإن مقتضيه معلق على عدم البيان ، وبديهي أن المقتضي التنجزي في جميع المقامات مقدم على التعليقي لأن مانعيته [ دورية ] .

ومن هنا نقول : إن الظهور الاطلاقي لا يصلح للقرينية بالنسبة الى الظهور الوضعي كي يتوهم بأن اتصاله بالكلام يضر بظهور العام فتدبر .


472

وأما إن كانا في كلامين مستقلين فقد يتوهم إجراء هذا الترتيب في مثله ويلتزم أيضا بتقدم الظهور الوضعي على الاطلاقي .

وفيه : إن ذلك إنما يتم لو كان البيان المانع عن الاطلاق مطلق البيان ولو في كلام آخر .

واما لو كان البيان المانع عن الظهور الاطلاقي خصوص البيان في كلام به التخاطب لا مطلقا فلا يضر العام المنفصل بظهور ، الاطلاق ، بل كان كل منهما [ ظاهرا بمقتض ] تنجيزي ، وحينئذ لا محيص من ملاحظة أقوى الظهورين في البين ، وربما يختلف ذلك أيضا حسب خصوصيات المورد في الفقه ولا يكون أيضا تحت ضبط . ومع التساوي يصيران بحكم المجمل . وتتمة الكلام أيضا في طي بيان مقدمات الحكمة في المطلق والمقيد .

ثم إن في تخصيص العام الكتابي بمطلق خبر الواحد منطوقا أو مفهوما موافقا أو مخالفا كلاما آخر من جهة الأخبار الواردة في طرح المخالف للكتاب وأنها زخرف ، ولكن لا يخفى ان شمول هذه الطائفة للمخالفة بنحو العموم والخصوص مستتبع للجزم بتخصيصها مع أن لسانها [ آب ] عن التخصيص فلا محيص من حملها على المخالفة بنحو المباينة فلا يشمل المقام .


473

المقالة السابعة والثلاثون

تعقب الاستثناء للجمل المتعددة

474

475

[ المقالة السابعة والثلاثون ]

في

[ تعقب الجمل الاستثناء ]

اختلفوا في أن الاستثناء في طي [ الجمل ] المتعددة يرجع الى [ الجميع ] أم لا بعد الجزم بأن الاخيرة [ متيقنة ] في المرجعية .

وظاهر هذا العنوان كون [ الجمل ] والاستثناء في كلام واحد ، والا فلو كانا في كلامين لا وجه لمتيقنية الأخيرة كما هو ظاهر .

وحينئذ فالكلام تارة يقع في فرض كون الدال على الاستثناء إسما مثل لفظ " سوى " وأمثاله ، واخرى في فرض كون الدال عليه حرفا ك‍ " إلا " وأمثاله .

أما الصورة الاولى : فتارة يكون المستثنى قابلا للانطباق على المخرج من كل جملة سواء كان ذلك من جهة كونه كليا صادقا على المخرج المتعدد مثل " العالم منهم " مثلا أو من جهة كونه شخصيا داخلا في كل واحد من [ الجمل ] بنحو يكون مجمع العناوين المتعددة .

واخرى لا يكون قابل الانطباق على كل واحد وذلك مثل " زيد " المحتمل الانطباق على زيد وزيد آخر وهكذا .

فعلى الأول فالظاهر عدم قصور في امكان الرجوع الى البقية لا من طرف الاستثناء ولا من طرف المستثنى ، أما الأخير فواضح وهكذا الأول لفرض إسمية الحاكي عن معنى وحداني قابل للانطباق على كل واحد من الإخراجات


476
المتعددة ، كما أنه في مقام وقوعه فالظاهر أيضا عدم قصور في الأخذ باطلاق الاستثناء والمستثنى لولا كون ظهور العام وضعيا حاكما وواردا على الاطلاق فيقدم العموم على الاطلاق المزبور ، ولا يصلح مثل هذا الاستثناء حينئذ للقرينية على خلاف العام لأن قرينيته [ دورية فتستحيل ] فيبقى العموم على حجيته ، ولو قلنا بأن مرجع اصالة العموم الى أصالة الظهور لا أنه أصل تعبدي .

نعم لو كان العام أيضا في دلالته اطلاقيا يشكل التمسك بالاطلاق في كل واحد من الاستثناء والمستثنى منه وذلك لامن جهة اتصال كل منهما بما يصلح للقرينية لعدم امكان قرينية كل منهما للآخر إذ في المقام ظهور كل واحد معلق على عدم ظهور غيره فيستحيل ظهور كل منهما لذاته فلا يعقل حينئذ قرينية كل منهما للآخر لأن قرينيته على الغير فرع ظهوره وبعد استحالة ذلك للدور كيف يصلح كل منهما للقرينية بالاضافة الى الآخر ، بل لابد وأن يقال باستحالة ظهور كل منهما لذاته لا لمانع خارجي كما لا يخفى .

وأما إذا كان المستثنى أشخاصا متعددة مشتركة في الاسم مثل " زيد " مثلا فالظاهر عدم امكان الرجوع الى غير الأخيرة من جهة المستثنى إلا بتأويل " زيد " بمسماه وإلا يلزم استعمال المستثنى في أكثر من معنى واحد .

نعم من جهة الاستثناء لا قصور في امكان الرجوع الى البقية كما عرفت . هذا كله إذا كان الدال على الاستثناء إسما .

ولو كان الدال عليه حرفا فقد يشكل في امكان الرجوع الى الغير في جميع الفروض السابقة من جهة وضع الحروف بخيال أن الموضوع له خاص فإرادة الاخراجات المتعددة [ مستلزمة ] لاستعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد .

أقول : على فرض تسليم المبنى إنما يصح الإشكال لو لم يكن الاخراج من الجميع فردا آخر قبال الإخراجات من كل واحد واحد .

هذا مضافا [ الى ] فساد المبنى وأن الحروف أيضا من متحد المعنى واريد


477
من أداة الاستثناء الجامع المتحد في ضمن إخراجات خاصة مختلفة مرادة من دال آخر عن أداته كما هو الشأن في مداليل بقية الحروف على ما شرحناه في محله ، ولازم ذلك إجراء التفصيل السابق في الاستثناء بالأداة أيضا كالأسماء إمكانا ووقوعا .

ونقول في المقام : إن الدلالة على الجامع في ضمن أي مقدار من الفرد ربما يختلف بالاطلاق وعدمه ، فمع فرض كون العمومات [ وضعية ] [ تمنع ] عن الاطلاق فيها ( 1 ) فيخرج حينئذ الاطلاق المزبور عن الصلاحية للقرينية فيكون العام باقيا على حجيته ولو بنينا على أصالة الظهور فيه ، ومع [ كونها اطلاقية ] يستحيل أيضا ظهور كل واحد في اطلاقه لأنه منوط بعدم ظهور الغير المتوقف على ظهوره فظهور كل واحد دوري فيستحيل ظهور كل واحد حينئذ بذاته لامن جهة اقتران اللفظ بمشكوك القرينية لعدم احتمال قرينية كل واحد على الآخر ببرهان الاستحالة المزبورة فتدبر .

ثم إن ذلك كله لو كان الاستثناء متصلا بالكلام كما هو الظاهر من عنوانهم .

وأما لو كان في كلام مستقل فتارة يكون لدليل المخصص نحو نظر الى مفاد العموم السابق كأن يقول : " واستثني مما ذكرت العلماء منهم " واخرى لا يكون له النظر بل [ يعارض ] العمومات السابقة تعارض العموم [ للمطلق ] .

وعلى اي تقدير في فرض الانفصال لا وجه لمتيقنية الأخيرة ، كما أن الاخراج في المقام لما لا يكون بتوسيط الحرف لا قصور في الرجوع الى الجميع لولا قصور في المستثنى بمقتضى اشتراكه بين المخرجات لفظا وذلك لولا تأويله أيضا بالمسمى كما عرفت في الفرض السابق ، والا فيصير المخرج مرددا في واحد

( 1 ) أي في الدلالة .


478
من المستثنيات ولا يصلح الشمول [ للجميع ] ، وحينئذ نتيجة العلم الاجمالي بتخصيص [ إحدى الجمل ] السابقة فيسقط ( 1 ) الجميع عن الاعتبار من دون فرق في ذلك بين كون المستثنى وطرف الاستثناء [ وضعيين ] أو [ اطلاقيين ] كما أسلفنا سابقا .

وأما إن لم يكن قصور في طرف المستثنى للشمول فالظاهر في صورة النظر المزبور يؤخذ باطلاق الحاكم ولو كان أضعف دلالة من العمومات بعد قوة نظره إليها ويطرح العمومات طرا ولو كانت أقوى .

وأما في غير صورة النظر فلا بد من ملاحظة أقوى الظهورين من المستثنى منه والمستثنى ، وربما حينئذ يختلف نسبة الأقوائية بالاضافة الى بعض العمومات دون بعض فيقدم على الأضعف ويعارض مع المساوي دلالة . وفي فرض [ أقوائية ] بعض العمومات [ من ] ( 2 ) ظهور المخصص يقدم ذاك فقط عليه ويبقى الخاص على معارضته مع البقية .

ولو انتهى الأمر حينئذ الى طرح الخاص بالنسبة الى بعض العمومات بأخبار الترجيح ففي الأخذ به بالنسبة الى بعض آخر أضعف منه دلالة أو سندا وجه لولا دعوى عدم مساعدة العرف على التبعيض في السند في مثل المقام الذي كان المبعض بلسان واحد ولفظ فارد ، بل في مثله أمكن دعوى انصراف أدلة الترجيح والتخيير منه كما هو الشأن في العامين من وجه لانتهاء الترجيح فيه أيضا إما إلى طرح الرواية حتى من الجهة [ غير المعارضة ] أو التبعيض في السند الذي لا يرى العرف ذلك في دلالة واحدة فتدبر في المقام بجميع شؤونه وأطرافه .

( 1 ) الصحيح أن يقول ( سقوط الجميع ) لأنه خبر لقوله ( نتيجة العلم الإجمالي ) .

( 2 ) أي ( أقوائيه بعض العمومات من بعض ) .


479

المقالة الثامنة والثلاثون
الدوران بين تخصيص العام ونسخه

480

481

[ المقالة الثمانة و الثلاثون ]

[ في الدوران بين تخصيص العام ونسخه ]

المشهور اختلاف حكم العام والخاص المتخالفين من حيث الناسخية تارة والمخصصية اخرى والقابلية لهما ثالثة .

ولا يخفى ان هذا التفصيل مبني على مقدمتين :

[ إحداهما ] : قبح تأخير البيان من وقت العمل لانتهائه الى نقض الغرض المستحيل حتى عند الاشعري أيضا .

[ ثانيتهما ] : كون المراد من السنخ رفع الحكم الفعلي الثابت بلا كفاية فعلية الملازمة بينه وبين شرطه عند عدم حصول شرطه ، ولا كفاية فعلية الاشتياق المنوط بوجود الشرط في فرضه ولحاظه ، فضلا عن فرضية الحكم بفرض وجود موضوعه كما هو الشأن في مفاد القضايا الحقيقية عند عدم موضوعها ما لم يصل الى الفعلية المطلقة بوجود شرطه خارجا . إذ حينئذ يمكن أن يقال بأن الخاص إن ورد [ قبل ] حضور وقت العمل بالعام فلابد وأن يكون مخصصا لا ناسخا لعدم حكم فعلي من العام حينئذ كي يقبل النسخ ، وإن ورد العام بعد وقت العمل بالخاص فقابل لأن يكون ناسخا للخاص ولأن يكون الخاص مخصصا للعام لعدم وجود محذور في أي طرف وحينئذ ففي هذه الصورة [ تنتهي ] النوبة الى ترجيح أي منهما على غيره .


482

هذا ولكن لا يخفى ما في كل [ واحدة ] من المقدمتين من الاشكال .

أما المقدمة الاولى ففيها : إن مجرد تأخير البيان عن وقت العمل بالعام لا قبح فيه إذا كان عن مصلحة في التأخير مع إلقاء الحجة عليهم على خلاف الواقع ، كما هو الشأن في إرجاعهم إلى الطرق المخالفة للواقع ، وأجبنا به أيضا عن شبهة [ ابن قبة ] ببعض [ تقريباتها ] وحينئذ قبل البيان : المكلف محكوم بالحكم الظاهري إلى أن يجئ بيان عن الواقع .

وليس المقصود من الحكم الظاهري كونه مرادا من العام كي يتوهم إباء الظهور المزبور عن إفادة الحكم الظاهري المأخوذ في موضوعه الشك بالواقع . بل المقصود منه الحكم الناشئ عن دليل حجيته في [ هذه ] الحال ولو من جهة الشك في مطابقة الظهور للواقع .

ثم في إلقاء ظهور العام على خلاف مرامه واقعا لا يحتاج الى استعمال العام في مراد آخر قبال مرامه الجدي الواقعي ويسمى ذلك بالمراد الاستعمالي لإمكان إلقاء الظهور المزبور بلا إرادته منه شيئا حتى في عالم الاستعمال ، غاية الأمر لجهل المكلف كان هذا الظهور الملقى على خلاف الواقع حجة على العبد الى أن يعلم خلافه كسائر الطرق المخالفة للواقع .

اللهم [ إلا ] أن يقال إن المرتكز في الذهن عند ذكر اللفظ الموضوع لمفهوم لحاظ المفهوم من اللفظ أو جعل اللفظ فانيا فيه فناء المرآة في [ ذيها ] ، لا أنه مجرد لفظ بلا لحاظ معناه منه فانه خلاف ارتكاز الذهن . غاية الامر ليس المقصود من هذا الاستعمال إبراز [ مرامه ] واقعا ، ولا أن اللفظ الظاهر في معنى استعمل في معنى آخر ، إذ اللفظ بعد ما استقر ظهوره في مفهوم ، صرف النظر عنه وإرادة غيره أيضا خلاف الوجدان ، إذ المرتكز كون الظاهر في مفهوم ، لوحظ منه هذا المفهوم لا غيره . وحينئذ استعمال كل ظاهر في معنى في غير ما هو ظاهر فيه مثل عدم استعماله رأسا في المفهوم في مخالفته للارتكاز . والى ذلك ربما ينظر من التزم


483
بالتفكيك بين الإرادة الاستعمالية والجدية ، لا أن مراده التفكيك بين الحكم الظاهري والواقعي في المراد من العام . ولعمري إن حمل ذلك الكلام على هذا لا يورث [ لأهل ] الشعور إلا تعجبا . فتدبر فيه .

وأما المقدمة الثانية ففيها : إن كون النسخ رفع الحكم الفعلي في غاية المتانة ، وإنما الكلام في ميزان فعلية الحكم إذ قد حققنا سابقا أن الخطابات الواقعية يستحيل أن [ تكون متكفلة ] لفعلية الحكم المساوق لمحركية العبد فعلا إذ هذه المرتبة من شؤون تطبيق العبد مضمون الخطاب على المورد وهذا المعنى مأخوذ في رتبة متأخرة عن الخطاب ويستحيل أن يؤخذ في مضمونه فلا محيص من جعل مضمون الخطاب إبراز الاشتياق نحو الشئ المنوط بقيوده في لحاظ الآمر وإن وجودها خارجا من شؤون تطبيق العبد إياه على المورد وحينئذ فالخطاب بمضمونها ليس الا مجرد الاشتياق في فرض تحقيق قيوده في لحاظه وان فعليتها ليس الا بمحركية هذا الاشتياق للآمر بابرازه على عبده توطئة لتطبيقه على المورد فيتحرك من قبله .

ومن البديهي حينئذ انه لو كان المراد من النسخ رفع الحكم الفعلي فلا بد وأن يكون المقصود رفع مضمون الخطاب بماله من الفعلية المناسبة له ، لا [ الفعلية المناسبة ] لتطبيق العبد مضمونه على مورده .

وحينئذ تصور النسخ في الموقتات والمشروطات قبل وقتها وشرطها بمكان من الامكان ، بل ولابد وأن يكون النسخ في الاحكام طرا من هذا الباب حتى في ظرف وجود الشرط خارجا ، إذ في هذا الظرف لا ينقلب مضمون الخطاب الصادر على المولى ، إذ يستحيل شمول مضمونه ولو بترقيه مرتبة منوطة بمقام تطبيقه المتأخرة عنه رتبة . فما هو من شؤون التطبيق - وجد أم لم يوجد - أجنبي عن مضمون الخطاب ولا يوجب قلب مضمونه من مرتبة الى [ مرتبة ] بل الخطاب بماله من المضمون محفوظ في مرتبة نفسه - وجد الشرط المزبور خارجا أم لم


484
يوجد - .

وحينئذ بعد بداهة توجه النسخ من المولى الى ما هو الصادر منه فعلا بماله من المضمون والفعلية المناسبة له ، فلا يحتاج النسخ الى أزيد من فعلية الخطاب على حسب استعداد الخطاب لها لا أزيد .

ولعمري إن هذا التوهم من احتياج النسخ وصحته الى فعلية وجود الشرائط خارجا الملازم للمحركية للعبد المساوق لوقت العمل كان أيضا ناشئا عن الاشتباه في أخذ مرتبة المحركية والبعث في مضمون الخطاب كجعلهم فعلية الخطابات منوطة بوجود [ شرائطها ] خارجا وادخالهم الخطابات الشرعية الطلبية في زمرة القضايا الحقيقية الحاكية عن فرض المحمول بفرض موضوعه ، ولقد شرحنا بما لا مزيد عليه في بحث الواجب المشروط من مقدمة الواجب بطلان هذه المسالك طرا بنحو أشرنا هنا أيضا .

ويكفي شاهدا لما ذكرنا في المقام هو أنه لو قال المولى : إن جاءك زيد أكرمه ثم بعد هنيئة قال : نسخت هذا الحكم ولو قبل مجئ زيد لا يرى العرف قبح هذا الكلام واستهجانه كما لا يخفى .

ولعمري إن مثل هذا الوجدان أعظم شاهد على المدعى من عدم احتياج صحة النسخ الى حضور وقت العمل ووجود شرائط الحكم خارجا .

وحيث [ اتضحت ] لك [ هاتان المقدمتان ] صح لنا دعوى تساوي جميع الفروض في صحة النسخ والتخصيص وبطلان التفصيل السابق وحينئذ يبقى في البين وجه ترجيح النسخ على التخصيص أو العكس .

وحينئذ قد يقال : بأن النسخ تخصيص في الأزمان وهو أقل موردا من تخصيص الأفراد فيكون التخصيص أشيع فيقدم على النسخ . وفيه :

أولا : إنا [ ننقل ] الكلام في أول زمان ورودهما فانه بعد ما بلغ التخصيص الى الأشيعية ومع ذلك بناء الاصحاب ، بل وبناء من كان في تلك الأزمنة على


485
تقدم التخصيص على النسخ .

مضافا إلى أنه لو قال : يجب عليك كذا ، ثم بعد يوم قال : نسخته ، ما كان النسخ مستبشعا خصوصا مع حضور وقت العمل . ولو كان النسخ تخصيصا في الأزمان يلزم في المثال تخصيصا مستهجنا لكونه من التخصيص الكثير القريب بالاستيعاب ، فهذا شاهد قوي على عدم كون النسخ من باب التخصيص الزماني ، بل التحقيق إن النسخ في الشرعيات كالبداء في التكوينيات الراجع إلى الانشاء والإعلام على وفق المقتضيات مع قيام المصلحة على اختفاء الموانع عليه ، وحينئذ يريد المخبر من اللفظ نفس مدلوله ويصير في مقام الجد بإنشائه غاية الامر غرضه من ذلك تحميل العبد على وفق المقتضيات مع علمه بوجود الموانع في عالم التشريع والتكوين . وبمثل ذلك توجه البداء من الباري عز اسمه بلا انتهائه الى الجهل تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .

وحينئذ لا محيص من أن يقال بأن النسخ ليس من باب التصرف في الدلالة ، وانما التصرف فيه نظير التورية والتقية تصرف في الجهة .

وحنيئذ قد يدعى في المقام بأن وجه تقديم التخصيص عليه [ بعين ] وجه تقديم التصرف الدلالي على التقية والتورية وذلك بتوهم ان في مورد دوران الأمر بين التصرف الدلالي - مثل التخصيص - مثلا مع التقية الأمر يدور بين الحمل على التقية - كي يطرح السند رأسا - أو الحمل على التخصيص مثلا كي يبقى مقدار من الظهور الموجب للأخذ بالسند . وبديهي أن أصالة عدم طرح السند مهما أمكن مرجح التصرف الدلالي على الجهتي من مثل التقية .

وفي المقام أيضا يقال : بعد مضي زمان المنسوخ وخروجه عن محل الابتلاء لو حمل المتأخر على النسخ فمن حين وجوده لا يبقى مجال للأخذ بسند المنسوخ لا بالنسبة الى الزمان السابق لخروجه عن محل الابتلاء ولا بالنسبة الى الزمان اللاحق لفرض منسوخيته . وهذا بخلاف ما لو حمل السابق على المخصصية فانه


486
يبقى للتعبد [ بسنديهما ] مجال ، فعموم دليل التعبد بالسند في المقام أيضا يقتضي الحمل على التخصيص لا النسخ . أقول :

أولا : إن هذا الكلام إنما يتم في الخاص المتأخر لو قلنا بأنه ناسخ للعام بعمومه . وأما لو قلنا بنسخه لحكم خصوص هذا الفرد فيبقى دليل السند للعام المنسوخ بالنسبة الى بقية أفراده باقيا بحاله من دون فرق في تلك الجهة بين ناسخية الخاص أو مخصصيته .

وثانيا : على فرض تسليم ناسخية الخاص لتمام العام أو فرض ناسخية العام المتأخر للخاص أيضا ما افيد صحيح لو لم يكن للمنسوخ السابق أثر بلحاظ الزمان اللاحق كما لو فرض نسخ طهارة ماء توضأ به سابقا إذ حينئذ لا قصور لدليل المنسوخ أن يشمل فعلا بلحاظ الأثر [ الذي هو ] المحل للابتلاء فعلا وحينئذ لا يبقى مجال ترجيح التخصيص على [ النسخ ] بمناط ابقاء عموم دليل السند بالنسبة اليهما بحاله على المخصص دون النسخ .

والأولى في وجه الترجيح أن يقال : إنه بعد ما كان مرجع النسخ الى التصرف في جهة الحكم كالتقية ، إن النوبة إنما [ تنتهي ] الى هذا التصرف في ظرف إحراز الجد بالمراد ومن المعلوم إن التصرف الدلالي موجب لشرح المراد على خلاف الظهور بملاحظة إجراء حكم القرينة على ما هو أقوى ظهورا ، وحينئذ لا يبقى مجال للتصرف الجهتي لعدم وجود موضوعه ، ومرجع ذلك الى حكومة الجمع والتصرف الدلالي على التصرف الجهتي .

ولنا أيضا بيان آخر في وجه التقدم وهو : ان اصالة الظهور إنما [ تجري ] في الظهورات الصادرة لبيان الحكم الحقيقي الواقعي . فالاصول الجهتية [ منقحة ] موضوع الاصول اللفظية ، ولازمه تقدم الاصول الجهتية على اللفظية رتبة وحينئذ [ لا تصلح ] الاصول اللفظية للمعارضة مع الأصل الجهتي . فلا مجال لرفع اليد عن الجهة باجراء الاصول اللفظية وإبقاء حجية الظهور [ بحالها ] ، كيف و [ لا تنتهي ]


487
النوبة إلى اصالة الظهور بلا جهة وعلة ، فالاصول الجهتية جارية في رتبة نفسها بلا معارض ، وبعد جريانها ينتهي الأمر الى الأصل الدلالي فيؤخذ به لولا وجود ما هو أقوى دلالة عليه كما لا يخفى .

وبذين التقريبين أيضا نلتزم في وجه تقدم التصرف الدلالي على التقية لا بصرف ابقاء التعبد بسندهما في التصرف الدلالي دون التقية ، كيف ، وهذا الوجه أيضا غير جار في مورد [ تكون ] التقية في عموم الحكم لفرد لا الحكم العام إذ حينئذ لأخذ دليل العام في الأفراد الخارجة عن صورة [ التقية ] مجال ، كما لا يخفى فتدبر .


488

489

المقالة التاسعة والثلاثون

المطلق والمقيد

490

491

[ المقالة التاسعة والثلاثون ]

في

المطلق والمقيد

وعرف المطلق بما دل على معنى شايع في جنسه . والظاهر ان المراد من الجنس ليس بمصطلح المنطقيين ، كيف ، واطلاق المطلق على النوع والصنف بل الأشخاص بلحاظ الحالات كالنار على المنار .

بل المراد من الجنس في المقام مطلق ما كان سنخ الشئ المحفوظ في ضمن قيود طارية على الشئ من دون فرق بين كون السنخ المزبور [ موجودا ] في ضمن وجودات متعددة أو في وجود واحد محفوظ في طي الحالات المتبادلة .

ومن ذلك ظهر ان الجنس في المقام ليس أيضا بمصطلح النحويين المعبر عنه باسم الجنس أو علمه المخصوص بالكليات الصادقة على الكثيرين كما هو ظاهر .

ثم المراد من الشياع المأخوذ في تعريف المطلق تارة بمعنى قابليته للانطباق بتمام معناه على القليل والكثير وعلى القطرة والبحر وبهذا المعنى يراد ما هو المأخوذ في طي غالب الأوامر ، ولازمه انطباق تمام المعنى بأول وجوده الموجب لسقوط أمره .

وتارة يراد منه الشايع بمعنى السريان في ضمن أفراد متعددة [ الملازم ] لعدم انطباق تمام المعنى على القليل بل لا ينطبق الاعلى الكثير ، قبال المعنى


492
السابق ، ولازمه تعدد الامتثال فيه وعدم سقوط التكليف بأول وجوده ، وبهذا المعنى يراد الطبيعة المأخوذة في طي بعض الأوامر وكثير من النواهي وغالب الأحكام الوضعية ك‍ " أحل الله البيع " وأمثاله ، ومن المعلوم أن بين نحوي المعنى لم يكن جامع محفوظ في ضمن صورة مستقلة في الذهن في قبال الصورتين . كيف ،

ولو كانت الطبيعة في الذهن مجردة عن جميع العلائق - بحيث لم يلحظ في الذهن إلا ذات الطبيعة بما هي ذاتها [ عارية ] عن جميع الحيثيات ، بمعنى [ كونها ] مصداقا لهذا العنوان [ لا مقيدة ] به - من البديهي أنه بهذا اللحاظ كان موضوع حكم العقل بقابليته للانطباق على القليل والكثير وعلى القطرة والبحر مثلا .

كما أنه لو لوحظ هذا المعنى سيالا وساريا في ضمن متكثرات من الأفراد فهو الشايع بالمعنى الثاني . ومن البديهي أن الطبيعي حينئذ ما جاء عاريا عن جميع الحيثيات بل لوحظ معه سريانه [ الزائد ] عن ذاته وهي بهذا المعنى [ واجدة ] لخصوصية السريان قبال الصورة الاولى [ الفاقدة ] له ، وحينئذ كيف يتصور في الذهن معنى ثالث جامع بين الفاقد والواجد ؟ !

وحينئذ لا محيص في تصور الجامع بين الشايعين الا بدعوى : كون الجامع هو المعنى المحفوظ في ضمن الواجد تارة والفاقد اخرى ، لا أنه معنى موجود بوجود مستقل في قبالهما .

وعليه فلك أن تقول إن في البين صورة ثالثة [ للطبيعي ] وهو المحفوظ في ضمن المقيد بشخص خاص الذي لا يكاد يصدق الا على القليل في قبال السابقين ، إذ ذلك أيضا صورة ثالثة مشتملة على الطبيعي في ضمنه وكان مقيدا في ضمن قيد خاص .

وحينئذ ما هو مشترك بين هذه الصور ليس الا الجهة المحفوظ في ضمن الفاقد والواجد بلا وجود له [ مستقل ] في الذهن قبال هذه الموجودات الذهنية .


493

ومثل هذا الجامع المحفوظ في المقام مثل المادة المحفوظ في ضمن هيئات مخصوصة الحاكية عن مفهوم كذلك بحيث لا يتصور [ فيها ] مفهوم مستقل قبال ما هو المحفوظ في ضمن الخصوصيات .

وحيث اتضح ذلك [ نقول ] : إن القائل بأخذ الشياع في مفهوم المطلق إن أراد شياعا خاصا من نحوي الشياع كي يصير لازمه كون مفهوم المطلق معنى خاصا في الذهن بحيث لو اريد غيره - ولو كان شايعا بغير هذا النحو كالمقيد بغير الشياع من سائر القيود - لكان مجازا ، فهو خلاف صريح اطلاقهم المطلق على نحوي الشياع بلا مجاز فيه ، وإنما بناؤهم على مجازية المطلق لو اريد منه المقيد بغير الشياع من سائر القيود . و [ يؤيده ] اطلاق أخذ الشياع في تعريفه .

وحينئذ فلا محيص عندهم من جعل مفهوم المطلق هي الجهة [ المحفوظة ] بين نحوي الشياع [ المتقوم ] كل واحد بصورة مخصوصة من فقدانه للخصوصيات الزائدة عن الطبيعي أو وجدانه لجهة السريان في ضمن المتكثرات بلا وجود مفهوم مستقل في الذهن عاريا عن الجهتين . وعليه فنقول :

إنه لك أن توسع الدائرة بنحو يشمل المفهوم المعنى المحفوظ في ضمن المقيد بشئ آخر غير جهة الشياع أيضا فلا وجه حينئذ لاختصاص المفهوم بخصوص الشياع ، بل المنسبق الى الذهن من اللفظ في كل مورد هو المعنى المحفوظ في ضمن الصور العديدة المتصورة وهذا المعنى المحفوظ هو الطبيعي المهمل المناسب مع كل لون ويكون جامعا بين الشايع وغيره ، ولئن شئت فعبر عنه ب‍ " اللابشرط المقسمي " المجتمع مع الواجد لقيد خارج عن ذاته وفاقده ،

كما أن الفاقد [ لجميع ] العلايق الزائدة عن الطبيعي وهو المعنى الشايع القابل للانطباق على القليل والكثير هو " اللابشرط القسمي " المحتاج إثباته بمقدمات الحكمة بحيث لولاها لما يكون معنى اللفظ منحصرا بما يقبل الانطباق على القليل والكثير فقط ، بل هو الجامع بين ما يقبل ومالا يقبل .


494

فاللابشرط المقسمي هو المعنى المحفوظ في ضمن القيود المتعددة من الفاقد والواجد بلا وجود مستقل له في الذهن كما يشهد بذلك بناؤهم على استعمال اللفظ في جميع المقامات في معنى واحد بنحو الحقيقة ، وأن الخصوصية الزائدة [ مفهومة ] من دال آخر ويكونان من باب الدالين والمدلولين .

ولك أن تقول : إن نسبة الطبيعة اللابشرط المقسمي بالنسبة الى القسمي ليس كنسبة الكلي الى الفرد بحيث كانا في الذهن ، موجودين بوجود واحد خارجي ، بل نسبته إليه كنسبة منشأ انتزاع الجامع في ضمن أفراده الخارجية من حيث إنه كما لم يكن له في قبال المصداق وجود مستقل في الخارج بل جهته محفوظة في ضمن خصوصيات متعددة متباينة ، كذلك بهذا النحو [ تلاحظ ] الطبيعة اللابشرط المقسمي بالنسبة الى اللابشرط القسمي وبشرط شئ في عالم الذهن وأنه لم يكن له في عالم الذهن وجود مستقل في قبال الفرد بل في الذهن جهة محفوظة في ضمن صور خاصة متباينة . ولئن شئت فعبر عنه بما هو موجود في الذهن بعين وجود أفراده فيه لا بوجود مستقل مباين معها كما لا يخفى .

ومن هذه البيانات ظهر بطلان الفرق بين القسمي والمقسمي بجعل المقسمي الماهية المجردة حتى من قيد التجرد ، والقسمي خصوص الماهية المقيدة بقيد التجرد الذهني ، إذ مع هذا القيد يستحيل انطباقه على الخارج مع أن بناءهم في اللابشرط القسمي قابليته للانطباق على القليل والكثير بملاحظة مقدمات الحكمة كما هو الشأن في المأخوذ في طي الأوامر غالبا .

وأضعف منه في الفرق بينهما أن المقسمي ما هو الملحوظ بنفس ذاته بماله من ذاتياته قبال الملحوظ معه بما هو خارج عن ذاته وجودا [ أو ] عدما أو الأعم منهما وهو اللابشرط القسمي ، إذ من البديهي أنه لو لوحظ صرف الماهية بذاته مجردة في الذهن عن عوارضها الخارجية لو عرض مثله على العقل يحكم بأنه قابل للانطباق على القليل والكثير وهو الذي أثبتوه في طي الأوامر بمقدمات


495
الحكمة الموجبة عندهم لاثبات اللابشرط القسمي ، فمن أين المقسمي ؟ !

ولكن سمعت من بعض تلامذته أنه فسر [ اللابشرط المقسمي ] بما هو موجود في الذهن بعين وجود أفراده وحينئذ يرجع هذا الشرح إلى ما أبسطناه وهو غير مرتبط بما كتبه في تأليفه فراجع .

وكيف كان نقول : بعد ما التزم المشهور في معنى الاطلاق الشياع الأعم من الساري والصرف القابل للانطباق على القليل والكثير بحيث لو استعمل [ في ما ] لا يقبل الانطباق على الكثير كان مجازا فلا محيص من التزامهم بمعنى محفوظ في ضمن الشايعين وموجود في الذهن في ضمن أحدهما ولازمه أخذهم في مفهوم المطلق معنى جامعا بين الفردين متحدا مع كل واحد منهما في الذهن ، وبديهي أنه مرتبة من اللابشرط المقسمي الموجود مع كل واحد من قسمي الصرف والساري ضمنا ، وبعد ذلك لم يلتزم في المعنى المطلق بخصوص هذه المرتبة بل قد اشير بأن لنا أن نوسعه على وجه يجتمع مع المقيد بشئ خاص أيضا كي يكون موجودا في ضمن جميع أنحاء الطبيعي فيكون استعمال اللفظ فيه أيضا بنحو الدالين والمدلولين بلا التزام بالمجازية في شئ من الصور المخصوصة .

ولقد أجاد سلطان المحققين في التزامه بهذا المعنى بلا أخذ ضيق في دائرته على نحو لو استعمل في مورد المقيد لكان مجازا وحينئذ النزاع بين السلطان والمشهور بعد اشتراكهم [ في مفهوم ] جامع بين الصرف والساري لمعنى اللفظ : إن هذا الجامع هل هو خصوص ما يتحد مع الشايع بمعنييه أو الأعم منه ومن غير الشايع كالمقيدات بقيود خاصة . فالسلطان أخذ بالأخير في قبالهم وهو الحق والتحقيق ، إذ كما أن المتبادر من اللفظ في مورد أحد الشايعين معنى وحداني محفوظ في ضمن الخصوصيتين من الشياع كذلك في المقيد أيضا هذا المعنى بعينه محفوظ فيه بلا وجه لخروجه عن مدلول اللفظ كما لا يخفى . هذا كله في مدلول


496
أسماء الأجناس .

وأما في أعلامها : فقد يدعى بأخذ نحو من الإشارة الذهنية الموجبة لنحو من التعين فيه العاري عنه إسم الجنس ، ولذا كان علم الجنس عند النحاة معرفة ويترتب عليه أحكامها بخلاف اسم الجنس .

ولكن قد يشكل في هذا الفرق بأن الاشارة المأخوذة فيه [ ليست ] الا من سنخ اللحاظ المحسوب من الوجودات الذهنية ولازم أخذ مثل هذا المعنى في المفهوم عدم قابلية انطباقه على الخارج الا بالتجريد مع أن بالوجدان مفهوم " اسامة " بلا تجريد ينطبق على الحيوان مثلا . ومن جهة هذه الشبهة التزم باتحاد مفهومه مع مفهوم اسم الجنس وان الموضوع له [ عين ] ما هو مفهوم لفظ أسد ، وأن تعريف " اسامة " وغيره من أعلام الجنس لفظي .

أقول : أولا : إن حقيقة الاشارة عبارة عن نحو [ توجه ] من النفس الى الصور وغير مرتبط بعالم اللحاظ ، ولذا يرى عند لحاظ صور متعددة قد [ تتوجه ] النفس الى بعضها دون بعض ، ويشير بأنه أحسن من غيره مع فرض اجتماع الجميع في ذهنه ، ومثل هذا التوجه من الوجودات الخارجية القائمة بالنفس ، نظير العلم بها - تصديقيا أم تصوريا - وحينئذ فلو قيد المعنى بمثل هذا الوجود كتقييده بالعلم به لا يضر ذلك بانطباق المقيد به على الخارج ، كانطباق عنوان المعلوم أو المقيد بالمعلومية على الخارج إذ مثل هذه التقييدات راجعة الى تقييد المعنى بكونه متعلقا بهذه الوجودات الخارجية لا مقيدا بأمر ذهني ووجوده كذلك .

وثانيا : على فرض كون هذه الاشارات أيضا من سنخ الوجودات الذهنية نقول :

إن الاشكال إنما يرد على فرض أخذ التقيد بها في مفهوم اللفظ ، والا فلو قيل بأن اللفظ موضوع لنفس ذات [ تعلقت بها ] الإشارة وما هو معروضها بلا أخذ تقيدها فيه يكفي هذا المقدار للفرق بينه وبين اسم الجنس ، إذ في علم


497
الجنس اعتبر الذات بنحو لا يكون له اطلاق يشمل ما لا يشار إليه وان لم يكن مقيدا به أيضا ، بخلاف اسم الجنس حيث إنه موضوع للذات الأعم مما يشار ولا يشار [ إليه ] وهذا المقدار أيضا يكفي في تعريف علم الجنس معنويا ، إذ ما هو معروض الاشارة له نحو من التعين ليس لغيره بلا احتياج حينئذ الى التجشم في جعل التعريف لفظيا فقط .

ولقد حققنا نظير ذلك في الفرق بين المعنى الاسمي والحرفي على مذاق الفصول بجعل المعنى الحر في نفس ما هو معروض اللحاظ المرآتي قبال المعنى الاسمي بجعله ما هو معروض اللحاظ الاستقلالي ، ومرجعهما الى كون الموضوع [ له ] في الحروف له معنى [ توأم ] مع اللحاظ المرآتي لا مطلقا ولا مقيدا به ، وهكذا في معاني الأسماء . وحينئذ لا يرد عليه أيضا الاشكالات الثلاثة التي أوردها استاذنا العلامة في كفايته وبحثه ولا يلزم بناء عليه أيضا الالتزام باتحاد معنى الاسماء والحروف كي ينحصر جهة الفرق بكيفية [ استعمالها ] في المعنى ، وتتمة الكلام في محله .

ثم إن من جملة المطلقات مفهوم النكرة . و [ توضيح ] مفهومه بكون الطبيعة [ مقيدة بكونها ] في ضمن [ إحدى ] الشخصيات المفردة بنحو يكون القيد نفس التشخص [ غير ] المعين المنطبق على الخارج بنحو التبادل وأن أل‍ " أحد " أخذ كما للقيد قبال الاثنين والثلاث لا أنه بنفسه قيد بل القيد - كما قلنا - نفس التشخص الملازم للفردية ، غاية الأمر بواسطة عدم تعينه واقعا كان مثل هذا المفهوم أيضا قابلا للصدق على الكثيرين ، غاية الأمر بنحو التبادل قبال صدق إسم الجنس إذ هو قابل للصدق على الكثيرين عرضيا وقبال الطبيعة المتشخصة بشخص معين إذ لا [ تكاد تصدق ] على الكثيرين أصلا .

فالنكرة معنى وسطا بين هذا التشخص وبين الطبيعة اللابشرط العارية عن قيد التشخص رأسا .


498

فمن حيث تقيد الطبيعة فيها بقيد التشخص يشبه الأخير من حيث عدم صدقه على الافراد عرضا ، ومن جهة عدم تعين التشخص فيه يشبه الطبيعة اللابشرط من حيث الصدق على الكثيرين ولذا يعبر عنه بالفرد المنتشر لأنه بملاحظة أخذ التشخص في مفهومه كان فردا ومن جهة عدم تعيين القيد المزبور كان القيد منتشرا ، بالنسبة الى الشخصيات المعينة بنحو صالح للانطباق على كل منها صدقا تبادليا كان منتشرا .

ومن هذا البيان ظهر فساد توهم جعل المفهوم المزبور عبارة عن الطبيعة المقيدة بعنوان أحد [ التشخصات ] الذي هو أيضا كلي صادق على الكثيرين عرضيا إذ على كل تشخص يصدق عنوان أحد [ التشخصات ] في عرض واحد ، إذ مثل هذا المعنى لا يخرجه عن الجنسية الى الفردية بل هو أيضا إسم جنس أخص من الجنس المطلق وذلك لا يناسب مع جعلهم النكرة فردا منتشرا .

فالذي يناسب ذلك هو جعل القيد ما هو مصداق التشخص لا مفهومه العام ، غاية الأمر مصداقا غير معين قبال المصداق المعين ، وان لفظ " أحد " أيضا بيان ل‍ " كم " المصداق المزبور لا قيدا لمفهوم التشخص .

وتوهم ان مصداق التشخص في الخارج يلازم التعيين وان كان صحيحا ولكن هذه التشخصات الخارجية المتعينة بالذات في مقام أخذها قيدا للطبيعة تارة يؤخذ فيها [ واحد معين ] في قبال الغير ، واخرى يؤخذ فيها [ واحد ] غير معين منها .

فهنا نحوان من التعيين أحدهما تعيين كل منها بحسب ذاته و [ ثانيهما ] تعيين كل منها بالاضافة إلى غير بنحو يكون طاردا له . وحينئذ فالقيد في الفرد المنتشر والمعين مشترك في التعيين الذاتي إذ مصداق كل تشخص متعين ذاتا ، وانما الفارق بينهما بأن المأخوذ في النكرة والفرد المنتشر أحد هذه المتعينات ذاتا بلا أخذ التعيين العرضي الحاصل من لحاظه في قبال غيره ، وفي الفرد المعين أخذ التشخص حتى بهذا التعيين العرضي الملحوظ في قبال الغير الطارد لغيره ، ومن


499
هذه الجهة يلتزم بفردية النكرة دون اسم الجنس ولو مقيدا بطبيعة اخرى أخص من الطبيعة المطلقة كما لا يخفي .

وبعد ما اتضح لك ذلك نقول : من المعلوم ان لمثل هذا المفهوم بواسطة انتشاره نحو شياع ليس لغيره فيصح اطلاق المطلق عليه حتى بلحاظ الافراد ، بخلاف المقيد بالتشخص المعين فان اطلاقه لا يكون فرديا لعدم شياع له من حيث الفرد . نعم لا بأس في اتصافه بالاطلاق من حيث الحالات الطارية عليها كما هو الظاهر .

ثم ان هذا المعنى من النكرة المعبر عنه بالفرد المنتشر قد عرفت أن صدقه على الافراد تبادلي لا عرضي . وقد [ تطلق ] النكارة على الاجناس قبال معهودية معناه ولو بكونه طرف الاشارة إليه ذهنا ، وهذا العنوان ربما يطلق على أسماء الاجناس العارية عن أداة التعريف من لام أو غيره ويقال اسم جنس منكر قبال علم الجنس أو المعرف بلامه ، ومثل هذه النكارة [ لا تقتضي ] تبادلية الصدق بل [ تصدق ] على الافراد عرضيا كما هو شأن الطبيعي الصرف ، وحينئذ فدائرة عنوان النكرة بالمعنى الثاني ربما يكون أوسع من النكارة بالمعنى الأول ، ولا يكاد يطلق على الثاني عنوان الفرد المنتشر ، بل ربما يكون من الكليات البحتة البسيطة ، كما أن المعرف في قبال هذه النكرة من مثل علم الجنس أو المعرف بلامه غير المعرف في قبال الاولى ، إذ المعرف المزبور لا يصدق على الكثيرين أصلا وهو المعبر عنه بالفرد المعين ، وهذا بخلاف المعرف في قبال المعنى الأخير فانه يصدق على الكثيرين أيضا غاية الأمر فيه جهة ضيق في خصوص دائرة ما يشار إليه بحيث ليس في الجنس المنكر ذلك ، وحينئذ فما يعرف من الجنس قبال المنكر المعرف بلام الجنس أو العهد بأقسامه .

وحينئذ ربما يشكل في المعرف بلام الجنس والعهد الذهني نظير الاشكال في علم الجنس بأن وجه التعريف في المعرف بلام الجنس والعهد الذهني ليس الا


500
بجعل الطبيعة مقيدة بالاشارة الذهنية ، وبديهي ان هذا المعنى غير قابل للأخذ في مفهوم اللفظ ولو بنحو الدالين والمدلولين إذ مرجعه الى أخذ التقييد بالوجود الذهني في المفهوم وهذا القيد مانع عن التطبيق على الخارجيات الا بالتجريد ، والحال انا نرى انطباق عنوان الانسان أو هذا الانسان على الخارج بلا تجريد أصلا .

هذا ولقد تقدم مثل هذه الشبهة [ بعينها ] في علم الجنس ولكن قد أجبنا عن الشبهة في علم الجنس بنحو قابل للجريان في المقام وملخصه جعل الاشارة نحو توجه من النفس الى الصور بعد إخطارها في الذهن الذي هو أجنبي عن وجودها الذهني على ما تقدم شرحه .

نعم هنا جهة شبهة اخرى في مثل هذا الانسان بأن " اللام " لو كان للإشارة يلزم اجتماع الاشارتين في زمان واحد وهو محال ، ولا محيص من جعل اللام فيه للزينة ك‍ " لام " الحسن والحسين وحينئذ فربما يتوهم مثله في غير المصدر بلفظ " هذا " أيضا .

ولا يمكن أن يقال بامكان التفكيك بين المقامين بأن في المصدر ب‍ " هذا " كان المفهوم متعينا بالاشارة فلا يبقي للإشارة ب‍ " اللام " مجال فلا محيص من كونه للزينة بخلاف غير المصدر فيحمل اللام على وضعه الأولي من التعريف الملازم لكونه في المقام للإشارة الى المعنى كما لا يخفى .

ثم إن المطلق بعد ما ظهر وضعه للماهية المبهمة بنحو يكون جميع القيود - حتى الاطلاق والشياع - خارجة عن المفهوم فلا محيص في مقام إفادة الشياع ولو بنحو صرف الوجود فضلا عن الوجود الساري من ضم قرينة اخرى بنحو يستفاد منها - ولو بنحو الدالين والمدلولين - الشياع المزبور بأي نحويه من الصرف والساري وحينئذ نقول :

إن القرينة المعروفة ليس الا مقدمات الحكمة المشهورة في الألسن .


501

وملخص المقدمات يرجع الى كون المتكلم في مقام البيان بكلامه الوارد في مورد التخاطب ولم ينضم الى اطلاق لفظه قرينة اخرى حاكية عن خصوصية خاصة زائدة فلا محيص من ارادة الاطلاق والا يلزم الخلل في إحدى المقدمتين لأن ارادة الخصوصية بلا إقامة القرينة مناف لمقام بيان مرامه بلفظه . كما أن ارادة الاهمال في لب المرام بلا ضم خصوصية به غير معقول فلا محيص من ارادة الاطلاق هذا .

ولقد توهم من هذا البيان أن نتيجة هذه المقدمات كون موضوع الحكم [ هو ] اللابشرط القسمي الذي [ هو ] عبارة عن الطبيعة العارية عن جميع الحيثيات الذي هو من مصاديق الطبيعة اللابشرط المقسمي المجتمع مع العارية والمقيدة على ما أسلفناه وان طبع مقدمات الحكمة قلب اللابشرط المقسمي الى القسمي في الموضوعية وحينئذ نقول :

إن لازم هذه المقالة كون نتيجة المقدمات هو الشياع بمعني الصرف ولا يشمل الساري بداهة ان الطبيعي العاري عن جميع الخصوصيات مساوق صرف الوجود الغير القابل للانطباق على ثاني الوجود بنفسه ، ولازمه سقوط الحكم قهرا بأول وجوده إما بالاطاعة كما في الأوامر أو بالعصيان كما في النواهي ، وحينئذ في استفادة الطبيعة السارية في كثير من المقامات خصوصا في النواهي يحتاج الى مقدمة زائدة عن المقدمات المزبورة ، مع أن المرتكز في الأذهان الذي هو أيضا مشي المشهور عدم احتياج النواهي أيضا في اطلاقها الى أزيد من مقدمات الحكمة حتى مع التزامهم بعدم سقوط النهي بعصيانه الأولي ، بل الوجودات المتعاقبة أيضا مبغوضات بمقتضى الاطلاق وحينئذ يجئ في البين شبهة الفارق بين الأوامر والنواهي من حيث اختلاف نتيجة اطلاق بينهما كما أشرنا إليه سابقا .

والذي يقتضيه التحقيق في حل الاشكال - على ما تقدم منا سابقا أيضا -


502
بأن يقال :

إن هذه الشبهة إنما تجرى على الزعم المزبور من اقتضاء طبع مقدمات الحكمة قلب موضوع الحكم بخصوص اللابشرط القسمي .

وأما لو قيل بأن طبع المقدمات لا يقتضي أزيد من كون مدلول اللفظ الجامع بين اللابشرط وبشرط شئ تمام الموضوع في الحكم بلا دخل خصوصية زائدة فيه فلا شبهة في أن هذا المعنى في طرف الأوامر لا ينتج الا الاكتفاء بأول وجوده .

وأما في طرف النواهي التي كان المطلوب فيها عدم هذا الوجود فلا شبهة في أن ذلك يقتضي قلب الوجودات المتعاقبة أيضا [ إلى العدم ] لأن بوجود كل يصدق تحقق مدلول اللفظ ، والفرض ان ما هو تمام الموضوع في النهي هو هذا الوجود الصادق على الوجودات المتعاقبة أيضا فترك هذا المعنى لا يكون إلا بترك تمام أفراده العرضية والتعاقبية بخلافه في الأوامر [ فإن ] مقتضى طلب وجوده مجرد ايجاد هذا المعنى وهو يتحقق بأول وجوده .

وحينئذ ليس نتيجة المقدمات المزبورة قلب اللابشرط المقسمي [ الى القسمي ] في عالم الموضوعية كيف ، واللابشرط القسمي كما أسلفناه يستحيل انطباقه على ثاني الوجودين كما هو شأن صرف الوجود من كل شئ .

بل طبع المقدمات جعل الموضوع بتمامه نفس مدلول اللفظ غاية الأمر هذا المدلول في طرف الايجاد بتمامه يتحقق بأول وجوده وفي طرف الترك لا يكاد يتحقق تركه إلا بترك تمام أفراده حتى المتعاقبة ، وحينئذ فهذه التفرقة [ ما جاءت ] من قبل دخل السريان في مدلول المادة في النواهي دون الأوامر وانما يقتضيه العقل من حيث وقوعه في طي النواهي فقط بملاحظة أن إعدام هذه الطبيعة بملاحظة قابلية انطباقه على الأفراد التعاقبية لا يكون الا باعدام الأفراد المزبورة ولا يكون الحاكم في البابين الا طبع الاطلاق بلا احتياج الى قرينة


503
خارجية .

فان قلت : إن اللابشرط المقسمي على ما شرحت لا يمكن له وجود مستقل في الذهن بل لا محيص أن يتحقق في ضمن إحدى الصور من المجردة والمخلوطة وحينئذ في طي خطاب الأمر والنهي [ وان ] كانت صورة واحدة فلا محيص من أن يكون في فرض تمامية المقدمات بصورة مجردة ولازمه مجئ اللابشرط المقسمي في ضمن اللابشرط القسمي ولازمه كون متعلق الأوامر والنواهي قهرا هي الطبيعة اللابشرط القسمي الآبي عن انطباقه على ثاني [ الوجودين ] كما اعترفت وحينئذ يبقى [ إشكال الفارق ] بين الأوامر النواهي من سقوط الأوامر بأول وجود الطبيعي وعدم سقوط النواهي به .

قلت : ما افيد من اقتضاء طبع المقدمات كون الصورة الحاصلة في طي الخطاب هي الصورة المجردة عن جميع الحيثيات في غاية المتانة ، إذ لازم كونه في مقام البيان وعدم ذكر القيد معه كون الموجود في ذهن المتكلم هي الطبيعة المجردة ولكن نقول : إنه ليس لازمه كون المطلوب [ الطبيعي ] بهذه الخصوصية بل من الممكن كون تمام المطلوب من هذه الصورة أيضا الجهة المشتركة المحفوظة فيها لا بخصوصيتها غاية الأمر اقتضاء الخطاب ايجاده يوجب الاكتفاء بأول وجوده نظرا الى أن تمام المعنى منطبق عليه فقهرا يسقط الخطاب ، بخلافه في طرف النواهي إذ مقتضى الخطاب فيه إعدام هذا المعنى . وبديهي ان إعدام هذه الجهة المحفوظة بإعدام تمام مصاديقه [ التي ] منها الوجودات المتعاقبة كما هو ظاهر .

ولعمري إن توهم كون المطلوب هي اللابشرط المقسمي ، وان طبع المقدمات قلب المقسمي بالقسمي إنما ينشأ عن اقتضاء البيان وعدم ذكر القيد كون الموجود في الذهن هي الطبيعة المجردة بتوهم أن تمام المطلوب أيضا الطبيعة بهذه الخصوصية الملازمة لضيق في انطباقه على ثاني الوجودين والا فلو فتح


504
البصر وتدبر يرى ان اقتضاء البيان وعدم ذكر القيد كون الصورة الحاصلة هي المجردة لا يقتضي كون المطلوب أيضا هذه الصورة بهذه الخصوصية بل طبع المقدمات علاوة عما ذكر يقتضي كون ما هو مدلول اللفظ تمام الموضوع للخطاب الموجب لاختلاف النتيجة في الخطابات الايجادية والإعدامية باختلاف اقتضاء نفس الخطاب عقلا من دون اختلاف في موضوع الحكم كما هو ظاهر لمن يتدبر .

تنبيهات

منها : ان اقتضاء المقدمات المزبورة هل هو باقتضاء عقلي أجنبي عن اللفظ بحيث لا يوجب ظهورا فيه في الاطلاق أم ليس كذلك بل كانت من القرائن [ الحافة ] بالكلام الموجبة لقلب ماله من الشأن وضعا إلى ظهور موافق لطبع ما يقتضيه القرينة .

أقول : الذي يقتضيه التحقيق في المقام هو أن يقال بأن مثل هذه المقدمات إذا كانت من القرائن [ الحافة ] بالكلام فلا قصور في صيرورتها موجبة لوجه في اللفظ حاك عن مفادها كسائر القرائن الحافة .

نعم حيث إن مرجع المقدمات المزبورة الى حكم العقل الجزمي بالملازمة بينهما وبين الاطلاق ، فان احرزت المقدمات المزبورة بنحو الجزم والوجدان فقهرا يوجب ذلك الجزم بالاطلاق ولكن لا ينافي ذلك [ ظهور ] الكلام فيه ، غاية الأمر حينئذ ليس هذا الظهور من الظواهر الظنية كسائر ظواهر الألفاظ ، فالقائل بخروج باب الاطلاق عن الظواهر اللفظية إن أراد هذا المقدار فنعم الوفاق بل نقول ان باب التقييد أيضا من ذلك إذ مرجعه أيضا الى حكم جزمي عقلي بالملازمة بين ذكر القيد في كلام مع التقيد والا يلزم عند عدم فائدة اخرى لغويته ، ولذا اعتبروا في التقييد عدم كون القيد واردا مورد الغالب أو لبيان جهة اخرى .


505

وإن أراد أن للفظ مع المقدمات المزبورة لا يتحقق وجه ودلالة أصلا فهو خلاف الانصاف ، كما أنه لو فرض إحراز المقدمات المزبورة بأصالة البيان الراجعة الى الظواهر الحالية الظنية فربما أمكن أيضا دعوى كفاية هذا المقدار أيضا في كسب اللفظ منها ظهورا في المراد فيصير حينئذ من الظواهر الظنية كسائر ظواهر الألفاظ المحرزة بالوجدان مع ظنية مطابقتها للواقع .

ولئن بنينا بأن المقدمات المزبورة بوجودها الواقعي موجبة لظهور اللفظ ففي هذا الفرض لم يكن الظهور في الاطلاق محرزا بالوجدان ، بل أصالة البيان يصير طريقا لاحراز ظهوره وهذا المقدار أيضا يكفي للاتكال به في مقام الاحتجاج .

نعم لو لم يكن ظهور حال البيان من الظواهر الحالية التي هي كظواهر الألفاظ مورد اتكال العقلاء يشكل أمر الاتكال بهذا الكلام في احراز الاطلاق إذ مرجعه حينئذ الى الظن بالظهور واتباعه مورد إشكال إلا لدى من التزم بحجية الظن المطلق فتدبر .

ومنها : ان اساس المقدمات المعهودة تارة على كون المتكلم في مقام بيان تمام مرامه باللفظ المطلق فلا شبهة في أن هذا المقدار مضاد مع التقييد أو ملازم لعدم قرينة على خلاف الاطلاق إذ القرينة المزبورة أيضا [ مضادة ] مع البيان المزبور وحينئذ لازمه كفاية هذا البيان لاثبات الاطلاق بلا احتياج الى مقدمة اخرى من عدم القرينة على التقييد إذ مثل هذه الجهة من لوازم البيان المزبور في عرض الاطلاق .

وحينئذ فلو كانت المقدمة الملازمة للاطلاق عند احتفافه بالكلام موجبا لظهور اللفظ ووجهه في الاطلاق فيكفي البيان المزبور لاكتساب اللفظ وجهة الظهور بلا متعلقية الظهور المزبور حينئذ على أمر سلبي من عدم القرينة على التقييد وعليه فلو احرزت هذه المقدمة بنحو الجزم والوجدان ، يقتضي ذلك الجزم


506
بمخالفة ظهور القرينة على التقييد للواقع ولو كان في كلام آخر .

كما انه لو فرض احرازها باصالة البيان لازمه ظهور حاله في عدم إقامة قرينة على التقييد [ و ] يزاحم ظهور اطلاقه مع ظهور لفظه في التقييد ولو في هذا الكلام بلا تعليق في أحد الطرفين على عدم الأخير كي يجئ مقام ورود أحدهما على الآخر حتى في كلام واحد فضلا عن الكلامين وذلك ظاهر .

وتارة يكون أساس المقدمات على كون المتكلم في مقام تمام مرامه بتمام الكلام الذي به تخاطبه لا بخصوص اللفظ المطلق ففي هذه الصورة لا شبهة في ان هذا المقدار من البيان لا ينافي التقييد ولا مع قيام قرينة على التقييد وحينئذ فيحتاج في إثبات الاطلاق الى مقدمة اخرى من عدم قيام قرينة على التقييد ، ولازمه دخل هذا الأمر السلبي في القرينة على الاطلاق ، فقهرا يصير هذا الأمر السلبي دخيلا في ظهور اللفظ أيضا تبعا لدخله في المقدمة الموجبة لظهور اللفظ على طبق نتيجته ، وحينئذ قيام القرينة المزبورة على التقييد [ يرفع ] الظهور المزبور من دون فرق بين كون احراز البيان المسطور بمقدمات جزمية [ أو ] بأصالة البيان الناشئ عن ظهور حال المتكلم في [ مخاطباته ] .

نعم هنا شئ آخر وهو ان الكلام الذي كان المتكلم في مقام بيان تمام مرامه هو مطلق كلامه ولو كان منفصلا عما به تخاطبه فعلا أو خصوص هذا الكلام الذي به تخاطبه ومشتمل على اللفظ المطلق .

فعلى الأول يكون عدم القرينة في كلام آخر أيضا واردا على ظهور اللفظ في الاطلاق .

وأما إن كان الكلام الذي كان المتكلم في مقام بيان مرامه خصوص كلام به تخاطبه ففي هذه الصورة لا شبهة في استقرار ظهوره في الاطلاق بمجرد عدم ذكر القيد في هذا الكلام متصلا به . ومع استقراره يزاحم ظهوره مع ظهور القرينة في كلام آخر ، ولازمه مع احراز المقدمات جزما طرح ظهور القيد في كلام آخر


507
للجزم بخلافه ، ومع احراز المقدمات بالأصل يقع مزاحمة بين ظهور هذا الكلام في الاطلاق وظهور قرينة اخرى في كلام آخر في التقييد ، فلا محيص في مثله [ من ] الأخذ بأقوى الظهورين بلا ورود أحدهما على الآخر .

نعم لو كان لشئ ظهور في التقييد عند اتصاله بما فيه اللفظ المطلق وكان به التخاطب فلا محيص في هذه الصورة من الأخذ بظهور القيد لوروده على ظهور الاطلاق لكونه معلقا على أمر سلبي كما عرفت . وفي هذه الصورة لا يتوهم اتصال الظهور التنجيزي في الكلام بما يصلح للقرينية ، إذ ذلك إنما يتم في المجمل لا في المبهمات [ غير ] الصالحة للقرينية في قبال الظهور التنجيزي كما لا يخفى .

وحيث [ إن ] بناء النوع على التصوير الأخير فلا محيص في ترجيح أحد الظهورين من المصير الى التفصيل بين صورة الاتصال بالكلام وانفصاله كما عرفت فتدبر .

ومنها : ان متعلق البيان في المقام تارة تمام المرام بنحو يفهم المخاطب أيضا بأنه تمامه . واخرى تمام المرام واقعا [ وإن لم ] يفهم المخاطب أنه تمامه .

فعلى الأول [ لا محيص ] من الأخذ بالاطلاق حتى مع وجود المتيقن في البين إذ مع الشك في دخل الخصوصية لو كان ذلك مقصوده لكان مخلا بغرضه فلا محيص من عدم دخلها ولازمه الأخذ بالاطلاق لأنه لازم الأمر السلبي .

وتوهم أنه من الممكن ايكال دخل الخصوصية الى البيان العقلي من الأخذ بالقدر المتيقن في البين ،

مدفوع بأن الاطلاق والتقييد في الذهن أمران متباينان لرجوع الاطلاق الى عدم دخل الخصوصية في الغرض ورجوع التقييد الى دخلها ، وهما متباينان في عالم اللحاظ بلا وجود متيقن بين الاعتبارين .

ومع فرض كون المتكلم في مقام بين متعلق غرضه بنحو يفهم المخاطب


508
أيضا ذلك لا يبقى مجال لمتيقنية أحدهما بالنسبة الى الآخر كي يبقى مجال اتكال المتكلم في بيان متعلق غرضه الى حكم العقل بالمتيقن .

نعم ما هو متيقن هو دخول الخاص في المرام . وأما أنه بنحو له بخصوصيته دخل في الغرض أم لا فلا يكاد يستفاد من الكلام [ شئ ] والمفروض أن المتكلم في مقام بيان تمام مرامه بكلامه بنحو يفهم المخاطب أيضا ماله الدخل في غرضه وعدمه ، والقدر المتيقن المزبور غير واف بهذه الجهة كما لا يخفى .

نعم على الفرض الثاني لا قصور في الأخذ بالمتيقن وعدم التعدي منها الى غيرها لاحتمال كون الخاص تمام المقصود وإن لم يفهم المخاطب أنه تمامه ، وحينئذ إضرار وجود المتيقن بالاطلاق مبني على عدم إحراز مقام البيان من المتكلم بالنحو الأول ، والا فمع احرازه من حال المتكلم لا مجال للاقتصار بالمتيقن في باب المطلقات كما هو ظاهر .

كما أن الميزان في احراز مقدار المتيقنية بالاطلاق أيضا تابع مقدار البيان .

فان كان في مقام بيان تمام المرام الواصل الى المكلف ولو من الخارج وإن لم يفهم أنه تمام مرامه فلازمه إضرار وجود المتيقن مطلقا ولو من الخارج بالاطلاق .

وأما إن كان في مقام تمام المرام الواصل الى المكلف بكلام به التخاطب فلا يضر بالاطلاق الا المتيقن من قبل الكلام المزبور ولا يضر حينئذ وجود مطلق المتيقن في منع الاطلاق كما هو ظاهر .

والى المسلك الأخير سلك استادنا في المقام كما أن ظاهر بقية الكلمات هو الأول ، وأردأ الوجوه أوسطها إذ لم أر من توهم إضرار مطلق المتيقنية باطلاق اللفظ كما لا يخفى ، فافهم وتدبر .

ومنها : إنه كما يكون الاطلاق بتوسط الحكم العقلي قد أشرنا سابقا بأن التقييد أيضا إنما هو بتوسيط حكم عقلي ، وذلك لأن ذكر قيد في الكلام عند عدم


509
فائدة اخرى له من وروده مورد الغالب أو كشدة الاهتمام ببيان دخول هذا الفرد في المقصود أو غير ذلك لا محيص حينئذ من الكشف عن دخله في غرضه والا يلزم لغوية ذكره في الكلام .

بل وبهذا البيان يلتزم بأن كل عنوان مأخوذ في موضوع لابد وأن يكون بخصوصيته دخيلا في المقصود والا يلزم لغوية ذكره بخصوصيته . فكما أن اطلاق اللفظ مع عدم ذكر قيد يقتضي عدم دخل شئ في المقصود أزيد من مفاد الاطلاق كذلك كل قيد إذا ورد في الكلام ولم يكن لذكره فائدة اخرى لا محيص من الحكم بدخله بخصوصيته في الغرض فرارا عن اللغوية .

ولئن شئت قلت : بأن المقدمات السابقة من كون المتكلم في مقام بيان مرامه بكلامه كما يقتضي مع عدم القرينة على التقييد إرادة الاطلاق وبه أيضا يصير للفظ وجهة وظهور فيه ، كذلك يستفاد من مقام بيانه عند عدم قرينة على بيان فائدة اخرى لذكر القيد كون القيد بخصوصه دخيلا في المرام وبه أيضا للفظ القيد وجه وظهور في التقييد ، ولازمه أيضا كون هذا المفاد قطعيا عند قطعية المقدمات وظنيا عند ثبوت المقدمات بالأصل الراجع الى ظهور حال المتكلم في كونه في مقام ذكر ماله دخل في غرضه في كلامه وهو المدرك في كون الأصل في القيود المذكورة في الكلام هو القيدية الى أن يعلم خلافه من قرائن خاصة .

بل قد أشرنا آنفا أيضا الى أن هذه الجهة [ هي ] المدرك في كون الأصل في كل عنوان مأخوذ في حيز الخطاب دخله بخصوصه في الخطاب سواءا كان العنوان المزبور عنوانا لنفس الموضوع أو من قيوده أو قيود حكمه وبواسطة ذلك ربما يستفاد انحصار العلة أو الموضوع به كيف ، وعلى عدم الانحصار يستحيل دخل خصوصية في موضوع حكم شخصي أو علته .

نعم حيث إن القضية لم تكن [ ظاهرة ] في أزيد من تعلق شخص الحكم لا يكون له مفهوم وحينئذ قصور القضية عن أن يكون له المفهوم المصطلح إنما


510
هو لقصوره عن مقام تعليق سنخ الحكم على العنوان الخاص لا من جهة قصور العنوان عن إفادة دخل الخصوصية في موضوع الخطاب ، كيف ، ولازمه عدم اقتضاء انتفائه انتفاء شخص الحكم أيضا ، مع أن هذا المقدار عندهم كالنار على المنار ، ولقد أشرنا الى هذا البيان في مقدمة المفاهيم فراجع وتدبر .
511

المقالة الاربعون

اقسام المطلق والمقيد

512

513

[ المقالة الأربعون ]

[ في أقسام المطلق والمقيد ]

بعد ما اتضح شرح الاطلاق والتقييد نقول : إنه إذا ورد مطلق ومقيد .

فتارة يكونان في كلام واحد .

واخرى في كلامين .

فعلى كل تقدير ، تارة يكونان مثبتين .

واخرى نافيين .

وثالثة مختلفين .

وعلى التقديرين الأوليين تارة يقطع [ بوحدة ] المطلوب .

واخرى يحتمل تعدد المطلوب . فهذه الصور ينبغي طي البحث في جميعها .

أما الصورة الاولى من فرضهما في كلام واحد مع كونهما مثبتين مع فرض وحدة المطلوب فيهما . فالظاهر عدم قصور في دليل التقييد ووروده على الاطلاق لكونه بيانا واردا على ظهور المطلق المنوط بعدم بيان على التقييد .

وتوهم أن ظهور القيدية أيضا جاء من قبل حكم العقل بدخل الخصوصية عند عدم قرينة على القائها بوجه من الوجوه ويكفي الاطلاق في لفظه لالقاء هذه الخصوصية فيرتفع التقييد بل وظهور دليله فيه ،

مدفوع بأنه ، ظهور دليل التقييد في الخصوصية منوط بعدم كون ذكر


514
القيد لبيان المرام وفي هذه الجهة لا يصلح الاطلاق لرفعه ، بل وظهور دليل الاطلاق منوط بعدمه فاصالة البيان إذا [ كانت وافية للبيانية كان ] الدليل المزبور واردا على ظهور الاطلاق قهرا . هذا إذا كان من باب وحدة المطلوب .

وأما مع احتمال تعدده فلا شبهة في أن ظهور دليل التقييد في دخل الخصوصية غير مضاد مع اطلاق دليله فلا يصلح للبيانية بالاضافة الى اطلاق دليله الا في فرض ظهور دليل التقييد في دخل الخصوصية بالنسبة الى جميع مراتب الحكم ولكنه يرجع بالأخرة الى عدم تعدد المطلوب بين الاطلاق والتقييد .

نعم يجمع ذلك مع الاحتمال المزبور فيحكم بالتقييد أيضا مثل صورة وحدته .

[ ومما ] ذكرنا ظهر حال النافيين أيضا بجميع شقوقه إذ ما ذكرنا في المثبتين جار في النافيين أيضا لولا دعوى بعد وحدة المطلوب في النافيين ، بل الظاهر من دليلهما انتفاء الحكم عن المطلق والمقيد وفي مثله لا مقتضي للتقييد أصلا .

كما أن الظاهر من دليل المستحبات النفسية أيضا هو تعدد المطلوب ولذا ليس بناؤهم على التقييد في المستحبات فراجع .

وأما في صورة اختلافهما فالظاهر فيه أيضا تقييد الاطلاق بلا مجئ التفصيل المزبور عن فرض وحدة المطلوب وعدمها .

ثم إن ذلك كله عند اتصال القرينة بالكلام . وأما عند انفصاله فالظاهر استقرار ظهور دليل المطلق في اطلاقه لما عرفت من أن الغالب كون المتكلم في مقام بيان مرامه بكلام به التخاطب ومع عدم اقتران هذا الكلام [ بالقرينة ] على التقييد يكفي ذلك المقدار في ظهور دليل المطلق في الاطلاق ولازمه قابلية معارضته مع ظهور دليل المقيد في كلام آخر بلا صلاحية ورود دليل التقييد على الاطلاق فيعامل معهما حينئذ معاملة الظاهرين الوضعيين من الأخذ بأقوى الظهورين ، ولقد أشرنا الى هذه الجهة في مقدمة المرام بنحو ظهر وجه من توهم


515
ورود دليل القيد على المطلق ولو كانا في كلامين ولكن اثبات المقدمة المنتجة لمثل هذه الجهة دونه خرط القتاد .

كما أن توهم مزاحمة قرينة التقييد مع الاطلاق حتى في كلام واحد أيضا مبني على مقدمة لا مجال للالتزام بمثلها . ولذا نقول :

إن مقتضى التحقيق المصير الى التفصيل بين كونهما في كلام واحد فيكون ظهور دليل القيد واردا على الاطلاق أو كونهما في كلامين [ فيكونان ] من باب تعارض الظاهرين المستقرين المستتبع للأخذ بأقواهما إن كان ، وإلا [ فيكونا ] بحكم المجمل كما هو ظاهر لمن تدبر .

وحينئذ فلتميز الاقوائية لم يكن ضابطة كلية [ تكون ] أصلا في المقام بل منوط بخصوصيات المورد بمناسبات مغروسة في الأذهان بنحو يكون نظر الفقيه متبعا فيها . والله العالم بأحكامه .


516

517

خاتمة

في المجمل والمبين

518

519

خاتمة

في

( المجمل والمبين )

والظاهر من كلماتهم تخصيص المجمل بما لا يتضح دلالته قبال المبين . وذلك صحيح في المجملات الذاتية وكذلك العرضية الناشئة عن اتصال الكلام بما يصلح للقرينة . وأما الظواهر التي اريد خلافها بقرينة منفصلة عنه ففي صدق هذا التعريف عليه نظر .

اللهم [ الا ] أن يقال بأن هذه بحكم المجمل لا أنه مجمل حقيقة .

وعلى اي حال في قبال ذلك يعرف حقيقة المبين وان المدار فيه أيضا على ظهور اللفظ بنحو يصدق عليه وضوح الدلالة ولو لم يبلغ الى حد النصوصية [ غير ] المحتمل ارادة خلافه من اللفظ كما لا يخفى .

ثم إن لتميز مصاديق أحدهما عن الآخر يكفيه الوجدان السليم والذوق المستقيم . نعم في بعض المقامات ربما يقع الكلام في ظهور اللفظ في معنى أو عدم ظهوره فيه ، وهذه الجهة أيضا [ لا تكون ] تحت ضبط بل أمر هذه الجهة منوط بتشخيص المجتهد في كل مقام .

فهرست آيات
أوصاني بالصلاة والزكاة 132
كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم 132
لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها 168
وامهات نسائكم 181
وامهات نسائكم181
فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم 207
لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا 316
فهرست اشعار
ما مات من آثاره بعده    =    بين الورى باقية الإسم 25
لما سروا بنعشه والهدى    =    ظلت أسى عيونه تدمى 25
بلوعة أرخته قد دجا    =   بعد ضياء افق العلم 25