فهرست عناوين
مقالات فقهيه

تاليف:

السيد محمود الهاشمى

فهرست عناوين
     الذبح بالمكائن الحديثه 1
     انتساب الذبح لغير الانسان: 1
     الامر الثانى: عدم تحقق التسميه: 2
     الامر الثالث: (عدم تحقق الاستقبال): 4
     اولا، البحث الكبروى: 4
     مناقشه النراقى قدس سره للمشهور: 11
     رد هذه المناقشه: 11
     ثانيا، البحث الصغروى: 14
     الامر الرابع كون آله الذبح حديدا 14
     ايضاح: 16
     ضمان انخفاض قيمه النقد19
الفصل الاول: 21
الفصل الثانى: 30
     الخاتمه: 32
     شمول حكم المفسد فى الارض لغير من شهر السلاح وسلب 32
     الجهه الاولى 33
     1- فى المراد من محاربه اللّه ورسوله: 33
     2- فى المراد من الافساد فى الارض: 34
     3- موضوع الحد فى الايه:ظاهر العطف بين عنوانى 36
     4- فيما قد يستدل به على استفاده تعميم الحكم لكل مفسد 36
     مقدار ما يضمنه الجانى من خسائر المجنى عليه 44
     فى ضمان الجانى زائدا على لديه كاجره 44
     المقام الاول:فيما تقتضيه قواعد الضمان العامه فى هذه 44
     المقام الثانى فيما يستفاد من روايات الديه والارش. ولا شك 47
     مراجعه جديده للبحث:51
     واما المساله الثالثه وهى ضمان الجانى نفقات المرافعه 61
     اصناف الديه السته وما يجب ان يدفع منها اليوم 63
     (الجهه الاولى): 63
     (الجهه الثانيه): 64
     الجهه الثالثه: فيما هو الاصل فى الديه من الاصناف 65
     الجهه الرابعه: فيما يراد من الدرهم والدينار ضمن 71
     تلخيص واستنتاج: 82
     مدى سلطه الحاكم على العفو فى العقوبات 84
     1- عقوبات الحدود التى تكون من حقوق اللّه، كحد 84
     2- عقوبات تكون حقا من حقوق الناس، كالقصاص، 90
     3- فى التعزيرات 92

1

«مقالات فقهيه‏»

السيد محمود الهاشمى

تقديم:

بسمه تعالى

الحمد للّه حمدا يليق بجلاله وآلائه ، والصلاه والسلام على صفوه رسله وخاتم انبيائه، وعلى آله ائمه الهدى خلفائه فى امته وامنائه على شريعته، وبعد: فهذه بحوث فقهيه معمقه كتبها الفقيه المحقق سماحه آيه اللّه السيد محمود الهاشمى (دام ظله)، وهو من ابرز اساتذه الحوزه العلميه فى النجف الاشرف وقم المقدسه وعضو مجلس صيانه الدستور فى الجمهوريه الاسلاميه الايرانيه، وذلك فى اوقات متقاربه، وقد نشر قسم منها فى مجله فقه اهل البيت الصادره عن موسسه دائره معارف الفقه الاسلامى طبقا لمذهب اهل البيت (عليهم-السلام) فى قم المقدسه، وهى تتناول مشكلات ومسائل فقهيه مختلفه يجمعها صفتان: احداهما:العمق فى البحث والافاضه فى الاستدلال والتحليل الفقهى على منهج وطريقه مذهب اهل البيت (عليهم-السلام).والاخرى:انها تبحث فى مشكلات وقضايا فقهيه جديده فرضتها المدنيه الحديثه ولم يستقر الفقهاء على حل او تخريج لها بعد.

ومركز الغدير للدراسات الاسلاميه فى بيروت اذ يسره ان ينشر هذه البحوث -باذن من سماحته- مجموعه فى كتاب، لتعم فائدتها، ويسهل الاطلاع عليها، يامل من اللّه عز وجل ان يوفق سماحته وسائر علمائنا المجتهدين للتوفر على خدمه الشريعه السمحاء، واستنباط الحلول المناسبه منها لقضايا ومشكلات حياتناالمعاصره، واللّه الهادى لكل خير وبه التوفيق.

مركز الغدير للدراسات الاسلاميه بيروت‏غره ربيع الاول 1417ه السيد محمود الهاشمى مقالات فقهيه بحوث استدلاليه فى قضايا فقهيه معاصره الذبح بالمكائن الحديثه.

ضمان انخفاض قيمه النقد.

شمول حكم المفسد فى الارض لغير من شهر السلاح وسلب الامن من سائر انواع الفساد.

مقدار ما يضمنه الجانى من خسائر المجنى عليه.

اصناف الديه السته وما يجب ان يدفع منها فى العصر الحاضر.

مدى سلطه الحاكم على العفو فى العقوبات.

الذبح بالمكائن الحديثه

من الواضح ان البحث ليس عن حكم هذا العنوان بنحو الشبهه الحكميه، بان يتوهم حرمه استخدام الماكنه فى الذبح، وانما المقصود البحث عن مدى تحقق الشرائط المعتبره فى حليه الذبيحه شرعا، فى ما يذبح اليوم بهذه المكائن المتطوره السريعه الذبح، حيث وقع الاشكال فيه من قبل بعض الاعلام.

وما يمكن ان يكون منشا للاشكال احد امور: الامر الاول:

انتساب الذبح لغير الانسان:

فقد يرد الاشكال من ناحيه عدم انتساب الذبح الى الانسان، بل الى الاله، ويشترط فى حليه الذبيحه ان تكون ذبيحه الانسان، بمقتضى قوله تعالى: (حرمت عليكم الميته. الا ما ذكيتم)((1)). الظاهر فى اشتراط ان تكون التذكيه وهى الذبح الشرعى، كما يدل عليه قوله تعالى: (وما ذبح على النصب)((2)) تذكيه الانسان، والذبيحه ذبيحته، لان مقتضى اضافتها الى الانسان، خصوصا مع كونها استثناء عن المنخنقه والموقوذه والمترديه والنطيحه وما اكل السبع، مما يكون زهاق الروح فيه لا بفعل الانسان - سواء كان استثناء عنها جميعا او عن خصوص ما اكل السبع- فانه يدل على ان ذلك ليس حلالا ما لم تصدر التذكيه عن الانسان، ولو بان يدرك الحيوان حيا فيذكيه.

ولعله المراد ايضا بقوله تعالى: (فكلوا مما امسكن عليكم)((3)) الظاهر فى ان يكون امساك الكلب للصيد من جهه تعليمه وارساله -لا لنفسه- فيكون الصيد مستندا اليكم.

وقد دلت على ذلك ايضا جمله من الروايات الداله على انه لا يكفى زهاق روح الحيوان من نفسه او بفعل حيوان آخر -ولو بخروج دمه او قطع مذبحه- ما لم يدركه الانسان فيذكيه((4)).

بل لعل اشتراط كون الذبح، او الصيد، بفعل الانسان ومستندا اليه مما لا يقبل الشك، فان التذكيه لا تكون الا بفعله.

فاذا قيل ان الذبح بالماكنه فعل الاله لا فعل الانسان كان المذبوح بها ميته كالنطيحه والمترديه.

الجواب: يدفع هذا الاشكال بالقول: يكفى فى انتساب فعل، او نتيجته، الى الفاعل المختار الا تتخلل اراده اخرى بين عمله وبين حصول تلك النتيجه، بحيث يكون حصول تلك النتيجه بفعله قهريا وترتبه عليه طبيعيا، وان تاخر عنه زمانا او كان بينه وبين تلك النتيجه وسائط تكوينيه. ومن هنا لا يستشكل احد فى صدق القتل وانتسابه الى الانسان اذا ما قتل شخصا آخر بالاله، فحكم الاله الحديثه المتطوره من هذه الناحيه حكم الاله البسيطه، كالسكين والمديه من حيث صدق عنوان (ذبيحه الانسان) على المذبوح بها، فلا تكون ميته.

ودعوى: التفكيك بين عنوان (القتل وزهاق الروح) وعنوان (الذبح)، بان الاول يكفى فيه مطلق الاله بخلاف الثانى، لان عنوان الذبح يتقوم بفرى الاوداج وامرار السكين على مذبح الحيوان، فلابد فيه من مباشره الانسان ذلك بيده.


2

مدفوعه: بان الذبح ليس الا عباره عن ازهاق روح الحيوان عن طريق قطع مذبحه -وهو الحلقوم- وفرى الاوداج، سواء كان ذلك باله بسيطه كالسكين او بالماكنه والاله المتطوره التى تودى الى النتيجه نفسها، اى تفرى اوداج الحيوان من مذبحه، فيكون الذبح مستندا الى الانسان، وتكون الذبيحه ذبيحته بلا اشكال.

وقد يقال: بانصراف الاطلاق الى الذبح باليد ونحوه، لعدم وجود غيره حين صدور الادله، او يقال: بعدم الاطلاق فى الادله، واحتمال دخل المباشره باليد ونحوه فى التذكيه.

والجواب: اما عن الانصراف، فان غلبه الوجود لا توجب الانصراف على ما حقق فى محله، واما على الثانى، فان الاطلاق ثابت فى كثير من الروايات التى رتبت الحكم على عنوان الذبح او ذبيحه المسلم، بل وفى الايه المباركه (الا ما ذكيتم.) اذا كانت بمعنى ذبحتم.

نعم، لو قيل، بان الماخوذ فى ماده التذكيه او هيئه (ذكيتم) ان يكون ايجاد صفه المذبوحيه والذكاه فى الحيوان بيد الذابح المذكى مباشره وبلا واسطه مهمه كالماكنه، او تسخير حيوان او اراده انسان آخر يذبح بلا اراده حره بل بامر او بسلطه شخص آخر، لم يتم الاطلاق عندئذ.

الا ان استفاده هذا القيد من ماده او هيئه (الا ما ذكيتم) خلاف الاطلاق المتبادر منها.

الامر الثانى: عدم تحقق التسميه:

الاشكال من ناحيه التسميه، بان يقال: ان الذبح بالماكنه يودى الى حصول الفاصل بين ذبح الحيوان وفرى اوداجه الاربعه وبين زمان تشغيل الماكنه او ربط الحيوان بها من قبل الانسان المستخدم للماكنه، فلا تكون تسميته -حين التشغيل او حين ربط الحيوان بها- مجزيه فى التذكيه: 1- اما لان حال هذه التسميه حال تسميه الواقف على الذبيحه التى يذبحها الغير، فكما انه لا تجزى تسميته ما لم يسم الذابح نفسه، فكذلك الحال فى المقام، فيقع الاشكال فى حليه الذبيحه من ناحيه التسميه المعتبره فيها.

2- واما لوجود الفاصل بينها وبين زمان تحقق الذبح وفرى الاوداج.

الجواب: اما عن الاول: فبمنع كون تسميته كتسميه الاجنبى عن الذبح، كيف! وهو الذابح بالاله، ومجرد كونه حين تحقق فرى الاوداج ساكنا لا يجعله اجنبيا عن الذبح بعد ان كان فرى الاله للاوداج بحركته وبسببه وفعله، وقد اشرنا الى ان كون الاله معقده او متطوره لا يمنع عن استناد الفعل الى الانسان، فهو الذابح وتكون تسميته تسميه الذابح، الا ان طريقه الذبح بالاله تكون بتحريك الاله وربط الحيوان بها للذبح، فيشمله اطلاق (فكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه)((5))، لا من جهه كفايه ذكر الاسم -ولو من غير الذابح- ليمنع عنه بظهور الايه فى اراده ذكر الاسم على الذبيحه بما هى ذبيحه تذبح، الظاهر فى ان من يذبح لابد وان يذكر اسم اللّه، وكذلك ظهور الروايات الكثيره فى اشتراط تسميه الذابح، كصحيح محمدبن مسلم((6)) وصحيح سليمان‏بن خالد((7)) وموثق ابن قيس((8)) وموثق الحلبى((9)) وفحوى صحيح محمدبن مسلم((10))، وغيرها من الروايات.

بل من جهه كون المحرك للاله ذابحا بها حقيقه، فيشمله العنوان المذكور فى الايه والروايات.

واما عن الثانى، وهو تحقق الفاصل الزمانى بين زمانى التسميه والذبح، فهذا ما يمكن تلافيه: اولا: بافتراض تكرار الذابح وهو المحرك للاله او الذى يربط الحيوانات بها للذبح للتسميه الى زمان حصول الذبح بها. وثانيا: بان الفاصل الزمانى، اذا كان قصيرا بحيث يعد عرفا بحكم المتصل بزمان الذبح، شمله اطلاق ذكر اسم اللّه فى الايه والروايات.

وثالثا: ان زمان الذبح بكل شى‏ء يكون بحسبه، فاذا كان الذبح باليد فزمانه مثلا زمان وضع السكين على مذبح الحيوان للفرى، واما اذا كان بالاله فزمانه زمان تشغيلها وتوجيهها على الحيوان بحيث يتحقق الذبح ويترتب عليه قهرا.

وان شئت قلت: انه فى المسببات التوليديه ينطبق عنوان المسبب على فعل السبب التوليدى من حينه، وان كان بينهما فاصل زمنى.

او يقال: بان المستظهر من ادله شرطيه التسميه اشتراطها حين الشروع فى الذبح والعمل الاختيارى المستند الى الفاعل المختار، وان فرض تحقق الذبح فى الحيوان بحيث يتصف به فعلا متاخرا عن ذلك زمانا.

وهذا نظير التسميه فى الصيد، حيث يتحقق عنوان الصيد من حين رمى السهم او ارسال الكلب، ولهذا يجب التسميه عنده، وان كانت اصابه الحيوان الذى يراد صيده بالسهم او بالكلب المعلم متاخرا زمانا.


3

بل لعل ظاهر روايات اشتراط التسميه فى الصيد لزوم التسميه عند ارسال الكلب او تسديد السهم ورميه. ومن هنا افتى بعضهم بعدم الاجتزاء بالتسميه بعد ذلك اذا لم يسم حين الارسال عمدا وان كان قبل اصابه الصيد.

ففى صحيح سليمان بن خالد: (سالت ابا عبد اللّه عليه السلام عن كلب المجوسى ياخذه الرجل المسلم فيسمى حين يرسله اياكل مما امسك عليه؟ قال: نعم، لانه مكلب وذكر اسم اللّه عليه)((11)). وظاهر جواب الامام بيان التعليل والضابطه وانطباقها على ما فرضه السائل من التسميه حين الارسال، والذى يكون عاده قبل امساك الكلب للصيد.

وموثق الحلبى عن ابى عبد اللّه عليه السلام (قال: سالته عن الصيد يرميه الرجل بسهم فيصيبه معترضا فيقتله، وقد كان سمى حين رمى ولم تصبه الحديده قال: ان كان السهم الذى اصابه هو الذى قتله فاذا رآه فلياكل)((12)).

واوضح منه دلاله موثقه الاخر (قال: سالت ابا عبد اللّه عليه السلام عن الصيد يصيبه السهم معترضا ولم يصبه بحديده وقد سمى حين رمى، قال: ياكل اذا اصابه وهو يراه. وعن صيد المعراض، قال: ان لم يكن له نبل غيره وكان قد سمى حين رمى فلياكل منه، وان كان له نبل غيره فلا)((13))، لانه قد ورد فيه قيد التسميه حين الرمى فى كلام الامام عليه السلام بخلاف الاول، حيث ورد ذلك فى كلام السائل فيحتاج فيه الى دعوى ظهور الجواب فى امضاء ارتكاز السائل شرطيه التسميه حين الرمى. فلا اشكال من هاتين الناحيتين.

3- وانما الاشكال فى امكان الاكتفاء بتسميه واحده حين تشغيل الماكنه مثلا.

4- بل الاشكال ايضا فى تشخيص من هو الذابح الذى تجب تسميته، اذا افترض وجود عمال عديدين لتشغيل الماكنه.والتحقيق: ان الذابح هو الشخص الذى يتحقق على يده الجزء الاخير من سبب الذبح، فاذا فرض ان الماكنه كانت فى حاله التشغيل، وياخذ العامل الحيوانات ويربطها بها الواحد تلو الاخر، ليذبح اتوماتيكيا، كان الذابح من يقوم بربط الحيوان لا محاله، لانه المحقق للجزء الاخير، ويكون الذبح بعد ذلك بمثابه الفعل التوليدى الصادر منه فيجب التسميه عليه.

وعندئذ يمكن ان يقال: بكفايه التسميه عند ربط كل حيوان بالاله او وضعه على المذبح، لانه شروع فى الذبح بها، ويكفى التسميه عنده، لصدق عنوان (فكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه)((14)). نعم، لو كان ربطه لاجل ان يذبح فيما بعد بالاله لا الان لم يجزى‏ء التسميه عنده.

وقد ينعكس الامر بان يفرض ربط الحيوان بالاله اولا ثم تشغيلها، او يكون المسوول عن تشغيلها شخص آخر غير من يربط الحيوان بها، كما لعله كذلك فى ذبح الدجاج بالماكنه حيث يربط بشريط دائرى ثم يجعل الشريط على الماكنه لتدور بها على المذبح سريعا، ففى مثل ذلك يكون تشغيل الماكنه او وضع الشريط عليها هو الجزء الاخير من السبب، فيكون المسوول والمتصدى لذلك هو الذابح فيجب تسميته. ولو كان بفعل اكثر من واحد كفت تسميه واحد منهم فى صدق ذكر اسم اللّه على الذبيحه، وما تقدم من عدم كفايه تسميه غير الذابح لا يخرج الا ما اذا كانت التسميه من الاجنبى لا المشارك فى الذبح الذى يكون ذابحا ايضا.

وهل يمكن الاكتفاء بتسميه واحده حين تشغيل الماكنه على الشريط، او يجب تكرارها الى حين انتهاء الشريط وذبح جميع الذبائح المربوطه به؟ يمكن تقريب جواز الاكتفاء بالتسميه الواحده بان تشغيل الماكنه على الشريط شروع فى ذبح جميع ما هو مربوط به عرفا، فيصدق على الجميع انه مما ذكر اسم اللّه عليه، وما اهل به للّه.

ويويده كفايه التسميه فى الصيد حين الارسال وعدم الحاجه الى تكرارها حتى اصابه الصيد مهما طال الفاصل بينهما. فاذ قصد الذابح بالاله ذبح جميع ما على الشريط من الدجاج مثلا بحركه تشغيل الاله وذكر اسم اللّه بهذا القصد والنيه، فقد ذكر اسم اللّه عليها جميعا وان كان ترتب الذبح تدريجيا، لان السبب والفعل الاختيارى الصادر من الذابح فى ذبحها جميعها كان بتشغيل الاله لا غير، ويكفى هذا المقدار فى صدق التسميه بمعنى ذكر اسم اللّه عليه، ولا يشترط الذكر حين تحقق فرى الاوداج، وقد طبق هذا العنوان على الصيد وارسال الكلب المعلم الذى يكون التسميه والذكر فيه متقدما زمانا على تحقق امساك الصيد عاده.


4

وعلى هذا، قد يقال فى المقام: بكفايه التسميه حين تشغيل الاله بالنسبه لما ربط بها من الحيوانات من اجل الذبح. بل يمكن ان يقال: بعدم الاجتزاء بالتسميه حين الذبح اذا تركها عمدا حين التشغيل، نظير ما قيل فى الصيد، لان فعل الذبح انما يصدر عنه بذلك، ولا فعل آخر له بعد ذلك لتكون التسميه عنده تسميه عند ذبحه.

الا ان هذا انما يصح فيما اذا كان مجرد تشغيل الاله او ربط الحيوان بها عله تامه لترتب الذبح، بحيث لا يمكنه الحيلوله دونه بايقاف الاله، كما فى الاسباب التوليديه كالالقاء فى النار او رمى السهم للصيد.

واما اذا كان بحيث يمكنه ايقاف العمل والحيلوله دون تحقق الذبح فى مرحله البقاء، فليس الفعل سببا توليديا الا بضم عدم المنع بقاء، فيكون الاستناد فى ذلك الزمان لا قبله، فقد لا تكفى التسميه عند تشغيل الاله فى مثل ذلك اذا كان الفاصل طويلا، بل لابد منها حين تحقق الذبح.

وعلى كل تقدير، فلا اشكال فى الحليه اذا فرض تكرار الذابح بالاله لاسم اللّه تعالى حتى تحقق الذبح بها.

ولا ينبغى توهم الاجتزاء بكتابه اسم اللّه على الاله او وضع مسجله تردد اسم اللّه حين تشغيلها، فانه -مضافا لما تقدم من اشتراط تسميه الانسان الذابح- ان عنوان ذكر اللّه او التسميه متقوم بقصد المعنى والالتفات اليه، ولهذا لو تلفظ به الذابح غير قاصد لمعناه اصلا لم يكن مجزيا، لعدم كونه ذكرا لاسم اللّه، وهذا واضح.

الامر الثالث: (عدم تحقق الاستقبال):

كما انه قد يرد الاشكال من ناحيه الاخلال بشرطيه الاستقبال، حيث يقال: ان المستظهر من الروايات والذى عليه الفتوى فى مذهبنا اشتراط الاستقبال بالذبيحه، بان توجه مقاديمها حين الذبح للقبله او وضعها على الجهه اليمنى او اليسرى الى القبله، وهذا لا يتحقق بالذبح مع المكائن الحديثه عاده.

الجواب: انه لا باس ببحث كبرى هذه الشرطيه اولا، ثم البحث عن كيفيه تطبيقها فى المقام ثانيا.

اولا، البحث الكبروى:

dفنقول: لقد استدل على شرطيه الاستقبال فى الجمله بدليلين: (اولهما) الاجماع بقسميه، كما فى الجواهر وغيره من الكتب.

و(ثانيهما) الاخبار الخاصه.

وقبل البحث عن هذين الدليلين لابد من تشخيص ما هو مقتضى القاعده اذا لم يثبت شى‏ء منهما، فهل هو الحليه او الحرمه؟ ظاهر بعض القدماء، كالسيد المرتضى قدس سره فى الانتصار الثانى، وانه ما لم يثبت دليل على التذكيه فى فرض عدم الاستقبال يحكم بكونه ميته، ويقتصر فى المذكى على المتيقن وهو ما اذا استقبل بذبيحته القبله.

فقد ذكر فى الانتصار (وايضا فان الذكاه حكم شرعى وقد علمنا انه اذا استقبل القبله، وسمى اسم اللّه تعالى يكون مذكيا باتفاق، واذا خالف ذلك لم يتيقن كونه مذكيا، فيجب الاستقبال والتسميه ليكون بيقين مذكيا)((15)). وتابعه على هذا الاستدلال جمله من الفقهاء.

والصحيح هو الاول اى الحكم بالحليه وعدم اشتراط الاستقبال اذا شك فى الدليل على شرطيته.

وذلك لان مقتضى الاصل العملى، وان كان هو استصحاب عدم التذكيه عند الشك فى حصولها - بناء على جريان الاستصحاب فى الشبهه الحكميه وجريان اصاله عدم التذكيه على ما حقق فى محله من علم الاصول- الا ان مقتضى الدليل الاجتهادى حصول التذكيه بغير الاستقبال ايضا اذا تحققت سائر الشرائط المعتبره، وذلك بالرجوع الى عمومات التذكيه فى الكتاب الكريم والروايات.

اما الاطلاق فى الكتاب الكريم فيمكن استفادته من آيات عديده منها: 1- قوله تعالى فى سوره الانعام: (فكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه ان كنتم ب‏اياته مومنين- وما لكم الا تاكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم الا ما اضطررتم اليه وان كثيرا ليضلون باهوائهم بغير علم ان ربك هو اعلم بالمعتدين)((16)).

وتقريب الدلاله: ان الامر بالاكل فى الايه الاولى ارشاد الى الاباحه او حليه الذبيحه وذكاتها، وذلك لمقام توهم الحظر، وبداهه عدم وجوب الاكل، والايه الثانيه قرينه على ذلك ايضا.

ومقتضى اطلاقها كفايه ذكر اسم اللّه فى الحليه والتذكيه، بلا حاجه الى شرط آخر من الاستقبال او طهاره الذابح او غير ذلك، بل الايه الثانيه - بقرينه قوله تعالى فيها: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم)- كالصريحه فى العموم، وان غير ما فصله وحكم بحرمته بالايات الاخرى -وهو الميته والمنخنقه والمترديه ونحوها وما اهل لغير اللّه وما ذبح على النصب- يكون حلالا.


5

لا يقال: ان الايه ليست فى مقام بيان اكثر من شرطيه ذكر اسم اللّه، وان ما لم يذكر عليه اسم اللّه يكون حراما، كما اكد ذلك بعد آيتين بقوله تعالى: (ولا تاكلوا مما لم يذكر اسم اللّه عليه وانه لفسق)((17)) فلا يمكن ان يستفاد منها نفى الشروط الاخرى، ومن هنا لم تذكر فى الايه الشرائط المعتبره فى الذبح، بل لم يذكر فيها اصل الذبح، مع انه لا اشكال فى عدم كفايه مجرد ذكر الاسم فى حليه ما زهقت روحه بغير الذبح كالنطيحه والمترديه او كان الحيوان مما لا يقبل التذكيه اصلا.

فانه يقال: فرق واضح بين الايتين، فتاره يقال: لا تاكلوا مما لم يذكر اسم اللّه عليه فهذا ظاهر فى الشرطيه، واخرى يقال: كلوا مما ذكر اسم اللّه عليه فهذا ظاهر فى ان ما ذكر عليه اسم اللّه حلال مذكى، فيصح التمسك باطلاقه لنفى شرط آخر فى الحليه، خصوصا مع القرينه التى ذكرناها من تفصيل ما حرم عليكم. والايه المذكوره بعد آيتين ايضا قرينه على ان المراد من الامر بالاكل مما ذكر اسم اللّه عليه حليه كل ما يذكر اسم اللّه عليه وجواز اكله، لا مجرد شرطيه ذكر اسم اللّه والا كان تكرارا محضا وركيكا.

نعم، لا اطلاق فى الايه لغير المذبوح والمنحور، لان ذلك مذكور تقديرا، لانصراف عنوان ما ذكر اسم اللّه عليه على المذبوح ونحوه، لان ما ذكر اسم اللّه عليه عنوان مقابل لما كان يصنعه المشركون من الذبح للاصنام والالهه، فاصل الذبح مفروغ عنه فى الكلام، كما ذكره المفسرون، لان ذكر الاسم انما يكون فيه لا فى النطيحه والمترديه والموت حتف الانف.فلا اطلاق فى الايه من هذه الناحيه، كيف! والميته باقسامها المذكوره فى الايات الاخرى من المتيقن والواضح دخولها فيما فصل القرآن تحريمه، والذى اخرجته الايه الثانيه.

كما لا اطلاق فى الايه من ناحيه قابليه المحل -وهو الحيوان- للتذكيه كما اذا شك فى قبول السباع او الحيوان الجلال للتذكيه، لعدم النظر فيها الى الحليه والحرمه النفسيه فى الحيوانات، وانما النظر الى الحليه والحرمه الناشئه من التذكيه والذبح بعد الفراغ عن حليه الحيوان فى نفسه.

وان شئت قلت: ان تلك الحليه او الحرمه تضاف الى الحيوان نفسه بقطع النظر عن ذبحه، بينما هذه الايه ناظره الى حليه الاكل من ناحيه الذبح، ولهذا نجد ذلك فى آيه اخرى، وهى قوله تعالى فى سوره الحج: (واحلت لكم الانعام الا ما يتلى عليكم)((18)).

بل يمكن دعوى عدم اطلاق الايه ايضا بالنسبه للشرائط الماديه المحتمل اعتبارها فى الذبح من حيث هو ذبح، كشروط آله الذبح او مذبح الحيوان، لان كل ذلك مفروض مفروغا عنه فى الايه، وليست الايه بصدد بيانه، وانما هى بصدد بيان ما يشترط زائدا على اصل الذبح -الذى هو فعل تكوينى خاص- من الشروط المعنويه المربوطه بالذبح بما هو نسك كالتسميه او الاستقبال او ان يكون الذابح مسلما او متطهرا ونحو ذلك. وان كان قد وقع التمسك باطلاق الكتاب فى كلمات الاصحاب من كلتا الجهتين، فهذا صاحب الجواهر قدس سره يتمسك فى مساله عدم حرمه الذبيحه بابانه راسها عمدا باطلاق الايات، حيث قال: (وعلى كل حال، فالظاهر عدم حرمه الذبيحه بذلك، كما صرح به كثير، ومنهم جمله من القائلين بالحرمه، بل عن بعض نفى الخلاف فيه، لاطلاق الادله كتابا وسنه)((19)).

وايا ما كان، فالاطلاق فى الايه بالنسبه لما نحن بصدده تام، ولا وجه لدعوى كونها فى مقام البيان من ناحيه شرطيه التسميه فقط، وان المراد الامر بالاكل اذا تحققت سائر شروط التذكيه، فان هذا لازمه ان الامر بالاكل لا يكون ارشادا الى التذكيه والحليه من ناحيتها، وهذا خلاف الظاهر جدا، بل غير محتمل فى نفسه، اذ لا يحتمل التكليف النفسى بالاكل، فاذا كان ارشادا الى الحليه من ناحيه التذكيه، فلا محاله تكون الايه فى مقام البيان من ناحيه الحليه بملاك التذكيه، فيصح التمسك باطلاقها، اذ لا يشترط فى الاطلاق اكثر من هذا المقدار.

نعم، لو كان لسان الخطاب ان التسميه شرط فى حليه الاكل كان غير ناف لوجود شرائط اخرى له الا ان هذا لم يرد فيه، بل الوارد الامر بالاكل الذى هو ارشاد الى الحليه لا الشرطيه، ومقتضى اطلاقه لا محاله نفى دخاله غيره فى الحليه والا لم تكن متحققه بذكر الاسم ولم يكن يجوز الاكل، وهذا نظير قوله تعالى: (فكلوا مما امسكن عليكم)((20)). فى اثبات حصول التذكيه بالامساك مع ذكر اسم اللّه بلا احتياج الى شرط آخر، وقد ورد التمسك به فى صحيح جميل قال: (سالت ابا عبد اللّه عليه السلام عن الرجل يرسل الكلب على الصيد فياخذه ولا يكون معه سكين فيذكيه بها، افيدعه حتى يقتله وياكل منه؟ قال: لا باس. قال اللّه عز وجل: (فكلوا مما امسكن عليكم)((21)).


6

ومما يشهد على صحه التمسك باطلاق الايه فى المقام تمسك الامام عليه السلام فى بعض الروايات بذلك، كروايه الورد «ابى الورد» بن زيد قال: (قلت لابى جعفر عليه السلام: حدثنى حديثا وامله على حتى اكتبه فقال: اين حفظكم يا اهل الكوفه؟ قال: قلت: حتى لا يرده على احد. ما تقول فى مجوسى قال بسم اللّه ثم ذبح؟ فقال: كل. قلت: مسلم ذبح ولم يسم؟ فقال: لا تاكله. ان اللّه يقول: (فكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه) و(ولا تاكلوا مما لم يذكر اسم اللّه عليه)((22)) فقد استدل الامام عليه السلام على نفى شرطيه اسلام الذابح - مع فرض تسميته- باطلاق الامر بالاكل مما ذكر اسم اللّه عليه.

وقد استدل المفيد فى المقنعه((23)) على حليه ذبيحه الكتابى اذا سمى باطلاق الايات، كما استدل العلامه فى المختلف باطلاق الايات لاثبات حليه ما يذبحه كل منتحل للاسلام ولو لم يكن من اهل الحق، كما استدل الشيخ فى الخلاف((24)) باطلاقها لاثبات الحليه والتذكيه اذا قطع راسها بالذبح، كما استدل بها ابن ادريس((25)) -ووافقه العلامه فى المختلف((26))- على عدم حرمه الذبيحه بسلخها قبل بردها او قبل موتها. فراجع كلماتهم ليظهر لك ثبوت الاطلاق فى الكتاب من هذه الناحيه جزما، وان شككنا فيه من ناحيه كيفيه فعل الذبح الخارجى.

2- قوله تعالى فى سوره المائده: (فكلوا مما امسكن عليكم واذكروا اسم اللّه عليه واتقوا اللّه ان اللّه سريع الحساب)((27)).

وهى وان كانت متعرضه بصدرها للصيد لا للذباحه، ولا يشترط فيه الاستقبال جزما، الا انه يمكن دعوى اطلاق قوله تعالى: (واذكروا اسم اللّه عليه) فى الذيل وشموله للصيد ولما يذبح منه اذا ادركه الصياد حيا ولما يذبح ابتداء المبين فى الايه السابقه لها (حرمت عليكم الميته. الا ما ذكيتم)((28)) فالذيل جمله مستقله مطلقه ترجع الى كل ما يراد تذكيته سواء فى ذلك ما يذبح او ما يصاد من دون ادراكه حيا او مع ادراكه حيا.

ولعل القرينه على هذا الاطلاق تاخير ذكره، فانه لو كان النظر الى التسميه فى الصيد خاصه كان المناسب ذكره حين ارسال الجوارح، والذى هو قبل تحقق الامساك منهن عاده، فالحاصل ظاهر هذه الجمله فى ذيل هذه الايه النظر الى مجموع ما بين فى الايتين: الايه الاولى المتعرضه للذبح والايه الثانيه المتعرضه للصيد، وان التذكيه منهما معا يكون بذكر اسم اللّه عليه كل بحسبه وما عداه حرام، فيمكن التمسك باطلاقه لنفى شرطيه الاستقبال زائدا على ذلك، والا كان يلزم ذكره ايضا.

3- قوله تعالى فى سوره البقره: (يا ايها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا للّه ان كنتم اياه تعبدون- انما حرم عليكم الميته والدم ولحم الخنزير وما اهل به لغير اللّه فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه ان اللّه غفور رحيم)((29)).

وجه الدلاله: انها وان ذكرت بالمطابقه حرمه ما اهل به لغير اللّه -اى نودى عليه لغير اللّه- ولكن حيث ذكرت ذلك بادوات الحصر المستفاد من صدر الايه وذيلها ومن السياق والامر باكل الطيبات فى الايه الاولى، فلا محاله يستفاد منها حليه ما عدا ذلك مما لم يذكر، ومنه ما اهل به للّه من الذبائح ولو لم يستقبل به القبله، لانه ليس مما اهل به لغير اللّه ولا الميته ولا لحم الخنزير. وما اهل به لغير اللّه يراد به الذبيحه التى لم يذكر اسم اللّه عليها، اما لانه ما لم يذكر اسم اللّه عليها فقد اهل بها لغير اللّه، او من باب التقييد او القرينه القرآنيه المنفصله على ارادته حيث ورد فى آيه اخرى: ان ما لم يذكر اسم اللّه عليه فسق((30)).

ودعوى: ان الايه ليست فى مقام الحصر الحقيقى، كيف! والا لزم التخصيص الكثير او الاكثر المستهجن.

مدفوعه: بالمنع عن ذلك، لان ما ثبتت حرمته يمكن ان يكون خروجه عن اطلاق الحصر بعنوان كلى كالمسوخ او السباع، بل يحتمل ان ما ثبت حرمته لم يكن محرما بعد عند نزول الايه، وانما شرع تحريمه فيما بعد، او شرع النبى صلى اللّه عليه وآله وسلم ذلك باذن من اللّه سبحانه، فلا خلل فى الاطلاق القرآنى المذكور كما لا يخفى.


7

نعم، قد يقال: بعدم النظر فيها الى ما يتحقق به الذبح، لانه مفروض فيما يهل به، كما ذكرنا فى الايات السابقه.

4- قوله تعالى فى سوره الحج: (ليشهدوا منافع لهم ويذكرا اسم اللّه فى ايام معلومات على ما رزقهم من بهيمه الانعام فكلوا منها واطعموا البائس الفقير)((31)).

واوضح منها قوله تعالى فى السوره نفسها: (والبدن جعلناها لكم من شعائر اللّه لكم فيها خير فاذكروا اسم اللّه عليها صواف فاذا وجبت جنوبها فكلوا منها واطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون)((32)).

وجه الدلاله: انهما دلتا على اشتراط ذكر اسم اللّه على البهيمه، وفرعتا الاكل والاطعام على ذلك، ولم تذكرا الاستقبال، فيكون مقتضى اطلاقهما كفايه التسميه فى حصول التذكيه فيما يذبح من بهيمه الانعام، وعدم اشتراط شى‏ء آخر من القيود المعنويه التعبديه كالاستقبال.

وقد يناقش فى الاستدلال بالاولى منهما: بانها اجنبيه عن المقام، اذ الظاهر -او المحتمل على الاقل- ان يكون المراد من ذكر اسم اللّه فى ايام معدودات ذكر اللّه فى ايام منى، ويكون حينئذ المراد بقوله تعالى: (على ما رزقهم من بهيمه الانعام) المقابله، اى يكون ذكر اللّه فى مقابل ما رزقهم من الانعام فى تلك الايام، فلا ربط لها بالتسميه على الذبح.وفيه: انه خلاف الظاهر جدا، ولذلك لم يشر اليه اكثر المفسرين للايه، بل فسروها بذكر اسم اللّه على الذبيحه وارسلوا ذلك ارسال المسلم، والوجه فى ذلك -مضافا الى ان الذكر لاسم اللّه غير ذكر اللّه، فلو كان المقصود ما قيل كان ينبغى ان يقال: فاذكروا اللّه، كما ورد فى قوله تعالى: (واذكروا اللّه كذكركم آباءكم او اشد ذكرا)((33)) وقوله تعالى: (ويذكروا اسم اللّه فى ايام معلومات) ((34)) وغيرهما من الايات، بخلاف ذكر الاسم، فانه يناسب الاهلال والافتتاح، ومضافا الى ان الذكر لا يناسب ان يكون فى قبال شى‏ء، وعليه فلا يقال ذكر اللّه على ما اعطاه، وانما يقال شكره او حمده على ما اعطاه- ان سياق هذه الايات وما ورد بعد هذه الايه من قوله تعالى: (ولكل امه جعلنا منسكا ليذكروا اسم اللّه على ما رزقهم من بهيمه الانعام)((35)) والايه الثانيه قرينه قاطعه على ان النظر الى ذكر الاسم على الذبيحه.

وقد يناقش فى الاستدلال بالايتين معا: تاره: بما نسب الى الزمخشرى من ان الامر بذكر الاسم كنايه عن الذبح فكانه قيل فاذبحوها واطعموا البائس الفقير، فلا يكون النظر فيها الى التسميه نفسها واشتراطها فى التذكيه، فضلا عن غيرها من الشروط.

وفيه: ان الايات صريحه فى النظر الى حيثيه ذكر الاسم والعنايه به لا الذبح، وفى الكنايه تكون العنايه للمكنى عنه لا المكنى به. نعم، يستفاد بالملازمه من الامر بذكر الاسم فى مقام الذبح الامر بالذبح ايضا لمن ساق معه البدن، لا ان الامر بذكر الاسم كنايه عنه، ولعل هذا مقصود الزمخشرى ايضا.

واخرى: بان هذه الايات وان كانت ناظره الى حيثيه ذكر الاسم فى مقام الذبح، ولهذا يفهم منه اشتراط التسميه فى التذكيه، الا ان ذلك ورد فيها بعنوان انه منسك وشعار للمسلمين فى قبال الكفار ولو فى مقام الذبح بمنى فى الحج، كما فى قوله تعالى: (ولكل امه جعلنا منسكا ليذكروا اسم اللّه على ما رزقهم من بهيمه الانعام)، فيكون الامر بذكر الاسم فيها امرا باقامه هذا الشعار، لا لبيان ما تتحقق به التذكيه، وان كان يفهم منه بالالتزام شرطيه التسميه فى الذبح الا ان هذه دلاله التزاميه وليست الايه فى مقام بيانها ليتمسك باطلاقها لنفى شرطيه شرط آخر فى التذكيه.

وفيه: ان هذا، ان صح فى الايه الاولى، فلا يصح فى الثانيه، لانها ناظره الى حيثيه حليه اللحم وما يتوقف على جواز اكله واطعامه، بقرينه ما فيها من الترتيب والتفريع، وانه لا بد من ذكر الاسم عليها وهى صواف، فاذا وجبت جنوبها اكل منها واطعم، وهذا ظاهر فى التصدى لبيان ما تتوقف عليه حليه اللحم، فاذا سكت عن غير التسميه دل ذلك على عدم اشتراطه فيها، خصوصا وان الاستقبال لو كان واجبا فهو ايضا كالتسميه شعار آخر فى قبال الكفار كان ينبغى ذكره، بل لعل صدر الايه الثانيه يدل على ان الشعار الاضحيه نفسها وتقديم البدن، واما ذكر الاسم على البهيمه فهو مربوط بحليتها وجواز اكلها والاطعام، كما ان الايه الثلاثين من هذه الايات (ذلك ومن يعظم حرمات اللّه فهو خير له عند ربه واحلت لكم الانعام الا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس.)((36)) ظاهر. فى النظر الى حيثيه الحرمه والحليه فى اللحم.


8

وثالثه: بان حيثيه التذكيه وحليه اللحم حيث انه لم يتعرض لها مستقلا بل عرضا وضمنا، فلا يمكن اجراء الاطلاق ومقدمات الحكمه فيها لنفى وجود شرط آخر غير التسميه بمجرد السكوت عن ذكرها.

وفيه: انه لا يشترط فى تماميه مقدمات الحكمه اكثر من اصل التعرض والتصدى لبيان حيثيه، سواء كان ذلك مستقلا او فى ضمن جهات اخرى، كما اذا تعرض خطاب لبيان حكمين او اكثر.

وان شئت قلت: ان جمله (فاذكروا اسم اللّه عليها صواف فاذا وجبت جنوبها فكلوا.) فى مقام بيان ما تتوقف عليه حليه اللحم، وسائر الجمل فى مقام بيان المناسك والشعائر فى الحج، وكل منهما مستقل عن الاخر، وانما جمع بينهما لابتلاء المكلف بهما معا فى الحج.

ورابعه: بان الايه اساسا ليست فى مقام بيان اكثر من شرطيه التسميه دون سائر الشرائط فانها حيثيات اخرى مسكوت عنها.

وهذا اشكال عام فى هذه الايه وغيرها، وله جواب عام اشرنا اليه اجمالا فى ما سبق، وتفصيله: ان الخطاب لو كان بلسان الاخبار عن الشرطيه كما اذا قال: (التسميه شرط فى حليه الذبيحه)، او بلسان النهى عن اكل ما لم يذكر اسم اللّه عليه، فمن الواضح ان هذا لا ينافى ثبوت الف شرط آخر، الا ان هذا اللسان لم يرد هنا، وانما الوارد لسان الامر بالاكل او الاطعام الدال على الحليه ارشادا او بالملازمه، وحمل ذلك على النهى او الشرطيه خلاف ظاهر الامر جدا، وانما ظاهر الامر بالاكل او الاطعام حليه الذبيحه فعلا، فاذا علق ذلك على ذكر الاسم كان مفاد الايه حليه الذبيحه اذا ذكر اسم اللّه عليها، فكانه قال: اذا ذكر اسم اللّه عليها ووجبت جنوبها حل اكلها واطعامها، فيتم الاطلاق فيه عندئذ لنفى دخل قيد وشرط آخر فى ثبوت تلك الحليه وجواز الاكل، اذ ثبوت شرط آخر يستلزم اما تقييد اطلاق ترتب الحليه وجواز الاكل على التسميه بقيد من قبيل اذا تحققت سائر الشروط، او حمل الامر بالاكل والحليه على الحكم الحيثى لا الفعلى الحقيقى، وكلاهما خلاف الظاهر، اذ الاول خلاف اطلاق الترتب والتفريع، والثانى خلاف ظاهر ما يدل على الحكم وهو الامر، فان ظاهره الحليه الحقيقيه الفعليه، لا الحيثيه ومن ناحيه ذلك الشرط فقط، فانها ليست حليه حقيقيه لا جعلا ولا مجعولا، اذ الحكم لا ينحل ولا جعلا ولا مجعولا، اذ الحكم لا ينحل ولا يتعدد بتعدد قيود موضوعه.

نعم، لو كانت هناك حليتان مستقلتان جعلا وموضوعا، كالحليه من ناحيه التذكيه والحليه من ناحيه الطهاره لم يكن الاطلاق من ناحيه احداهما نافيا للاخرى، وبهذا ظهر الفرق بين المقام وبين ما هو المقرر من عدم الاطلاق فى قوله تعالى: (فكلوا مما امسكن عليكم) لنفى نجاسه موضع الامساك والحليه من ناحيتها.

5- قوله تعالى فى سوره الانعام: (قل لا اجد فى ما اوحى الى محرما على طاعم يطعمه الا ان يكون ميته او دما مسفوحا او لحم خنزير فانه رجس او فسقا اهل لغير اللّه به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فان ربك غفور رحيم)((37)).

6- وقوله تعالى فى سوره النحل: (فكلوا مما رزقكم اللّه حلالا طيبا واشكروا نعمه اللّه ان كنتم اياه تعبدون- ×انما حرم عليكم الميته والدم ولحم الخنزير وما اهل لغير اللّه به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فان اللّه غفور رحيم)((38)).

وهما كالايه المتقدمه من سوره البقره، فان هذه الايات الثلاث بمضمون واحد والفاظ واحده، وهى ظاهره فى الحصر، بل آيه الانعام صريحه فيه، لان عدم وجدان النبى للمحرم فى ما اوحى اليه مساوق لعدم وجوده، فتكون دلاله هذه الايات على عدم حرمه غير العناوين المذكوره فيها -ومنها ما ذبح واهل به للّه من الذبائح من غير استقبال للقبله- تامه. ودعوى لزوم تخصيص الاكثر قد عرفت جوابه.

هذا مضافا الى تمسك الفقهاء بهذه الايات وما فيها من الحصر، خصوصا آيه الانعام لاثبات حليه الاطعمه المحلله كثيرا، بل ورد ذلك فى جمله من الروايات الصحيحه، منها صحيح محمدبن مسلم((39)) المنقول فى العلل والتهذيب، مع شى‏ء من الاختلاف.

ويظهر من عده روايات ان جمله مما حرم بعد ذلك كان بنهى النبى صلى اللّه عليه وآله وسلم وتحريمه فلعله من تشريعاته، فلا ينافى دلاله الايه على الحصر، لان تشريع النبى صلى اللّه عليه وآله وسلم بعدها بمثابه الناسخ لتلك الحليه الثابته اولا بمقتضى الايه كما لا يخفى، فالاطلاق فى الايات تام فى نفسه.


9

واما الاطلاق فى الروايات فيمكن استفادته من عده طوائف منها: 1- معتبره محمد بن قيس عن ابى جعفر عليه السلام: (قال: قال امير المومنين عليه السلام: ذبيحه من دان بكلمه الاسلام وصام وصلى لكم حلال اذا ذكر اسم اللّه تعالى عليه)((40)).

فانها لم تشترط فى الذبح وحليه الذبيحه غير اسلام الذابح وذكر اسم اللّه تعالى عليه، فلو كان يجب ايضا الاستقبال مطلقا او فى صوره العلم والعمد للزم ذكره، فيدل السكوت عنه مع كونها فى مقام البيان على عدم الاشتراط.

ودعوى: ان الروايه ليست فى مقام البيان من هذه الناحيه، لكونها ناظره الى حيثيه اسلام الذابح فقط.

مدفوعه: بان نظر الروايه الى حيثيه اسلام الذابح لا ينافى اطلاقها من ناحيه سائر الشروط اذا كان فى مقام البيان من ناحيتها ايضا، وفى المقام بقرينه ذيل الروايه حيث تعرض لشرطيه التسميه يفهم انها ارادت ان تعط‏ى الكبرى الكليه للذبيحه المحلله لنا، فكانها قالت كلما كان الذابح مسلما وذكر اسم اللّه تعالى على الذبيحه فهى حلال، ومثل هذه الجمله لا اشكال فى اطلاقها.

نعم، لا تكون الروايه ناظره الى شرائط عمل الذبح وما به يتحقق، كما تقدم نظيره فى الايات الشريفه السابقه، لان تلك حيثيه اخرى لا نظر اليها، بل تحقق الذبح مفروغ عنه.

2- الروايات الوارده فى حليه ذبيحه المراه والغلام، كصحيح سليمان بن خالد قال: (سالت ابا عبد اللّه عليه السلام عن ذبيحه الغلام والمراه هل توكل؟ فقال: اذا كانت المراه مسلمه فذكرت اسم اللّه على ذبيحتها حلت ذبيحتها وكذلك الغلام اذا قوى على الذبيحه فذكر اسم اللّه وذلك اذا خيف فوت الذبيحه ولم يوجد من يذبح غيرهما)((41)).

وصحيح عمر بن اذينه عن غير واحد رواه عنهما عليهما السلام: (ان ذبيحه المراه، اذا اجادت الذبح وسمت فلا باس باكله، وكذلك الصبى، وكذلك الاعمى اذا سدد)((42)).

وصحيح محمد بن مسلم عن ابى عبد اللّه عليه السلام فى حديث: (انه ساله عن ذبيحه المراه فقال: اذا كان نساء ليس معهن رجل فلتذبح اعقلهن ولتذكر اسم اللّه عليه)((43)).

وروايه مسعده بن صدقه عن ابى عبد اللّه عليه السلام فى حديث: (انه سئل عن ذبيحه المراه فقال: اذا كانت مسلمه فذكرت اسم اللّه عليها فكل)((44)).

وروايته الاخرى فى الغلام: (اذا قوى على الذبح وكان يحسن ان يذبح وذكر اسم اللّه عليها فكل)((45)).

وروايه ابن سنان عن ابى عبد اللّه عليه السلام قال: (سالت عن ذبيحه المراه والغلام هل توكل؟ قال: نعم، اذا كانت المراه مسلمه وذكرت اسم اللّه حلت ذبيحتها واذا كان الغلام قويا على الذبح وذكر اسم اللّه حلت ذبيحته)((46)).

والسوال، فى هذه الروايات، وان كان عن شرطيه البلوغ والرجوله، الا ان جواب الامام عليه السلام فيه تعرض للكبرى وما يعتبر فى الذابح والذبح -بقطع النظر عما يتحقق به فعل الذبح خارجا-، بقرينه ذكر التسميه واسلام الذابح ونحو ذلك، فينعقد فيه اطلاق يمكن الاستناد اليه فى نفى شرطيه شرط آخر كالاستقبال، والا كان يذكره ايضا.

3- بعض الروايات الوارده فى ذبائح اهل الكتاب والتى تنهى عنه معلله بان الذبيحه بالاسم ولا يومن عليها الا مسلم واهل التوحيد، ففى صحيح الحسين‏بن المنذر قال: (قلت لابى عبد اللّه عليه السلام: انا قوم نختلف الى الجبل والطريق بعيد بيننا وبين الجبل فراسخ، فنشترى القطيع والاثنين والثلاثه ويكون فى القطيع الف وخمسمائه شاه والف وستمائه شاه والف وسبعمائه شاه، فتقع الشاه والاثنان والثلاثه، فنسال الرعاه الذين يجيئون بها عن اديانهم، قال: فيقولون: نصارى، قال: فقلت: اى شى‏ء قولك فى ذبائح اليهود والنصارى؟ فقال: يا حسين الذبيحه بالاسم، ولا يومن عليها الا اهل التوحيد)((47)).

فقد جعل الميزان فى حليه الذبيحه بالاسم، اى التسميه، وان اسلام الذابح انما يشترط لكى يحرز به ذلك، حيث لا يومن عليه لو كان الذابح غير مسلم، اما لعدم ذكره وتسميته اصلا، او لانه حتى اذا سمى فهو غير قاصد لمعناه حقيقه.

والمستفاد من هذه الايه وغيرها ان شرطيه اسلام الذابح ليس فى عرض سائر الشروط وانما فى طولها، اى لاجل احراز التسميه التامه فلو احرز صدورها من الكتابى كان مذكى، وبه يقيد اطلاق ما دل على شرطيه اسلام الذابح، وهذا بحث آخر لا ندخل فيه فعلا.


10

وعندئذ يقال: ان مقتضى اطلاق ذلك عدم اشتراط شى‏ء آخر غير التسميه وما يحرزها، وهو اسلام الذابح زائدا على اصل الذبح بخصوصياته الراجعه الى تحقق الذبح، فلو كان الاستقبال شرطا ايضا كان ينبغى ذكره، خصوصا وان النصرانى واليهودى لا يذبح الى الكعبه يقينا حتى اذا سمى، بل التعبير بان الذبيحه بالاسم يفيد الحصر وعدم وجود شرط آخر فيه عدا ما يرتبط بالذبح كما اشرنا.

وقد يقال: بان شرطيه الاستقبال حيث انها خاصه بصوره العلم والعمد على ما سياتى، فلا يقدح عدمه من الجاهل حتى بالشبهه الحكميه كغير الشيعى واهل الكتاب، وحيث ان السوال فى هذه الروايات قد وقع عن ذبائحهم وهم جاهلون بذلك فلا يكون سكوت الروايه عن ذكر هذه الشرطيه دليلا على عدمها لتحقق الشرط فى حقهم وهو عدم التعمد، وهذا بخلاف الادله الاخرى المتعرضه لبيان شرائط التذكيه فى نفسها فى حق المسلم.

والجواب: ان هذا الاشكال قابل للدفع بان مساق هذه الروايات ايضا مساق غيرها من الروايات الظاهره فى التعرض لبيان شرائط التذكيه والسوال عن اشتراط اسلام الذابح وعدمه غايه الامر قد صيغ ذلك بفرض السوال عن ذبيحه النصرانى واليهودى، فيكون الاقتصار على شرطيه التسميه، بل حصر المطلب فيها دالا على نفى غيرها. وان شئت قلت: ان السوال والجواب فى هذه الروايات محمول ايضا على القضيه الحقيقيه لا الخارجيه، وبنحو القضيه الحقيقيه يمكن فرض تعمد مخالفه القبله حتى من اهل الكتاب، فلو كان شرطا كان ينبغى ذكره.

وهكذا يتضح ان مقتضى اطلاق الادله الاوليه كتابا وسنه نفى هذه الشرطيه فيكون هو المرجع عند الشك وعدم ثبوت دليل عليها مطلقا او فى حاله معينه. وينبغى حينئذ على مدعى الشرطيه اقامه الدليل، وقد ذكرنا انهم استدلوا على ذلك بالاجماع وبجمله من الروايات.

اما الاجماع: والذى جعله فى المستند هو العمده ففيه -مضافا الى انه فى مثل هذه المساله التى تتوفر فيها روايات عديده تامر بالاستقبال بالذبيحه لا يكون تعبديا، خصوصا اذا لاحظنا ان عبارات الفقهاء فى كتبهم هى تعبيرات الروايات نفسها- ان اصل حصول الاجماع غير ثابت، وانما الثابت عدم التصريح بالخلاف من قبل احد.

بل نلاحظ ان الشيخ المفيد فى المقنعه((48)) يذكر الاستقبال فى سياق عدم قطع راس الذبيحه قبل البرد ونحو ذلك مما لا يكون شرطا فى التذكيه، بل المشهور عدم حرمته، وانما هو ادب من آداب الذبح، فلعله كان يرى ان هذا ايضا من آدابه، او انه امر تكليفى وليس شرطا فى الحليه. كما ان الشيخ قدس سره لم يذكر الاستقبال اصلا فى مبسوطه ولا فى خلافه، مع انه الفه لبيان ما يخالف فيه مع الجمهور، وانما ذكره فى النهايه بعنوان وينبغى ان يستقبل بذبيحته القبله المشعر بعدم الوجوب، وان كان قد ذيله بعد ذلك بانه (فمن لم يستقبل بها القبله متعمدا لم يجز اكل ذبيحته)((49)).

كما ان عبارات السيد المرتضى قدس سره فى الانتصار((50)) ظاهرها عدم الاجماع فى المساله، لانه استدل على ذلك بالاصل والقاعده.

وايا ما كان فتحصيل اجماع تعبدى على شرطيه الاستقبال فى التذكيه وحليه الذبيحه من مثل هذه التعبيرات مشكل ايضا.واما الروايات الخاصه: فهى العمده والمهم فى الاستدلال على شرطيه الاستقبال، وهى على ثلاث طوائف: طائفه: تامر بالاستقبال بالذبيحه الى القبله مطلقا، كصحيح محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام (قال: سالته عن الذبيحه فقال: استقبل بذبيحتك القبله). ومثله صحيحه الاخر: (اذا اردت ان تذبح فاستقبل بذبيحتك القبله)((51)).

وهناك روايتان معتبرتان ايضا دلتا على المضمون نفسه، هما صحيح الحلبى((52)) وموثق معاويه بن عمار((53)). الا انهما واردتان فى الاضحيه والذبح بمنى، فيحتمل فيهما ان يكون ذلك من آداب الاضحيه او شرائطها.

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

الصفحة التالية

وطائفه اخرى من الروايات: تقيد ذلك بصوره العمد وتنفى الباس عن اكل ذبيحه لم يستقبل بها القبله اذا لم يكن عن عمد، كصحيح محمد بن مسلم ايضا (قال: سالت ابا عبد اللّه عليه السلام عن ذبيحه ذبحت لغير القبله فقال: كل ولا باس بذلك ما لم يتعمده)((54)). ومثله صحيح الحلبى ومعتبره على بن جعفر فى كتابه((55)).

وطائفه ثالثه: جمع فيها الامر والنهى معا، وهى صحيح محمد بن مسلم (قال: سالت ابا جعفر عليه السلام عن رجل ذبح ذبيحه فجهل ان يوجهها الى القبله قال: كل منها. فقلت له: فانه لم يوجهها؟ قال: فلا تاكل منها، ولا تاكل من ذبيحه ما لم يذكر اسم اللّه عليها)((56)).


11

والمشهور قيدوا اطلاق الطائفه الاولى بالثانيه، وحملوا الروايه الثالثه على ان المراد بالنهى فيها صوره عدم توجيه الذبيحه الى القبله عمدا، بينما المراد بالاباحه والامر بالاكل فى صدرها صوره الجهل، كما هو فرض السائل فيها. فتكون النتيجه اشتراط الاستقبال فى صوره العلم وامكان الاستقبال، فلو جهل بالقبله او جهل بالشرطيه او كان لا يمكن ذلك ولو من جهه خوف موت الذبيحه لم يقدح فى التذكيه، لعدم تحقق العمد فى تمام هذه الموارد، والمدار على صدقه بمقتضى الجمع بين الروايات المذكوره.

مناقشه النراقى قدس سره للمشهور:

وقد ناقش فى الاستدلال بالروايات على شرطيه الاستقبال المحقق النراقى((57)): بان مفادها غير ظاهر فى ذلك، اذ الامر بالاستقبال فى مثل قوله عليه السلام: (استقبل بذبيحتك القبله)، وكذلك نفى الباس فى قوله عليه السلام فى صحيح الحلبى (لا باس اذا لم يتعمد) يناسب التكليف النفسى بانه يجب الاستقبال حين الذبح فى نفسه من دون ان يلزم من عدمه حرمه الذبيحه وصيرورتها ميته. وما ورد فى صحيح محمد بن مسلم من قوله عليه السلام (كل ولا باس بذلك ما لم يتعمده) مجمل من هذه الناحيه، لان اسم الاشاره اذا كان راجعا الى الذبح لغير القبله لا الى الذبيحه كان ظاهرا فى نفى الباس تكليفا مع عدم التعمد، ومفهومه ثبوته كذلك مع التعمد.

رد هذه المناقشه:

وقد يناقش فيما افاده هذا المحقق: اولا: ان الامر فى مثل هذه الموارد ارشاد الى الشرطيه لا التكليف النفسى، لاستبعاده فى نفسه عرفا ومتشرعيا، ولان المهم فى باب الذبيحه والذى ينصرف النظر اليه ارتكازا انما هو حكم اكل الذبيحه وتذكيتها، فاذا امر بشى‏ء فيها كان ظاهره ان ذلك الغرض المهم لا يتحقق الا بما امر به، نظير حمل الامر بالغسل مره او مرتين على الارشاد الى ان التطهير لا يتحقق الا بذلك لا الوجوب النفسى. الا ان هذا النقاش انما يتجه اذا فرض عدم تناسب الموضوع المنهى عنه مع التكليف او الاداب التكليفيه، وهو ممنوع فى المقام، اذ لا اشكال ان للذبح آدابا تكليفيه كالنهى عن ايذاء الحيوان والامر بكون الشفره حاده والامر بسقيه قبل الذبح، فليكن منها الاستقبال للقبله.

وثانيا: وجود قرائن فى السنه الروايات تجعلها كالصريح فى النظر الى حكم الذبيحه لا فعل الذبح، منها ورود السوال عن الذبيحه حيث قيل فى اكثرها (سالت عن الذبيحه تذبح لغير القبله) مما يدل على ان النظر الى حكم الذبيحه لا حكم الذبح تكليفا.

ومنها ورود الامر بالاكل فى جواب الامام فى اكثرها مما يعنى ان النظر الى حليه الذبيحه لا الحكم التكليفى للاستقبال. وما ذكره المحقق النراقى قدس سره من احتمال رجوع اسم الاشاره الى الذبح خلاف الظاهر جدا، لان لازمه ان ذيل جواب الامام اجنبى عن صدره، وان المراد من الامر بالاكل حليه الذبيحه، بينما المراد من نفى الباس عن ذلك جواز فعل الذبح لغير القبله فى نفسه، وهذا ليس عرفيا، اذ العرف يرى ان الجملتين فى قوله عليه السلام (كل، ولا باس بذلك) لبيان مطلب واحد وان الثانى تعليل للاول، لا مطلبان مستقلان احدهما غير الاخر.

وفى صحيح على بن جعفر ورد الامر بالاكل بعد التعبير بنفى الباس. وفى صحيح محمد بن مسلم الاخر ورد التصريح بالنهى عن الاكل.

ومنها التعبير بقوله عليه السلام (اذا لم يتعمد) او (ما لم يتعمد) فانه ايضا يناسب النظر الى حكم الذبيحه لا فعل الذبح، اذ لو كان النظر الى فعل الذبح لغير القبله وحرمته تكليفا كان ما فيه باس قد وقع، غايه الامر قد يكون معذورا مع عدم العمد، فلا يناسب التعبير عنه ب-(لا باس اذا لم يتعمد)، كما يظهر بملاحظه ادله المحرمات النفسيه التكليفيه. وان شئت قلت: ان هذا القيد يناسب النظر الى ما يترتب على الفعل من الاثار والنتائج الوضعيه الاخرى لا حكم الفعل نفسه، الذى فرض وقوعه كذلك.

وثالثا: لو سلمنا اجمال الروايات الوارده فى الاستقبال مع ذلك كانت النتيجه حرمه اكل الذبيحه التى لم يستقبل بها القبله، وذلك لتشكل علم اجمالى اما بحرمه اكلها لكونها غير مذكاه -بناء على استفاده الشرطيه- او حرمه عمل الذبح الى غير القبله -بناء على النفسيه- وهذا علم اجمالى منجز يوجب الاحتياط باجتناب طرفيه، بل تكفى اصاله عدم التذكيه حينئذ لاثبات الحرمه، بناء على ما هو الصحيح من جريانها لاثبات الحرمه والمانعيه وان قلنا بعدم جريانها لاثبات النجاسه.


12

ولا يتوهم محكوميتها للعمومات المتقدمه، اذ المفروض اجمالها باجمال المخصص لها، وهو الروايات المذكوره، لان تلك العمومات كما تنفى الوجوب الشرط‏ى للاستقبال حين الذبح كذلك تنفى -ولو باطلاق مقامى فيها- الوجوب النفسى التكليفى له، والا لكان ينبغى ذكره، لانه تكليف تعبدى يغفل عنه العرف، فيكون المقام من موارد اجمال المخصص ودورانه بين المتباينين، الذى يسرى اجماله الى العام اذا كان متصلا به، ويوجب تعارض اطلاقيه اذا كان منفصلا. وعلى كلا التقديرين لا يصح الرجوع الى العام لنفى شرطيه الاستقبال فى حليه الذبيحه، كما هو مقرر فى سائر موارد المخصص للمجمل الدائر بين المتباينين.

نعم، لا يتم الاطلاق المقامى فى بعض الايات من قبيل قوله تعالى: (قل لا اجد فيما اوحى الى)((58)).

وهكذا يتضح ان ما استشكل به المحقق النراقى قدس سره على المشهور قابل للدفع.

مناقشه المشهور: واما ما صنعه المشهور فى فهم الروايات -حيث فسروا العمد فيها بما يقابل السهو وما يقابل الجهل ولو بالحكم ولو عن تقصير- فهذا خلاف الظاهر ومغاير مع ما مشوا عليه فى سائر الابواب، اذ العمد معناه القصد، والعمد الى فعل لا يتوقف على العلم بحكمه، فلو قصد الاكل -مثلا- كان متعمدا سواء علم بحرمته ام لا، ومن قصد الذبح لغير القبله كان متعمدا سواء علم بشرطيه الاستقبال ام لا. نعم، الجاهل بالموضوع، اى بعنوان الفعل لا يكون متعمدا، لان القصد والعمد الى فعل فرع الالتفات والعلم او الاحتمال له على الاقل، كما ان الماخوذ لو كان عنوان تعمد مخالفه السنه او المعصيه لم يصدق مع الجهل بالحكم، لان عنوان المخالفه والمعصيه يكون مجهولا عندئذ، فيكون من الجهل بالموضوع، الا ان العمد اضيف فى هذه الروايات الى الذبح لغير القبله نفسه. نعم، ورد فى مرسله الدعائم عنوان مخالفه السنه على ما سنشير اليه.

وهذا يعنى ان مقتضى الصناعه تقييد الطائفه الاولى بالثانيه التى ورد فيها ان الباس ثابت فى صوره العمد، ويراد به صوره القصد الى الفعل وهو الذبح لغير القبله، سواء علم بحكمه ام لا.

الا ان هذا على خلاف ما هو المسلم من حليه ذبائح المسلمين من سائر المذاهب مع صدق العمد الى الفعل فى حقهم، بل وعلى خلاف صحيحه محمدبن مسلم الاخيره فانها صريحه بصدرها فى جواز الاكل مع الجهل بالحكم، لان السوال فيها عن حكم الجاهل بالحكم لا بالموضوع، حيث ذكر (فجهل ان يوجهها الى القبله)، ولم يقل (وجهل القبله).

وما صنعه المشهور فى تفسيرها من حمل صدرها على صوره عدم العمد وذيلها على صوره العمد واضح البطلان، اذ مضافا الى ما تقدم من ان الجهل بالحكم لا يرفع العمد، صريح الروايه ان الفقرتين فيهما تسال عن فرضيه واحده لا فرضيتين.

وعليه، فلو حملنا ذيلها على النهى عن الاكل لا الاخبار كان المتعين حمله على الكراهه والتنزه، لان الامر بالاكل فى صدرها صريح فى الحليه، بينما النهى ظاهر فى الحرمه، فيحمل على التنزه لا محاله، فيكون مفاد الصحيحه الكراهه وعدم الحرمه، وعندئذ لا بد اما من تقييد روايات الطائفه الاولى والثانيه بصوره العلم بالحكم، او حمل الامر فيها على الاستحباب.

ونحن لو لم نقل بتعين النحو الثانى للجمع اما لاستحاله التقييد بذلك، لانه يلزم اخذ العلم بالحكم فى موضوعه، او لاستبعاده فى نفسه وعدم عرفيته، او لانه يوجب الغاء عنوان العمد واراده العلم منه، وهو ليس من التقييد بل مخالفه لظهور وضعى فلا اقل من تساوى الاحتمالين من حيث الموونه العرفيه، بحيث لا مرجح لاحدهما على الاخر فيكون مجملا.

هذا، ويمكن ان يقال: ان عنوان تعمد الذبح لغير القبله يساوق عرفا التعمد لحيثيه الذبح لغير القبله، وذلك بان يكون الذابح قاصدا مجانبه القبله فى الذبح، نظير ما ورد فى مساله خلود من قتل مومنا متعمدا فى النار من ان المراد منه من تعمد قتله بما هو مومن لحيثيه ايمانه.

وان شئت قلت: ان عنوان العمد قد يضاف الى ذات المقيد بقيد، وقد يضاف الى المقيد بما هو مقيد، اى الى حيثيه التقيد، وتشخيص ذلك يكون بالقرائن والمناسبات.

وفى المقام الظاهر هو الثانى، فليس المقصود اضافه العمد الى ذات الذبح لغير القبله، بل المقصود من يتعمد مجانبه القبله فى الذبح بان يتقصد ان لا يذبح اليها، بل يذبح الى غيرها، وهذا لا يكون الا ممن فى قلبه مرض كالكفار والمنافقين، اى من ليس بمسلم لبا وواقعا، كالكفار الذين يتعمدون الاهلال بذبائحهم لغير اللّه من الاصنام ونحوها، والا فهو لا يصدر عن المسلم الواقعى.


13

فخروج ذبائح المسلمين من ابناء المذاهب الاخرى عن عنوان العمد فى الروايات ليس بملاك ان جهلهم بشرطيه الاستقبال يجعلهم غير عامدين للذبح الى غير القبله، ليقال بان الجهل بالحكم لا يرفع عنوان العمد الى الموضوع، بل لعدم قصدهم مجانبه القبله، اى عدم عمدهم لحيثيه القيد، فان هذا لا يكون عاده الا فيمن لا يعتقد باصل القبله، لا المسلم فانه اذا ذبح لغير القبله فلغرض له فى ذات المقيد لا حيثيه القيد، فلا يصدق عليه العمد بالمعنى المذكور.

وهذا يعنى ان هذه الروايات ليست بحسب الحقيقيه داله على شرطيه الاستقبال، بل على الا يكون الذابح متعمدا مجانبه القبله فى ذبحه، والذى قد يكشف عن عدم صحه اعتقاده وعدم اسلامه.

وبهذا لا يكون مفاد هذه الروايات شرطا زائدا على اشتراط اسلام الذابح وحسن اعتقاده.

وقد يويده ما نجده فى ذيل صحيح محمد بن مسلم الاخير، حيث عطف على النهى عن اكل ذلك بقوله عليه السلام: (ولا تاكل من ذبيحه ما لم يذكر اسم اللّه عليها) فان بيان هذه الكبرى الكليه عقيب ذلك مع انه لم يرد سوال عنه لعله لبيان نكته ذلك النهى، وان من يتعمد ان لا يوجه الذبيحه الى القبله بالمعنى المتقدم حيث يشك فى اعتقاده واسلامه يشك فى تسميته واهلاله بالذبيحه للّه ايضا.

ومما يمكن ان يستدل او يستانس به على الاقل لما ذكرناه عدم ورود هذا الشرط فى شى‏ء من عمومات الكتاب والسنه، حتى المتعرضه لتفاصيل الذبح وآدابه، كقوله عليه السلام: (ولا ينخع ولا يكسر الرقبه حتى تبرد الذبيحه)((59)) فلو كان الاستقبال شرطا ايضا فلماذا لم يذكر؟! وهذه وان كانت عمومات قابله للتقييد فى نفسها، الا ان خلو مجموعها عن ذكر هذا الشرط -خصوصا ما يتعرض فيها لذكر الشروط والاداب المستحبه او غير الموجبه لحرمه الذبيحه- قد يشكل دلاله قويه على نفى الشرطيه بحيث تجعلها كالمعارض مع الروايات الداله على الشرطيه.

وان شئت قلت: ان التقييد فى مثل المقام قد يكون اكثر موونه من حمل الروايات الامره بالاستقبال على الاستحباب، وانه سنه وادب اسلامى فى مقام الذبح والاهلال بالذبيحه للّه عز وجل -كما صرحت بذلك روايه الدعائم (عن ابى جعفر وابى عبد اللّه عليهما السلام: انهما قالا فيمن ذبح لغير القبله ان كان اخطا او نسى او جهل فلا شى‏ء عليه وتوكل ذبيحته، وان تعمد ذلك فقد اساء ولا يجب «ولا نحب‏» ان توكل ذبيحته تلك اذا تعمد خلاف السنه)((60)). وظاهرها عدم الوجوب كما لا يخفى، كما انها اضافت التعمد الى مخالفه السنه، وهو الحكم الشرعى، لا مجرد الفعل الخارجى.

هذا كله مضافا الى استبعاد مثل هذه الشرطيه اللزوميه فى نفسها بان يكون الاستقبال شرطا فى التذكيه ولكن ترتفع شرطيته بالجهل ولو بالحكم ولو عن تقصير، بحيث تكون شرطيته خاصه بالشيعى العالم بالحكم، فان هذا يناسب الاحكام التكليفيه لا الوضعيه كالطهاره والتذكيه ونحو ذلك.

وهذه المناسبه قد تشكل قرينه لبيه ايضا لصرف مفاد الروايات الى التكليف النفسى فى مقام الذبح او الى ما ذكرناه من الكاشفيه عن حسن اسلام الذابح واهلاله بالذبيحه للّه حقيقه وجدا.

ثم ان عباره الشيخ قدس سره فى الخلاف((61)) فى مساله الاستقبال قد تدل على عدم اجماع فى المساله، والا كان يصرح به ويستدل به، فقد ذكر فى المساله(11) من كتاب الاضحيه (لا يجوز اكل ذبيحه تذبح لغير القبله مع العمد والامكان، وقال جميع الفقهاء: ان ذلك مستحب، وروى عن ابن عمر انه قال: اكره ذبيحه تذبح لغير القبله. دليلنا: ان ما اعتبرناه مجمع على جواز التذكيه به، وليس على ما قالوه دليل، وايضا روى جابر قال: ضحى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بكبشين اقرنين فلما وجههما قرا وجهت وجهى، الايتين).

ومما قد يدل على ذلك ايضا انه لم يذكره فى كتاب الصيد والذباحه وشرائطهما، بل ذكره فى كتاب الضحايا ومستحباتها.كما ان عبارات السيد المرتضى قدس سره فى الانتصار((62)) قد توحى بعدم وجود اجماع واضح فى المساله، حيث انه استدل على ذلك بالاصل العملى، فراجع كلماته.

واما كلام المفيد قدس سره فى المقنعه((63)) فقد ذكر فيه الاستقبال فى سياق غيره من الشروط المستحبه او الواجبه نفسيا اى غير الموجبه لحرمه الذبيحه، كعدم قطع راس الذبيحه وعدم سلخها حتى تبرد، فراجع وتامل.


14

هذا كله فى اصل شرطيه الاستقبال كبرويا.

ثانيا، البحث الصغروى:

ثم لو فرغنا عن الشرطيه، فهل الشرط استقبال الذابح او الذبيحه او كلاهما؟ وجوه والمشهور الثانى منهما. وقد استدلوا عليه بان ظاهر الدليل ذلك، حيث ورد (استقبل بذبيحتك القبله)، والباء للتعديه، نظير قوله تعالى: (ذهب اللّه بنورهم)((64)) اى اذهب اللّه نورهم، فيكون ظاهره جعل الذبيحه مستقبله للقبله، نعم، ورد فى مرسل الدعائم عن ابى جعفر عليه السلام (اذا اردت ان تذبح ذبيحه فلا تعذب الذبيحه احد الشفره واستقبل القبله)((65))، ولكنه مع ارساله لا ظهور فيه على الخلاف، لاحتمال اراده الاستقبال بالبهيمه((66)).

ولكن الظاهر ان الباء فى مثل هذه الموارد وان افادت التعديه، الا ان ذلك ليس بمعنى سلخ الفاعل عن اسناد الفعل اليه، بل هو مع بقاء الفعل مسندا الى فاعله، فقولنا: (ذهبت بزيد) معناه اننى ذهبت واذهبت معى زيدا، وكذلك معنى (استقبل بذبيحتك القبله) ان تستقبل انت القبله وتجعل ذبيحتك كذلك معك، فيكون ظاهر هذا اللسان اشتراط استقبال الذابح ايضا حين الذبح وعدم كفايه استقبال الذبيحه وحدها.

الا ان هذا الظهور يمكن رفع اليد عنه بما ورد فى سائر الروايات من التعبير بقوله (لم يوجهها)((67)) او التعبير بقوله: (تذبح لغير القبله)((68)) مما ظاهره ان ما هو شرط ان تكون الذبيحه الى جهه القبله، وظاهر هذا العنوان كفايه ان يكون مذبحها حين الذبح مواجها للقبله، فانه ذبح لجهه القبله، فلا يشترط ان تكون جميع مقاديمها الى القبله، فضلا عن ان تكون مضطجعه على يمينها او شمالها، فان كل هذا منفى بالاطلاق.

لا يقال: ظاهر الامر بالاستقبال بالذبيحه الى القبله وكذلك توجيه الذبيحه اليها حين الذبح ان تكون مقاديم الذبيحه اليها.فانه يقال: بل ظاهره توجيه الذبيحه والاستقبال بها بما هى ذبيحه، اى بلحاظ حيثيه ذبحها، والا فوجه الذبيحه لا يمكن ان يكون الى القبله حال الذبح فتكون المواجهه والاستقبال بلحاظ محل الذبح، وهو مذبحها، لا الامور الاخرى.

ثم لو فرض لزوم توجيه مقاديمها الى القبله حين الذبح، فلا ينبغى الاشكال فى عدم اشتراط ان يكون ذلك فى حال الاضطجاع.

بل لو كان يذبح بشكل عمودى الى القبله، كما فى ذبح الدجاجه بالماكنه حيث تعلق من رجليها ايضا كان الاستقبال محفوظا، فلا ينبغى الاشكال من هذه الناحيه.

وبالامكان فى الذبح بالماكنه التخلص عن مشكله الاستقبال بجعل من لا يرى وجوب الاستقبال عليها من سائر المذاهب الاسلاميه، فتكون الذبيحه محلله، لما تقدم من عدم الشك فى حليه ذبيحتهم لنا، وقد استفدناه من صحيح ابن مسلم، واستفاده المشهور ايضا من روايات عدم التعمد، فمن ناحيه الاستقبال لا مشكله فى الذبح بالمكائن.

الامر الرابع كون آله الذبح حديدا

وقد يستشكل فى الذبح بالماكنه وغيرها من ناحيه آله الذبح، حيث ادعى اشتراط ان يكون الذبح بالحديد، ففى النهايه (ولا يجوز الذباحه الا بالحديد، فان لم توجد حديده وخيف فوت الذبيحه او اضطر الى ذباحتها، جاز له ان يذبح بما يفرى الاوداج من ليطه او قصبه او زجاجه او حجاره حاده الاطراف)((69)).

وذكر الشيخ قدس سره فى الخلاف (كتاب الصيد والذباحه): لا تحل التذكيه بالسن ولا بالظفر، سواء كان متصلا او منفصلا بلا خلاف، وان خالف وذبح به لم يحل اكله، وبه قال الشافعى، وقال ابو حنيفه: ان كان الظفر والسن متصلين كما قلناه، وان كانا منفصلين حل اكله. دليلنا: اجماع الفرقه واخبارهم وطريقه الاحتياط، وروى رافع بن خديج ان النبى صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: (ما انهر الدم وذكر اسم اللّه عليه فكلوا الا ما كان من سن او ظفر وساحدثكم عن ذلك: اما السن فعظم من الانسان واما الظفر فمدى الحبشيه). ولم يفصل بين ان يكون متصلا او منفصلا)((70)).

وذكر فى المبسوط (كل محدد يتاتى الذبح به ينظر فيه، فان كان من حديد او صفر او خشب او ليطه -وهو القصب- او مروه وهى الحجاره الحاده حلت الذكاه بكل هذا، الا ما كان من سن او ظفر، فانه لا يحل الذكاه بواحد منهما، فان خالف وفعل به لم يحل اكلهما، سواء كان متصلا او منفصلا. وقال بعضهم فى السن والظفر المنفصلين ان خالف وفعل حل اكله وان كان متصلا لم يحل، والاول مذهبنا، غير انه لا يجوز عندنا ان يعدل عن الحديد الى غيره مع القدره عليه)((71)).


15

وقال القاضى فى مهذبه: (والذباحه لا يجوز الا بالحديد فمن خاف من موت الذبيحه ولم يقدر على الحديد جاز ان يذبح بشى‏ء له حده مثل الزجاجه والحجر الحاد او القصب، والحديد افضل واولى من جميع ذلك)((72)).

وفى الغنيه: (مع التمكن من ذلك بالحديد او ما يقوم مقامه فى القطع عند فقده من زجاج او حجر او قصب)((73)).

وفى الوسيله: (والذبح يجب ان يكون حاله الاختيار بالحديده ويجوز حاله الضروره بما يفرى الاوداج من الليطه والمروه والخشبه) ((74)).

وفى الشرائع: (واما الاله فلا يصح التذكيه الا بالحديد، ولو لم يوجد وخيف فوت الذبيحه جاز بما يفرى اعضاء الذبح ولو كان ليطه او خشبه او مروه حاده او زجاجه)((75)).

وفى المختصر النافع: (ولا تصح الا بالحديد مع القدره، ويجوز بغيره مما يفرى الاوداج عند الضروره ولو مروه او ليطه او زجاجه، وفى الظفر والسن مع الضروره تردد)((76)).

وفى الجامع للشرائع: (ويحل الذكاه بكل محدد من حديد او صفر او خشب او مرو او زجاج مع تعذر الحديد، ويكره بالسن والظفر.)((77)).

وفى القواعد: (ولا يصح التذكيه الا بالحديد، فان تعذر وخيف فوت الذبيحه جاز بكل ما يفرى الاعضاء كالزجاجه والليطه والخشبه والمروه الحاده)((78)).

وفى اللمعه: (ان يكون بالحديد، فان خيف فوت الذبيحه وتعذر الحديد جاز بما يفرى الاعضاء من ليطه او مروه حاده او زجاجه، وفى السن والظفر للضروره قول بالجواز)((79)).

وفى الجواهر: (واما الاله فلا تصح التذكيه ذبحا او نحرا الا بالحديد مع القدره عليه، وان كان من المعادن المنطبعه كالنحاس والصفر والرصاص والذهب وغيرها، بلا خلاف فيه بيننا كما فى الرياض، بل فى المسالك (عندنا) مشعرا بدعوى الاجماع عليه كما عن غيره، بل فى كشف اللثام اتفاقا كما يظهر)((80)).

وقد جرى على الفتوى ذاتها الاعلام المتاخرون فى رسائلهم العمليه.

واستدلوا عليه بانه مقتضى الاصل وبالاجماع وبالروايات الخاصه، كصحيح محمد بن مسلم (سالت ابا جعفر عليه السلام عن الذبيحه بالليطه والمروه فقال: لا ذكاه الا بحديده)((81)).

وصحيح الحلبى عن ابى عبد اللّه عليه السلام (سالته عن ذبيحه العود والحجر والقصبه فقال: قال على عليه السلام: لا يصلح الا بالحديده)((82)).

ومعتبره الحضرمى عن ابى عبد اللّه عليه السلام انه قال: (لا يوكل ما لم يذبح بحديده)((83)).

ومعتبره سماعه قال: (سالته عن الذكاه فقال: لا تذك الا بحديده، نهى عن ذلك امير المومنين عليه السلام)((84)).

ويخرج عن اطلاق هذه الروايات خصوص صوره الضروره، لما دل على حصول التذكيه بغير الحديد فيها، وهى روايات عديده ومعتبره.

اما الاصل: فان اريد به اصاله عدم التذكيه فهو صحيح فى نفسه، ولكنه محكوم للمطلقات فى بعض الروايات المتقدمه وروايات قادمه سنشير اليها.

واما الاجماع: فالمنقول منه ليس بحجه، والمحصل منه غير حاصل، فانه لا يظهر من كلمات القدماء وجود اجماع فى المساله، بل لا نجد ذكر هذه الخصوصيه حتى فى مثل كتاب الانتصار بعنوان ما انفرد به الاماميه، واما الفتاوى التى ذكرناها ونقلناها عن الكتب فهى متطابقه مع تعابير الروايات مما يوجب الاطمئنان بان الافتاء بها باعتبار ورودها فى الروايات لا على اساس اجماع تعبدى فى المساله، ومن هنا يحتمل فى اكثرها خصوصا كلمات القدماء منها ما سياتى فى معنى الروايات.

واما الروايات الخاصه التى استدل بها على شرطيه الحديد، فلا دلاله لها على ذلك، وذلك: اما اولا: فلان الوارد فى لسانها عنوان الحديده، والحديده هى القطعه من الفلز الصعب الذى غالبا يكون من جنس الحديد، والذى يحدد ويعد للقطع والذبح، فيكون المراد من الحديده السكين والمديه والسيف والشفره ونحوها، ويكون الملحوظ فيها كونها قطعه حاده معده لذلك، لا جنسها وكونها من فلز الحديد فى قبال سائر الفلزات المنطبعه كالنحاس والصفر، فيكون قوله عليه السلام: (لا ذكاه الا بحديده) بمعنى لا ذكاه الا بالسكين والسيف ونحوهما فى قبال الذبح بالليطه والحجر والعود والقصبه مما ليس معدا لذلك.

وليس المراد اشتراط كون آله الذبح من جنس الحديد لا من جنس آخر، فلو كان الحديد على شكل عصا او هراوه ايضا لا يصلح الذكاه به لانها ليست بحديده بالمعنى المتقدم.

ومما يشهد على اراده هذا المعنى ما نجده فى هذه الروايات وغيرها من جعل المقابله بين الحديده وبين العود والحجر والقصبه والليطه، مع انه لو كان النظر الى خصوصيه الجنس كان اللازم ان يجعل المقابله بين الحديد وبين النحاس والصفر والذهب ونحوها من الاجناس الاخرى، فى حين انه لم يرد ذلك فى شى‏ء من الروايات ولا اسئله الرواه.


16

وايضا قد ورد فى روايات اخرى التعبير بدلا عن الحديده بالسكين، ففى صحيح عبد الرحمان بن الحجاج قال: (سالت ابا ابراهيم عليه السلام عن المروه والقصبه والعود يذبح بهن الانسان اذا لم يجد سكينا، فقال: .) الخ((85)).

ومعتبره زيد الشحام، قال: (سالت ابا عبد اللّه عليه السلام عن رجل لم يكن بحضرته سكين ايذبح بقصبه؟ فقال: اذبح بالحجر وبالعظم وبالقصبه والعود اذا لم تصب الحديده)((86)).

مع وضوح ان السوال واحد فى جميع هذه الروايات، فالمراد بالحديده السكين ونحوه مما هو معد للقطع والذبح والقتل فى قبال ما لم يعد لذلك كالحجر والعصا والقصبه مما قد يمكن الذبح بها مع العنايه والمشقه للمذبوح.

لا يقال: لا مانع من اخذ كلتا الخصوصيتين شرطا فى آله الذبح، اى كونها من جنس الحديد وان تكون محدده معده للقطع والذبح كالسكين ونحوه، فيراد بالحديده ما يكون سكينا من جنس الحديد.

فانه يقال: بين المعنيين تباين فى المفهوم، فلا يصح اخذهما معا فى ماده الحديد، اذ الحديد بمعنى الفلز المعروف غير الحديد بمعنى الحاد القاطع، كما ان بينهما عموم من وجه فى الصدق، فالحديده اما ان يراد بها القطعه الحاده المعده للقطع والذبح كالسكين والمديه وان كان من غير جنس الحديد، واما ان يراد بها القطعه من الفلز المخصوص وان لم تكن حاده وقاطعه للحم.

اما الجمع بينهما فهو اشبه باستعمال الماده المشتق منها الكلمه فى كلا المعنيين، وحيث ان الحيثيه الثانيه اعنى المحدديه والقاطعيه ملحوظه هنا جزما -بل هو المعنى الاصلى للماده- فيتعين اراده المعنى الثانى، بل قد عرفت تعين اراده ذلك ايضا بالقرائن الداخليه والخارجيه فى لسان الروايات، فيتمسك باطلاقه من حيث كونه من جنس الحديد ام لا، فيكون مفاد الروايات اشتراط كون الذبح بالاله المحدده المعده للذبح والقطع بحدها، فيكون الذبح بها بسهوله ويسر واراحه للمذبوح وان لم يكن من جنس الفلز المخصوص، فى قبال ما لا يكون كذلك وان كان من جنس ذاك الفلز كالحجر والقصب والعصا.

ومما يشهد على ما ذكرناه مراجعه روايات الجمهور المنقوله عن النبى صلى اللّه عليه وآله وسلم وفتاواهم((87))، فانه لم يرد فيها التعبير بالحديد، بل الذبح بالمديه والسكين فى قبال الذبح بالعصا والقصب والليطه مما يكون ظهوره فيما ذكرناه اوضح، كما ان عنوان الحديد الوارد فى كلمات فقهائهم ارادوا به ما يكون محددا يقطع ويخرق لا الفلز المخصوص، حيث ذكروا انه يشترط فى آله الذبح شرطان: ان تكون محدده تقطع او تخرق بحدها لا بثقلها، وان لا تكون سنا ولا ظفرا.

ولا شك ان رواياتنا الصادره عن الائمه المعصومين عليهم السلام، وكذلك كلمات فقهائنا القدامى لا بد وان نفهمها فى ضوء الجو الفقهى السائد عند الجمهور والوارد فى رواياتهم لا مفصوله عن ذلك، وهذه نكته مهمه لا بد من مراعاتها فى فهم الاخبار وكلمات الفقهاء.

ومما يمكن ان يويد هذا الفهم ايضا، ما ورد فى رواياتنا ورواياتهم من التاكيد على لزوم تحديد الشفره -وهى السكين الحاد- واراحه الذبيحه وعدم تعذيبها فى مقام الذبح وعدم نخعها او سلخها ونحو ذلك مما يويد ان المقصود من الامر بالذكاه بالحديده المعنى الثانى لها لا الاول.

ثم ان روايه ابى بكر الحضرمى وارده فى الكافى والتهذيب بلفظ (ما لم يذبح بحديده)((88)) ولكن الشيخ قدس سره نقلها فى الاستبصار بلفظ (ما لم يذبح بالحديد)((89))، الا ان المراد به نفس المعنى، على ان المطمان به صحه نسخه الكافى والتهذيب. وكذلك روايه الشحام وارده فى الكافى بتعبير (اذا لم تصب الحديده)((90)).، وفى التهذيب والاستبصار بتعبير: (اذا لم تصب الحديد)((91)) وهو ايضا بنفس المعنى، خصوصا مع وقوع السوال فيها عمن ليس بحضرته سكين، بل قد عرفت ان المعنى الاصلى للحديد القطعه الحاده القاطعه، لا المعدن المخصوص، ولعله انما سمى بذلك لكونه حادا وصلبا.

ايضاح:

ان الحديده مونث الحديد، وهو فعيل بمعنى فاعل، اى الحاد، وقد سمى المعدن المخصوص حديدا لصلابته ومنعته، كما ذكر ذلك ارباب اللغه، فان الحد فى الاصل له معنيان: 1-المنع وطرف الشى‏ء، وهذا يعنى ان الحديد اصبح له معنيان معنى لغوى اشتقاقى هو الحاد ومونثه حديده، اى القطعه الحاده القاطعه بحدتها، وقد شاع استعمالها فى السلاح، اى آله الذبح والقتل والقطع، وهى ما يعد ويصنع من المعادن الصلبه على شكل سكين او سيف او مديه او شفره لذلك. 2-والمعنى الاخر المعدن الخاص المعروف، وهو معنى جامد، كما انه معنى ثانوى لا اصلى كما اشرنا، ومونثه حديده ايضا، بمعنى قطعه من ذلك المعدن، وهذا المعنى مباين مع الاول، من حيث الجمود والاشتقاق، ومن حيث عدم اخذ خصوصيه المحدديه فى المعنى الثانى، بخلاف الاول فالحديده بالمعنى الاول اعنى مونث الحديد بمعنى الحاد قد لوحظ فيه خصوصيه المحدديه وجعل الشى‏ء او المعدن محددا بحيث يستعمل للقطع والقتل والفرى بحدته وهو السلاح، بينما الحديده بالمعنى الثانى قطعه من المعدن باى شكل وكيفيه كانت، واراده كلا المعنيين من الحديده الوارده فى روايات (لا ذكاه الا بحديده) غير صحيح جزما، لانه مستلزم لاستعمال اللفظ فى المعنيين الجامد والمشتق، فيدور الامر بين ان يكون المراد المعنى الاول الذى هو المعنى الاصلى الاشتقاقى للكلمه او المعنى الثانى فى الجامد.


17

وعلى الاول يدل قوله عليه السلام: (لا ذكاه الا بحديده) على ان آله الذبح لا بد وان تكون سلاحا اى آله محدده معده للذبح بحدها، ولا يكفى مطلق ما يمكن ان يقطع الحلقوم او تفرى به الاوداج.

وعلى الثانى يدل على ان آله الذبح لا بد وان تكون قطعه من الحديد اى من المعدن الخاص، فلا يصح الذبح بغير ذلك من الاجناس، ولا يمكن الجمع بين المعنيين كما هو ظاهر كلمات الاصحاب، الا اذا قلنا: بان الحديده صارت خاصه بالاله المحدده المعده للقطع والفرى من جنس الحديد بالخصوص.

وهذه الدعوى -مضافا الى انه لا شاهد عليها- خلاف كلمات جمله من اللغويين، حيث ذكروا للحديده معنيين، احدهما القطعه من معدن الحديد، والاخر مونث حديد بمعنى الحاد، بل من يراجع الاستعمالات يجد انه كان يطلق كثيرا على سيف الرجل ومديته ونحوهما انه حديدته بلحاظ كونه سلاحا ومحددا معدا للقتل والقطع، من دون فرق بين كونه من جنس معدن الحديد بالخصوص او من جنس آخر او مجموع جنسين.

فلا بد من اراده احد المعنيين فى استعمال كلمه الحديده لا كليهما ولا مجمعهما، اذ الاول من الاستعمال فى معنيين والثانى ليس معنى اللفظ. وعندئذ يقال: يتعين اراده المعنى الاول لا الثانى، لانه مضافا الى انه المعنى الاصلى للكلمه، صراحه نظر الروايات الى حيثيه المحدديه، بقرينه المقابله -فى الاسئله والاجوبه معا- بين الحديده وبين العصا والعود والحجر مما ليس بحسب طبعه محددا ولا معدا للقطع والفرى وان كان يمكن القطع بها ايضا مع العنايه والمشقه، وبقرينه ذكر ذلك مقابل السكين والمديه -كما فى روايات الجمهور- وبالقرائن الاخرى التى ذكرناها، بل قد عرفت ان الاصحاب ايضا فهموا دلاله هذه الروايات، بل نظروا الى حيثيه المحدديه ولم يستشكلوا فى ذلك، وانما حاولوا استفاده مجمع الحيثيتين، والذى عرفت انه اما ممتنع او خلاف الظاهر.

لا يقال: يمكن استفاده اشتراط المحدديه من فرض الذبح فى الروايات، والذى لا يكون عاده الا بالشى‏ء المحدد الذى يفرى الاوداج، والا لم يكن يذبح به بل يقطع، واما اشتراط معدن الحديد وجنسه فيستفاد من قوله عليه السلام: (لا ذكاه الا بحديده) باراده المعنى الجامد منها، فلا يلزم استعمال اللفظ فى معنيين وتكون النتيجه ما ذهب اليه المشهور من الجمع بين الحيثيتين.

فانه يقال: ليس مفهوم الذبح الا قطع الحلقوم والاوداج، كما تشهد به معتبره الشحام، فلا يمكن ان يستفاد من مجرد ذكر الذبح اشتراط المحدديه، على ان الوارد فى الروايات لا ذكاه الا بحديده، ولم يرد لا ذبح الا بحديده لكى يتوهم استفاده المحدديه من الذبح، على انه من المقطوع به الواضح جدا ان الحديده فى الروايات قد لوحظ فيها جنبه المحدديه جزما ولو بقرينه المقابله مع العصا والقصبه والعود التى لا تكون كذلك عاده، بل لو كان المراد المعنى الجامد لجى‏ء بالمذكر اى قيل: الا بحديد، لا الحديده، اذ لا دخاله لكون الحديد قطعه عندئذ فى التذكيه جزما، بخلاف الحديده بالمعنى المشتق فانها تشبه اسم الاله، فحمل عنوان الحديده فى الروايات على اراده القطعه من الحديد -اعنى المعدن المخصوص- غير ممكن.لا يقال: اذا كان المقصود اشتراط المحدديه فى آله الذبح واراده ذلك من عنوان الحديده، فلماذا وقع النهى عن الذبح بالعصا والعود والحجر مطلقا، بل كان اللازم ان يقال: اذبح بها اذا كانت محدده.

فانه يقال: ليست الحديده بمعنى كل محدد، بل خصوص السلاح المحدد، اى ما يصنع من الفلزات الصعبه عاده على شكل سيف او خنجر او سكين ليستعمل فى القطع والقتل والفرى بحدته، فاذا كانت الروايات تدل على الخصوصيه، فالخصوصيه فى الحديده بهذا المعنى، والتى تكون مقابل العصا والعود والقصبه وان كانت محدده.

فلا ينبغى الاشكال فى ان روايات الحديده تدل على اشتراط الحديد بهذا المعنى لا بالمعنى الجامد، فيمكن التمسك باطلاقها لما اذا كانت الحديده مصنوعه من معدن آخر غير الحديد او من مجموع معدنين او اكثر، ويكفى الشك واحتمال اراده هذا المعنى للاجمال والرجوع الى المطلقات.

واما ثانيا: ان مقتضى الصناعه حمل الروايات الناهيه على صوره عدم خروج الدم او عدم فرى الاوداج الذى لا اشكال فى عدم التذكيه فيه. وتوضيح ذلك: ان الروايات على طوائف اربع: الطائفه الاولى: ما دل على النهى عن الذبح بغير الحديده مطلقا، اى من غير تقييد بصوره الاختيار والاضطرار الى الذبح، وهى الروايات التى ذكرناها.


18

الطائفه الثانيه: ما دل على الجواز مطلقا، وهى معتبره الحسين‏بن علوان عن جعفربن محمد عليه السلام عن ابيه عليه السلام عن على عليه السلام انه كان يقول: (لا باس بذبيحه المروه والعود واشباههما ما خلا السن والعظم)((92)).

الطائفه الثالثه: ما دل على التفصيل بين صوره عدم وجدان الحديده فيجوز الذبح بغيرها وصوره وجدانها فلا، من قبيل صحيح ابن سنان عن ابى عبد اللّه عليه السلام قال: (لا باس ان تاكل ما ذبح بحجر اذا لم تجد حديده)((93))، ومعتبره زيد الشحام قال: (سالت ابا عبد اللّه عليه السلام عن رجل لم يكن بحضرته سكين ايذبح بقصبه؟ فقال: اذبح بالحجر وبالعظم وبالقصبه والعود اذا لم تصب الحديده.) الخ((94))، وصحيح ابن الحجاج قال: (سالت ابا ابراهيم عليه السلام عن المروه والقصبه والعود يذبح بهن الانسان اذا لم يجد سكينا فقال: اذا فرى الاوداج فلا باس)((95)).

الطائفه الرابعه: ما دل على تقييد الجواز فى صوره عدم وجدان السكين بما اذا كان مضطرا الى الذبح، وهى روايه محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام فى الذبيحه بغير حديده قال: (اذا اضطررت اليها فان لم تجد حديده فاذبحها بحجر)((96)).

والطائفتان الاولى والثانيه وان كانتا متعارضتين فى نفسيهما، الا ان الطائفتين الثالثه والرابعه تكونان شاهدى جمع وتفصيل بينهما، والمشهور قد فصلوا بين صوره خوف موت الذبيحه وصوره عدمه فاجازوا الذبح بغير الحديده فى الاولى دون الثانيه. الا انه من الواضح عدم ورود عنوان خوف موت الذبيحه فى شى‏ء من هذه الروايات، ومن هنا افتى جمله من المحققين بالتفصيل بين صوره القدره على الذبح بالحديده فلا يجوز بغيرها وصوره عدم القدره فيجوز. والظاهر استفاده هذا القيد من الطائفه الرابعه، فانها لكونها اخص من الثالثه تقيد جواز الذبح فى صوره عدم وجود السكين بالاضطرار الى الذبيحه، فمن يكون مضطرا الى الذبح ان لم يجد سكينا يذبح بغيره، وهذا هو المقصود من عدم القدره على السكين، فانه انما يصدق فيمن لا يجد سكينا مع لزوم اصل الذبح واضطراره اليه، فيقال: ان مقتضى الصناعه هذا التفصيل. ولعل من عبر من القدماء بفوت الذبيحه كالشيخ فى النهايه((97)) والمحقق فى الشرائع((98)) والعلامه فى القواعد ((99)) اراد ذكر مصداق الاضطرار، ولهذا عطف الشيخ على ذلك فى النهايه قوله: (او اضطر الى ذباحتها).

ولكن اصل هذا النحو من الجمع بين الروايات محل تامل، اذ توجد فى روايات الطائفه الثالثه ما يكون ظاهرا فى بيان ملاك الحكم بالحليه وضابطته، حيث ورد فى معتبره الشحام قوله عليه السلام: (اذبح بالحجر وبالعظم والقصبه والعود اذا لم تصب الحديده اذا قطع الحلقوم وخرج الدم فلا باس).

ومن الواضح ان هذا الكلام مشتمل على شرطين مستقلين (اذبح بالحجر. اذا لم تصب الحديده) و(اذا قطع الحلقوم وخرج الدم فلا باس)، فلو لم تكن الشرطيه الثانيه موجوده او لم تكن شرطيه مستقله، كما اذا لم تكن كلمه فلا باس موجوده وكانت هكذا (اذبح بالحجر. اذا لم تصب الحديده اذا قطع الحلقوم وخرج الدم) صح الاستظهار المذكور، لان ظاهرها عندئذ تقييد الحكم بالجواز فى صوره عدم اصابه الحديده بما اذا قطع الحلقوم وخرج الدم، واما حيث وردت هذه الشرطيه بشكل تام وبنحو جمله مستقله فظاهرها عندئذ بيان الضابطه الكليه وان الذبح بالحجر والعود او غيرهما لا خصوصيه فيه، وانما الميزان ان يتحقق قطع الحلقوم وخروج الدم المتعارف، الامر الثابت لزومه فى تحقق الذبح شرعا، ولعله عرفا ايضا.

والمعنى نفسه مستظهر من صحيح ابن الحجاج بدرجه اخف، حيث ان جواب الامام عليه السلام فيه ظاهر فى اعطاء الضابطه والكبرى الكليه، وهى انه اذا فريت الاوداج فلا باس، فيكون ظاهر هاتين الروايتين ان الامر يدور مدار فرى الاوداج وخروج الدم، وفى موارد الذبح بغير الحديده من القصب والحجر والعود يخشى عدم تحقق ذلك، ويكون التقييد بالاضطرار الى الذبيحه فى خبر محمد بن مسلم فى الطائفه الرابعه محمولا على اراده التحذير من الوقوع فى محذور عدم فرى الاوداج وعدم خروج الدم المتعارف، كما هو فى معرض ذلك اذا لم تكن آله الذبح حاده كالسكين ونحوه، لا تقييد الحكم بالتذكيه بذلك.

وقد وقع هذا التعبير ذاته وجاء هذا القيد نفسه فى روايات ذبيحه الصبى والمراه وانه لا باس بها اذا اضطر الى ذلك او اذا لم يكن غيرهما او خيف فوت الذبيحه((100)).، مع ان المشهور لم يفهموا منها التقييد هناك، بل حملوا ذلك على الخشيه من عدم قدره الصبى او المراه على الذبح الصحيح وتسديده، فكذلك فى المقام، فان ما جاء فى روايتى الشحام وابن الحجاج -مضافا الى مناسبه الحكم فى نفسه- يوجب ان يفهم العرف من التقييد بالاضطرار او عدم وجدان السكين او الحديده هنا الخشيه من عدم تحقق الذبح الصحيح، الذى يكون بخروج الدم المتعارف وفرى الاوداج، لا ان ذلك تقييد زائد للذبح الصحيح.


19

وهذا المعنى ان استظهرناه من هذه الروايات المفصله كانت دليلا على هذا التفصيل، اى حمل الطائفه الناهيه عن الذبح بغير الحديده على صوره عدم تحقق فرى الاوداج او خروج الدم او احتمال ذلك، فانها مطلقه من هذه الناحيه، كما تتقيد الطائفه الثانيه المجوزه بما اذا حصل ذلك بالذبح بالقصبه والعود ونحوها.

وان لم نجزم بالاستظهار المذكور فلا اقل من احتماله احتمالا عرفيا لا يبقى معه ظهور فى الروايات المفصله فيما ذكره المشهور، اى لا يثبت كون الاضطرار وعدم القدره على الحديده قيدا فى الذبح الصحيح، فلعله من باب احراز ما هو القيد الثابت فى الذبح، وهو خروج الدم المتعارف وفرى الاوداج، فلا يمكن ان نثبت بها حرمه الذبيحه بغير الحديده اذا خرج الدم المتعارف وفريت الاوداج.

نعم، فى فرض عدم تحقق ذلك تكون الذبيحه محرمه، وهو ثابت فى نفسه بادله اخرى ايضا، فتبقى الطائفتان الاولى والثانيه على حالهما من التعارض، وعندئذ يتعين الجمع بينهما بتقييد الطائفه الثانيه الداله على نفى الباس بذبيحه المروه والعود واشباههما بصوره خروج الدم وفرى الاوداج بهما، لان هذا ثابت بادله اخرى وبنفس صحيح ابن الحجاج ومعتبره الشحام، لانهما تدلان على كل حال على لزوم ذلك فى حليه الذبيحه وشرطيته فى الذبح الصحيح، وانما الشك والاجمال فى دلالتهما على قيد زائد على ذلك، وهو كون ذلك بالحديده لا بغيرها، وبعد هذا التقييد تصبح الطائفه الثانيه اخص مطلقا من الاولى، فتقيدها بصوره عدم احراز خروج الدم وفرى الاوداج تطبيقا لمبنى انقلاب النسبه. هذا لو لم نقل بان الطائفه الثانيه فى نفسها لا اطلاق لها لصوره عدم تحقق فرى الاوداج وخروج الدم المتعارف، والا كانت اخص بلا حاجه الى مبنى انقلاب النسبه، كما هو واضح.

والمتلخص من مجموع ما تقدم فى هذا الامر الرابع: ان ما ذهب اليه المشهور من اشتراط كون الذبح بجنس الحديد لا يمكن المساعده عليه، وذلك لامرين:

1 - ان المراد بالحديده فى الروايات ليس جنس الحديد فى قبال غيره من الاجناس، بل القطعه الحاده المعده للذبح والقطع السريع كالسكين والسيف والشفره سواء كان مصنوعا من الفلز المخصوص المسمى بالحديد ام لا، فان هذا هو المعنى العرفى واللغوى للحديد، بل لعله انما سمى ذلك الفلز بالحديد لصلابته وحدته، فلو ثبت من الروايات تفصيل فى الذبح بالاله، فلا بد ان يكون بين الذبح بالحديده بهذا المعنى وغيره، لا بين معدن الحديد وغيره.

2 - ان اصل التفصيل بين فرض القدره على الحديده وغيره فى آله الذبح لا يمكن اثباته بهذه الروايات، لان المستفاد منها ليس باكثر مما هو ثابت بروايات اخرى من اشتراط ان تكون كيفيه الذبح بفرى الاوداج وخروج الدم المتعارف، وان تقييد الذبح بغير الحديده فيها بصوره الاضطرار الى الذبيحه او عدم وجدان السكين للتحرز عن الوقوع فى خلاف ذلك، لان الذبح بمثل العصا والعود والقصبه واشباهها فى معرض ذلك، نظير نفس التقييد الوارد فى روايات ذبيحه الصبى والمراه، فراجع وتامل.

ويكفى لثبوت هذا التفصيل اجمال الروايات من هذه الناحيه ايضا، بل مع سقوط روايه محمد بن مسلم سندا لا يبقى الا ما دل على التفصيل بين من يكون بحضرته سكين ومن لا يكون ولو لم يكن مضطرا الى اصل الذبح، ومن الواضح ان مثل هذا التفصيل لا يكون بحسب مناسبات الحكم والموضوع دخيلا فى التذكيه، وانما هو لتسهيل الذبح واجادته واتقانه.

ضمان انخفاض قيمه النقد

المعروف بين الاعلام ان حكم النقود فى الضمان حكم سائر الاموال المثليه، التى يكون ضمانها فى الديون والغرامات بالمثل، فلا يكون نقصان قيمتها حين دفعها عن زمان الاخذ او التلف مضمونا، ونتيجه: ذلك ان من كان عليه دين لاحد قبل خمسين عاما مثلا بمائه تومان -وكانت ذات ماليه، وقوه شرائيه عظيمه وقتئذ- يكفى ان يدفع له ورقه نقديه من فئه مائه تومان اليوم، والتى لا تساوى شيئا بالنسبه لما كانت عليه فى تلك الازمنه! وهذا يعنى عدم ضمان نقصان قيمه النقود، وانما المضمون مثلها فقط، وهذه مساله مهمه، لها ثمرات وآثار فقهيه فى ابواب متنوعه، وفيما يلى نود البحث عنها فى فصلين وخاتمه: الفصل الاول فيما تقتضيه القاعده الاوليه.


20

الفصل الثانى فيما يستفاد من بعض الروايات الخاصه.

الخاتمه فى بعض المسائل والفروع الفقهيه المرتبطه بهذه المساله.


21

الفصل الاول:

ان المعروف -بل لعله المتسالم عليه- ان الاموال التى يكون لها المثل وتكون افرادها متساويه الاقدام عرفا بالنسبه لعناوينها يكون ضمانها فى باب الغرامات والديون بالمثل لا بالقيمه.

ومدرك هذا الحكم هو السيره والارتكاز العقلائى الممضى شرعا، ولم يرد ذلك فى لسان دليل شرعى.

نعم، حاول جمله من الفقهاء الاستدلال عليه بمثل قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (على اليد ما اخذت حتى تودى)((101)) بتقريب ان ظاهره اشتغال الذمه بنفس ما اخذ فتكون العين الماخوذه بنفسها فى الذمه حتى بعد التلف، وهو يقتضى دفعها بخصوصيتها العينيه الشخصيه عند وجودها، وبخصوصيتها النوعيه والمثليه عند تلفها، مع وجود المثل وامكان دفعه، وبماليتها وقيمتها عند عدم المثل، ولازمه ان يكون بقيمه يوم الاداء عند تعذر المثل او كونه قيميا.

الصفحة السابقة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

الصفحة التالية

الا ان هذا الحديث النبوى لا سند له، فقد نقله العلامه فى بعض كتبه مرسلا، كما ان استفاده المعنى المذكور منه مشكل، فان ظاهره الاختصاص بفرض وجود العين الماخوذه ووجوب ردها، ولا دلاله لفظيه فيه على اشتغال الذمه بها عند التلف اصلا.

وانما يستفاد ذلك من السيره والارتكاز العرفى الممضى شرعا، فمهم الدليل على ضمان المثل هو الدليل اللبى المتقدم ذكره.والمعروف عندهم ان ضمان المثل يشمل تمام الخصوصيات الذاتيه والنوعيه والعرضيه للشى‏ء التى تكون دخيله فى ماليته، والمرغوبه عند العقلاء، فيجب على الضامن ان يدفعها الى المضمون له، واما القيمه السوقيه فقد ذكروا انه امر اعتبارى لا ربط له بالعين المضمونه، بل هى صفه للسوق ورغبه نوعيه عند الناس، ترتبط بمقدار حاجتهم الى السلعه، وكميه وجودها وندرتها فى السوق -عوامل العرض والطلب- وهذا اجنبى عن السلعه، وليس من اوصافها ليكون مضمونا.

ولهذا لا يضمن من يتسبب الى تقليل قيمه السلعه فى السوق بكثره عرضها، او بالدعايه ضدها، او اى سبب آخر، ونتيجه ذلك: ان نقصان قيمه المال المضمون لا يكون مضمونا، فيكفى دفع مثله سواء زادت قيمتها السوقيه ام نقصت.

وهذا الذى ذكروه وان كان صحيحا فى الجمله، الا ان الاشكال فى اطلاقه، وفيما ياتى عده محاولات لتخريج ضمان نقصان القيمه السوقيه للنقود الحاصل من التضخم، وقد يكون بعضها اوسع من باب النقود.

المحاوله الاولى: دعوى ان العقلاء انما لا يلحظون القيمه السوقيه من اوصاف المثل اذا كان الاختلاف ومقدار نقصان القيمه قليلا او نادرا، واما مع كونه فاحشا خطيرا، او كونه كثير الاتفاق فالعرف يلاحظه من صفات المثل عندئذ ويراه مضمونا، ويكون حاله حال ما اذا سقط المثل عن القيمه والماليه راسا من حيث ضمان قيمته عندئذ للمضمون له.

وان شئت قلت: ان ضمان المثل عند العقلاء فى المال المثلى انما يكون لاجل المضمون له، ومزيد حفظه حقه فى الخصوصيه الجنسيه والمثليه لماله زائد على ماليته، فلا ينبغى ان يكون ذلك على حساب ماليه ماله، بحيث يخسر مقدارا من ماله بالنتيجه، فاذا كان التفاوت فاحشا او كان كثيرا ما يقع ذلك فالعقلاء والعرف لا يكتفون فى مثل ذلك بدفع المثل الاقل قيمه مما اخذه منه. وهذا البيان لو تم لم يختص بباب النقود بل يجرى فى السلع ايضا اذا فرض نقصان قيمتها بمقدار خطير او كان فى معرض النقصان كثيرا.

ويمكن الاجابه عن هذه المحاوله باحد جوابين: الاول: ان موضوع الضمان -اى ما يضمنه الضامن- بحسب ظاهر ادله الضمان الشرعيه والعقلائيه انما هو المال لا الماليه والقيمه، لانها وصف وحيثيه تعليليه لصيروره الشى‏ء مالا، فيضمنه من اتلفه او اخذه فى قبال مال آخر، وعلى هذا يقال: لو اريد ضمان نقصان قيمه المثل بعنوان ضمان القيمه والماليه الناقصه ابتداء فهذا خلف كون المضمون هو المال لا الماليه استقلالا. وان اريد ضمان ذلك من باب دخله فى ضمان المال فمن الواضح ان النظر العرفى فى باب الاموال المثليه يقضى بالمثليه، فان منا من الحنطه الكذائيه هى نفس ما اخذه من المالك لو رد عينها او مثلها لو تلف، ونقصان الماليه السوقيه ومدى تنافس السوق ورغبته فى المال لا يجعله مالا آخر غير ذلك المال الماخوذ او التالف عرفا، فلا موجب لضمان نقصان القيمه.

الثانى: ان الضمان عند تحققه يعد عرفا وعقلائيا نحوا من التعويض والمبادله القهريه بين المال التالف وبين ما يمتلكه المضمون له بالضمان على ذمه الضامن من المثل او القيمه، ولهذا تتحقق الملكيه الفعليه له فى ذلك المال الذمى الاعتبارى، وتترتب عليه آثارها، ويجوز له التصرف القانونى فيه بالبيع والحواله وغيرهما، وهذا التعويض والمعاوضه القهريه تتحقق مره واحده عند تحقق موجب الضمان، وهو زمان الاخذ او التلف، ولا موجب آخر له، فيكون نقصان قيمه المثل بعد تحقق الضمان واشتغال الذمه من باب نقصان قيمه مال مالكه كما اذا كان قد دفعه اليه فنقصت قيمته عنده بعد الدفع، فلا موجب لضمان نقصان القيمه زائدا على المثل.


22

وهذا الجواب مبنى على ان لا يعتبر العرف القيمه السوقيه من صفات المثل، فتتوقف صحته على تماميه الجواب الاول. مضافا الى ان كون الضمان من باب المبادله القهريه قبل الدفع والوفاء محل منع، وان قلنا ذلك بعد دفع البدل.المحاوله الثانيه: دعوى ان العرف يتعامل مع الاموال المتخذه للتجاره والمبادله معامله القيمى، اى يلحظون فيها ماليتها وقيمتها السوقيه، لا خصوصيتها الجنسيه، ومن هنا قيل بتعلق الخمس بها قبل بيعها، لصدق الربح فيها بنفس ارتفاع قيمتها السوقيه، فيكون الضمان لقيمتها ايضا، ولو من جهه صيروره قيمتها السوقيه من صفات المثل، والنقود تكون كمال التجاره، من حيث كونها متخذه للمبادله محضا.

وفيه: ان تعلق غرض تجارى او تبادلى بالمال لا يخرجه عند العرف والعقلاء عن كونه مثليا -اى له المثل- بحيث اذا تلف او ضمنه الغير اشتغلت ذمته بما هو مماثل له بحسب النظر النوعى للمال، الذى هو الميزان فى ضمانه، وان شئت قلت: ان الخصوصيه المذكوره من قبيل الدواعى، ولهذا تختلف من شخص الى آخر ولا يكون منضبطا، بخلاف الضمان الذى يكون بازاء نفس المال من حيث هو هو مع قطع النظر عن غرض من بيده المال، فالحاصل: كون من بيده المال ينظر الى حيثيه ماليته فقط لا اثر له على ضمان المال من حيث هو مال.

المحاوله الثالثه: ان يقال بان النقود بالخصوص ليس ضمانها مثليا بل قيميا، لانها ليست سلعه، ولا منفعه استهلاكيه لها، وانما هى مجرد وسيله للمبادله، وحساب الماليه المحضه للاجناس والسلع والضمان بالمثل انما يكون فى السلع والاموال الحقيقه. نعم، النقود الحقيقيه كالذهب والفضه لا مانع من ان يكون ضمانها بالمثل لانها سلع حقيقيه. والحاصل: موضوع ضمان المثل السلع الحقيقيه، لا النقود التى هى مجرد وسيله للمبادله.

وفيه: ان موضوع الضمان عند العقلاء، وكذلك فى ظاهر السنه الروايات، وكلمات الفقهاء انما هو المال لا السلعه او الجنس، ولا اشكال فى ان النقد حتى الورقى الاعتبارى منه مال حقيقه وعرفا، اذ ليس المراد بالمال الا ما يرغب فيه العقلاء ويبذلون بازائه مالا آخر، وهذا صادق على النقد الاعتبارى فى طول اعتباره ورواجه.

نعم، هناك بحث آخر فى علم الاقتصاد حول اعتبار النقود من السلع ام لا، ولكنه من منظور آخر غير المنظور القانونى الفقهى حيث يقال هناك: ان مجموعه نقود البلد الواحد لا تضاف الى السلع والثروه الحقيقيه الموجوده فى ذلك البلد فى حساب الثروه الكليه والدخل القومى للبلد، لانه مجرد وسيله للتبادل والمعامله لتلك الثروه، فمجموع الثروه الكليه عباره عن مجموعه السلع الحقيقيه والخدمات الثابته فى ذلك البلد لا اكثر، الا ان هذا منظور علمى آخر لا ربط له بالمنظور الفقهى الحقوقى حيث يكون النقد الرائج المعتبر مالا قانونا، فالحاصل: تعريف المال الفقهى يختلف عن تعريف المال الاقتصادى فلا ينبغى الخلط بينهما.

وبناء عليه، يكون النقد حتى الاعتبارى منه مالا فقها وقانونا، ويكون كسائر الاموال موضوعا لاحكام الاموال، والتى منها ضمان مثلها اذا كان لها مثل، لان المفروض ان كل مال يكون فيه ضمان، وكل ما يكون فيه ضمان اذا كان له مثل كان ضمانه مثليا، اى تشتغل الذمه بمثله، وتنتقل ملكيه المضمون له اليه، وهو معنى الضمان، وكلتا هاتين الخصوصيتين متحققه فى النقود الاعتباريه، فضلا عن الحقيقيه، فيكون ضمانها بالمثل ايضا، ومما يشهد على ذلك انه اذا ضمن نقدا من نوع معين كالتومان مثلا لا يجوز له ان يدفع له من نقد آخر بقيمته كالروبيه مثلا او الدولار، وليس هذا الا من جهه ضمان الخصوصيه الجنسيه الثابته فى المال المضمون.

المحاوله الرابعه: ان النقد عباره عن القيمه والماليه المحضه لسائر السلع والاموال، ومن هنا يكون ضمان الاموال والسلع القيميه به لكونه القيمه، فكيف يمكن ان لا يكون ضمانها قيميا؟! فالحاصل: اذا كان ضمان القيمى قيميا فضمان القيمه المحضه التى هى النقد قيمى لا محاله. وفرق هذه المحاوله عن سابقتها انه فى تلك المحاوله يدعى اختصاص ضمان المثل بالسلع الحقيقيه والتى لها منفعه ذاتيه حقيقيه، واما المدعى فى هذه المحاوله فنكته اخرى، هى ان حقيقه النقد كونه قيمه محضه للاموال الاخر، فيكون ضمانها قيميا كالاموال القيميه بل هو اولى منها، وهذه المحاوله لو تمت لجرت فى النقد الحقيقى ايضا بخلاف المحاوله السابقه.


23

وفيه: ان هذا مجرد تعبير وتلاعب بالالفاظ، والا فالنقد ليس ماليه وقيمه محضه، كما ان الضمان ليس للعين بما هى قيمه ومال، بل للمال والنقد بما هو مال ايضا، اى شى‏ء له الماليه والقيمه، كاى مال آخر، غايه الامر باعتبار كونه مرغوبا لدى الكل وقابلا للبقاء وعدم الفساد وغيره من خصائص النقديه والرواج سواء فى النقود الحقيقيه او الاعتباريه اصبح هذا المال صالحا لان يقبل فى قبال كل سلعه اخرى، فتكون مرغوبيته اوسع دائره من ايه سلعه اخرى، وهذا لا يغير حقيقته من حيث كونه شيئا له الماليه والقيمه، فاذا تلف او ضمنه الضامن اشتغلت ذمته بمثله، لان له المثل فى الخارج على حد سائر الاموال المثليه، بخلاف السلع القيميه كالفرس مثلا فانه عند تلفه وضمانه لا يكون له المثل عاده، فيكون ضمانه قيميا.المحاوله الخامسه: ان النقد الحقيقى كالدرهم والدينار مال مثلى، فيكون ضمانه مثليا ايضا، واما النقد الاعتبارى فهو ليس الا مجرد سند عما اعتبرته الجهه المصدره له، وتعهدت به من القيمه المعادله والرصيد المحفوظ بازائه عند تلك الجهه، والذى يكون من الذهب عاده، فيكون المضمون معادله من الذهب، فلا بد ان يدفع الضامن نفس ذلك المقدار من الذهب، او ما يعادله من ذلك النقد، فيكون التضخم ونقصان قيمه النقد مضمونا بهذا الاعتبار. وفرق هذه المحاوله عن سابقتها هو انكار اصل الماليه الاستقلاليه للنقود الورقيه واعتبارها مجرد سندات على الدين والالتزامات.

وفيه: ان هذا ربما كان صحيحا فى بعض الادوار التاريخيه التى مرت على النقود الورقيه واما اليوم فلا اساس له من الصحه.

وتوضيح ذلك: ان النقد الورقى قد مر بادوار اربعه: الدور الاول: دور نيابتها عن ارصدتها من ذهب وفضه التى كانت مودعه فى خزانه الجهه المصدره لها، ولم تكن هذه الاوراق الا حاكيه عن وجود تلك الودائع والارصده، وسندا محضا عليها.

الدور الثانى: حينما احس المصدرون لتلك الاوراق بانهم غير مضطرين الى الاحتفاظ بتلك الارصده والودائع بمقدار الاوراق الصادره، لان اصحابها سوف لن يطالبوهم جميعا فى وقت واحد بتسليمها فتبدلت بالتدريج فكره الاحتفاظ بالارصده والنقود الحقيقيه كوديعه لصاحبها الى فكره التعهد والضمان من قبل الجهه المصدره لتلك الاوراق بدفع الرصيد لمن جاء بالورقه الى مصدرها، فاستطاعت تلك الجهه ان تستفيد مما اودع عندها من الذهب والفضه اعنى النقود الحقيقه، لانها اصبحت ملكا لها فاعطتها لاخرين فى معاملات تجاريه، وهم بدورهم ايضا اودعوها عند تلك الجهه فى قبال اصدار سند لهم، وهكذا امكن لتلك الجهه ان تتعهد باضعاف ما اودع عندها من النقود الحقيقيه واصدار سندات عليها. وبذلك اصبحت الجهه المصدره مدينه لصاحب الورقه بمقدار رصيده واصبحت الورقه كالشيكات اليوم سندا على القرض، فهى تحكى عن رصيد فى الذمه لا رصيد خارجى ووديعه كما فى الدور السابق.

الدور الثالث: حينما احست الدول باهميه وخطوره هذه الاوراق وقدرتها على نيابه النقود الحقيقيه من ذهب وفضه باكثر من واقعها فتدخلت فى المنع عن اصدارها من قبل الجهات الشخصيه قانونا فاصدرت بنفسها الاوراق وسنت القوانين لحمايتها ورسميتها وتعهدت بجعل مقدار الرصيد بازاء ما يصدر منها بالذهب او الفضه لكى تبقى معتبره بين الناس وسائر الدول، وعندئذ اصبح هذا التعهد تعهدا مستقلا عن ترجمه الورقه للرصيد بان من اتى بشى‏ء منها الى الجهه المصدره قدمت له من الرصيد بقدره، فلم تعد الورقه شيكا او سندا على ذمه المتعهد، بل اصبحت ذات ماليه مستقله وتعهد الدوله او القانون بالرصيد لم يعد الا حيثيه تعليليه لاعتبار الماليه لهذه الاوراق.

الدور الرابع: هو الدور المثبت اليوم عالميا حيث الغى التعهد من قبل الدول المصدره لتلك الاوراق بدفع الرصيد، او الاحتفاظ به بمقدارها نهائيا، واصبح طبع تلك الاوراق المعتبره قانونا على اساس معادلتها مع واقع الثروه والامكانات الحقيقيه التى تمتلكها الدوله طبقا لمعادلات وحسابات علميه دقيقه يشخصها الاقتصاد القومى.

وعلى هذا الاساس يعرف ان مفهوم الرصيد للاوراق النقديه فى الوضع العالمى اليوم لم يعد ما كان سابقا من مبلغ معين فى ذمه شخص او جهه، وانما رصيد النقود الورقيه لكل دوله عباره عن مجموعه ما تمتلكه من القدره الاقتصاديه على التعهد بسلع او اعمال وخدمات اقتصاديه، لا بمعنى ان مبلغا معينا منها يكون محكيا بمبلغ معين من هذه الاوراق كما هو شان السندات، بل بمعنى ان هذه الاوراق تمكن صاحبها من امتلاك مبلغ من تلك الامكانات وفق ما تقتضيه قاعده العرض والطلب ومدى ازدهار وتقدم الوضع الاقتصادى للبلد. اى ان اى شى‏ء يفترض رصيدا لهذه الاوراق فهو محكوم لنظام التضخم وصعود قيمته او انخفاضها بالقياس الى الاوراق فى حين ان شيئا ما لو كان رصيدا لهذه الاوراق -بمعنى سنديه الاوراق له، وحكايته عن ثبوته فى ذمه الدوله المصدره للاوراق- لما كان من المعقول هبوط مبلغ ذلك الشى‏ء باستمرار او صعوده احيانا، اى ان سندا ما اذا كان حاكيا عن مثقال من الذهب فى ذمه احد لكان يبقى ما فى ذمته المحكى بهذا السند دائما مثقالا من الذهب لا يزيد ولا ينقص، والحال ان ارصده الاوراق النقديه ليست كذلك، ولهذا نجد انه كلما تزدهر وتتقدم الاوضاع الاقتصاديه للبلد المصدر لتلك الاوراق، وتكثر فيه الثروات والامكانات الاقتصاديه قويت اوراقه الماليه فى تجاره خارجيه او داخليه، وبالعكس كلما ضعفت امكانات البلد وثروته الاقتصاديه ضعفت اوراقه الماليه وانخفضت قيمتها. فلم يعد خافيا اليوم ان الاوراق النقديه الرائجه فى العالم تعتبر هى الاموال بالاستقلال ولا تعتبر سندات حاكيه عما فى الذمم، وان مساله الرصيد لها لا تعنى ذلك اصلا.


24

ومما يشهد او يدل على ذلك الاحكام القانونيه المرتبه على هذه الاوراق حيث انه يتعامل معها بما هى اموال مستقله لا بما هى سندات عليها فمثلا اذا تلف او اتلف مقدار منها كان ذلك تلفا للمال لا للسند، فلا تبقى ذمه الجهه المصدره لها مشغوله برصيدها وما يعادلها لمالكها، كما ان اقباضها يكون اقباضا للمال وليس حواله على الجهه المصدره لها كما فى التعامل بالسندات، الى غير ذلك من الاحكام والاثار الحقوقيه المترتبه.

المحاوله السادسه: ان النقد وان كان مالا مستقلا بل ومثليا ايضا -اى ضمانه بالمثل- الا ان حقيقه النقديه حيث انها تتمثل فى القوه الشرائيه والقيمه التبادليه فيكون الداخل فى عهده الضامن تلك القوه الشرائيه، لان النقد ليس الا عباره عن القوه الشرائيه المتجسده فى الخارج فيكون المضمون مماثل تلك القيمه والقوه الشرائيه لا محاله.

وفيه: اولا: ان لازمه ان لا يجب على الضامن دفع الزياده اذا ارتفعت قيمه النقد وقوته الشرائيه، لان الضامن قد ضمن القوه الشرائيه المحضه المتجسده فى الورقه لا غير.

وثانيا: ان القوه الشرائيه بهذا المعنى امر معنوى انتزاعى، لا يفهمه العرف، ولا يعتبره هو المال الخارجى، وانما المال الخارجى نفس الورقه النقديه والضامن يضمن مثلها لا محاله، لان قيمتها وماليتها او قل قوتها الشرائيه حيثيه تعليليه اجنبيه عن صفات المثل كغيرها من المثليات.

المحاوله السابعه: ان النقود اذا كانت حقيقيه كالدرهم والدينار فقد يقال بعدم ضمان نقصان قيمتها، لان ماليتها بجنسها الحقيقى، والذى هو مال مثلى كسائر الاموال المثليه، واما النقد الاعتبارى فحيث انه لا منفعه ذاتيه استهلاكيه له اصلا، وانما منفعته بجعله للتبادل، فتكون هذه الخصوصيه -اعنى قيمته التبادليه وقوته الشرائيه- ملحوظه عرفا وعقلائيا كوصف حقيقى، فتكون مضمونه كضمان سائر صفات المثل، بل هذه الحيثيه قد تعد قوام النقد وحقيقته بالمقدار المرتبط باعتبار النقد نفسه، لا بارتفاع او انخفاض قيمه السلع الاخرى فى السوق بتاثير عوامل العرض والطلب عليها، فاذا تغيرت قيمه النقد من هذه الناحيه كما اذا قل اعتبار الدوله المصدره له وضعفت قوتها الاقتصاديه او نشرت الدوله كميات اكثر منه بلا رصيد حقيقى بازائه كان هذا التغيير كالتغير فى الاوصاف العرضيه للمثل، كالثلج فى الصيف، والماء فى المفازه مضمونا عرفا، لاهميته وخطورته وملحوظيته عرفا فى خصوص النقود الاعتباريه، فلا يكون اداء معادله الاسمى وفاء واداء للمثل، وانما مماثله المعادل لنفس القيمه والماليه المعتبره له سابقا من نفس الجنس، فيكون هناك ضمان للخصوصيه الجنسيه، وضمان للقيمه والقوه الشرائيه فيه باعتبارهما معا من اوصاف المثل، ومن هنا ‏ايضا لا يصح دفع عمله اخرى من جنس آخر، كما ان ارتفاع الماليه والقيمه لذلك الجنس من النقد يكون للمضمون له، لانه ارتفاع لماليه جنس النقد وخصوصيته المضمونه، فلا يجوز للضامن دفع الاقل منهما اذا ارتفعت ماليته، وفى نفس الوقت يكون نقصان القيمه والقوه الشرائيه مضمونا ايضا.

وبهذا يكون ضمان النقد مثليا، اى يضمن جنسه، كما يضمن سائر المثليات، ولا يضمن عنوان القوه الشرائيه الذى قلنا فى المحاوله السابقه بانه امر معنوى انتزاعى، الا ان مثليته تتقوم بخصوصيته الجنسيه وبقيمته وقوته الشرائيه معا ولكن بالمقدار المرتبط به، لا بقيمه السلع الاخرى من سائر النواحى، اى من ناحيه مقدار العرض والطلب عليها فى نفسها من غير ناحيه ارتباطها بقيمه النقد، فاذا كان هبوط قيمه النقد من جهه غلاء الاجناس الاخرى، او اكثرها لندرتها او غير ذلك من اسباب ارتفاع قيمه السلع -وموشره ان اسعارها ترتفع بلحاظ جميع العملات، وانواع النقود الاخرى ايضا، لا خصوص النقد الرائج فى البلد- فهذا لا يكون مضمونا لصاحب النقد لان هذه الماليه الزائده لم تكن مرتبطه بالماليه التى كان يمثلها النقد المضمون، وان كان هبوط قيمه النقد من ناحيه تغير سعر النقد نفسه لضعف الجهه المصدره له اقتصاديا كان مضمونا.نعم، تبقى مشكله كيفيه محاسبه القوه الشرائيه للنقد من تلك الناحيه، ولعل افضل طريقه ان يقاس بالنسبه للعملات الاخرى الثابته مالياتها، او الاجناس الثابته فى ماليتها نوعا وعاده كالذهب والفضه، او بالقياس الى متوسط سعر السلع فى السوق فى كل فتره من الزمن.

وهذه المحاوله وان كانت قريبه من النفس الا ان هناك ايرادات واشكالات عليها لا بد من ملاحظتها وتمحيصها وهى كما يلى:الاول: ان هذه الخصوصيه كما هى ملحوظه فى الاوراق النقديه كذلك ملحوظه فى الدرهم والدينار من النقود الحقيقيه، لان حيثيه نقديتها كنقديه الاوراق من حيث ملاحظه العرف لقوتها الشرائيه، ومجرد كون ذلك على اساس المنفعه الحقيقيه فى جنسها لا مجرد الاعتبار لا يوجب فرقا من هذه الناحيه، ولازم ذلك جواز اخذ الزياده فى الدرهم والدينار لدى نزول قوتها الشرائيه، ولا اظن التزام احد بذلك.


25

ويمكن الاجابه عنه بالفرق بينهما من ناحيه ان اعتبار العرف للقوه الشرائيه فى النقد من صفات المثل التى تدخل فى الضمان انما يكون فى النقد الاعتبارى لا الحقيقى، لان نكتته عرفا ليست مرتبطه بحيثيه النقديه، وكون الشى‏ء وسيله للتبادل ليقال باشتراكه بين النقدين بل مرتبطه بحيثيه اعتباريه ماليته، حيث ان النقد الاعتبارى انما يضرب ليكون تعبيرا عن الماليه والقوه الشرائيه المحضه التى يعتبرها القانون، فتكون تلك القوه ملحوظه فيه بنحو المعنى الاسمى، بخلاف النقد الحقيقى حيث يمكن ان يقال فيه بان قوته الشرائيه ملحوظه فيه بنحو المعنى الحرفى، وبما هى من آثار خصوصيته الجنسيه الحقيقيه، فلا تلحظ عرفا من صفات المثل زائدا على الجنس الحقيقى، وان شئت قلت: ان وجود المنفعه الذاتيه والجنس الحقيقى فى النقد الحقيقى، وكونه هو الملاك الاساس فى ماليته ونقديته يجعل العرف يتعامل معه كما يتعامل مع الاجناس الحقيقيه من حيث الضمان.

الثانى: ان القيمه السوقيه والقوه الشرائيه للنقد وان كانت حيثيه تقييديه عرفا -اى قوام النقد وحقيقته بذلك حيث لا منفعه ذاتيه له- الا ان مجرد هذا لا يكفى لضمان التضخم ونقصان قيمته السوقيه من قبل الضامن له، لان هذه الصفه -اعنى القيمه السوقيه للنقد- من الصفات الاضافيه النسبيه التى لها طرف آخر، وهو السوق ومدى رغبه الناس فى النقد وتنافسهم عليه، والصفات النسبيه ان كان تغيرها وزوالها بتغير صفه او منشا لها قائم بنفس المال، كما اذا قلت رغبه الناس فيه، لزوال طعمه او لونه او تاثيره، فمثل هذا يكون مضمونا ومن صفات المثل، لان تلك الحيثيه والمنشا القائم بالمال يكون متعلقا لحق المالك ايضا، واما اذا كان تغيرها لتغير طرف الاضافه الذى هو اجنبى عن المال وخارج عنه فلا معنى لان يكون مضمونا، لان ذلك الطرف لم يكن مملوكا لمالك المال او متعلقا لحقه، كما اذا تصرف المتصرف فى الجو فاصبح باردا فلم يرغب الناس فى شراء الثلج مثلا، او عالج الناس بلا دواء بحيث لم يرغب احد فى شراء دواء معين، فانه لا يكون ضامنا لماليه مالهم، وكذلك الحال فى القيمه السوقيه للنقد فان نقصانها يعنى ان السوق والناس قلت رغبتهم فيه ولو لضعف الجهه المصدره له، الا ان المفروض ان تلك الجهه لا تزال متعهده ومعتبره للنقد ى‏ى‏ى‏ى‏كالسابق، وانما قلت رغبه الناس فى اعتبارها كما تقل فى السلع الحقيقيه، فهذا تغير فى جهه اجنبيه عن حق المالك للمال، فلا وجه لان يكون من صفات المثل ويكون مضمونا، والشاهد عليه: انه لو سبب بالدعايه، او باى سبب آخر الى ان تقل رغبه الناس فى تلك العمله فقلت قيمتها، بل حتى لو سبب ضعف الجهه المصدره لها لم يكن ضامنا لنقصان قيمه النقود التى بايدى الناس جزما، مع ان هذه الصفه والخصوصيه لو كانت من صفات المثل ومضمونه بضمان المثل لزم ان يكون التسبب الى زوالها عن العين المملوكه لمالكها موجبا لضمان قيمتها ايضا، كما اذا تسبب الى فساد اموال الناس او تغير صفه من صفاتها الحقيقيه المرغوب فيها.

فالحاصل: هناك تلازم بين الحكم بضمان وصف من اوصاف العين المضمونه من باب كونه من صفات المثل فى فرض ضمان العين وبين الحكم بضمانه مع بقاء العين اذا تصرف تصرفا موديا الى زوال الوصف، فلا بد من الحكم بضمان نقصان القيمه فى الفرض المذكور -وهو مما لا يلتزم به- او الحكم بعدم ضمانه فى فرض التلف ايضا، لان نكته الضمان فيهما واحده، وهى كون تلك الصفه فى المال متعلقا لحق المالك، فاذا كان له هذا الحق، فالضمان فى الفرضين، والا فلا ضمان فيهما ايضا.

والجواب: بالفرق عرفا فى الاوصاف النسبيه الاضافيه بين التصرف فى طرف الاضافه، والتصرف فى العين، فان الاول لا يكون موجبا للضمان، لانه ليس من التصرف فى حق الغير وملكه، بخلاف الثانى فانه تصرف فيه، حتى بلحاظ وصفه النسبى وما يوجبه من الماليه فيه، فمثلا اذا كان مال فى سوق معين اكثر ماليه وقيمه منه فى مكان آخر، فتاره يتصرف المتصرف فى المال بان ياخذه الى مكان آخر، ويخرجه عن ذلك السوق فيكسد، فانه يحكم بضمانه، واخرى يتصرف فى السوق بان يرغب من يرغب فيه بالانتقال الى مكان آخر فيكسد المال بعد ذلك، فانه لا يكون ضامنا، لانه لم يتصرف فى مال الغير وحقه. ومقامنا من هذا القبيل، فانه اذا اتلف النقد الذى له ماليه وقيمه سوقيه معينه، او اخذه من مالكه على وجه الضمان، فانه يعد اتلافا او اخذا لقوته الشرائيه من مالكه فيضمنه بماله من القيمه والماليه، بخلاف ما اذ اثر على السوق فغير من رغبه الناس وتنافسهم على النقد، او اثر على الجهه المصدره له فحاربها اقتصاديا مثلا فاثر ذلك فى قوه النقد عالميا، فان هذا لا يعد تصرفا فى مال مالك ذلك النقد.


26

نعم، لو غصب النقد غاصب ثم ارجعه بعينه الى مالكه بعد ان نقصت قيمته وقوته الشرائيه نتيجه التضخم الناشى‏ء من هبوط قيمه النقد كان لازم هذا التحليل ان يكون ضامنا للنقصان، كما اذا غصب جنسا فارجعه فاسدا او ناقصا فى بعض اوصافه الدخيله فى الماليه، ولا يبعد صحه الالتزام بذلك فقهيا.

لا يقال: فلماذا لا يحكم بضمان نقصان القيمه السوقيه فى السلع والاجناس الحقيقيه المثليه اذا نقصت قيمتها بعد التلف او الغصب، كما اذا اتلف منا من حنطه فضمنها ثم نقصت قيمتها، فانه لا يجب عليه اكثر من دفع من من تلك الحنطه؟! فانه يقال: ان الحكم بعدم ضمان ذلك ليس من الجهه المذكوره فى الاشكال، بل لجهه اخرى وهى كون القيمه حيثيه تعليليه لماليه الاجناس الحقيقيه لا تقييديه، بمعنى ان منا من تلك الحنطه يعد عرفا نفس ذلك المال التالف، لا اقل منه، الا اذا فكرنا بعقليه تجاريه حسابيه لا تكون ميزانا للاحكام العرفيه والعقلائيه، فلو اريد ضمان نقصان قيمه السلعه زائدا على من من تلك الحنطه من باب دخل ذلك فى المثليه، فليست القيمه السوقيه دخيله فى ذلك فى الاجناس الحقيقيه كما اشرنا، وان اريد ضمانه بعنوان ضمان القيمه السوقيه مستقلا وابتداء فالضمان لا يتعلق الا بالمال لا بالماليه، وانما الماليه حيثيه تعليليه فى المال المضمون، فان هذا هو المستظهر من ادله ضمان الاموال الشرعيه والعقلائيه، وهذا بخلاف النقد الاعتبارى المحض، فان قيمته وقوته الشرائيه تمام حقيقته وقوامه فتكون حيثيه تقييديه فيه، اى ان ماليه النقد الاعتبارى تكون بقيمته التبادليه والشرائيه، لا بجنسه الحقيقى، اذ لا قيمه له، ولا باعتباره، لان الاعتبار بما هو اعتبار ليس مالا، وانما الماليه بما وراء ذلك الاعتبار من القوه الاقتصاديه فى الجهه المصدره التى تجعل الورقه النقديه فيها قوه شرائيه تبادليه حقيقه، وهذا يعنى ان ماليه هذه الاوراق انما تكون بنفس قوتها ى‏ى‏ى‏ى‏التبادليه والشرائيه لا بشى‏ء آخر، فلا محاله يكون مثل النقد الماخوذ او التالف اولا ما يعادله من نفس النقد فى قوته الشرائيه التبادليه، وبهذا يدعى الفرق بين النقود الاعتباريه والاموال الحقيقيه.

الثالث: ان ضمان نقصان قيمه النقد -التضخم- يستلزم تجويز الربا والفائده بمقدار سعر التضخم، فاذا اقرضه مثلا عشره آلاف تومان لسنه، فاصبحت قيمتها الشرائيه عند حلول الاجل نصف ما كانت عليه فى السابق، استحق الدائن على المدين عشره آلاف اخرى اضافيه، وهذا مصداق للربا المحرم، بل قد يكون سعر التضخم اكثر من سعر الفائده الربويه اليوم، فكيف يمكن الالتزام بذلك؟! ويمكن الاجابه عن هذا الاشكال ايضا: اولا: بانه لا باس بالالتزام بذلك، لانه ليس ربا، اذ ليس كل زياده عينيه او اسميه ربا فى باب القرض، وانما الربا هو الزياده على راس المال، اى زياده مال على اصل المال المسلف، وهذا لا يصدق فى المقام، فلا يشمله اطلاق الايه، او روايات حرمه الربا، اذ الزياده ان كانت من جهه الماليه والقيمه التبادليه فالمفروض مساواتها مع الاصل نتيجه التضخم وهبوط قيمه النقد، وان كانت من جهه الزياده الاسميه، وان عشرين تومان ازيد من عشره فالاسم او الاعتبار بما هو اسم او اعتبار ليس مالا كما اشرنا، وانما ماليته بلحاظ قوته التبادليه والشرائيه، وهى معادله للاصل، وبهذا ظهر الفرق بين النقد الاعتبارى والاجناس الاخرى، فان منين من الحنطه مال ازيد من من واحد، ولو نقصت قيمته السوقيه، فيصدق فيه الزياده فى المال على راس المال، فيكون ربا محرما فالحاصل ان المستفاد من ذيل آيه الربا، ومما ورد فى تفسير الربا (وان كل شرط جر نفعا فهو ربا) ان الميزان والمقصود من الربا -الذى يعنى لغه الزياده- ليس مطلق الزياده حتى اذا لم تكن لها ماليه ونفع، كما لو زاد شيئا لا ماليه له كالميته مثلا، بل الزياده فى الماليه بلحاظ راس المال، وهذا يصدق فى مورد الجنس الحقيقى بمجرد زياده كميته عرفا، ولو نقصت قيمته، كما يصدق كلما كان الجنس مساويا، ولكن اشترط شرط زائد له ماليه ونفع، واما اذا لم تكن الزياده الا عنوانا واسما من دون جنس حقيقى زائد، كما فى النقد الاعتبارى فلا تصدق الزياده فى راس المال ولا النفع، فلا تشمله ادله الربا، ولا دليل كل شرط جر نفعا فهو ربا، لانه لا يصدق عليه انه شرط يجر نفعا له، اذ لا نفع فيه له مع فرض التساوى فى القيمه التبادليه، وانما هو حفظ لنفس راس ماله، كيف! والا قد ينسد باب القرض الحسن على الناس مع التضخم المستمر اليوم فى باب النقود الاعتباريه فى عالمنا الثالث، لانه يودى الى خسران اصحاب الاموال المقترضه لاصل رووس اموالهم عما اسلفوها! وثانيا: لو تنزلنا عن ذلك وقلنا بعدم جواز اخذ النقصان حتى بالشرط فغايته عدم ضمان سعر التضخم فى عقد القرض، لا فى سائر عقود الضمان، فضلا عن ضمان الغرامه بالتلف والاتلاف.


27

نعم، فى العقود لو جعل المقدار والمعادل الاسمى للنقد ثمنا وعوضا. اى لوحظ النقد الاعتبارى بما هو نقد اعتبارى، لا بما هو طريق الى قدرته الشرائيه وقيمته التبادليه لم يستحق المضمون له اكثر من معادله الاسمى، فكيفيه ملاحظه النقد تختلف من مقام الى مقام، فقد يلحظ بما هو هو، ويجعل عوضا فى العقد، فلا ضمان لنقصان قيمته، وقد يلحظ بما هو طريق الى القيمه التبادليه والسوقيه، ويجعل ثمنا، فيكون مضمونا بقيمته الشرائيه لا محاله.

الرابع: ان مقدار التضخم وهبوط قيمه النقد لو كان مضمونا فهذا يودى الى الارتباك والتردد فى مقدار الديون والاثمان فى عقود الضمان، بل وكذا فى الضمانات القهريه، لان التضخم فى النقود الاعتباريه اليوم امر واقع لا محاله وهو تدريجى مستمر، فلا بد للديان من محاسبه مالهم على المدينين فى كل يوم ويطالبونهم بمقدار اكثر حسب تغير سعر العمله التى تعاملوا بها، وهذا مما لا يمكن الالتزام به فقهيا، ولا تلتزم به القوانين المدنيه اليوم ايضا. خصوصا اذا لاحظنا ان اسباب التضخم وانواعه ودرجاته مختلفه ومتعدده، فهل يحكم بالضمان فيها جميعا او فى بعض دون بعض؟ ويمكن الجواب عن هذا الاشكال بالتفصيل بين ضمان الغرامه بالتلف والاتلاف، وبين الضمان العقدى اى ضمان المسمى، ففى الاول يلتزم بضمان نفس القوه الشرائيه والقيمه التبادليه التى كانت للنقد فى زمان تلفه، ولا محذور فيه، ويكون نظير ضمان القيميات على القول بكون الميزان فيه بقيمه يوم الاداء فتحسب القيمه والقوه الشرائيه المعادله يوم الاداء، وفى الثانى لا مانع من الالتزام بان النظر العرفى فى الاثمان ملاحظه النقد بما هو هو، اى بماله من القيمه الاسميه، فاذا اشترى شيئا بالف تومان نسيئه يكون ظاهر الحال ان الثمن هو الف تومان، لا ما يعادله فى القوه الشرائيه من التوامين، الا اذا اشترط ذلك صريحا او ضمنا بنحو لا يلزم منه الجهاله فى مقدار الثمن، كما اذا اشترط ضمان نقصان قيمتها، ولا يبعد وجود شرط ضمنى نوعى فى موارد التغير والنقصان الفاحش.

واما بالنسبه الى اسباب التضخم وانواعه فقد اشرنا فى المحاوله السابعه الى انه تاره يكون التضخم ونقصان قيمه النقد لارتفاع قيمه السلع الاخرى بسبب قله عرضها وانتاجها، فمثل هذا لا يبعد كونه كالقيمه السوقيه للسلع الحقيقيه ليس من صفات المثل، فلا يكون مضمونا الا بالشرط فى ضمن عقد لازم.

واخرى يكون سببه ضعف اعتبار الجهه المصدره للنقد وضعف امكاناتها الاقتصاديه او اصدارها للنقود بكميات زائده من دون وجود قدره حقيقيه وراءها فهذا يعتبر من صفات المثل للنقد، فيكون مضمونا على القاعده.

وهكذا يتلخص من مجموع ما تقدم ان ضمان نقصان قيمه النقود الاعتباريه يتوقف على الجزم بان العرف قد ينظر الى النقد الاعتبارى بما هو مال تتقوم ماليته بماله من القوه الشرائيه والقيمه التبادليه لا بماله من القيمه الاسميه او الاعتبار القانونى، فيكون مماثله ما يعادله من نفس النقد الاعتبارى فى قيمته التبادليه، فاذا تم ذلك ثبت الضمان على القاعده، والا كان مقتضى الاصل عدم ضمان الاكثر من معادله الاسمى.

وربما يستدل على الضمان بطرق واستدلالات اخرى غير هذا الطريق الذى سلكناه نشير الى بعضها بعنوان محاولات اخرى.المحاوله الثامنه: (التمسك بقاعده العدل والانصاف لاثبات حق للمضمون له، وان حرمانه من القوه والقيمه الشرائيه التى كانت لنقوده سابقا ظلم عليه.

ويلاحظ عليه: اولا: بالنقض بالجنس اذا فرض نزول قيمته كذلك كما اذا كان قد اعطاه او اتلف عليه الف مثقال من فضه سابقا حينما كانت تساوى مائه مثقال من الذهب، وهى اليوم لا تساوى عشره مثاقيل ذهب، فهل يلتزم فيه ايضا بالضمان؟!وثانيا: بالحل وحاصله: ان اريد بقاعده العدل والانصاف التمسك بادله حرمه الظلم وسلب حق الغير عنه فمن الواضح ان هذا فرع ثبوت حق للمضمون له فى ضمان ماليه ماله من قبل الضامن فى المرتبه السابقه، فيكون اثباته به مصادره، على ان حرمه الظلم او قبحه لا يثبت الضمان الذى هو حكم وضعى. وان اريد به ما ورد فى بعض الروايات الخاصه من الحكم بالتنصيف فى موارد التردد واشتباه مال بين اثنين، وليس لاحدهما يد عليه او حلفا جميعا عليه، ونحو ذلك كما فى معتبرتى غياث واسحاق بن عمار((102)) وخبرى عبد اللّه بن المغيره((103)) والسكونى((104)) والتى قد يدعى استفاده كبرى كليه ارتكازيه منها، وان الحكم بالتنصيف بينهما فى فرض تساويهما من حيث ادله الاثبات انما هو بملاك العدل والانصاف بينهما، فمن الواضح ان مورد تلك الروايات وذلك الارتكاز -لو ثبت- انما هو الشبهه الموضوعيه، اى تردد مال خارجا ودورانه بين شخصين لا الشبهه الحكميه والشك فى ان الضامن هل عليه اكثر من المثل ام لا، فان الشك هنا فى اصل الحق لا فى تردده خارجا بين اثنين، فلا معنى لاستفاده هذا من ذاك المفاد، اللهم الا بدعوى ان العقلاء يرون هذا الحق للمضمون له، وهذا رجوع الى ضمان الماليه عقلائيا ابتداء، ولا ربط له بقاعده العدل والانصاف المصطلحه.


28

المحاوله التاسعه: اثبات ضمان نقصان ماليه النقود الاعتباريه بملاك الضرر، وان الضامن لو لم يجب عليه اكثر من المعادل الاسمى لما اخذه من المضمون له لزم تضرره، ولا ضرر ولا ضرار فى الاسلام.

وهذا مرجعه الى انا لو لم نتمكن من اثبات ضمان نقصان الماليه من باب كونها من صفات المثل فى خصوص النقد امكن اثباته بقاعده لا ضرر، حيث يقال بان العرف فى باب الاجناس والسلع الحقيقيه لا يرى صدق الضرر اذا ما ارجع له نفس الجنس الذى اخذه منه، فمن يرجع منا من الحنطه لمن اخذه منه لا يصدق فى حقه انه اضره وانقص ماله اذا تغيرت قيمته زمان الاداء عن زمان الاخذ، لان ماليته متقومه بمنفعته الاستعماليه الحقيقيه الثابته فيه بالتمام كما كانت فى الماخوذ منه، الا اذا فكرنا بعقليه وذهنيه تجاريه خاصه ليست ميزانا فى صدق عنوان الضرر فى الادله. واما فى باب النقد فحيث ان قوامه وحقيقته بقيمته التبادليه السوقيه حيث لا منفعه اخرى فيه فيصدق الاضرار عرفا بمجرد نقص ماليته فى زمان الاداء عن زمان الاخذ نعم، قد يقال بان هذا الوجه لا يجرى فى موارد العقود التى اقدم فيها الشخص بنفسه على جعل مقدار معين من ذلك النقد الاعتبارى الى اجل معين فى ذمه الضامن بدلا عن ماله، فانه اذا نزلت قيمته مع فرض عدم التخلف من قبل الضامن فى الاداء لم يكن ضامنا، لانه ضرر قد اقدم عليه المالك بنفسه، فيثبت ضمان نقصان الماليه فى غير هذه الحاله، كما فى حاله التلف والاتلاف -ضمان الغرامه- او الغصب او التاخير عن الاداء، فيضمن ى‏ى‏ى‏ى‏النقصان الحاصل فى زمان التاخير لا اكثر، لكونه اضرارا منه على المالك.

المحاوله العاشره: دعوى صدق الاتلاف للمال فى مورد نقصان قيمه النقد حين الاداء عن زمان الاخذ فيما اذا كان اخذه بدون رضى المالك واذنه، كما فى موارد الغصب او الاتلاف، بل والتلف بدون اذنه، بل وفى موارد التاخير عن الاداء للدين مع استحقاقه فتنزل قيمته، فانه فى كل ذلك يمكن ان يقال بصدق اتلاف مال الغير فى خصوص النقود، لكون القيمه والماليه فيها حيثيه تقييديه لا تعليليه، بخلاف سائر السلع، فالحاصل: يدعى فى هذه المحاوله ان عنوان اتلاف المال الذى هو موضوع ضمان الغرامه صادق فى النقود اذا تحقق موجبه، لكون الماليه والقيمه فيها ملحوظه عرفا كحيثيه تقييديه لا تعليليه، فيشملها اطلاق ادله الضمان بالتلف او الاتلاف.

وهذه المحاوله تتوقف صحتها على قبول هذه الدعوى وعرفيه التفصيل بين السلع الاخرى والنقود من هذه الناحيه، وعهدتها على مدعيها.

المحاوله الحاديه عشره: ان يدعى ثبوت حق الفسخ او التعويض فى موارد هبوط قيمه النقد هبوطا فاحشا فى العقود والالتزامات التى لم يستلم فيها الطرف الثمن لكونه نسيئه، او لاى سبب آخر، اما بملاك وجود شرط ضمنى ارتكازى بحق الفسخ فى مثل هذه الحالات الاستثنائيه، فيكون كالشروط الارتكازيه الاخرى، كعدم الغبن والعيب، فيرجع الى خيار الشرط، او بقاعده لا ضرر، بناء على امكان نفى اللزوم الضررى الحاصل من العقد عن الطرف المتضرر بنكته غير راجعه الى تقصيره، ومنه المقام فان الضرر المذكور ليس راجعا اليه، ولو كان يعلم به لما كان يقدم على البيع موجلا بذلك المقدار من النقد جزما، وانما كان ذلك نتيجه عدم علمه بما سيوول اليه النقد، فهو انما اقدم بانيا على بقاء الماليه لذلك النقد، وعدم انخفاضها الفاحش، وهذا ليس باقل من الغبن الذى اثبتوا فيه الخيار بقاعده لا ضرر. وهذه المحاوله لو تمت صغراها فهى تجدى فى موارد العقود والالتزامات لا الديون والضمانات، كما هو واضح.

المحاوله الثانيه عشره: اثبات ضمان نقصان القيمه للنقد فى الديون، بل والعقود ايضا اذا كان دفعه بعنوان اشغال ذمه المدين بحيثيه ماليته وقيمته بالقياس الى السلع او العملات الاخرى، لا بحيثيه مثليته، سواء اعتبرنا ذلك من باب اقراض المثلى بقيمته، نظير قرض القيمى، بناء على جوازه وصحته فى المثلى ايضا، حيث لا دليل على المنع عنه الا شبهه حصول الربا القرضى الذى اجبنا عنه سابقا، فيمكن ان يملكه النقد على ان تشتغل ذمته بقيمته وماليته وقوته الشرائيه من نفس الجنس من النقد فى ذمته او ارجعنا ذلك الى معامله اخرى غير القرض كالبيع مثلا. فلا محاله يجب على المدين اداء معادله فى القيمه من ذلك النقد عند الوفاء.


29

الا ان هذه المحاوله بحاجه الى اعمال مثل هذه العنايه التى لا تكون ملحوظه فى اقراض النقود عاده. كما انه بناء عليه سوف لن يستحق الدائن ارتفاع قيمه نقده ايضا، كما فى قرض القيمى، فان الميزان فيه بقيمه يوم القرض. اللهم الا اذا قلنا بجواز تضمين الجنس والقيمه معا، وان الاقراض للمثلى يجوز فيه ذلك، فتكون النتيجه ضمان النقصان والزياده معا.لا يقال: على هذا يثبت الضمان ايضا فيما اذا سبب نقصان قيمه النقد بالدعايه ضده مثلا فى السوق، او عرض كميات كبيره منه، بحيث اوجب نقصان قيمته، كما انه يلزم ان تكون الدوله المصدره للنقد ضامنه لنقصان قيمه نقدها بيد المالكين اذا سببت ما يوجب نقصان اعتبار نقدها، وهذا ما لا يمكن الالتزام به فقهيا.

فانه يقال: بالفرق بين هذه الموارد وبين مقامنا، اذ يمكن ان يمنع صدق الاضرار فيها، لان تصرف الغير كان من حقه، وفيما يرجع اليه، لا الى مالك النقد فلا يصدق الاضرار، بخلاف ما اذا كان قد غصب او اتلف عليه ماله، او اخر اداءه اليه، فانه بلا حق فيصدق عليه الاضرار عرفا.

وهذا الوجه لو سلمنا ما فيه من المصادره والدعوى العرفيه يتوقف على اثبات ان ملاك الضمان وموضوعه فقهيا انما هو الاضرار، وان الضمان ضمان مقدار الضرر الواقع على الغير لا تلف المال وضمان بدله مثلا او قيمه، وقد تقدم فى بحث آخر الاشكال فى امكان اثبات ذلك بقاعده لا ضرر او بالروايات الخاصه.

اما القاعده واثبات الضمان بها، فالاشكال فيه اما من ناحيه انها تنفى الحكم الضررى، ولا تثبت حكما يلزم من عدمه الضرر، او لان الضمان تدارك للضرر الواقع خارجا والقاعده لا تثبت تدارك الضرر، وانما تنفى الضرر بنفى منشاه وسببه التشريعى.

واما الروايات الخاصه، فلان الوارد فيها وفى كلمات الفقهاء ضمان ما يتلفه من مال الغير، واما الاضرار بالغير فقد ورد النهى عنه، وهو ظاهر فى الحكم التكليفى لا الضمان. نعم، ورد فى بعض الروايات (من. حفر شيئا فى طريق المسلمين فاصاب شيئا فعطب فهو له ضامن)((105)) وهو مجمل من هذه الناحيه قابل للحمل على انه يضمن المال الذى يصيبه بضمان المثل اذا كان مثليا او القيمه اذا كان قيميا، فيكون مساوقا مع اتلاف المال، وهكذا يكون اثبات الضمان للماليه فى باب النقود بملاك الضرر والاضرار مشكلا.

هذا كله فى البحث على مقتضى القاعده، وبه ينتهى البحث عن الفصل الاول.


30

الفصل الثانى:

واما البحث عن الروايات الخاصه، فهناك عده روايات متعارضه فى المقام فينبغى التعرض لها: احداها: معتبره يونس قال: (كتبت الى الرضا عليه السلام ان لى على رجل ثلاثه آلاف درهم، وكانت تلك الدراهم تنفق بين الناس تلك الايام، وليست تنفق اليوم، فلى عليه تلك الدراهم باعيانها، او ما ينفق اليوم بين الناس؟ قال: فكتب الى لك ان تاخذ منه ما ينفق بين الناس كما اعطيته ما ينفق بين الناس)((106)).

الثانيه: معتبرته الاخرى بنقل الشيخ قال: (كتبت الى ابى الحسن الرضا عليه السلام انه كان لى على رجل عشره دراهم، وان السلطان اسقط تلك الدراهم وجاءت دراهم اعلى من تلك الدراهم الاولى، ولها اليوم وضيعه، فاى شى‏ء لى عليه؟ الاولى التى اسقطها السلطان، او الدراهم التى اجازها السلطان؟ فكتب: لك الدراهم الاولى)((107)).

الثالثه: معتبره صفوان، قال: (ساله معاويه بن سعيد عن رجل استقرض دراهم من رجل، وسقطت تلك الدراهم، او تغيرت، ولا يباع بها شى‏ء الصاحب الدراهم الدراهم الاولى، او الجائزه التى تجوز بين الناس؟ فقال: لصاحب الدراهم الدراهم الاولى)((108)).

فقد يستدل بالروايه الاولى على ضمان الاوصاف الانتزاعيه غير الحقيقيه للمال، حيث دلت على ضمان خصوصيه نقديه الدرهم ورواجه للانفاق والتعامل به، وان الدرهم الذى اعطاه اذا سقط عن الرواج والانفاق كان له على المدين الدرهم الرائج، لانه اعطاه الرائج فتكون خصوصيه الرواج والنقديه تحت الضمان، مع انها خصوصيه اضافيه انتزاعيه وليست حقيقيه، كما ان هذا يستلزم عاده نقصان قيمته عن الدرهم الرائج، فتدل الروايه على ضمان القيمه الزائده التى كانت للدرهم المعط‏ى حين رواجه.

وفيه: انه يقال بان الروايه معارضه بروايه يونس الاخرى الداله على انه ليس له الا الدراهم الاولى. وقد يجمع بينهما بحمل الاولى على فرض السقوط عن الرواج والنقديه نهائيا، والثانيه على مجرد نقصان القيمه والوضيعه مع بقائه نقدا رائجا، حيث لم يصرح فيها الا بالوضيعه. الا ان هذا الجمع مما لا يمكن المساعده عليه، لان ظاهر التعبير فى الروايه الثانيه: بان السلطان قد اسقطها واجاز غيرها سقوط الدرهم الاول عن النقديه، وما ذكر فيها من الوضيعه لا يعنى انه رائج كنقد، بل يعنى ان قيمته باعتباره فضه مسكوكه ولو كانت ساقطه عن النقديه اقل من الدرهم الفعلى، هذا مضافا الى صراحه الروايه الثالثه -مضمره صفوان- فى انه ليس الدائن حتى فى فرض السقوط عن الرواج الا دراهمه الاولى حيث عبر فيها (ولا يباع بها شى‏ء).

والتحقيق ان يقال: اولا: ان روايه يونس الاولى غايه ما تدل عليه ان خصوصيه النقديه والرواج تدخل فى الضمان، وهذا لا يستلزم ضمان نقصان قيمه الدرهم الرائج، لان النقديه وان كانت من الاوصاف الانتزاعيه الا انها من الحيثيات المهمه التى تجعل الفضه المسكوكه نقدا يتعامل به كثمن فى المبادلات والمعاملات، بحيث يكون النقد عنوانا مباينا مع ما لا يكون نقدا من الاموال، فتكون هذه الخصوصيه من صفات المثل لا محاله عرفا، وهذا بخلاف نقصان قيمه المال، فانه لا يجعله عرفا مالا آخر، ففرق بين زوال نقديه الفضه المسكوكه وبين نقصان قيمته من هذه الناحيه، ولعل نكتته ما ذكرناه سابقا من ان القيمه حيثيه تعليليه فى المال لا تقييديه. فالروايه الاولى اذن اجنبيه عن بحث ضمان نقصان القيمه حتى لو لم يكن لها معارض الا بضرب من القياس وتنقيح المناط.

الصفحة السابقة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

الصفحة التالية

وثانيا: يمكن الجمع بين الروايه الاولى والاخيرتين بما ذكره الصدوق قدس سره والشيخ قدس سره من ان المقصود بالروايه الاولى ما اذا دفع له الدراهم وزنا، لا بما هى من نوع معين بالخصوص، فان التعامل بها على ما يظهر من الروايات ايضا كان باعتبار ما فيها من المثاقيل من الفضه المسكوكه، ومن هنا كانت توزن الدراهم والدنانير كثيرا فى مقام التعامل والمحاسبه، فاذا كان قد دفع له مقدارا من الدراهم بما هى فضه مسكوكه بسكه المعامله من دون ملاحظه خصوصيه السكه المضروبه كان له ان ياخذ منه فى مقام الوفاء ايضا ما يعادله وزنا -كما هو ظاهر الصدوق - او قيمه -كما هو ظاهر الشيخ فى الاستبصار- من الدراهم الرائجه لضمان وصف الرواج والنقديه، وان كان قد دفع له الدراهم بما هى نقد معروف معين اى بخصوصيه تلك السكه لم يكن له الا الدراهم من تلك السكه سواء كانت رائجه او راج غيرها، لان هذا هو مقتضى اشتغال ذمه المدين بخصوص تلك السكه، وهذا معناه ان النقد الحقيقى يمكن ان يلحظ تاره كسلعه فيكون مضمونا بخصوصيه، واخرى يمكن ان يلحظ كنقد اى كفضه او ذهب مسكوكين للتعامل مهما كانت سكته، فيكون المضمون ما يعادله من الفضه او الذهب الرائجين للتعامل.


31

وهذا التفصيل الذى ذكره العلمان معقول جدا الا انه لا بد من قيام شاهد جمع عليه من الروايات. ولعل ما يمكن ان يكون شاهدا عليه: ان سياق التعبير فى روايه يونس الاولى يناسب المعنى الاول، اى دفع الدراهم بما هى فضه مسكوكه بسكه التعامل لا بخصوصيته، حيث عبر فيها السائل بقوله: (فلى عليه تلك الدراهم باعيانها، او ما ينفق بين الناس؟) الظاهر فى انه يرى الفرق بين ما اعطاه وبين ما ينفق كالفرق بين الاعيان والمصاديق وبين كل ما ينفق بين الناس، فكانه انما كان قد اعطاه ما اعطاه سابقا بعنوان كونه مما ينفق بين الناس فى ذلك اليوم لا لخصوصيه فى سكته، وهذا بخلاف التعبير الوارد فى الروايتين الاخيرتين، فان ظاهر التعبير فيهما ملاحظه كل من الدرهمين بسكته بالخصوص، ولو فرض انهما مطلقتان تشملان الصورتين فتخصصان بالروايه الاولى بما اذا كانت خصوصيه السكه ملحوظه ومطلوبه للدائن حين التعامل.

ثم انه يمكن ان يستدل ايضا على عدم ضمان المدين لنقصان قيمه النقد بما دل من الروايات على ان الميزان بسعر يوم الوفاء لمن كان له على غيره دنانير او دراهم، ثم يتغير السعر قبل المحاسبه: ففى صحيحه عبد الملك قال: (سالت ابا الحسن موسى عليه السلام عن رجل يكون عنده دنانير لبعض خلطائه، فياخذ مكانها ورقا فى حوائجه، وهو يوم قبضت سبعه وسبعه ونصف بدينار، وقد يطلب صاحب المال بعض الورق، وليست بحاضره فيبتاعها له من الصيرفى بهذا السعر ونحوه، ثم يتغير السعر قبل ان يحتسبا، حتى صارت الورق اثنى عشر بدينار، هل يصلح ذلك له، وانما هى بالسعر الاول حين قبض كانت سبعه وسبعه ونصف بدينار؟ قال: اذا دفع اليه الورق بقدر الدنانير فلا يضره كيف كان الصروف، فلا باس) ((109)).

وفى صحيح الحلبى عن ابى عبد اللّه عليه السلام: (فى الرجل يكون له الدين دراهم معلومه الى اجل، فجاء الاجل، وليس عند الذى حل عليه دراهم، فقال له: خذ منى دنانير بصرف اليوم، قال: لا باس به) ((110)).

وروايات اخرى بنفس المضمون فى نفس الباب.

وفى روايه يوسف بن ايوب شريك ابراهيم بن ميمون عن ابى عبد اللّه عليه السلام قال: (فى الرجل يكون له على رجل دراهم، فيعطيه دنانير، ولا يصارفه، فتصير الدنانير بزياده او نقصان قال: له سعر يوم اعطاه)((111)). وهى معتبره ايضا، لان يوسف هذا ينقل عنه ابن ابى عمير فى شخص الروايه.

وتقريب الاستدلال بها انها جعلت الميزان والضابطه فيمن اراد وفاء ما عليه من الدينار او الدرهم بالاخر بصرف يوم الدفع والوفاء لا يوم المحاسبه ولا يوم اشتغال ذمه المدين بالدين اذا فرض تغير اسعار الصرف بالزياده والنقيصه، وهذا لازمه ان نقصان قيمه النقد المشتغل به الذمه لا يكون مضمونا، ولا يجب على المدين ان يدفع اكثر من قيمته يوم الوفاء بالنقد الاخر مهما كانت قيمته قبل ذلك.

وقد يناقش فى هذا الاستدلال بان الروايات المذكوره ناظره الى مساله صرف الدينار بالدرهم وبالعكس فيكون المنظور اليه زمان تحقق بيع الصرف وما بعده، واما تغير قيمه النقد الذى على المدين قبل الصرف فلا ربط له بالصرف، ولا يكون ملحوظا فى جواب الامام عليه السلام فى هذه الروايات، فلا دلاله لها على حكم نقصان قيمه النقد من تلك الناحيه.

والجواب: ان الروايات وان كانت ناظره الى صرف الدينار بالدرهم وبالعكس الا انه بعد ان كان حكم صرف احدهما بالاخر وباى سعر يتفق عليه الطرفان واضحا فى نفسه، وليس مورد السوال فى هذه الروايات، فلا محاله يكون جهه السوال فيها عن وفاء ما عليه من الدرهم او الدينار بالاخر من غير مصارفه ومحاسبه، على اساس ان يكون ذلك بسعره الواقعى، وحيث ان سعره الواقعى يتغير ويختلف بحسب عمود الزمان بالزياده والنقصان، فيسال السائل عن المعيار الذى يمكن ان يكون عليه سعر المصارفه فى المحاسبه، والامام عليه السلام قد اجاب بان له سعر يوم الوفاء، وانه لا يضره كيف كان الصروف. وهذا معناه اعطاء ضابطه كليه هى: انه اذا اراد ان يستوفى دينه بالمصارفه فليس له الا سعر يوم الدفع والوفاء، لان الوفاء يتحقق فيه، وكون مورد السوال فى بعض الروايات فى فرض تغير سعر الصرف بعد زمان الوفاء لا يجعل الضابطه الكليه المذكوره مخصوصه به دون فرض تغير السعر قبل زمان الصرف، فان هذا خلاف النكته الكليه المستفاده من هذه الروايات، وهى تحقق الوفاء بالدفع والعطاء ووصول المال الى الدائن، فيكون الميزان بسعر الصرف حينه، وهذا لا فرق فيه بين تغير سعر الصروف بعد الوفاء او قبله، بل وهذا خلاف اطلاق صحيحه الحلبى المتقدمه وامثالها من الروايات. ‏فالحاصل: لا ينبغى الاشكال فى دلاله هذه الروايات على فتوى المشهور من ان النقد الذى تشتغل به ذمه المدين لو اراد الوفاء به بما يعادله من النقد الاخر فليس للدائن الا سعر يوم الوفاء، وهذا لازمه ان النقد المذكور لو ارتفعت قيمته فلا بد للمدين ان يدفعه بالقيمه المرتفعه عند الوفاء، ولكن لو نقصت قيمته فلا يجب عليه الا سعر يوم الوفاء فلا يكون نقصان القيمه مضمونا حتى فى النقد.


32

الا ان الروايات المذكوره كلها وارده فى النقد الحقيقى، اى الدرهم والدينار، وقد ذكرنا فيما سبق بانهما كالسلع والاموال الحقيقيه الاخرى لها ماليه ذاتيه قائمه بخصوصيتهما الجنسيه بل والنقديه الخاصه، بحيث تكون هذه الخصوصيه ملحوظه عرفا وماخوذه تحت الضمان، فلا يمكن ان يستفاد منها حكم النقد الاعتبارى المتمحض ماليته فى الجنبه النقديه الاعتباريه، بل لا يمكن ان يستفاد منها عدم ضمان نقصان قيمه الدرهم والدينار -اى النقد الحقيقى- اذا لوحظ فى مقام دفعه جنبه النقديه وقوته الشرائيه محضا، بان اقرضه مثلا الف درهم على ان يوفيه قيمته اليوم بالقياس الى الدينار او السلع الاخرى عند الوفاء بدرهم يوم الوفاء، كما فى قرض القيمى، فان هذا لا يمكن استفاده عدم صحته من الروايات المذكوره، لان هذا النحو من التعامل القيمى لم يكن متعارفا مع الدرهم والدينار، ليتشكل اطلاق فى الروايات المذكوره لنفى جوازه.

نعم، قد يستفاد بطلانه فى النقود الحقيقيه على اساس صدق الربا القرضى والزياده بلحاظ جنس الذهب والفضه الثابتين فيها، وذاك بحث آخر تقدم تفصيله، كما انه لا يمكن ان يستفاد من هذه الروايات حكم ضمان الغرامه بالتلف والغصب ونحوها.

الخاتمه:

وهى فيما يرتبط بهذه المساله الخطيره، حيث ان هناك عده بحوث مرتبطه بمساله التضخم -او نقصان قيمه النقد- الا اننا نقتصر على اثنين منها: الاول: ان للتضخم ونقصان قيمه النقد اثرا مهما فى باب الخمس، حيث يمكن ان يقال على اساسه بعدم تعلق الخمس فى مال التجاره اذا ارتفعت قيمتها، وكان ذلك على اساس التضخم فحسب، لانه بحسب الحقيقه من نقصان قيمه النقد وهبوطه، لا ارتفاع قيمه السلعه التجاريه. ومن هنا تكون قيمتها بالقياس الى سائر السلع باقيه على حالها، لانها جميعا ارتفعت اسعارها، وهذا يودى الى ان لا يصدق عنوان الفائده والربح، او الغنيمه الذى هو موضوع تعلق الخمس، فالتاجر وان كانت قيمه ماله التجارى آخر السنه تشكل رقما وعددا اكبر بالنقد الرائج كالتومان مثلا الا ان ذلك لو كان من جهه هبوط قيمه النقد بذلك المقدار فى جميع السلع الحقيقيه فلا ربح للتاجر اصلا، اذ الربح والفائده ليس قوامه بالرقم العددى والقيمه الاسميه للنقود، بل بواقع ماليتها وقوتها الشرائيه، والمفروض انه لا ارتفاع فيها، كيف والا قد يلزم ان يدفع التاجر بالتدريج تمام راس ماله خمسا كلما ازداد التضخم واستمر فى كل سنه، وهذا لعله واضح، بل هو اوضح من مساله ضمان قيمه التضخم.

الثانى: ومما يرتبط بهذا البحث ايضا ويكون من تطبيقاته راس مال المضاربه اذا كان نقدا -بناء على صحه المضاربه به- فان نقصان قيمته نتيجه التضخم، وان لم يكن مضمونا على العامل، لانه امين الا ان البحث فى ضمان الربح له وعدمه حيث ان الربح وقايه لراس المال، فاذا كان الملحوظ الماليه والقوه الشرائيه للنقد المدفوع كراس مال كان اللازم استثناء معادلها من الحاصل اولا، ثم اعتبار الباقى ربحا يوزع بين العامل والمالك بالنسبه. فما جاء فى مقال بعض الباحثين من ان مساله المضاربه لا ربط لها ببحث التضخم فى غير محله.

نعم، يمكن ان يقال بان المضاربه باعتبارها عقدا من العقود فعندما يكون النقد فيه بعدد معين محلا للالتزام، فظاهر الحال ملاحظه ذلك العدد المعين بخصوصيه راس المال، فيكون الميزان بمقداره الاسمى لا بقيمته وقوته الشرائيه، كما هو فى سائر العقود والالتزامات.

الا ان هذا الامر لا يصح فى مثل المضاربه التى هى من العقود الاذنيه لا العهديه، اذ المال باق فيه على ملك مالكه، ولا ينتقل الى العامل الا مقدار حصته مما يصدق عليه الربح، وقد ذكرنا انه لا يصدق الربح بازدياد عدد النقد مع التضخم، فالصحيح ان مقدار التضخم يكون مضمونا من ربح التجاره للمالك فى المضاربه ويكون ما عداه بينهما كما ذكرنا فى موضوع الخمس، لان الربح لا يصدق الا فيما زاد على راس مال المالك بماليته وقوته الشرائيه لا بمقداره الاسمى. نعم، لو حصل التضخم قبل شروع الاتجار والشراء براس المال امكن ان يقال بان راس المال هو المدفوع فى المضاربه الماليه الناقصه، فتدبر جيدا.

واللّه الهادى للصواب.

شمول حكم المفسد فى الارض لغير من شهر السلاح وسلب

33

الامن من سائر انواع الفساد البحث عن شمول حكم المحارب المفسد فى الارض لغير من شهر السلاح وسلب الامن من سائر انواع الفساد.

يمكن ايراده فى جهات: الجهه الاولى فيما يستفاد من الايه الشريفه: (انما جزاوا الذين يحاربون اللّه ورسوله ويسعون فى الارض فسادا ان يقتلوا او يصلبوا او تقطع ايديهم وارجلهم من خلاف او ينفوا من الارض ذلك لهم خزى فى الدنيا ولهم فى الاخره عذاب عظيم) «المائده‏ر33».

الجهه الثانيه فيما يستفاد من الروايات.

الجهه الثالثه فيما يستفاد من بعض كلمات الاصحاب.

الجهه الرابعه فيما هو مقتضى القاعده فى حكم الافساد بغير محاربه.

الجهه الاولى

اما البحث فى الجهه الاولى فقد ورد فى الايه الشريفه عنوانان (محاربه اللّه ورسوله) و(السعى فى الارض فسادا)، وعطف احدهما على الاخر، فيقع الكلام فى المراد من كل واحد منهما فى نفسه، وفى ان الموضوع للحد مجموعهما، او كل واحد منهما مستقلا او احدهما بالخصوص، والاخر مجرد مصداق او غير ذلك فى عده نقاط.

1- فى المراد من محاربه اللّه ورسوله:

المحاربه مفاعله من (الحرب) بالسكون وهو ضد السلم، ويتحقق بمغالبه الاخر بالقوه والسلاح بقصد الغلبه عليه وكسر شوكته او دفعه. ولا يشترط فى صدق انتساب المحاربه واضافتها الى شخص او جهه ان يكون ذلك معه مباشره، بل يكفى التسبيب بنحو بحيث تكون الغلبه على المباشر، وكسر شوكته غلبه على ذلك الشخص او الجهه وكسرا لشوكته، كما فى محاربه عساكر السلطان وقواته، فانها محاربه مع السلطان ايضا، وبهذا الاعتبار تنسب المحاربه الى اللّه ورسوله لمن يخرج على حكم اللّه والرسول، فيحارب خليفه اللّه، او الرسول، او من جعله اللّه حاكما شرعيا يجب على الناس طاعته، ويكون بذلك مستعملا فى معناه الحقيقى.

ثم ان المحاربه لا تصدق الا مع اعمال القوه وشهر السلاح، اما مجرد المخالفه والمعصيه، او الافساد من دون شهر السلاح، واعمال القوه لا تكون محاربه حقيقيه، واما اسناد المحاربه الى اللّه والرسول بحيث تكون المحاربه محاربه معهما، فهذا يصدق حقيقه فى كل مورد يكون شهر السلاح فى مواجهه اللّه والرسول، وخروجا على حكمهما كما فى مقاتله الكفار ومحاربه البغاه الخارجين على الحكم الاسلامى، واما اذا لم يكن شهر السلاح لمقابله الحكم الاسلامى، بل لمجرد النهب وسلب المال ونحوه ولو فى طريق، ومحل عام فليس هذا مصداقا حقيقيا لاضافه المحاربه الى اللّه والرسول، اذ لا يقصد المحارب بذلك الخروج على الحكم او محاربه الحاكم، بل يقصد تحصيل المال ونحوه بالقوه والقهر وشهر السلاح على صاحبه. نعم باعتبار ان هذا العمل قد وقع فى المحل العام وموجه نحو العموم لا نحو شخص معين كان لا محاله مخلا بالنظم والامن العام الذى تكون مسووليه حفظه على الحاكم ومن شوونه، وبهذا الاعتبار قد يعبر عنه بمحاربه اللّه والرسول، لانه اخلال بشان من شوون الولايه والحكومه، وان لم يقصد فاعله الخروج على الحكومه او اسقاطها، ومن هنا يكون اراده هذا المعنى من محاربه اللّه والرسول بحاجه الى ملاحظه هذه العنايه العرفيه الواضحه.

ى‏ى‏ى‏ى‏ولا ينبغى الاشكال فى ان محاربه اللّه ورسوله فى الايه الكريمه يراد بها هذا المعنى العنائى لا المعنى الاول الحقيقى الذى لا يتحقق الا فى محاربه الكفار والبغاه، فان ارادته غير محتمله فى هذه الايه لعده قرائن.

منها عطف عنوان الافساد فى الارض على المحاربه فى الايه الظاهر فى التقييد -كما سياتى- وان المراد بالمحاربه للّه والرسول الافساد فى الارض على وجه المحاربه واعمال القوه، وسياتى ان الافساد فى الارض ظاهر فى الاخلال بالامن بسلب الاموال، ونهبها والتعدى عليها او على النفوس او الاعراض، وليس مجرد الكفر او الخروج على الحكم الاسلامى افسادا فى الارض، وان كان جريمه كبيره فى نفسه، بل اعظم من الافساد فى الارض.

ومنها ان سياق الايه كالصريح فى انه بصدد بيان الجزاء والعقوبه على جريمه تقع فى داخل المجتمع الاسلامى لا خارجه، وانه معاقبه على ما وقع من الذنب، لا انه دفاع وعلاج للتخلص من حرب الاعداء كما هو المناسب والمطلوب فى محاربه الكفار والبغاه، فالحاصل اللسان والسياق فى الايه لا يناسبان جريمه البغى او الحرب مع المشركين، فان المطلوب فيهما مجرد الغلبه على العدو، او اخماد نار الفتنه حتى يفى‏ء الكل الى امر اللّه لا تشريع العقوبه على الجريمه، ومما يوكد اراده هذا المنظور فى الايه المباركه ما ورد فى ذيلها من الاستثناء (الا الذين تابوا من قبل ان تقدروا عليهم.) «المائده‏ر34» فانه ايضا يناسب الجرائم العاديه الصادره من المسلمين لا الكفار، بل ولا البغاه الخارجين على اصل الحكم الاسلامى فان التعبير بالتوبه وكذلك قوله (من قبل ان تقدروا عليهم) واصل هذا الاستثناء الذى فحواه سقوط العقوبه اذا تاب المجرم قبل الظفر به الثابت فى سائر الجرائم من حقوق اللّه -اعنى الحدود- كلها تناسب اراده المحاربه مع اللّه والرسول بالمعنى الاخير لا الاول كما لا يخفى ذلك على المتامل.


34

ومنها ما كان مسلما وواضحا لدى المسلمين ومبينا بالايات الكثيره الاخرى، ومطبقا من قبل النبى(ص) فى غزواته وحروبه مع الكفار والمشركين، من ان حكم محاربيهم ومثلهم الباغين عليه بعد الغلبه عليهم واسرهم، لم يكن هو القتل والصلب والقطع والنفى وانما حكم الاسارى فى الاسلام حكم آخر من المن والفداء والاسترقاق، واما الحكم المذكور فى الايه هذه فهو حد يناسب العدوان على اموال الناس واعراضهم ونفوسهم، ومن هنا لم يفهم من المحاربه للّه والرسول فى هذه الايه منذ البدايه الا هذا المعنى، وهذه قرينه بينه ارتكازيه صارفه عن اراده المحاربه الحقيقيه مع اللّه والرسول التى هى جريمه سياسيه لا عاديه.

وبعباره اخرى: -هناك فرق واضح فى ارتكاز العقلاء والمتشرعه، ويستفاد ايضا من لسان الايات والروايات الكثيره بين حكم محاربه الكفار او الباغين الخارجين على الدوله الاسلاميه، وحكم محاربه الناس بملاك الافساد فى الارض ونهب الاموال والاعراض وقتل النفوس، والتى قد لا تتحقق من الكافر او الباغى كما اذا خرج قوم على حكم الاسلام فى منطقه من دون ان يسلبوا الناس اموالهم او يخيفوهم، بل ارادوا مجرد الاستقلال والخروج عن حاكميه الدوله الاسلاميه فحاربهم المسلمون فان هذا لا يصدق عليه الافساد فى الارض -كما سياتى- فان المحاربه الاولى ملاكها وبابها باب المعارضه مع حاكميه الاسلام، وحكمها لزوم تثبيت الدوله وبسط سلطتها واخماد نار الفتنه، بحيث اذا اخمدت او جنح الكافر الى السلم انتهى الامر من هذه الناحيه، بخلاف المحاربه الثانيه فانها جريمه وتعد لا بد بازائها من عقوبه وجزاء للمجرم. ومن يوسر فى المحاربه الاولى ويقبض عليه ايضا له احكام اخرى كالاغتنام بالاسترقاق ونحوه اذا كان كافرا، واذا اسر وقبض عليه قبل ان تضع الحرب اوزارها وتنتهى الفتنه فقد يقتل الا انه ليس ذلك ايضا بملاك العقوبه، بل بملاك المنع عن انتشار الفتنه او قوتها والتحاق الافراد اليها من جديد، وهذا بخلاف من يقدر عليه فى المحاربه الثانيه، فانه مجرم لا بد له من جزاء فى قبال ما ارتكبه من الجريمه وكم فرق بين المطلبين فى ارتكاز العقلاء والمتشرعه وفى لسان الروايات والايات للمحاربتين.وظاهر الايه المباركه بقرينه تقييد المحاربه بالسعى فى الارض فسادا، والتعبير بالجزاء فى صدرها، والتعبير بسقوط العقوبه بالمثوبه قبل الظفر به فى ذيلها، وبقرينه الارتكاز العقلائى والمتشرعى اراده المحاربه الثانيه لا الاولى، ومن هنا لم نجد من تعرض من المفسرين، او الفقهاء لاستخراج حكم محاربه الكافر والباغى منها، ولم يستدل بها احد فى حدود ما فحصنا عنه على وجوب مجازاه الكافر او الباغى بعد الظفر عليه وقبل التوبه بالقتل او القطع او النفى، نعم قد يفسد الكافر او الباغى فى الارض بالنهب والقتل ايضا فيقتل او يقطع لذلك، وهى المحاربه الثانيه لا الاولى.

نعم هناك بحث آخر مشهور بين الفقهاء السنه لا الاماميه حول اختصاص الايه بالمشركين وعدمه، حيث ادعى بعضهم ان المحارب بمعنى المفسد فى الارض يشترط فيه ان يكون مشركا او مرتدا، او فى قرى مشركه، وذلك باعتبار ورود الايه فى ذلك المورد بحكم ما نقلته بعض الروايات عندهم، الا انه من الواضح جدا ان مورد النزول لا يوجب اختصاص الايه به، حتى اذا فرضنا صحه تلك الروايات.

واما ما ورد فى معتبره طلحه بن زيد((112)) من الاستشهاد بالايه على جواز قتل اسير الحرب اذا كانت فئته باقيه، فهى وارده فى المحاربه مع الكفار، او انه المتيقن منها بقرينه ما ذكر فى الشق الثانى منها، وهو ما اذا وضعت الحرب اوزارها واخمدت الفتنه من الحكم باسترقاق الاسرى او افتدائهم.

وهكذا يتضح ان المراد من محاربه اللّه ورسوله فى الايه الكريمه ليس الخروج عليها حقيقه، بل الحرابه المصطلحه فى الفقه، والمعتبره عند الفقهاء بشهر السلاح، لاخافه الناس وقطع الطريق، وهى من حيث شهر السلاح وان كانت محاربه حقيقيه، ولكن من حيث اضافتها الى اللّه والرسول فيها عنايه عرفيه اشرنا اليها.

2- فى المراد من الافساد فى الارض:

الفساد ضد الصلاح، ولا شك ان كل جرم هو فساد فى جانب من جوانب حياه الانسان، الا ان عنوان الافساد او الفساد حينما يضاف الى الارض يراد به معنى خاصا للفساد، لان الاضافه المذكوره الى الارض ليست للظرفيه، بل يقصد به تعلق الفساد ووقوعه على الارض فتكون الارض هى الفاسده بذلك، ومن الواضح انه لا يراد بالارض التراب والصخور ونحوها، بل يراد بها الارض بما هى محل استقرار الانسان وحياه الناس، فيكون المقصود من الفساد فى الارض فساد الوضع المطلوب فى الارض للانسان، من حيث الاستقرار والامن وحفظ المال والنفس والعرض فيها، فيساوق الفساد فى الارض سلب هذا الامن والاستقرار، فكل جريمه يكون سلبا للامن على المال او العرض او النفس يكون فسادا او افسادا فى الارض، واما الجرائم التى لا تسلب شيئا من ذلك الا انها قد توجب فساد الفكر او العقيده للانسان او توجب فساد الاخلاق او الاوضاع السياسيه او الاقتصاديه للناس فهو فساد من تلك الجهه، الا ان اطلاق الافساد فى الارض على ذلك ممنوع ما لم يود الى سلب الامن والاستقرار من ناحيه احد الامور المذكوره.


35

وان شئت قلت: ان الظاهر من عنوان الفساد فى الارض ما يكون اخلالا بالصلاح والوضع الطبيعى للارض، لا ما يكون فسادا بحسب نظر وفكر وعقيده او نظام اجتماعى دون نظر او نظام آخر، فان هذا فساد اضافى ونسبى قد يختلف فيه مذهب عن مذهب او نظام عن نظام، وظاهر الفساد فى الارض الفساد المطلق، والذى هو فساد بحسب كل منظار ولحاظ، لانه اخلال بالوضع البيعى المطلوب لحياه الانسان فى الارض على كل حال، فالشرك او اعتناق المذاهب والافكار الباطله فساد فى الفكر وظلم عظيم ولكنه ليس فسادا فى الارض، وكذلك ترويج الاباحيه والحريه الجنسيه او توزيع الافيون والمخدرات بين الناس افسادا لاخلاق الناس، ولكنه ليس افسادا فى الارض، فكم فرق بين افساد الناس بحيث يختاروا بانفسهم ما هو فاسد لهم، وبين عنوان الافساد المضاف الى الارض مباشره والذى يعنى ان تكون الارض غير صالحه للاستقرار والحياه الامنه بفعل انسان، فان هذا لا يتحقق الا اذا كان الفعل بنفسه وبلا ضم حيثيه اخرى افسادا فى الارض، وذلك لا يكون الا فى موارد التجاوز على المال والنفس والعرض وسلب الامن منها، ولعل المتتبع لموارد استعمالات هذه الكلمه فى القرآن الكريم يشرف على الاطمئنان باراده هذا المعنى الخاص منها فى تمام تلك الموارد، فراجع وتامل.

المحتملات فى عنوان الفساد فى الارض بدء ثلاثه.

1- ان يكون لمجرد الظرفيه المحضه، وان الفساد يقع فى الارض. وهذا الاحتمال بعيد للزوم اللغويه فى ذكره، اذ من الواضح ان كل عمل يصدر من الانسان فى هذه الحياه يكون فى الارض.

2- ان يكون للدلاله على سعه الفساد وشيوعه بين الناس فى قبال الجريمه الفرديه غير المنتشره بين الناس. وهذا الاحتمال ايضا خلاف الظاهر، لان مجرد اضافه الفساد الى الارض لايقتضى ذلك، وانما بحاجه الى ما يدل على شيوع الفساد، بل هذا التعبير صادق مع الجريمه الفرديه ايضا.

3- ان يكون الظرف للدلاله على ان الفساد فساد لاوضاع الارض، وما هو من شان الارض فكان الفساد واقع على الارض وبارز فيها وظاهر عليها، وهذا لا يتوقف على ان يكون الظرف لغوا ومتعلقا بالفساد، بمعنى افساد الارض، ليقال بان استعمال الافساد فى الارض بمعنى افسادها خلاف الظاهر، او ليس معهودا، بل الظرف مستقر او متعلق بالسعى فى مثل قوله تعالى (ويسعون فى الارض فسادا) ومع ذلك نفهم من ايجاد الفساد فى الارض وابرازه فيها بالاخلال باوضاعها وازاله صلاحها بحيث يظهر فيها الفساد.

ومما يدل على ان الظرف هنا ليس لمجرد الظرفيه المحضه تكراره فى قوله تعالى (اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) «البقره‏ر30» فانه اذا كان لمجرد الظرفيه كان تكرارا محضا، وهذا واضح الركه، فلا بد وان يكون لافاده نكته زائده، وهى التى ذكرناها من ازاله صلاح الارض واظهار الفساد فيها.

وعندئذ نقول: بان هذا التعبير لا يشمل الا ما يكون تعديا وظلما وتجاوزا على حقوق الاخرين من مال او نفس او عرض وما اليها، لا المفاسد الاخلاقيه او الفكريه العقائديه او السياسيه الا اذا استلزم التجاوز على احد تلك الحقوق وذلك لوجهين.1- ان النوع الثانى من المفاسد لا يكون مربوطا بالارض، وليس من شوونها عرفا، بل هى من شوون الانسان وفساد له بخلاف التعدى على المال والنفس، فانه وان كان متعلقا بالانسان ايضا، الا انه اذا كان بنحو بحيث سلب الامن على النفس او المال فى ارض كان وصفا للارض ايضا عرفا، لانه سلب لحاله الاستقرار والامن التى هى من شوون الارض وصلاحها المطلوب فيها ابتداء، فيصح ان يقال فى مورده انه افساد، او فساد فى الارض، بخلاف غيرها من المفاسد.2- لا اشكال فى ان عنوان الفساد يدل على كون العمل قبيحا ومستنكرا تنفر منه الطباع، وليس هذا واضحا الا فى مثل الظلم والتعدى على الحقوق الاوليه للانسان، لا الامور الاخرى الفكريه والعقائديه او السياسيه التى هى محل بحث واختلاف نظر بين الناس. ولعله لهذا السبب لا نجد فى القرآن الكريم المفسد او الفساد فى الارض على حاله الشرك او الاعتقادات الباطله، بينما نجده يطلقه غالبا على موارد التعدى والتجاوز على الاموال والانفس وما اليها.


36

وقد رايت بعد ذلك ان صاحب القاموس يفسر الفساد بانه اخذ المال ظلما.

3- موضوع الحد فى الايه:ظاهر العطف بين عنوانى

المحاربه و الافساد فى الايه الشريفه: (انما جزاء الذين يحاربون اللّه و رسوله و سعون فى الارض فسادا..الخ) ان موضوع الحد فيها يكون مصداقا للمحاربه والافساد معا، فليس هذا من قبيل قولنا: من ضرب اليتيم واخذ ماله وجب عليه كذا، بل هو نظير قولنا: من افطر بارتكاب الحرام فعليه كفاره الجمع.

وهذا يعنى ان الافساد فى الارض قيد للمحاربه لا المحارب، وان المحاربه قيد للافساد فى الارض لا للمفسد، اى ان الفعل الصادر يكون محاربه للّه والرسول وافسادا فى الارض، لا ان يصدر من الفاعل محاربه للّه ورسوله وافساد فى الارض، فكما لا يكون فى موضوع الايه فاعلان مستقلان كذلك لا يوجد فيه فعلان كذلك، بل فعل واحد يتصف بانه محاربه للّه ورسوله وافساد فى الارض فى نفس الوقت، وبهذا يكون عطف جمله (ويسعون فى الارض فسادا) على جمله (يحاربون اللّه ورسوله) من قبيل عطف البيان، وان محاربتهم للّه والرسول بنحو السعى فى الارض فسادا وان سعيهم فى الارض فسادا يكون محاربه للّه والرسول.

والوجه فى تعين استفاده التقييد بين العنوانين بهذا النحو من الايه مضافا الى ما تقدم من القرائن المتقدمه على ان المحاربه للّه والرسول بغير الافساد كما فى البغاه والمشركين خارج عن مفاد الايه، فلا يمكن ان يراد من المحاربه فيها ما يكون مستقلا عن الافساد فى الارض بالمحاربه، ان ظاهر الايه كونها بصدد تشريع الجزاء والحد لنوع جريمه واحده لا مجموع جريمتين مستقلتين فى انفسهما، والا لكان المناسب التعرض لحكم ما اذا انفردت كل واحده منهما عن الاخرى، فالحاصل ظاهر العطف فى الايه انه من قبيل عطف البيان، وان ما هو محاربه للّه والرسول بنفسه الافساد فى الارض، وانما اعتبر ذلك محاربه للّه والرسول تهويلا للجريمه وتفظيعا لها، لا ان احدهما مستقل عن الاخر.

ولعل ورود الايه عقيب قوله تعالى (من قتل نفسا بغير نفس او فساد فى الارض) «المائده‏ر» يناسب ايضا ان تكون الايه لتشريع حكم من يفسد فى الارض وتحديد موضوعه الذى هو نوع جريمه واحده لا محاله.

وهكذا يتضح من مجموع ما تقدم ظهور الايه فى ان موضوع الحد المذكور هو الافساد فى الارض، بمعنى سلب الامن عن الارض بالمحاربه، وهذا هو الذى عبر عنه المفسرون والفقهاء معا بشهر السلاح لاخافه الناس وسلب الامن عن اموالهم او اعراضهم او نفوسهم، وان هذا فعل واحد وجريمه واحده، لا فعلان وجريمتان مستقلتان، فضلا من ان يكون فى موضوع الايه فاعلان مستقلان.

4- فيما قد يستدل به على استفاده تعميم الحكم لكل مفسد

من الايه.

وقد يستدل بالايه على تعميم الحكم المذكور فيها لكل مفسد باحد وجوه، لا باس بالتعرض لها، وان كان يتضح وجه الاشكال فيها من خلال مجموع ما تقدم.

(الاول) ما تقدم من قياس المقام بمثل (اطيعوا اللّه والرسول واولى الامر) «النساء59»، او (انما وليكم اللّه ورسوله والذين آمنوا) «المائده‏55»، او (حرمت عليكم الميته والدم ولحم الخنزير) «المائده‏ر3»، وغير ذلك من الامثله، بدعوى ان مقتضى واو العطف المصاحبه واشراك المعطوف مع المعطوف عليه فى الحكم، فيكون كل من المحار للّه والرسول والافساد فى الارض موضوعا مستقلا للجزاء المذكور، ويدعى ان النسبه بين العنوانين عموم وخصوص مطلق، فان المحاربه للّه والرسول لا يكون الا بشهر السلاح والاخافه بخلاف الافساد فى الارض، فانه يتحقق بكل ما يفسد اوضاع الناس واخلاقهم او افكارهم او اقتصادهم.

و نلاحظ على هذا البيان: اولا ما تقدم مفصلا من ان واو العطف لا يقتضى اكثر من اشراك المعطوف مع المعطوف عليه فيما هو طرف له من النسبه فى الجمله، فان كان المعطوف عليه طرفا للنسبه الحكميه اى موضوعا للحكم، كان العطف عليه مقتضاه كون المعطوف ايضا موضوعا مستقلا للحكم، وان كان طرفا للنسبه التقييديه الناقصه لموضوع الحكم، كان مقتضى العطف ان المعطوف قيد فى موضوع الحكم لا محاله، والامثله على ذلك كثيره كما سردنا مفصلا، ومقامنا من قبيل الثانى لا الاول. بل قد عرفت ان العنوانين ملحوظان فى فعل واحد، وان موضوع الايه نوع فعل واحد لا فعلان، فضلا من ان يكون قد لوحظ فى موضوع الايه فاعلان مستقلان.


37

وثانيا بناء على الاستظهار المذكور كما لا يكون الافساد فى الارض مقيدا بالمحاربه بل مستقل عنها كذلك لا تكون المحاربه للّه والرسول مقيده بالافساد فى الارض، ولازم ذلك ان تشمل الايه كل انواع المحاربه للّه والرسول حتى البغى ومحاربه المشركين، بل قد تقدم ان المحاربه الحقيقيه للّه والرسول تصدق عليهما، لا على شهر السلاح لقطع الطريق وسلب المال الا بنحو من العنايه، فتكون الايه دليلا على ثبوت الحد المذكور فى البغاه والمشركين المقاتلين للّه والرسول، وهذا ما لم يفهمه احد من المفسرين او الفقهاء من الايه، ولا يمكن الالتزام به فقهيا ايضا. فالحاصل: لازم الاستظهار بقاء عنوان المحاربه للّه والرسول على اطلاقه، وعدم تقييدها بالافساد، فيشمل البغى وقتال المشركين سواء جعلنا ذلك مصداقا للافساد بالمعنى الاعم ام لا، ولا وجه لاخراجهما عن موضوع الايه الا فرض التقييد بين العنوانين واخراج كل منهما عن الاستقلاليه.

وثالثا ما تقدم من ان عنوان الافساد فى الارض لا يصدق على كل فساد اجتماعى او اخلاقى او فكرى، فليست النسبه بين العنوانين عموم مطلق، ولا عنوان الافساد يشمل مثل هذه الجرائم، ولو فرض ان عنوان الافساد اعم كان عطفه على الاخص ركيكا، بل لغوا، لان ذكر العنوان الخاص لا فائده فيه اذا فرض ان العنوان الاعم هو الموضوع للحكم، فهذا التفسير للايه خلاف الظاهر من جهات عديد.

(الثانى) ان يقال بان ما هو الموضوع لهذا الحد انما هو الافساد فى الارض، واما عنوان محاربه اللّه والرسول فقد جى‏ء به توطئه وتمهيدا لعنوان الافساد، والذى هو تمام الموضوع للحكم، وذلك لاظهار انه ذنب وجرم عظيم عند اللّه بمثابه محاربه اللّه والرسول، نظير قوله تعالى فى الربا: (فان لم تفعلوا فاذنوا بحرب من اللّه ورسوله) «البقره‏279» فلا يراد من المحاربه للّه والرسول معناه الحقيقى ليكون قيدا فى الافساد، بل تمام موضوع الحكم هو الافساد فى الارض، باى نحو اتفق، والذى يكون شهر السلاح له احد مصاديقه لا شرطا فيه.

ونلاحظ على ذلك: اولا انه خلاف الظاهر، فلا يصار اليه الا بقرينه فائقه وقياسه على الايه الاخرى فى غير محله لوجود قرينه فى تلك الايه على اراده المعنى المجازى من محاربه اللّه ورسوله، او قل اراده التنزيل والتشبيه بخلاف آيه المحاربه، فان ظاهرها اخذ المحاربه فى موضوع الجزاء مفروغا عنه، فلا يكون المقصود التشبيه او التنزيل، حيث جاء فيها عنوان المحاربه فى عقد الموضوع فان قوله تعالى: (انما جزاء الذين يحاربون اللّه ورسوله.) الخ فى قوه قولنا المحارب للّه والرسول حكمه وجزاوه كذا، وهذا لا يمكن ان يكون تنزيلا او تشبيها فان المناسب له عقد الحمل بان يقال الافساد فى الارض محاربه للّه والرسول كما هو كذلك فى آيه الربا.

نعم تقدم ان اسناد المحاربه الى اللّه والرسول مباشره لا يخلو من عنايه، ولكنها عنايه واضحه مفهومه بالقرائن المتقدمه كما شرحناها، واما اصل المحاربه فلا وجه لرفع اليد عن دخالتها فى الحكم لقوه الظهور، بل صراحه الايه فى اخذها فى موضوع الجزاء مفروغا عنها، وهذا واضح.

وثانيا لو سلمنا ان تمام الموضوع للحكم فى الايه انما هو عنوان الافساد ولا دخل للمحاربه فيه، مع ذلك قلنا ان هذا العنوان لا يشمل كل فساد ما لم يكن افسادا فى الارض المتقدم شرحه، اى سلبا لاستقرارها وامنها، وهذا لا يكون الا بسلب الامن عن المال او النفس او العرض بالتجاوز على احدهما، لا مجرد اختيار الناس واتباعهم لطريقه او عقيده فاسده من زاويه نظر الشارع الاقدس، فان هذا ليس افسادا فى الارض بقول مطلق، وان كان فسادا من زاويه ذلك النظر.

(الثالث) استفاده التعميم من الايه السابقه او بقرينتها حيث ورد فيها (بغير نفس او فساد فى الارض) مما يظهر منه ان المفسد فى الارض كالقاتل مستحق للقتل، وموضوع مستقل لهذا الجزاء، والايه الثانيه مبينه لكيفيه ذلك.

وفيه: اولا اذا اريد استفاده الاطلاق من نفس الايه السابقه بحيث يكون الاستدلال بها منفردا فمن الواضح ان عنوان الافساد فى الارض لم يقع فيها موضوعا للحكم بالقتل، وانما اخذ عدمه قيدا فى موضوع حرمه القتل، وان من قتل نفسا بغير افساد منه فى الارض كانما قتل الناس جميعا، وهذا غايته الدلاله بالمفهوم على ان من قتل نفسا لكونه مفسدا فى الارض فليس كمن قتل الناس جميعا، ولكن قد تحقق فى محله ان مفهوم القيد ليس باكثر من السالبه الجزئيه، اى فى الجمله، وان المفسد فى الارض قد يستحق القتل، ولو فى صوره كونه محاربا.


38

وان شئت قلت: ان جمله (بغير نفس او فساد فى الارض) جاءت قيدا لموضوع القتل المحرم، وقصارى مفاد القيد ان الحكم غير ثابت لتمام موارد انتفائه، والا كان ذكره واخذه لغوا، فلا بد من انتفاء الحكم فى الجمله ولو فى بعض موارد انتفاء القيد، وهذا ليس المفهوم المصطلح، بل هو قاعده احترازيه القيود والتى لا تقتضى اكثر من السالبه الجزئيه، ومن هنا لا تدل الايه على اكثر من انتفاء حرمه القتل فى الجمله فى موارد قتل النفس بالنفس، او بالافساد فى الارض، بحيث لا بد من استيضاح ذلك المورد وشروطه وقيوده من ادله اخرى لا من مفهوم القيد فى هذه الايه وهذا واضح.

وان اريد استفاده الاطلاق من آيه المحاربه بجعلها تفسيرا وبيانا لتلك الايه ف‏ايه المحاربه وان كانت من حيث بيانها لحكم المفسد فى الارض تصلح ان تكون ناظره وشارحه للمفسد فى الارض فى الايه الاولى الا انها بحسب الفرض ظاهره فى جعل الجزاء المذكور للمفسد فى الارض بالمحاربه، فتكون شارحه ومبينه لحكم المفسد فى الارض موضوعا وحكما، لا حكما فقط.وثانيا ما تقدم من عدم الاطلاق اساسا فى عنوان الافساد فى الارض فى نفسه لكل فساد ما لم يرجع الى التجاوز على المال او العرض او النفس وسلب امن الناس واستقرارهم من ناحيتها، والذى هو الافساد فى الارض بقول مطلق، وهذا يعنى اننا حتى اذا الغينا دخل المحاربه وشهر السلاح فى موضوع الجزاء المذكور فلا يثبت تعميم لمثل جريمه انتشار المخدرات او الاخلاق الجنسيه الفاسده او المذاهب والافكار الباطله مهما كانت شنيعه وخطيره، وانما غايته ثبوت التعميم لسلب اموال الناس او نفوسهم واعراضهم، ولو بغير المحاربه وشهر السلاح، بل بالاغراء والتدليس ونحو ذلك لا اكثر، وقد ورد اطلاق الافساد فى الارض فى القرآن الكريم فى مورد سلب المال وسرقته بغير شهر السلاح واعمال القوه فى قصه يوسف(ع) حيث عبر القرآن الكريم عن لسان اخوه يوسف(ع) حينما اتهموا بسرقه صواع الملك (قالوا تاللّه لقد علمتم ما جئنا لنفسد فى الارض وما كنا سارقين) «يوسف/73» ومن يتتبع الايات التى استعمل فيها عنوان الافساد فى الارض يجد انها تكون فى موارد التجاوز على اموال الناس او اعراضهم او نفوسهم وسفك دمائهم، ولا نجد اطلاق ذلك على شيوع الزنا او الربا او الشرك والعقائد الباطله ما لم يتضمن او ينتهى الى التجاوز والعدوان على حياه الناس او اعراضهم او اموالهم واللّه الهادى للصواب.

(الرابع) دعوى ان الموضوع هو الافساد فى الارض، لان الجمله التاليه (ويسعون فى الارض فسادا) بمثابه التعليل للاولى، وهى (يحاربون اللّه ورسوله)، ومقتضى التعليل التعميم فكانه قال: لانهم يفسدون فى الارض.

وفيه: اولا عدم وجود ما يدل على التعليل، بل ظهور التركيب فى خلافه كما تقدم.

وثانيا عدم مناسبه الجمله الثانيه لان تكون تعليلا للاولى بعد وضوح ان محاربه اللّه والرسول اشنع من الافساد فى الارض، ولذا قلنا بان الجمله الاولى فيها دلاله على ان الافساد بنحو المحاربه وشهر السلاح محاربه للّه ورسوله.

الجهه الثانيه- فيما يستفاد من الروايات وكلمات الفقهاء و البحث عنها فى مقامين:

1- ما قد يستفاد منه عموم الحكم لغير المحارب.

2- فيما يمكن ان يستدل به على الاختصاص بالمفسد بالمحاربه.

اما البحث فى المقام الاول، فالروايات التى قد يتوهم استفاده التعميم منها عديده.

منها ما رواه الصدوق (قده) فى العيون باسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا(ع) فى كتابه الى المامون قال: لا يجوز قتل احد من النصاب والكفار فى دار التقيه الا قاتل او ساع فى فساد، وذلك اذا لم تخف على نفسك واصحابك والتقيه فى دار التقيه واجبه((113)).

ورواه فى الخصال ايضا عن الاعمش عن جعفر بن محمد عليهما السلام فى حديث شرائع الدين، الا ان فى سند الخصال عده مجاهيل. واما فى العيون فقد نقل الحديث عن الفضل بن شاذان عن الرضا(ع) بطرق ثلاثه.

(محمد بن عبدوس عن على بن محمد بن قتيبه النيسابورى عن الفضل‏بن شاذان).

(حمزه بن محمد بن احمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن على بن الحسين بن على بن ابى طالب (العلوى) عن ابو نصر قنبر بن على بن شاذان عن ابيه عن الفضل بن شاذان).


39

(الحاكم ابو محمد جعفر بن نعيم بن شاذان عن عمه ابو عبد اللّه محمد بن شاذان عن الفضل بن شاذان).

ومثل هذا الحديث المنقول بطرق ثلاثه قليله الواسطه، اعنى بواسطتين بين الشيخ الصدوق والفضل بن شاذان مع كون الحديث طويلا وكتابا للامام الرضا(ع) يكتب فيه محض الاسلام على سبيل الايجاز والاختصار قد يوجب الاطمئنان بان هذا الكتاب كان موجودا عند الفضل بن شاذان، وقد نقله عنه اولاده او اقرباوه كما فى هذه الطرق، بحيث يكون اصل صدور الحديث عن الفضل بن شاذان مطمئنا به لا يحتاج الى الحجيه التعبديه، والفضل بن شاذان موثق فيكون الخبر معتبرا، على ان السند الثالث بل الاول ايضا يمكن اثبات توثيق رواته ببعض القرائن.

الا ان الاشكال فى دلالته، فان هذه الفقره من هذا الحديث الطويل ليست فى مقام بيان هذا الحد، وانما فى مقام بيان وجوب التقيه فى دار التقيه، وانه من اجل ذلك لا يجوز فعل ما يخالف التقيه، ومنها قتل الكفار والنصاب المهدورين، الذين تكون التقيه منهم وفى دارهم، وانما استثنى القاتل والساعى للفساد باعتبار ان قتلهما ليس فيه خلاف التقيه، لوضوح ان قتل القاتل قصاصا وقتل الساعى بالفساد وقاطع الطريق ثابت فى الشريعه كحد او حق ثابت على القاتل والساعى، وليس مربوطا بالكفر والايمان، فلا يكون فه خلاف تقيه، ومع ذلك قيده بما اذا لم تخف على نفسك واصحابك، وهذا يعنى ان تمام النظر الى حيثيه لزوم مراعاه التقيه كما ينادى بذلك الجمله الاخيره (والتقيه فى دار التقيه واجبه)، ومن الواضح حينئذ ان لا يكون التعبير بالقاتل والساعى فى الفساد الا اشاره الى ما هو مركوز ومفروغ عنه بدليل استحقاقه للقتل حدا او قصاصا، فلا يمكن التمسك بمثل هذا الخطاب، لاثبات جواز قتل كل ساع فى الفساد، الا ترى انه لا يمكن التمسك به لاثبات القصاص لكل قاتل، فكذلك الحال بالنسبه الى الساعى فى الفساد، فهذا التعبير اشاره الى موضوع القصاص والحد المذكور بشروطها المقرره فى محله لا اكثر.

ومنها ما ورد فى حد الساحر من انه يقتل، ففى روايه زيد الشحام عن ابى عبد اللّه(ع) قال: (الساحر يضرب بالسيف ضربه واحده على راسه). وفى روايه السكونى عن ابى عبد اللّه(ع) قال: قال رسول اللّه(ص): (ساحر المسلمين يقتل وساحر الكفار لا يقتل). فقيل: يا رسول اللّه(ص) ولم لا يقتل ساحر الكفار؟.

قال: (لان الكفر اعظم من السحر، ولان السحر والشرك مقرونان) ((114)).

وقد علل الشيخ (قده) فى الخلاف -على ما فى المختلف- وجه قتل الساحر فى الروايه بان هذا من الساحر فساد فى الارض والسعى فيها به، وحيث ان السحر ليس فيه محاربه، بل وقد لا يكون فيه سلب للمال او النفس ايضا فيدل على ان الميزان بمطلق الافساد، الا ان هذا مجرد احتمال فى الروايه لا شاهد عليه، بل فى روايه السكونى، ولعله فى غيره من الروايات ايضا ما يدل على ان السحر نحو شرك وارتداد، فالانسب ان يكون قتل الساحر بملاك كفره وارتداده، لا افساده فى الارض.

ومنها روايه محمد بن عيسى بن عبيد ان ابا الحسن(ع) اهدر مقتل فارس بن حاتم وضمن لمن يقتله الجنه فقتله جنيد، وكان فارس فتانا يفتن الناس ويدعوهم الى البدعه، فخرج من ابى الحسن(ع): هذا فارس يعمل من قبلى فتانا داعيا الى البدعه، ودمه هدر لكل من قتله، فمن هو الذى يريحنى منه ويقتله، وانا ضامن له على اللّه الجنه ((115)).

والاستدلال بها مبنى على ان الفتنه تساوق الفساد فى الارض، فتدل على ان ذلك يوجب جواز قتله.

وفيه: مضافا الى ضعف سندها، ان الفتنه لغه غير الافساد فى الارض، على انه فى خصوص هذه الروايه ظاهر فى اراده جعل الافكار والاعتقادات الباطله بقرينه قوله: داعيا الى البدعه، فيكون مفاد الحديث مهدوريه دم اصحاب البدع والكفر والزندقه، وهو حكم آخر ثابت فى محله بادلته.

ومنها ما ورد فيمن سرق حرا او حره فباعها، من قبيل روايه السكونى عن ابى عبد اللّه(ع) ان امير المومنين(ع) اتى برجل قد باع حرا فقطع يده.

وروايه طريف بن سنان الثورى قال: سالت جعفر بن محمد(ع) عن رجل سرق حره فباعها، قال: فقال: فيها اربعه حدود، اما اولها فسارق تقطع يده. الخ ((116)).


40

وقد ذكر الشيخ (قده) ((117)) ان قطع اليد هنا ليس للسرقه، لانها مخصوصه بما يملك، والحر لا يصح تملكه، ويجوز ان يكون انما وجب عليه ذلك من حيث كان مفسدا فى الارض والامام مخير فيه.

وقد ذكر المحقق ابن ادريس فى السرائر فى مساله قطع النباش (لما تكرر منه -اى النباش- الفعل صار مفسدا ساعيا فى الارض فسادا فقطعناه لاجل ذلك، لا لاجل كونه سارقا ربع دينار، ولهذا روى اصحابنا انه من سرق حرا صغيرا فباعه وجب عليه القطع، قالوا (لانه من المفسدين فى الارض)، ونفس التعليل ذكره العلامه(قده) فى المختلف فى قطع النباش حيث قال: (واما التكرار مع القتل فلانه مفسد)((118)) وكذلك فيمن سرق حرا فباعه((119)) وفى الكافى للحلبى (من باع حره زوجته او اجنبيه قطع لفساده فى الارض) ومثله عباره الشيخ(قده) فى النهايه.

الا ان الانصاف ان هذا مجرد احتمال فى الروايات المذكوره لا شاهد عليها، بل ظاهرها ثبوت القطع باعتبار السرقه كما تدل عليه مناسبات الحكم والموضوع وسياق الروايات بل صريح بعضها، ففى روايه طريف (اما اولها فسارق تقطع يده)، ومثلها ما ورد فى روايه عبد اللّه بن طلحه (قال: تقطع ايديهما لانهما سارقا انفسهما واموال الناس)((120))، بل عنوان قطع اليد اصطلاح لحد السرقه لا المحاربه او الافساد فى الارض، اذ الثابت فيه القتل او الصلب او قطع الرجل واليد من خلاف او النفى، فحمل هذه الروايات على اراده تعميم ذلك الحد لمن سرق حره فباعها او باع امراته او حرا باعتبار كونه مفسدا واضح الفساد، وانما صدر هذا العمل من الشيخ ومن تابعه عليه بعد ذلك لدفع اشكال عدم الملكيه او الماليه واشتراط ان يكون المسروق مالا يبلغ النصاب فى ثبوت القطع على السارق، فحيث لم يمكنهم حل الاشكال ودفعه حاولوا تعليل ذلك وبيان ان نكتته الافساد لا السرقه، مع ان الاولى فى دفع الاشكال ان يقال بان دليل شرطيه النصاب انما يقيد ذلك فى خصوص الاموال المسروقه لا كل مسروق، فتبقى عمومات قطع السارق فى غيرها على حجيتها، وايا ما كان فالحمل المذكور مما لا يمكن المساعده عليه بوجه، على انه لو فرض صحه هذا الحمل فغايته التعميم للافساد فى الارض بالمعنى الذى ذكرناه، اى التجاوز على الاموال والانفس ولو بغير شهر السلاح والمحاربه، لا مطلق الافساد فى المجتمع كما هو مدعى القائل بالتعميم.

الصفحة السابقة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

الصفحة التالية

ومنها ما ورد فى المسلم اذا اعتاد قتل الذميين، كمعتبره اسماعيل بن الفضل عن ابى عبد اللّه(ع) قال: قلت له رجل قتل رجلا من اهل الذمه قال: لا يقتل به الا ان يكون متعودا للقتل.

وفى طريق آخر اليه معتبر ايضا: سالت ابا عبد اللّه(ع) عن المسلم هل يقتل باهل الذمه؟ قال: لا، الا ان يكون معودا لقتلهم فيقتل، وهو صاغر((121)).

وقد فسرها العلامه وغيره انه يقتل حدا لفساده فى الارض باقدامه على قتل من يحرم قتله.

الا ان هذا التفسير ايضا احتمال لا شاهد عليه فى الروايات، بل ظاهرها ان القتل المذكور قصاص، لا حد، حيث كان السوال عن القتل بالذمى، وهو ظاهر فى السوال عن القصاص، فيكون استثناء صوره الاعتياد عن نفى القصاص ظاهرا فى ثبوت القصاص عند الاعتياد، ومما يشهد على ذلك ما ورد فى جمله من الروايات المعتبره الاخرى كصحيح ابن مسكان عن ابى عبد اللّه(ع) (اذا قتل المسلم يهوديا او نصرانيا او مجوسيا فارادوا ان يقيدوا ردوا فضل ديه المسلم واقادوه)((122)) وهى صريحه فى ان قتل المسلم يكون قودا وقصاصا لا حدا، ولهذا يجب رد فاضل ديته، وبمثل هذه الروايات ايضا يثبت ان القصاص يكون لاولياء الذمى فهم يقيدوه لا الامام او الحاكم، فما عن جمله من القدماء كالشيخ المفيد فى المقنعه والشيخ الطوسى(قده) فى النهايه من ان الامام يقتله بعد اخذ فاضل الديه منهم لا وجه له، وكانه لكى لا يكون للكافرين على المسلمين سبيل، الا ان الصحيحه المذكوره وغيرها من الروايات صريحه فى انهم اقادوه.

وايا ما كان فحمل هذا الحكم على انه بملاك الافساد فى الارض خلاف الظاهر جدا. على ان ثبوت هذا المعنى غايته التعميم للافساد فى الارض بالمعنى الاخص لا الاعم، اى ما يكون سلبا وتجاوزا على النفوس لا مطلق الفساد فى الارض.


41

ومنها ما ورد فى روايه السكونى عن جعفر(ع) عن ابيه(ع) عن على(ع) فى رجل اقبل بنار فاشعلها فى دار قوم فاحترقت واحترق متاعهم، انه يغرم قيمه الدار وما فيها ثم يقتل((123))، وقد افتى بعضهم كالشيخ فى النهايه، والعلامه فى المختلف((124)) بانه يقتل بعد ضمان قيمه الدار وما فيها سواء اكان فى احراق الدار اضرارا بنفس ام لا، تمسكا باطلاق الروايه، وقد علله العلامه اولا بانه من المفسدين فى الارض، وثانيا بما رواه السكونى.

الا ان الروايه لا دلاله فيها على التعليل المذكور ولا يعلم ان العلامه فهمه من الروايه، وانما هو استدلال آخر من قبل العلامه، فكانه يرى ان الايه شامله فى نفسها لمثل هذا المورد.

وهذا ليس بالبعيد اذا حملنا المحاربه فى الايه، ولو بمقتضى مناسبات الحكم والموضوع العرفيه على مطلق المغالبه واعمال القوه فى مقام السلب والاخافه سواء كان بالسلاح او بالنار او بغيرها، ولعل هذا هو المستفاد من بعض الروايات الاخرى كروايات اللص محارب، فدمه هدر، او فاضربه، او فاقتلوه((125)) فتكون هذه الروايه من تلك الروايات الداله على ان المراد بالمحارب مطلق من اخاف الناس فى مقام الافساد وسلب المال او النفس او العرض، ولهذا نجد ان صاحب الوسائل نقلها تحت عنوان (حكم المحارب بالنار).

وهكذا يظهر عدم وجود ما يمكن ان يستدل به على تعميم حكم المحارب لكل مفسد، ولو لم يكن افساده بطريق الاخافه والمحاربه، او لم يكن افسادهم من ناحيه الاعتداء على الناس كما فى المفاسد التى تحصل باراده الناس انفسهم، فهناك قيدان فى موضوع هذا الحد، كما ذكرنا فى بحث الايه فى الجهه الاولى: ان يكون بالمحاربه وشهر السلاح او اعمال القوه، وان يكون الفساد اعتداء على الناس فى اموالهم او اعراضهم او نفوسهم او نحو ذلك، فلا يشمل الكفر واشاعه الافكار الباطله او الفحشاء والفجور والخمور والمخدرات مما تحصل باراده الناس وان كانت من المفاسد العظيمه.

المقام الثانى فيما يمكن ان يستدل به لاثبات الاختصاص، زائدا على ما تقدم فى الجهه الاولى من ظهور الايه فى التقييد والاختصاص. وهى عده امور: الامر الاول التمسك بالاجماع والتسالم الفقهى، بل والارتكاز العملى المتشرعى، ذلك ان حد المحارب من الاحكام والحدود الواضحه فى الشريعه والمعروفه لدى المتشرعه فى جميع الاعصار، والتى كسائر الحدود والعقوبات الشرعيه كانت تقام فى المجتمعات الاسلاميه السابقه، فلو كان موضوع هذا الحد مطلق المفسد الشامل لانواع الفساد الاجتماعى والسياسى والفكرى وبلا اشتراط الاخافه وشهر السلاح، لاصبح ذلك واضحا نظريا وتطبيقيا، اذ كان يقام لا محاله على من يشيعون الفحشاء والمنكرات فى المجتمع، حيث كان يتفق وجود دور للبغاء والفجور واشاعه الفحشاء او استخدام الملاهى او الفتنه بين الناس، وترويج العقائد الباطله، او الاخلال بالاوضاع الاجتماعيه الاخرى، او البغى والخروج على السلطان، مع انه لم يكن يقام عليهم هذا الحد قطعا، بل فى مثل اشاعه الفحشاء والفجور كان يقام حد الجلد او الرجم، وفى البغى والخروج على السلطان كانوا يحاربون حتى تنتهى الفئه، وفى الكفر والارتداد كانوا يستتابون وفى الفتن والاقتتال بين جماعه واخرى كان يطبق القصاص واخذ الديه ونحو ذلك.

فالحاصل من يراجع الكتب الفقهيه العامه والخاصه وكذلك مرتكزات المتشرعه من المسلمين يجد ان اختصاص هذا الحد بمثل قطاع الطرق ومن شهر السلاح للاخافه والاعتداء على الامن يكاد يكون مسلما وضروريا على مستوى الفتاوى وعلى مستوى التطبيق، فهذا المحقق صاحب السرائر ينادى فى سرائره فى ذيل آيه المحاربه (ولا خلاف بين الفقهاء ان المراد بهذه الايه قطاع الطريق، وعندنا كل من شهر السلاح لاخافه الناس فى بر كان او فى بحر، فى العمران والامصار او البرارى والصحارى).

ومثله الشيخ المفيد (قده) فى المقنعه حيث ذكر (واهل الدعاره -وهو الفساد كما فسره فى السرائر نقلا عن الجوهرى- اذا جردوا السلاح فى دار الاسلام واخذوا الاموال كان الامام مخيرا.).

بل نفس سكوت الفقهاء فى الكتب الفقهيه وعدم تعرضهم فى ذيل الايه فى كتاب الحدود الذى الفوه لبيان كل ما ثبت فى الشريعه من الحدود الا للمحاربه وقطع الطريق واقتصارهم على ذكره فيمن يجرى عليه هذا الحد له دلاله واضحه على الاختصاص، وانهم لم يستفيدوا من الايه والروايات غير ذلك، ولا يمكن ان يكون هذا الحكم العام ثابتا فى الشريعه فضلا من ان يكون مفادا للايه الكريمه، ومع ذلك يضيع على المسلمين جميعا ويغفلوا عنه فى تمام عصر التشريع وما بعده ولا ترد فيه اسئله واجوبه واستيضاحات من الائمه المعصومين عليهم السلام، كما ورد بشان قطاع الطريق ومن شهر السلاح لاخافه الناس. فهذا دليل لبى يوجب القطع او الاطمئنان على الاقل بان هذا الحد ليس ثابتا فى الشريعه لكل مفسد، ولو لم يكن بالمحاربه، ولا بالافساد فى الارض بمعنى الاعتداء على حقوق الاخرين، فمن يبيع الخمور ويحرض الناس على شربه او على الزنا والفجور، ويدير دور البغاء والمومسات، او يروج العقائد والافكار الباطله، او يبيع ما يضر الناس ويفسد اوضاعهم كالمخدرات او يحتكر او يرابى فى الاسواق، بحيث يوجب الفساد الاقتصادى للبلد الى غير ذلك من المفاسد الاجتماعيه الاخرى ليس مشمولا لهذا الحد المبين فى الايه الشريفه والروايات وكلمات الفقهاء جزما ولم يكن يجرى عليهم هذا الحد فى سيره المتشرعه وعملهم السابق يقينا.


42

الامر الثانى ظهور بل صراحه الروايات الوارده فى تفسير الايه المباركه او بيان هذا الحد فى الاختصاص. ففى صحيح محمد بن مسلم عن ابى جعفر(ع) قال: من شهر السلاح فى مصر من الامصار فعقر اقتص منه، ونفى من تلك البلده، ومن شهر السلاح فى غير الامصار وضرب وعقر واخذ المال ولم يقتل فهو محارب فجزاوه جزاء المحارب، وامره الى الامام ان شاء قتله وان شاء صلبه وان شاء قطع يده ورجله، قال: وان ضرب وقتل واخذ المال فعلى الامام ان يقطع يده اليمنى بالسرقه، ثم يدفعه الى اولياء المقتول فيتبعونه بالمال، ثم يقتلونه، قال: فقال له ابو عبيده اصلحك اللّه ارايت ان عفى عنه اولياء المقتول، قال: فقال ابو جعفر(ع): ان عفوا عنه فان على الامام ان يقتله، لانه قد حارب اللّه وقتل وسرق. الخ. واصرح منها روايه المدائنى الوارده فى تفسيره الايه.

ووجه الدلاله واضح فانه اذا كان موضوع الحد مطلق المفسد، والمحارب مصداق له، وانه انما يثبت له ذلك لكونه مفسدا، فلماذا جعل الميزان والموضوع فى تمام الفقرات والشقوق، بل وفى تمام الروايات عنوان المحارب الاخص لا عنوان المفسد الاعم الذى هو موضوع الحكم او مناطه؟ فهذه الروايات صريحه فى ان للقتل والضرب وشهر السيف والاشاره بالحديد والاخافه دخلا فى موضوع الحكم، وان ما هو الموضوع فى الايه، وفى الحكم الشرعى انما هو عنوان المحاربه للّه وللرسول، كما انها صريحه فى ان المراد بذلك ليس المعنى الحقيقى لمحاربه اللّه والرسول، بل محاربه الناس الذين هم عيال اللّه والرسول، وتحت حكم اللّه والرسول، وهذا هو المعنى العنائى الذى تقدم، وذلك لانها صرحت بان المحاربه لاجل اخذ المال اى السلب والنهب والقتل ونحو ذلك، وهذا هو فعل قطاع الطريق ونحوهم، لا المحاربين للّه والرسول حقيقه كالمشركين والبغاه، فهذه الروايات واضحه الظهور فى ان موضوع هذا الحد مجمع العنوانين فى الايه، اى الافساد بمعنى الاعتداء على الناس بالمحاربه والاخافه بشهر السلاح ونحوه.

الامر الثالث ومما يمكن ان يستدل به على التقييد بمعنى اخذ المحاربه قيدا وان يكون الافساد والاعتداء على الناس بشهر السلاح، ما ورد فى روايات عديده من ان العقوبات الاربع المذكوره فى الايه المباركه مترتبه حسب درجه الجرم ومقدار الجنايه، فاذا قتل واخذ المال قتل وصلب، واذا قتل ولم ياخذ المال قتل، واذا اخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، واذا لم يقتل ولم ياخذ المال وانما شهر السلاح على الناس فقط نفى من الارض، وفى بعضها ورد ان هذا الترتيب مستفاد من الايه نفسها.

ففى معتبره بريد بن معاويه قال: سالت ابا عبد اللّه(ع) عن قول اللّه عز وجل: (انما جزاوا الذين يحاربون اللّه ورسوله.) قال: ذلك الى الامام يفعل ما شاء. قلت: فمفوض ذلك اليه: قال: لا. ولكن نحو الجنايه((126)).

وفى معتبره الخثعمى قال: سالت ابا عبد اللّه(ع) عن قاطع الطريق وقلت: الناس يقولون ان الامام فيه مخير اى شى‏ء شاء صنع. قال: ليس اى شى‏ء ساء صنع، ولكنه يصنع بهم على قدر جنايتهم. من قطع الطريق فقتل واخذ المال قطعت يده ورجله وصلب، ومن قطع الطريق فقتل ولم ياخذ المال قتل، ومن قطع الطريق فاخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله، ومن قطع الطريق فلم ياخذ مالا ولم يقتل نفى من الارض((127)).

وفى روايه على بن حسان عن ابى جعفر(ع) قال: من حارب اللّه واخذ المال كان عليه ان يقتل او (و)-يصلب، ومن حارب فقتل ولم ياخذ المال كان عليه ان يقتل ولا يصلب، ومن حارب واخذ المال ولم يقتل كان عليه ان يقطع يده ورجله من خلاف، ومن حارب ولم ياخذ المال ولم يقتل كان عليه ان ينفى ثم استثنى عز وجل (الا الذين تابوا من قبل ان تقدروا عليهم) يعنى يتوبوا قبل ان ياخذهم الامام((128)).

وفى روايه داود الطائى عن رجل من اصحابنا عن ابى عبد اللّه(ع) قال: سالته عن المحارب وقلت له: ان اصحابنا يقولون: ان الامام مخير فيه ان شاء قطع، وان شاء صلب، وان شاء قتل، فقال: لا. ان هذه اشياء محدوده فى كتاب اللّه عز وجل، فاذا هو قتل واخذ المال قتل وصلب، واذا قتل ولم ياخذ المال قتل، واذا اخذ ولم يقتل قطع، وان هو فر ولم يقدر عليه ثم اخذ قطع الا ان يتوب فان تاب لم يقطع((129)).


43

وهذه الروايات صريحه فى النظر الى الايه وتفسير العقوبات الاربع فيها، وانها مترتبه وبها يقيد اطلاق ما دل على التخيير او التفويض الى الامام، وان التفويض اليه يكون بمعنى تطبيق كل واحده منها على مورده قدر الجنايه، خصوصا معتبره بريد التى ذكرت التفويض الى الامام اولا ثم فسرته بذلك.

وعلى ايه حال فهذه الروايات واضحه الدلاله على اراده الترتيب من العقوبات الاربع، وهذا الترتيب لا معنى له اذا كان الحد المذكور فى الايه المباركه لمطلق المفسد بالمعنى الاعم، اذا المصاديق الاخرى لهذا المعنى الاعم قد لا يكون فيها قتل ولا سلب للمال ولا اخافه اصلا، كما فى ترويج المفاسد الاخلاقيه او الفكريه او السياسيه، فهذا الحد الواحد ذو المراتب الاربع سواء استفيد الترتيب فيما بينها من الايه نفسها كما لا يبعد ذلك بحسب مناسبات الحكم والموضوع وطبيعه العقوبات الاربع، او استفيد ذلك من الروايات الخاصه المتقدمه المفسره للايه من هذه الناحيه، لا محاله يكون مخصوصا بجريمه وافساد يكون فيه محاربه وشهر السلاح للتعدى على اموال الناس ونفوسهم ولا يناسب مع ان يكون موضوعه مطلق الافساد الذى قد لا يكون فيه تعد على احد فضلا من ان يكون قتلا او سلبا للمال.

ودعوى: ان هذا الترتيب لخصوص المحارب من المفسد المذكور فى الايه دون سائر انواعه، ونحن نستفيد حكم سائر الانواع من عموم التعليل المستفاد من قوله تعالى (ويسعون فى الارض فسادا) فكانه قال المحارب حكمه القتل والصلب والقطع والنفى على قدر الجنايه لانه مفسد فى الارض.

مدفوعه: اولا ليس لهذه الجمله ظهور فى التعليل اصلا، بل حملها على ذلك خلاف الظاهر جدا، اذ التعليل بحاجه الى دال يدل عليه، اما اداه تعليل، او وقوع الجمله فى موقع التعليل، كما اذا جاءت فى ذيل الكلام، وبعد بيان الحكم فلا يناسب مع ذكرها فى الابتداء، وفى موقع الموضوع، وقبل بيان الحكم، بل عطفه على جمله (يحاربون اللّه ورسوله) ظاهر فى انه لبيان ان المراد بالمحاربه للّه والرسول معناها العنائى وهى شهر السلاح بوجه الناس واخافتهم لسلب اموالهم او قتلهم، بل تعليل محاربه اللّه ورسوله بالافساد فى الارض مستهجن عرفا جدا لان شناعه وفداحه الاول اظهر واشد واولى بالقتل من الثانى.

وثانيا اذا كان الحكم هو العقوبه على قدر الجنايه فلا بد وان تكون الجنايه فيها قتل او سلب، والا لم يكن تناسب بين العقوبه والجريمه، فلا يمكن ان يكون المراد بالفساد فى الارض الا ما يشتمل على ذلك لا مطلق الفساد.

وثالثا قد اشرنا فيما سبق انه اساسا عنوان افسد فى الارض ليس بمعنى روج الفساد او جعل الاخرين يفسدون، بل بمعنى اتيان الفساد وايجاده خارجا وذلك بالاعتداء على الناس، فالمحارب القاطع للطريق او السالب لاموال الناس او نفوسهم ليس مروجا للفساد فى المجتمع وبين الناس، بل عمله فساد وعدوان على الناس، ولهذا لا يطلق عنوان المفسد فى الارض على الذى يدعو الناس الى الافكار الفاسده او الاخلاق الفاسده، فالافساد فى الارض بمعنى الاعتداء على حياه الاخرين فى الارض بسلب مال او عرض او نفى او نحو ذلك لا جعل الاخرين يرتكبون الفساد باختيارهم، فلا عموم فى هذه الجمله حتى لو حملت على التعليل.

الامر الرابع بالامكان استفاده اختصاص الحد المذكور بالمحارب المفسد بالمعنى الذى ذكرناه، من تتبع الادله والروايات الوارده فى سائر الجرائم والعقوبات الوارده فيها فان جمله منها يصدق عليها الافساد فى الارض بذلك المعنى العام، ومع ذلك لم تحكم الروايات ولا الفقهاء فيها بهذا الحد، بل بعقوبات اخرى اخف من عقوبه المحارب، ولم يتوهم فقيه فيها احتمال شمول هذا الحد وانطباق موضوعه عليها.

ففى جريمه القواد - وهو الذى ياخذ الاجر ليجمع بين الذكر والانثى- ورد التعزير بخمسه وسبعين سوطا، كما فى روايه عبد اللّه بن سنان قال: قلت لابى عبد اللّه(ع) اخبرنى عن القواد ما حده؟ قال لا حد على القواد اليس انما يعط‏ى الاجر على ان يقود؟. قلت: جعلت فداك، انما يجمع بين الذكر والانثى حراما.

قال: ذاك المولف بين الذكر والانثى حراما، فقلت: هو ذاك.

قال: يضرب ثلاثه ارباع حد الزانى، خمسه وسبعين سوطا وينفى من المصر الذى هو فيه((130)).


44

وفى جريمه الزنا و(الفاجره)، او (التى تدعوا الناس الى نفسها) او (لا تدع يد لامس)، ونحو ذلك من العناوين الوارده فى روايات الزنا مما يصدق فيه افساد الاخرين بالمعنى الاعم المتقدم لم يرد الا الرجم اذا كان محصنا او الجلد اذا لم يكن.وفى حكم البغاه الخارجين على الامام ورد ان من يوسر منهم ويوخذ اذا كان له فئه قتل، وان لم يكن له فئه واخمدت الفتنه لم يقتل، مع انه افساد فى الارض بل ومحاربه للّه والرسول بمعناها الحقيقى.

ومن قبيل ما ورد فى الدعاه الى الغلو والكفر او الزندقه من الاستتابه ثم القتل بعد عدم التوبه، مع انهم مفسدون لعقائد الناس بالمعنى المتقدم.

ومن قبيل ما ورد فى حد السارق فانه مهما يسرق ولو كان اكثر من سرقه المحارب، ومن عدد اكثر من الناس الا انه اذا لم يكن يشهر السلاح والاخافه لم يثبت فيه غير القطع.

ومن قبيل ما ورد فى الفرار والمختلس والنباش الهتاك للموتى حتى اذا كان معروفا بذلك، او كانت له عاده من انهم يغررون او يقطع النباش، اذا كانت له عاده مع صدق الافساد فى الارض عليهم الا انه من دون محاربه.

بل وردت روايات عديده فيها المعتبره بانه لا قطع فى الدغاره المعلنه، والدغاره هى الافساد. ففى صحيح ابى بصير عن احدهما(ع) قال: سمعته يقول: قال امير المومنين(ع): لا اقطع فى الدغاره المعلنه وهى الخلسه ولكن اعزره((131)).

ومثله معتبره محمد بن قيس، ومعتبره السكونى، وروايه الصدوق باسناده الى قضايا امير المومنين(ع) مع ان هذا افساد فى الارض بالمعنى الذى ذكرناه ايضا اعنى الاعتداء على اموال الناس وسلبهم، ولهذا اطلق عليه عنوان الدغاره، الا انه حيث لم يكن يشهر السلاح والاخافه وقطع الطريق لم يكن له ذلك الحد، ولهذا نجد ان نفس العمل اذا كان بشهر السلاح والاخافه وقطع الطريق اصبح محاربه وموضوعا للايه، كما صرحت بذلك معتبره سوره بن كليب، قال: قلت لابى عبد اللّه(ع): رجل يخرج من منزله يريد المسجد او يريد الحاجه فيلقاه رجل ويستعقبه فيضربه وياخذ ثوبه. قال: اى شى‏ء يقول فيه من قبلكم؟ قلت: يقولون هذه دغاره معلنه وانما المحارب فى قرى مشركه. فقال: ايهما اعظم حرمه دار الاسلام، او دار الشرك؟ قال: فقلت دار الاسلام. فقال: هولاء من اهل هذه الايه (انما جزاء الذين يحاربون اللّه ورسوله.الخ)((132)).

وهكذا يثبت بمجموع هذه الامور انه لا ينبغى الشك فى اختصاص الحد المذكور بالمفسد المحارب وهو المعتدى على اموال الناس او نفوسهم بالمحاربه والاخافه. واللّه الهادى للصواب.

مقدار ما يضمنه الجانى من خسائر المجنى عليه

بحث فى مقدار ما يضمنه الجانى من خسائر المجنى عليه. ويمكن ايراده فى ثلاث مسائل: المساله الاولى :

فى ضمان الجانى زائدا على لديه كاجره

الطبيب ونفقات العلاج.

المساله الثانيه: فى ضمانه لما يفوت على المجنى عليه من معيشته وكسبه.

المساله الثالثه:فى‏ضمان نفقات المرافعه واقامه الدعوى‏على الجانى. وهذا الفرع لا يختص بالدعوى الجنائيه ، بل يجرى فى الدعاوى والمرافعات المدنيه ايضا.

اما البحث فى المساله الاولى: فقد يستظهر من كلمات الاصحاب، حيث سكتوا فى موارد الديه عن ذكر غيرها، ان كل ما يضمنه الجانى انما هو الديه او الارش -والديه هى الديه الكامله، وقد تطلق على كل مقدر شرعى، والارش نسبه منها سواء كان مقدرا شرعا، او يقدره القاضى بالحكومه-.

الا ان هذا الاستظهار يمكن المناقشه فيه على ما سياتى.

والمهم ملاحظه ما تقتضيه الادله والقواعد، وينبغى البحث اولا فيما هو مقتضى القاعده مع قطع النظر عن روايات تحديد الديه على كل جنايه، واخرى فيما يستفاد من مضامين تلك الروايات فالبحث فى مقامين.

المقام الاول:فيما تقتضيه قواعد الضمان العامه فى هذه

المساله. قد يقال بالضمان، وان على الجانى ان يتحمل خساره علاج المجنى عليه وبرئه. وذلك استنادا الى احد الوجوه التاليه: (الاول) التمسك بالسيره العقلائيه، حيث يقال بانهم يحكمون بضمان الجانى لتمام الخسائر التى تقع على المجنى عليه، ومنها اجره الطبيب والعلاج.

وان شئت قلت: ان وصف الصحه والسلامه والبرء من المرض او الجرح من الاوصاف المرغوب فيها عقلائيا، بل المهمه عندهم، بل هى فى الانسان اهم منها فى باب الاموال، فكما يكون الغير ضامنا لوصف الصحه من المال اذا تصرف فيه او اتلفه بغير اذن مالكه كذلك يكون ضامنا له فى الانسان اذا جنى عليه، ومقتضى ضمانه لذلك تحمل نفقات البرء وقيمه العلاج، وهذا الارتكاز او السيره العقلائيه لم يرد ردع عنها من الشارع فنستكشف امضاءها لا محاله.


45

وفيه: اولا ما ذكر من اهميه وصف الصحه فى الانسان، بل هو اهم منه فى الاموال لا شك فيه، الا ان هذا وحده لا يكفى للضمان ما لم يكن ذلك الامر المرغوب فيه مالا عند العقلاء.

والعقلاء لا يعتبرون الماليه للانسان بالنسبه الى نفسه واوصافه، واعضائه، فاذا لم يكن وصف الصحه فى الانسان مضمونا، لم يكن وجه لضمان نفقات العلاج واجرته.

وثانيا لو سلمنا ثبوت الضمان لوصف الصحه فى الانسان عقلائيا مع ذلك قلنا بان امضاء الشارع لذلك فرع عدم احتمال ردع عنه، فلو احتملنا ان ما جاء فى روايات تحديد الديه والارش تاسيس لطريقه جديده شرعيه لكيفيه ضمان الجنايات وصحه الانسان، فلا محاله يحتمل الردع بحيث لا يمكن الجزم بالامضاء.

(الثانى) ان الجانى يضمن ما يصرفه وينفقه المجنى عليه على نفسه فى سبيل العلاج، باعتباره هو السبب فى ذلك والمجنى عليه مضطر الى صرفه وانفاقه فيصدق التسبيب الى الخساره او الضرر، والسبب فى مثل ذلك اقوى من المباشر فيكون ضامنا للمقدار اللازم انفاقه للاستعلاج لا اكثر بقاعده التسبيب.

وقد يناقش فى هذا الاستدلال كبرى وصغرى.

اما من حيث الكبرى، فبان التسبيب وضمان السبب مع كون الفعل صادرا من المباشر بالاختيار امر على خلاف القاعده، لا يمكن قبوله الا فى الموارد الخاصه التى قام فيها الدليل عليه.

واما من حيث الصغرى، فلان كبرى التسبيب لو سلمت فهى انما تنفع فى موارد اتلاف المال، او فساد الشى‏ء الموجب لنقصه حيث يقال ان كان المباشر له انما افسده بسبب الغير، وكان السبب اقوى كان عليه الضمان لان استناد التلف اليه اقوى من استناده الى المباشر، ومن الواضح ان هذا فرع صدق الاتلاف او الانقاص، وهو لا يصدق فى المقام اذ لا يكون صرف المال للعلاج اتلافا له لينفعه التسبيب.

وان شئت قلت: ان قاعده التسبيب، توسع من موضوع قاعده: (من اتلف)، وتعينه فى السبب الاقوى دون المباشر، وليست قاعده بحيالها، فلا بد وان يصدق اتلاف المال او العضو او النفس لكى يثبت الضمان بالتسبيب، وهذا لا يصدق فى المقام.

وكلتا المناقشتين يمكن الاجابه عنهما.

اما الاولى، فبان كبرى التسبيب بالامكان اثباتها، تاره بسيره العقلاء الممضاه شرعا، واخرى باستفادتها من مجموعه الموارد الكثيره التى ثبت فيها حكم الشارع بضمان السبب دون المباشر، وذلك بعد الغاء خصوصيه كل مورد عرفا، لتنوعها وعدم اختصاصها بباب دون باب. فان جمله من هذه الروايات واكثرها صحيحه السند وارده فى باب ضمان شاهد الزور للصداق او للديه او لما اتلفه الشاهد من المال الذى شهد عليه((133)). وجمله منها وارده فيمن حفر بئرا فى طريق المسلمين او نصب ميزابا عليه فاضر بالماره((134))، وجمله منها وارده فى ضمان من دعى او اذن لشخص فى دخول بيته فعقره كلبه((135))، وبعضها وارد فى ضمان المولى اذا جنى عبده الراكب دابته((136))، وبعضها وارد فى ضمان من افزع شخصا فنفر من دابته او سقط من شاهق((137))، وبعضها وارد فى ضمان المراه ديه الرجل الاجنبى اذا ادخلته على نفسها فقتله الزوج((381))، وبعضها وارد فى ضمان المستغيث لما جناه المغيث فى طريقه من غير عمل((139))، الى غير ذلك من الموارد.

فمن يلاحظ مجموع هذه الموارد المتنوعه يشرف على القطع او الاطمينان، بان لا خصوصيه لكل مورد، وانما هذه الروايات كلها تشير الى مطلب واحد وكبرى كليه هى ان اراده المباشر اذا كانت مقهوره لجهل او اضطرار او الزام قانونى وكان للسبب الدور الفاعل والموثر خارجا وعملا كان استناد النتيجه الى السبب اقوى وآكد، وكان ضمانه اولى عند الشارع كما هو كذلك عند العقلاء، بل وجود السيره او الارتكاز العقلائى بذلك بنفسه يخلع على هذه الروايات ظهورا فى امضاء نفس النكته العقلائيه باطلاقها، وفى تمام الموارد. بل مثل صحيح جميل عن ابى عبد اللّه(ع) فى شاهد الزور، قال: ان كان الشى‏ء قائما بعينه رد على صاحبه، وان لم يكن قائما ضمن بقدر ما اتلف من مال الرجل((140)) ومعتبره ابى بصير عن ابى عبد اللّه(ع) فى امراه شهد عندها شاهدان بان زوجها مات، فتزوجت ثم جاء زوجها الاول، قال: لها المهر بما استحل من فرجها الاخير، ويضرب الشاهدان الحد، ويضمنان المهر لها عن الرجل بما غرا، ثم تعتد وترجع الى زوجها الاول((141)) ظاهران فى ان هذا الحكم ليس من باب التعبد، بل لصدق الاتلاف والاستناد الى السبب اذا كان فى البين تغرير للمباشر، وهذا بمثابه التعليل الذى يستفاد منه التعميم وعدم الاختصاص بالمورد. فكبرى التسبيب فى موارد مقهوريه اراده المباشر لجهل او اضطرار او اداء تكليف وواجب شرعى عليه او نحو ذلك لا ينبغى انكارها.


46

واما المناقشه الصغرويه، فيمكن دفعها بان ما هو المعيار عند العقلاء ليس تلف المال وانعدامه، بل ذهاب ملكيته، اى خساره المالك ونقصان ماله بحسب النتيجه، سواء اكان بالاتلاف للمال خارجا، ام باخذ الغير له، او بلزوم دفعه وصرفه اضطرارا، فالميزان ذهاب المال عنه ونقصانه منه بحسب النتيجه، وقد تشعر بذلك صحيحه محمدبن مسلم عن ابى عبد-اللّه(ع) فى شاهد الزور ما توبته؟ قال: يودى من المال الذى شهد عليه بقدر ما ذهب من ماله. الخ((142)).

الا ان الانصاف ان عنوان ذهاب المال وخسارته ايضا غير صادقه هنا، بل بابه باب الاستيفاء والانتفاع بالمال فى العلاج، والا لزم ورود النقض بسائر موارد انتفاع الانسان وصرفه لماله على نفسه بسبب الغير مع انه لا يحكم فيها بالضمان.

(الثالث) التمسك بقاعده عقلائيه اخرى ممضاه شرعا، هى وجوب رد حق الغير اليه سواء اكان حقا ماليا ام غير مالى، وفى المقام حيث ان من حقوق الغير وشوونه سلامته وبرئه من المرض والتى سلبها منه الجانى بجنايته، فيجب عليه ردها اليه، ولو بتحمل نفقات علاجه، وان شئت عبرت عن هذا بضمان العهده ووجوب رد كل ما من شوون الغير واموره اليه، ولو لم يكن مالا، كما يجب رفع كل نقص او ضرر اوقعه عليه، ولو لم يكن ضررا ماليا.

الا ان هذا الوجه لا ينفع لاثبات ضمان نفقات العلاج واشتغال ذمه الجانى بها للمجنى عليه اذا فرض حصول البرء بانفاقه على نفسه ورجوع سلامته اليه، وانما يثبت مجرد الحكم التكليفى بوجوب الانفاق عليه للعلاج اذا لم يكن من ينفق لعلاجه، نظير وجوب النفقه لغير الزوجه، نعم للحاكم الشرعى اجباره على الانفاق اذا لم يكن من ينفق.

(الرابع) التمسك بقاعده لا ضرر بتقريب ان عدم ضمان الجانى لنفقات العلاج حكم ضررى، واجحاف على المجنى عليه فيكون منفيا بالقاعده فيثبت ضمان الجانى لها نظير اثبات الخيار بالقاعده فى موارد الغبن والعيب.

وفيه: اولا ان هذا تدارك للضرر وليس نفيا له، لانه قد حصل بفعل الجانى على كل حال، وقد تقرر فى محله ان القاعده لا تثبت التدارك لانها تنفى مطلق الضرر، لا الضرر غير المتدارك. نعم يمكن تبديل القاعده ببعض الروايات التى قد يستفاد منها ان الاضرار موضوع للضمان من قبيل صحيح الحلبى عن ابى عبد اللّه(ع): (كل من يضر بطريق المسلمين فهو ضامن لما يصيبه) ومعتبره الكنانى: (من اضر بشى‏ء من طريق المسلمين فهو له ضامن) فان ظاهرها ان الاضرار ملاك وموضوع للضمان، واضافته الى الطريق باعتبار العابرين فيه، لا باعتبار نفس الطريق، كما لا يخفى((143)).

وثانيا ان الضرر عباره عن النقص فى مال او حق، وبناء عليه ان فرض صدق الضرر على تقدير عدم الضمان بلحاظ نقصان وصف الصحه فهو فرع ان يكون وصف الصحه مالا، او ارجاعه حقا ثابتا على الجانى فى المرتبه السابقه وهو رجوع الى احد الوجوه السابقه، ومعه لا يحتاج الى قاعده لا ضرر، وان كان بلحاظ ما يخسره من المال فى نفقه العلاج، فمن الواضح ان النقص الحاصل فيه يكون بفعل المجنى عليه، لا بفعل الجانى، لانه المباشر لذلك، الا ان نرجع الى قاعده التسبيب وهو الوجه الثانى المتقدم، وقد عرفت الاشكال فيه.

وثالثا ان ثبوت الضمان على الجانى ايضا حكم ضررى عليه، فيكون من تعارض الضررين، ودعوى انه مقدم عليه فرع ثبوت الضمان عليه فى المرتبه السابقه، كما لا يخفى.

(الخامس) - وهو تطوير للوجه الاول- وحاصله ان الجانى يضمن وصف الصحه والسلامه للمجنى عليه، وذلك لان الصحه فى الانسان وان لم تكن وصفا لمال، الا ان عدم الماليه تاره يكون لعدم المنفعه فى الشى‏ء وكونه تافها، كالحبه من الحنطه، او الخنفساء، وفى مثله لا ضمان فى اتلافه اذ لا ماليه له ولا قيمه، واخرى يكون عدم اعتبار الماليه فى شى‏ء لشرافته واهميته او كونه الصق بالانسان من المال، كذمه الانسان واعماله بالنسبه الى نفسه، فانه لا تجعل الملكيه الاعتباريه لها بالنسبه الى الانسان نفسه، وانما تجعل الملكيه فيها للغير حينما يبيع الانسان مثلا شيئا فى ذمته، او يوجر نفسه على عمل للغير فيملك الغير ذمته، او عمله، وان شئت قلت: ان الانسان مالك بالملكيه التكوينيه او الذاتيه لنفسه وعمله، وهى مرتبه من الملكيه اعلى واشرف من الملكيه الاعتباريه، فيكون جعلها له لغوا عقلائيا وشرعا، وعلى هذا الاساس يقال بان اتلاف وصف الصحه او اى انقاص لعضو من اعضاء الانسان او منافعه موجب للضمان بهذا المعنى، حيث لا يشترط فيه اكثر من كون الشى‏ء التالف مرغوبا فيه ومطلوبا عند العقلاء، وان يكون مملوكا لصاحبه او راجعا اليه، ولو بالملكيه التكوينيه او الذاتيه، ولا يشترط خصوص الملكيه الاعتباريه. فيجب ارجاع ورد وصف الصحه اليه، ويقال ‏بان ذلك عرفا يكون بعلاجه فان رد كل شى‏ء بحسبه.


47

وهذا الوجه لا يثبت ضمان نفقات العلاج بالخصوص، وانما يثبت ضمان قيمه وصف الصحه. نعم قد تكون قيمتها مساوقه او مقاربه مع نفقات العلاج اللازمه. كما انه يتجه عليه ما ذكرناه فى التعليق الثانى على الوجه الاول، مضافا الى امكان منع ثبوت الضمان بمعنى العهده، حتى عند العقلاء لمثل وصف الصحه وانما القدر المتيقن منه فى الاعيان واوصافها، ولو لم تكن مالا فمن ياخذ حبه حنطه او بقايا الكوز المكسور من احد يجب عليه رده ولو لم يكن مالا، ومن اخذ من الغير مالا الى مكان آخر بلا اذنه، يجب عليه رده الى مكانه، وان لم تتفاوت ماليته بذلك، اما فى مثل وصف الصحه ونحوها مما يرجع الى شوون الحر واعراضه الانسانيه لا الماديه او الماليه فثبوت الارتكاز المذكور فيه محل اشكال او منع، ولا اقل من الشك فانه يكفى لعدم امكان التمسك بالدليل اللبى.

(السادس) ان الجانى قد فوت على المجنى عليه نفقات العلاج، اذ لولا جنايته لما كان يقع فى ذلك، ولما كان يخسر فيكون الجانى ضامنا بملاك التفويت نظير ما يقال فى حبس الحر الكسوب من ضمان اجره عمله وكسبه.

وفيه: ان عنوان التفويت لم يدل دليل على كونه موجبا للضمان، وان ذكره السيد اليزدى(قده) فى العروه كثيرا، وانما موضوع الضمان الاتلاف او الييد، وكلاهما مفقود فى المقام.

على ان صدق التفويت مع كون الانفاق على العلاج صدر باختيار المجنى عليه ورغبته محل اشكال، بل منع.

(السابع) التمسك بالسيره العقلائيه ابتداء لاثبات ضمان الجانى لنفقات العلاج واجر الطبيب، بدعوى انه لا اشكال فى ذلك عندهم، ولهذا نجد القوانين الوضعيه اليوم تحكم بضمان الجانى لجميع النفقات اللازمه عاده لعلاج الجنايه الصادره منه، ومن المستبعد ان تكون هذه السيره مستحدثه، بل جذورها ونكاتها ارتكازيه ثابته من اول الامر فنستكشف من عدم ثبوت ردع عنها امضاء الشارع لها.

وهذا الوجه لعله احسن الوجوه واسلمها عن الاشكال، الا ان تماميته تتوقف على ان لا نستظهر من ادله تحديد الديه والارش فى الشريعه جعل الديه بدلا عن كل ما يراه العقلاء من الضمان، وان تمام ما يستحقه المجنى عليه انما هو مقدار الديه او الارش لا غير. وعلى هذا الاساس لا بد من الانتقال الى المقام الثانى من البحث لنرى ما يستفاد من روايات الديه والارش من هذه الناحيه.

المقام الثانى فيما يستفاد من روايات الديه والارش. ولا شك

فى دلالتها على ضمان الديه وتحديدها بالمقدرات الشرعيه، او بما تقدره الحكومه (حكومه العدل)، كما لا اشكال فى انها على كثرتها وتعرضها للتفاصيل وجزئيات ديه كل عضو عضو وكل كسر او جرح باقسامها ومراتبها المتعدده، قد سكتت عن ضمان نفقات العلاج واجر الطبيب، ومن هنا قد يستظهر من هذا السكوت العام فيها نفى ضمان شى‏ء زائد على ما ذكر فيها من الديه او الارش، والا لكان ينبغى ان يذكر ذلك ولو فى بعضها.

وقد يجاب على ذلك بان الديات او الارش انما هى ضمان ما يحصل من النقص فى العضو او فى منفعته او الشين الحاصل بسبب الجنايه فى البدن، وهذا مطلب آخر مستقل عن ضمان علاج المجنى عليه، وارجاع السلامه والبرء اليه، سواء بقى فيه نقص او شين ام لا، فالروايات ناظره الى تحديد ما يضمنه الجانى بسبب النقص او الشين لا الجهات الاخرى، كما اذا ادت الجنايه الى تلف مال المجنى من تمزيق ثوبه او عطب دابته، فالسكوت عن بيان ضمان قيمتها لا يدل على نفى الضمان لها، لانها ليست فى مقام البيان الا من هذه الناحيه، فلا يمكن ان يستفاد منها ما هو على خلاف مقتضى القاعده. فاذا فرغنا فى المقام السابق عن ثبوت مقتضى الضمان لاجر الطبيب ونفقات العلاج -مع قطع النظر عن النقص الحاصل بالجنايه- لم يكن فى هذه الروايات وسكوتها عن التعرض لضمان العلاج ما ينافى ثبوته.

الا ان هذا البيان غير تام، وذلك: اولا لان جمله من روايات الديه وارده فيما لا نقص فيه ولا شين، حيث قررت الديه او الارش فيما اذا برء الجرح او الكسر من غير عثم -وهو انجبار العظم على غير استواء- او شين مما يعنى ان الديه او الارش المقرر فيه ليس من اجل النقص او الشين الحاصل بسبب الجنايه، والا لم يكن موجب له فى مثل ذلك، فلا بد وان تكون الديه فى ذلك بلحاظ ما تستوجبه الجنايه من الضمان على الجانى، فاذا كانت مقتضيه لضمان نفقه العلاج ايضا كان يلزم ذكره وعدم السكوت المطبق عنه.


48

وثانيا ظهور جمله من الروايات فى انها بصدد بيان تمام ما على الجانى بالجنايه من الغرامه، لا خصوص ما يقابل النقص.

ففى معتبره ابى بصير عن ابى جعفر(ع) قال: قضى امير المومنين(ع) فى رجل قطع ثدى امراته، قال: اذن اغرمه لها نصف الديه((144)).

وفى صحيح ابن سنان عن ابى عبد اللّه(ع) قال: السن اذا ضربت انتظر بها سنه، فان وقعت اغرام الضارب خمسمائه درهم، وان لم تقع واسودت اغرم ثلثى ديتها((145)).

فانه اذا كان يغرم الجانى زائدا على الديه شيئا كان ينبغى اضافته اليها فيما اغرمه الامام.

وفى صحيح الحلبى عن ابى عبد اللّه(ع) فى رجل فقا عين امراه، فقال: ان شاووا ان يفقوا عينه ويودوا اليه ربع الديه، وان شاءت ان تاخذ ربع الديه، وقال فى امراه فقات عين رجل: انه ان شاء فقا عينها، والا اخذ ديه عينه((146)).

فان جعل ما ناخذه من الجانى فى قبال القصاص ظاهر فى ان تمام ما يستحقه المجنى عليه على تقدير عدم القصاص انما هو الديه لا اكثر.

وفى صحيح الفضيل بن يسار عن ابى عبد اللّه(ع) انه قال فى عبد جرح حرا، فقال: ان شاء الحر اقتص منه، وان شاء اخذه ان كانت الجراحه تحيط برقبته، وان كانت لا تحيط برقبته افتداه مولاه، فان ابى مولاه ان يفتديه كان للحر المجروح حقه من العبد بقدر ديه جراحه، والباقى للمولى يباع العبد فياخذ المجروح حقه ويرد الباقى على المولى((147)).

فان الاقتصار على ان تكون ديه جراحته تحيط برقبه العبد بلا احتساب نفقه العلاج، بل وتصريح الذيل بان حق المجنى عليه من قيمه العبد الجانى بقدر ديه جراحه كالصريح فى عدم ضمان شى‏ء زائد على الديه.

هذا ولكن مع ذلك كله يمكن ان يقال بان قصارى ما يستفاد من السكوت عن ضمان نفقات العلاج فى مجموع هذه الروايات، انما هو نفى ضمان العلاج زائدا على الديه والارش، واما ضمانه ضمنها بنحو التداخل فلا يمكن نفيه بهذا السكوت لان نفقات العلاج اللازمه للبرء فى ذلك الزمان كان اقل عاده عن الديه كثيرا، فلعل السكوت عندما كان من جهه استيعاب الديه لها وزياده فيبقى مقتضى الضمان لها تاما، والنتيجه تظهر فى المورد الذى تكون نفقه العلاج فيه اكثر من الارش او الديه المقرره، كما فى بعض الحالات فى ازمنتنا فيثبت ضمان اعلى الحدين من الديه او نفقه العلاج اللازمه للبرء.

ومما يمكن ان يستدل به على هذا المطلب ما ورد فى معتبره غياث عن جعفر(ع) عن ابيه(ع) عن على(ع) قال: ما دون السمحاق اجر الطبيب((148)).

فان ظاهرها ان الجرح اذا كان دون السمحاق -وهو الجلد الرقيق على العظم- اى لم يبلغ هذا المبلغ ففيه ضمان اجر الطبيب مما يدل على ثبوت الضمان لاجر الطبيب، الا ان ذلك باعتبار قلته وضئالته كانت اقل من الارش المقرر للمراتب الاولى من الجراحات كالسمحاق التى فيها اربع من الابل، فعدم ذكره كان من جهه التداخل واستيعاب الارش فضلا عن الديه له.

وما ورد فى بعض الروايات الاخرى من اثبات الارش من الباضعه بثلاث من الابل، وهى دون السمحاق (كما فى صحيح زراره وروايه منصوربن حازم)((149)) لا يوجب سقوط اصل دلاله معتبره غياث، بل غايته تقييد اطلاقها بما يكون دون السمحاق ودون الباضعه. فتبقى دلاله المعتبره على اصل ضمان الجانى لنفقه الطبيب والعلاج حجه، وتكون هذه الروايه صالحه لتفسير ذلك السكوت فى سائر الروايات بما ذكرناه من التداخل.

ويمكن ان يستانس لضمان نفقه العلاج بما ورد فى روايات حد السرقه من ان امير المومنين(ع) كان يامر بعلاج من قطع يده فى السرقه من بيت المال حتى يبرا، فراجع صحيحه محمد بن قيس((150))، وروايه محمد بن مسلم والحارث بن الحضيره((151))، وغيرها.

فان هذه الروايات وان كانت متكفله لحد السرقه والجراحه الحاصله من اجرائها لا الجنايه، الا ان ظاهر امر الامام فيها بالعلاج من بيت المال لزومه، ويستظهر منه ان علاج المقطوع بالسرقه وبرءه مضمون على بيت المال، وعندئذ يقال بان العلاج اذا كان مضمونا فى الجرح الحاصل بحق -وهو اجراء الحد الالهى- فالضمان فى مورد الجنايه بغير حق على الجانى آكد واولى.

ونستخلص من مجموع ما تقدم: ان المقتضى لضمان نفقات العلاج فى نفسه يمكن تتميمه باحد الوجوه المتقدمه والتى كل واحد منها -لو تم- يشير الى نكته خاصه للضمان غير الاخرى، وقد تختلف عنها فى الاثار والنتائج، وتوضيح ذلك: ان هذه الوجوه على قسمين، فالوجه السابع يقرب فيه الضمان لنفقه العلاج بالسيره العقلائيه ابتداء من دون ارجاعها الى قاعده كبرويه عقلائيه او شرعيه اخرى، بينما الوجوه الاخرى تقرب الضمان بارجاعه الى كبرى اخرى كقاعده الاتلاف او التسبيب او التفويت او الاضرار.وهذا يتضمن بعض الفروق بين هذه الوجوه.


49

منها ان الوجه السابع بالامكان ارجاعه الى احد التطبيقات للقواعد العقلائيه الاخرى المبينه فى سائر الوجوه، لو تم شى‏ء منها بحيث لا يكون وجها مستقلا فى قباله، بل يكون ذلك الوجه تفسيرا وتحليلا له، فالوجه السابع انما تصل النوبه اليه اذا فرض عدم الجزم بتلك التطبيقات.

ومنها ان الوجه الثالث يختلف عن سائر الوجوه فى ان مفاده -لو تم- اثبات ضمان العهده بمعنى وجوب رد وصف الصحه للمجنى عليه، ولو من باب ان علاجه يعتبر عرفا نحو استرداد لما سلب عنه، ويدعى ان وجوب الرد ثابت فى تمام الاوصاف والشوون الراجعه للغير، ولو لم تكن اموالا ولا موثرا فى الماليه، ومن هنا حكموا بوجوب رد ما يوخذ من الغير مما لا ماليه له، بل حكموا بان من نقل متاع الغير الى مكان آخر بلا اذنه وجب عليه رده الى مكانه الاول، ولو لم تتفاوت قيمته او كانت قيمته فى المكان الثانى اكثر. وهذا المقدار لا يثبت الضمان بمعنى اشتغال الذمه لو لم يرده ما لم نظم نكته اخرى مما فى سائر الوجوه، الا ان هذا لا يعنى عدم جدوى هذا الوجه لو تم، بل فيه فائدتان.

احداهما انه يثبت مطلبا زائدا على شغل الذمه بنفقه العلاج -لو ثبت ذلك باحد الوجوه الاخرى- وهو وجوب قيام الجانى به، ومنه يعرف ان هذا الوجه يجتمع مع تمام تلك الوجوه.

لا يقال: مبنى هذا الوجه امكان رد وصف الصحه الى المجنى عليه، ومبنى الوجوه الاخرى او بعضها على الاقل اتلافه وتفويته فلا يمكن الجمع بينهما.

فانه يقال: الجمع بينهما يكون بملاحظه ان العرف يرى ان مقدارا من وصف الصحه، وهو اصل البرء من الجرح يمكن استرداده، فيجب على الجانى القيام به، والزائد على ذلك كما اذا كان هناك عيب او نقص او حصل العلاج بانفاق المجنى عليه على نفسه وخسارته للمال فى سبيل ذلك، يكون مضمونا ايضا وضعا على الجانى بالاتلاف او التسبيب، فكلا الحكمين التكليفى والوضعى قابل للجمع لو تم صدق الاتلاف او التسبيب بالنسبه لما يفوته من الصحه الكامله، او المال الذى ينفقه فى العلاج مع وجوب القيام بمسووليه اصل العلاج والبرء من الجرح تكليفا لا مكانه، فلا تهافت فى مبنى هذا الوجه مع سائر الوجوه.

والفائده الثانيه ان هذا الوجه لو تم من دون ان يتم شى‏ء من الوجوه الاخرى للضمان امكن للحاكم اجبار الجانى على القيام بالمعالجه، بل يمكن دعوى انه لو امتنع قام الحاكم به، واخذ نفقته من الجانى، لان كل عمل يجب على المكلف من اجل الغير، ويكون الغرض منه حصوله خارجا ولو من غير مباشره ذلك المكلف، امكن للحاكم القيام به على تقدير امتناع المكلف الواجب عليه وتضمينه نفقه ذلك، لانه ولى الممتنع.

ومنها ان الاتلاف او التسبيب او الاضرار تاره يطبق على ما يفوت المجنى عليه من المال لعلاج نفسه، فلا يثبت بذلك اكثر من ضمان نفقه العلاج، واخرى يطبق على وصف الصحه الزائله بالجنايه، فيكون الضمان عندئذ اكثر من ذلك، خصوصا اذا فرض حصول عيب او نقص فى البدن حتى بعد البرء.

ثم انه لا ينبغى التشكيك فى تمام الوجوه السابقه وانكارها جميعا، اذ من المطمئن به انه لولا ادله الديات الثابته فى شريعتنا ايضا، كان العرف يحكم بضمان مال فى قبال الجنايه الواقعه على المجنى عليه، كتعويض عن ذلك، فان اصل هذا ما لا ينبغى انكاره، بل ينقل المورخون ان فكره الديه -التعويض عن القتل او الجرح- كانت سائده فى المجتمعات البشريه قبل الاسلام، وكذلك فى المجتمعات التى لم تدخل فى الاسلام، كما ان فكره التعويض، بل وتحمل نفقات العلاج مما تلتزم به القوانين الوضعيه اليوم فى العالم، بحيث يعد المنكر لذلك ظالما وخارجا على مبادى‏ء العدل والحق. ومن غير المحتمل ان تكون الديه عقوبه صرفه، كيف وتثبت فى موارد الخطا المحض، بل والتسبيب ففيها جنبه التعويض جزما عند العرف، كما يستفاد ذلك من السنه الروايات التى عبرت بالضمان او التى جمعت بين ضمانها وضمان المال فى سياق واحد وبموجب واحد.

فاذا ثبت ضمان الجانى فى جميع الاعراف العقلائيه لمال يعط‏ى للمجنى عليه او وليه كتعويض عما اصابه من الجنايه، فمن المطمئن به ان هذا التعويض لا يكون اقل من نفقه العلاج اللازمه والضروريه للبرء، اذا كانت الجنايه دون النفس، فان هذا اقل ما يستحقه المجنى عليه من الجانى، اذا كان هناك استحقاق. وهذا يعنى ان اصل تماميه المقتضى لضمان نفقه العلاج، ولو ضمن ما يضمنه الجانى فى مقام التعويض المالى عن الجنايه مما لا يمكن انكاره، وانما ينبغى البحث عن ان روايات الديه هل يستفاد منها ما ينافى ذلك باعتبار ما فيها من السكوت عن ذكر ضمان نفقات العلاج التى كانت موجوده سابقا ايضا، ام لا؟


50

الصفحة السابقة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

الصفحة التالية

معها، فهذا قد يمكن دعوى ظهور سكوت الروايات -ولو فى جمله منها اشرنا الى طوائف ثلاث منها- فى نفيه، واما لو اريد ضمان نفقه العلاج ضمن الديه وبنحو التداخل بحيث يكون اللازم اعلى الحدين من مقدار الديه ونفقه العلاج اللازمه عاده وعرفا، فهذا ما لا يمكن نفيه بالسكوت المذكور فى الروايات اولا، بل يدل عليه معتبره غياث ثانيا. والوجه فيه ان الديه حتى يمر بمراتبها الاوليه فى باب الجروح كانت اكثر فى السابق من نفقه العلاج اللازم والمتعارف آنذاك، حيث لم يكن العلاج بالاجهزه والترتيبات المتطوره، وما تقتضيها اليوم من النفقات الكثيره، فلعل السكوت فى تلك الروايات من اجل اشتمال الديه حتى باقل مراتبها واستيعابها لنفقه العلاج، وحيث لا توجد دلاله لفظيه على عدم ضمان نفقه العلاج، وانما غايته السكوت فمع مجى‏ء هذا الاحتمال لا تحصل دلاله على نفى ضمان النفقه الزائده على الديه فى ازمنتنا، اذا اتفقت فى مورد جرح او كسر معين، وكانت نفقه لازمه لا بد منها عاده، هذا لو لم ندع انصراف روايات الديه الى ضمان قيمه العيب او النقص او الم الجرح والكسر فقط، لا سائر الجهات التى تقتضيه الجنايه من الضمان، بملاك الاتلاف او التسبيب او الاضرار، فكما لا يمكن ان نستفيد من السكوت المذكور نفى ضمان ما يتلفه الجانى بجنايته من اموال المجنى عليه كثوبه الذى عليه اذا مزقه مثلا، كذلك لا يمكن ان ننفى به ضمان الطبيب والعلاج، لانه من ذاك الباب، اى من قبيل ضمان المال لا النفس. ومع عدم انعقاد دلاله على نفى ضمان اعلى الحدين تكون السيره العقلائيه باحد التقريبات المتقدمه، والتى قلنا انه لا يمكن انكار اصلها تامه ومثبته لضمان اعلى الحدين، اى ضمان مقدار الديه المقرر بالادله الشرعيه، وضمان المقدار الزائد عليها لو فرض لزومها للعلاج اللازم بالقاعده العقلائيه الممضاه شرعا.

لا يقال: هذا المقدار لا يكفى، بل لا بد من اثبات الامضاء، ومع احتمال ان يكون السكوت فى روايات الديه والارش عن ذكر نفقه العلاج من جهه الاقتصار على الديه المقرره، وانها تمام ما يضمنه الجانى، فلا محاله نحتمل الردع وعدم الامضاء للسيره العقلائيه، وما هو الحجه لنا نظر الشارع ورايه لا نظر العقلاء وآرائهم.

فانه يقال: يكفى فى استكشاف الامضاء عدم وجود ما يصلح للرادعيه، ومن الواضح ان السكوت المذكور لا يصلح للرادعيه خصوصا عن سيره مستحكمه وواضحه، كما فى المقام، وانما يحتاج الردع عنها الى بيانات واضحه وصريحه فى الخلاف فمع عدم وجودها يقطع او يطمئن بالامضاء والقبول لها من قبل الشارع ايضا.

هذا مضافا الى الدليل الثانى، وهو التمسك بمعتبره غياث الظاهره، بل الصريحه فى ان اجر الطبيب ايضا مضمون اذا كانت الجنايه اقل من المراتب الاولى مما قرر فيه الارش، وحيث لا خصوصيه فيما دون تلك المرتبه وما فوقها الا من ناحيه التداخل فى المراتب الاخرى مع الديه، فيمكن ان يستظهر منها امضاء الشارع لاصل ضمان نفقه العلاج واجور الاطباء والمعالجين فى نفسه، بحيث لو زاد على الديه او الارش المقرر - كما فى بعض الحالات فى ازمنتنا- ثبت ضمانه ايضا لعدم الفرق فى ملاك الضمان، فهذه المعتبره يمكن اعتبارها امضاء صريحا لما عليه العقلاء من ضمان اجر العلاج فى نفسه، بل يمكن جعلها دليلا شرعيا على ضمان اجر الطبيب مستقلا.

والنتيجه التى ننتهى اليها على ضوء ما تقدم ضمان الجانى لاعلى الحدين من الديه ونفقه العلاج اللازمه، فان هذا المقدار يثبت بما تقدم مع احتمال ان يكون حق المجنى عليه فى صوره زياده نفقه العلاج على الديه اكثر من ذلك، اذ يمكن ان يستظهر من ادله الديه ان العيب والشين والنقص فى العضو او المنافع، بل نفس الايلام الحاصل بالجنايه ايضا يوجب استحقاق المجنى عليه للتعويض المالى، فلو جزمنا بهذا الاستظهار زائدا على ضمان نفقه العلاج امكن دعوى الجمع بين نفقه العلاج والديه، ولو فى هذه الحاله بمعنى انه لا بد وان يبقى شى‏ء بازاء العيب والشين والايلام ايضا، زائدا على نفقه العلاج ويبقى بعد ذلك البحث عن كيفيه تقدير ذلك.


51

(واللّه الهادى للصواب)

مراجعه جديده للبحث:

فى اثبات ضمان نفقه العلاج مستقلا عن الديه لا بد من تتميم مقدمتين: اولاهما اثبات المقتضى للضمان فى نفسه.

الثانيه عدم استفاده المنع والردع من روايات تحديد الديات والاروش بان لا يستفاد منها ان ما حدد فيها من الديات تعويض ومصلحه قانونيه عن كل ما يستحقه المجنى عليه بسبب الجنايه.

واثبات المقدمه الاولى، تاره يكون باقامه الدليل على اقتضاء الجنايه لضمان نفقه العلاج مباشره، واخرى يكون بتطبيق كبرى مسلمه تقتضى الضمان فى المقام، فهنا طريقان: الطريق الاول استفاده الضمان لنفقه العلاج من دليل ابتداء بلا توسيط قاعده اخرى. وهذا له تقريبان.

التقريب الاول الرجوع الى سيره العقلاء، ودعوى ان بناءهم فى باب الجنايات على تضمين الجانى نفقات علاجه ايضا.

وهذه الدعوى بلحاظ اصل التعويض للمجنى عليه مما لا شك فى ثبوته عند العقلاء، وفى قوانينهم الجنائيه قديما وحديثا، وقد نص المورخون فى كتب التاريخ والقانون على ذلك، كما دلت على ثبوت الديه قبل الاسلام بعض الروايات، كصحيح عبد الرحمان بن الحجاج((152))، والوصيه الطويله التى ينقلها الصدوق باسناده الى انس بن محمد عن ابيه، وحماد بن عمرو جميعا عن جعفر بن محمد(ع) عن آبائه(ع) عن النبى(ص)((153)).

الا ان هذا المقدار قد لا يكفى لاثبات ضمان نفقه العلاج مستقلا عن الديه، ما لم نحرز بان التعويض المذكور كان فيه ملاكان مستقلان يلحظهما العقلاء معا، احدهما التعويض الجنائى عن نفس الجرح او الكسر او العيب الحاصل بالجنايه، والاخر التعويض المدنى عن الخسائر الماليه التى تصيب المجنى عليه بما فيها نفقه المعالجه واجر الطبيب والدواء، اللهم الا ان نستكشف وجود مثل هذا الارتكاز العقلائى مما نلاحظه اليوم فى القوانين الوضعيه من الحكم بتعويض المجنى عليه بكل ما تضرر به من جراء الجنايه، بما فيها نفقات علاجه واعتباره من المسووليه المدنيه لا الجنائيه، فان هذه القوانين تعكس الذهنيه العرفيه والعقلائيه لواضعيها، فاذا كانت تتفق جميعا على تعويض نفقه العلاج دل ذلك على وجود الارتكاز العقلائى المذكور وقدمته.

التقريب الثانى استظهار ضمان نفقه العلاج، عن معتبره غياث المتقدمه، حيث انها دلت على ضمان اجر الطبيب فى الجرح الذى هو دون السمحاق وهو اول الجروح التى قرر فيها الارش فى بعض الروايات، ومنها كتاب على(ع) المعروف فى الديات، كما ان بعض احاديث العامه وفتاواهم ايضا جعلت السمحاق، او الموضحه التى بعدها هى اول مراتب الجرح المقرر فيه الديه، كما صرح فى بعض رواياتهم او فتاواهم بان النبى(ص) لم يقرر شيئا فيما دون ذلك، فلا يكون فيه الا عطاء الطبيب والدواء، وتلك الروايات والفتاوى وان لم تكن معتبره عندنا الا انها تقرب ما فسرنا به معتبره غياث من ان المراد بها ان الديه لم تقرر فى المراتب الخفيفه للجرح، وهى ما يكون دون السمحاق، فليس فيها الا ضمان اجر الطبيب. وعندئذ يقال: اذا ثبت بهذا الحديث ضمان الجانى لاجر الطبيب فى مورد فهذا لا يختص بجرح دون جرح، ولا بمقدار دون مقدار، لان الملاك والنكته لضمانه واحد بسبب المتفاهم العرفى، وهو ان خساره المجنى عليه لتلك النفقه حصلت بسبب الجنايه، خصوصا اذا قلنا بارتكازيه ضمانها عند العقلاء وقبلنا انعقاد السيره عليه فى التقريب السابق اذ تكون هذه الروايه اشاره الى تلك السيره وامضاء لها.

لا يقال: هذا اذا لم تكن الروايه بنفسها ظاهره فى اختصاص ضمان اجر الطبيب بالجروح الخفيفه مما هو دون السمحاق، وظاهر المقابله بين ما دون السمحاق والسمحاق وما فوقه من الجروح مما قرر فيها الديه عدم ضمان اجر الطبيب فيها وان المجهول فيها الديه فقط.

فانه يقال: ظاهر الروايه انه فيما دون السمحاق ليس الا اجر الطبيب، لا ان اجر الطبيب ليس الا فيما دون السمحاق، فلا دلاله فيها على نفى ضمان اجر الطبيب فى الجروح الاخرى، وزانها وزان ما دل عند العامه على ان الديه غير مجهوله فيما دون السمحاق، واما ضمان اجر الطبيب فعلى القاعده، فلو فرض عدم احتمال الفرق فى نكته الضمان ولو بضميمه الارتكاز العرفى بين جرح وجرح ثبت ضمان النفقات فى تمام الجروح. وبعباره اخرى، ظاهر الروايه على ضوء ما كان مطروحا فى بعض روايات العامه وآرائهم، وبملاحظه الارتكاز العقلائى، هو التفصيل بين ما دون السمحاق وغيره من الجروح فى ثبوت الديه التى تدفع كعقوبه ماليه، او كتعويض عن نفس الجرح، او النقص الحاصل فى بدن المجنى عليه، والتى يعبر عنها اليوم بالمسووليه الجنائيه، واما ضمان نفقه العلاج فهو تعويض عن الخساره التى تحصل فى اموال المجنى عليه نتيجه اضطراره للانفاق على نفسه بسبب الجنايه فى العلاج وتحصيل البرء، فهو تعويض مدنى ومسووليه مدنيه، نظير ما اذا تلف بالجنايه بعض اموال المجنى عليه، فلا يكون ذكر المعتبره لاجر الطبيب فيما دون السمحاق لاثبات اختصاصه بذلك وعدم ثبوته فى الجروح الاخرى، بل لنفى ثبوت الديه فيها فكانه لخفه الجرح لا مسووليه جنائيه فيها، ولا تعويض عن نفس الجرح، وانما يثبت التعويض المدنى بمقدار ما يخسره المجنى عليه من المال للعلاج، والذى هو ثابت على كل حال فى مورد تحقق موضوعه وهو الاضرار المالى، فلا دلاله فى الحديث على المقابله بين نفقه العلاج وبين الديات، ليستفاد منه اشتماله الديه المقرره شرعا على تمام ما يضمنه الجانى بالجنايه فى مقام التعويض الجنائى والمدنى او قل: البدنى والمالى معا.


52

وقد يقال: بمعارضته الموثقه مع الروايات العديده، وفيها المعتبره الداله على ثبوت الديه فيما دون السمحاق من الجروح كالباضعه والداميه والحارصه، وهى شبه الخدش واخف الجروح، حيث جعل فى الاولى ثلاثه ابعره، وفى الثانيه بعيران، وفى الثالثه بعيرا، فلا يبقى جرح لم يجعل فيه ارش، فتكون تلك الديات معارضه لا محاله مع موثقه غياث -كما افتى بذلك الفقهاء- بحيث لا بد من حملها على التقيه او رد علمها الى اهلها.

الا انه يمكن الجواب عن ذلك: بان مفاد المعتبره امران: احدهما ثبوت مقتضى الضمان لاجر الطبيب فى نفسه، والاخران ما دون السمحاق من الجروح لا تقدير شرعى للارش والجرح فيه، وما ينافى تلك الروايات المفاد الثانى دون الاول فانه غير مناف مع ثبوت التقدير بناء على التفسير المتقدم للموثقه. اللهم الا ان يقال بعدم عرفيه مثل هذا التفكيك فى اصاله الحل، فتسقط الروايه عن الحجيه فى كلا المدلولين.

الطريق الثانى التمسك باحدى القواعد الشرعيه المقتضيه للضمان فى نفسها وتطبيقها فى المقام على نفقه العلاج. وهى احدى قواعد اربع.

1- قاعده الاتلاف.

2- قاعده التفويت.

3- قاعده التسبيب.

4- قاعده الاضرار.

اما (الاتلاف) فلا اشكال فى ثبوت الضمان به كبرويا لقيام السيره عليه الممضاه شرعا. ودلاله جمله من الروايات المعتبره فى ابواب مختلفه من الفقه على ان من اتلف مال الغير فهو له ضامن، فالكبرى تامه الا ان الكلام فى امكان تطبيقها فى المقام وتحقق صغراها، اذ لو اريد تطبيقها بلحاظ تلف العضو او زوال وصف الصحه فى البدن، فهو وان كان اتلافا ولكنه ليس اتلافا للمال، ولو فرض انه مستوجب للضمان ايضا كاتلاف المال فغايته ضمان قيمه نقص العضو او منفعته الفائته. وهو الديه المقرره لا نفقات العلاج والبرء، وان اريد تطبيقها بلحاظ المال الذى يضطر المجنى عليه على انفاقه فى العلاج بسبب الجنايه، فهذا لو صدق لكان موجبا للضمان جزما الا ان فى صدقه عليه اشكالا، لوضوح ان صرف المال لتحصيل نفع او دفع الم لا يسمى اتلافا للمال على المستفيد منه، بل هو استفاده وانتفاع به.

ومنه يعرف الاشكال فى اثبات الضمان بقاعده (التفويت) اذ مضافا الى انه لا دليل على كبرى الضمان بالتفويت، وانما موضوع الضمان الاتلاف او اليد لا التفويت، لا يصدق عنوان التفويت على الاستفاده من المال فى علاج او غذاء او غير ذلك.

واما (التسبيب) فهو ليس موجبا للضمان مستقلا فى قبال الاتلاف او التفويت او الاضرار، وانما هو توسعه لموضوع تلك القواعد الموجبه للضمان، حيث يقال انه لا يشترط المباشره فيها، بل يثبت الضمان بها فيما اذا حصل الاتلاف او التفويت او الاضرار بالتسبيب ايضا، فاثبات الضمان به موقوف فى الرتبه السابقه على ثبوت الضمان بتلك القواعد كبرى وصغرى.واما قاعده (الاضرار) فقد ناقشنا فيما سبق فى امكان اثبات كبرى الضمان، بانه لو اريد استفاده ذلك من الروايات الناهيه عن الاضرار بالاخرين، فالنهى لا يدل الا على الحرمه التكليفه لا الضمان، وان اريد استفادته من قاعده (لا ضرر ولا ضرار) فهى تنقى الحكم الضررى اى المتوجب لتضرر الاخرين ومنه جواز الاضرار بهم، فينتفى اصل الضرر، واما الضمان فليس الا تداركا للضرر وجبرانا للخساره لا انتفاء للضرر فلا يمكن استفادته من لسان نفى اصل الضرر.

كما انه قد يناقش فى صغرى الاضرار فى المقام، اذ لو اريد صدقه بلحاظ النقص فى البدن فهذا صحيح، ولكنه لا يقتضى اكثر من ضمان قيمه العضو لا نفقه العلاج كما ذكرنا فى الاتلاف. وان اريد تطبيقه بلحاظ ما ينفقه على نفسه من اجل العلاج فهذا ليس ضررا عليه، بل استفاده وانتفاع.

هذا ولكن الانصاف انه يمكن الاجابه عن كلتا المناقشتين.

اما المناقشه فى الصغرى فبان عوان الاستفاده او الانتفاع قد يصدق اذا لاحظنا ما يحصل له من البرء والعلاج بلحاظ حال مرضه وجرحه، الا ان هذا ليس هو الميزان فى صدق الاضرار بل اللازم ملاحظه حاله الطبيعى الاول قبل الجنايه وبالنسبه اليه يصدق الاضرار والخساره عرفا جزما، لان ايقاعه فى تلك الحاله التى يضطر الانسان للتخلص منها بالانفاق على نفسه يكفى فى صدق الاضرار بمقدار ما يخسره فى سبيل التخلص مما لا بد من التخلص عنه لكونه ضررا اهم.


53

نظير ما اذا دل شخص السلطه الظالمه على مكان المتهم، فلم يتمكن من التخلص عن الظالم او عيونه الا بدفع مال اليه. او القاه فى البحر فاضطر من اجل النجاه عن الغرق ان يترك ما يحمله من البسته وغيرها لينجو بنفسه فانه فى مثل ذلك لا اشكال فى صدق الاضرار عليه فيما خسره، بل قد يقال بصدق التفويت والاتلاف ايضا بالتسبيب، الا ان الانصاف ان صدق الاتلاف شكل او لا اتلاف لاصل المال كما انه لا اتلاف للمال على مالكه لانه قد ملك بدفعه ما يقابله من العمل او الدواء الذى له نفس الماليه والقيمه. نعم الاضرار به صادق جزما، نعم قد يناقش بان الاضرار المالى ايضا غير صادق، لان الضرر هو النقص او الضيق ولا نقص فى ماله بالخصوص بفعل الجانى، وانما ما تحقق به الاضرار البدنى، واما انتقاص ماله فقد حصل فى طول دفعه باختياره ضرره البدنى والمه او جرحه بالعلاج المستلزم لصرف المال فنحتاج فى تصحيح صدق الضرر المالى المستوجب لضمان المال ان نضيف احدى عنايتين، اما عنايه: ان اهميه الضرر البدنى فى قبال المالى خصوصا اذا كان خطيرا، كما اذا لزم من عدم العلاج الهلكه او النقص الخطير يوجب صدق الاضرار المالى عليه لان الشق الاخر كانه خارج عن الاختيار والقدره عرفا، او عنايه: ان حق العلاج على الجانى مقتض تام عند العقلاء والعرف، ى‏ى‏ى‏ى‏لانه حصل بفعله، وهذا زائد على اصل الجرح والالم الذى حصل اصل الجنايه والذى تكون فى قبالها فيكون عدمها.

وسياتى الاستشهاد باطلاق الضرر فى بعض الموارد على مثل ذلك فى كلام الشارع. ولعل مما يشهد على صدق الاضرار ما نجده فى القوانين الوضعيه العرفيه اليوم من اعتبار ذلك اضرارا بلحاظ نفقات العلاج، بل وما يخسره من عمله ايضا على ما سياتى التعرض له، ومفهوم الاضرار امر عرفى لا بد وان يوخذ من العرف وليس امرا شرعيا ليوخذ من الشارع.

واما المناقشه فى الكبرى فيمكن الجواب عنها بوجوه.

الاول دعوى امكان استفاده الضمان فى موارد الاضرار من نفس لا ضرر كما يظهر من كلمات جمله من الفقهاء ودفع ما ذكر من انه تدارك للضرر لا نفى له، بان هذا قد يصح بالنسبه الى شخص المال المتضرر به حيث، لا يمكن رده بشخصه، بل ببدله فيكون تداركا وجبرانا، الا انه اذا لاحظنا اصل الماليه والقيمه - كما اذا لم تكن خصوصيه لشخص المال عند المالك - فثبوت الضمان يكون نفيا للضرر لا تداركا له، اذ لم تنقص ماليه المالك اذا كان المضار ضامنا له، وهذا امر عرفى واضح يكاد ان يكون انكاره مكابره، وعلى هذا يمكن اثبات ضمان اصل الماليه بقاعده لا ضرر لانه نفى لطبيعى التضرر بها واصله، لا نفى للحصه غير المتداركه، واثبات للتدارك ليقال بانه خلاف ظاهر لا ضرر.

الثانى ان الروايات الناهيه عن الاضرار باخيك المومن وفيها ما هو معتبر سندا((154)) كما تدل على حرمه الاضرار كذلك تدل بالفحوى العرفيه على لزوم التدارك وضمان ما تضرر به الاخر، وليس مفادها مجرد الحكم التكليفى بحرمه الاضرار، ولعل الوجه فى هذه الدلاله ان الضمان وجبران الضرر رفع للضرر بقاء ودليل النهى عن الاضرار لا يحتمل العرف فيه ان يكون لخصوصيه احداث الضرر دخل فى حرمته والنهى عنه، بل الوجود البقائى للضرر كالحدوثى ايضا منهى عنه ومشمول لاطلاق النهى والحرمه ولازمه وجوب رفعه وجبرانه وتداركه المساوق مع ضمانه عقلائيا.

الثالث استفاده الضمان لما يضره الانسان بالاخرين من مثل صحيح الحلبى ومعتبره الكنانى((155)) الواردين فيمن اضر بطريق المسلمين فهو ضامن لما يصيبه، او من اضر بشى‏ء من طريق المسلمين فهو ضامن له، فان اخذ عنوان الاضرار فى لسان هاتين الروايتين فى موضوع الحكم بالضمان واضح الدلاله على دخالته فى الحكم، وان الضمان بملاك الاضرار، وانه حكمه.

وحمل الاول منها على ان الاضرار بطريق المسلمين موجب لضمان ما يصيبه بملاك الاتلاف او التسبيب اليه، وحمل الثانى على اراده الاضرار بنفس الطريق وضمانه لا ضمان من يصاب فى الطريق خلاف الظاهر جدا، لان التسبيب الى الاتلاف لا يشترط ان يكون بالاضرار بالطريق، بل يوضع اى شى‏ء فيه ولو كان بصالح الطريق وزياده فيه او فى ماليته، على ان النظر لو كان فى ملاك الاتلاف كان ينبغى الاشاره اليه لا الاشاره الى عنوان الاضرار المناسب عرفا مع الضمان فياتى بعنوان يناسب جدا ان يكون هو موضوع الضمان عرفا وعقلائيا فى سياق الموضوع، ولكن لا يريده بل يريد عنوان الاتلاف الذى لم يذكر فى الكلام من قريب ولا من بعيد فان مثل هذا ليس اسلوبا عرفيا للمحاوره جزما، وخلاف ظهور اخذ عنوان فى موضوع الحكم خصوصا فى سياق اعطاء الكبرى والضابطه الكليه فى دخله فى الحكم. بل المتفاهم من مثل هذا التعبير والاسلوب اراده الاضرار بالمسلمين الذين يصابون بما وضع فى ذلك الطريق، فيكون وضعا بحال المتعلق نظير (واسئل القريه) اى اهلها.


54

كما ان حمل الثانى من الصحيحين على اراده الاضرار بنفس الطريق وضمانه خلاف الظاهر، اذ اى خصوصيه عندئذ لذكر الطريق وشى‏ء منه، فلا بد وان تكون خصوصيه فى ذكره، وليس الا بحمله على الكنايه الى الاضرار بمن يمر فى الطريق، كما هو المنسبق الى الذهن من مثل هذا التعبير عند اطلاقه عرفا، وكما هو مصب السوال والجواب النظر فى هذه الروايات على ما يظهر لمن يراجع السنتها. على انه لو اريد منه ذلك ايضا كانت الصحيحه دليلا على الضمان بملاك الاضرار، حيث لا خصوصيه للاضرار بالطريق فيحمل على المثاليه فيكون مفادها الضمان فى تمام الموارد التى يصدق فيه الاضرار على المال.الرابع الاستفاده من بعض الايات الكريمه، والمهم منها آيتان: احداهما قوله تعالى فى سوره البقره (والوالدات يرضعن اولادهن حولين كاملين لمن اراد ان يتم الرضاعه وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس الا وسعها لا تضار والده بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك)((561)).

الثانيه قوله تعالى فى سوره الطلاق (اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وان كن اولات حمل فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فان ارضعن لكم ف‏اتوهن اجورهن واتمروا بينكم بمعروف وان تعاسرتم فسترضع له اخرى)((157)).

والاستدلال بهما مبنى على استظهار ان قوله تعالى (لا تضار والده بولدها ولا مولود له بولده) او قوله تعالى (لا تضاروهن) بمثابه التعليل لما ذكر فى الايه من الحكم بحق الرضاعه، وبالانفاق على الوالدات مده الرضاع، وعلى المطلقات مده الحمل، بحيث يكون عدم الانفاق او عدم حق الرضاع اضرارا بهن فلا يجوز تكليفا ولا وضعا، فيستفاد حق الرضاعه والضمان لنفقتهن فى تلك المده بملاك عدم الاضرار بهن.

ودعوى ان الامر بالانفاق لا يقتضى اكثر من وجوبه تكليفا لاضمانه وضعا.

مدفوعه: بان الامر بالانفاق مساوق عرفا وعقلائيا لاستحقاقه وبالتالى ثبوت الضمان فيه ايضا لا مجرد حكم تكليفى.

هذا مضافا الى دلاله بعض الروايات المتعرضه لتفسير الايه على ذلك.

وتوضيح ذلك: ان الايه الكريمه ذكرت اولا ان الوالدات يرضعن اولادهن حولين كاملين، وهذه جمله خبريه مستعمله فى مقام الانشاء، وهو اما الطلب والتكليف عليها بالارضاع، او الحكم الوضعى باحقيتها بذلك، ثم اردفت الايه ذلك بقوله تعالى (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن) مما يعنى ان ذاك الارضاع ليس مجانا عليهن، بل فى قبال ارضاعهن للمولود لا بد على الوالد نفقتهن واجرتهن بالمعروف من اجره المثل، او ما تاخذه مرضعه اخرى. ثم ذكرت الايه بعد ذلك جملتين (لا تكلف نفسا الا وسعها) و(لا تضار والده بولدها ولا مولود له بولده)، والجمله الاولى يمكن ان تكون تعليلا للتشريع المذكور فى الصدر، وانه مطابق مع مصلحه التسهيل فى الشريعه على العباد وملاحظه وسعهم واللائق بهم، حيث لم يكلف كل من الابوين بما هو خلاف وسعه، فيراد بالوسع عندئذ السهوله واللياقه وعدم الحرج والضيق والضرر، ويمكن ان تكون بيانا للمعروف وتحديدا له، وانه انما يجب على الوالد رزقهن وكسوتهن بالمقدار الذى يجده فى المراضع الاخرى، ومع التمكن والسعه لا مع فرض الاعسار وعدم التمكن، فيمكن ان يراد بالوسع حينئذ القدره والطاقه. وعلى كلا التقديرين الجمله ظاهره فى التعليل وبيان الملاك.

واما الجمله الثانيه (لا تضار والده). فهى بقرينه ما فيها من المقابله بين ضرر الوالده بسبب الولد، كما هو ظاهر الباء فى هذا التركيب وضرر المولود له بسبب الولد، تكون ناظره الى طرفى الحكم المذكور فى الصدر، حيث انه قد اثبت فى صدر الايه حقان، حق للوالده وهو الارضاع باجره المثل، وحق للوالد وهو عدم تحمل اكثر من ذلك وامكان نزعه للولد عن امه واعطائه لمرضعه اخرى اذا طالبت الام اكثر مما تقبل به الاخرى. فافيد فى الذيل ان مخالفه اى من الحكمين يكون مضاره اما بالوالده او بالوالد، اذ لو لم يكن للوالده حق الارضاع لولدها او كان لها ذلك ولكن من دون نفقه ومجانا كان اضرارا بها، ولو لم يكن للاب ان ينتزع ولده ويعطيه لمرضعه اخرى تقبل بالاقل كان اضرارا به، فقد نهى عن كليهما او نفى المضاره بذلك، وحيث ان الايه بصدد تشريع نفس الحقين لا الفراغ عنهما فى المرتبه السابقه فلا محاله تكون ظاهره فى ان ثبوتهما يكون بملاك نفى الضرر عن الوالد والوالده خصوصا بملاحظه وقوع الجمله بعد الجمله الاولى الظاهره فى التعليل، وكون عدم المضاره قاعده وضابطه كليه عند العقلاء وثابته فى الجمله فى الشريعه، فكانه قال مخالفه ذلك مضاره للوالده او للوالد، ولا ينبغى ان تضار والده بولده ولا مولود له بولده. ومن هنا يمكن ان يستفاد من اطلاقها نفى ايه مضاره اخرى للوالده او للوالد بسبب رضاع الولد فهى كبرى كليه. نعم مفاد هذه الايه ليس ابتداءا ضمان الضرر الحاصل، بل مفاده كمفاد قاعده لا ضرر نفى الحكم الذى ينشا من عدم المضاره الا انه حيث طبق فى مورد الايه على ضمان نفقه الرضاعه فيستفاد منها ان عدم ضمان ما يتضرر به الغير مما يرجع الى الغير حكم ضررى ايضا وليس من باب التدارك للضر كما قيل فى الاشكال على القاعده، وهذا امتياز الايه على سائر ادله لا ضرر فكانها تثبت بلا ضرر حق الضمان فى مثل هذه الموارد.


55

وقد استدل صاحب الجواهر(قده) باطلاق (لا تضار والده بولدها) على نفى حق اجبار الوالده على ارضاع ولدها، ونفى بذلك وجوب الارضاع على الوالدات، كما استدل باطلاق (ولا مولود له بولده) على نفى استحقاق الوالده للنفقه اذا وجدت مرضعه اخرى تتبرع بارضاع الولد ((158)).

والحاصل: ان المتفاهم من الايه ان قاعده لا ضرر يمكن ان يترتب بها ضمان النفقه اذا صدق فى فرض عدمها الاضرار، وهذا وان طبق على الرضاع الا ان نكته عدم الاضرار حيث لا يحتمل اختصاصها عقلائيا او شرعا بباب دون باب امكن التعدى الى سائر الموارد اذا صدق فيها الاضرار ايضا خصوصا مع ثبوت كبرى (لا ضرر ولا ضرار) فى الشريعه بادله اخرى.ففى صحيح الحلبى عن ابى عبد اللّه(ع) قال: الحبلى المطلقه ينفق عليها حتى تضع حملها، وهى احق بولدها ان ترضعه بما تقبله امراه اخرى، ان اللّه عز وجل يقول: (لا تضار والده بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك) الحديث((591)).

وظاهره ان الاستشهاد بالايه لكلا الحكمين المذكورين فى كلام الامام على(ع) لا الحكم الثانى فقط، فيدل على ان حق الانفاق على الحبلى مستفاد من قاعده (لا تضار والده بولدها)، بل لو كان الاستشهاد بالايه للحكم الثانى فقط ايضا دل الحديث على ان حق الرضاعه يثبت للوالده بقاعده لا ضرر، وهو حكم وضعى وليس مجرد حكم تكليفى، فالروايه واضحه الدلاله على استفاده الاحكام الوضعيه من قاعده لا ضرر ولا ضرار، وانه كما لا يجوز تكليفا الاضرار بالغير كذلك يكون المسبب للضرر على الغير ضامنا لذلك الضرر لكى لا يضار الغير من قبله، والحبلى المطلقه لكون حبلها بسبب الزوج وولدها له يضمن الزوج نفقتها فى مده الحمل والرضاع لكى لا تقع مضاره.

ومنها معتبره الكنانى عن ابى عبد اللّه(ع) قال: اذا طلق الرجل المراه وهى حبلى انفق عليها حتى تضع حملها، واذا وضعته اعطاها اجرها ولا يضارها الا ان يجد من هو ارخص اجرا منها، فان هى رضيت بذلك الاجر فهى احق بابنها حتى تفطمه((160)).

فان قوله ولا يضارها اذا رجع الى مجموع الحكمين المذكورين فى كلام الامام(ع) كان ظهورها فيما ذكرناه واضحا، وان ارجعناه الى الحكم الثانى فقط ايضا دلت على انه لا يجوز ان يضرها باخذ الولد منها، او باعطائها اجرا اقل مما تاخذه غيرها من المرضعات، فان هذا ايضا مشمول لاطلاق لا يضارها)، فتدل على ضمان تمام الاجر السوقى لها بمقتضى عدم الاضرار.

وما ورد فى بعض الروايات -ومنها ذيل نفس الروايتين ايضا- من تطبيق المضاره على امتناع الزوج عن الجماع من اجل الولد فنهى اللّه ان يضار الرجل المراه، والمراه الرجل، لا ينافى ما ذكرناه لان هذا من باب التطبيق على ذلك، لا التخصيص والتقييد به، ولهذا نجد انه قد جمع فى بعض الروايات بين المضاره فى الجماع والمضاره فى الانفاق، كما فى ذيل روايه الكنانى بنقل على بن ابراهيم فى تفسيره((161)) وذيل صحيح الحلبى نفسه بنقل الكافى((162)).

ومنها روايه ابى بصير عن ابى عبد اللّه(ع) قال سمعته يقول: المطلقه الحبلى ينفق عليها حتى تضع حملها، وهى احق بولدها ان ترضعه بما تقبله امراه اخرى يقول اللّه عز وجل: (لا تضار والده بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك) لا يضار بالصبى ولا يضار بامه فى ارضاعه، وليس لها ان تاخذ فى رضاعه فوق حولين كاملين((163)).

والاستدلال بها كالاستدلال بروايه الكنانى المتقدمه.

وهكذا نلاحظ دلاله الايتين فى نفسيهما مضافا الى الروايات المستشهده بهما على ثبوت النفقه فى مده الحمل، والاجر فى مده الرضاع على الزوج بملاك عدم الاضرار بالزوجه المطلقه، او الوالده، مع ان صدق الاضرار عليها من قبل الزوج اخفى من صدقه على المجنى عليه من قبل الجانى، لان الوالده لها تعلق وانتفاع بولدها وحصوله لها بفعلها ايضا لا بفعل الزوج فقط.

فاطلاق المضاره فى الايتين الكريمتين على عدم الانفاق على المطلقه الحبلى او الوالده المرضعه، كما يدل على ثبوت الضمان بلا ضرر، كذلك يشهد على صدق عنوان الاضرار فى موارد التسبيب الى تحمل الانسان خساره الانفاق على نفسه بسبب فعل الغير، او ما يرجع اليه، وان كان فى طول اضطراره الى الانفاق على نفسه منتفعا به كما فى انتفاع المجنى عليه بعلاج نفسه، او انتفاع الوالده، او الحبلى بولدها، وهذا يشهد على ان عنوان الاضرار صادق فى امثال المقام وانه اوسع من عنوان الاتلاف او التفويت، فاذا ثبت كبرويا انه موجب للضمان اذا كان الضرر ماليا ثبت بذلك تماميه المقتضى لضمان الجانى نفقات علاج المجنى عليه.


56

والانصاف ان هذه النقطه هامه وجديره بالبحث الفقهى، فانا اذا جعلنا الموجب للضمان منحصرا فى عنوان الاتلاف او التلف تحت اليد كما صنعه جمله من المتاخرين من فقهائنا (قدس اللّه اسرارهم) فسوف ينحصر الحكم بالضمان بموارد صدق الاتلاف او التلف فقط، ويخرج كثير من موارد الاضرار المادى بالغير عن الحكم بالضمان كما فى مسالتنا هذه، او فى مثال حبس الحر الكسوب ومنعه عن عمله او حبس متاعه فى وقت رواجه، وارتفاع قيمته السوقيه، ثم ارجاعه اليه فى وقت كساده وهبوط قيمته. وقد ذكر المتاخرون بانه لا يصدق فى المثالين الاتلاف للمال، فلا ضمان فيها على الحابس، اما فى الاول فواضح، واما فى الثانى فلانه قد ارجع اليه ماله بعينه وباوصافه، واما نقص القيمه السوقيه فهى امر اعتبارى قائم بالسوق، وليس وصفا حقيقيا للعين الخارجيه ليصدق الاتلاف بالنسبه اليه.

بينما نجد مثل صاحب الرياض يوكد على الضمان فيه بملاك الاضرار الذى هو اوسع من عنوان الاتلاف، كما ان القوانين الوضعيه تكاد تطبق على ثبوت الضمان، ولزوم التعويض عن كل الاضرار الماديه التى لحقت بالغير بسبب الفعل الضار، فتنقيح ان موجب الضمان هل ينحصر فى عنوان التلف والاتلاف او يعم تمام موارد الاضرار او الاضرار المالى، على الاقل مساله مهمه وخطيره وموثره فى موارد كثيره من فقه المعاملات.

واما المقدمه الثانيه وهى عدم ما يدل على الردع، او المنع عن ضمان الجانى شيئا زائدا على الديه المقرره شرعا، فما قد يستدل به على المنع الروايات المتعرضه لتقدير الديه والاروش، حيث انها جميعا رغم تعرضها بمجموعها الى تفاصيل كثيره ساكته عن ذكر نفقه العلاج وضمان الجانى لها -باستثناء ما تقدم فى معتبره غياث التى تعرضت لاجر الطبيب فيما دون السمحاق من الجروح- وعندئذ يمكن ان يدعى دلاله ذلك على نفى ضمان نفقه العلاج باحد تقريبين.

التقريب الاول استفاده ذلك من نفس السكوت وعدم البيان، اذ لو يجب على الجانى شى‏ء آخر غير الديه كان ينبغى ذكره والاشاره اليه، ولو فى بعض الروايات لظهورها فى بيان تمام ما يجب عليه بالجنايه خصوصا الروايات المتعرضه للمصالحه بين الجانى والمجنى عليه عن حق القصاص، حيث لم تذكر فى قبال ان لا يقتص منه الا اخذ الديه، وكذلك روايات استرقاق العبد الجانى اذا كانت ديه جنايته مستوعبه لقيمته، حيث لم تدخل فى الحساب نفقه العلاج، والتى قد تكون مع الديه مستوعبه لقيمه العبد. وكذلك ما تعرضت الى الجنايه التى لا يدرى اثرها فينتظر بها سنه مثلا، او اقل او اكثر فان برا الجرح من دون اثر على البدن لم يكن فيه ديه، او كان حكومه، وان بقى له اثر وتعيب العضو اذا زالت منفعته كان فيه الديه، فان مثل هذه الجروح الطويله العلاج تكثر لا محاله نفقات معالجتها ايضا، فلو كانت مضمونه مع الديه، ويجب على الجانى دفعها للمجنى عليه كان اللازم الاشاره اليه فى هذه الروايات على الاقل، فيستكشف من السكوت والاقتصار على ذكر الديات والاروش نفى ثبوت شى‏ء زائد فى مواردها.

التقريب الثانى استفاده عدم ضمان شى‏ء زائد على الديه -بالدلاله الاثباتيه لا السكوتيه- فى الروايات بالضمان او الغرامه.

بدعوى: ان المتفاهم العرفى منه كون الديه قيمه الجرح، والعيب الحاصل فى بدن المجنى عليه، وبدلا عن صحته وما لحقه بالجنايه من النقص والضرر، فعندما تدفع له لا يبقى له مزيد حق فى قبال صحته وسلامته، لانه قد استلم قيمتها نظير ما هو ثابت فى ضمان الاموال، فاذا عيب داره مثلا او دابته ضمن الارش، اى قيمه النقص والتفاوت بين صحيحه ومعيبه، ولا يضمن زائدا على ذلك ما قد يصرفه المالك على اصلاح ماله من النفقات، فالضمان فى البدن كالضمان فى الاموال وبنحو واحد غايه الامر يكون التحديد لقيمه الاعضاء وتقديرها بمقادير الديات تعبدا شرعيا، ومما قد يويد ذلك ما نجده عند الفقهاء من معنى الحكومه، فيما لا تقدير شرعى له من ملاحظه نسبه ما يلحقه من النقص فى الماليه لو كان عبدا وحسابه من الديه كالعشر ونصف العشر ونحو ذلك، مما يوكد انهم يفهمون الديه على انها قيمه الجرح وبدل ما نقص من وصف الصحه فى البدن كما هو الحال فى الاموال فاذا ضمن الجانى ذلك لم يكن عليه شى‏ء آخر، لانه وفى تمام ما حصل من النقص. ولعله لذلك ايضا اقتصرت روايه غياث وما يضاهيها من الروايات عند العامه (فى سنن البيهقى) على ذكر ضمان نفقه العلاج فى خصوص الجروح التى لا تقدير للديه ولا الارش فيها، ففى كل مورد لا يغرم الجانى قيمه الجرح لضئالته واندماله بحيث لا يبقى له اى اثر فى البدن ولا عيب ليقدر له قيمه، حكم بضمان نفقه علاجه لا محاله لانه ميزان النقص فى مثل هذه الحاله.


57

ومما يعزز عدم الضمان ويويده اطباق فقهاونا على السكوت وعدم التعرض لضمان نفقه العلاج فى حدود ما فحصنا فى كتبهم، وكذلك كتب العامه باستثناء ما جاء فى كتاب المبسوط للسرخسى: (لو قلع سن فنبتت صفراء، او نبتت كما كانت فلا شى‏ء عليه فى ظاهر الروايه، لان وجوب الارش باعتبار فساد المنبت، وحين نبتت كما كانت عرفنا انه ما فسد المنبت، ثم وجوب الارش باعتبار بقاء الاثر، ولم يبق اثر حين نبتت، كما كانت، وقد روى عن محمد فى الجراحات التى تندمل على وجه لا يبقى لها اثر تجب حكومه بقدر ما لحقه من الالم، وعن ابى يوسف يرجع على الجانى بقدر ما احتاج اليه من ثمن الدواء واجره الاطباء حتى اندملت. وابو حنيفه قال: لا يجب شى‏ء لانه لا قيمه لمجرد الالم، الا ترى ان من ضرب ضربه تالم بها، ولم يوثر فيه شيئا لا يجب شى‏ء، ارايت لو شتمه شتيمه اكان عليه ارش باعتبار ايلام حل فيه؟)((164)).

وجاء ايضا فى كتاب (شرح كتاب النيل وشفاء العليل) من فقه الاباضيه: (ولا يلزم اجر الدواء عندنا وعند ابن القاسم من اصحاب مالك، وقال الفقهاء السبعه من قومنا يلزمه ذلك)((165)).

فالحاصل يظهر من مراجعه كلمات الفقهاء واقتصارهم على ذكر الديه والاروش المقرره فى كل جرح وجنايه مقدره والرجوع الى الحكومه فى غيرها، ان المركوز عندهم ايضا ملاحظه قيمه الجرح او النقص الحاصل فى البدن وضمان الجانى له على حد ضمان نقص المال المعيب بفعل الغير، وان هذا تمام ما يضمنه فى قبال وصف الصحه والعيب، فلا يكون اخذ نفقه العلاج زائدا على ذلك الا كاخذ نفقه اصلاح المال المعيب زائدا على ارش العيب.

ويمكن الاجابه عن كلا التقريبين: اما التقريب الاول فبان سكوت الروايات عن ذكر ضمان نفقه العلاج يمكن ان يكون لضئالتها فى تلك الازمنه بحيث لم يكن العلاح مستلزما لنفقات مهمه معتد بها عرفا، بل كانت تعد جزء من المصارف والنفقات اليوميه الاعتياديه الثابته للانسان على كل حال.

ويمكن ان يكون وجه السكوت عن نفقه العلاج ان نظر الروايات جميعا الى التعويض عن نفس العيب او النقص او الجرح الحاصل فى البدن بالجنايه لا ما قد تستلزمه الجنايه من خساره اخرى ماليه وضرر مادى على المجنى عليه، كاتلاف ماله او تضرره من اجل العلاج، فان التعويض عن ذلك تعويض بملاك آخر، وحيثيه اخرى اجنبيه عن الديه، ومن هنا لم تذكر فى الروايات ضمان ما قد يتلف بالجنايه من اموال المجنى عليه كثوبه الذى على بدنه حين الجنايه اذا تلف، او دابته تحته اذا هلكت، فاذا فرضنا ان ضمان نفقه العلاج كان بملاك النقص فى المال، وخساره ما قد يضطر المجنى عليه الى انفاقه، لا العيب او النقص الحاصل فى البدن، فهذا خارج عن منظور الروايات لانها ناظره الى ما يقابل ذلك النقص لا النقص والضرر فى المال الخارجى، فلا يمكن ان يكون سكوتها عن ذلك دليلا على عدم الضمان فيه من تلك الحيثيه، ودعوى ان خساره النفقه حاصله ومسببه بالجنايه، او كونها ملازمه او غالبه معها فيكون اللازم بيان ضمانها لو كان. يمكن دفعها: بان الهيئه اذا كانت مباينه مع الجهه المنظور اليها، فالغلبه او الملازمه او السبب لا تتوجب لزوم التعرض لها، فكما لا تعرض لضمان ما يتلف من المال فى الجنايه، والتى لعل الغالب ذلك، ولو بلحاظ اصل تلف مال ضمن الجنايه كذلك فى المقام. بل يمكن دعوى ان لفظ الديه من المركوز كونه عنوانا لما يقابل نفس الدم او الجرح، اى المسووليه الجنائيه، او الضمان غير المربوط بالخسارات الماليه التى حكمها وملاك الضمان فيها واحد عند العقلاء. ومما يويد ذلك انه لو لم يكن يمكن تفسير السكوت عن حكم نفقات العلاج ولو بثبوت الضمان فيها فانه لا اشكال ان مصداق الضمان فيه وارد على الاقل فكيف لم تتعرض الروايات المذكوره لنفيه وسكتت عنه اثباتا ونفيا؟؟، فالسكوت المذكور لا يمكن توجيهه وتفسيره الا بان عنوان الديه المسوول عنها، او المتعرض لها فى تلك الروايات جميعا منصرف بحسب الارتكاز العقلائى الى ما يقابل الدم والجرح كتعويض خاص غير مربوط بالتعويضات الاخرى التى قد تكون، بل كثيرا ما تكون بملاك الاضرار والخساره الماليه على المجنى عليه بسبب الجنايه او ضمنها، وليس فى شى‏ء من الروايات المذكوره ما يدل على ان الامام بصدد بيان تمام ما على الجانى فى مورد الجنايه من الغرامات والضمانات، حتى التى بملاك اتلاف مال او اضرار كذلك، كما لا يخفى على من تامل فيها بدقه.


58

ثم لو تنزلنا وافترضنا دلاله السكوت المذكور على نفى ضمان نفقه العلاج زائدا على الديه، فهذا السكوت قصارى ما يمكن ان يثبت به نفى النفقات التى كانت رائجه حينذاك، وهى اقل من الديه المقدره شرعا، لا ما اذا كانت نفقه العلاج اكثر من الديه، فلا يمكن ان يستفاد منها نفى ضمان النفقه الزائده على الديه فيثبت على القاعده -لو تم مقتضى الضمان فيها- اعلى الحدين.

ومنه يظهر وجه عدم تعرض روايات المصالحه على حق القصاص بالديه او استرقاق العبد الجانى اذا كانت ديه جنايته مستوعبه لنفقه العلاج، وعدم ادخالها فى الحساب، فان ما يصح جعله بدلا عن حق القصاص او موجبا لحق الاسترقاق خصوص ما يضمنه الجانى من الديه، اى من التعويض فى قبال الجرح او العيب او النقص فى البدن، لا ما يغرمه وتشتغل ذمته به بملاك آخر، كاتلاف الاموال، وان كان بسبب الجنايه وملازما معها، كما اذا كان قيمه ثوبه الذى اتلفه مع الديه مستوعبا لقيمه العبد فانه لا يسترق بذلك.

واما التقريب الثانى فبالمنع عن صحه ذلك الفهم للديات اساسا، فان الحر لا يتعامل معه تعامل المال، لا عند العقلاء، ولا عند الشارع، فليست ديه جراحته قيمه ما نقص من قيمته وماليته، ولا تعويضا مدنيا، بل تعويض وغرامه جنائيه كالعقوبات الماليه، غايه الامر جعلت حقا للمجنى عليه كالقصاص، ومن هنا كانت احكام الديات تختلف عن احكام باب ضمان الاموال الذى يعبر عنه بالمسووليه المدنيه، من قبيل تحمل العاقله للديه فى الخطا المحض، او تعلق اكثر من ديه واحده اذا تعددت الجنايه على الاعضاء، بحيث كان مجموعها اكثر من ديه، بل قد تبلغ ست ديات كما فى بعض الروايات، او جعل المراه تعاقل الرجل فى الديه الى الثلث ثم تعود الى النصف، او عدم الفرق فى مقدار الديات بين الصغير والكبير، والوضيع والشريف، والماهر الخبير، الكسوب وغيره، او الفرق بين ديه المسلم والكافر، الى غير ذلك من الاحكام التى تدلنا على ان فهم الديه على انها قيمه الماليه الناقصه بالجراحه لبدن الانسان غير صحيح، بل الانسب كونها تكريما للمجنى عليه، وجعل حق عقوبه وغرامه ماليه بيده على الجانى تتقدر بحسب فداحه الجنايه، وخطورتها وخفتها، والتعبير بالضمان او الغرامه الوارده فى الروايات لا يدل على خلاف ذلك، اذ الضمان او الغرامه معنى عام ينطبق فى التعويضات والغرامات الجنائيه ايضا باعتبار اشتغال ذمه الجانى بها كالتعويض المدنى عن المال.

هذا مضافا الى ان ظاهر روايات الديه وما ورد فيها من التصريح بان الديه بدل العيب او النقص او الكسر او الجرح الحاصل فى البدن بالجنايه انها فى قبال ذلك، فلو سلمنا ان الديه تعويض عن القيمه، والماليه الزائله بالجنايه، فهى قيمه النقص والعيب والجرح لا قيمه وصف الصحه وبدلا عنها، ليتوهم اشتمالها على نفقه العلاج وتحصيل الصحه، بل لو استرجع المجنى عليه صحته وبرء عن الجرح او الكسر بنحو لم يبق فيه اثر ولا عيب او عثم لم يستحق الديه المقدره، وهذا معناه ان الديه لا تدفع فى قبال العلاج وتحصيل الصحه، بل فى قبال النقص الحاصل فى بدن المجنى عليه بالجنايه وهو غير العلاج والبرء، والذى قد يبقى بعده ناقصا. فنفقات العلاج التى يضطر اليها المجنى عليه ضرر مالى آخر مستقل عن النقص او العيب والشين فى البدن، ومنه يظهر عدم صحه قياسه على احداث عيب فى مال الغير فان عدم ضمان نفقه اصلاحه زائدا على ارش العيب، لانه لا يصدق الاضرار والنقص بماليه ماله الا بمقدار ما نقص من قيمته بالعيب لا اكثر، والذى يكون مقاربا لما يصرف فى سبيل اصلاحه او تبديله بالصحيح منه بخلافه هنا، فانه قد اضره بضررين، ضرر فى بدنه وهو العيب الحاصل بالجنايه، وضرر فى ماله، وهو نفقه العلاج والبرء من الالم او الهلكه والموت بالجراحه اذا لم تعالج.

فاذا كانت نفقه العلاج ضررا ماليا غير الضرر البدنى المستوجب للديه فلا ربط لاحدهما بالاخر ولا تداخل بينهما، بل قد يكون تحمل المجنى عليه هذا الضرر بالانفاق على نفسه للعلاج رافعا لموضوع النقص والشين فى البدن، فيرتفع موضوع ضمان الجانى للديه، كما اذا قطع عضوا منه لو بقى مقطوعا كانت فيه الديه كامله، او نصف الديه، ولكنه انفق على المعالجه بنحو بحيث عاد سالما ومتصلا، فانه فى مثل ذلك لا يحكم على الجانى بالديه لما دلت عليه الروايات وعليه الفتوى ايضا، من ان ديه الجروح والكسور انما تدفع بعد الانتظار الى زمان البرء اذا كان مما يحتمل فيه البرء، فكيف يمكن ان تكون الديه تعويضا عن كل ما لحق المجنى عليه من الضرر او بدلا عن وصف صحته وسلامته، بل كيف يحتمل ان لا يكون الجانى فى المثال مسوولا لا عن ديه المجنى عليه لعدم قطع يده مثلا بعد العلاج واجراء العمليه الترقيعيه، ولا عن نفقات ذلك العلاج الباهظه التى تحملها المجنى عليه.


59

ومثال آخر ما اذا كان قد جرحه جرحا طفيفا كالحارصه او الداميه التى فيها بعير او بعيران، ولكن المجنى عليه كان فيه مرض بحيث اذا ما لم يعالج نفسه علاجا باهظا من حيث النفقه فسوف تودى الجراحه الى هلاكه وموته فيقال بتحمله نفقات ذلك، وليس على الجانى الا ارش الحارصه والجرح الخفيف، مع انه لولا العلاج لسرت الجنايه الى نفس المجنى عليه، وكان يلزم الجانى الديه الكامله، بل كيف يمكن ان يكون التقدير الشرعى للديه او الارش قد لوحظ فيه نفقات العلاج ايضا، مع وضوح تغير تلك النفقات بحسب الزمان، بل والمكان فى الزمان الواحد، وباختلاف درجه التقدم العلمى، وتطور وسائل العلاج وتعقيدها، فلا محاله لا تكون التقديرات الشرعيه المذكوره الا تقديرات شرعيه لغرامه ماليه تعط‏ى للمجنى عليه فى قبال نفس الجرح او الكسر او النقص الحاصل بالجنايه فى بدنه، كما صرحت بذلك السنه الروايات من دون نظر الى الاضرار الاخرى التى تلحق بالمجنى عليه فان لها حسابها وحكمها الخاص.

فالصحيح ان روايات الديه اجنبيه عن نفى ضمان ما يتسببه الجنايه من الاضرار الماديه الاخرى على المجنى عليه، ومنها نفقه معالجته فاذا كان الاضرار موجبا للضمان ثبت الضمان لها زائدا على الديه.

بل يمكن ان يقال بان اللازم على الجانى اولا الانفاق لمعالجه المجنى عليه، والحيلوله دون قطع عضوه او حصول نقص فيه ان كان ذلك ممكنا فعلا، فلا تصل النوبه الى الديه الكامله للعضو فمسووليته الاولى ارجاع وصف الصحه فى البدن وفى اعضائه للمجنى عليه، فاذا بقى نقص او شين او جرح بعد ذلك كان ضامنا لديته او لارش نفس ما وقع من الجرح والالم، لانه مسوول وضعا وتكليفا عن رفع كل ضرر اوقعه عليه اذا كان رفعه ممكنا، بمقتضى ادله حرمه الاضرار ولا ضرر، وبمقتضى ادله حرمه مال المسلم ودمه، وانه لا يذهب حقه هدرا، وبمقتضى سيره العقلاء ايضا.

الصفحة السابقة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

الصفحة التالية

ثم انه اذا لم يمكن اثبات ضمان الجانى لنفقه علاج المجنى عليه زائدا على الديه بقاعده الاضرار بالعنوان الاولى، فبالامكان اثبات ذلك مطلقا او فى موارد خاصه بالعنوان الثانوى، وبحكم ولى الامر نظير الغرامات الماليه الاخرى التى يجعلها فى موارد التخلفات، فيجعل لمن يتخلف، فيجنى على شخص ولو خطا غرامه ماليه بقدر نفقه علاجه اللازمه بحسب متطلبات الزمان يدفعها للدوله، فتصرفها الدوله فى علاج المجنى عليه، او تتحمل علاجه مجانا فى قبال ما تاخذه من الجانى، كل ذلك بملاك حفظ النظام والصالح العام، والتامين على حياه المجنى عليهم، وتوفير العلاج اللازم لهم ولسلامتهم، ولا شك ان هذا داخل ضمن نطاق صلاحيات الحاكم الاسلامى ومطابق مع المصلحه العامه فى مثل ازمنتنا، بل لعل خلافه يعد اجحافا وظلما على المجنى عليهم، بحيث يقطع او يطمئن بان الشارع لا يرضى به.

المساله الثانيه: وبما ذكرناه فى هذه المساله ظهر الحال فى المساله الثانيه، اعنى ضمان الجانى لما يصيب المجنى عليه من الاضرار الماديه من ناحيه كسبه ومعيشته بسبب الجرح او النقص الذى حصل فى بدنه، فانا اذا جعلنا الميزان والملاك للضمان صدق الاتلاف او وضع اليد على مال الغير، فهذا لا يصدق فى المقام جزما اذ لم يكن مال للغير بالفعل بعد، وانما كان يمكنه ان يحصل عليه لولا ذلك النقص او الجرح.

واما ان جعلنا الميزان اعم من ذلك بحيث يشمل مطلق تفويت مال عليه، فقد يصدق التفويت خصوصا بالنسبه لما كان متلبسا به بالفعل من الكسب والذى عجز عنه نتيجه الجنايه، وقد حكم سيد العروه(قده) بثبوت الضمان فى حبس الحر الكسوب باعتباره تفويتا، ولكنه قد تقدم الاشكال فى كفايه مجرد التفويت لثبوت الضمان.

واما ان جعلنا الميزان للضمان مطلق الاضرار المالى، فاذا كان الضرر بمعنى النقص فى المال فايضا لا يصدق الاضرار، لان المال المذكور بعد لم يكن حاصلا ومملوكا للمجنى عليه، وانما كان يحصل له لولا الجنايه، اللهم الا ان تدعى احدى عنايتين عرفيتين.

الاولى ان النفع والمال المذكور حيث انه كان قطعى الحصول فى موارد التلبس الفعلى بالكسب فهو عرفا بحكم الحاصل والثابت للمجنى عليه، فيكون فواته عليه انقاصا لما هو له بالفعل عرفا، فيكون ضررا بل اتلافا.


60

الثانيه ان يكون لنفس وصف التمكن والقدره على التكسب وتحصيل المال من خلاله قيمه وماليه عقلائيا وعرفا، وقد انقصها وسلبها منه فيكون ضامنا لقيمتها، بل على هذا قد يصدق الاتلاف ايضا للوصف الذى له ماليه، كما اذا عيب ماله بازاله وصف من اوصافه المرغوب فيها عقلائيا والموثره فى الماليه.

وكلتا العنايتين محل تامل واشكال، اما الاولى فلان مجرد تحقق وقوع النفع لولا الحبس او الجنايه، لا يكفى لصدق مفهوم النقص والضرر الا بالعنايه والمجاز، بحيث لا يمكن استفادته من مطلقات لا ضرر او الاتلاف.

واما الثانيه، فلما ثبت فى محله من ان الاوصاف حيثيات تعليليه، لان تكون الاعيان او الاعمال اموالا، ولا يكون الوصف بنفسه مالا، ومن هنا لا يضمن الوصف المرغوب الزائل فى العين، وانما تضمن العين التى نقصت ماليتها بسبب زوال وصفها المرغوب.

ومن هنا نجد ان المشهور ايضا حكموا بان منع الحر الكسوب عن عمله لا يوجب الضمان، ففى تحرير الوسيله، كتاب الغصب: مساله (5) لو استولى على حر فحبسه لم يتحقق الغصب لا بالنسبه الى عينه ولا بالنسبه الى منفعته، وان اثم بذلك وظلمه سواء كان كبيرا ام صغيرا. وكذا لا يضمن منافعه، كما اذا كان صانعا، ولم يشتغل بصنعته فى تلك المده، فلا يضمن اجرته، نعم لو استوفى منه منفعه كما اذا استخدمه لزمه اجرته.

وفى المساله (13) لو منع حرا عن عمل له اجره من غير تصرف واستيفاء لم يضمن عمله، ولم يكن عليه اجرته. وهذا بخلاف منافع الاعيان فانها تعتبر ملكا موجودا بالفعل للمالك بتبع وجود العين، ومن هنا يحكم بضمانها بمجرد منع مالكها عنها، ولو لم يستوفها الغاصب، فلو غصب دابه مثلا ضمن منافعها سواء استوفاها ام لا.

نعم فى باب الاعمال المشهور هو الحكم بالضمان، اذا كان اجيرا للغير فى زمان فحبسه حتى مضى فيضمن للمستاجر.ففى المساله () -من نفس الباب- لو حبس حرا لم يضمن لا نفسه ولا منافعه ضمان اليد، حتى فيما اذا كان صانعا فليس على الحابس اجره صنعته مده حبسه، نعم لو كان اجيرا لغيره فى زمان فحبسه حتى مضى ضمن منفعته الفائته للمستاجر.ولعل الوجه فى هذا التفصيل عند المشهور ان العمل اذا تعلقت به الاجاره اصبح مالا مملوكا بالفعل للمستاجر، وهذا نحو وجود اعتبارى له فيكون تفويته عليه اتلافا وانقاصا لمال مملوك له بالفعل فيصدق الاضرار، بل والاتلاف واذهاب ملكه، فيضمنه لمالكه وهو المستاجر، بخلاف ما اذا لم يقع متعلقا للاجاره فانه لا يكون للعمل وجود بعد، لا فى الخارج لعدم تحققه فيه، ولا فى الاعتبار، لعدم اعتبار الملكيه بالنسبه للانسان واعماله وذمته ونفسه لنفسه، فلا يصدق عرفا الاتلاف او الاضرار بمعنى نقص المال لا بلحاظ مال خارجى ولا اعتبارى.

وعلى هذا قد يفصل فى المقام ايضا فيقال بضمان الجانى ما يفوت المجنى عليه من الكسب اذا كان قد آجر نفسه للغير، ولو كان مده طويله، فيضمن الجانى اجره مثل عمله للمستاجر، ويستحق المجنى عليه اجره المسمى بعقد الاجاره.

الا ان الصحيح ان هذا الاستثناء لو قبلناه فليس المقام من تطبيقاته، لان مورده ما اذا منع الاجير عن عمله مع بقائه قادرا عليه فى نفسه، كما فى مثال حبس الحر لا المقام الذى تكون الجنايه موجبه لعيب الاجير وزوال قدرته على العمل فى نفسه، فان هذا يوجب انفساخ الاجاره وانكشاف ان الاجير لم يكن فى لوح الواقع متمكنا على العمل المستاجر عليه فى زمانه، وهو يوجب الانفساخ، فالحاصل فرق بين منع الاجير وحبسه عن القيام بالعمل المستاجر عليه مع قدرته عليه فى نفسه وبين اتلاف عضوه وجعله غير قادر فى نفسه على العمل، كما هو فى المقام فانه فى الاول لا موجب للانفساخ بخلاف الثانى. ومن هنا فصل المشهور فى باب اجاره الاعيان ايضا بين ما اذا غصب العين المستاجره من المستاجر فيضمن اجره مثل ما تبقى من المده للمستاجر وما اذا اتلفها او عيبها بحيث خرجت عن الانتفاع، فيضمن قيمتها للمالك وتنفسخ الاجاره فى المده الباقيه، ويرجع المستاجر باجره المسماه لتلك المده على المالك، لانه ينكشف عدم وجود المنفعه فى تلك المده للمالك واقعا.


61

وهكذا يتضح ان موجب الضمان ان كان صدق عنوان الاتلاف او الاضرار بمعنى النقص فى المال، فهذا لا يصدق الا اذا كان له مال مملوك بالفعل حقيقى او اعتبارى ينقصه منه ويذهبه عليه، وهو غير حاصل فى المقام، الا اذا قبلنا احدى العنايتين المتقدمتين، نعم عنوان التفويت لا يتوقف على فعليه المال فهو يصدق فى المقام، ولكن لا دليل على ايجابه للضمان كبرويا كما تقدم.

هذا مضافا الى انه يمكن دعوى عدم صدق التفويت ولا الاضرار فى المقام، حتى اذا قبلنا اقتضاءها للضمان كبرويا وقبلنا صدقهما فى مثل حبس الحر الكسوب، والوجه فى ذلك ان الجنايه عرفا بمثابه الاتلاف للنفس او للعضو فيكون كالاضرار بالعين واتلافه من حيث انه لا يضاف الى منافع النفس او العضو مستقلا زائدا على اضافته الى العضو او النفس، فكما لا يصدق على من اتلف دابه الغير انه يضمن قيمه منافعها زائدا على ضمان قيمه نفسها، لانه فوتها على مالكها كذلك فى المقام، فلا يقال لمن قطع يد الغير مثلا الا انه اتلف يده واضره او فوت عليه يده، واما منافع يده وكسبه منها فلا يكون هناك تفويت واضرار آخر بالنسبه اليها ليكون له ضمان آخر، بل تلحظ المنافع الفائته كحيثيات تعليليه لضمان نفس العين، حينما يكون الاتلاف والنقص واقعا عليها، وانما يلحظ تفويت المنفعه مستقلا اذا كانت فائته مع بقاء العين، وهذه نكته عرفيه لا ينبغى التشكيك فيها. وعلى اساس منها نقول فى المقام بانا حتى اذا قبلنا ضمان اجره عمل الحر الكسوب اذا حبس من قبل الغير بملاك التفويت او الاضرار، مع ذلك لا يمكن قياس المقام عليه والحكم بضمان الكسب الذى عجز عنه المجنى عليه نتيجه وقوع النقص والجنايه عليه، كالرسام والنجار اذا قطعت يده مثلا، او القارى اذا قطع لسانه، لان ههذا من باب اتلاف لا تفويت المنافع. هذا مضافا الى انه لا ضابطه عرفيه او شرعيه لتحديد مقدار التعويض اللازم لقاء ما يفوته من الكسب والمنفعه لولا الجنايه، لتفاوت المكاسب والايرادات المحتمله كما وكيفا، وعدم امكان تحديدها فى مقدار معين، الا اعتباطا.

مما يبعد فكره الضمان فى المقام زائدا على ما حدده الشارع من الديه.

بل يمكن ان ندعى القطع والاطمئنان على الاقل بعدم ضمان الجانى فى شرعنا الاقدس لما يفوت المجنى عليه من الكسب ونحوه من الاضرار التبعيه، والتى حكمت اكثر القوانين الوضعيه اليوم بضمانها، وذلك لاننا لو لم نستطع ان نستفيد من سكوت كافه روايات الديات عن ذكر ذلك دلاله على عدمها بدعوى كونها فى مقام بيان ضمان ديه العيب والنقص الواقع على البدن فقط لا الاضرار الماديه الاخرى، فلا اشكال فى ان هذه المساله كانت موضع الابتلاء كثيرا فما اكثر الجنايات التى تقع عمدا او سهوا وخطا فى المجتمع والتى كان يقضى فيها بدفع الديه او بالقصاص، فلو كانت المنافع والمكاسب العائده على المجنى عليه مضمونه على الجانى وعاده يكون للمجنى عليه كسب وعمل يفوته ولو موقتا بالجنايه، لانعكس ذلك واشتهر وبان فى الروايات والفتاوى، مع انه لم يرد شى‏ء من ذلك، ولم يرد فى مورد ان القضاء الاسلامى غرم الجانى ما كان يكسبه المجنى عليه لولا الجنايه. ولعل الروايات الداله على ان المسلمين تتكافا دماوهم، وانه لا فرق فى الديه بين الصغير والكبير والشريف والوضيع، من اهم ما يدل على نفى مثل هذا الضمان.

وليس يرد هنا ما اوردناه فى المساله الاولى من ض‏اله قيمه العلاج ونفقاته، وكونها ضمن النفقات اليوميه الاعتياديه للانسان، كما لا يخفى. وهذا بحسب الحقيقه دليل لبى يمكن ان يستدل به على عدم ضمان الجانى زائدا على الديه ونفقات البرء والعلاج -اذا قلنا بضمانها فى المساله الاولى- تعويضا لقاء ما يفوته او تفوت عائلته من الكسب والمنفعه.

واما المساله الثالثه وهى ضمان الجانى نفقات المرافعه

والمقاضاه، وقد ذكرنا ان هذا البحث لا يختص بباب الجنايات بل يجرى فى كل مرافعه ودعوى، حتى المدنيه، فهل يحكم بثبوت نفقات المرافعه على المحكوم عليه دائما ام لا؟ وينبغى ايراد البحث فى فرعين: الفرع الاول فى ضمان المحكوم عليه لنفقات المرافعه للدوله فيجوز ان تستوفيها المحكمه منه لا من المحكوم له، وهذه مسووليه مدنيه وضمان تجاه الحكومه.


62

الفرع الثانى فى ضمانه للمحكوم له ما قد يصرفه من نفقات فى سبيل الحصول على حقه، اذا توقف استحصاله عليه. وهذه مسووليه وضمان تجاه صاحب الحق.

ولنقدم البحث عن الفرع الثانى لاشتراك مباينه مع ما تقدم فنقول: قد يقال بضمان من عليه الحق لصاحب الحق ما يبذله فى سبيل استحصال حقه منه، ومنه نفقات المرافعه وتكليف المحامى والوكيل للدفاع وغير ذلك، بدعوى ان هذه النفقات والتكاليف وان كان قد صرفها صاحب الحق باختياره الا انه انما كان انفاقها فى سبيل تحصيل حقه المهدور، وفى طول منع المحكوم عليه واخذه لحقه، فيكون هو السبب عرفا لفواتها وذهابها عليه وخسارته فيضمنها الجانى بالتسبيب.

الا ان الظاهر عدم كفايه هذا المقدار للتسبيب، فاننا ذكرنا ان المراد منه ما يوجب استناد موجب الضمان من الاتلاف او الاضرار او التفويت الى غير المباشر، ومن الواضح ان مجرد منع الغاصب لحق صاحب الحق وتوقف تحصيله على بذل المال لا يكفى لان يستند خساره تلك النفقات التى صرفها الى الغاصب، فيكون هو المتلف لها او الضار او المفوت لها زائدا على الحق الاول، لان هذا الانفاق كان من قبل صاحب الحق لمصلحه نفسه، وهو وصوله الى حقه فلم يكن له حقان وضمانان، حق ماله الاول مثلا، وحق ان ياخذ منه ما يوصله الى حقه الاول، فهذا المقدار لا يكفى للتسبيب وانتساب الاتلاف او التفويت للمحكوم عليه ومن عليه الحق، بل الفعل الصادر باختيار الفاعل المباشر - كالانفاق من صاحب الحق فى سبيل استحصال حقه فى المقام- لا يستند الى غير المباشر، الا اذا كان هناك تسبيب من الجاء واكراه او تغرير واستدراج ونحو ذلك وليس فى المقام شى‏ء من ذلك، ودعوى: صدق الاضرار به بلحاظ ما صرفه فعلا فى سبيل تحصيل حقه خصوصا اذا كان منع الحق عن علم وعمد ممنوعه الا بنحو من العنايه، كما ان دعوى: ان لنفس التمكن من ماله وكونه تحت اختياره ماليه وضمان مستقل فوته عليه الغاصب واضحه الفساد لاستلزام الضمانين من اول الامر سواء صرف فى سبيل تحصيله ام لا ى‏ى‏ى‏ى‏وهو كما ترى.

بل لعل فيما دل على حرمه الربا وان المالك له راسماله لا اكثر تصريحا بخلاف هذه النكته، نعم الاجل قد تكون حيثيه تعليل لارتفاع قيمه المال فى المعاملات وتلك نكته اخرى، كما ان حيثيه الزمان والمكان قد تكون دخيله فى الماليه او تكون مضمونه بنفسها اذا كانت مورد غرض عقلائى، وتلك ايضا نكته اخرى لا دخل لها بالمقام.

ودعوى: ان الغاصب يوخذ باشق الاحوال وانه يمكن ان نثبت به الضمان فى المقام.

مدفوعه مضافا الى كونها قاعده تعبديه وتعبير فقهى لا قاعده شرعيه، ان المراد بها ان ما يتلزمه من رد المال المغصوب من الضرر على الغاصب لا يكون مضمونا له، وهو اجنبى عن محل البحث.

واما الفرع الاول، وهو ضمان المحكوم عليه لنفقات المرافعه للحكومه، فتاره يراد اثبات هذا الضمان والمسووليه كحكم ثانوى، كما اذا قرر الحاكم وولى الامر فى سياسيه اداره القضاء والمحاكمات ان تجعل نفقات المرافعه على من يثبت عليه الحق فتستوفى منه اذا ثبت عليه، واذا لم يثبت تستوفى ممن اقام الدعوى او منهما معا، وهذا لا اشكال فيه ويكون حاله حال سائر الاحكام النظاميه التى يقررها الحاكم الاسلامى حسب ما يشخصه من المصالح والمفاسد فى اطار الشريعه الاسلاميه الغراء.

واخرى يراد اثبات هذا الضمان على المحكوم عليه كحكم اولى وبقاعده من قواعد الضمانات الثانيه فى الاموال والاعمال.

وتقريب ذلك: ان عمل المقاضاه وما تستلزمه من تسجيل الدعوى والتحقيق فيها واصدار الحكم وغير ذلك، عمل محترم له ماليه فتكون مضمونه بالاستيفاء او الامر او الاتلاف، كما هو حال سائر الاعمال التى لها ماليه.

وفى المقام ان كانت المرافعه بطلب من المحكوم عليه كان ضامنا لها بالامر، وان كان بطلب المحكوم له او بطلبهما معا، او بامر الحاكم ابتداء ايضا يكون الضمان على المحكوم عليه لانه بمنزله السبب الذى يكون اقوى من المباشر، اذ لولا منعه لحق الغير وسلبه له لم يكن يلزم على الحاكم المسوول عن اقامه العدل وارجاع الحق الى اهله ان يقوم بالمقاضاه وفصل الخصومه، بناء على جواز اخذ الاجره على الواجبات حتى فى باب الحكومه لعدم تقييد دليل ايجابها بان تكون على نحو المجانيه.


63

صحيح ان من له الحق لو كان يتنازل عن حقه ولم يرفعه الى الحاكم فقد كان لا يقع مقاضاه وعمل من الحاكم، الا ان صاحب الحق من حقه المطالبه بحقه، بخلاف من عليه الحق فانه ليس من حقه سلب الحق، بل عليه رده الى صاحبه فتكون هذه نكته عرفيه لصدق التسبيب بلحاظه لا بلحاظ من له الحق ويطالب به، نظير ما اذا سحب المالك ثوبه من يد الغاصب فامسكه الغاصب وجره الى نفسه فتمزق فان التلف وان كان حاصلا بفعلهما معا، ولكنه يقال بان الغاصب حيث كان لا يحق له امساك ثوب الغير ومنعه عنه فهو السبب للتلف فيكون ضامنا لتمام قيمته، او نظير شاهد الزور الذى يحكم عليه بضمان ما ذهب من مال صاحبه بسبب اخفائه للحقيقه وشهادته على خلاف الواقع لكونه اقوى من المباشر وهو القاضى فاذا جزمنا بهذه النكته ثبت الضمان عليه والا كان مقتضى الاصل عدم الضمان، هنا ايضا كالمساله السابقه.

اصناف الديه السته وما يجب ان يدفع منها اليوم

بحث حول اصناف الديه السته وما يجب ان يدفع منها اليوم.

لا شك فى ان الديه تتادى من احد اصناف سته هى: الابل والبقر والغنم والدينار والدرهم والحلل. وهذا المقدار -اعنى اصل كون الديه منها- ضرورى متسالم عليه فقهيا عند الخاصه والعامه كما انها قد وردت فى روايات صحيحه، بل مستفيضه الا انه يقع البحث حولها من جهات.

(الجهه الاولى):

ذكر بعض الاعلام(قده): (ان العمده فى كون جمله من افراد الديه هو الاجماع، والتسالم المقطوع به بين الاصحاب، والا فهو لم يرو الا فى صحيحه ابن ابى عمير عن جميل وصحيحه ابن الحجاج((166)). ولا يمكن اثبات ذلك بهما، فان الاولى منهما موقوفه، ولم يرو جميل ذلك عن الامام، واما الثانيه فان ابن الحجاج لم يرو ذلك عن الامام، وانما رواه عن ابن ابى ليلى عن النبى(ص) مرسلا ولا عبره بمسانيد ابن ابى ليلى فضلا عن مراسيله)((167)).

ويمكن ان يقال: اما بالنسبه لصحيح جميل فعدم التصريح باسم الامام(ع) فيه لا يضر بكونه روايه عنه وذلك: اولا لكونها مضمره لا موقوفه اذ لو كان السند هكذا (ابن ابى عمير قال جميل او عن جميل انه قال: فى الديه الف دينار.) صح كونها موقوفه، الا ان السند ورد كالتالى (ابن ابى عمير عن جميل بن درا ج فى الديه قال الديه الف دينار.) وظاهره ان جمله (فى الديه قال من مقول قول جميل ايضا، فتكون الروايه مضمره، اذ لا فرق فى المضمرات بين ان يكون الضمير بارزا كما فى (سمعت او قلت له:) وبين ان يكون مستترا كما فى (قال:).

وثانيا لو لم نقبل كونها مضمره، مع ذلك ان ظاهر حال مثل جميل الذى كان من الاصحاب البارزين للامام الصادق(ع)، ومن حمله احاديثه، ومن اصحاب الاجماع، وكان له اصل معروف متسالم عليه، كما يظهر من مراجعه كتب الرجال، والذى ينقله عن ابن ابى عمير ناقل هذا الحديث نفسه، وكذلك نقل ابن ابى عمير عن كل ذلك يكون ظاهرا فى كون الروايه حديثا عن المعصوم، بل قد يطمئن بكونها من جمله ما فى اصل جميل الذى ينقل فيه احاديثه عن المعصوم(ع)، لان هذا السند احد نفس الاسانيد التى ينقل بها اصل جميل، فيكون عدم التصريح باسم الامام(ع) من جهه التقطيع لاحاديث الاصول، وتوزيعها على الابواب الفقهيه المتناسبه بعد ذلك، خصوصا الاخبار الطوال منها كالاحاديث الوارده فى باب الديات. فلا ينبغى الاشكال فى صحيح جميل من هذه الناحيه، نعم لا تعيين فيها لمقدار الحلل، الا انه اذا ثبت اصل كونها من اصناف الديه يثبت مقدارها ايضا بعدم احتمال غيره، بعد تسالم العامه والخاصه عليه، وكونه المناسب والمطابق من القيمه وقتئذ مع الاصناف الاخرى. واما بالنسبه لصحيح ابن الحجاج فالوارد فيه (قال: سمعت ابن ابى ليلى يقول كانت الديه فى الجاهليه مائه من الابل فاقرها رسول اللّه(ص)، ثم انه فرض على اهل البقر مائتى بقره، وفرض على اهل الشاه الف شاه ثنيه، وعلى اهل الذهب الف دينار، وعلى اهل الورق عشره آلاف درهم، وعلى اهل اليمن الحلل مائتى حله. قال عبد الرحمن: فسالت ابا عبد اللّه(ع) عما روى ابن ابى ليلى فقال: كان على(ع) يقول: الديه الف دينار، وقيمه الدينار عشره دراهم، وعشره آلاف لاهل الابقار، وعلى اهل البوادى مائه من الابل، ولاهل السواد مائه بقره، او الف شاه)((168)).


64

وقد يقال: ان عدم ذكر الامام(ع) للحلل فيه دلاله على نفى كونها من الديه اذ لو كانت منها للزم بيانها ايضا سيما وقد تصدى الامام(ع) لبيان تفاصيل الديه.

وقد يقال العكس وان مقصود الامام(ع) اسناد الحكم المذكور الذى ارسله ابن ابى ليلى عن النبى(ص) الى الامام على(ع) وانه هو مصدر هذا الحكم اشعارا بما يرتكبه هولاء من العناد فى حق على عليه السلام، حتى فى نقل الاحاديث والاحكام عنه، واما التفاصيل المذكوره فكانه امضاها، غايه الامر اختصرها فى مقام البيان، فسكت عن بعضها، كيف ولو فرض ان الحلل لم تكن مجزيه من اهل الحلل لزم الامام(ع) ان يبين ذلك ايضا، للتطابق بين ما ذكره وما سمعه ابن الحجاج عن ابن ابى ليلى من سائر الاقسام، ولارتكازيه كون الحلل من الديات فى الاذهان، وذهن السائل بالخصوص، فالسكوت عن نفيها خصوصا مع نقل كونها من مفروضات رسول اللّه(ص) على اهل الحلل ظاهر فى الامضاء والقبول، فتكون الروايه من ادله كون الحله من اصناف الديه ايضا.

الا ان الانصاف ان الروايه لا دلاله فيها لا على النفى ولا الاثبات، بل هى من هذه الناحيه مجمله او ساكته، اذ لعل الامام(ع) كان يريد صرف ذهن ابن الحجاج عن الاستناد الى منقولات مثل ابن ابى ليلى، فتتصدى الى بيان حكم المساله مستقلا، نقلا عن امير اهل البيت عليهم السلام فيكون حاله حال ما اذا ورد ذلك ابتداء عن المعصوم من حيث سكوته عن حكم الحلل.

ثم ان الروايه منقوله فى الكتب الاربعه، وفى مقنع الصدوق بعنوان (مائه حله) بينما ينقلها صاحب الوسائل عن هذه الكتب جميعا بعنوان مائتى حله، كما ان الوارد فى الوسائل -مائه بقره، وفى تلك الكتب مائتا بقره، والظاهر ان هذا من خطا الاستنساخ.

(الجهه الثانيه):

فى ان الترديد بين الاصناف السته هل يكون من باب التمييز للجانى، او يكون من باب التنويع، بحيث يجب على اهل كل صنف منها دفع ذلك تعيينا، فاذا تعذر انتقل الى الاصناف الاخرى؟. صريح مشهور المتاخرين الاول، بل ادعى عليه اجماعهم ففى الجواهر: (كما هو المعروف بين الاصحاب بل المجمع عليه من المتاخرين بل عن صريح الغنيه وظاهر السرائر والمفاتيح الاجماع على ذلك، فليس للولى الامتناع من قبول احدها مع بذله، وان لم يكن الباذل من اهل المبذول)((169)) ونسب الثانى الى ظاهر اكثر المتقدمين ففى الجواهر: (نعم عن ظاهر المقنع والمقنعه والنهايه والخلاف والمبسوط والمراسم والوسيله والقاضى انها على التنويع، بل فى كشف اللثام نسبته الى عبارات كثير من الاصحاب)((170)) وكان وجه الظهور المذكور ما ورد فى تعبيراتهم من انه يوخذ مائه من الابل، ان كان القاتل من اصحاب الابل، او الف من الغنم ان كان من اصحاب الغنم، او مائتا بقره ان كان من اصحاب البقر، او مائتا حله ان كان من اصحاب الحلل، او الف دينار ان كان من اصحاب العين، او عشره آلاف درهم فضه ان كان من اصحاب الورق، فان هذا التعبير جاء فى اكثر كلمات القدماء كالمفيد فى المقنعه والشيخ فى النهايه((171)) بل صرح فى المبسوط بالتعيين حيث قال: (وكل من كان من اهل واحد من ذلك اخذ منه مع الوجود، فاذا لم يوجد اخذ احد الاجناس الاخر)((172)).

ولا شك ان ما ذهب اليه المتاخرون من تخيير الجانى هو مقتضى الاصل العملى، ما لم يقم دليل على التعيين، اذ يشك من اول الامر فى اشتغال ذمه الجانى باحد الاصناف بالخصوص تعيينا، والاصل عدمه، فلا يثبت عليه اكثر من اشتغال الذمه بالجامع بينها وهو معنى التخيير.

لا يقال: ان مقتضى استصحاب بقاء شغل ذمه الجانى بالديه على اجمالها ما لم يدفع محتمل التعيين انما هو التعيين والخروج اليقينى عما اشتغلت ذمته به للمجنى عليه.

فانه يقال: ليس الواجب تفريغ الذمه عن الديه بهذا العنوان الانتزاعى، وانما الواجب اداء واقع ما يستحقه المجنى عليه، ويملكه على الجانى، وهو مردد بين ما هو مقطوع الاداء -لو كان الجامع واجبا بنحو التخيير- وما هو مشكوك اصل استحقاقه واشتغال الذمه به من اول الامر -وهو احد الاصناف بخصوصيه- والاصل عدمه. فان اريد باستصحاب بقاء جامع شغل الذمه بالديه على اجمالها اثبات استحقاق المجنى عليه الصنف المعين، الذى لم يدفعه فهو مثبت، وان اريد اثبات نفس عنوان شغل الذمه بالعنوان الاجمالى، فليس هو موضوع وجوب الاداء، وانما موضوعه ما يملكه ويستحقه عليه المجنى عليه بعنوانه الواقعى، وهو مردد بين عنوان جامعى مقطوع الاداء، وعنوان خاص مشكوك حدوث استحقاقه، وتملكه عليه، من قبل المجنى عليه، فيكون هذا الاستصحاب فى العنوان الاجمالى من استصحاب الفرد المردد، الذى حقق فى محله من علم الاصول عدم جريانه. وان شئت قلت: ان الواجب اداوه للغير ما هو ملك له عينا خارجا او كليا فى الذمه سنجد مفاد كان الناقصه، لا عنوان بقاء ملك عنده بنحو مفاد كان التامه، وفى المقام لا يمكن اثبات ملكيه المجنى عليه لاحد العنوانين بخصوصه باستصحاب الجامع وثبوتها للجامع بينهما معلوم وممتثل فلا يبقى الا استصحابها لواقع احد العنوانين، وهو من الفرد المردد. وبهذا البيان اندفعت شبهه بقاء اشتغال الذمه الوضعى بمال الغير فى موارد الدوران بين الاقل والاكثر غير الانحلاليين، اعنى مثل التخيير والتعيين، سواء فى ذلك الشبهات الحكميه، كما فى المقام او الموضوعيه، كما اذا شك ان عليه للغير مطلق الحنطه او الحنطه الحاصله فى منطقه معينه فتدبر جيدا.


65

اذن فمقتضى الاصل العملى هو التخيير، كما ان مقتضى الاصل اللفظ‏ى المتمثل فى الروايات التى عطفت اصناف الديات بعضها على بعض ذلك ايضا، كما فى روايه العلاء بن فضيل((173)) وصحيحه الحلبى((174)) كما ان مقتضى الجمع العرفى بين ما ورد فيها بعض الاصناف من السته مع ما ورد فيها البعض الاخر ذلك ايضا، برفع اليد عن اطلاق كل منهما المقتضى للتعيين وعدم اجزاء غيره، بصراحه الاخر فى اجزائه، فيثبت التخيير بينهما كما فى صحيح الحلبى وجميل، وكما ورد فى روايات ديه ما دون النفس حيث جاء فى اكثرها: تحديدها بالدرهم والدينار فقط، وفى بعضها التحديد بالابل فقط كصحيح ابان((175)). وصحيح ابن سنان((176)).

بل صريح صحيح الحكم بن عتيبه ثبوت التخيير بين اصناف الديه بعد الاسلام((177)).

الا انه فى قبال ذلك قد يدعى استفاده التعيين الذى ذهب اليه القدماء من ظاهر بعض الروايات، ويمكن تصنيفها الى طائفتين: الطائفه الاولى: ما جاء بلسان انه جعل على اهل الابل الابل، وعلى اهل الامصار الدراهم وعلى اهل السواد الغنم، وهكذا كما فى صحيح ابن الحجاج المتقدم، او بلسان يوخذ منهم ذلك، كما فى صحيح جميل المتقدم.

وفيه: ان ظاهر هذا اللسان انه لسان التخفيف والتسهيل على اهل الاصناف، لا التعيين، ولهذا ورد التعبير فى صحيحه الحجاج بعنوان: ولاهل الامصار الدراهم، ولاهل السواد الغنم، وهكذا، وفى صحيح ابن سنان: (فالديه اثنا عشر الفا، او الف دينار، او مائه من الابل، وان كان فى ارض فيها الدنانير فالف دينار، وان كان فى ارض فيها الابل فمائه من الابل، وان كان فى ارض فيها الدراهم فدراهم، بحساب ذلك اثنا عشر الفا)((178)) وقد جمع هذا الحديث كلا التعبيرين: التخيير بين الاصناف فى البدايه ثم بيان التسهيل على اهل كل صنف حسب ما يوجد فى ارضهم، فيعط‏ى من ذلك الصنف بحساب ذلك، وهذا ايضا ظاهر فى ان الجانى يعط‏ى مما يوجد عنده وفى ارضه من الاصناف، ولا يلزم بغيره، كيف، سيلزم من اراده التعيين ان من ليس بارضه شى‏ء من الاصناف المذكوره فى الروايه لا يجب عليه دفع الديه وهو غير محتمل.

هذا كله مضافا الى ان مثل صحيح الحكم بن عتيبه المتقدم فى ثبوت التخيير، فلو فرض ظهور فى ذلك اللسان من الروايات فى التعيين على اهل كل صنف رفع اليد عنه بصراحه مثل صحيح الحكم فتحمل على اراده التسهيل والتخفيف.الطائفه الثانيه: ما دل بظاهره على الترتيب فى الديه المغلظه فى العمد وشبه العمد، وذلك بتعيين الابل فان لم يوجد انتقل الى البقر او الغنم، وهى روايات عديده فيها المعتبره. (صحاح معاويه بن وهب، وابى بصير ومعلى ابى عثمان. وروايتى زيد الشحام وابى بصير((179)). ففى صحيح معاويه قال: سالت ابا عبد اللّه(ع) عن ديه العمد فقال: مائه من فحوله الابل المسان، فان لم يكن فمكان كل جمل عشرون من فحوله الغنم((180)).

وفيه: ان هذه الروايات لا تدل على تعيين الابل فى الديه مطلقا، كيف، وصريح الروايات الكثيره عدم تعينه على من ليس من اهل الابل بل هذا مقطوع بعدمه فقهيا حتى فى العمد واما ظاهر هذه الروايات لزوم ملاحظه التغليظ المجعول فى ديه العمد وشبهه، من حيث مسان الابل، وذلك اما بدفع الابل المسان، او تعويض ذلك من الاصناف الاخرى بما يساويه فى القيمه، ولهذا جاء فى بعضها: (بقيمه ذلك من البقر) او عبر (عشرون من فحوله الغنم مكان كل ابل) او عبر (الف كبش) الذى هو الغنم الكبير الفحل، وفى ذيل صحيح ابن سنان الوارد فى الديه المغلظه فى شبه العمد: (وقيمه كل ناب من الابل عشرون شاه) والناب من الابل هو الابل الكبير الهرم، والحاصل: هذه الروايات ناظره الى لزوم حفظ قيمه الديه المغلظه فى قتل العمد اذا اعطيت من غير الابل فى الاصناف الاخرى، اما بزياده عددها او اسنانها الموجب لازدياد قيمتها، وهذه حيثيه اخرى، قد ياتى البحث عنها غير مرتبطه بمساله التعيين او التخيير بين الاصناف السته. فالصحيح فى هذه الجهه ما ذهب اليه المتاخرون من ثبوت التخيير للجانى بين الاصناف السته.

الجهه الثالثه: فيما هو الاصل فى الديه من الاصناف

السته، وما هو ليس باصل، بل هو بدل عن الديه.


66

صريح كلات جمله من الاصحاب ان الاصناف السته كلها اصول فى نفسها. ففى المبسوط: (وكل واحد من هذه الاجناس اصل فى نفسه، وليس بعضها بدلا عن بعض)((181)).

وفى الشرايع: (وهذه السته اصول فى نفسها وليس بعضها مشروطا بعدم بعض، والجانى مخير فى بذل ايها شاء)((182)).

والاصليه وعدم البدليه تاره يراد بها عدم الطوليه فيما بينها فى مقام الاداء بحيث يحتاج التى التراضى مع المجنى عليه او تعذر المبدل وعدم وجوده، وهذا هو ظاهر الشرايع، حيث فرع على الاصليه انه ليس بعضها مشروطا بعدم بعض، والجانى مخير فى بذل ايها شاء.

واخرى يراد بها كون ذاك الصنف هو الديه والبدل عن النفس فى قبال البدليه، والتى تعنى كون ذاك الصنف بدلا عن الديه وبمقدارها من حيث القيمه والماليه قد رخص الشارع لاهله ان يدفعوه بدلا عن الديه، ولو ابتداء وبنحو التخيير. وهذا هو مقصود الشيخ من الاصليه، لا المعنى السابق لانه قائل بالتعيين لا التخيير، ومما يدل عليه تصريحه بعد ذلك فى ختام مبحث ديه النفس: (وقد قلنا ان عندنا سته اصول كل واحد اصل فى نفسه وليس بعضها بدلا عن بعض، بل كل واحد منها بدل عن النفس، وهى مائه من الابل، او الف دينار، او عشره آلاف درهم، او مائتا بقره، او الف شاه من الغنم، او مائتا حله، وكل من كان من اهل واحد من ذلك اخذ ذلك منه مع الوجود، فاذا لم يوجد اخذ احد الاجناس الاخر، وسواء كانت بقميه الابل او دونها او فوقها)((183)).

والاصليه بالمعنى الاول ترجع الى البحث المتقدم فى الجهه السابقه، حيث استفدنا من الروايات التخيير ابتداءا للجانى بين الاصناف السته تسهيلا عليه فى مقام اداء الديه.

والمقصود فى هذه الجهه البحث عن ما هو الاصل من هذه الاصناف بالمعنى الثانى، وذلك لانه اذا ثبت ان بعض هذه الاصناف هو الاصل، والباقى بدل عنه فى الماليه ترتب على ذلك مطلبان مهمان: الاول: انه لا بد فى مقام اداء الديه من غير الاصل ان تلاحظ ماليه الاصل وقيمته، فيعط‏ى من الغنم مثلا ما يكون بقيمه مائه من الابل، لا اقل منها. وهذا يتصور على نحوين: 1- ان يكون العدد ايضا ملحوظا فى البدل على نحو الموضوعيه، بحيث لا بد وان يدفع بازاء مائه ابل الف شاه تكون بقيمتها، فلا تجزى اذا كانت اقل من قيمتها، كما ان دفع الاقل من الف شاه لا يجزى حتى اذا كانت بقيمه مائه ابل.2- ان تلغى خصوصيه العدد فى البدل، ويكون ذلك ملحوظا بنحو الطريقيه المحضه الى ماليه الاصل، فيكون تمام الموضوع للبدل ما يكون معادلا لمائه ابل فى القيمه من الاصناف الاخرى الخمسه، فيجزى منها ما كان كذلك، ولو كان عددها دون ما ذكر فى الروايات، نعم لا يجزى غيرها ولو كان بقيمتها، لانه خلاف ظهورها فى انحصار الديه فى الاصناف السته لا غير.

الثانى: انه بناء على استفاده البدليه بهذا المعنى يقوى احتمال ان يكون ذكر الدرهم والدينار ضمن الاصناف باعتبارهما نقدين معادلين لقيمه مائه ابل وقتئذ، بحيث يستفاد الغاء خصوصيه الدرهميه والديناريه منهما، وهذا ما نبحثه فى جهه قادمه ان شاء اللّه.

ثم ان ظاهر كلمات الاصحاب اصليه الاصناف السته بمعنى عدم اشتراط وحده ماليتها وقيمها، بل قد عرفت تصريح الشيخ فى المبسوط بذلك، واكثر العامه على ذلك ايضا، وذهب بعضهم الى البدليه فى غير الابل.

نعم ظاهر القاضى فى المهذب اعتبار التساوى فى القيم حيث قال: (فديه العمد المحض اذا كان القاتل من اصحاب الذهب الف دينار جياد، وان كان من اصحاب الفضه فعشره آلاف درهم جياد، وان كان من اصحاب الابل فمائه مسنه قيمه كل واحد منها عشره دنانير، او الف شاه ان كان من اصحاب الغنم قيمه كل واحده منها دينار واحد، او مئتا مسنه من البقر ان كان من اصحاب البقر قيمه كل واحده منها خمسه دنانير، او مائتا حله ان كان من اصحاب الحلل، قيه كل حله خمسه دنانير)، وظاهرها اعتبار قيمه الف دينار فى الجميع حتى فى الابل، فكان الدينار هو الاصل عنده فى الديه.

وقد اعترض عليه فى الجواهر: بانه ان كان الضابط اعتبار القيمه فلا مشاحه فى العدد مع حفظ قدر القيمه، وهى عشره آلاف درهم، او الف دينار ضروره كون المدار عليها لا عليه، وهو مما يمكن القطع بعدمه، ومن هنا يتجه حمله على اراده بيان الحكمه فى شرعها ابتداءا، والا كان واضح الفساد((184)).


67

وفيه: ما اشرنا اليه من انه يمكن ان يكون العدد ايضا ملحوظا فى البدل على نحو الموضوعيه، وسوف ياتى ما يمكن ان يكون تخريجا فنيا لهذا الاحتمال.

ثم ان الظاهر ان مبنى كلمات الاصحاب فى كون الاصناف السته كلها اصولا حتى من حيث الماليه والقيمه هو التمسك باطلاق الروايات التى جعلت الاصناف كلها فى عرض واحد ديه، ولم تلحظ بعضها بدلا عن الاخر، فيكون مقتضى اطلاقها اجزاء كل واحد منها بعنوان الديه، سواء ساوت فى الماليه مع الاصناف الاخرى ام نقصت عنها، فهذا الاطلاق هو مدرك الاصليه وعدم البدليه فى الماليه. الا ان هذا البيان قابل للمناقشه، ولاجل توضيح ذلك لا بد من تمهيد مقدمه حاصلها: انه لا ينبغى الشك فى ان مائه ابل بالخصوص من الاصناف السته اصل فى الديه على كل حال بحيث لا يحتمل كونها بدلا عن احد الاصناف الاخرى، وذلك لانه مقتضى اطلاق الروايات التى اقتصرت على ذكرها بعنوان الديه فقط، كصحيح جميل المنقول فى ذيل صحيح الحلبى بعنوان قال جميل: قال ابو عبد اللّه(ع) الديه مائه من الابل، وصحيح ابان بن تغلب، وهو ظاهر صحيح الحكم بن عتيبه ايضا، وفى صحيح محمد بن مسلم وزراره وغيرهما عن احدهما(ع) فى الديه قال: هى مائه من الابل، وليس فيها دنانير ولا دراهم ولا غير ذلك. الحديث.

فلو كنا نحن وهذا الظهور فهو يقتضى عدم اجزاء غير المائه من الابل فى الديه اصلا، وانه لا بد من اعطائها بخصوصيتها وبعددها وماليتها، الا انه لا بد من رفع اليد عن هذا الظهور بما دل على ان الديه اعم منها، وانه يجزى احد الاصناف السته: ولكن تلك الروايات المتعرضه للاصناف السته بعنوان الديه انما تقيد الاطلاق او الظهور المذكور بمقدارها، لا اكثر، كما هو مقتضى صناعه التقييد والجمع بين الادله. وعندئذ يقال: ان قصارى مفاد تلك الروايات المفيده رفع اليد عن خصوصيه مائه ابل فى قبال احد الاصناف الاخرى لا رفع اليد عن مقدار ماليتها ايضا وذلك باحد بيانين: (البيان الاول): ان الروايات التى ذكرت الاصناف الاخرى جعلتها عدلا لمائه ابل، باعداد معينه كانت وقتئذ متعادله معها فى الماليه والقيمه السوقيه، كما يظهر بمراجعه الشواهد التاريخيه والسنه بعض الروايات، فيحتمل ان تكون هذه الخصوصيه، اعنى: التعادل والتوازن فى الماليه من الخصوصيات الدخيله فى الحكم المذكور، بل هذا هو المناسب مع الارتكاز العرفى فى باب الديه، التى هى حق مالى للمجنى عليه يضمنه الجانى على حد سائر الضمانات الماليه، بحيث ما يجعل ديه ويوسع فى اصنافه واقسامه على الجانى بحسب ما هو اهل له وفى متناول يده لمصلحه التسهيل عليه لا بد وان يكون بماليه متعادله عرفا، لا متفاوته تفاوتا فاحشا، فتكون هذه الحيثيه ملحوظه فى جعل الاصناف السته على نحو الركنيه والموضوعيه، ولا اقل من احتمال ذلك احتمالا معتدا به يمنع عن انعقاد اطلاق فى الروايات المذكوره لما اذا وقع تغاير فاحش فى ماليه بعضها. وهذا يعنى: ان الروايات المقيده لاطلاق ان الديه مائه من الابل لا غير، لا تدل على اكثر من عدليه الاصناف الخمسه الاخرى بتلك الاعداد وبوصف كونها معادله فى الماليه مع مائه من الابل والذى كان محفوظا فى تلك الاعداد حين صدور الروايات لا مطلقا، اذ لا اطلاق لها من هذه الناحيه بعد فرض انها خارجا كانت كذلك. وان شئت قلت: ان ارتكازيه التعادل فيما بين الاصناف فى الماليه والقيمه السوقيه حين صدور الروايات توجب الانصراف الى خصوص ما يكون متعادلا من تلك الاعداد فى الماليه او توجب على الاقل وجود قرينه لبيه ارتكازيه فى الاذهان العرفيه مانعه عن انعقاد الاطلاق فى الروايات للاصناف الاخرى مهما بلغت ماليتها او سقطت من قيمتها، فاذا لم يتم الاطلاق فى هذه الروايات لفرض عدم التساوى فى الماليه وان كان بنفس العدد كان المرجع اطلاق ما دل على ان الديه مائه من الابل لا غير والذى يقتضى عدم اجزاء غيره عنه الا ما شمله المقيد قطعا، فلا يجزى من الاصناف الاخرى ما كان اقل ماليه، ولو كان بنفس العدد، كما انه لا يجزى منها ما كان مساويا لمائه ابل فى الماليه، ولكن بعدد اقل، لانه ايضا غير مشمول للروايات المقيده لانها اعتبرت عددا معينا، وبهذا يكون العدد والماليه معا معتبرين فى الاصناف الاخرى. وهذا هو التخريج الذى اشرنا الى انه سياتى، وهو يقتضى النحو الاول من البدليه ما لم يقم دليل على الغاء موضوعيه الاعداد فى الاصناف الاخرى، وحملها على الطريقيه المحضه.


68

وقد يناقش هذا البيان تاره بانه كما ورد فى بعض الروايات ان الديه مائه من الابل مع السكوت عن غيرها، كذلك ورد فى بعضها ان الديه الف دينار او عشره آلاف درهم مع السكوت عن غيرها، كما فى صحيح الحلبى المتقدم وفى اكثر روايات ديات الاعضاء فلا مزيه لاحدهما على الاخر، بل مقتضى الجمع العرفى بينها التخيير كما تقدم، وان كلا منها اصل بنفسه يجزى فى مقام الاداء، سواء كانت بقيمه الاخر ام لا.

واما صحيح زراره فهو يدل على عدم اجزاء غير الابل من سائر الاجناس، وهذا مقطوع البطلان فلا بد من طرحه او تاويله.واخرى: بان ظاهر مثل صحيح ابن الحجاج ان جعل الديه على الاصناف السته قول على، او كان فى كتاب على(ع) كما فى روايات ديات الاعضاء، بنحو القانون الكلى والقضيه الحقيقيه، فلا يناسب ان يكون المقصود منها ما كان فى خصوص ذلك الزمان من الدرهم والدينار، او الاجناس الاخرى لكونها معادله مع مائه ابل. بل ظاهر هذا اللسان ضرب القانون العام الذى يرجع اليه فى كل زمان ومكان وهو يقتضى اصليه الاجناس جميعا وانها فى عرض واحد.

ويمكن الجواب: اما عن (الاول). فمضافا الى ما تقدم بيانه -من انه لا يحتمل ان يكون الابل ملحوظا على نحو الطريقيه لما يعادل الف دينار او عشره آلاف درهم، بل العكس هو المحتمل، بل قريب من الذوق العرفى، لانه المناسب مع الدرهم والدينار، وهذا مما يوجب اجمال اطلاق دليلها دون دليله- ان غايه ما يلزم من وجود ما يدل على ان الديه الف دينار او عشره آلاف درهم وقوع التعارض بين اطلاق كل منهما المقتضى للتعيين، ونفى غيره مع الاخر، وعندئذ اذا احتملنا اشتراط التساوى بينهما فى القيمه، ولو لاحتمال البدليه فى كل منهما، ولم يكن اطلاق لفظ‏ى فى منطوق كل منهما لفرض عدم التساوى فى الماليه كان اللازم الاقتصار فى مقام الاداء على كل منهما اذا كان مساويا للاخر فى الماليه، فلا تجزى الف دينار او عشره آلاف درهم، اذا كان اقل ماليه من مائه ابل، كما لا تجزى مائه ابل اذا كانت اقل ماليه من الف دينار، لانه مقتضى ظهور كل منهما فى شرطيه تلك الماليه التى كانت متعادله وقتئذ، اى مقتضى اطلاق كل منهما فى الانحصار، والمفروض فى انه لا يوجد اطلاق فى منطوق الاخر لحال فقدانها ليقع تعارض بينهما فيرجع الى الاصل العملى النافى لشرطيتها. فهذا يقتضى ايضا ملاحظه الماليه لا الغائها، الا اذا علم بعدم لزومها، وهذا ثابت فى مائه ابل جزما، بخلاف الف دينار، او عشره آلاف درهم.

لا يقال: حيث ان الدليلين منفصلان فالاطلاق فى منطوق كل منهما منعقد ذاتا ومعارض مع اطلاق مفهوم الاخر -هذا بلحاظ الجواب الثانى- كما ان الاطلاق فى منطوق دليل الدرهم والدينار معارض مع اطلاق مفهوم دليل مائه ابل -فى الجواب الاول- وبعد التساقط يرجع الى الاصل العملى النافى لشرطيه الماليه المشتركه الثابته للابل، فيثبت فتوى المشهور بذلك.فانه يقال: حيث ان تعدد ما يدفع به الديه، ولا اقل من ذلك جواز دفع الابل، كان مركوزا فى الذهن المتشرعى فهذا بمثابه القيد المتصل اللبى لدليل الدرهم والدينار المانع عن انعقاد اطلاق فيه لفرض عدم المعادله فى الماليه.

كما ان صحيح زراره قد ورد فيه التعبير بقوله: (هى -اى الديه- مائه من الابل وليس فيها دنانير) وهذا لا يقتضى اكثر من الظهور فى عدم كون الدينار والدرهم من الديه اصاله لا عدم اجزاء دفعها بدلا عنها، فان مثل هذه الدلاله اما لا تكون او تكون مستفاده من الاطلاق والسكوت القابل للتقييد بسائر ما دل على اجزائهما، بحيث يجمع بينهما العرف بهذا النحو من الجمع، هذا لو لم نقل ان وضوح ومسلميه اجزاء غير الابل اجمالا فى العرف المتشرعى يمنع من اول الامر عن انعقاد ظهور فيه فى عدم الاجزاء، وعلى كل حال لا تصل النوبه الى التعارض والطرح، او التاويل على ان ما ذكر من التاويل واضح الضعف.

واما عن الثانى، فبان كتاب على(ع) وان كان ظاهرا فى ضرب القانون العام بنحو القضيه الحقيقيه، الا ان ذلك القانون لعله كون كل واحد من الاصناف المذكوره بوصف التساوى فى الماليه مع ماليه مائه من الابل ديه وبدلا عن النفس باعتبار المناسبه العرفيه التى ذكرناها فى باب الضمانات الماليه، فاخذ هذه الحيثيه المناسبه، والتى كانت ماخوذه ارتكازا حين صدور النصوص والروايات لا تجعل القضيه خارجيه، بل تبقى حقيقيه وقانونيه، ولكن بالقيد المذكور. هذا مضافا الى قوه احتمال اراده الكتاب الذى فرضه امير المومنين(ع) على عماله وولاته، كما ورد بذلك روايات بعضها صحيحه عن الائمه المتاخرين تصحح نسبه كتاب الفرائض، او كتاب ظريف فى الديات الى امير المومنين(ع) وعندئذ من المعقول ان يكون الامام(ع) لاجل تنظيم الديات قسم ماليه مائه ابل على الاصناف الاخرى بحسب قيمتها السوقيه وقتئذ، ثم عممها على ولاته، لكى تتخذ الطريقه فى نظام العقوبات والديات على نسق واحد فى كافه ارجاء العالم الاسلامى وحكومته، فالتشكيك فى وجود اطلاق فى روايات الاصناف الخمسه لفرض عدم تساويها لماليه مائه من الابل فى محله.


69

(البيان الثانى): لو سلمنا تماميه الاطلاق فى روايات الاصناف الخمسه الاخرى من الديه، مع ذلك يمكن ان يقال بان هذا غايته الاطلاق القابل للتقييد بقيد المساواه فيما بينها وبين مائه من الابل فى القيمه والماليه، غايه الامر لا بد من مقيد يثبت هذا القيد، وحينئذ يقال بامكان استفاده هذا القيد من السنه بعض الروايات وهى عديده.

منها صحيح ابن سنان المتقدم وهو صحيح بطريق الشيخ والصدوق ومرسل بطريق الكلينى فانه بعد ان بين ان الديه مائه من الابل عطف على ذلك بقوله: (وقيمه كل بعير من الورق مائه وعشرون درهما وعشره دنانير، ومن الغنم قيمه كل ناب من الابل عشرون شاه) وظاهر ذلك ان دفع الديه اذا كان من الورق او الغنم فلا بد وان يكون بقيمه الابل الواجب دفعه باسنانها.

فليس قوله: (وقيمه كل بعير) من اجل تحديد وتقييد الابل الواجب دفعه فى الديه، كيف وقد حدده فى العمد والخطا بالاسنان، وانما الظاهر منه انه اذا اريد دفع الديه بدلا عن الابل بالدرهم والدينار والغنم فيكون قيمه كل بعير كذا درهم ودينار، وكل ناب من الابل كذا من الغنم وهذا واضح.

الصفحة السابقة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

الصفحة التالية

وقد يناقش بان هذه الصحيحه محموله على التقيه لما ورد فيها من تحديد الديه فى الدرهم باثنى عشر الف، وفى الغنم بالفين، وهذا مطابق مع ما افتى به العامه، ومخالف مع الروايات التى دلت على ان الديه من الدرهم عشره آلاف، ومن الغنم الف، كصحيح حماد وصحيح جميل وصحيح ابن الحجاج المتقدم ومع حملها على التقيه لا يمكن الاستدلال بها.

ويمكن الجواب عن ذلك بان حملها على التقيه فرع عدم وجود جمع عرفى بينها وبين ما دل على ان الديه عشره آلاف درهم والف شاه، وهو موجود بحمل هذه الصحيحه على الدراهم التى ضربت فى الدوله الاسلاميه فيما بعد عصر النبى(ص) وفى عهد الامام الصادق(ع) حيث كانت تضرب بوزن اقل من الفضه، اى بوزن خمسه دوانق، بينما قبل ذلك كانت تضرب بوزن سته دوانق، والتى كانت كل عشره منها تساوى سبعه مثاقيل شرعيه، ومن هنا سمى ذلك الدرهم بوزن سبعه، والاخر الاقل فضه سمى بوزن سته، حيث ان كل عشره منها كانت تساوى سته مثاقيل شرعيه تقريبا.

وقد ذكر الشيخ فى ذيل روايه عبيد بن زراره عن ابى عبد اللّه(ع) قال: (الديه الف دينار او اثنى عشر الف درهم او مائه من الابل). ذكر الحسين بن سعيد واحمد بن محمد بن عيسى انه روى من اصحابنا ان ذلك يعنى اثنى عشر الف درهم من وزن سته، واذا كان كذلك فهو يرجع الى عشره آلاف.

وبالنسبه الى عشرين شاه ايضا الامر كذلك، لان صحيحه ابن سنان جعلت العشرين شاه قيمه كل ناب من الابل، والناب من الابل هو الابل الكبير الهرم، والذى يدخل عامها التاسع فما فوق، ومن المعقول ان تكون قيمته ضعف قيمه البعير فى عامها الاول والثانى كابن المخاض وبنت لبون، خصوصا اذا لاحظنا ان صحيح ابن سنان بصدد بيان الديه المغلظه ايضا من حيث اسنان الابل، وهى ديه العمد، وشبه العمد، والتى لا بد وان تكون الابل فيها من مسان الابل.

بل حمل هذه الصحيحه على التقيه فى نفسه بعيد جدا، لان تحديد قيمه البعير بالدرهم والدينار او بالغنم موضوع خارجى واضح عند السامع او قابل للاستيضاح، فلا يمكن ان يصدر فيه بيان من المعصوم على خلاف الواقع الذى كان جاريا فى زمانه.

فالحاصل: لو كانت الصحيحه وردت ابتداءا بعنوان (الديه اثنا عشر الف درهم والفا شاه) امكن صدورها تقيه، واما بهذا اللسان الذى هو لسان تحديد ما يعادل من الغنم كل ناب من الابل والذى لا تكون نتيجته الفين، بل تضعيف الغنم فى خصوص ما يلزم من الابل كونه نابا، وهو اربعون لا اكثر، فما لا يحتمل فيه التقيه ولا معنى لها فيه، فلا بد وان يكون هذا الاختلاف الواقع فى الروايات من جهه اخرى، وهى فى الدرهم من جهه الاختلاف الذى حصل فى وزنه، كما اشار الرواه الى ذلك ايضا، وفى الغنم من جهه ان ما حددته الروايات بعشرين شاه انما هو فى قبال كل ناب من الابل، اى ناظره الى الديه المغلظه التى يجب فيها الابل المسان الكبيره، بخلاف ديه الخطا المحض، التى يكتفى فيها بمطلق البعير كابن اللبون وبنت مخاض ونحوهما، والفرق بينهما كبير فى الماليه، وسوف نرى ان روايات التحديد للغنم بان فى قبال كل واحد من الابل عشرون من الغنم، كلها وارده فى الديه المغلظه، بل ومصرحه بان اللازم فيها الابل المسان ومما يشهد على هذا ان صحيح ابن سنان جعل عشره دنانير ومائه وعشرين درهما قيمه كل بعير، لا كل ناب من الابل، وجعل عشرين شاه قيمه كل ناب من الابل، فلم يعطف العشرين شاه على عشره دنانير، مما يعنى ان مراده بالبعير مطلق الابل الذى يجزى دفعه فى ديه الخطا، ومراده بعشرين شاه ما يدفع فى الديه المغلظه التى يشترط فيها الناب والمسان من الابل.


70

وقد يناقش فى هذا الاستدلال ايضا بانا لو سلمنا دلاله هذه الصحيحه او غيرها على ملاحظه الشارع لماليه الابل فى الاصناف الاخرى فى مقام تحديد مقدارها فهذا كان فى ابتداء الامر حكمه لبسط الديه على الاصناف السته وليس عله او قيدا فى موضوع الحكم، لكى يجب ملاحظته فى كل زمان ويدور الحكم مداره، بل يتمسك باطلاق ما حدد فى كل صنف منها لاثبات اجزائه مهما بلغت قيمته وماليته بالنسبه للابل او لسائر الاصناف فيثبت ان كل صنف منها بعد التشريع وبسط الديه عليه اصبح اصلا براسه، وقد يشهد عليه انه لو كان الاصل فى الديه مائه من الابل فقط الاصناف الاخرى رخص فى دفعها بدلا عنها بما يعادلها فى القيمه لم يكن وجه لتحديد عدد مخصوص لكل واحد منها، بل كان ينبغى ان يقال وبقيمه مائه ابل من الغنم والبقر والدرهم والدينار والحلل مهما كان العدد.

ويلاحظ على ذلك: بانه مع فرض تصريح الروايات بملاحظه قيمه الابل باسنانها فى بعض الاصناف الاخرى لا مجال لحمل ذلك على الحكمه فى بدايه التشريع فانه خلاف ظهور اخذ هذه الحيثيه فى الموضوعيه خصوصا اذا لاحظنا ان هذا هو المناسب مع الفهم العرفى واعتباراتهم فى باب الضمانات، بل لولا ملاحظه ذلك لم يكن معنى لتغليظ الديه فى العمد، وشبه العمد، بدفع الابل المسان الكبيره بل العرف لا يتعقل ان يكون ضمان عضو او نفس دائرا بين الاقل والاكثر فى الماليه، فالغاء هذه الخصوصيه عن الموضوعيه كما هو ظاهر اللفظ، وهو المتفاهم عرفا بلا موجب وبذلك يقيد اطلاق ذكر الاعداد المذكوره لسائر الاصناف، ويحمل على انه بلحاظ الوضع النوعى العام فى ذلك الزمان. وما ذكر من انه لو كان الامر دائرا مدار قيمه الابل من سائر الاصناف لم يكن وجه، لذكر العدد وتحديده فى كل صنف مدفوع: بان فائده التحديد تشخيص القيمه السوقيه النوعيه، اى معدل القيمه للجانى لانه ملزم بها لا بكل قيمه، ولو كانت شخصيه لا يجد غيرها. فان هذا مطلب مهم قد يغفل عنه، بل من المحتمل قويا ان هذا التحديد جاء من قبل الامام على(ع) -كما تشير اليه بعض الروايات- كمرسوم حكومى يشخص فيه موضوعا خارجيا واحدا، وهو معدل القيمه السوقيه وقتئذ للديه من الاصناف الاخرى لعماله وولاته، ومثل هذه الموضوعات ايضا بحاجه الى التحديد من قبل الحكومات والانظمه الاجتماعيه كما تحدد الحكومات اليوم سعر النقد، او سعر الفائده بين حين وحين.

ومن جمله الروايات صحيح الحكم بن عتبه المتقدم وقد ورد فيه ان امير المومنين(ع) هو الذى قسم الديه على الورق بعد ان كانت على الابل، وان قيمه كل ابل فى ذلك الزمان مائه درهم، وهذا ظاهر فى ملاحظه قيمه الابل وماليتها فى الورق، وان الترخيص فى دفع الديه منها للتسهيل وكثره الورق، انما كان بعنوان البدليه، ولهذا صرح فى ذيله بان دفع الابل اليوم ايضا هو الافضل. نعم هذه الروايه بحسب صدرها قد يتوهم دلالتها على ان الانعام الثلاثه كلها كانت اصلا فى الديه، لا خصوص الابل الا ان هذا الظهور ممنوع فان ذكر الانعام الثلاثه جاء فى كلام السائل، وبعنوان ان الديه كانت توخذ قبل اليوم من الابل والبقر والغنم. واما ما جاء فى كلام المعصوم فهو ان الديه كانت توخذ فى ديه الخطا مائه من الابل، فاذا لم يكن ظاهر كلام الامام(ع) فيها اختصاص الاصاله بالابل فلا ظهور فيه فى الخلاف. ولو فرض مثل هذا الظهور فهو قابل للتقييد بصراحه صحيح ابن سنان المتقدم وغيره مما ياتى الدال على ان الغنم ايضا يكون بدلا عن الابل يلزم ملاحظه قيمه الابل فى دفعه فالصحيحه تدل على بدليه الدرهم عن الابل، واما غيرها فيثبت بعدم احتمال الفرق بل لعل ظاهر ذكر خصوص الابل فى كلام الامام بعنوان ما كان هو الديه ظاهر فى ذلك ايضا كما اشرنا.

ومنها طائفه من الروايات وارده فى الديه المغلظه، والتى تقدمت الاشاره اليها حيث استدل بها على الترتيب بين الابل والبقر او الغنم. وهى خمس روايات. صحيح معاويه بن وهب وصحيح معلى ابى عثمان ومعتبره ابى بصير وروايته وروايه زيد الشحام. وقد ذكرنا فى بحث سابق بان ظاهرها((185)).


71

الاولى وان كان هو الترتيب فى الديه بين الابل والبقر او الغنم، ولو فى خصوص ديه العمد وشبهه، الا ان هذا غير محتمل فقهيا، بل مركوزيه عدم احتمال تعين الابل على غير من يكون من اهل الابل يوجب منع ظهورها فى ذلك، وان تمام النظر فيها الى مساله تغليظ الديه فى العمد وشبهه ولزوم مراعاه ذلك فى البقر والغنم ايضا لو كان الدفع منهما، فيكون ظاهرا فى البدليه فى الماليه بمعنى لزوم حفظ قيمه الابل فى البقر او الغنم، كما هو مقتضى كونهما مكانه، بل فى بعضها بانه بقيمه ذلك من البقر، وهو ايضا مقتضى جعل عشرين من الغنم فى قبال كل جمل مسن. وقد ورد فى بعضها فى قبال كل جمل عشرون من فحوله الغنم، وفى بعضها فى قبال مائه من الابل المسان الف كبش، وهو الغنم الفحل الكبير، وفى روايه ابى بصير صرح بانه فى الخطا مثل العمد، الا انه عبر بانه الف شاه مخلطه، بينما فى العمد عبر بالف كبش مما يعنى ان حيثيه الماليه فى الابل المسان لوحظت فى الغنم تاره من خلال تكثير عددها الى الضعف، واخرى من خلال اشتراط كونها الف كبش، والذى هو اغلى قيمه، ولعل الكبش من الغنم كان يعادل غنمين فى القيمه. فهذه الطائفه من الروايات ايضا ظاهره، بل صريحه فى اعتبار ماليه الابل، وانها الاصل فى الديه، وهى وان كانت وارده فى العمد وشبهه، الا ان دلالتها على البدليه بالمعنى المذكور لا تختص بذلك، وانما ذكر العمد فيها لان التفاوت فى الماليه يظهر فيه باعتبار التغليظ فى ديته، وهذا واضح.

ومنها بعض الروايات الظاهره فى ان الدرهم لا بد وان يكون بقيمه الذهب وبحسابه فى الديه مما يعنى انه ليس اصلا فى الديه، من قبيل ما تقدم فى صحيح ابن الحجاج (وقيمه الدينار عشره دراهم)، وفى صحيح ابن سنان قال: سمعت ابا عبد اللّه(ع) يقول: من قتل مومنا متعمدا قيد منه، الا ان يرضى اولياء المقتول ان يقبلوا الديه، فان رضوا بالديه واحب ذلك القاتل فالديه اثنا عشر الفا، او الف دينار او مائه من الابل، وان كان فى ارض فيها الدنانير فالف دينار، وان كان فى ارض فيها الابل فمائه من الابل، وان كان فى ارض فيها الدراهم فدراهم بحساب ذلك اثنا عشر الفا((186)).

وظاهرهما ان القيمه وماليه الف دينار او مائه من الابل ملحوظه فى صنف الدرهم على الاقل بحيث لا بد وان تكون الدراهم المدفوعه ديه بحساب ذلك وقيمته، بل لعل هذا المعنى صريح صحيح الحكم بن عتبه المتقدم ايضا حيث عبر فيه بان امير المومنين(ع) قد قسم ذلك على الورق.

ودعوى: ان هذه المعادله فى القيمه كانت ملحوظه فى بدايه التشريع حكمه لا عله، قد عرفت جوابها.

ودعوى: اعراض الاصحاب عن هذا الفهم من الروايات الموجب لوهنها وسقوطها عن الحجيه.

مدفوعه: بان كبرى الوهن بالاعراض فرع ان لا تكون الروايه من حيث السند قطعيه او كالقطعى، كما لا يبعد دعواه فى مجموع ما تقدم من الروايات وان لا يكون فى البين وجوه واستدلالات يحتمل استناد المعرضين اليها. مضافا الى عدم امكان احراز صغراها من مجرد كلام الشيخ (قدس سره) فى المبسوط مع سكوت غيره من القدماء، بل تصريح القاضى باعتبار التساوى فى القيم بين الاصناف كما تقدم.

فالانصاف ان اعتبار ذلك خصوصا فى الدرهم ان لم يكن هو الاقوى فهو الاحوط الذى لا يمكن الخروج عنه.

الجهه الرابعه: فيما يراد من الدرهم والدينار ضمن

اصناف الديه. وهنا احتمالات عديده ابتداءا لا بد من تمحيصها.

1- ان يراد بها المتخذ من الذهب والفضه المسكوكين بالوزن الشرعى المخصوص والمسمين باسم الدرهم والدينار والرائجين فى السوق للتعامل.

2- نفس الاحتمال مع اسقاط قيد الرواج.

3- نفس الاحتمال مع اسقاط قيد التسميه بالدرهم والدينار بل حتى اذا كان يسمى بغيرها كالروبيه مثلا، ولكن بشرط ان يكون من الذهب او الفضه.

4- نفس الاحتمال مع اسقاط قيد ان يكون كل سكه بوزن مخصوص، بل يكفى ان يكون مجموع سكتين او ثلاث كذلك، فيجب منها بمقدار ما يساوى الدرهم والدينار.

5- ان يراد بهما الوزن الشرعى من الذهب والفضه، ولو لم يكونا مسكوكين، اى مثقال ذهب و7ر10 مثقال فضه.


72

6- ان يراد بهما مطلق النقد الممثل للماليه المحضه فى كل زمان، فيشمل الاسكناس الرائج اليوم بعنوان النقد.

وقد يناقش فيما انتهينا اليه بمناقشات اخرى ربما يظهر جوابها من تضاعيف ما ذكرناه ولكننا نوردها هنا لمزيد التوضيح والتنقيح فنقول: المناقشه الاولى ان ظاهر الروايات التى ذكرت الابل والغنم والبقر والدرهم والدينار فى عرض واحد اصالتها جميعا، لا من جهه الاطلاق لحال نقصانها عن ماليه الابل بل من جهه الظهور فى عرضيتها، وانها جميعا تكون ديه، لا ان بعضها ديه، وبعضها بدل عنها، وهذا الظهور يكون مقيدا لمفهوم الحصر المستفاد من مثل صحيح جميل (الديه مائه من الابل)، ومعارضا مع ما دل على بدليه الغنم او الدرهم عن الابل لو تمت دلالته على ذلك.

والجواب: (اولا) ان الدلاله المذكوره ليست باكثر من الاطلاق والدلاله الحكميه لا الظهور الوضعى، لان مجرد ذكر الاجناس معا بعنوان الديه لا ينافى تقييدها بقيد المساواه فى الماليه لقيمه مائه من الابل -كما لو صرح بذلك- فانه يكون مقيدا لاطلاقها لا منافيا لدلاله لفظيه وضعيه فيها على الخلاف. نعم بدليه سائر الاصناف عن الابل بان تكون مائه ابل هى الديه والبدل عن النفس والباقى بدل البدل اى عوض عن الديه خلاف ظهور حمل الديه عليها جميعا فى عرض واحد، وهذا ظهور وضعى لا اطلاق حكمى. الا اننا لا نريد اثبات البدليه بهذا المعنى ولا يهمنا ذلك وانما المهم لنا اثبات البدليه فى القيمه والماليه بمعنى لزوم مراعاه ماليه الابل وحفظها فى سائر الاجناس، او فى الدرهم والدينار على الاقل وهذا قد استفدناه مما صرح فيه بملاحظه التقويم، وحفظ ماليه الابل فى سائر الاجناس او بعضها، بعد الغاء الخصوصيه، ويكون نتيجه ذلك تقييد اطلاق تلك الاصناف التى جعلت فى عرض واحد ديه بما اذا كانت معادله فى الماليه لماليه مائه من الابل وهذا تقييد للاطلاق لا اكثر.

و(ثانيا) لو فرضنا ان الدلاله المذكوره دلاله ظهوريه لا اطلاقيه فهو ظهور لا يقاوم تصريح الروايات المتقدمه بلزوم ملاحظه ماليه الابل فى الاصناف الاخرى، لان ذاك صريح، وهذا مجرد ظهور ناشى‏ء من حمل عنوان الديه عليها جميعا فى عرض واحد فيكون مقتضى صناعه حمل الظاهر على الصريح ما ذكرناه من الجمع، وهو ان تكون الديه الاصناف جميعا بشرط معادلتها لقيمه مائه ابل.

و(ثالثا) لو فرضنا التعارض والتساقط بين الطائفتين من هذه الناحيه مع ذلك كانت النتيجه بصالح القول باعتبار ماليه مائه من الابل فى الديه، لانه بعد التساقط يرجع الى اطلاق مثل صحيح جميل (الديه مائه من الابل) الدال باطلاقه على الانحصار لانه اطلاق محكوم فى نفسه لدلاله تلك الروايات المصرحه باجزاء غيرها، فمع سقوط الحاكم والمقيد بالمعارضه فى مورد عدم مساواه قيمه سائر الاجناس لمائه من الابل مع ما دل على اعتبار ذلك فيها. كان المرجع بعد التساقط وفى مورده ذلك الاطلاق المحكوم، لانه بحكم كونه اطلاقا موخرا ومحكوما فى الحجيه للمقيد يبقى سليما عن المعارضه فبعد سقوط المقيد فى مورد بالمعارض يصبح ذلك الاطلاق حجه لا محاله، لان المانع عن حجيته انما كان مقيده الحاكم عليه، والمفروض سقوطه بالمعارضه وعدم ثبوته، وما لم يثبت المقيد كان الاطلاق حجه لا محاله، وهذه هى نفس نكته الرجوع الى العام الفوقانى بعد سقوط مخصصه بالمعارض كما هو محقق فى محله من علم الاصول.

المناقشه الثانيه ان ظاهر صحيح ابن الحجاج، حيث ذكر فيه الامام(ع) ابتداء، وفى قبال ما نقله ابن الحجاج للامام(ع) من ان ابن ابى ليلى قال: بان الديه كانت فى الجاهليه مائه من الابل، ثم ان رسول-اللّه(ص) اقرها. قال على(ع) (الديه الف دينار) ان الاصل فى الديه الف دينار لا مائه من الابل، فتكون معارضه مع ما دل على ان الاصل فيها الابل.

والجواب: ان هذا التعبير حيث عطف عليه الامام(ع) بقوله: (والف دينار لاهل الذهب (فى نسخه الفقيه والتهذيب) وعشره آلاف لاهل الامصار، وعلى اهل البوادى مائه من الابل. الخ) لا يكون ظاهرا فى اصليه الف دينار، خصوصا اذا اضفنا ان الدرهم والدينار يلحظان بما هما نقدان، والنقد يعبر به عن الماليه والقيمه السوقيه للاجناس الاخرى، فهو المناسب لان يكون بدلا فى الماليه عن ماليه الاجناس الاخرى، لا ان تلك الاجناس تكون بدلا عن الف دينار فى الماليه.


73

نعم ظاهر اضراب الامام(ع) عما نقله الراوى عن ابن ابى ليلى عدم موافقته بما نقل عنه، الا انه تقدم فيما سبق انه لا ظهور للحديث فى نفيه لما ذكره ابن ابى ليلى من الحكم الشرعى، ولو فرض فلا يعلم ان عدم موافقته كانت راجعه الى هذه النقطه فى كلام ابن ابى ليلى.

وقد ورد نفس المضمون فى صحيح الحكم بن عتيبه المتقدم، وكذلك فى روايه الفقيه والخصال باسناده عن حماد بن عمرو وانس بن محمد عن ابيه عن جعفر بن محمد(ع) عن آبائه(ع) فى وصيه النبى(ص) لعلى(ع) قال يا على ان عبد المطلب سن فى الجاهليه خمس سنن اجراها اللّه له فى الاسلام -الى ان قال- وسن فى القتل مائه من الابل فاجرى اللّه ذلك فى الاسلام((187)).

المناقشه الثالثه ان قيم الاجناس المذكوره ليست متساويه فى تمام الموارد حتى سابقا، بل كانت متغيره لا محاله بتغير الازمنه والامكنه والاسواق والطوارى‏ء وغير ذلك مما يوثر فى مقدار العرض والطلب على السلعه فتتغير قيمتها، فاذا كان يستكشف منجم للذهب او الفضه مثلا وكان ازداد عرضهما انخفضت قيمتها لا محاله، واذا حصل وباء او مرض اوجب موت الابل قل مقدار عرضها وارتفع قيمتها لا محاله، وهكذا كلما عز وجود السلعه او كثر الطلب عليها لسبب من الاسباب او بالعكس اثر ذلك فى الماليه والقيمه السوقيه جزما، وهذا كان امرا واقعا حتى فى تلك الازمنه التى صدرت فيها هذه الروايات، ومعه كيف يمكن افتراض ان هذه الاجناس السته باعدادها التى جعلت ديه كانت متساويه فى الماليه والقيمه السوقيه، فان هذا لو فرض امكانه فى زمان معين، ومكان معين، فهو غير ثابت فى تمام الازمنه والامكنه والحالات حتى عند العرف، اى هذه النكته يعرفها ويفهمها العرف ايضا فلا بد وان يكون ذلك مجرد حكمه فى اصل التشريع كما ذكره صاحب الجواهر(قده)، ويكون المدار على الاعداد المقرره لكل جنس مهما بلغت قيمتها.

والجواب: (اولا) ان المراد بالقيمه المتعادله ليس التساوى الدقيق فى القيمه وفى تمام الحالات بل المقصود هو التعادل بمعنى التقارب فى القيمه السوقيه فى الاوضاع الثابته لها، اى لمتوسط القيمه فى الاسواق العامه التى كانت فى حاضره الاسلام وقتئذ وهذا كان امرا ثابتا عاده خصوصا فى مثل الانعام الثلاثه، والتى هى لحد اليوم بتلك الاعداد متقاربه فى الماليه.

والذى يقضى بهذا الفهم مضافا الى ما ورد فى الروايات المتقدمه فى الديه المغلظه من التعبير عن عشرين غنم بانه قيمه كل ناب من الابل او عن عشره دنانير او مائه وعشرين درهما بان قيمه كل بعير، وغير ذلك مما هو صريح فى ملاحظه قيمه مائه من الابل وماليتها فى ما جعل من الاصناف الاخرى فى عرضها، وعدم الغاء ذلك لمجرد العدد. ما ذكرناه من المناسبه العرفيه من ان الديه بابها باب الضمانات الماليه فهى تعويض لخساره المجنى عليه الماديه وقيمه الجنايه كما فى بعض الروايات، فلا يناسب ان يكون هذا الضمان فى خساره واحده دائرا بين الاقل والاكثر فى الماليه، فان هذا قد يناسب الامور التعبديه المحضه كالكفارات، بان تكون قيمه عتق العبد اضعاف اطعام عشره مساكين مثلا، ولا يناسب باب ضمان الخسارات خصوصا اذا لاحظنا ان الشارع لم يكن موسسا فى الديه، وانما كانت ثابته قبل الاسلام، فاقرها الاسلام مع التسهيل على اهل الاصناف بتجويز دفع احدها مكان الاخر، فهذا الارتكاز وتلك الروايات هى المانعه عن حمل الاعداد وعلى الاطلاق وانها تمام الموضوع فى الديه.

و(ثانيا) ان ملاحظه جنبه المعادله مع قيمه وماليه مائه من الابل لئن لم نقبله فى الاجناس الاخرى، فلا ينبغى الشك فى قبوله فى صنف الدينار والدرهم وخصوصا الدرهم والورق، لانه كان يمثل النقد الرائج والذى به تقاس قيمه الاجناس، بحيث عندما يذكر مع جنس آخر فى باب الضمان يفهم منه عرفا انه بقيمته، كيف وقد صرح بذلك فى الروايات، وان الديه كانت مائه من الابل قسمها امير المومنين(ع) على الدراهم، وان قيمه كل جمل مائه درهم مما هو كالصريح فى ان العدد المذكور للدرهم لوحظ بما هو معادل لقيمه الابل، ويحفظ ماليتها وان الميزان بحفظ تلك الماليه لكونها الاصل فى الديه لا ان يصبح الدرهم بالعدد المذكور هو الاصل فى الديه، وتصبح ماليته المتغيره غالبا بحكم كونه نقدا اصلا فى الديه يكتفى بدفعها مهما تناقصت تمسكا باطلاق العدد، فان هذا الغاء لذلك الظهور والقرائن القويه فى السنه الروايات فى قبال اطلاق لا اساس له كما شرحناه سابقا.


74

لا يقال: ان قيمه مائه من الابل وماليتها ملحوظه فى الدرهم والدينار، بل وفى سائر الاصناف ايضا فى زمان التشريع الا انه بهذا المقدار لا اكثر، اى ليست ماليه الابل فى كل زمان هى الميزان فى الديه، بل ما كانت عليه فى زمان التشريع، وقد كانت بمقدار الف دينار وعشره آلاف درهم، وبعد ذلك لو تغيرت قيمه الابل بان زادت قيمتها السوقيه فلا يضر ذلك بدفع الديه من الدرهم والدينار بالعدد المقدر، لانه معادل لقيمه مائه من الابل فى زمان تشريع الديه فيكون قد احتفظنا على ظهور اخذ المعادله القيمه فى الاصناف الاخرى، وظهور العدد فى الموضوعيه، ولعل هذا هو مقصودهم من كون المعادله فى القيمه بين الاصناف حكمه للتشريع.

فانه يقال: (اولا) هذا خلاف ما يستفاد من بعض الروايات السابقه من ان الاصل فى الديه كان حد الابل ولو من حيث الماليه، فان العرف يفهم منها ان قيمتها هى الاصل الذى لا بد وان يلحظ ويحفظ فى دفع سائر الاصناف، نعم ليس الميزان بالقيمه الاستثنائيه، وفى الحالات الطارئه او النادره، بل بالقيمه النوعيه الثابته فى الاوضاع الاعتياديه.و(ثانيا) غايه ما يلزم من الكلام المذكور لو سلم ان لا تكون زياده قيمه مائه من الابل عن قيمتها فى زمان تشريع الديه مضمونه على الجانى، ولا يثبت به الاجتزاء بدفع احد الاصناف الاخرى اذا نقصت قيمته عن سائر الاصناف وعن زمان التشريع، كما هو كذلك فى الدرهم اليوم لان دفع العدد المقدر منه لا يكون معادلا لا لقيمه مائه من الابل فى هذا الزمان، ولا لقيمتها فى زمان التشريع، وانما يكون حفظ تلك القيمه بدفع ما يعادل اليوم فى قوته الشرائيه لقيمه الدراهم فى ذلك الزمان، كما لا يخفى.

فالاجتزاء بدفع نفس العدد منها اليوم الغاء لخصوصيه المعادله لقيمه مائه من الابل لا تقييد لها بزمان التشريع، نعم المعادله كانت لدراهم زمان التشريع لا ان دراهم اليوم تحفظ قيمه الابل زمان التشريع وصريح الروايات المتقدمه اخذ تلك القيمه فى ما يدفع ديه بمعنى ان الدراهم المدفوعه لا بد وان تكون مشتمله ومتضمنه لقيمه مائه من الابل ولو التى كانت ثابته لها فى زمان التشريع. وهذا لعمرى واضح جدا.

فالمتحصل من مجموع ما تقدم ان ماليه مائه من الابل لا بد من حفظها فى دفع احد الاصناف الاخرى خصوصا الدرهم.

واللّه الهادى للصواب.

ثم ان هناك روايه قد يتوهم دلالتها على ان الاصل فى الديه الدراهم، او على الاقل الاجتزاء بها فى الديه اذا كانت بالمقدار المقدر شرعا، وهو عشره آلاف درهم حتى اذا كانت اقل من قيمه سائر الاجناس، وهى معتبره اسحاق بن عمار الوارده فى الزكاه. عن ابى ابراهيم(ع) قال: قلت له: تسعون ومئه درهم وتسعه عشر دينارا اعليها فى الزكاه شى‏ء؟ فقال: اذا اجتمع الذهب والفضه فبلغ ذلك مائتى درهم ففيها الزكاه لان عين المال الدراهم وكل ما خلا الدراهم من ذهب او متاع فهو عرض مردود الى الدراهم فى الزكاه والديات((188)).

تقريب الدلاله: انها صرحت بان الميزان بالدراهم فى الديات والزكاه لا بالاجناس الاخرى التى هى عروض بخلاف الدراهم فانها عين المال فبلوغ النصاب بحساب الدرهم كاف فى تعلق الزكاه وان لم يبلغ بحساب الذهب. كما ان بلوغ الديه بالدرهم المقدار المقدر للجنايه كاف فى الدفع ومجز، وان لم يبلغ المقدر بالاجناس الاخرى لانها عروض مردوده الى الدراهم.

وفيه: (اولا): ان هذا المعنى غير معمول به، بل على خلافه صريح روايات اخرى فى باب الزكاه دلت على ان اللازم بلوغ كل جنس يملكه الانسان نصابه المقرر فيه لكى تتعلق الزكاه، فلا تجب فيما اذا بلغ المجموع بحساب الدراهم مائتى درهم، ومن هنا طرحت هذه الروايه وحملت على التقيه، او اولت، ومعه لا يتعين له معنى يمكن الاستفاده منه فى باب الديات ايضا.

(وثانيا): لو فرض العمل بها وعدم اجمالها فليس مفادها ان الاصل فى الديه والزكاه الدراهم، وانما ظاهرها ان الدراهم لكونها عين المال اى خالصه- وهو كنايه عن كونها النقد الذى يقاس به ماليه سائر الاجناس، كما يشهد به قوله(ع): (وكل ما خلا الدراهم من ذهب او متاع عرض مردود الى الدراهم) فيكفى دفع الديه منها ولا يشترط دفع الجنس لان الدراهم عين ماليته، والاجناس مردوده فى الماليه اليها، وكذلك فى تعلق الزكاه، فالروايه ظاهره فى تعلق الزكاه بالماليه من الاجناس الزكويه كما ان ما هو الديه ماليه الاصناف السته، والتى عينها وجوهرها الدراهم، وليست الروايه ناظره الى فرض تفاوت قيمه الدرهم عن الدينار او الاجناس الاخرى، ولا ما هو الاصل فى الديه. نعم هذه الروايه قد يستفاد منها فى البحث القادم ان الدراهم فى باب الديه بل والزكاه ايضا ملحوظه بما هى عين المال وجوهره، اى بما هو نقد لا بما هو من جنس الفضه والتى هى ايضا كالذهب والمتاع عرض مردود الى الدراهم فيمكن ان يستفاد من ذلك ان موضوع الحكم مطلق الماليه المحضه والنقد الرائج ولو لم يكن من الدرهم.


75

وواضح ان القدر المتيقن من هذه الاحتمالات هو الاول منها، وان كل احتمال من الاحتمالات الاخرى تلغى فيه خصوصيه من الخصوصيات الثابته فى الدرهم والدينار لغه او خارجا، بحيث لا بد فى الغائها من استفاده اطلاق فى قبالها من روايات الديه، والا كان مقتضى القاعده عدم اجزاء الفاقد لها، ولو من جهه التمسك باطلاق مفهوم الحصر فى ادله سائر الاصناف، كما تقدم فى الجهه السابقه.

وعلى هذا الاساس لا بد من ملاحظه تلك الخصوصيات، ومدى احتمال دخل كل منها فى هذا الحكم الشرعى فنقول: اما خصوصيه تسميه المسكوك باسم الدينار والدرهم فى مورد رواجه فهى غير محتمله الدخل فى هذا الحكم، لان الدرهم والدينار ليس علما لنوع معين من النقود كالريال او التومان، وانما صار اسما لمطلق المسكوك من الذهب والفضه، وان كان يسمى فى لغه اخرى باسماء خاصه كالروپبه مثلا. نعم ربما كان هذان اللفظان بالاصل علمين بل قيل انهما اذا كانا ماخوذين من الفارسيه فالدرهم اصله (درم) والدينار (دين آر) اى الشريعه جاءت به -كما عن الراغب فى مفرداته- واذا كانا معربين عن الروميه فاصلهما (دناريون) و(دراخمه) كما عن غيره، وايا ما كان فلا شك ان عنوانى الدرهم والدينار بعد التعريب صارا اسمين للمسكوكين من الذهب والفضه من اجل التعامل. بل الدراهم والدنانير التى كان يتعامل بها فى صدر الاسلام لم تكن عربيه ولا اسلاميه، بل كانت تضرب فى بلاد الروم، والمظنون انه كان لها اسمائها اللاتينيه، ومع ذلك سميت بالدرهم والدينار فى الروايات والايات، فهذه الخصوصيه غير دخيله فى الحكم جزما.

وكذلك خصوصيه الوزن المخصص فى كل سكه، اذ الدينار والدرهم يصدقان على المسكوك من الذهب والفضه مهما اختلف وزنها، والشاهد عليه مضافا الى الوجدان اللغوى الاستعمالات اللغويه والروائيه، حيث اطلق فيها الدرهم والدينار على المسكوكات ذات الاوزان المختلفه، فكانت -تسمى جميعا بالدراهم والدنانير، حتى صار يقسم الدرهم الى انواع واسماء خاصه مختلفه حسب اختلاف محل الضرب او الوزن، كالدرهم البغلى والبصرى والشامى والوضح والسود والطبرى، بل لا اشكال فى تغير وزن الدراهم فى تاريخ المسلمين باختلاف عهود الحكم القائم فيهم، كما يظهر من مراجعه التاريخ، ومع ذلك كان جميع تلك المسكوكات درهما ودينارا لغه وعرفا.

نعم خصوصيه الوزن الذى كان للدرهم والدينار فى صدر الشريعه حينما جعلت الاحكام لا بد من الحفاظ عليها، ولو فى اكثر من سكه فلو كان وزن السكه نصف ذلك وجب فى الديه الفا دينار وعشرون الف درهم، لان هذا الوزن كان ملحوظا فى ماليه الدرهم والدينار، وبالتالى فى موضوع الحكم الشرعى خصوصا المرتبط بالاموال بما لها من ماليه كالديات والزكاه.

وقد اجمعت الامه على ان الدينار كان وزنه مثقالا شرعيا من الذهب، وبقى كذلك بلا تغيير، والدرهم كان وزنه 7ر10 من المثقال الشرعى (والمثقال الشرعى ثلاثه ارباع المثقال الصيرفى).

قال فى الحدائق: لا خلاف بين الاصحاب رضوان اللّه عليهم وغيرهم ايضا ان الدنانير لم يتغير وزنها مما هى عليه الان فى جاهليه ولا اسلام، صرح بذلك جمله من علماء الطرفين. قال شيخنا العلامه اجزل اللّه اكرامه فى النهايه: والدنانير لم يختلف المثقال منها فى جاهليه ولا اسلام، كذا نقل عن الرافعى فى شرح الوجيز انه قال: المثاقيل لم تختلف فى جاهليه ولا اسلام.

والدينار مثقال شرعى فهما متحدان وزنا، فلذا يعبر فى اخبار الزكاه تاره بالدينار وتاره بالمثقال) قال العلامه المجلسى فى رسالته ميزان المقادير: ان الدنانير لم تتغير عما كانت عليه من عهد رسول-اللّه(ص) وهذا مما اتفقت عليه العامه والخاصه((189)).

واما الدراهم فقد صرحت كلمات الاصحاب وغيرهم ايضا بانه عباره عن سته دوانيق، وان عشره دراهم تساوى سبعه مثاقيل شرعيه. قال فى كتاب الاوزان والمقادير فى تعريف الدرهم الشرعى: (هو سته دوانيق كما عن صريح المقنعه والنهايه والمبسوط والخلاف وما تاخر منها، وكما فى رساله التحقيق والتنقير. وفى الجواهر: بلا خلاف اجده فيه، وفى المدارك: نقله الخاصه والعامه ونص عليه جماعه من اهل اللغه. وعن المفاتيح: انه وفاقى عند الخاصه والعامه ونص اهل اللغه. وعن الرياض: لا اجد فيه خلافا بين الاصحاب، وعزاه جماعه منهم الى الخاصه والعامه، وعلماوهم موذنون بكونه مجمعا عليه عندهم. وعن ظاهر الخلاف: ان عليه اجماع الامه. وعن ظاهر المنتهى فى الفطره الاجماع عليه. وفى اول رساله اوزان المقادير للمجلسى: (واما الدراهم. فقد ذكر الخاصه والعامه انها كانت سته دوانيق. قال العلامه فى التحرير: والدراهم فى صدر الاسلام كانت صنفين بغليه، وهى السود، وكل درهم ثمانيه دوانيق، وطبريه كل درهم اربعه دوانيق، فجمعا فى صدر الاسلام وجعلا درهمين متساويين ووزن كل درهم سته دوانيق ونحوه. قال فى التذكره والمنتهى، وقال المحقق فى المعتبر: والمعتبر كون الدرهم سته دوانيق بحيث يكون كل عشره منها سبعه مثاقيل، وهو الوزن المعدل فانه يقال: ان السود كانت ثمانيه دوانيق، والطبريه اربعه دوانيق فجمعا وجعلا درهمين وذلك موافق لسنه النبى(ص) وقال الرافعى فى شرح المذكور: واما الدراهم فانها كانت مختلفه الاوزان واستقر فى الاسلام على ان وزن الدرهم الواحد سته دوانيق كل عشره منها سبعه مثاقيل من ذهب، وفى المعزب: تكون العشره وزن سبعه مثاقيل. انتهى ما فى رساله المجلسى بلفظه((190)).


76

وقد نقل عن المسعودى انه علل ذلك بقوله: انما جعل كل عشره دراهم بوزن سبعه مثاقيل من الذهب لان الذهب اوزن من الفضه، وكانهم ضربوا مقدارا من الفضه ومثله من الذهب فوزنوهما فكان وزن الذهب زائدا على وزن الفضه بمثل ثلاثه اسباعها، واستقرت الدراهم فى الاسلام على ان كل درهم نصف مثقال وخمسه) (انتهى ما فى رساله الاوزان والمقادير).ويويده ما فى روايه المروزى عن ابى الحسن موسى بن جعفر عليه السلام: (الغسل بصاع من ماء، والوضوء بمد من ماء، وصاع النبى(ص) خمسه امداد، والمد وزن مئتين وثمانين درهما والدرهم وزن سته دوانيق.)((191)) ويستفاد ذلك ايضا من روايه الخثعمى((192)).

وكيفما كان فلا اشكال فى مقدار وزن الدينار والدرهم الشرعيين، وان ذلك كان هو الوزن المحدد فى زمن النبى(ص) او من قبله للدينار وللدرهم، حتى صار المثقال والدينار كثيرا ما يستعمل احدهما مكان الاخر كما سوف نشير اليه. وقد صرح الفقهاء بان الميزان فى الزكاه والديات بالدينار والدرهم بهذا الوزن وهذا هو الصحيح لما ذكرناه من ان الوزن المذكور له دخل فى الماليه جزما فلا بد من حفظه فى الحكم الشرعى المتعلق بالمال بما هو مال، كما فى الزكاه والديه فاذا تغير وزن الدرهم او الدينار بعد ذلك كما تغير فى العهود المتاخره عن صدر الشريعه خصوصا فى الدرهم. كان اللازم مراعاه ذلك الوزن فيما يعط‏ى بعنوان الديه وكذلك فى نصاب الزكاه.

واما خصوصيه المسكوكيه فقد يدعى الغاوها، والاكتفاء بمطلق الوزن الشرعى للدينار والدرهم، اى الف مثقال من الذهب وسبعه آلاف مثقال من الفضه. وقد يستدل عليه باحد وجهين: الاول ان الدرهم والدينار قد كان يطلق فى الجاهليه على الوزن فقد روى البلاذرى عن عبد-اللّهبن ثعلبه‏بن صعير قال: كانت دنانير هرقل ترد على اهل مكه فى الجاهليه وترد عليهم دراهم الفرس البغليه فكانوا لا يتبايعون الا على انها تبر، وكان المثقال عندهم معروف الوزن، وزنه اثنان وعشرون قيراطا الا كسرا، ووزن العشره دراهم سبعه مثاقيل، فكان الرطل اثنتى عشره اوقيه، وكل اوقيه اربعين درهما، فاقر رسول-اللّه(ص) ذلك، واقره ابو بكر وعمر وعثمان وعلى(ع) فكان معاويه فاقر ذلك على حاله. وروى ايضا عن عبد-الرحمان‏بن سابط الجمحى قال: كانت لقريش اوزان فى الجاهليه فدخل الاسلام فاقرت على ما كانت عليه قريش تزن الفضه بوزن تسميه درهما، وتزن الذهب بوزن تسميه دينارا، فكل عشره من اوزان الدراهم سبعه اوزان الدنانير، وكان لهم وزن الشعيره وهو واحد من الستين من وزن الدرهم، وكانت لهم الاوقيه ووزن الاوقيه اربعين درهما، والنش وزن عشرين درهما، وكانت لهم النواه، وهى وزن خمسه دراهم فكانوا يتبايعون بالتبر على هذه الاوزان فلما قدم النبى(ص) مكه اقرهم على ذلك((193)).

فيقال بحمل روايات الدرهم والدينار فى الديه على اراده الدرهم والدينار من حيث الوزن ولو لم يكن مسكوكا خصوصا اذا لاحظنا ان هذا التحديد كان فى زمن النبى(ص) او امير المومنين(ع) الذى لم تكن الدنانير والدراهم فيه بعد مضروبه عند المسلمين، وانما ضربت فى زمن عبدالملك، وبامر الامام زين العابدين(ع) او ابنه الباقر(ع) كما فى القصه المعروفه.

فيجزى فى باب الديه الف مثقال من الذهب وسبعه آلاف مثقال من الفضه، ويكون ذكر الدينار والدرهم فى رواياتها كذكرهما فى روايات الربا والصرف محمول على اراده الوزن، وقد ورد فى روايات الصرف ما قد يدل على استعمال الدرهم والدينار فى الوزن، ففى معتبره ابى بصير قال: قلت لابى عبد اللّه(ع) آتى الصيرفى بالدراهم اشترى منه الدنانير فيزن لى اكثر من حقى ثم ابتاع منه مكانى دراهم قال: ليس به باس، ولكن لا تزن اقل من حقك((194)).

وفى صحيح ابن الحجاج قال: سالته عن الرجل يشترى من الرجل الدرهم بالدنانير فيزنها وينقدها بحسب ثمنها كم هو دينارا ثم يقول: ارسل غلامك معى حتى اعطيه الدنانير فقال: ما احب ان يفارقه حتى ياخذ الدنانير. الحديث.

فان قوله فى الحديث الاول (اشترى من الدنانير فيزن اكثر من حقى) وفى الحديث الثانى (فيزنها وينقدها ويحسب ثمنها كم هو دينارا) ظاهر انه فى ان الدينار كان بالوزن لا بالعدد.

ويلاحظ على هذا الوجه: بان قصارى ما يثبت لو صح ما يذكره البلاذرى ان اهل مكه كانوا يتعاملون بالوزن ايضا، مكان الدينار والدرهم المضروبين، لا ان لفظتى الدينار والدرهم كانتا بهذا المعنى العام لغه او عرفا، بل من الظنون ان التعامل ايضا لم يكن مع الذهب والفضه بنحو السبيكه، وانما كانت قطعا صغيره بوزن المثقال من الذهب و7/10 المثقال من الفضه يتعاملون بها، من دون ان تكون مسكوكه بالسكه الروميه او الفارسيه، باعتبار صعوبه ضربها وعدم قدرتهم عليها فما كانوا يسمونه درهما ودينارا كان معدا للتعامل ايضا، ولكنه لم يكن مسكوكا بالنحو الفنى المتعارف وقتئذ فى بلاد الروم او فارس، نعم خصوصيه الوزن المخصوص كانت ملحوظه فى الدرهم والدينار عندهم، وهذا هو مفاد روايات باب الصرف ايضا لا ان الدينار والدرهم كان يطلق على مجرد الوزن، ولو لم يكن مسكوكا او بشكل قطع معده للمعامله على الاقل، وقد اجمعت كلمه اللغويين ويشهد عليه الوجدان العرفى ايضا واستعمال الروايات كما فى روايه جميل((195)). ان الدينار والدرهم اسم للمضروب من الذهب والفضه للتعامل، وليس مطلق الوزن من الذهب والفضه يسمى بذلك لغه، نعم فى باب الربا والصرف مقتضى الروايات المصرحه بثبوت احكام الصرف والربا لمطلق الذهب والفضه، وبيع احدهما بجنسه او بالاخر الغاء خصوصيه المسكوكيه، وهذا مطلب آخر يخص ذاك الباب ويناسبه، ولا دليل عليه فى باب الديه ولعله لا يناسب ايضا. هذا مضافا الى ان الاجمال والشك يكون بصالح القول باعتبار المسكوكيه تمسكا باطلاق الحصر فى روايات سائر الاصناف كما ذكرنا سابقا.


77

الثانى التمسك بروايه ابى بصير فى حديث قال: سالت ابا عبد اللّه(ع) عن الديه فقال: ديه المسلم عشره آلاف فضه، والف مثقال من الذهب، والف شاه على اسنانها اثلاثا، ومن الابل مائه على اسنانها، ومن البقر مائتان((196)).

فان الوارد فيها ليس عنوان الدرهم والدينار، بل المثقال وهو ظاهر فى كفايه الوزن، ولا منافاه بينها وبين ما ورد فى سائر روايات الديه من التحديد بالف دينار وعشره آلاف درهم، اذ لا مانع من ان يكون كل منهما كافيا، بل تكون هذه الروايه دليلا على ان المراد بالدرهم والدينار هو المعنى الاعم، او على الغاء خصوصيه المسكوكيه فى موضوع الحكم كما فى باب الصرف والربا.

ويلاحظ على هذا الاستدلال ايضا: اولا: ضعف سند الروايه بعلى بن ابى حمزه البطائنى.

وثانيا: ان الاظهر فى مدلولها ان المراد بالمثقال فيها الدينار لا العكس، فان المثقال كان يطلق على الدينار ايضا باعتبار وزنه، كما فى صحيح على بن عتبه فى الزكاه((197)) ويشهد له انه لو كا نظر الامام(ع) -على تقدير صدور الروايه- الى الوزن كان ينبغى ان يقول سبعه آلاف من الفضه بينما قال عشره آلاف فضه مما يعنى ان نظره الى الدراهم لا المثاقيل. ولا اقل من الاجمال والذى تقدم انه بصالح القول باعتبار خصوصيه المسكوكيه، فهذه الخصوصيه لا يمكن الغاوها فى المقام بناء على اعتبار اصل الذهب والفضه فى الدرهم والدينار.

واما خصوصيه الرواج فى السوق، اى التعامل بهما فى مبادله السلع، فهذه هى خصوصيه النقديه فيهما حيث ان النقد ما يكون وسيله للمبادله والتعامل. فهل يشترط فى الدرهم والدينار فى باب الديه ان يكونا نقدين رائجين كما هو شرط فى تعلق الزكاه بهما ام لا؟ لم ار من تعرض للمساله فى باب الديات وانما تعرضوا لها فى باب الزكاه باعتبار ما ورد من الروايات فيها على اشتراط الرواج والتعامل فى تعلق الزكاه بهما.

وايا ما كان فقد يقال باشتراط رواج التعامل بالسكه حتى يصدق عليه الدرهم والدينار لان مجرد ضرب السكه للزينه بل للتعامل من دون رواجه لا يكفى لصدق ذلك، ومن هنا ذكر جمله من الفقهاء ذلك ففى الجواهر (ولو ضربت للمعامله لكن لم يتعامل بها اصلا او تعومل بها تعاملا لم تصل به الى حد تكون به دراهم او دنانير مثلا لم تجب الزكاه للاصل وغيره، ولعله اليه اوما فى جامع المقاصد بقوله: وينبغى ان تبلغ برواجها ان تسمى دراهم ودنانير)((198)).

وقد يقال فى قبال ذلك بان الضرب للتعامل بل وقوع التعامل والرواج وان كان شرطا فى صدق الدرهم والدينار الا انه يكفى ذلك وقوعه فى الجمله ولو سابقا فلا يشترط فعليه التعامل، ومن هنا اذا كان يتعامل ثم هجر وسقط عن الرواج والتعامل مع ذلك كان درهما ودينارا بدليل صدقهما على ما يستخرج منهما مما كان رائجا سابقا، فيشمله اطلاق الدرهم والدينار فى الروايات ويثبت الاجتزاء بدفعه وان لم تكن سكه رائجه بالفعل، بل مهجوره، بل كفى ذلك فى تعلق الزكاه عند جمله من الفقهاء -وان كان الحق خلافه- ففى الجواهر: (بل يكفى حصول المعامله بها سابقا وان هجرت بعد ذلك، كما صرح به جماعه منهم ومنهم المصنف (قده) فقال: اوما كان يتعامل بهما، بل لم ار فيه خلافا كما اعترف به فى محكى الرياض للاستصحاب والاطلاق وغيرهما)((199)) وحيث انه لا يلزم رواج شخص السكه المدفوعه فيقال: بان عنوان الدرهم والدينار يكفى فى صدقهما ان يكون صنف السكه رائجا فى الجمله، اى قد حصل التعامل به سابقا، فيمكن للصيرفى اليوم ان يضرب سكه على شكل تلك التى كانت رائجه سابقا فتكون درهما او دينارا ويكون دفعه مجزيا فى باب الديه تمسكا باطلاق الدرهم والدينار فى ادلتها حتى اذا اشترطنا فى تعلق الزكاه بهما الرواج الفعلى.

والانصاف عدم تماميه هذا الاطلاق وذلك لعده وجوه: (الاول): انا نمنع صدق الدرهم والدينار على ما يضربه الصيرفى من السكه اليوم، لان هذا ليس من المضروب لاجل التعامل، بل لغرض آخر كالزينه او المشابهه للسكه المضروبه سابقا، وان شئت قلت: لا بد وان تكون السكه مضروبه من قبل الجهه التى كانت تتكفل ضرب السكه للتعامل بها، كالسلطان فى السابق والدول اليوم، واما ما يضربه الصيرفى اليوم على شكل ما كان يضربه السلطان سابقا فليس بدرهم ولا دينار. نعم لو حصل الجانى على سكه السلطان الرائجه سابقا فقد يقال بصدق الدرهم والدينار عليه وان كان مهجورا عن التعامل.


78

(الثانى): انا لو سلمنا صدق الدرهم والدينار على الساقط عن الرواج والتعامل لغه فلا نسلم اطلاق الروايات لذلك بل ندعى انصراف عنوانهما فى الروايات الى النقد الرائج عرفا لان هذه الحيثيه هى الحيثيه المهمه والمطلوبه عرفا من الدرهم والدينار لا مجرد التعامل به فى الجمله ولو فى زمن سابق سحيق والتى تعتبر من الاثار القديمه.

(الثالث): لو تنزلنا عن ذلك مع ذلك قلنا بان فى السنه روايات الديه ما يدل على ملاحظه حيثيه النقديه والتعامل بالدرهم والدينار فى موضوع الحكم، وهو ما ورد من التعبير بقوله(ع): (قيمه كل دينار عشره دراهم، او قيمه كل بعير عشره دنانير، او قسمها امير المومنين(ع) على الورق)، ونحو ذلك مما يدل على ملاحظه الدرهم والدينار الذين يتعامل بهما فى السوق، ويقوم بهما السلع والاموال الاخرى وهذه الخصوصيه اعنى خصوصيه الرواج والتعامل اعنى النقديه خصوصيه مهمه وخطيره، لا يمكن الغاء دخالتها فى الحكم، كيف وان الرواج والنقديه غرض عقلائى مهم، وكثيرا ما يودى الى ازدياد مرغوبيه وماليه السكه الرائجه عن غير الرائجه، كما انها المناسبه مع باب الضمان.

لا يقال: لو فرض عدم الاطلاق فى هذه الروايات المتعرضه للتقويم بالدرهم والدينار كفانا الاطلاق فى مثل صحيح الحلبى: (الديه عشره آلاف درهم، او الف دينار) حيث لم يرد منع التقويم بهما.

الصفحة السابقة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

الصفحة التالية

فانه يقال: مضافا الى الانصراف الذى ذكرناه فى الجواب السابق ان عنوان الدرهم والدينار فى هذه الصحيحه، بل وفى كل الروايات لا يمكن ان يحمل على الجنس، ليصح التمسك باطلاقه، اذ جنس الدرهم والدينار يصدق على كل سكه مضروبه للتعامل، ولو كان اقل كثيرا من المثقال الشرعى، مع ان عدم الاجتزاء بعشره آلاف منه اذا كان من فضه، والف منه اذا كان من ذهب مقطوع به. وان شئت قلت: يعلم بان الحكم ليس دائرا مدار عشره آلاف سكه تسمى بدرهم، او الف سكه تسمى بدينار مهما كان وزنه، فليس جنس الدرهم والدينار مرادا، بل المراد الدرهم والدينار المعهودان زمان صدور الروايات، وهما اللذان كان لهما وزن مخصوص اشرنا اليه فى الابحاث السابقه.

ومع لزوم حمل عنوان الدرهم والدينار على اراده ما كان معهودا من الدرهم والدينار لا ينعقد اطلاق فيه لغرض خروجهما عن الرواج والتعامل، لان ما هو المعهود كما كان بوزن مخصوص كذلك كان بصفه الرواج الفعلى وكونه نقدا يتعامل به، وهذه الخصوصيه يحتمل دخالتها فى الحكم، بل هو المناسب مع مثل هذا الحكم الذى هو من الضمانات الماليه، وتشهد عليه التعبيرات الوارده فى الروايات الاخرى.وهكذا لا يبقى اطلاق فى روايات الديه لما سقط عن التعامل والنقديه من الذهب والفضه المسكوكين مما كانا رائجين سابقا، فضلا عما يضربه اليوم الصيرفى. ومع عدم الاطلاق كذلك يكون المرجع اطلاق عدم اجزاء غير الاصناف الاخرى، او عدم اجزاء غير الابل المستفاد من ظهور دليله فى الانحصار فيه والذى لا يخرج عنه الا بما يثبت اجزائه، وهو خصوص الدرهم والدينار النقدين الرائجين لا اكثر.

واما الغاء الخصوصيه الجنسيه للنقد، وحمل الدرهم والدينار على مطلق النقد الرائج الممثل للماليه الخالصه، والذى يختلف من زمان الى آخر ومن بلد الى بلد، واصبح اليوم على شكل الاوراق النقديه -اسكناس- فاستفاده ذلك يكون باحد بيانين: البيان الاول ان نستفيد من روايات الديه ابتداء كفايه دفع قيمه كل صنف من الاصناف وعدم تعين دفع احد الاجناس بخصوصيتها، نعم لا يجزى دفع جنس آخر غيرها الا انه فيما بينها تلغى خصوصيه الجنسيه ولو باعتبارها اجناسا متباينه ويحمل الترديد بينها على كفايه جامع لها، وهى القيمه والماليه، وعدم دخل خصوصيتها الجنسيه فيه وعندئذ يقال بان الماليه للاجناس المذكوره اذا كانت هى حق المجنى عليه دون الخصوصيات للاجناس السته فيكفى فى دفعها دفع النقد الرائج، لانه يمثل عرفا الماليه الخالصه والجامعه المتحده مع ماليه كل جنس، ومن هنا قلنا فى بحث تعلق الخمس والزكاه بالمال بان تعلقهما لو كان بنحو الشركه فى ماليه المال لا الاشاعه كان دفع النقد الرائج مجزيا على القاعده فكذلك فى المقام اذا كان حق المجنى عليه متعلقا بماليه الاجناس، لا اعيانها امكن دفع قيمه واحد منها بالنقد الرائج على القاعده.


79

وهذا البيان غير تام، لان الظاهر من الترديد بين الاجناس بعنوان انها الديه تعلق حق الجانى باحد تلك العناوين بخصوصيتها لا بالماليه الجامع فيما بينها، فانه الغاء ايضا لظهورها فى خصوص مسمياتها، فكما لا يجوز الالغاء والتعدى الى جنس آخر، كذلك لا يجوز الغاوها والاكتفاء بمطلق النقد الرائج.

البيان الثانى ان نستفيد من ورود عنوان الدرهم والدينار ضمن الاصناف المذكوره تعلق الديه بالماليه للاجناس لا باعيانها وذلك بدعوى: ان الدرهم والدينار ينظر اليهما عرفا بما هما نقدان رائجان لا بما هما ذهب وفضه كسائر الاجناس. والنقد وظيفته تحديد قيم الاجناس الاخرى وقياسها ومحاسبتها والمبادله معها، ومن هنا يعتبر النقد ماليه خالصه وجامعه للاموال الاخرى، لانه بحكم سيوله المبادله بينه وبين كل جنس فكانه مجرد وخالص عن شوب كل جنس وخصوصيته.

فاذا ذكر ضمن احد امور يجب على الجانى دفع احدها خصوصا مع ذكر ان قيمه الاجناس الاخرى او بعضها، استفاد العرف من ذلك ان متعلق حق المجنى عليه ماليه تلك الاجناس وان ذكر الدرهم والدينار معها كان بهذا الاعتبار، فيلغى العرف خصوصيه تلك الاجناس بهذا المقدار لا بمقدار الانتقال الى اى جنس آخر، كما تلغى حينئذ خصوصيه كون النقد المذكور من جنس الذهب والفضه، ويتعدى الى كل ما يكون نقدا معبرا عن الماليه الخالصه.

وهذا البيان قريب من الذوق وقد تشهد عليه ما سنورده من النكات والقرائن الا ان لازمه بدليه الدرهم والدينار فى روايات الديه عن الاجناس الاخرى، او عن الابل على الاقل، لان ملاحظه الدرهم والدينار كنقد وماليه مشتركه لسائر الاجناس او بعضها مساوق مع لحاظ بدليتهما عن تلك الاجناس لا محاله، فلا بد وان يدفع من النقد الرائج بقيمه الابل او احد تلك الاجناس الاخرى ولا يجزى دفع قيمه الف دينار او عشره آلاف درهم، وهذا بخلافه على البيان الاول. والحاصل لحاظ النقديه المحضه فى الدرهم والدينار والغاء خصوصيتهما الجنسيتين يستلزم بدليتهما فى الماليه عن الابل او هى مع الاجناس الاخرى، فلا يمكن الجمع بين ذلك وبين اصاله الدرهم والدينار فى الماليه، بمعنى كفايه دفع قيمتهما من النقد الرائج اليوم.

لا يقال: اى مانع من ان يلحظ النقد مستقلا عن الاضافه الى جنس فيكون اصلا فى قباله كما اذا قال له ادفع الابل، او كذا من النقد اى ماليته من اى نقد رائج فتلغى خصوصيه نقد معين من دون ان يلزم معادلته مع قيمه الجنس كالابل؟فانه يقال: ماليه النقد وان كانت قابله للحاظ بالنقود الاخرى، الا انه بهذا يكون ذلك النقد ملحوظا بما هو جنس خاص من النقود، لا بما هو ماليه خالصه، وهذا رجوع الى البيان الاول، ولو فى خصوص عنوان الدرهم والدينار من السته. وان شئت قلت: ان النقديه المطلقه -لا اعنى الماليه المحضه المشتركه بين الاجناس - لا يمكن ان تلحظ الا من خلال تجريد النقد عن كل خصوصياته الا القوه الشرائيه الثابته فيه، والتى هى حيثيه اضافيه لا يمكن لحاظها الا بالقياس الى الاجناس الاخرى، فاذا كان الدرهم والدينار ملحوظين كذلك فى روايات الديه كان الملحوظ فيهما لا محاله معادلتهما مع مائه من الابل، وكونهما ثمن شرائها حيث كانت قوتها الشرائيه كذلك.

نعم لو فرض ازدياد قيمه الابل بالخصوص من دون نقصان قيمه النقد بلحاظ سائر الاجناس والسلع فالقوه الشرائيه والقيمه للنقد باقيه على حالها فيجزى دفعه بخلافه على البدليه عن الابل، الا ان هذا مجرد فرض فان الاختلاف ناشى‏ء من هبوط قيمه الدراهم لا صعود قيمه الابل، فالفضه اليوم لا تملك نفس القوه الشرائيه التى كانت لها سابقا، كما ان الدرهم والدينار لو اريد بهما النقد الرائج اى مالهما من القوه الشرائيه فلا ينبغى الاشكال فى ملاحظتهما بما هما قيمه لمائه من الابل، كما صرح بذلك فى الروايات، فاذا كانت القوه الشرائيه ملحوظه فيهما فهى قوه شراء مائه من الابل لا الاشياء الاخرى، وهذا يساوق البدليه لا محاله عن ماليه هذا الجنس، او هو مع الاجناس الثلاثه الاخرى.

ثم ان استظهار ملاحظه الدرهم والدينار فى الروايات الديه بعنوان مطلق النقد المعادل لماليه الاجناس الاخرى او بعضها على الاقل قد يتم بملاحظه عده امور: منها ورودهما بعنوان قيمه البعير او الابل او عشره دراهم بعنوان قيمه الدينار، فان مقام التقويم يناسب ملاحظه النقد، لانه الذى يقوم به، ويكون مقياسا لحساب القيم، ولا دخل فى ذلك لخصوصيه الجنس الذى يصنع منه النقد فى كل زمان، فيدعى ان هذا الارتكاز العرفى يلغى خصوصيه الذهب والفضه الماخوذين فى الدرهم والدينار لغه.


80

ومنها ما ورد فى بعض الروايات كصحيح الحكم من التعبير بالورق وان امير المومنين(ع) قسم الديه بعد ان كانت مائه من الابل قبل الاسلام على الورق، حينما كثرت بايدى الناس حيث قد يقال ان الورق وان فسر بالدرهم ايضا الا انه اعم فيشمل كل مسكوك يتعامل به او يقال ان التعبير بتقسيم الديه على الورق يشعر بان الورق نفس ماليه الابل بحيث صح تقسيمها عليه، وهذا انما يكون لو لوحظ فى الورق جنبه نقديته وماليته الخالصه، لا جنس الفضه فانه مباين مع الابل، لا معنى لتقسيمها عليه.

ومنها دعوى ان المناسب عرفا وارتكازا ان يكون الضمان فى باب الديه قيميا لا مثليا، اذ لا ارتباط بين المجنى عليه وبين جنس من الاجناس، كما فى ضمان المثليات، فلا يناسب ان يلزم المجنى عليه باخذ جنس معين الا ما جعله الشارع من اجل التسهيل على اهل كل صنف من تلك الاصناف من تجويز دفع الجانى ما يجده عنده، والا فالاصل فى الديه ان تكون تعويضا قيميا لا مثليا اى القيمه المشتركه بين الاجناس، وقد عرفت ان القيمه والماليه المحضه تكون بالنقد الرائج فى كل زمان.

ومنها معتبره اسحاق بن عمار المتقدمه بناء على الاستظهار الذى ذكرناه فيها، حيث عبر فيها عن الدراهم بانها عين المال فى قبال الذهب والمتاع وسائر الاجناس، فانها عروض، وهذا يعنى لحاظ الدرهم فى الروايات فى باب الديه والزكاه، بما هى نقد وعين الماليه، لا بما هى جنس خاص.

ومنها الروايات المتعرضه لجواز المعامله بالدراهم المغشوشه، اذا كانت تجوز بين الناس اى كانت نقدا رائجا عندهم، وهى عديده اهمها: 1- صحيح ابو العباس قال: سالت ابا عبد اللّه(ع) عن الدراهم المحمول عليها. فقال: اذا انفقت ما يجوز بين اهل البلد فلا باس وان انفقت ما لا يجوز بين اهل البلد فلا.

2- مرسله ابن ابى نصر عن رجل عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر(ع) قال: جاء رجل من سجستان فقال له: ان عندنا دراهم يقال لها الشاهيه يحمل على الدرهم دانقين فقال: لا باس به اذا كانت تجوز.

3- مرسله محمد بن يحيى عمن حدثه عن جميل عن حريز بن عبد اللّه قال: كنت عند ابى عبد اللّه(ع) فدخل عليه قوم من اهل سجستان فسالوه عن الدراهم المحمول عليها فقال: لا باس اذا كان جوازا لمصر (جواز المصر).

4- وعلى هذا يحمل مثل صحيح محمد بن مسلم قال: سالته عن الدراهم المحمول عليها. فقال: لا باس بانفاقها((200)).

5- روايه زيد الصايغ قلت لابى عبد اللّه(ع): انى كنت فى قريه من قرى خراسان يقال لها بخارى، فرايت فيها دراهم تعمل ثلث فضه، وثلث مسا، وثلث رصاصا، وكانت تجوز عندهم وكنت اعملها وانفقها. قال: فقال ابو عبد اللّه(ع): لا باس بذلك، اذا كان تجوز عندهم. فقلت: ارايت ان حال عليها الحول وهى عندى وفيها ما يجب على فيه الزكاه ازكيها؟ قال: نعم انما هو مالك. قلت: فان اخرجتها الى بلده لا ينفق فيها مثلها فبقيت عندى، حتى حال عليها الحول ازكيها؟ قال: ان كنت تعرف ان فيها من الفضه الخالصه ما يجب عليك فيه الزكاه فزك ما كان لك فيها من الفضه الخالصه من فضه، ودع ما سوى ذلك من الخبث. قلت: وان كنت لا اعلم ما فيها من الفضه الخالصه الا انى اعلم ان فيها ما يجب فيه الزكاه، قال: فاسكبها حتى تخلص الفضه ويحترق الخبيث ثم تزكى ما خلص من الفضه لسنه واحده((201)).

وظاهر مثل هذه الروايات ان الدرهم ملحوظ بما له من الماليه والقيمه التبادليه المحضه، مع قطع النظر عن خصوصيه جنسه، حيث جعل المدار فيها على الجواز والرواج فى البلد، سواء كان خالصا ام مغشوشا، فلا خصوصيه لجنس الفضه، وانما الميزان فى الاحكام المتعلقه بالدرهم بكونه رائجا بعنوان النقد ووسيله التعامل والماليه المحضه عند الناس، والتعبير بانفاقه يشمل تمام انحاء الانفاق سواء جعله ثمنا فى البيع والشراء او دفعه فى اداء الدين والضمانات او الديات والحقوق الشرعيه، بل صريح روايه زيد ان ذلك هو الموضوع ايضا لتعلق الزكاه به، حيث حكمت فى جواب السوال الثانى بانه ان حال على الدراهم الحول فى البلد الذى تجوز فيه وفيها ما يجب عليه، فيه الزكاه تعلق فيها الزكاه، وظاهره تعلق الزكاه ببلوغ نفس الدراهم النصاب اى المائتين، لا بلوغ خالص الفضه فيها ذلك، والا كان اللازم التقييد بذلك وتوضيحه كما صنع فى جواب السوال الثالث.


81

لا يقال: نظر هذه الروايات الى جواز انفاق الدرهم المغشوش وحرمته من حيث كونه مغشوشا، فيكون انفاقه غشا محرما فى المعامله، وليس النظر فيها الى ترتب احكام النقد والدرهم الحقيقى على الدرهم المحمول عليه، ولهذا وقع السوال فى بعضها عن عمل الدرهم المغشوش وصنعه كما فى روايه زيد الصائغ، فانه يقال: هذه الحيثيه وان كانت ملحوظه فى الروايات وقد يناسبه ايضا ما ورد من الامر بكسر الدرهم المغشوش واتلافه تجنبا من تداوله ووقوع الغش بذلك على من يصل اليه، الا انه لا اختصاص لها بالنظر الى هذه الحيثيه فقط، بل يستفاد من نفس تعليق الحكم بجواز الاتفاق على كون الدرهم رائجا بين الناس ومتخذا من قبلهم كنقد ووسيله للتبادل الاطلاق وترتيب احكام النقديه على كل ما يتخذ كذلك بين الناس.

وان ابيت الا عن انعقاد اطلاق لفظ‏ى فلا اقل من اطلاق مقامى لهذه الروايات يقتضى ذلك، لان الاذن فى انفاق الدرهم المحمول عليه فى الخارج يستلزم عرفا انفاقه فى تمام الاغراض التى يبتلى بها المكلف والتى منها دفع الحقوق الشرعيه والشخصيه كالضمانات والديات والزكاه وغيرها، فيكون السكوت عن عدم جواز انفاقها فى ذلك منشا لاطلاق مقامى دال على جواز انفاقها فى ذلك ايضا، والا كان على الامام(ع) ان ينبه على عدم الاجتزاء به فى ذلك، وقد يشهد ى‏ى‏ى‏ى‏على هذا الاطلاق ما نجده فى روايه زيد الصايغ من السوال عن ترتب الزكاه على مثل هذه الدراهم اذا بلغت ما يكون فيه الزكاه فكان حكم الامام(ع) بجواز انفاقها اوجب ان ينسبق الى ذهنه ترتب احكام الدرهم الحقيقى عليها.

لا يقال: غايه ما تدل عليه هذه الروايات جواز انفاق الدرهم الذى يكون مغشوشا وترتب احكام الدرهم الحقيقى عليه، وهذا مختص بما اذا كان اصل الفضه موجودا فيه، ولكنه ليس خالصا.

وان شئت قلت: ان الدرهم المغشوش ايضا نقد حقيقى لا اعتبارى، فكيف يتعدى الى الاسكناس والنقود الاعتباريه المحضه فى ترتيب تلك الاحكام.

فانه يقال: ظاهر تعليق الحكم بجواز انفاق الدرهم المغشوش على رواجه وجوازه بين الناس ان هذه الحيثيه هى تمام الميزان والمعيار للحكم فى باب النقد واحكامه، لا كون الدرهم من الفلز الفلانى او غيره، وان شئت قلت: كما تلغى هذه الروايات خصوصيه الفضه الخالصه كذلك تلغى خصوصيه اى جنس آخر، وخصوصيه كون النقدين سلعه حقيقيه، وتجعل الرواج والاعتبار بين الناس هو معيار النقديه والملاك فى جواز الانفاق، وهو الملحوظ فى الدرهم والدينار فى اطلاق الشارع واستعمالاته لهما، وترتيب الاحكام عليها، خصوصا اذا كان ذكرهما فى قبال الاجناس الاخرى وبعنوان انه قيمه لها او لبعضها كما فى باب الديات. فيكون ذكر الدرهم والدينار فى روايات الديه باعتبار انهما النقدان الرائجان وقتئذ، فيجوز اعطاء اى نقد رائج بمقدارهما. الا انه قد يقال: بانه لا يكفى عندئذ دفع قيمه الف مثقال من الذهب او سبعه آلاف فضه من النقد الرائج، بل لا بد من دفع قيمه الابل، او احد الاجناس الاخرى، لان الدرهم والدينار عندما يلحظان كنقدين رائجين يكون الملحوظ قوتهما الشرائيه لا قيمه الجنس الموجود فيهما، وحيث ان الروايات قد صرحت بملاحظتهما بما هى قيمه الابل، او انه امير المومنين(ع) قد قسم الديه بعد ان كانت تعط‏ى من الابل على الدراهم عندما كثرت ى‏ى‏ى‏ى‏الدراهم، فقد يحصل الجزم عندئذ بان اللازم دفع ما يعادل قيمه الابل او احد الاجناس الاربعه من النقد الرائج اليوم وهو الاسكناس.

ويمكن ان نستنتج من مجموع ما تقدم فى الجهات السابقه عدم اجزاء دفع مثل الدراهم اليوم او قيمتها بمقدار عشره آلاف بعنوان الديه وذلك لعده جهات.

(الاول) ما تقدم فى الجهه السابقه من ظهور الروايات فى كون الاصل فى الديه مائه من الابل من حيث الماليه بحيث لا بد من حفظ ماليتها فى الاجناس الاخرى خصوصا فى الدراهم، حيث جاءت بعنوان انها قيمه الابل وهى اليوم اقل بكثير عن ذلك.

(الثانى) لو سلمنا ما استظهره المشهور من ان كل الاجناس السته اصول فى نفسها مع ذلك نمنع اطلاق الروايات لغرض نقصان ماليه واحد منها نقصانا فاحشا كما فى الدراهم اليوم، ولهذا وجدنا الروايات حددت الديه فى الدراهم الاقل قيمه من ناحيه الوزن باثنى عشر الفا، فاذا كان نقصان الماليه بنقصان الوزن بنسبه السدس موثرا فكيف لا يكون نقصان الماليه بنسبه هائله حتى اصبحت الفضه اليوم اقل من عشر قيمتها سابقا غير موثره فى الحكم المذكور الذى هو تعويض مالى للمجنى عليه عن خسارته، لمجرد ان مقدار الوزن محفوظ فيه. فان هذا قد يناسب الاحكام التعبديه لا باب الضمانات وتدارك الخساره والضرر المادى اللاحق بالغير فى حقوق الناس فهذه النكته كما تمنع عن انعقاد اطلاق فى روايات عشره آلاف درهم للدرهم الساقط سقوطا مطلقا عن الماليه لو فرض ذلك، كذلك تمنع عن اطلاقها لغرض انخفاض قيمته انخفاضا فاحشا، بل فى السنه روايات الديه ما تدل بوضوح على ملاحظه الشارع للتناسب بين الاصناف السته فى القيمه والماليه، ودخاله ذلك فى هذا الحكم، وهذا يمنع عن انعقاد الاطلاق المذكور، ويجعله على الاقل منصرفا الى فرض التساوى او التقارب بينها فى القيمه، كما كانت كذلك سابقا.


82

(الثالث) لو تنزلنا عن ذلك فلا ينبغى الاشكال فى عدم اطلاق روايات الدرهم والدينار، للمسكوك من الفضه والذهب اليوم بعد خروجهما عن التعامل والنقديه، بل اصبحا كسائر الاجناس والسلع الحقيقيه، اما لعدم صدق الدرهم والدينار عليهما، او على اساس الانصراف الى النقد الرائج منهما، او على اساس نكات وقرائن فى السنه رواياتهما. ومع عدم تماميه الاطلاق من هذه الناحيه لا يكون دفعهما مجزيا كما تقدم بيانه.

(الرابع) لو فرضنا الاطلاق فى جميع الوجوه المتقدمه مع ذلك لم يكن دفع قيمه الفضه مجزيا اليوم مع عدم رضى المجنى عليه او وليه، سواء مع تعذر دفع الاصناف الاخرى او عدم تعذره. اما فى صوره عدم تعذر دفع احد الاجناس الاخرى فواضح، لان مقتضى اشتغال ذمه الجانى باحدها للمجنى عليه بخصوصياتها انه يجب عليه دفع احدها مع التمكن، وما دام يمكنه دفع واحد منها يجب عليه ذلك، ولا ينتقل الى القيمه بعد ان لم يكن دليل على اجزاء دفعها ابتداء.واما فى صوره تعذر الجميع فلانه لا دليل على ان ذمه الجانى قد اشتغلت بالجامع فيما بينها بحيث يجزى دفع قيمه كل واحد منها عند التعذر، كما فى ضمان المثليات، وانما المقدار الثابت هو التخيير فيما بين نفس الاجناس السته مهما بلغت قيمتها، وهذا لازم اعم من دخولها جميعا فى الضمان بنحو يجزى قيمه كل واحد عند التعذر، بل نحتمل انه عند تعذرها جميعا يجب دفع قيمه واحد منها تعينا وهو مائه من الابل. كما هو مقتضى مفهوم الحصر فى قوله(ع): الديه مائه من الابل.

وتمام النكته فى ذلك انه انما اجتزى بدفع سائر الاجناس مهما بلغت قيمتها من باب التعبد الذى هو مبنى الاطلاق من الوجوه المتقدمه، لا من باب ضمان قيمه الجنايه والتى لا تختلف فى الماليه، فلا دليل على ان شغل الذمه بالاجناس المذكوره يكون على غرار الضمانات المثليه بحيث ينتقل الى القيمه عند التعذر، فلا دليل على الاجتزاء بدفع قيمه اقلها فى الماليه، بل يكون المرجع عندئذ اطلاق (الديه مائه من الابل) المقتضى بقاء شغل الذمه به فى فرض تعذره فلا تفرغ ذمه الجانى الا بدفع قيمه مائه من الابل.

وان شئت قلت: ان التخيير بين الاجناس السته لا يستلزم التخيير بين قيمها المتفاوته تفاوتا فاحشا عند التعذر لا عقلا -كما هو واضح- ولا عرفا لعدم عرفيه ذلك فى باب الضمانات، فلا يمكن استفاده اجزاء قيمه اقلها حتى عند تعذر الجميع، وعندئذ يكون مقتضى اطلاق (الديه مائه من الابل) لزوم دفع ما يمكن دفعه منه وهو ماليتها وقيمتها بعد فرض العلم بعدم هدر حق المجنى عليه بتعذر الاجناس.

تلخيص واستنتاج:

تقدم ان تخريج الاجتزاء بدفع الديه بالنقود الورقيه الرائجه اليوم يكون له احد اساسين.

الاول ان يستفاد ابتداء من روايات الديه تخيير الجانى بين دفع احد الاجناس السته، او دفع قيمته حيث يكتفى فى دفع القيمه بالنقد الرائج فى البلد. وقد تقدم ان هذه الاستفاده لا يساعدها مقام الاثبات والدلاله لانه الغاء خصوصيه الاجناس وحملها على التخيير بينها وبين قيمه واحد منها خلاف ظاهر الاولى. فيكون مقتضى القاعده وجوب دفع احدهما بالخصوص مع الامكان وعدم الاجتزاء بدفع قيمته لا من جهه اصاله الاشتغال لكى يقال بان هذا من الشك فى اصل التكليف وتعلقه بالخصوصيه، او بالجامع بينها وبين القيمه، والاصل فيه البراءه حتى اذا كان بنحو التعيين والتخيير فضلا عما اذا كان بنحو الاقل والاكثر على ما هو محقق فى محله بل من جهه ان مقتضى مفهوم الحصر المستفاد من الاقتصار فى روايات الديه على الاجناس السته عدم اجزاء غيرها مع امكان احدها فلا تصل النوبه الى البراءه كما هو واضح.

الثانى استفاده ذلك من عنوان الدرهم والدينار بعد استظهار ان المراد منهما فى السنه الروايات لولا القرينه على الخلاف مطلق النقد الرائج لا النقد الخاص، وفى خصوص روايات الديه يتاكد ذلك باعتبار ما فيها من القرائن والمناسبات الداله على ملاحظه الدرهم بما هو نقد رائج يكون قيمه للاجناس، بحيث يمكن اعطاء ما يعادله من اى نقد آخر اذا كان رائجا. وهذا الاستظهار هو الذى فى الجهه السابقه.


83

وعلى هذا الاساس ينفتح البحث حنيئذ كما اشرنا اليه فى تلك الجهه عن كيفيه محاسبه ذلك فهل يكفى اعطاء ما يعادل قيمه عشره آلاف درهم بمعنى سبعه آلاف مثقال من الفضه الخالصه اليوم، لان قيمه الدرهم الذى هو نقد حقيقى تكون على اساس قيمه جنسه لا اكثر فى الاعم الاغلب.

او لا بد من اعطاء ما يعادل قيمه مائه من الابل او الف دينار، او الماليه المشتركه بين الاجناس الاربعه، اى ما يعادل قيمه احدها على الاقل.

الصحيح: ان هذا يختلف باختلاف ما نستظهره من الروايات المتقدمه فى الجهات السابقه، فتاره نبنى على استفاده ان الاصل فى الديه من حيث الماليه مائه من الابل، كما استفدناه من مثل صحيح الحكم الذى ورد فيه (يحسب لكل بعير مائه درهم فذلك عشره آلاف) فعندئذ يكون مقتضى الجمع بين ذلك وبين ان الدرهم ملحوظ بعنوان مطلق النقد الاجتزاء بمطلق النقد الرائج المعادله لقيمه مائه من الابل لا اقل من ذلك.

واخرى لا نبنى على ذلك، ولكن نستفيد اشتراط ان يكون الدرهم فى الديه كل عشره منه بدينار من مثل صحيح ابن الحجاج الوارد فيه (قيمه كل دينار عشره دراهم) وعندئذ ايضا لا بد ملاحظه قيمه الف دينار فى دفع النقد الرائج.

وثالثه لا نستفيد ذلك ايضا، ولكن يقال بان ظاهر ذكر الاجناس الاربعه معا فى مقام دفع الجانى للديه التى هى تعويض مالى للمجنى عليه اراده الماليه المشتركه فيما بينها، وان ذكر الدرهم والدينار معها باعتبارهما ثمنا وقيمه لكل واحد منها، لا باعتبار قيمه نفسيهما، وان هذا هو المناسب مع ملاحظه الدرهم والدينار بما هما نقدان لوحظ تقييم الاجناس الاخرى وحساب ماليتها بهما، فلا يكونان ملحوظين الا بما هما مضافان الى تلك الاجناس، اى بما هما ثمن لتلك الاجناس، وعندئذ ايضا لا بد فى مقام دفع الديه بالنقد الرائج اليوم مراعاه قيمه احد الاجناس الاربعه، لان هذا هو المعادل لقيمه الدرهم والدينار الملحوظين كثمن للاجناس فى روايات الديه.

ورابعه لا نستفيد ذلك ايضا. بل يدعى ان الدرهم او الدينار ملحوظان كنقدين ماليتهما فى نفسيهما فان حيثيه النقديه لا تنافى ملاحظه النقد بماله من ماليه مستقله عن الاضافه الى الاجناس الاخرى، فاذا الغيت خصوصيه كونه نقدا معينا يتعدى الى مطلق النقد الرائج المعادل لقيمه ذلك النقد من حيث الماليه، وهذا هو مبنى فتوى المشهور باصاله الاجناس السته كلها. فقد يقال عندئذ بان مقتضى اطلاق روايات الدرهم الملحوظ بما هو نقد رائج كفايه دفع مطلق النقد الرائج فى الديه بما يعادل قيمه عشره آلاف درهم، اى سبعه آلاف مثقال فضه خالصه، لان قيمه الدرهم بما هو نقد مقارب او معادل لقيمه مقدار جنسه الحقيقى عاده، فلو كانت الدراهم مسكوكه اليوم من الجنس الحقيقى كالفضه بدلا عن النقود الورقيه كان قيمتها بما هى نقد مساويه لقيمتها بما هى فضه او قريبا منها فيكفى دفع قيمه الجنس بذلك المقدار بالنقد الرائج اليوم.

الا ان هذا الاطلاق مما لا يمكن المساعده عليه: اذ مضافا الى عدم وجود مثل هذا الاطلاق فى روايات الديه على ما شرحناه فى الجهات السابقه ان ما ذكر من ان النقد اليوم لو كان حقيقيا اى بالدرهم كانت قيمه الدرهم مساويه مع قيمه 7/10 مثقال من الفضه الخالصه بسعر اليوم غير صحيح، لان النقد الحقيقى وان كان مساويا او مقاربا فى القيمه غالبا لقيمه الجنس الموجود فيه الا ان نفس استخدام الجنس اعنى الفضه فى ضرب النقود وكثره استعمالها والحاجه اليها فى التداول والمبادلات احد اهم العوامل الموثره فى ارتفاع قيمه ذلك الجنس ارتفاعا هائلا ولعل من اهم اسباب سقوط قيمه الفضه اليوم سقوطا فاحشا انما هو خروجها عند دائره النقود التى يتعامل بها وعدم الحاجه اليها الا فى الاغراض الاستهلاكيه، وهى نادره جدا بالقياس الى الحاجه للنقد، وانما لم يسقط الذهب عن الماليه بهذا المقدار لتوفر الطلب عليه فى الاغراض الاستهلاكيه الاخرى كالزينه ونحوها وندرته الوجوديه ايضا، بالقياس الى الفضه وقله استعماله فى النقد بالقياس الى الدراهم الورق كما يظهر من مراجعه تاريخ رواج الدرهم والدينار فى المعاملات.

فبقى الذهب محافظا على جزء معتد به من قيمته السابقه بخلاف الفضه. فالحاصل لا يصح التمسك باطلاق روايات عشره آلاف درهم على فرض تماميه الاطلاق فيها الا بالنسبه الى الدراهم التى كانت رائجه فى الازمنه السابقه والتى كانت النقود الرائجه فيه حقيقيه ومتخذه من الفضه، والتى كانت لا محاله قيمتها اكثر بكثير من قيمه الفضه اليوم، لكثره الطلب عليها من اجل ضرب السكه والتعامل بها فى التجارات والمعاملات وغيرها من اغراض النقد، ولعلها كانت تعادل قيمه الف دينار ومائه بعير وقتئذ.


84

وبهذا يظهر وجه آخر لعدم الاجتزاء بدفع قيمه الفضه اليوم فى الديه مع تعذر الاجناس الاخرى، فضلا عن فرض عدم تعذره حتى على مبنى المشهور من استفاده الاصاله للاجناس السته جميعا، والاطلاق فيها لغرض تفاوت قيمها السوقيه زياده ونقيصه، لان هذا لا يعنى ان قيمه الدرهم اليوم يساوى قيمه 7ر10 مثقال فضه خالصه كما شرحنا.

واما ما يمكن ان يصاغ اليوم على شكل الدراهم السابقه فقد تقدم انه ليس درهما ولا نقدا رائجا، فلا يتوهم امكان الاجتزاء بدفعه فى الديه اذا صنعه الجانى او حصل عليه.

ومن هنا لا ينبغى التامل فى انه لو اريد دفع الديه بالدرهم من النقود الورقيه الرائجه اليوم كان اللازم مراعاه قيمه احد الاجناس الاربعه على الاقل واللّه العالم بحقايق الامور.

والحمد للّه رب العالمين والصلاه والسلام على نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

مدى سلطه الحاكم على العفو فى العقوبات

يتطلب البحث فى هذه المساله، وتنقيح جهاتها الحديث فى ثلاثه انحاء من العقوبات: 1- عقوبات الحدود التى تكون من حقوق اللّه، كحد الزنا، وشرب الخمر والسرقه.

2- عقوبات تكون حقا من حقوق الناس، كالقصاص، وحد الفريه.

3- عقوبات التعازير.

1- عقوبات الحدود التى تكون من حقوق اللّه، كحد

الزنا، وشرب الخمر والسرقه.

فى القسم الاول: اما البحث، فى القسم الاول، فينبغى اءن يعلم مسبقا اءن المقصود بالحدود التى تكون من حقوق اللّه ما اذا كان الحد نفسه والعقاب مجعولا كحق للّه على المجرم، سواء اكان سببه مخالفه امره سبحانه محضا، كما فى شرب الخمر والزنا، ام كان فيه عدوان على الناس ايضا، كما فى السرقه، فانها وان كانت اعتداء على المسروق منه، الا ان عقوبه القطع فيها لم تجعل له بحيث يملك قطع يد السارق، كما فى عقوبه القصاص والفريه، وانما هى عقوبه ونكال من اللّه بما كسب، كما صرحت به الايه الشريفه، وكما هو المسلم فقهيا، وقد دلت عليه جمله من الروايات اصرحها صحيح فضيل عن ابى عبداللّه(ع) فى حديث: (اذا اقر على نفسه عند الامام بسرقه قطعه، فهذا من حقوق اللّه)((202)).

نعم يوجد فرق بين هذا النحو من حقوق اللّه وبين ما يكون من حقوق اللّه محضا، كحد الزنا وشرب الخمر، من حيث ان السبب والموضوع للقطع فى السرقه حيث كان عدوانا على حقوق الناس ايضا -اعنى المسروق منه- امكن له اءن يعفو عن السارق، او يهبه المال، فلا يقام عليه الحد، وهذا يعنى ان حد القطع فيه جنبتان، فمن حيث اصل العقوبه حق من حقوق اللّه، قد جعله على من يعتدى على اموال الاخرين ويسرقها من محرزها، ولم تجعل عقوبه القطع ملكا للمسروق منه، ولكن فى الوقت نفسه من حيث ان موضوع هذا الحد هو العدوان على مال الاخرين، وهو حق تابع لارادتهم فلا يمكن اءن يثبت هذا العدوان الا فى طول عدم رضاه وعفوه عنه، فمن هذه الناحيه يكون من حقوق الناس. فالحاصل ثبوت موضوع هذا الحد، وهو العدوان على الاخرين من حقوق الناس وتابع لارادتهم، لا اقامته وانزاله بالمجرم، ولازم ذلك واثره اءن اثبات موضوع الحد يكون حقا للمسروق منه فلا يثبت بالبينه الحسبيه بخلاف ما يكون من حدود اللّه محضا، كالزنا وشرب الخمر، كما ان لازمه اءنه لو عفا عن السارق بنفسه عند الحاكم، او رفعه اليه وثبت عنده بالبينه ثم اراد المسروق منه العفو، فانه لا يملكه، لان عقوبه القطع ليست ملكا له، بل هى من حقوق اللّه، وهذه مرتبه من الحقيه للناس بين ما هو من حقوق الناس محضا بحيث يكون منوطا بمطالبتهم، لكونه ملكا لهم، كالقصاص وحد الفريه، وبين ما هو من حقوق اللّه محضا كحد الزنا وشرب الخمر، وهذا ما يستفاد من روايات عديده معتبره، كصحيح الحلبى ومعتبره سماعه((203)).

وبهذا البيان يظهر الجواب عن دعوى المعارضه بين مثل صحيح فضيل المتقدم الدال على اءن القطع فى السرقه من حقوق اللّه، فلا يشترط بعد ثبوته بالاقرار ان ينتظر المسروق منه يطالب به، وبين روايه الحسين بن خالد: (واذا نظر اى الامام الى رجل يسرق اءن يزبره وينهاه ويمضى ويدعه، قلت: وكيف ذاك؟ قال: لان الحق اذا كان للّه فالواجب على الامام اقامته. واذا كان للناس فهو للناس)((204)). فان هذه الروايه، لو تمت سندا من ناحيه المحمودى وابيه، فهى لا تدل على ان حد القطع من حقوق الناس بحيث لا يمكن للامام اقامته الا بعد حضور المسروق منه ومطالبته باقامته على السارق، وانما تدل على انه فى مورد الحد اذا كان هناك حق للناس سواء فى طرف العقوبه نفسها والمطالبه بها، او بلحاظ اثبات موضوعها فلا يجب على الامام اقامته بمجرد مشاهدته للجريمه، بل هو متروك للناس. وبتعبير آخر هناك حقان: المرافعه وسحب المدعى عليه الى الحاكم، لاثبات الجرم، وحق نفس الحد والعقوبه والجريمه اذا لم يكن فيها عدوان على الناس بل مجرد معصيه للّه كشرب الخمر والزنا كان كلا الحقين المذكورين للحاكم، فلو وجد من يزنى ويشرب الخمر اقام عليه الحد، ولم ينتظر من يرفعه اليه، واذا كان فيها عدوان على الناس، وكانت العقوبه مجعوله لهم كان اقامه الحد والمرافعه كلاهما للناس فيمكن للمدعى عليه ان لا يرفع. كما انه لو رفعه الى الحاكم وثبت امكنه ايضا العفو عن نفس الحد والعقوبه، كما فى القصاص وحد القذف، وان كان فيها عدوان على الناس ولكن الحد والعقوبه لم تجعل للمعتدى عليه كما فى السرقه، كان حق المرافعه للناس فلا تقبل البينه الحسبيه، كما لا يجب على الامام ان يقيم الحد بمجرد مشاهده الجريمه وعلمه بها، ولكن لو رفعه المسروق منه وجب قطعه، ولم يمكن له العفو عنه، لانه ليس ملكا للمسروق منه، وروايه الحسين بن خالد ناظره الى الحق الثانى، اى حق المرافعه فى السرقه، وهو حق الناس، بينما صحيح فضيل ناظر الى الحق الاول، اى كون الحد بنفسه للّه، فلا تعارض بينهما، فيكفى ان يكون الحد بنحو بحيث للمسروق منه ان يعفو عن السارق، قبل الرفع الى الحاكم، وان لم يملكه بعد الرفع فى عدم وجوب الاقامه على الحاكم بمجرد مشاهدته للجريمه، اذ لعل المعتدى عليه يريد العفو لا الرفع الى الحاكم، فلا بد من ان يترك للناس، فلا تعارض بين الروايات من هذه الناحيه.


85

ثم ان البحث عن عفو الحاكم من الحدود التى هى من حقوق اللّه نورده ضمن جهات: الجهه الاولى: ان مقتضى اطلاق ادله الامر باقامه الحدود من الايات، ك‏ايه حد الزنا والسرقه، والروايات الداله عليها عدم جواز ترك الحد او العفو عنه بعد ثبوت موضوعه، بحيث كلما شك فى جواز العفو فى مورد، ولم يقم عليه الحد دليل خاص كان المرجع تلك العمومات، ومما يوكد ذلك بل يدل عليه ايضا جمله من الروايات بالسنه مختلفه، فتاره بلسان ان الحد اذا انتهى الى الامام فليس لاحد ان يتركه مستشهدا بقوله تعالى: (والحافظين لحدود اللّه)، كما فى معتبره سماعه المتقدمه، واخرى بلسان ان الحد لا يضيع كما فى موثق محمد بن قيس((205))، وثالثه: بلسان لا يشفعن احد فى حد اذا بلغ الامام، فانه لا يملكه، كما فى روايه السكونى((206))، ورابعه: بلسان عدم جواز ابطال الحد، وان من عطل حدا من حدود اللّه فقد عاند اللّه، وطلب مضادته، كما فى روايه ميثم((207))، وقد نقلها الكلينى بسند آخر معتبر عن خلف بن حماد، فلو لم يستبعد روايه خلف عن ابى عبداللّه صح السند بهذا الطريق، الى غير ذلك من التعبيرات.

وقد استدل بعض الاعلام (قدس اللّه اسرارهم) على عموم حق العفو للامام بصحيح ضريس الكناسى عن ابى جعفر(ع) قال: (لا يعفى عن الحدود التى للّه دون الامام، فاما ما كان من حق الناس فى حد فلا باس بان يعفى عنه دون الامام)((208)) مدعيا بانها مطلقه فى نفسها، ولا بد من رفع اليد عن اطلاقها بما اذا ثبت الحق بالبينه، فانه لا بد من اقامته عندئذ ولا يعفى عنه((209)).

الا ان الظاهر ان الروايه اجنبيه عن ذلك، وانما هى ناظره الى المساله المتقدمه من ان الحدود التى تكون فيها حق للناس يمكنهم ان يعفوا عنها عند الامام او قبل الوصول الى الامام، بخلاف ما يكون للّه محضا، فقوله(ع): (دون الامام) اما ان يراد به عند الامام، او يراد به قبل ان يصل الى الامام، واما اراده (الغير) بالدون فهو غير محتمل، لانه لا يناسب مع (لا يعفى) المبنى للمفعول فى الفقرتين معا، بل كان ينبغى ان يقول: لا يعفو عن الحدود التى للّه دون الامام، واما فى حقوق الناس، فلا باس بان يعفو عنه دون الامام) اى غيره، وهذا واضح، بل على هذا ايضا لم يكن يدل على عموم حق العفو للامام، وانما يدل على ان غيره لا حق له فى العفو فى حقوق اللّه اصلا، اما الامام فهل له الحق مطلقا، او فى الجمله، فهذا لا دلاله للحديث عليه، حتى على فرض اراده (غير) من (دون)، لعدم المفهوم للقيد باكثر من السالبه الجزئيه، على ما هو محقق فى محله.

الجهه الثانيه: ان الروايات وفيها المعتبره قد دلت على ان للامام حق العفو فى حقوق اللّه اذا كان الذنب ثابتا بالاقرار، دون ما اذا كان ثابتا بالشهاده والبينه.

(منها): معتبره طلحه بن زيد عن جعفر(ع) قال: حدثنى بعض اهلى ان شابا اتى امير المومنين(ع) فاقر عنده بالسرقه، قال: فقال له على(ع): انى اراك شابا لا باس بهبتك، فهل تقرا شيئا من القرآن، قال: نعم، سوره البقره. فقال: قد وهبت يدك لسوره البقره، قال: وانما منعه ان يقطعه لانه لم تقم عليه بينه((210))، وهى معتبره بسند الشيخ، لا الصدوق، فانها مرسله، والظاهر انها مرسله البرقى التى ينقلها الشيخ بسنده عنه ايضا، لتطابقها مع نقل الصدوق من حيث المتن، ودلالتها على التفصيل واضحه، الا انه قد يستشكل فى الاستدلال بها باحد نحوين: 1- انها تعكس قضاء امير المومنين(ع)، وهو امام معصوم، فلعل الحكم المذكور مخصوص به، ولا يحق لغيره من الحكام.الا اءن هذا الاشكال خلاف ظهور نقل الامام الصادق(ع) لهذه القضيه الى طلحه بن زيد ثم التعليل والتعقيب عليها بقوله: (انما منعه ان يقطعه لانه لم تقم عليه بينه، فان هذا ظاهر فى ان هذا هو تمام الملاك لحق العفو، لا كون الحاكم شخصا خاصا وهو المعصوم.

2- انها وارده فى خصوص حد القطع فى السرقه، فلا يمكن التعدى منه الى سائر الحدود التى هى من حقوق اللّه كالجلد والرجم ونحو ذلك، واحتمال الفرق موجود.


86

ويمكن الجواب عنه باستظهار التعليل ذيل الروايه عرفا، وان ذكر القطع من باب كونه المورد. وان شئت قلت: ان ذيل الحديث كانه دفع دخل واشكال مركوز فى اذهان المتشرعه، هو انه كيف يعطل حد من الحدود الشرعيه بعد ثبوته؟، وحيث ان هذه النكته لا تختص بحد السرقه بالخصوص فيكون الجواب ايضا ظاهرا فى العموم، وان الحد انما لا يملكه الحاكم اذا قامت به البينه، ومما يويد هذا الفهم ما جاء فى نقل الحديث نفسه والقضيه بطريق البرقى عن بعض اصحابه عن بعض الصادقين، حيث جاء فى ذيله: (. قال فقال الاشعث: اتعطل حدا من حدود اللّه؟، فقال: وما يدريك ما هذا؟ اذا قامت البينه فليس للامام ان يعفو، واذا اقر الرجل على نفسه فذاك الى الامام ان شاء عفا، وان شاء قطع)((211)). وذكر جمله: (ان شاء عفا وان شاء قطع) فى الذيل ظاهر فى الاستنتاج والتطبيق، لا التقييد للكبرى المبينه اولا، فالروايه واضحه الدلاله على حق العفو للحاكم فى حقوق اللّه اذا لم تقم عليه بينه.

ومنها: معتبره مالك بن عطيه المفصله الوارده فى حد اللواط((212)) الا ان احتمال اختصاصها بحد اللواط لا دافع له خصوصا مع ملاحظه كون القتل كالرجم فى المحصن يرفع اليد عنه باقل سبب بخلاف الحد الذى هو دون النفس كالجلد والقطع، ولهذا لو جحد المقر بعد اقراره يرفع عنه الرجم دون الجلد، ومن هنا قيد بعض الفقهاء كابن ادريس اختيار الامام وحقه فى العفو بما اذا كان الحد رجما.

هذا مضافا الى ان فى مورد الروايه فرض توبه المجرم تلك التوبه التى ابكت الامام والاصحاب وملائكه السماء والارض، فلعل سقوط العقوبه كان بسببها، لا من ناحيه عفو الامام، بل قد يقال بظهور ذيلها فى ذلك، حيث لم يبين فيه ان الامام قد وهبه وعفا عنه، كما فى معتبره طلحه، وانما ذكر فيه ان اللّه قد تاب عليك، وهذا انسب مع مسقطيه التوبه، ولو بعد ثبوت الجرم اذا كان باقرار مثلا، ولا اقل من الاجمال من هذه الناحيه، وعلى كل حال فلا اطلاق لها لفرض عدم ظهور التوبه من المجرم، كما لا يخفى.

ومنها: ما نقله فى تحف العقول عن ابى الحسن الثالث(ع) فى حديث قال: واما الرجل الذى اعترف باللواط فانه لم يقم عليه البينه وانما تطوع بالاقرار من نفسه، واذا كان للامام من اللّه ان يعاقب عن اللّه كان له ان يمن عن اللّه، اما سمعت قول اللّه: (هذا عطاونا فامنن او امسك بغير حساب)((213)).

وهى ايضا واضحه الدلاله على الكبرى الكليه، لظهور ذيلها فى اعطاء ضابطه عامه فى كل ما يكون حقا من حقوق اللّه، لا خصوص حد اللواط. الا انه لا سند لها، حيث ان ابن شعبه قد اسقط اسانيد كتابه من اجل الاختصار فحرمنا من طرقها.الجهه الثالثه: ان المشهور قيدوا عفو الحاكم فى موارد ثبوت الجرم بالاقرار بما اذا تاب ايضا، فمتى لم يتب لم يجز العفو، ففى النهايه ذكر الشيخ (قدس سره): (ومن زنى وتاب قبل قيام البينه عليه بذلك درات التوبه عنه الحد، فان تاب بعد قيام الشهاده عليه وجب عليه الحد، ولم يجز للامام العفو عنه، فان كان اقر على نفسه عند الامام ثم اظهر التوبه كان للامام الخيار فى العفو عنه، او اقامه الحد عليه حسب ما يراه من المصلحه فى ذلك، ومتى لم يتب لم يجز للامام العفو عنه على حال)((214)). وذكر المعنى نفسه فى سائر الحدود التى هى للّه ايضا((215)).

وفى الشرائع: (لو اقر بحد ثم تاب كان الامام مخيرا فى اقامته، رجما كان او جلدا). وهكذا عبائر سائر الكتب الفقهيه، حيث اخذت التوبه قيدا فى جواز العفو، فيكون ظاهر الاصحاب ان العفو موضوعه مركب من جزئين: ثبوت الجرم بالاقرار، وتوبه المقر، ولو من خلال اقراره نفسه عند الامام.

الا ان الشيخ المفيد (قدس سره)، جعل الميزان لعفو الامام توبه المجرم بعد ثبوت جرمه، سواء اكان بالاقرار ام بالشهاده قال: (ومن زنى قبل ان تقوم الشهاده عليه بالزنا درات عنه التوبه الحد، فان تاب بعد قيام الشهاده عليه كان للامام الخيار فى العفو عنه او اقامه الحد عليه، حسب ما يراه من المصلحه فى ذلك، له ولاهل الاسلام، فان لم يتب لم يجز العفو عنه فى الحد بحال)((216))، وذكر الشى‏ء نفسه فى حد اللواط((217)) وحد السحق((218)). وتابعه على ذلك الحلبيان، وعلى هذا القول يكون الموضوع لعفو الامام توبه المجرم بعد ثبوت جرمه، سواء اكان ذلك بالاقرار ام بالبينه.


87

وفى قبال هذين القولين قول ثالث، اختاره بعض المتاخرين، وهو كفايه ثبوت الجرم باقرار المجرم فى جواز عفوه، سواء اتاب ام لم يتب، فتكون الاقوال ثلاثه، فلا بد من ملاحظه ما يتطابق منها مع الادله والقواعد، فنقول: لا اشكال فى ان مقتضى اطلاق معتبره طلحه بن زيد المتقدمه عدم اشتراط توبه المقر فى جواز العفو من قبل الحاكم، بل قد يقال: ان فيها دلاله على ان ملاك عفو الامام(ع) له فى مورد الروايه لم يكن توبته، بل مصلحه اخرى، حيث قال الامام(ع) فيه: (انى اراك شابا لا باس بهبتك) فكانه لاحظ مصلحه شبابه، فيكفى مطلق المصلحه فى جواز العفو، ولا يشترط التوبه.الا اءن هذا الاستظهار قابل للمناقشه، لان تلك الحيثيه انما ذكرها الامام ملاكا لعفوه، لا لجواز العفو من قبله، فلا دلاله فى الروايه على ان حق العفو ليس مقيدا بفرض توبه المقر الا من ناحيه الاطلاق ومقدمات الحكمه، حيث لم يقيد فيها الحكم بجواز عفو الحاكم بما اذا تاب المقر ايضا عن ذنبه، فيشمل ما اذا جاء الى الحاكم واقر عنده بالجريمه من جهه خوفه مثلا انه لو لم يجى‏ء ابتلى بما هو اشد، فليس التعبير بقولنا: (اتى امير المومنين) مساوقا او ملازما مع التوبه والندم، فلا بد للخروج عن هذا الاطلاق من مقيد، ويمكن ان يستدل على هذا التقييد باحد وجوه: 1- التمسك بمعتبره مالك بن عطيه، حيث انه فرض فيها توبه المقر ايضا، كما صرح الامام بذلك فى ذيلها، وحينئذ يقال بتقييد اطلاق روايه طلحه، وحمله على فرض التوبه، من باب حمل المطلق على المقيد، فتثبت فتوى المشهور.

ويلاحظ على هذا الاستدلال مضافا الى ما تقدم فى التعليق على معتبره مالك بن عطيه من عدم دلالتها على حق العفو فى مورده، فضلا عن مطلق حدود اللّه انه لا موجب لحمل المطلق فى المقام على المقيد بعد ان كانا مثبتين، نعم لو كانت روايه مالك فى دخل توبه المقر فى جواز عفوه، بحيث لولاها لما جاز للامام ان يعفو كانت صالحه لتقييد اطلاق معتبره طلحه، الا انه من الواضح عدم تماميه مثل هذه الدلاله فيها، وانما غايته الدلاله على ان العفو كان من اجل توبته، لا انه لم يكن يجز للامام ان يعفو لولا توبته.

2- دعوى تقييد اطلاق روايه طلحه بروايه تحف العقول المتقدمه، حيث ورد فيها التعبير بقوله: (وانما تطوع بالاقرار من نفسه) الظاهر فى حصول الندم والتوبه منه.

وفيه مضافا الى ضعف السند ما اشرنا اليه فى جواب معتبره مالك بن عطيه.

3- التمسك بفحوى ما دل على تقييد الشفاعه بظهور الندم والتوبه من المجرم، كما فى روايه السكونى عن ابى عبداللّه(ع) قال: قال امير المومنين(ع) لا يشفعن احد فى حد اذا بلغ الامام، فانه لا يملكه، واشفع فيما لم يبلغ الامام اذا رايت الندم، واشفع عند الامام فى غير الحد مع الرجوع من المشفوع له، ولا يشفع فى حق امرى‏ء مسلم ولا غيره الا باذنه)((291))، حيث يقال: ان ظاهرها اءن حق الشفاعه فى غير الحد، وفيما لم يبلغ الامام من الحد مختص بما اذا تاب المجرم، فكانه فى غير مورد الندم والتوبه من المجرم لا يجوز الا اجراء العقوبه.

وفيه: ان ظاهرها اءن الندم قيد لنفس الشفاعه، لا لحق الشفاعه، فضلا عن حق العفو للامام، فالروايه تريد ان تمنع من الشفاعه بلا توبه وندم من المجرم، لانه لا يستحقه حينئذ، بل قد يتجرا اكثر على تكرار الجريمه، فلا ظهور فى الروايه فى اختصاص العفو بفرض توبه المقر، بل الروايه غير ناظره الى مساله الاقرار وحق العفو للحاكم فيه اصلا، كما لا يخفى.

4- التمسك بصحيح ابن سنان عن ابى عبداللّه(ع) قال: (السارق اذا جاء من قبل نفسه تائبا الى اللّه، ورد سرقته على صاحبها فلا قطع عليه)((220))، حيث يقال: ان مقتضى الشرطيه فيه اشتراط التوبه من السارق زائدا على مجيئه الذى قد يجعل كنايه عن اقراره.

الصفحة السابقة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

الا ان الروايه اجنبيه عن مساله العفو، لانها ظاهره فى بيان حكم آخر، وهو سقوط الحد بالتوبه، حيث عبر فيها بانه لا قطع عليه، وظاهره السقوط، ولهذا فرع ذلك على عنوان السارق بوجوده الواقعى الذى هو موضوع الحد، كما ان التعبير بمجيئه ليس كنايه عن الاقرار، ولا عن المجى‏ء الى الحاكم، والا لكان ينبغى ان يذكر ذلك، وانما المقصود بقرينه الذيل مجيئه الى المسروق منه ليرد عليه سرقته، فتكون الروايه ناظره الى حكم آخر، وليس ناظره الى حكم الاقرار، كما توهم، ولو فرض اطلاقها من هذه الناحيه فلا بد من تقييدها بما قبل الاخذ او قبل العلم بذلك عن طريق البينه او الاقرار، حيث دل عليه مثل صحيح جميل عن رجل عن احدهما(ع) فى رجل سرق او شرب الخمر او زنى فلم يعلم ذلك منه، ولم يوخذ حتى تاب وصلح، فقال اذا صلح وعرف منه امر جميل لم يقم عليه الحد((221)).


88

وقد يقال: بوقوع التعارض بين مثل صحيح عبداللّه بن سنان الدال على سقوط الحد بالتوبه، ولو قبل ثبوته عند الحاكم، وبين ما دل على جواز العفو اذا ثبت الجرم بالاقرار من جهه روايات العفو، وقد وردت جمله منها فى مورد ظهور توبه المقر قبل اقراره، حيث كان يطلب باقراره التطهير، ومع ذلك الامام(ع) قد اجرى عليه الحد فى بعض الروايات، وقد عفا عنه فى بعضها الاخر، بعنوان الهبه مما يعنى عدم سقوط الحد بالتوبه حتى قبل ثبوت الجرم، والا لم يكن مجال لا للعفو، ولا لاجراء العقوبه، فيقع التعارض بين الطائفتين بهذا الاعتبار.

وحمل الطائفه الثانيه على ما اذا لم يحرز توبه المقر قبل اقراره بعيد جدا، لمنافاته مع التصريح فى مورد بعض تلك الروايات بطلب التطهير من قبل المجرم، بل واصراره على ذلك، بحيث يعاود الاقرار تلو الاقرار كلما كان يصرفه الامام(ع)، كما فى قضيه المراه الزانيه الوارده فى روايه بن ميثم((222)) وغيرها، ومع ذلك الامام(ع) قد اجرى الحد. هذا مضافا الى ان احتمال التوبه قبل الاقرار قد يكفى عندئذ لسقوط الحد من باب درء الحد بالشبهه، بناء على شموله لشبهه الحاكم وعدم اختصاصه بشبهه المرتكب للجريمه حين الارتكاب، كما ان تخصيص اطلاقات سقوط الحد بالتوبه قبل ثبوت الجرم بموارد البينه دون الاقرار غير محتمل عرفا، ولا فقهيا، لان الثبوت بالاقرار اولى من البينه فى التخفيف وسقوط العقوبه، كما هو واضح، وهكذا قد يقال باستحكام التعارض بين الطائفتين.

الا ان الصحيح عدم التعارض بينهما، لان المستظهر من روايات سقوط الحد بالتوبه اشتراط ظهور صلاحه واستقامته خارجا وعملا، فلا يكفى مجرد الندم والتوبه فى سقوط الحد، وهذا يحتاج الى مرور زمان عليه حتى يظهر فيه صلاحه، ولا يتحقق بمجرد الندم والاقدام على التطهير والدليل على اخذ هذا القيد فى سقوط الحد بالتوبه وروده فى السنه الادله، فان الدليل على سقوط الحد بالتوبه ان كان مثل قوله تعالى: (فمن تاب من بعد ظلم واصلح فان اللّه يتوب عليه ان اللّه غفور رحيم)((223)) الوارد عقيب آيه قطع يد السارق، او مثل قوله تعالى: (فان تابا واصلحا فاءعرضوا عنهما)((224)) الوارد عقيب آيه السحق او الزنا قبل تشريع الحد، فمن الواضح ان المستظهر من قيد (واصلح) انما هو ما ذكرناه، فان (اصلح) بمعنى صلح فى العمل والاستقامه الخارجيه، وان كان الدليل على السقوط الروايات الخاصه، فالوارد روايتان، احداهما: صحيح ابن سنان المتقدم، وهو ظاهر فى التوبه والصلاح العملى ايضا، بقرينه ما فيه من التعبير بمجى‏ء السارق من قبل نفسه تائبا، ورده للسرقه الى المسروق منه، فذكر رد السرقه الى صاحبها بعد التوبه كنايه عن لزوم الصلاح العملى والاستقامه الفعليه.

والثانيه: مرسل جميل، وهى ايضا ظاهره بل صريحه فى ذلك، حيث عبر فيه: (واذا صلح وعرف منه امر جميل لم يقم عليه الحد)، بل فى ذيلها ينقل ابن ابى عمير عن جميل لزوم مرور مده على توبته ليظهر فيها صلاحه.

فالحاصل: لا تعارض بين الطائفتين بعد ان كان سقوط الحد بالتوبه مشروطا بظهور صلاحه عملا لا مجرد التوبه واقعا الثابته من خلال اقراره عند الحاكم، وان شئت قلت: ان لظهور التوبه وصلاحه قبل ثبوت الجرم دخلا فى سقوط الحد، ولا يكفى ظهوره فى طول الاقرار، فتامل جيدا.

5- دعوى المعارضه بين اطلاق حق العفو عن المجرم حتى اذا لم يتب وبين ما دل على اءن حد اللّه لا يعطل، ولا يضيع، وان من عطله قد عاند اللّه سبحانه، الى غير ذلك من الالسنه الشديده الاكيده الابيه عن التخصيص الا مع فرض وجود نكته ثبوتيه للفرق بين مورد عفو الحاكم وسائر الموارد، بحيث يكون تخصيصا، ولا يكون تضييعا لحق اللّه، فليس هذا حكما تعبديا صرفا، كما فى العبادات، وانما هو بملاك التخفيف عن المجرم، والتخفيف انما يكون على اساس تغير ثبوتى من المجرم تجاه الجريمه لا جزافا، وهى توبته التى جعلت مسقطه للحد فى الايات والروايات لو كانت قبل ثبوت الجريمه، وعندئذ يصح ما يقال: ان الناظر فى مجموع الروايات قد يستفيد منها ان موارد الاقرار من قبل المجرم نفسه حيث يترصد فيها حاله التوبه منه عاده بقرينه مجيئه بنفسه وتطوعه بالاقرار، وهى مرتبه من التوبه، فجعل تشخيص ذلك الى الحاكم، فان راى منه الصلاح والندم والمصلحه فى اعطائه فرصه اخرى كان له ان يعفو، والا اجرى عليه الحد، ولم يعطل حدا من حدود اللّه. فالحاصل: لا يمكن استفاده عموم الحكم لغير مورد توبه المقر وندمه كما اذا كان اقراره من جهه عدم مبالاته وجراته وتهتكه، او من جهه قرب قيام البينه والوقوع فى نتائج اشد من قبيل اطلاق معتبره طلحه، اما للانصراف وعدم اطلاق لها فى نفسه حسب مناسبات الحكم والموضوع المركوزه لمثل هذا الحكم، او من جهه المعارضه مع الروايات ذات الالسنه الشديده غير القابله للتخصيص، فتكون النتيجه ما ذهب اليه المشهور من اشتراط توبه المقر.


89

هذا قصارى ما يمكن ان يستدل به لفتوى المشهور، فان تم شى‏ء منه فهو، والا كان المتعين القول الثالث.

واما ما ذهب اليه الشيخ المفيد من ثبوت حق العفو للامام بالتوبه حتى فى مورد البينه، فهو على خلاف صراحه روايات التفصيل بين فرض البينه والاقرار، حيث لا يبقى عندئذ وجه للتفصيل بينهما، نعم لو قيل بعدم اشتراط التوبه فى مورد الاقرار بقى للتفصيل بينهما مجال عندئذ، الا اءنه خلاف مختاره، ومختار المشهور، كما انه لا دليل على ثبوت حق العفو فى مورد البينه، حتى اذا تاب، فيكون مقتضى اطلاق ادله الحدود، وكذلك روايات حرمه تعطيل الحد وتركه، وروايات التفصيل عدم ثبوت مثل هذا الحق فى مورد البينه.

الجهه الرابعه: فى عموم الحكم المذكور لموارد ثبوت الجرم بالعلم او اختصاصه بمورد الاقرار، ولا شك انه لو لم نستظهر من ادله جواز العفو الشمول لموارد ثبوت الجرم بالعلم، كان مقتضى القاعده عدم جواز العفو تمسكا بالعمومات الفوقانيه المتقدمه، فلا بد من ملاحظه السنه روايات حق العفو لنرى هل يمكن استفاده الاطلاق منها ام لا؟ ولا ينبغى الشك فى عدم امكان استفاده ذلك من مثل معتبره مالك بن عطيه، او روايه تحف العقول لورودهما فى مورد الاقرار، بل ولظهورهما فى حصول التوبه من المقر بالتطوع باقراره، او بغير ذلك، فلا يمكن التعدى الى مورد ثبوت الجرم بالعلم.

واما معتبره طلحه، والتى هم مهم الدليل على الحكم المذكور، فصدرها وان كان واردا فى الاقرار ايضا، الا ان التعليل فى الذيل: (وانما منعه ان يقطعه لانه لم يقم عليه بينه) ظاهر فى ان ملاك هذا الحكم وموضوعه عدم قيام البينه عليه، فيكون الميزان والضابط لهذا الحكم قيام البينه والشهاده وعدمه، لا الاقرار وعدمه، وحيث ان ظهور التعليل حاكم على الصدر، وصالح لتوسعته، فيكون جواز عفو الحاكم ثابتا فى تمام موارد عدم قيام البينه، سواء اثبت الجرم بالاقرار ام بالعلم، وحمل البينه على مطلق ما يبين الواقع لا خصوص الشهاده والبينه الاصطلاحيه خلاف الظاهر، خصوصا مع التعبير بالقيام الصريح فى اراده الشهاده، فكان انكشاف الجريمه بالشهاده من الاخرين يقتضى عدم امكان تعطيل الحد، ولزوم اقامته ردعا للاخرين، بخلاف موارد مستوريه الجريمه، وعدم وجود شهود عليها، كما اذا اقر بنفسه او ثبت للحاكم بعلمه الشخصى، واللّه العالم.

الجهه الخامسه: بعد الفراغ عن ثبوت حق العفو عن العقوبه فى مورد الاقرار او عدم البينه ينفتح البحث عن جواز تخفيف العقوبه او تعليقها وعدمه، فمثلا: بدل ان يعفو عن تمام حد شرب الخمر يعفو عن نصفه، فيضربه اربعين سوطا، او يحكم به معلقا على صدور تخلف منه او غير ذلك من انحاء تخفيف العقوبه.

قد يقال بعدم الجواز، لان الوارد فى الروايات المتقدمه عفو الامام عن الحد الذى هو حق من حقوق اللّه، فالمجرم اما ان يستحق العفو فيعفى عنه، او لا فيجرى عليه الحد، واما تغيير العقوبه وتخفيفها من الحد الى التعزير، او من الجلد الى السجن او الغرامه الماليه او غير ذلك فلا دليل على جوازه، والاصل حرمه انزال العقوبه على شخص بلا دليل على تشريعه، وهذا معنى توقيفيه العقوبه، او ما يعبر عنه اليوم فى قانون العقوبات: بانه لا جريمه ولا عقوبه الا بنص.

ويمكن ان يقال فى قبال ذلك بان المستفاد عرفا وعقلا من دليل جواز عفو الحاكم عن اصل الحد جواز العفو عن بعضه او تخفيفه الى عقوبه اخف منه كما وكيفا بالفحوى، لان مناسبه هذا الحكم عرفا وعقلا انما هو استحقاق المجرم نتيجه اقراره، او هو مع توبته مع ما يراه الحاكم من المصلحه اعطائه فرصه اخرى ليتوب ويستقيم امره، وهذه النكته كما تقتضى العفو قد تقتضى التخفيف مع ابقاء شى‏ء من العقوبه او تعليقها. فالحاصل: ان العرف يفهم من لسان هذه الروايات خصوصا ما عبر فيه: (انى اراك شابا لا باس بهبتك) ان اجراء العقوبه قد اعط‏ى بيد الحاكم حسب ما يراه ويشخصه من المصلحه بشان المجرم الذى جاء بنفسه واقر او تاب فهو يملك ان يمن عليه ويعفو، او ان يجرى عليه العقاب، او يعفو عن البعض ويخفف عنه العقوبه، فان من يملك هبه الكل يملك هبه البعض ايضا. هذا هو المتفاهم من الروايات، لا الدوران بين اجراء الحد او العفو عن كل الحد بالخصوص.


90

ودعوى ارتباطيه الحدود مدفوعه بانها خلاف الفهم العرفى، بل ولازمه ان المقذوف لا يمكنه ان يعفو عن بعض الجلد للقاذف، كما اذا رجع فى اثناء جلده عن الباقى، كما ان التفصيل بين جواز العفو عن بعض الحد الى الاقل من جنسه فيجوز للحاكم، واما التخفيف الى جنس عقوبه اخرى كالسجن او الغرامه فلا يجوز، لكونها عقوبه اخرى تحتاج الى دليل، لعله خلاف المتفاهم العرفى فى العقوبات العامه المتروكه الى الحاكم من اجل ردع الناس واقامتهم على الجاده، ولم يكن خلاف المتفاهم فى باب حقوق الناس، فمن له حق القصاص ليس له العفو الى الضرب او السجن، فتدبر جيدا.

الجهه السادسه: فى: من بيده العفو؟ فهل هو الحاكم، بمعنى القاضى، او الحاكم بمعنى ولى الامر؟ والصحيح هو الثانى، وذلك لما يلى: اولا لانه الوارد فى الروايات الداله على العفو، اما صريحا كما فى ذيل روايه طلحه بنقل الصدوق، وفى روايه تحف العقول، او موردا، حيث ان الوارد فيها جميعا ان امير المومنين(ع) عفا عن المجرم، وقد كان ولى الامر، فالتعدى منه الى القاضى غير وجيه. واما احتمال اختصاص الحكم المذكور بالامام المعصوم(ع) بالخصوص، اى بما هو معصوم، لا بما هو امام وولى الامر فخلاف ظاهر لفظ الامام الوارد فى الروايات، الظاهر فى معناه اللغوى والعرفى العام، لا المعصوم بالخصوص، خصوصا مع ملاحظه ان الناقل للحديث طلحه بن زيد العامى.

ثانيا ان مقتضى الجمع بين دليل جواز العفو عن حدود اللّه فى مورد الاقرار وبين ما دل على ان اقامه الحد الى السلطان او الوالى او الامام، وان شئت قلت: ان دليل جواز العفو ظاهر فى اثبات جواز ذلك لمن بيده اقامه الحد، فاذا ثبت فى محله ان اقامه الحد الى ولى الامر، لا القاضى ثبت لا محاله ان هذا الحق ايضا ثابت له لا للقاضى، نعم له ان يفوض هذا الحق الى من ينصبه لذلك، او يجعله واليا.

هذا كله فى القسم الاول من العقوبات، وهو الحدود التى هى حقوق اللّه.

2- عقوبات تكون حقا من حقوق الناس، كالقصاص،

وحد الفريه.

فى القسم الثانى: واما القسم الثانى، وهو الحدود التى هى حقوق الناس، كحد الفريه والقصاص فانه حد بمعنى من المعانى فالظاهر عدم جواز العفو عنه، الا لمن جعل له هذا الحق وباذنه، لان هذا هو مقتضى القاعده، وهو المصرح به فى جمله من الروايات، او مستفاد منها.

اما مقتضى القاعده فهو ما تقدم من ان حق العفو للحاكم بحاجه الى دليل يبينه، والا فالاصل الاءولى، وهو اطلاق ادله الحدود ينفيه، كما ان الروايات المتقدمه التى دلت على جواز العفو للحاكم فى مورد الاقرار خاصه بحق اللّه، فلا يمكن التعدى منه الى الحدود التى جعلت ملكا للناس.

واما الادله الخاصه فمما ورد فيه جواز العفو الا من قبل صاحب الحق ذيل خبر السكونى المتقدم: (ولا يشفع فى حق امرى‏ء مسلم ولا غيره الا باذنه).

ويمكن ان يستفاد هذا المطلب من نفس الادله الداله على جعل الحد حقا خاصا للناس بلسان ما كان للناس فهو للناس، او انه وليه، او (جعلنا لوليه سلطانا)، او غير ذلك من الالسنه، فان مقتضى الحقيه الخاصه اءن امره متروك اليه اثباتا ونفيا، فلا يحق لغيره حتى الحاكم اسقاطه او العفو عنه اذا طالب به صاحبه، فان هذا خلاف سلطنته وولايته على هذا الحد، كما هو واضح.

واما ثبوت حق العفو لمن له الحق فهو مقتضى كونه حقا، وهو صريح الادله، من الايات والروايات الداله على ثبوت حق العفو له من اخيه، والانتقال الى الديه فى القصاص، او العفو عن حد الفريه فى القذف.

ثم انه فى الحدود التى هى حقوق الناس اذا عفا صاحب الحق عن المجرم جاز للحاكم عقوبته عقوبه تعزيريه على ما ارتكبه من المعصيه والجرم، وذلك تمسكا بمقتضى القاعده، بناء على انها تقتضى التعزير والتاديب من قبل الحاكم على كل معصيه، غايه الامر فى مورد تحديد عقوبه حديه، واجرائها، يتداخل التاديب مع الحد، ويكون به، واما اذا عفى عنه بقى للحاكم حق تاديبه وتعزيره على حسب ذنبه. وببعض الروايات الخاصه، ففى القصاص مثلا، ورد فى صحيح فضيل بن يسار (قال: قلت لابى جعفر(ع): عشره قتلوا رجلا؟ قال: ان شاء اولياوه قتلوهم جميعا، وغرموا تسع ديات، وان شاءوا تخيروا رجلا فقتلوه، وادى التسعه الباقون الى اهل المقتول الاخير عشر الديه، كل رجل منهم، ثم الوالى يلى بعد ادبهم وحبسهم)((225)). فان هذه الروايه صريحه فى اءن للحاكم بعد عفو ولى الدم عن القتل وقبوله الديه اءن يتولى تاديب القاتل على جريمته، والتعبير بقوله(ع): (ثم الوالى يلى بعد.) فيه دلاله واضحه على اءن هذا غير الحق الخاص، ومربوط بالحق العام الحاصل من ارتكابهم الجريمه والمعصيه، التى لا بد ان لا تذهب بلا ردع وتاديب، والذى هو حكمه تشريع العقوبات والغرض الاساس منها.


91

ودعوى: احتمال اختصاص هذا الحكم بمورد الروايه مدفوعه، بان هذا خلاف المتفاهم العرفى من مثل هذا الحكم الذى مناسبته واضحه عندهم، وليس من الاحكام العباديه التعبديه، وهل يحتمل عرفا ان يكون عدد العشره مثلا دخيلا فى هذا الحكم، او الاشتراك فى القتل، او قله الديه المدفوعه من كل واحد منهم او كثرتها؟ فان شيئا من هذه الاحتمالات ليس عرفيا، وانما المتفاهم منه خصوصا من الذيل ما اشرنا اليه من ان الامام(ع) اراد بيان عدم سقوط الحق العام والذى وليه الحاكم الشرعى بسقوط الحد من جهه عفو وليه الخاص، فيستفاد من ذلك قاعده عامه فى سائر موارد عفو ولى الدم عن القصاص ايضا، بل عن مطلق الحدود التى هى حقوق الناس.

وفى حد القذف يمكن ايضا الاستناد الى بعض الروايات الداله على ان للحاكم ان يعزر القاذف اذا سقط عنه الحد، الذى هو حق خاص، ببعض الاسباب، او لم يكن فريته موجبه للحد، ففى صحيح عبداللّه بن سنان قال: سالت ابا عبداللّه عن رجلين افترى كل واحد منهما على صاحبه؟ فقال: يدرا عنهما الحد ويعزران((226)).

وفى صحيح الحسين بن اءبى العلاء عن اءبى عبداللّه قال: ان رجلا لقى رجلا على عهد امير المومنين(ع) فقال: ان هذا افترى على، قال: ما قال لك؟ قال: انه احتلم بام الاخر، قال: ان فى العدل ان شئت جلدت ظله، فان الحلم انما هو مثل الظل، ولكنا سنوجعه ضربا وجيعا حتى لا يوذى المسلمين فضربه ضربا وجيعا((227)). وذيل الروايه الاخيره فيه تعليل واعطاء الضابطه الكليه، وان ملاك التاديب والتعزير لا يفوت ولا يسقط بسقوط الحق الخاص بعفو صاحبه او بالتهاتر، او بعدم اكتمال موضوع الحد الخاص. واللّه الهادى للصواب.

ثم انه هل يجوز للحاكم الشرعى اعنى ولى الامر فى غير موارد العفو المتقدمه ان يمتنع عن اجراء الحد فى حق من حقوق اللّه او حقوق الناس، اذا راى المصلحه، او لا بد له من اجراء الحد فى تمام الحالات؟ يمكن ان يقال: اما فى الحدود التى هى حقوق اللّه فيجوز للحاكم الامتناع عن اجراء الحد فى احدى حالات ثلاث: 1- حاله التزاحم، ونريد بها ما اذا شخص الحاكم مفسده وضررا لا يرضى به الشارع يترتب على تقدير اجراء الحد من قبيل انصراف الناس عن اصل الاسلام، او حصول الضعف والانهيار فى الحكومه، او نشوب الفتنه والحروب بين الدوله الاسلاميه ودوله اخرى بسبب اجراء الحد على شخص من رعاياها مثلا، الى غير ذلك من الامثله، وهذا حكم على القاعده، كما فى سائر موارد التزاحم.

2- ان يلزم من اجراء الحد الشرعى فوات الغرض والاثر المطلوب منه، حيث انه لا اشكال فى كون حدود اللّه زواجر يراد بها اصلاح المجرم وردعه، وكذلك ردع الاخرين ومنعهم عن التفكير فى الاقدام على المعصيه، فاذا لزم من اجراء الحد فساد المجرم وابتعاده عن الدين اكثر من السابق، كما اذا كان يلزم منه خروجه عن الاسلام مثلا، والتحاقه بالاعداء والمخالفين فانه فى مثل ذلك قد يقال بانه يحق للحاكم الامتناع عن اجراء الحد اذا شخص ذلك، او تاخيره الى زمان آخر، اما لانصراف ما دل على (ان على الامام ان يقيم الحدود ولا يعطلها او يبطلها) عن مثل هذه الحاله بحسب مناسبات الحكم والموضوع المركوزه والمتفاهمه منها عرفا، بل قد لا يصدق فيه التعطيل والابطال، او لاستفاده ذلك من مثل معتبرتى غياث وابى مريم((228))، حيث دلتا على انه لا يقام الحد على احد فى ارض العدو، وقد عللته معتبره غياث بمخافه ان تحمله الحميه فيلحق بالعدو. اللهم الا ان يقال: ان المقصود منه تقويه العدو، وتضعيف جبهه الحق، فيكون من التزاحم.

وعلى كل حال ففى الروايه دلاله على ان للحاكم ان يراعى هذه الخصوصيات فى مقام اجراء الحد، وانه لو لاحظ مصلحته من هذا القبيل لم يكن تعطيلا للحد او ابطالا له، خصوصيه فى ارض العدو بالخصوص، سيما مع التعليل المذكور.

3- موارد التعذر او تعسر اقامه الحد، ولو من جهه حاجه الامه الى التدرج فى تطبيق الاحكام الاسلاميه عليهم، اذا لم يكن يمكن تطبيقها عليهم دفعه، كما اذا فرضنا مثلا قيام دوله اسلاميه فى احدى الامم التى كانت محكومه بانظمه مضاده للاسلام ردحا طويلا من الزمن، حتى ابتعد الناس فيها عن روح الاسلام، كجمهوريات آسيا الوسط‏ى، فانه لا يمكن بين عشيه وضحاها اقامه الحدود الاسلاميه فيها على كل شارب خمر، او زان او نحو ذلك، وانما يحتاج الى مضى فتره زمنيه تمهد فيها المقدمات والتمهيدات اللازمه فكريا واعلاميا، واداريا لتقبل الناس وفهمهم للنظام الاسلامى، وعداله احكامه المقدسه.


92

فالحاصل: الحاكم الاسلامى مسوول عن اقامه حكم اللّه فى المجتمع بما يضمن له الثبات والاستحكام والدوام، فلا بد من ان يضع سياسه تنفيذيه مناسبه لذلك، وهذا قد يتوقف على التدرج فى تطبيق الاحكام واقامه الحدود الشرعيه.

واما الحدود التى هى حقوق الناس كحد القذف والقصاص، فهى وان كانت متروكه للناس ان شاءوا استوفوا وان شاءوا عفوا الا انه مع ذلك يمكن تصوير حق منع الحاكم لهم عن الاستيفاء فى احدى حالتين: 1- حاله التزاحم مع مفسده مهمه، كما اذا فرضنا ان اجراء القصاص على الجانى يستوجب الفتنه والحرب مع دوله يخشى منها كما اذا كان القاتل من رعاياها مثلا بل قد يكون التزاحم المذكور موجبا لسقوط الحكم التكليفى بجواز الاستيفاء لصاحب الحق ايضا، فلا يجوز له القصاص تكليفا، وان كان من حقه وضعا، واثره عدم ترتب القصاص عليه لو خالف وقتله، وان كان يعزر على المخالفه.

2- ان يشخص الحاكم مصلحه فى عفو الجانى عن القصاص والانتقال الى الديه، فانه يمكن ان يقال: بان مقتضى ولايته العامه على الناس فى اموالهم وحقوقهم الشخصيه، اما مطلقا، او فيما يرتبط منها بالمصالح الاجتماعيه والنظاميه ان له الولايه على هذا الحق الخاص ايضا، كولايته على سائر الاموال والنفوس، فكما يجوز له اخذ الضرائب ووضعها على اموالهم الخاصه، او يجوز له المنع عن بعض التصرفات وتحديد الحريات حسب المصالح التى يشخصها للحكومه كذلك له ان يمنع من اعمال ولى الدم او صاحب الحد لحقه، لانه اولى به منه.

هذا ولكن الانصاف انه ليس معنى اولويه الحاكم بالاموال والانفس ان له ان يسلب وينفى ثبوت الحق الشرعى لصاحب الحق، فان هذا معناه الولايه على الشارع لا الناس، ودليل الولايه ليس مشرعا، وانما معناها ان للحاكم ان ياخذ متعلق الحق من المال ونحوه للنفع العام، وفى المقام ليس منع الحاكم عن القصاص بمعنى اخذ القصاص، بل بمعنى نفى الحق والسلطنه التى جعلها الشارع له، وهذا خارج عن مدلول الولايه.

نعم للحاكم ان يمنع تكليفا من اعمال ولى الدم لحقه فى القصاص، كمنعه من اى تصرف آخر يكون من حقوق الناس، اذا شخص مصلحه فى ذلك، وعندئذ يحرم على الولى الاقتصاص تكليفا، لكونه مخالفه للحكم الولايتى، ولكنه جائز له وضعا، بمعنى انه لا يكون عليه قصاص لو اقتص من الجانى، لثبوت السلطنه والحق له، وان كان يعزر على المخالفه.

وقد يقال: ان من مقتضيات الولايه على من له الحق ان يكون له الولايه على نفس التصرف الذى كان لصاحب الحق، وهو العفو عن القصاص، فيكون لولى الامر ان يعفو عن قصاص الجانى كما كان لولى الدم، وليس هذا مستلزما لمشرعيه دليل الولايه كما لا يخفى. وبذلك يسقط حق القصاص. ولا يجوز لولى الدم ان يقتص حتى وضعا الا ان الانصاف استفاده الولايه فى باب القصاص مشكل، ولهذا لا حق لولى المجنون او الصغير الذى له حق القصاص ان يعفو عن الجانى، بل ينتظر بالصبى حتى يبلغ، فاما يقتص او يعفو، فالحاصل كان حق التقاص من الامور المختصه بمن له فقط، وليس كالحقوق الاخرى والمساله بحاجه الى فريد تامل.

3- فى التعزيرات

فى القسم الثالث: هذا كله فى الحدود المقرره شرعا، اما التعزيرات فسلطه الحاكم فيها اوسع حيث ان له الاختيار فى تحديد مقدار العقوبه كما او كيفا، كما هو المستفاد من ملاحظه مجموعه من الروايات فى موارد مختلفه، وهذا بحث لا ندخل فيه، ولا فى معنى كونه دون الحد، كذلك له الاختيار والحق فى العفو فان هذا يمكن استفادته من لسان ادله بعض التعزيرات من قبيل ما ورد فى حكم شهود الزور، من انهم يجلدون حدا ليس له وقت اى مقدار فذلك الى الامام، كما فى معتبره سماعه((229))، وغير ذلك من الالسنه، حيث ان ظاهر التعبير والسياق ان امر التعزير بيد الامام، وهو كنايه عن انه يمكنه، لا ان التحديد والتقدير فقط بيده، فهذا تعبير عرفى عن كون العقوبه بيد الحاكم، ويمكن استفاده ذلك ايضا من مثل لسان (ضربناه وجيعا لكى لا يوذى الناس) الوارد فى روايه، او مثل لسان (ثم يلى الوالى بعد ادبهم وحبسهم) فان هذه الالسنه تتناسب ايضا مع كون التعزير بيد الامام والحاكم، وليس ملزما عليه كما فى الحد، فراجع وتامل.


93

ويدل عليه صراحه بعض الروايات الخاصه، منها: معتبره السكونى المتقدمه، حيث ورد فيها: (واشفع عند الامام فى غير الحد مع الرجوع من المشفوع له) فان هذه الجمله بعد قوله: (لا يشفعن احد فى احد، اذا بلغ الامام فانه لا يملكه) تدل بوضوح على ان وجه صحه الشفاعه عند الامام فى غير الحد انه يملكه، والذى هو عباره اخرى عن ان الاختيار بيده، وجواز العفو منه اذا راى المصلحه فيه((230)).

وفيه: ان (مع الرجوع من المشفوع له) ليس راجعا الى حق العفو، والاختيار للامام، بل الى شفاعه الشفيع، كما ذكرنا سابقا ايضا، فان هذا هو المتفاهم عرفا منه بحسب مناسبه الحكم والموضوع، ولهذا ذكرته الروايه ايضا فى فقرتها الثانيه، فى الشفاعه قبل بلوغ الامام، والذى يعين الشفاعه عند صاحب الحق فى حقوق الناس، حيث قيد الشفاعه بما اذا راى من المشفوع له الندم، مع وضوح عدم قيديته فى حق العفو وقبول الشفاعه ممن له الحق، كالمسروق منه بلحاظ حق الرفع الى الحاكم، والمجنى عليه فى القصاص، فتدبر جيدا.

ومنها: معتبره سلمه عن ابى عبداللّه(ع) قال: كان اسامه بن زيد يشفع فى الشى‏ء الذى لا حد فيه، فاتى رسول اللّه(ص) بانسان قد وجب عليه حد، فشفع له اسامه، فقال رسول اللّه(ص): (لا تشفع فى حد)((231)). وهى ايضا واضحه الدلاله على المطلوب، كالروايه السابقه، لان الامام(ع) وان كان ينقل عن اسامه الا ان ذلك فى مقام بيان الحكم فيكون مفاد اخباره(ع) ان الحكم الشرعى هو جواز الشفاعه فى الشى‏ء الذى لا حد فيه، دون ما فيه الحد، فيتمسك باطلاقه فى كلتا الفقرتين.

ودعوى اختصاص النظر فيها الى بيان عدم قبول الشفاعه فى الحد فقط، دون قبولها فى غير الحد، فلا اطلاق فيها من هذه الناحيه ممنوعه، خصوصا مع ظهور مثل هذا السياق عرفا فى التعليل، وبيان النكته والضابطه الكليه، وهى ان ما يكون حدا للّه سبحانه لا يملكه الامام.

ومنها: مفهوم مثل معتبر محمد بن قيس عن ابى جعفر(ع) قال: كان لام سلمه، زوج النبى(ص) امه فسرقت من قوم، فاتى بها النبى(ص)، فكلمته ام سلمه فيها، فقال النبى(ص): يا ام سلمه هذا حد من حدود اللّه، لا يضيع، فقطعها رسول اللّه(ص)((232)).

فان ظاهر الحد خصوصا فى هذا السياق، وبقرينه الروايات الاخرى ايضا ما يقابل التعزير، لا مطلق العقوبه الاعم من الحدود والتعزيرات. نعم قد يقال بعدم الاطلاق فى المفهوم المذكور، وانه ليس باكثر من انه فى غير الحد يمكن الشفاعه والعفو فى الجمله، الا انه حيث لا يحتمل الفرق بين تعزير وتعزير من هذه الناحيه يكون المفهوم الجزئى فى قوه الكليه.ثم ان حق العفو كاصل تقدير التعزير، واجراء الحدود كل ذلك الى الحاكم، بمعنى الولى لا القاضى، لان الوارد فى السنه الروايات فى الحدود والتعزيرات عنوان الوالى والامام، او رسول اللّه او امير المومنين، ونحو ذلك، بل جاء فى صحيح حماد المعروفه: (على قدر ما يراه الوالى من ذنب الرجل وقوه بدنه)، ومنه يعرف انه ليس للقاضى حتى اذا كان مجتهدا ان يقدر التعزيرات ابتداء، الا اذا فوض اليه ذلك من قبل ولى الامر، زائدا على حيثيه القضاء، وتفصيل هذا المطلب، وبعض الخصوصيات الاخرى المتعلقه به نتركه الى مجال آخر.

والحمد للّه رب العالمين، وصلى اللّه على سيدنا ومولانا اشرف الانبياء والمرسلين، واهل بيته الطيبين الطاهرين.

آخر جمادى الثانيه 1416ه.ق قم المقدسه

پاورقى
1- المائده‏3. .

2- المائده‏3.

3- المائده‏4.

4- الوسائل 16: 332، الباب 19 من ابواب الذبائحر ط طهران،

المكتبه الاسلاميه.

5- الانعام 118.

6- الوسائل 16: 338، باب 23 من ابواب الذبائح، ح‏5.

7- المصدر السابق: ح‏7.

8- المصدر السابق: 356، الباب 28، ح‏1.

9- المصدر السابق: 327، الباب 15، ح‏6.

10- المصدر السابق: 271، الباب 13، من ابواب الصيد، ح‏1.

11- المصدر السابق: 272، الباب 15، ح‏1.

12- المصدر السابق: 281، الباب 22، ح‏2.

13- المصدر السابق: 281، الباب 22، ح‏3.

14- الانعام: ح‏1.

15- الانتصار: 191/ط منشورات الشريف الرضى قم.

16- الانعام‏118 119.

17- الانعام 121.

18- الحج 30.

19- الجواهر 36: 122، وانظر 123، 147.

20- المائده‏4.

21- الوسائل 16: 262، الباب 8 من ابواب الصيد، ح‏1.

22- المصدر السابق: 353، الباب 27 من ابواب الذبائح، ح‏37.

23- المقنعه: 579 ط جامعه المدرسين قم.


94

24- الخلاف 3: 258، المساله 13/ط دار الكتب العلميه قم.

25- السراء 1: 110ط جامعه المدرسين قم.

26- المختلف كتاب الذبائح.

27- المائده‏4.

28- المائده‏3.

29- البقره 172 و 173.

30- الانعام‏121.

31- الحج 28.

32- الحج 36.

33- البقره 200.

34- الحج 28.

35- الحج 34.

36- الحج 30.

37- الانعام 145.

38- النحل 114 115.

39- الوسائل 16: 394 الباب 5 من ابواب الاطعمه والاشربه ح‏6.

40- المصدر السابق: 356 الباب 28 ح‏1.

41- المصدر السابق: 338 الباب 23 ح‏7.

42- المصدر السابق: 339 الباب 23 ح‏8.

43- المصدر السابق: 338 ح‏5.

44- المصدر السابق: 338 ح‏6.

45- المصدر السابق: 336 الباب 22 ح‏2.

46- المصدر السابق: 339 الباب 23 ح‏11.

47- المصدر السابق: 342 الباب 26 ح‏2.

48- المقنعه: 580.

49- النهايه 583ط انتشارات قدس محمدى قم.

50- الانتصار: 190.

51- الوسائل 16: 324 الباب 14 من ابواب الذبائح ح‏1 2.

52- الوسائل 10: 136 الباب 36 من ابواب الذبح من الحج ح‏1.

53- الوسائل 10: 137 الباب 37 من ابواب الذبح من الحج ح‏1.

54- الوسائل 16: 325 الباب 14 من ابواب الذبائح ح‏3.

55- الوسائل 16: 325 الباب 14 من ابواب الذبائح ح‏5.

56- الوسائل 16: 324 الباب 14 من ابواب الذبائح ح‏2.

57- مستند الشيعه للمحقق النراقى 2: 455 المكتبه

المرتضويه طهران.

58- الانعام‏145.

59- الوسائل 16، 326، الباب 15 من ابواب الذبائح ح‏3.

60- مستدرك الوسائل 16: 138 الباب 12 من ابواب الذبائح ح‏2.

61- الخلاف 3: 257.

62- الانتصار: 190.

63- المقنعه: 580.

64- البقره‏17.

65- مستدرك الوسائل 16: 137 الباب 12 من ابواب الذبائح ح‏1.

66- راجع الجواهر: 36: 112.

.67- الوسائل 16: 324 الباب 14 من ابواب الذبائح، ح‏4.

68- المصدر السابق: 325، ح‏3 4 5

69- النهايه: 538.

70- الخلاف 3: 249.

71- المبسوط 6: 263.

72- الينابيع الفقهيه: 21: 98 (المهذب) كتاب الصيد والذباحه.

73- المصدر السابق: 145 (الغنيه).

74- المصدر السابق: 154 (الوسيله).

75- المصدر السابق: 234 (الشرائع).

76- المصدر السابق: 245 (المختصر النافع).

77- المصدر السابق: 258 (الجامع للشرائع).

78- المصدر السابق: 274 (القواعد).

79- المصدر السابق: 290 (اللمعه).

80- الجواهر 36: 99 100.

81- الوسائل 16: 307 الباب 1 من ابواب الذبائح ح‏1.

82- المصدر السابق: ح‏2.

83- المصدر السابق: ح‏3.

84- الوسائل 16: 308 الباب 1 من ابواب الذبائح ح‏4.

85- الوسائل 16: 308 الباب 2 من ابواب الذبائح ح‏1.

86- المصدر السابق: ح‏3.

87- راجع سنن البهيقى 9: 28، 245 والمغنى لابن قدامه 1:

43.

88- الكافى 6: 227 التهذيب 9: 51.

89- الاستبصار 4: 79 باب 51، ح‏1.

90-الكافى 6: 228، ح‏3.

91- التهذيب 9: 51 الاستبصار 4:80 باب 51، ح‏5.

92- الوسائل 16: 309 الباب 2 من ابواب الذبائح ح‏5.

93- الوسائل 16: 308 الباب 2 من ابواب الذبائح ح‏2.

94- الوسائل 16: 308 الباب 2 من ابواب الذبائح ح‏3.

95- الوسائل 16: 308 الباب 2 من ابواب الذبائح ح‏1.

96- الوسائل 16: 309 الباب 2 من ابواب الذبائح ح‏4.

97- النهايه: 583.

98- الينابيع الفقهيه 21: 234 (شرائع الاسلام).

99- المصدر السابق: 274 (القواعد).

100- الوسائل 16: 337 الباب 23 من ابواب الذبائح.

101-المستدرك:، 14: 8ح‏12.

102-الوسائل، 27: 250الباب 12من كيفيه الحكم واحكام

الدعوى، ح 3و2.

103-الوسائل، 18: 450الباب 9من الصلح، ح‏1.

104-الوسائل، 18: 452الباب 12من الصلح، ح‏1.

105-الوسائل، 29: 245الباب، 11ح‏35547.

106-الوسائل، 18: 206الباب 20من الصرف، ح‏1.

107-الوسائل، 18: 206الباب 20من الصرف، ح‏2.

108-الوسائل، 18: 207الباب 20من الصرف، ح‏4.

109-الوسائل، 18: 183الباب 9من الصرف، ح‏1.

110-الوسائل، 18: 172الباب 3من الصرف، ح‏2.

111-الوسائل، 18: 185الباب 9من الصرف، ح‏5.

112-الكافى: 5/32والتهذيب: 6/143.

113-عيون اخبار الرضا(ع) ج 2/124وسائل الشيعه: الباب 5من

ابواب حد المرتد ح‏6.

114-الوسائل: الباب 1من ابواب بقيه الحدود ح‏1.

115-الوسائل: الباب 6من ابواب حد المحارب ح‏1.

116-الوسائل: الباب 20من ابواب حد السرقه ح‏1.

117-التهذيب: 10/24.

118-المختلف: ص‏775.

119-المختلف: ص‏775.

120-وسائل الشيعه: الباب 20من ابواب حد السرقه ح‏3.

121-وسائل الشيعه: الباب 47من ابواب قصاص النفس ح‏1.

122-الوسائل: الباب 47من ابواب قصاص النفس ح‏2.

123-الوسائل: الباب 3من ابواب حد المحارب ح‏1.

124-المختلف: ص‏800.

125-الوسائل: الباب 7من ابواب حد المحارب ح‏2.

126-الوسائل: الباب 1من ابواب حد المحارب ح‏2.

127-الوسائل: الباب 1من ابواب حد المحارب ح‏5.

128-الوسائل: الباب 1من ابواب حد المحارب ح‏11.

129-الوسائل: الباب 1من ابواب حد المحارب ح‏6.

130-الوسائل: الباب 5من ابواب حد السحق والقياده ح‏1.

131-الوسائل: الباب 12من ابواب حد السرقه ح‏1.

132-الوسائل: الباب 2من ابواب حد المحارب ح‏2.

133-وسائل الشيعه: الباب 11 من ابواب الشهادات ح 1والباب

14من ابواب الشهادات ح‏2.

134-وسائل الشيعه: الباب 8 من ابواب موجبات الضمان ج‏1.

135-الوسائل: الباب 17 من ابواب موجبات الضمان ج‏1.


95

136-الوسائل: الباب‏16 من ابواب موجبات الضمان ح‏1.

137-الوسائل: الباب 15 من ابواب موجبات الضمان ح ،1ح‏2.

138-الوسائل: الباب 23 من ابواب قصاص النفس ح‏3.

139-الوسائل: الباب 28 من ابواب موجبات الضمان ح‏1.

140-الوسائل: الباب 11من ابواب الشهادات، ج‏2.

141-الوسائل: الباب 13من ابواب الشهادات، ح‏2.

142-الوسائل: الباب 11من ابواب الشهادات، ح‏1.

143-الكافى: 8/35.

144-الوسائل: الباب 46من ابواب ديات الاعضاء ح‏1.

145-الوسائل: الباب 40من ابواب ديات الاعضاء ح‏1.

146-الوسائل: الباب 2من ابواب قصاص الطرف ح‏1.

147-الوسائل: الباب 3من ابواب قصاص الطرف ح‏1.

148-الوسائل: الباب 2من ابواب ديات الشجاج والجراح ج‏17.

149-الوسائل: الباب 2من ابواب ديات الشجاج والجراح ج

11و14.

150-الوسائل: الباب 29من ابواب حد السرقه ح‏1.

151-الوسائل: الباب 30من ابواب حد السرقه ح‏1.

152-الوسائل: الباب 1من ابواب ديات النفس ح‏1.

153-الوسائل: الباب 1من ابواب ديات النفس ح‏13.

154-الوسائل: الباب 15من ابواب احياء الاموات ح‏1.

155-الوسائل: الباب 9من ابواب موجبات الضمان ح ،1ح‏2.

156-البقره‏ر233.

157-الطلاق‏ر6.

158-جواهر الكلام: 31/273.

159-وسائل الشيعه: الباب 81من ابواب احكام الاولاد ح‏5.

160-وسائل الشيعه: الباب 81من ابواب احكام الاولاد ج‏2.

161-وسائل الشيعه: الباب 72من ابواب احكام الاولاد ج‏2.

162-وسائل الشيعه: الباب 70من ابواب احكام الاولاد ج‏3.

163-وسائل الشيعه: الباب 70من ابواب احكام الاولاد ج‏7.

164-المبسوط للسرخسى: ج‏26/81.

165-شرح النيل وشفاء العليل: ج‏15/18.

166-ص: 189مبانى تكمله المنهاج، ج‏2.

167-الوسائل، الباب 1من ابواب ديات النفس ح‏1.

168-الوسائل: الباب 1من ابواب ديات النفس ح‏1.

169-ص ،12ج 43من الجواهر.

170- ص ،12ج 43من الجواهر.

171- راجع النهايه ص ،736والمقنعه ص 36من الينابيع، ج‏24

172-المبسوط ج /7ص‏119.

173-الوسائل، الباب 1من ابواب ديات النفس ح‏13.

174-الوسائل، الباب 1من ابواب ديات النفس ح‏5.

175-الوسائل، الباب 44من ابواب ديات الاعضاء ح‏1.

176-الوسائل، الباب 1من ابواب ديات الاعضاء ح‏14.

177-الوسائل، الباب 1من ابواب ديات النفس ح‏8.

178-الوسائل، الباب 1من ابواب ديات النفس ح‏9.

179-الوسائل، الباب 1من ابواب ديات النفس ح‏2.

180-الوسائل، الباب 2من ابواب ديات النفس ح‏2.

181-ص: 118المبسوط ج‏7.

182-شرائع الاسلام: ج ،4/245ط الاداب فى النجف لسنه

1969م.

183-المبسوط: ج‏7/119.

184-جواهر الكلام ج 43ص‏16.

185-هكذا فى نسخه الاصل ص 11سطر، 12والصحيح (ظاهر)

بدون الضمير.

186-الوسائل، الباب 1من ابواب ديات النفس ح‏9.

187-ص 145ج 19وسائل الشيعه: الباب 1من ابواب ديات

النفس ح‏14.

188-وسائل الشيعه ج 6ص 93ب 1من زكاه الذهب والفضه

ج‏7.

189-العقد المنير: ص‏89 90.

190-رساله الاوزان للعلامه المجلسى ص‏132.

191-وسائل الشيعه ج 1ص 338وقد نقلها عن الشيخ، وله

سندان فى كليهما اشكال، احدهما بالارسال .والاخر

بموسى‏فبن عمرفبن يزيد الصيقل، الوسائل، الباب 50من ابواب

الوضوء ح‏1 192-وسائل الشيعه: ليس هناك وضوح فى نسخه

الاصل، راجع آخر سطر فى ص‏14.

193-فتوح البلدان ص ،452طمصر، سنه 1959م.

194-وسائل الشيعه: الباب 2من ابواب الصرف ح‏4.

195-الوسائل، الباب 8من ابواب زكاه الذهب والفضه ح‏5.

196-الوسائل، الباب 1من ابواب ديات النفس ح‏2.

197-الوسائل، الباب 1من ابواب زكاه الذهب والفضه ح‏5.

198-جواهر الكلام ج‏15/182.

199-جواهر الكلام: 15/181.

200-الوسائل، الباب 10من ابواب الصرف، ج 12ص ،472ص

474كل هذه الروايات فى ذلك الباب.

201-الوسائل، الباب 7من ابواب زكاه النقدين، ج 6ص‏104.

202-الوسائل، الباب 32من ابواب مقدمات الحدود.

203-الوسائل، الباب 17من ابواب مقدمات الحدود.

204-الوسائل، الباب 32من ابواب مقدمات الحدود.

205-الوسائل، الباب 20من ابواب مقدمات الحدود، ح‏1.

206-الوسائل، الباب 20من ابواب مقدمات الحدود، ح‏4.

207-الوسائل، الباب 1من ابواب مقدمات الحدود، ح‏6.

208-الوسائل، الباب 18من ابواب مقدمات الحدود، ح‏1.

209-مبانى تكمله العروه، ج‏1/177.

210-الوسائل، الباب 3من ابواب حد السرقه، ح‏5.

211-الوسائل، الباب 18من ابواب مقدمات الحدود واحكامها

العامه، ح‏3.

212-الوسائل، الباب 5من ابواب حد اللواط، ح‏1.

213-الوسائل، الباب 18من ابواب مقدمات الحدود، واحكامها

العامه، ح‏4.

214-النهايه، للشيخ الطوسى، ص 696.

215-المصدر نفسه، ص‏706، 708، 718.

216-المقنعه، للشيخ المفيد(ره) ص 777.

217-المصدر السابق، ص 787.

218-المصدر السابق، ص 788.

219-الوسائل، الباب 20من ابواب مقدمات الحدود واحكامها

العامه، ح‏4.

220-الوسائل، الباب 16من ابواب مقدمات الحدود واحكامها

العامه، ح‏1.

221-الوسائل، الباب 16من ابواب مقدمات الحدود واحكامها

العامه، ح‏3.

222-الوسائل، الباب 16من ابواب حد الزنا، ح‏1.

223-سوره المائده، الايه: 38.

224-سوره النساء، الايه: 16.

225-الوسائل، الباب 12من ابواب القصاص فى النفس، ح‏5.

226-الوسائل، الباب 18من ابواب حد القذف، ح‏1.

227-الوسائل، الباب 24من ابواب حد القذف، ح‏1.

228-الوسائل، الباب 10من ابواب مقدمات الحدود واحكامها

العامه، ح‏1.

229-الوسائل، الباب 11من ابواب بقيه الحدود، ح‏1.

230-الوسائل، الباب 20من ابواب مقدمات الحدود واحكامها

العامه، ح‏4.

231-الوسائل، الباب 20من ابواب مقدمات الحدود واحكامها

العامه، ح‏3.

232-الوسائل، الباب 20من ابواب مقدمات الحدود واحكامها،

ح‏1.