فهرست عناوين فهرست آيات فهرست اشعار
منهج في الانتماء المذهبي

تأليف

صائب عبد الحميد

فهرست عناوين
     دعاء..0
     هذه الطبعة9
لماذا هذا الكتاب 11
الانتماء المذهبي بين الواقع والمسؤولية 15
      لماذا هذا التجافي بين أبناء المذاهب الإسلامية؟15
      هل انتخب كل منا مذهبه عن وعي وإدراك، وبعد الدرس والتحقيق؟15
      كيف نشأ هذا الموقف الإنحيازي؟15
هكذا كانت البداية 31
مدخل في فضائل أهل البيت...35
     1 - آية المباهلة:35
     2 - آية التطهير وحديث الكساء:37
     3 - القرآن الكريم يأمر بمودتهم:39
     4 - ويوجب الصلاة عليهم:40
     5 - ويبشرهم بالجنة والرضوان:41
     6 - علي وارث علم النبي:42
     7 - وأحب الخلق إلى الله:42
     8 - وأخصهم برسول الله:43
     9 - علامة الإيمان:44
     10 - الصديقون ثلاثة:45
     11 - والسبق ثلاثة:45
لا بد من إمام 47
      الإمامة في القرآن47
      في السنة47
      وفي الاجماع47
     الإمامة في القرآن49
     وفي السنة51
     اثنا عشر إماما52
     وفي الاجماع54
من هو الإمام؟ 57
      آراء المذاهب في الإمام57
      الإمام في القرآن والسنة - الله تعالى يقول ورسوله يتحدث -57
      أصحاب الحق يتكلمون57
     آراء المذاهب في الإمام59
     أولا: مع المذاهب الأربعة:59
     " أبو حنيفة " 80 - 150 هـ‍59
     (مالك بن أنس) 93 - 179 هـ‍61
     (الشافعي) 150 - 204 هـ‍62
     (أحمد بن حنبل) 164 - 241 هـ‍62
     ثانيا: المعتزلة:63
     ثالثا: الزيدية:64
     رابعا: الإمامية الاثنا عشرية:64
الله تعالى يقول ورسوله يتحدث... 67
     1 - حديث الثقلين67
     2 - حديث المنزلة74
     3 - (أنت مني وأنا منك)76
     4 - قوله صلى الله عليه وآله وسلم76
     5 - تبليغ سورة براءة77
     6 - حديث الدار - أو قصة الانذار -79
     تاريخ ابن عساكر:82
     وكما في تاريخ الطبري:82
     وكما في رواية الحاكم:83
     7 - حديث الغدير91
     القصة الثانية:98
     القصة الثالثة:99
الشهادة الكبرى أو104
     1 - من أئمة اللغة:110
     2 - ومن أئمة التفسير:113
     3 - ومن غيرهم:113
     4 - وفي الحديث النبوي الشريف ما هو أظهر من ذلك كله:114
     ومنها:124
     هذا النص:124
     وهذا النص:126
     وهذا النص:126
     وهذا النص:127
     9 - آيتان في القرآن:133
     الأولى:133
     الآية الثانية:144
     وجواب ذلك:149
     10 - الولاية أيضا:150
     11 - النجاة...153
     12 - الأمان..155
أصحاب الحق يتكلمون... مقاطع من نهج البلاغة...157
     نهج البلاغة:157
ثم انزوى الحق! 173
     وراء السقيفة:175
     ومرة:178
     ومرة:179
     ومع الزهراء عليها السلام181
     عقيدتها في الخلافة:184
     وغيرهم أيضا دعا..185
     ومن ذاك: كلام صادق اللهجة أبي ذر الغفاري..186
     المقداد بن عمرو:187
     وحتى معاوية:187
     من الدلائل النبوة189
مجمل ما لقي أهل البيت وقصة الوضع في الحديث191
     فصول القصة193
     نماذج من تلك الموضوعات208
     أولا: في المطاعن:208
     ثانيا: المناقب المصنوعة...211
على تلك الخطى 217
     أولا.. مع حديث الطير:217
     ثانيا.. مع حديث مدينة العلم:218
     ثالثا.. محنة الأعمش:220
     فمن هو الأعمش؟223
     رابعا.. محنة النسائي (5):224
     خامسا... في الجرح والتعديل:225
     في الميزان:227
بين الصحابة.. 231
     الصحابة - رضي الله عنهم - بإيجاز233
     الحكم لله تعالى، أولا:236
     والحكم لرسوله، ثانيا:237
     حديث الحوض:238
      وفي موطأ مالك: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لشهداء أحد:240
     حديث الإفك:240
     المغيرة بن شعبة أيام معاوية:241
     وعمرو بن العاص:242
     ومعاوية من هو؟245
     وأبو هريرة:247
     عبد الله بن الزبير - أميرا -:249
     سمرة بن جندب:250
     معاوية بن حديج (2):252
     فتنة الجمل:253
     يوم الخميس، وما يوم الخميس!261
     بعثة أسامة:267
حوار 271
     أسئلة حرة273
     وحديث العشرة المبشرة:285
     معالم أخرى:294
خاتمة االمسير 315
     وقفة317
     دروس ومواعظ:319
     - وموعظة أخرى:320
     - موعظة أخرى:321
     - وهذه الموعظة:322
     لا بد من جواب:323
     لماذا هذا الجفاء؟327
      سنن أبي داود:328
      وفي سنن ابن ماجة:328
      وفي مسند أحمد بن حنبل: عن علي عليه السلام أنه قال: " كنت أرى أن باطن القدمين أحق 329
      مسند الحميدي: روى حديث أحمد المتقدم بنصه، وذكر له مصادر أخرى (2).329
      مسند أبي يعلى الموصلي: روي الحديث من طريقين عن علي عليه السلام: " كنت أرى أن باطن 329
      السنن الكبرى للبيهقي: عن رفاعة بن رافع: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال 329
      وفي الدر المنثور:329

سلسلة الرحلة الى الثقلين (45)

إعداد

مركز الأبحاث العقائدية

دعاء..

إلى الحبيب المصطفى وآله الكرام

أتم صلاة وأطيب سلام..

وإلى أمي، وأبي

(رب ارحمهما كما ربياني صغيرا)

وإلى من علمني بالحق حرفا

رب آته أحسن الجزاء ضعفا..

وإلى كل أخ جمعته معي ذكريات خاطبتها في هذا الكتاب..

(رب اغفر لي ولأخي

وأدخلنا في رحمتك

وأنت أرحم الراحمين).


8

بسم الله الرحمن الرحيم


9

هذه الطبعة

الحمد لله حق حمده..

والصلاة والسلام على النبي المصطفى وآله

والتحية والرضوان على صحبه الأخيار والتابعين بإحسان..

وبعد..

فاليوم إذ أقدم لهذه الطبعة - ولعلها تكون الخامسة - بعد علمي بصدور أربع طبعات في ثلاثة بلدان إسلامية في نحو (15000) نسخة صدرت جميعها في سنة 1413 هـ‍ / 1992 - 1993 م.

أوكد بعد الحمد لله بما هو أهله: أني حرصت على المحافظة على هذا الكتاب في صورته الأولى كما كنت أعيشها وأتفاعل معها أيام تدوينها، لذا تجنبت الإضافة والتغيير إلا في نطاق ضيق جدا كان لا بد منه، وقد تضمن:

أ - تصحيح ما وقفت عليه من أخطاء طباعية وهفوات لغوية وهي قليلة جدا والحمد لله.

ب - استدراك موجز على حديث واحد فقط، وقع الاستدراك في صفحة 72 و 74.

ج - تعديل شمل موضعين فقط.

والله ولي التوفيق.


10


11

لماذا هذا الكتاب

ليس هو كتابا مذهبيا يراد منه تعميق الخلاف بين المسلمين. فما أحوجنا اليوم إلى كلمة تلم شملنا، وتؤلف بين قلوبنا، وما أحرانا باجتياز الحواجز التي ركزت بيننا.

ثم ما أشوقنا إلى لغة الحوار السليم التي تعيننا على ذلك، إذن لبلغنا المنى ولاستوت مراكبنا، واجتمعت كلمتنا على ما تركه لنا نبينا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، فلا نضل بعده، ولا نفترق، أو نسلك سبلا شتى..

وإذا كانت هناك أسباب ودواع لما حصل بيننا من خلاف، فما أجمل أن نقف عليها بكل حياد، وتعقل مدركين أن المهم في الأمر هو ظهور النهج الإسلامي الأصيل الحنيف، وليس غلبة هذا الاتجاه، أو ذاك.. وأن اتفاقنا على الحق الصريح هو الذي سيضمن اجتماعنا.

وأما تعصب كل منا إلى فرقته - ليس إلا لأنه ورثها عن آبائه. ونشأ عليها، وتشربت بها عروقه - فلا يزيدنا إلا تباعدا عن بعضنا، وابتعادا عن المحجة البيضاء. والشريعة المحمدية السمحاء.

وهذا الكتاب هو تجربة شخصية على هذا الطريق.

تجربة فيها كل ما في التجارب الكبيرة من مشاكل وصعوبات، وفيها ما في أخواتها عند ما تكلل بالنجاح.

وقد لا تكون التجارب في ميدان العقيدة عزيزة، فربما خاضها الكثيرون من أبناء كل


12

جيل، ولكن انتصار اليقين والحق المجرد على العاطفة هو العزيز في تلك التجارب.

ولست من الذين يرون أن هزيمة اليقين أمام العاطفة هو من أثر العصبية وحدها، فربما يكون ذلك ولكن ربما تكون هذه العاطفة وفاء للذكريات الجميلة التي لا يشك صاحبها في صفائها، وربما يجتمع الأمران معا.

والوفاء لذاته ممدوح، بعكس العصبية..

فكثيرا ما يقف المرء على حقيقة كان يعتقد بخلافها، ولكن لعقيدته هذه في قلبه قدسية أحيانا، فينبعث عن هذه القدسية سؤال يقول: أحقا أن هذا المفهوم الذي عشت أقدسه لا أصل له، وأن الصواب في المفهوم الآخر الذي يأباه قلبي وتنفر منه نفسي؟!

هذه هي العصبية، وكم صدت فحولا عن مواصلة الطريق نحو الحقيقة الثابتة..

إن العصبية تمنح كثيرا من المفاهيم هالة قدسية، لكنها سراب لا حقيقة لها.. وأصعب شئ على من يقدس أمرا أن يقال له: إن الذي تقدسه سراب!!

وثمة نوع آخر من العاطفة يشد المرء إلى الوراء..

إنه الوفاء للذكريات.. فلم لا وقد أمضى أيام شبابه وهو في ذروة الحماس الديني، مع ثلة من إخوانه المؤمنين، تزدان مجالسهم بالذكر والبحث الصادق النقي الذي لا تشوبه شائبة من رياء أو مكابرة؟

إنه ليعشق تلك الذكريات عشقا لا تتخلله سهام الطعن، فإذا ما واجهته الحقيقة بغير ما كان يرى ثار شوقه إلى تلك الذكريات وتأجج عشقه لها، فينبعث من بين الشوق والعشق سؤال يمض الفؤاد: أحقا كانت مجالسنا تلك قد تخللها شئ من الأوهام؟!

إنه لا يريد أن يشك في ذلك الماضي الجميل!!

وهذا هو الوفاء للذكريات..

ولقد كنت للعصبية عدوا حيثما واجهتني، غلبتها أو غلبتني، أما الذكريات فقد آخيتها وأحسنت صحبتها حتى النهاية، وقد جعلتها في فقرات من هذا الكتاب بمثابة صديق لي أحاوره فيستجيب لي ولو همسا.

وقد أعانني على ذلك كونها ذكريات واضحة لم تختلط في ذهني.. وكونها زاخرة


13

بعلامات استفهام كانت تثيرها العقول في ساعات انطلاقاتها، فتخترق بحريتها أسوار القداسة، ثم تترك السؤال حائرا، وقلما وجدت له جوابا مقنعا وشافيا..

ورأيت أثناء رحلتي أن الوفاء للذكريات لا ينبغي أن يكون عاطفيا، فربما ينعكس أثره فلا يكون عندئذ وفاء.. وإنما المطلوب من الوفاء أن يكون وفاء علميا إن صح التعبير.

من هنا وجدت لزاما علي أن أسجل تجربتي بكل أمانة، لتكون بين الأيدي تجربة جاهزة تختزل الكثير من عناء هذا الطريق الطويل، وتقدم حلولا للكثير من تلك الأسئلة الحائرة..

فوضعت هذا الكتاب..

قد حاولت أن أحفظ فيه أشواط رحلتي مرتبة كما كانت في الواقع، بعيدا عن التكلف..

إثارات أولية، ثم عودة إلى نقاط البدء، فحوار بين حقيقة تهدي إليها الإثارة وموقف مسبق إزاء هذه الحقيقة.. وقد اتخذ هذا الحوار ثلاثة أشكال:

- حوار مع قطب من الأقطاب الذين تبنوا ذلك الموقف ودافعوا عنه، وقد قدمت لهذا دائما بذكر اسم الرجل وكتابه.

- حوار مع الذكريات، فإذا حاورتها سميتها (صديقي)، أو تكلمت بضمير الخطاب.

- حوار مع حدث ثابت من الأحداث، أو مفهوم من المفاهيم.

فتكشف عن كل ذلك أن ثم نسيجا غليظا نسجه التاريخ حول كثير من الحقائق، وهالة مصطنعة أضفاها على كثير من الرجال والمفاهيم، وليس لذلك أساس في الدين ولا واقع في التاريخ.

ووضعت ذلك في فصول اكتفيت فيها بالقليل من شواهد التاريخ، وأغضيت عن كثير منها خشية الإطالة مرة، ولكراهة الغوص في أغوار بعض الأحداث المؤلمة أكثر من القدر الكافي مرة أخرى.

وقد قدمت له بمقدمتين:

الأولى: حول طبيعة الانتماء المذهبي، وأثره في قضية الوحدة بين المسلمين.


14

والثانية: إشارة موجزة إلى بداية قصتي في هذه الرحلة.

وهناك ركائز منهجية اعتمدناها تجدر الإشارة إلى بعضها، فمنها:

1 - تجنب النقل بالواسطة، والاقتصار على ما نقف عليه مباشرة ما تيسر ذلك.

2 - التحقيق في أسانيد الأحاديث المنتخبة، أو اعتماد حكم أرباب هذا الفن فيها. وقد ذكرنا نبذا من ذلك في مواضع الضرورة فقط، وأعرضنا عما سواها تجنبا للإطالة.

3 - لملاحظة اختلاف النسخ المتعددة للمصدر الواحد، ذكرنا تعريفا بالنسخة المعتمدة في فهرس المصادر.

4 - ألحقنا بالكتاب فهارس مفصلة تيسيرا للحصول على المطالب، وقد تضمنت:

الآيات، والأحاديث، والأعلام، والأشعار، والمصادر، ومحتوى الكتاب.

والله ولي التوفيق.

صائب عبد الحميد


15

الانتماء المذهبي بين الواقع والمسؤولية

لماذا هذا التجافي بين أبناء المذاهب الإسلامية؟

هل انتخب كل منا مذهبه عن وعي وإدراك، وبعد الدرس والتحقيق؟

أم كيف حصل هذا الانتماء؟

بين هذين السؤالين تدور أشياء كثيرة، منها ما هو بديهي، ومنها ما يتطلب بعض العمليات العقلية، وما لم نمتلك الروح الموضوعية في مواجهة القضايا، فسوف تغيب عنا حتى تلك الأمور البديهية.

ولا بد أن نعترف مقدما بأن هذه الموضوعية ستكون أمرا صعبا للغاية عندما نواجه قضايا تتعلق بالعقائد والتقاليد والموروثات التي تشبعت بها العروق، وألفتها النفوس.

وسوف تكون أشد وأصعب عندما يدور الحديث بين تلك العقائد والموروثات من جهة، وبين ما يقابلها لدى الآخرين من جهة أخرى، فالإنحياز الفوري نحو المألوف هو النتيجة المتوقعة دائما، بينما يبقى الموقف الموضوعي أمرا نادر الحصول.

كيف نشأ هذا الموقف الإنحيازي؟


16

وما هو نصيبه من الصحة؟

وما هو أثره في الوجود الاجتماعي لهذه الأمة؟

وكيف ينبغي أن نواجهه؟

سنطرق هذه المواضيع من جوانبها النفسية، بدلا من عواملها التاريخية..

- أذكر يوما أني قد أديت خدمة ما إلى مجموعة من الناس، فيهم السني وفيهم الشيعي، فأراد بعضهم أن يشكر لي جهدي، فقبلني بحرارة، وقال - معبرا عن امتنانه الكبير -: سأدعو لك عند ضريح أمير المؤمنين، وأبي عبد الله الحسين وتلاه آخر، فقبلني بلهفة، وهو يقول: سأدعو لك عند الشيخ عبد القادر الكيلاني، وأبي حنيفة.

لا أشك أن كلا منهما قد كشف عن المعاني التي يقدسها، في لحظات كانت تهيج فيها مشاعره، وتنطق براءته بلا أي تكلف، فهي عبارات تعبر عن شعور بالقرب من المعاني التي تعيش في أعماقه إن لم نقل بالاتحاد النفسي معها والسؤال الذي برز إلى ذهني حينها، هو: من أي شئ حصلت هذه الفوارق في الارتباطات النفسية؟

إنه لا ينبغي أن يثيرنا سؤال واحد يجب أن نضعه أمام أنفسنا لأجل البحث عن سر اختلافنا، وهذا التجافي الحاصل بيننا. ولعلنا سوف نمسك بطرف من أطراف الاتفاق، ونقترب خطوة نحو الموضوعية لو ابتدأنا من هذه الملاحظة البسيطة:

فلو أنك سألت شابا ولد في مدينة (النجف) فقلت له: هل ستكون شيعيا لو حصل أنك ولدت في (حلب) من أبوين سنيين؟

وهكذا لو سألت الحلبي، هل ترى أنك ستكون سنيا بهذه الطريقة، لو أنك ولدت في (النجف)، في أسرة شيعية؟


17

هنا سوف لا يختلف منا اثنان حول الجواب الذي سنسمعه، بل يمكننا أن نضع الجواب مقدما، متفقين على أنه من المسلمات التي لا خلاف فيها.

وهذه الملاحظة وحدها تكفي لأن تضعنا أمام الحقيقة كلها، وتكفي لأن تبعث فينا الاستغراب لهذا التجافي والتنافر الحاصل بيننا، كما تسمح لنا هذه الملاحظة أيضا أن نطرح مزيدا من الأسئلة اللازمة، لنقترب أكثر نحو الموضوعية كلما استطعنا أن نزيح شيئا من دواعي الانحياز الوهمية المتراكمة فينا.

ولنبدأ بالسؤال حول الانحياز نفسه، والعصبية ذاتها:

فهل سيرضى أحدنا لو وجد آخر يتعصب ضده من غير دواع حقيقية، وبدون أن يتعرف على حقيقة مواقفه وآرائه؟

فإذا كان الجواب بالنفي بديهيا لدى هذا الشخص، فماذا نتوقع أن يكون موقف أشخاص محايدين، نفترض أنهم يراقبون هذا المشهد قطعا إنهم سيؤاخذون المتعصب على تعصبه.

إذن، فعند الجميع كان التعصب لذاته شيئا ممقوتا.

أفلا يكون من التناقض إذن أن نحمل بين جوانحنا أشياء نمقتها لدى الآخرين، ونمقتها بالأصل؟!

فلماذا لا نكون إذن على مستوى تقبل الطرح العلمي والموضوعي الذي يتناول شيئا من مواقفنا تجاه الأشياء والقضايا المبدئية، وتجاه بعضنا؟

وماذا في الأمر؟ فما دام الطرح موضوعيا وعلميا، فإنه سيثبتنا على ما نحن عليه، إن وافقنا الأصل والصواب، أو أنه سيرشدنا إلى ما هو أحق وأهدى، إن لم نكن قد وافقناه.

ألسنا جميعا من دعاة الحق، وطلابه؟

ولكن السر كله يمكن ها هنا، فثمة حقيقة نستطيع أن نطلق عليها:


18

(الخوف من الهزيمة) أمام الطرف المقابل، تراودنا جميعا، وهذه حقيقة لا يمكن لنا أن نوافق الصواب إن تنكرنا لها. وقد تتجلى هذه الظاهرة في الملاحظات التالية:

- أفلا ترون أننا لو صدمتنا الحقيقة بشئ يخالف ما ألفناه واعتقدناه، لظهرت ردود الفعل فينا - فورا - على هيئة غضب وثورة، ثم أحكام تلقى جزافا، وربما أعقبتها سخرية، ثم يسدل الستار على الموضوع، حتى لو عاد يواجهنا ثانية لما أحدث فينا أثرا يذكر، ولأصبح كأية مسألة لا تستحق العناية، أو الالتفات!

وبهذه الطريقة يدفعنا اللاشعور للتسلح بالمناعة الكافية ضد أي مفهوم يخالف المألوف، ولو كان أكثر منه ثباتا، وأقوى حجة.

وهذه ظاهرة عامة في بني الإنسان، إلا من تحرر منها بالوعي والمعرفة، وتلك شجاعة ما أعزها!

- وترانا أيضا، حين نواجه الأمر معكوسا نقف منه الموقف المناسب! فلو عرض علينا مذهبنا مفهوما أو اعتقادا لا يستقيم مع الفطرة السليمة، والعقل المستقيم، والبيان الشرعي، فإن رد الفعل هذه المرة سيأتي على هيئة تنازل تلقائي عما نرتضيه حقيقة، لنخضع - بأي مستوى من مستويات الخضوع - لمعان تأباها عقولنا، وتنفر منها فطرتنا، ولكننا ورثناها!

ولو خشينا من أن هذه المعاني الجديدة قد تستولي علينا، فإننا نلجأ - من حيث ندري، أو لا ندري - إلى غض النظر عنها، مؤثرين السكوت، والوقوف عند أي مستوى يمكننا أن نخضع له، مستبعدين إمكان المناقشة والحوار فما الذي يدفعنا إلى كل هذا؟ إنه (الخوف من الهزيمة)!

ذلك الشبح الذي يراود كل من يواجه مثل هذا الموضوع، حيث يرغب،


19

بل يندفع من الداخل لأن يكون متفوقا، ويهرب من أي نوع من أنواع التراجع، حتى لو كان تراجعا أمام الحق، وأمام الحكم الشرعي وهو لأجل إرضاء هذه الرغبة، يطرح في المقابل آراء وحججا ليقتنع بها ويجعلها في النهاية سدا منيعا دون الدخول في أية محاولة للمناقشة الجادة، والحوار والمتابعة.

وعندما تكون تلك الهواجس متفوقة لديه جدا، فإنه سيكتسب قناعات شديدة بكل ما من شأنه قطع السبيل إلى ميادين التفكير الحر، ويجعل أي شئ من هذا القبيل بمثابة الأمر المحرم، الذي يجب إنكاره كليا.

ثم كيف نفسر وجود هذه العقد النفسية المتراكمة فينا تراكما جعل أحدنا يرى أن مجرد اقترابه من الآخر يعد مستوى من مستويات الهزيمة، أو الضعف العقائدي، أو أنه مجاملة على حساب المبادئ!

ومن منا ينكر ظاهرة الانكماش النفسي المفاجئ، والنفور غير الإرادي التي فرضت نفسها حتى على الكثير ممن جاء ليعالج هذا الداء العضال، ويرسم حدود هذه المشكلة المستعصية في الأمة؟

فحتى الكثير من هؤلاء ينزلق من حيث لا يشعر، فيمارس مرة أخرى تجسيد تلك الروحية، وتعميق تلك الحواجز النفسية التي سيكون لها هنا آثار أكثر سلبية حتى من تلك البحوث التي تكرس أصلا لتعميق الخلاف، وإحياء الروح الطائفية، وذلك لأنها ستوحي للقارئ بأن هذه الظاهرة هي بمستوى الحقيقة التي تأصلت في النفوس، وأصبحت جزءا لا يتجزأ من عقائدنا وعواطفنا، وعند هذا يصبح مجرد مناقشتها أمرا مخالفا للطبع، وليس له موضع بيننا على الاطلاق.

ومن أبرز الأمثلة على هذا النمط، ما نجده عند بعض من كتب في الدفاع عن الوحدة الإسلامية، متحمسا ضد الطائفية ومروجيها، ثم إذا أراد


20

أن يستشهد بمثال، أو يأتي بمصاديق على دعواه، مال على الجانب الآخر، مسجلا نماذج من حملات بعض رجالهم ضد المذهب الذي ينتمي إليه هو، فكأنه يريد أن يقول: إن أولئك هم أساس هذه النزاعات، وهم الذين يؤججون نار الفتنة بين المسلمين، ولم يكن أصحابه هو إلا مدافعين عن مذهبهم المستهدف!

وهكذا يمارس دوره من جديد في إثارة النزاع بما يثيره من ردود فعل سلبية لدى الأطراف الأخرى، فيضيف حلقة أخرى إلى مسلسل النزاعات!

بينما كان الأجدر به - حين يلجأ إلى مثل هذا الاستشهاد - أن ينتخب نموذجا من حملات أصحابه هو ضد المذاهب الأخرى، فيردها، ويبعدها عن ساحة القبول، وبهذا يكون قد أعطى نموذجا صادقا ورائعا في هذا المضمار، وقدم مثالا لروحية عالية تترفع على الأهواء والعصبيات، وتميل بصدق لتحقيق التآلف بين أبناء هذه الأمة الواحدة.

ذلك بحق إنسان في القمة، وما أحوجنا إليه في كل مكان وزمان.

إن تلك الروحية العالية وحدها هي التي تحقق أثرا إيجابيا يرجى أن يؤتي ثماره على طريق التقارب والتفاهم والحوار العقلاني الواعي، الذي سيزيدنا قوة ويوفر بيننا مستوى من الانسجام والاتحاد لا يقل عن درجة الاحساس الصادق بالارتباط المصيري، والاتحاد العقيدي. وسيعيننا هذا الفهم، بل سيدفعنا إلى التعرف على بعضنا من جديد، بروح أخوية نزيهة، ويزودنا برغبة صادقة في البحث عن الحقائق الناصعة المبرأة من كل ما تراكم من غبار زمن طويل، ملئ بالنزاعات والتخاصم، وتبادل التهم والشتائم و...

وبمثل هذه الصيغة يمكننا أن نتوصل إلى جذور تلك الحواجز النفسية، وخلفيات هذا التشنج، وتلك العصبيات المقيتة.

فلقد بلغت بنا تلك العصبيات حدا بالغ الخطورة، حتى صار تعصبنا لأي شئ ألفناه هو أشد ألف مرة من استعدادنا للتمسك بالحكم الشرعي الثابت.


21

وهذا يقابله تعصب مماثل ضد ما نراه لدى الأطراف الأخرى.

ومن المهم أن أؤكد هنا أني لا أعني مفهوما بالذات، أو طائفة من المسلمين دون غيرها، ولا فردا دون آخر، بل أريد تلك الظاهرة التي أضحت (مرضا) نفسيا أرسى جذوره في أعماقنا، أفرادا وجماعات، حتى أصبحت معظم التقاليد التي نسبت إلى المذهب، وألصقت به وهي ليست منه، حاكمة حتى على النص الشرعي الثابت لدينا.

فرحنا نلجأ إلى تحوير كل نص لا ينسجم مع هذا التقليد، أو ذلك الرأي وصياغته بحسب قوالب صنعناها نحن بأيدينا، وإن كانت لا تمت إلى الدين بصلة، ولكنها ارتقت في أذهاننا إلى مستوى الشعائر المقدسة، فأصبح مجرد الإشارة إليها أمرا يثير المشاعر، ويؤجج فينا نار الغضب.

ولهذا نجد أن علماء المذهب نفسه لا يجرأون على استنكارها، أو وعظ أصحابهم بتخفيف شدة تمسكهم بها، ولو تجرأ أحدهم على شئ من ذلك، لنبذه أتباعه في الحال، ولأصبح بينهم عرضة لألوان الشتائم والمطاعن، وربما بلغ الأمر إلى رميه بالزندقة والنفاق، ولو كان أتقى الأتقياء!

ولنتذكر مرة أخرى أن من الخطورة بدرجة أن يميل كل منا للاستفادة من هذه الإشارات في توجيه التهم إلى الآخرين، على أنها من مزاياهم وحدهم فإن هذا الأسلوب هو تجسيد كامل للعصبية، كما أنه سوف يبقي على كل معايبنا وأخطائنا، ثم يعود بنا إلى عمق مصيبتنا.

إنما المطلوب منا أن نفتش عن تلك الظواهر في أنفسنا نحن لننتزعها من قلوبنا وعواطفنا، ونتخلص من آثارها.

فلو امتلكنا مثل هذه الروحية، لاقتلعنا كل جذور الخلاف، واكتسحنا كل الآثار السلبية المترتبة عليه.

والآن، لعلي أصبحت قادرا على أن أطرح على نفسي السؤال الآتي:


22

ما الذي يحملني على الإعتقاد - إلى حد التسليم - بأن مذهبي الذي ورثته عن آبائي ومجتمعي الصغير هو الحق الأوحد والأمثل، وأنه الصورة الأكثر كمالا للدين الإسلامي الحنيف، بحيث لا يشاركه مذهب آخر في حظه هذا من الكمال؟

ما الذي حملني على هذا الإعتقاد، أهو القرآن الكريم؟ أم السنة المطهرة أم العقل السليم؟

أم هي العصبية التي لا تستند إلى شئ؟!

ولماذا لا يمكنني أن أعتقد بأن المذاهب الأخرى هي مثل مذهبي على الأقل؟

ومن يدري! فلعلها تكون جميعا أكثر سلامة وكمالا مما تعلمته أنا!

وما العجب من هذا الافتراض، أليس هكذا يعتقد أبناء المذاهب الأخرى؟

إذن، ما الذي يمنعني من أن أكون أبعد نظرا، لأتقبل فكرة: أن المذاهب الأخرى هي أيضا تحتمل الصحة، على الأقل؟

ثم، ألست مسؤولا غدا عن سبب اعتقادي، وتبعيتي الدينية؟

وهذا هو السؤال الخطير الذي يجب أن أقف عنده موقف الجد..

سيبرز هنا سؤال آخر، وهو: ألا تقودني هذه الفكرة إلى الطائفية مرة أخرى؟

أعني أنني عندما أدخل طريق الدرس والمتابعة، فإن دراستي ستقودني حتما إلى قناعة ما، وعلى أساس هذه القناعة سوف أنتخب المذهب عن وعي وإدراك هذه المرة، كما تقتضي المسؤولية الشرعية، وأصول الدراسة العلمية، أفلا يفهم من هذا أنني سوف أطعن بالمذاهب الأخرى، وسوف أصرح بالفعل وإن لم أصرح بالقول، بأن المذهب الذي انتخبته هو الأكثر كمالا ودقة وعمقا؟

نعم، قد تكون هذه الطريقة مصدرا للإثارة، ولكن إلى أي شئ تعود تلك


23

الإثارة وعلى أية أرضية تقوم؟

هل انبثقت من موقف علمي ورؤية موضوعية، أم أنها نشأت عن غير ذلك؟

وبتعبير آخر، هل هي رؤية تصمد أمام قوله تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (1).

أم هي واقعة تحت ظلال قوله تعالى: ﴿إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس (2)؟

فهذا هو ميزان السماء لكل دعوى.

إن شيئا من ردود الفعل هذه، ما هو إلا جزء من إفرازات تلك العقد النفسية المتجذرة فينا، وإلا فمن أين جاء زعمنا: أن الفرد المسلم الذي انطلق من وعيه بمسؤوليته الشرعية، ملتزما قواعد البحث العلمي، والدراسة الموضوعية المجردة، متسلحا بالشجاعة الكافية في اتباع الحق الذي يستقر عليه، ثم انتهى إلى اختيار آخر، خالف فيه أصحابه، أنه سيكون بالضرورة قد ناصبهم العداء، أو حكم عليهم بالضلال والجحيم؟

أليس العكس هو الصحيح، ما دمنا نقر جميعا بأن هذا المنهج هو مسؤولية شرعية في أعناق الجميع دون استثناء؟

نعم لنا أن نقول: إن مثل هذا الفرد لكي يكون متوازنا في، مواقفه، ملتزما علميته، عليه:

أولا: ألا يكون منفعلا بتأثير نشوة الاكتشاف الجديد، فيندفع متحمسا تجاه المذاهب الأخرى، ليشن عليها حملاته بمناسبة أو بلا مناسبة، وكأنه

(1) النمل: 64.

(2) النجم: 23.


24

يتحدث مع فرقة ضالة قد مرقت من الدين.

وثانيا: ألا يذوب كليا في المجتمع الجديد بكل ما فيه، حتى التقاليد الموروثة التي لم يكن مصدرها الإسلام، وحتى العقد النفسية المتراكمة فيهم تجاه كل من يخالفهم بشئ.

إن منهجا كهذا لو التزمه الواعون منا، لوصلنا إلى أفضل مما نحن عليه الآن بكثير.

وحتى لو لم نصل جميعا إلى نتيجة واحدة، وحتى لو عاد كل واحد منا فانتخب مذهبه الذي نشأ عليه من جديد، فلن يؤدي ذلك إلى خلاف جديد بيننا بالمرة، بل على العكس تماما، سيؤدي إلى احترام كل منا للآخر، لأنه سيعرف عنه الكثير مما كان مخفيا عليه، أو كان مشوها في ذهنه، نتيجة ما ورثه في ذلك الواقع الممزق المخيف.

هذا عن أصل المشكل المثار، وأما عن مضمونه الذي مفاده: (أن مجرد البحث أو التفكير في مثل هذا الموضوع، هو بمثابة نواة للفرقة والتمزق وإثارة الخلافات المذهبية من جديد) فجوابه:

إن قضية الوحدة بين المسلمين هي مسؤولية شرعية لا يمكن التعامي عنها وإغفالها، فقد أمر القرآن الكريم بحفظها أمرا صريحا، فقال: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) (1).

وحذر من تضييعها، وتوعد على ذلك بأشد الوعيد، فقال: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) (2).

(1) آل عمران: 103.

(2) آل عمران: 105.


25

فالوحدة بهذا المستوى من الأهمية، قضية يجب حمايتها والحرص عليها في كل قول وفعل، ولا شك في أن من تغافل عن ذلك فقد وقع في التقصير.

فمن المسلم به إذن: أن الشارع المقدس لن يرتضي لأحد أي عمل من شأنه أن يقدح بهذه المسؤولية الشرعية.

ولكن، من المسلم أيضا بين المسلمين، أنه جل جلاله لن يرتضي لعبده المكلف أن تكون حجته في تدينه وانتمائه المذهبي: ما وجد عليه آباءه!

إذن ليس أمام هذا العبد المكلف المسؤول إلا أن يتعاهد مسؤوليته بالبحث والدرس والتحقيق، على قدر استطاعته، ليكون قد اتخذ موقفه، وحدد التزاماته عن وعي وإدراك حقيقيين.

وإذا كان كذلك، فثمة مسألة أخرى لا بد من الإشارة إليها:

ففي منهج البحث العلمي، هل سيكون الباحث ملزما تأييد وموافقة كل ما تتبناه المذاهب الإسلامية، على اختلافها؟

فينبغي له أن يكون - تحت عنوان حفظ الوحدة الإسلامية - مؤيدا لكل الفروع والتفاصيل التي تعترض طريق البحث؟

إن شيئا من هذا الإلزام سوف لا يبقي على أي معنى للبحث والنظر، بل سيبطلهما من الأساس. فالبحث العلمي إنما يتوخى الحقائق المجردة عن أية مواقف مسبقة، وأية اعتبارات أخرى تصرفه عن مساره، وهذا محال مع وجود ذلك الإلزام.

فليس من الصحيح إذن أن نطالبه بموافقة الجميع، حتى فيما اختلفوا فيه، بحجة تجنب الخلاف والفرقة، بل إن فكرة كهذه ستكون مصدر أخطار على الوحدة بين المسلمين قد لا يوازيها خطر يأتي من عمل عدائي مقصود!

لأن هذا الفهم يعني بالنتيجة: أن علينا أن نحتفظ بكل تلك الخلافات وبأسبابها ودواعيها أيضا إلى الأبد، لأنها كلها كانت آراء رجال السلف


26

ومواقفهم وحتى تلك التي أدت إلى إثارة الحروب، وسفك الدماء، لأن كل أطرافها كانوا على الحق!

ألا يعني هذا أن من حقنا اليوم، وفي كل عصر، أن نجدد تلك النزاعات، وأن يقتل بعضنا بعضا، ولا بأس علينا، لأن كل طرف منا قد تمسك بما نقل إليه عن بعض رجال السلف؟

وفي أحسن الأحوال، فإننا سنبقي على تلك الخلافات، وعلى جذورها حية فينا ما حيينا، وليس هذا مجرد فرض نفترضه، أو دعوى ندعيها، بل هو الواقع الحاصل في هذه الأمة.

فهل تمدد الخلاف فينا، وتوالت الانقسامات، إلا بسبب التمسك بتلك الفكرة التي جعلت من نقاط الخلاف القديم محاور لتجمعنا، وعناوين لانقساماتنا؟

وما زال الكثير منا يدافع عن ذلك المبدأ، معتقدا بأن الدفاع عن الجميع هو السبيل الوحيد لتحقيق التقارب بين المسلمين!

وإنه لأمر غريب حقا، فمتى كان التمسك بأسباب الانشقاق هو الشرط الذي يضمن تحقيق الانسجام؟!

ولنتذكر ثانية أن هذا هو واحد من إيحاءات (الخوف من الهزيمة) الذي نعاني منه، وإلا أفلا يكون من دواعي الاستغراب أن تضيق صدورنا عن تتبع النص الإسلامي الشرعي، والتمسك به؟!

ذلك ونحن نعتقد جميعا إن مسؤوليتنا تتلخص في حفظ هذا الدين الحنيف كما أراده الله ورسوله، بالتزام الموقف الحق الثابت الذي لا غبار عليه، وحمايته سواء وافق ميول الأشخاص، أو خالفها!

هكذا يتبين إذن أنه لا يجوز استغلال شعار " الوحدة الإسلامية " للتخلي عن مسؤوليتنا الشرعية في التفكير الحر، وانتخاب الموقف عن وعي وبصيرة.


27

وكذا فليس من الصواب الاندفاع تحت ذريعة هذه المسؤولية لتعميق الخلافات المذهبية، وإغذاء النزعة الطائفية البغيضة، فهذه أيضا مسؤولية شرعية ملقاة على عواتقنا بنفس الدرجة، نحن مسؤولون عنها غدا: (منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين*من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون) (1).

إن الوحدة بين المسلمين يجب أن تفهم أنها قضية رسالية أساسية.

فليست هي موضوعا طائفيا يجمع المسلمين أمام الأمم الأخرى، وحسب ولا هي دعوى فوقية يراد منها التزلف والتملق فيما بيننا.

ولم تكن في عرف التشريع السماوي المقدس هدفا دنيويا مصلحيا مؤقتا.

بل هي أكبر من ذلك كله، إنها مسؤولية رسالية بحجم هذه الرسالة، أريد لها أن تسود، كما أريد لها البقاء والخلود.

فما أحوجنا إلى أن ندرك واجباتنا في حفظ مجتمعنا الإسلامي النزيه، وتحقيق الانسجام والتآلف بين أفرادنا وفصائلنا، ومعالجة أسباب (هذه الفرقة، التي لم تؤذ السني في مواجهة الشيعي فقط، ولا الشيعي في مواجهة السني فقط، ولكنها كرست تفتيت السني إلى عدة مذاهب، وكرست تفتيت الشيعي إلى عدة مذاهب) (2).

- إن اتفاق المسلمين في قضاياهم المصيرية ليكونوا أمة واحدة، ويدا واحدة في مواجهة المسؤوليات، وفي البناء الحضاري الإسلامي، وفي حفظ هذا الدين العزيز، والوقوف بوجه المخاطر والتحديات، هي من الأمور التي يجب

(1) الروم: 31 - 32.

(2) من مقالة للدكتور فهمي الشناوي بعنوان (الفتنة الكبرى المعاصرة) نشرتها مجلة العالم في عددها 336 من عام 1990.


28

حمايتها وإن اختلف المسلمون في انتماءاتهم المذهبية، أو تباينوا في وجهات النظر حول بعض القضايا، فليس هناك أي تناقض بين أن نكون أحرارا في تفكيرنا، وأن نكون متفقين في قضايانا المصيرية، ومعالمنا المشتركة.

وإذا كان هذا الهدف كبيرا وعظيما، فهو ليس مستحيلا ولا مستبعدا.

وحين تتوفر لدينا الرغبة الصادقة في بلوغ هذا الهدف نكون قادرين على تبني المشروع الوحدوي المتكامل الذي يستوعب جميع الخطوات الأساسية على هذا الطريق، والتي يمكن حصرها بما يلي: - أولا: إزاحة الحواجز النفسية المتراكمة فينا، والتي لم ترتكز على دليل علمي، ولا حجة منطقية، ولا أساس من الدين الذي أمرنا الشارع المقدس أن نتدين به.

ثانيا: تحقيق المستوى الكافي من الوعي بمسؤولياتنا تجاه الإسلام، والأمة المسلمة.

ثالثا: التوجه نحو المبادئ المشتركة فيما بيننا - والتي تشكل لوحدها كل العناصر الأساسية اللازمة لتحقيق أفضل مستوى من الاتحاد بين المسلمين -:

كوحدة العقيدة بأركانها، ومصادر التشريع الأساس، وفروع الدين، وما لا يحصى من الأحكام التفصيلية الأخرى، هذا مع إيماننا جميعا بوحدة المصير.

إذ إن وحدة المصير - لوحدها - لو أخذناها مأخذ الجد، لأزاحت الكثير والكثير جدا من العقبات التي تحول دون تفاهمنا.

إن خطوات كتلك ستخلق التآلف الحقيقي، وهو التأليف بين القلوب كما يصفه الله تبارك وتعالى بقوله: (وألف بين قلوبهم) (1).

(1) الأنفال: 63.


29

هذا بدلا من أن نسود الصفحات العديدة بالنداءات الوحدوية:

والعبارات الخطابية الرنانة، والألفاظ الأدبية الساحرة، التي تصور درجة عظمى من الاتحاد والتماسك، ولكن قد لا تجد لها مصداقا في القلوب.

وفي أبسط لغة، ومع الحد الأدنى من البرهان، نقول: إن كلا منا يشهد للآخرين بأنهم مسلمون..

وبهذه الشهادة وحدها يترتب عليه أن يحفظ تجاههم كل حقوق المسلم على أخيه المسلم، والتي بينها الشارع المقدس في عشرات، بل مئات النصوص من قرآن وسنة:

فدمه، وعرضه، وماله حرام، واغتيابه حرام، وبهتانه من الكبائر، وسبابه فسوق، وقتاله كفر، والغش له والغدر به جفاء مع الدين كله، بل عليه أن يعيش معه كأعضاء الجسد الواحد، وأن يحب له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لها، ولا يقبل فيه أقوال الوشاة والساعين في بث الفرقة والخلاف.

كل هذا، وكثير غيره، يعد من أوليات الأخلاق الإسلامية، ومما يتعلمه المسلم في أول حياته، وابتداء من أبسط الحقوق: كإفشاء السلام، وعيادة المريض، وانتهاء بأكبرها: كالايثار بالنفس.

فما بالنا ننسى كل هذا، بمجرد أن نختلف في مواردنا الفقهية؟!

ثم نجعل نقطة الخلاف هذه، قبلتنا التي إليها نتوجه في أفكارنا، واهتماماتنا، وأحاديثنا في جلسات سمرنا، لتصبح فيما بعد مواقف سياسية وعقائدية تفصل بيننا؟

ولماذا لا ندرك أن كل ما حصل في هذه الأمة من انقسامات وتشعب في الموارد، إنما هو وليد الخلاف السياسي الذي ظهر مرة، ثم تهيأ له أن ينمو بعدما ظهر، وهو لأجل أن ينمو ويستمر، لا بد أن يعتمد أساسا " شرعيا " وعليه فلا بد أن يشق له مورده الفقهي المناسب، ولو تدريجيا، وعن غير قصد، ولكنه


30

سينمو بالنتيجة، ليكون موردا مستقلا له خصائصه، وقواعده، ودعائمه التي يقوم بها، وتميزه عن غيره، وكلما مضى في تعزيز بنيته، فقد تغلغل في البعد عن منبعه الأول!

وهكذا قل مع كل مورد أدخلت فيه السياسية أصابعها، حتى تحصل في الواقع اتجاهات متعددة، تتوغل في البعد عن بعضها كلما أرادت تدعيم حججها وإظهار معالمها.

والحقيقة هي هكذا لو تبصرنا فيها.

ولو لا خشية الخروج عن منهجنا، لفصلنا القول في إيضاح ذلك، ولكنا اكتفينا بما يشير إليه ضمن فصول هذا الكتاب، تاركين التطبيق للقارئ الكريم لأن تكلف التطبيق سيخرج بنا عن منهجنا في هذا البحث، أولا، وسيرغمنا - ثانيا - على الإطالة، التي سعينا جاهدين لتجنبها.

وأمام تلك الحقائق، فلا مفر من كوننا جميعا، على قدم سواء في المسؤولية، مسؤولية البحث، والتحري، والاستكشاف، ثم انتخاب الموقف الواعي، القويم، غير المنحاز، وغير المتطرف.

وكلنا متساوون في الحاجة إلى مراجعة مواقفنا، ثم إعادة بنائها على أساس سليم. وإلى هذا كان سعينا، وفق خطوات نعرضها مرتبة في فصول هذا الكتاب.

والله من وراء القصد (والذين جهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) (1):

(1) العنكبوت: 69.


31

هكذا كانت البداية

مع الحسين - مصباح الهدى - كانت البداية.

ومع الحسين - سفينة النجاة - كان الشروع.

بداية لم أقصدها أنا، وإنما هي التي قصدتني، فوفقني الله لحسن استقبالها، وأخذ بيدي إلى عتباتها..

ذلك كان يوم ملك علي مسامعي صوت شجي، ربما كان قد طرقها من قبل كثيرا فأغضت عنه، ومالت بطرفها، وأسدلت دونه ستائرها، وأعصت عليه.

حتى دعاني هذه المرة، وأنا في خلوة، أو شبهها، فاهتزت له مشاعري ومنحته كل إحساسي وعواطفي، من حيث أدري ولا أدري..

فجذبني إليه.. تتبادلني أمواجه الهادرة.. وألسنة لهيبه المتطايرة..

حتى ذابت كبريائي بين يديه، وانصاع له عتوي عليه..

فرحت معه، أعيش الأحداث، وأذوب فيها.. أسير مع الراحلين، وأحط إذا حطوا، وأتابع الخطى حتى النهاية..

تلك كانت قصة مقتل الإمام الحسين عليه السلام، بصوت الشيخ عبد


32

الزهراء الكعبي يرحمه الله، في العاشر من محرم الحرام من سنة 1402 للهجرة.

فأصغيت عنده أيما إصغاء لنداءات الإمام الحسين..

وترتعد جوارحي، مع الدمعة والعبرة، وشئ في دمي كأنه الثورة..

وهتاف في جوارحي.. لبيك، يا سيدي يا بن رسول الله..

وتنطلق في ذهني أسئلة لا تكاد تنتهي، وكأنه نور كان محجوبا، فانبعث يشق الفضاء الرحيب دفعة واحدة..

إنطلاقة يؤمها الحسين، بقية المصطفى، رأس الأمة، وعلم الدين؟

إنطلاقة الإسلام كله تنبعث من جديد، ورسول الله يقودها من جديد، بشخص ريحانته، وسبطه الحسين؟

وهذه نداءات الإسلام يبثها أينما حل، والجميع يعرفها! ولا يعرف للإسلام معنى في سواها؟

ومصارع أبناء الرسول؟!!

وتيار الانحراف يجرف الحدود، ويقتحم السدود؟!

وأشياء أخرى لا تنتهي...

وتعود بي الأفكار إلى سنين خلت، وأنا أدرج على سلم الدرس، لم أشذ فيها عن معلمي، فقلت: ليتني سمعت إذا ذاك ما يروي ضمأي..

ولكن، ما هو ذنب معلمي! إنه مثلي، كان يسمع ما كنت أسمعه، وليس إلا..

بل ليتها مناهجنا قد نالت شرف الوفاء لهذا العطاء الفريد..

ليتها مرت على فصول تلك الملاحم، ولو مرور العابرين! من غير تعظيم، أو تمجيد، أو ثناء..

فليس ثمة حاجة إلى شئ من هذا القبيل، فقد تألق أولئك الأبطال فوق ذروة المديح والثناء، فكأنني أنظر إلى منابر التبجيل والإطراء مهطعة تحدق


33

نحوهم وهم يحلقون في قبة السماء!!

ثم أنت يا حلق الوعظ، ويا خطب الجمع ويا بيوتات الدين، أين أنت من هذا البحر اللامتناهي؟!

لقد صحبتك طويلا، فليتني وجدتك اتخذت من أولئك الأبطال، وتلك المشاهد أمثلة تحتذى في معاني اليقين والجهاد، أو الإقدام والثبات، أو التضحية والفداء، أو النصرة والإباء، أو الحب والعطاء أو غيرها مما يفيض به ميدان العطاء غير المتناهي ذاك، كما عهدتك مع نظائرها، وما هو أدنى منها بكثير!

وأين أنت أيتها الدنيا؟!

وعلى أي فلك تجري أيها التاريخ؟!

ألا تخشى أن يحاكمك الأحرار يوما؟

عتاب لاذع، وأسئلة لا تنتهي، والناس منها على طرق شتى..

فهي تمر على أقوام فلا يكاد يوقظهم صداها، ولا يفزعهم صخبها!!

ورأيتها تمر على آخرين فتكاد تنتزع أفئدتهم، من شدة ما لهم معها من هياج ونحيب، وأدمع تجري فلا تريد أن تكف..

ويلتهبون على الجناة غيظا ونقمة وحنقا..

فتمتلئ صدورهم من هذا وذاك بكل معاني الموالاة والبراءة..

موالاة لله وأوليائه، وبراءة من أعدائه..

ولم لا تنفطر الأكباد لفاجعة كهذه!

وبدلا من أن تهربي من ذكراها - أيتها الدنيا - في العام مرة، أولى بك أن تقفي عندها كل يوم ألف مرة، ولا تستكثري.

أكثير أن يحيا الحسين السبط بيننا على الدوام، وليس كثيرا أن يقتل بين يديك كل يوم ألف مرة؟!


34

وعندما رحت أتعجب من هذا الانقسام، عدت مع هذه الواقعة إلى الوراء، فإذا الناس من حينها كحالهم الآن، فهم بين من حمل الحسين مبدءا، وتمسك به إماما وأسوة، ودليلا إلى طريق الفلاح، فوضع نفسه وبنيه دون أن يمس الحسين، وبين من حمل رأس الحسين هدية إلى يزيد!!

وبين هذا وذاك منازل شتى في القرب والبعد من معالم الحسين..

وأشياء أخرى تطول، فقد استضاءت الدنيا كلها من حولي، وبدت لي شاخصة معالم الطريق..

فرأيت الحكمة في أن أسلك الطريق من أوله، وأبتدئ المسيرة بالخطوة الأولى لتتلوها خطى ثابتة على يقين وبصيرة..

وابتدأت، وإن كانت الأيام تشغلني بين الحين والحين بما يصد المرء عن نفسه وبنيه، إلا أني أعود إذا تنفست فأتابع الخطى.

وقد حملت الصفحات الآتية أهم تلك الخطى، ولم أكن أفقد إحساسي بمدد الله تعالى وتوفيقاته ما دمت أشعر بالقرب منه جل جلاله..

وهو حسبي..


35

مدخل

في فضائل أهل البيت...

في هذا الباب من السعة ما قصرت عنه التصانيف الكبار، غير أننا سنشير هنا إلى شئ من فضائلهم - عليهم السلام - التي لم يشاركهم فيها أحد من الناس، تاركين ما يتعلق منها بالفصول القادمة إلى محله، ليكون هذا مدخلا لما يليه...

1 - آية المباهلة:

هذه الآية التي خلدت حدثا هو من أظهر معاجز سيد الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، إذ جاء وفد نصارى نجران يدعي لنفسه الحق والظهور على الدين كله، فخاطب المليك المقتدر حبيبه المصطفى، فقال: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين) (1).

(1) آل عمران: 61


36

فمن الذين اصطفاهم الله تعالى لتلك المنازل العظمى؟

أولئك هم الذين انتخبهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مصداقا لهذه الآية الكريمة: علي، وفاطمة، والحسن، والحسين، ولا أحد سواهم (1).

قال البغوي في تفسيره: (آباءنا) أراد الحسن والحسين (ونساءنا) فاطمة (وأنفسنا) عنى نفسه وعليا رضى الله عنه (2).

وقال الرازي: هذه الآية دالة على أن الحسن والحسين عليهما السلام كانا ابني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعد أن يدعو أبناءه فدعا الحسن والحسين فوجب أن يكونا ابنيه (3).

وهكذا يقال في علي عليه السلام، إذ وعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (وأنفسنا) فجاء بعلي معه.

ثم كانت بضعته الزهراء البتول كل ما اصطفاه من نساء أمته.

وأما الزمخشري فيقول: وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على لطف مكانهم، وقرب منزلتهم، بأنهم مقدمون على الأنفس، مفدون بها، وفيه دليل لا شئ أقوى منه على فضل أصحاب الكساء (4)، وفيه برهان واضح على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم (5).

(1) أنظر صحيح مسلم 4: 1871 / (32 - 2404). سنن الترمذي 5: 225 / 2999، مصابيح السنة 4: 183 / 4795، الكامل في التاريخ 2: 293، أسباب النزول للواحدي: 60، تفسير الرازي 8: 81، تفسير الزمخشري 1: 368، تفسير القرطبي 4: 104، تفسير الآلوسي (روح المعاني) 3: 188 - 189، تفسير النفسي 1: 221، تفسير أبي السعود 2: 46، تفسير فتح القدير للشوكاني 1: 347 - 348، معالم التنزيل للبغوي 1: 480، جامع الأصول 9: 470 / 6479 وسائر كتب التفسير، ومناقب أهل البيت عليهم السلام.

(2) معالم التنزيل 1: 480.

(3) تفسير الرازي 8: 81.

(4) سيأتي بيانه في الحديث اللاحق.

(5) التفسير الكشاف 1: 369 - 370.


37

2 - آية التطهير وحديث الكساء:

قد تقدمت شهادة الزمخشري بأن أصحاب الكساء هم: محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين عليهم السلام، فما هو خبر الكساء، وما صلته بآية التطهير؟

أخرج مسلم في صحيحه من حديث عائشة: خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم غداة وعليه مرط مرحل (1) من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (2).

وروى الزمخشري هذا الحديث في تفسيره، ورواه الرازي أيضا، ثم عقب عليه بقوله: واعلم أن هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث (3).

وأخرج الترمذي حديث أم سلمة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جلل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة كساء وقال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي، وحامتي، أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ".

قالت أم سلمة: وأنا معهم، يا رسول الله؟

فقال: " إنك على خير " (4).

(1) المرط: كساء من صوف أو خز، ويقال: مرط مرحل: إذا كان منقوش عليه صور الرحال، أو فيه علم.

(2) صحيح مسلم - كتاب فضائل الصحابة - 4: 1883 / 2424.

(3) تفسير الرازي - عند الآية (61) من سورة آل عمران - 8: 80.

(4) سنن الترمذي - كتاب التفسير - 5: 351 / 3205 - وكتاب المناقب - 5: 663 / 3787 و 669

‌>


38

وهكذا يثبت أن أصحاب الكساء الخمسة هم المشار إليهم في آية التطهير.

فعن سعد بن أبي وقاص: لما نزلت هذه الآية (قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم) دعا رسول الله عليه وآله وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: " اللهم، هؤلاء أهلي " (1).

وقال الواحدي: إن هذه الآية نزلت في خمسة: النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعلي وفاطمة، والحسن، والحسين عليهم السلام (2).

وأفرد المحب الطبري بابا أسماه: باب في بيان أن فاطمة وعليا والحسن والحسين هم أهل البيت المشار إليهم في قوله تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (3).

<‌

/ 3871.

(1) صحيح مسلم 4: 1871 / (32 - 2404)، سنن الترمذي 5: 638 / 3724، مصابيح السنة 4 : 183 / 4795، جامع الأصول 9: 470، الاستيعاب - بهامش الإصابة - 3: 37، أسد الغابة 4:

26، وغيرهم كثير.

(2) أسباب النزول للواحدي: 200.

(3) ذخائر العقبى، وذكر في ذلك عدة أحاديث بين ص: 21 - 24.

ومن مصادر حديث الكساء غير ما تقدم: مسند أحمد 4: 107 و 6: 292، 304، مصابيح السنة 4 : 183 / 4796، المستدرك 2: 416 و 3: 148، الاحسان بترتيب صحيح ابن حبان 9: 61 / 6937، سير أعلام النبلاء 3: 283، الصواعق المحرقة: باب 11 الفصل 1: 143، الخصائص للنسائي: 4، شواهد التنزيل 2: - 92 / 637 - 774، أسد الغابة 4: 29، الخصائص الكبرى للسيوطي 2: 464، مجمع الزوائد 9: 167.


39

3 - القرآن الكريم يأمر بمودتهم:

قال تعالى: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى (1).

قال الزمخشري: روي أنها لما نزلت قيل: يا رسول الله، من هم قرابتك الذين وجبت علينا مودتهم؟

قال صلى الله عليه وآله وسلم: " علي وفاطمة، وابناهما " (2).

ورواه عنه الرازي، ثم قال: فثبت أن هؤلاء الأربعة أقارب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد من التعظيم، ويدل عليه وجوه:

الأول: قوله تعالى: ﴿إلا المودة في القربى.

الثاني: لا شك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحب فاطمة عليها السلام، قال صلى الله عليه وآله وسلم: " فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها " وثبت بالنقل المتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يحب عليا والحسن والحسين، وإذا ثبت ذلك وجب على كل الأمة مثله، لقوله تعالى:

(واتبعوه لعلكم تهتدون) ولقوله: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره)..

الثالث: أن الدعاء للآل منصب عظيم، ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة، وهو قوله: " اللهم صل على محمد وعلى آل محمد " وهذا التعظيم لم

(1) سورة الشورى: 23.

(2) الكشاف: 4: 219 - 220.

وروي الحديث أيضا في: فضائل الصحابة 2: 699 / 1141، المستدرك 3: 172، شواهد التنزيل 2: 130 من عدة طرق، الصواعق المحرقة: باب 11 فصل: 1: 170 - الآية 14: تفسير الرازي 27: 166: مجمع الزوائد 9: 168: وسائر كتب المناقب.


40

يوجد في حق غير الآل.

فكل ذلك يدل على أن حب محمد وآل محمد واجب، وقال الشافعي رضي الله عنه:

يا راكبا قف بالمحصب من منى

واهتف بساكن خيفها والناهض

سحرا إذا فاض الحجيج إلى منى

فيضا كما نظم الفرات الفائض

إن كان رفضا حب آل محمد

فليشهد الثقلان: أني رافضي (1)

4 - ويوجب الصلاة عليهم:

في قوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما (2).

وهذا مما لا يغيب عن أحد، فكلنا نؤديه في صلواتنا، واجبة كانت أم مستحبة، وفي أذكارنا ودعائنا، لما ثبت في المتواتر عن صورة الصلاة على النبي حين سئل: كيف نصلي عليك، يا رسول الله؟

فقال: " قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على

(1) تفسير الرازي 27: 661.

(2) الأحزاب: 56.


41

إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم " (1).

وفي هذا جاءت أبيات الشافعي الشهيرة:

يا أهل بيت رسول الله حبكم

فرض من الله في القرآن أنزله

كفاكم من عظيم الشأن أنكم

من لم يصل عليكم لا صلاة له (2)

5 - ويبشرهم بالجنة والرضوان:

إذ يقول: (فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقهم نضرة وسرورا*وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا) (3).

وقد توافق المسلمون على أن هذه الآيات نزلت خاصة في علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام في قصة التصدق على المسكين واليتيم والأسير، وقد ذكرها أغلب أهل التفسير (4).

(1) صحيح البخاري 6: 217 / 291، الترمذي 5: 359 / 3220 والحديث أشهر من أن نحصي مصادره.

(2) الصواعق المحرقة: باب 11 فصل 1: 148.

(3) الدهر - الإنسان -: 11، 12.

(4) أنظر: التفسير الكشاف - للزمخشري - 4: 670، وتفسير الرازي 30: 243، وقال: ذكره الواحدي في كتاب (البسيط)، فتح القدير للشوكاني 5: 349، روح المعاني 29: 157 - 158، معالم التنزيل للبغوي 5: 498، تفسير أبي السعود 9: 73، تفسير البيضاوي 2: 552، تفسير النسفي 3: 628،

‌>


42

6 - علي وارث علم النبي:

فقد قال عليه السلام: " علمني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألف باب من العلم وتشعب لي من كل باب ألف باب " (1).

وقال عليه السلام أيضا: " كنت إذا سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطاني، وإذا سكت ابتدأني " (2).

7 - وأحب الخلق إلى الله:

ومما يشهد لهذا: حديث (الطائر المشوي) الشهير، كما يرويه أنس بن مالك، وخلاصته، قال: كان عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم طير أهدي إليه، فقال:

" اللهم إئتني بأحب الخلق إليك ليأكل معي هذا الطير ".

فجاء علي فرددته، ثم جاء فرددته، فدخل في الثالثة، أو في الرابعة، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " ما حبسك عني "؟.

<‌

روح البيان للشيخ إسماعيل حقي 10: 268 وقد استوفى الموضوع تفصيلا ومناقشة.

(1) تفسير الرازي 8: 21 - عند تفسير قوله تعالى (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم..) " آل عمران: 23 ". ورواه ابن عساكر في تاريخه كما في ترجمة الإمام علي منه 2: 485 / 1012، والجويني في فرائد السمطين 1: 101 / 70، والمتقي في كنز العمال 13: 114 / 36372، والحافظ المغربي في (فتح الملك العلي): 48.

(2) سنن الترمذي 5: 637 / 3722 و 640 / 3729، مصابيح السنة 4: 174 / 4771، المستدرك 3: 125، الخصائص للنسائي: 30، أسد الغابة 4: 29، جامع الأصول 9: 474 / 6492، الصواعق المحرقة - باب 9 -: 123، حلية الأولياء 1: 68، كنز العمال 13 / 36387.


43

قال: والذي بعثك بالحق نبيا إني لأضرب الباب ثلاث مرات ويردني أنس.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لم رددته "؟.

قلت: كنت أحب معه رجلا من الأنصار فتبسم النبي (1).

8 - وأخصهم برسول الله:

فلا أحد أقرب ولا أخص منه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ففي حديث المناجاة، عن جابر، وعبد الله بن عباس: دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا يوم الطائف فانتجاه، فقال الناس: لقد طال نجواه مع ابن عمه!

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ما أنا انتجيته، ولكن الله انتجاه " (2).

(1) سنن الترمذي 5: 636 / 3721، الخصاص للنسائي: 5، فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل 2:

560 / 945، المستدرك على الصحيحين 3: 130 - 132، وصححه، وقال رواه عن أنس أكثر من ثلاثين نفسا، ومصابيح السنة 4: 173 / 4770، أسد الغابة 4: 30، البداية والنهاية 7: 363، جامع الأصول 9: 471، وتاريخ دمشق لابن عساكر كما في ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق 2:

106 - 134 من أربع وأربعين طريقا، الرياض النضرة 3: 114 - 115، ذخائر العقبى: 61، وكفاية الطالب: 144 - 156 وأحصى فيه ستة وثمانين رجلا كلهم رووه عن أنس، وقال الخوارزمي في مقتل الإمام الحسين (ص 46): أخرج ابن مردويه هذا الحديث بمائة وعشرين إسنادا. وسيأتي أن الذهبي ألف جزءا فيما اعتمده من طرق هذا الحديث.

(2) الترمذي 5: 639 / 3726، مصابيح السنة 4: 175 / 4773، أسد الغابة 4: 27، جامع الأصول 9 / 6493، تاريخ بغداد 7: 402، تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي 42، المناقب لابن المغازلي : 124 / 162 - 166 من خمسة طرق، مناقب الخوارزمي: 82، النهاية في الحديث 5: 25، تاج العروس 10: 358، شرح النهج لابن أبي الحديد 9: 173 / 21، الرياض النضرة 3: 170، والبداية والنهاية: 7: 369.


44

وفي حديث سد الأبواب: عن عبد الله بن عباس، وزيد بن أرقم، وغيرهم: كان لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبواب شارعة في المسجد، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " سدوا الأبواب، إلا باب علي ".

فتكلم بذلك الناس، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " أما بعد، فإني أمرت بسد هذه الأبواب إلا باب علي، وقال فيه قائلكم، والله ما سددته ولا فتحته، ولكني أمرت فاتبعته " (1).

9 - علامة الإيمان:

قال علي عليه السلام: " والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي إلي، لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق " (2).

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: إنا كنا لنعرف المنافقين -

(1) الترمذي 5: 641 / 2732، أحمد في المسند 1: 331، وفي فضائل الصحابة 2: 581 / 985، فتح الباري بشرح صحيح البخاري 7: 13، أحكام القرآن لابن عربي 1: 438، المستدرك 3: 125، ابن عساكر كما في الترجمة 1: 275 / 323 وبعده من واحد وعشرين طريقا، مجمع الزوائد 9: 114 - 115، الرياض النضرة 3: 158 ذخائر العقبى: 76، الخصائص للنسائي: 13، الإصابة للعسقلاني 4: 270، جامع الأصول 9: 475 / 6494، البداية والنهاية 7: 355، وجميع كتب المناقب.

(2) صحيح مسلم - كتاب الإيمان - 1: 86 / 131، سنن الترمذي 5: 643 / 3736، سنن النسائي - كتاب الإيمان - 8: 116، وأخرجه أيضا في الخصائص: 27، سنن ابن ماجة 1: 42 / 114، مصابيح السنة 4: 171 / 4763، ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق لابن عساكر 2: 190 / 682 685، جامع الأصول 9: 473 / 6488، البداية والنهاية 7: 368، الإستيعاب - بهامش الإصابة 3: 37، الإصابة 4: 271، أسد الغابة 4: 26.


45

نحن معشر الأنصار - ببغضهم علي بن أبي طالب (1).

وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، قال: ما كنا نعرف المنافقين إلا بتكذيبهم الله ورسوله، والتخلف عن الصلوات، والبغض لعلي بن أبي طالب (2).

10 - الصديقون ثلاثة:

قال صلى الله عليه وآله وسلم: " الصديقون ثلاثة: حبيب النجار مؤمن آل ياسين، قال: (يا قوم اتبعوا المرسلين).

وحزقيل مؤمن آل فرعون، قال: (أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله).

وعلي بن أبي طالب، وهو أفضلهم (3).

11 - والسبق ثلاثة:

قال صلى الله عليه وآله وسلم: " السبق ثلاثة: السابق إلى موسى، يوشع

(1) سنن الترمذي 5: 635 / 3717، الإستيعاب 3: 36 فضائل الصحابة 2: 579 / 979، أسد الغابة 4: 30، جامع الأصول 9: 473 / 6486 الترجمة من تاريخ ابن عساكر 2: 219 / 722 726، 727، 728، وعن جابر بن عبد الله الأنصاري مثله.

(2) المستدرك على الصحيحين 3: 129 وقال: صحيح على شرط مسلم.

(3) الصواعق المحرقة باب 9. فصل 2 / 30، 31 وأخرجه أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة 2:

627 / 1072 و 655 / 1117، والديلمي في الفردوس 2: 581 / 3681، وابن عساكر كما في الترجمة 1: 91 / 126، ابن المغازلي في المناقب 245 / 293 و 294 والخوارزمي في المناقب: 219، السيوطي في الجامع الصغير 2: 115 / 5148، 5149، والمتقي في الكنز 11 / 32897، المحب الطبري في ذخائر العقبى: 58، السيرة الحلبية 1: 435، شواهد التنزيل 2: 223 / 938 - 942.


46

ابن نون.

والسابق إلى عيسى، صاحب ياسين.

والسابق إلى محمد، علي بن أبي طالب (1).

12 - ولما قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الآيات: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيهما اسمه...) الآيات (2)، سئل: أي بيوت هذه؟

فقال: " بيوت الأنبياء ".

قال أبو بكر: يا رسول الله، هذا البيت منها؟ - يعني بيت علي وفاطمة -.

قال صلى الله عليه وآله وسلم: " نعم، من أفاضلها " (3).

فهو بيت ضم بين أركانه أخا رسول الله وأحب الناس إليه وسيد العرب علي ابن أبي طالب، مع بضعة رسول الله، سيدة نساء أهل الجنة - فاطمة الزهراء - مع ريحانتي رسول الله، وسبطيه، وسيدي شباب أهل الجنة - الحسن والحسين - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فكيف لا يكون من أفاضلها؟

(1) الصواعق المحرقة باب 9. فصل 2 / 29 وقال: أخرجه الديلمي عن عائشة، والطيراني وابن مردويه عن ابن عباس، وهو في مجمع الزوائد 9: 102، كنز العمال 11 / 32896، والرياض النضرة 3:

110، ذخائر العقبى: 58، الجامع الصغير 2: 66 / 4795، المناقب للخوارزمي: 20، شواهد التنزيل 2: 213 / 924 - 931 (2) النور: 36 - 38.

(3) الدر المنثور، عند تفسير الآية، وقال: أخرجه ابن مردويه عن أنس بن مالك، وبريدة. وذكره الحاكم في شواهد التنزيل: من سورة النور ح / 567، 568، والآلوسي في روح المعاني 18: 174.


47

لا بد من إمام

الإمامة في القرآن

في السنة

وفي الاجماع


48


49

الإمامة في القرآن

في القرآن الكريم نصوص تفيد إفادة واضحة ضرورة وجود إمام يقتدى به في كل زمان.

وفيها أيضا تفصيل لحال الناس، وأن لكل فئة منهم إماما تقتدي به، برا كان أو فاجرا، وسواء كان (يهدي إلى الحق) أم يهدي إلى الضلال والنار.

والناس على ذلك منقسمون.

ثم جعل لزاما على المؤمنين التزام الإمام الحق في كل زمان..

ومن تلك النصوص الشريفة:

1 - قوله تعالى: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون (1).

قال المفسرون: والمعنى: ولنجعلن من أمتك أئمة يهدون مثل تلك الهداية لما صبروا عليه من نصرة الدين وثبتوا عليه من اليقين (2).

(1) سورة السجدة: 24.

(2) الكشاف 3: 516، روح المعاني 21: 138، تفسير أبي السعود 7: 87، تفسير المراغي 21: 118 وبنفس المعنى في: تفسير الرازي 25: 186، تفسير النسفي 3: 45.


50

2 - قوله تعالى: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا.. الآية (1).

3 - قوله تعالى: ﴿ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون (2).

4 - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم (3).

ففي هذه الآيات يلزم الله جل جلاله عباده المؤمنين بالتمسك بولاية الولي الحق وإطاعته، وأن طاعته هي طاعة لله ولرسوله، وهي الأصل في كونهم (حزب الله).

وقوله تبارك اسمه: (يوم ندعوا كل أناس بإمامهم) (4) فلكل طائفة من الناس إمام يأتمون به، وهذا حال الناس منذ خلق الله آدم، وإلى قيام الساعة (5).

(1) المائدة: 55.

(2) المائدة: 56.

(3) النساء: 59.

(4) الإسراء: 71.

(5) إن هناك وجوها أخرى في تفسير " إمام " في هذه الآية، وقد تعرض لها صاحب تفسير الميزان وأجاب عليها، ونذكر خلاصة كلامه، قال: فمنها - أي تلك الوجوه - قولهم إن الإمام هنا هو الكتاب المنزل كالقرآن والتوراة، وفيه أنه معلوم لا كتاب ولا صحف أو ألواح قبل نوح (عليه السلام)، وعلى مقتضى تفسيرهم خرج من قبل نوح من عموم الدعوة.

ومنها: قولهم إن المراد بالإمام هو اللوح المحفوظ. قال: لم يصلح هذا، لكون اللوح المحفوظ واحدا، والآية تفيد أن لكل طائفة من الناس إماما غير ما لغيرهم.

ومنها: أن الإمام هو النبي، وفيه أنهم أخذوا الإمام بمعناه العرفي، ولا سبيل إليه مع وجود معنى خاص له في عرف القرآن وهو الذي يهدي بأمر الله، أو المؤتم به في الظلال. وكذلك فإنه لا يلائمه ما في الآية من تفريع، أعني قول: (فمن أوتي كتابه بيمينه) و (من كان في هذه أعمى) إذ لا تفرع بين الدعوة بالإمام بهذا المعنى، وبين إعطاء الكتاب باليمين أو العمى، فالآية الكريمة تقول: (يوم ندعوا كل

‌>


51

وفي السنة

وفي الحديث النبوي الشريف ما يقطع بوجوب الإمامة، ومن ذلك:

1 - قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية " (1).

وفي رواية: " من مات وليس عليه إمام فإن موتته موتة جاهلية " (2).

وفي رواية أخرى: " من مات ولم يعرف إمام زمانه، مات ميتة جاهلية " (3).

وهذه نصوص صريحة، وخطابات واضحة منه صلى الله عليه وآله وسلم إلى أفراد المؤمنين كافة، إلى كل من أقر بالتوحيد والنبوة واليوم الآخر وكل ضرورات الدين، فهو وإن كان على ذلك كله إلا أنه ليس على شئ، بل هو على أمر الجاهلية، ما لم يعرف إمام زمانه.

<‌

أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤون كتابهم ولا يظلمون فتيلا*ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا). انتهى بإيجاز.

ومما يؤكد هذا المعنى، ما ذكره اليعقوبي في تاريخه، باب خطب رسول الله ومواعظه، فقال: خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما فقال في خطبته: " اذكروا الموت فإنه آخذ بنواصيكم - إلى أن قال -:

إن العبد لا تزول قدماه يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله مما اكتسبه وفيما أنفقه، وعن إمامه من هو؟ قال الله، عز وجل: (يوم ندعوا كل أناس بإمامهم) " إلى آخر الآية - تاريخ اليعقوبي 2: 90.

(1) مسند أحمد 4: 96، الاحسان بترتيب صحيح ابن حبان 7: 49 / 4554، حلية الأولياء 3: 224 ، كنز العمال 1: 103 / 464.

(2) المستدرك على الصحيحين 1: 117، مجمع الزوائد 5: 218، 224، 225، الدر المنثور 2: 286 - عند الآية (103) من سورة آل عمران -.

(3) ينابيع المودة: 117.


52

وهذه المعرفة، بإمام زمانه، يفصلها النص الآخر الذي يؤكد النصوص المتقدمة، ويبينها، وهو:

2 - قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية " (1).

فالمعرفة بالإمام إذن هي في أداء البيعة له، والتي تقتضي - بداهة - طاعته وموالاته، ومعاداة أعدائه، والبراءة من كل ولاية غير ولايته التي هي ولاية الله ورسوله، كما دلت عليه النصوص القرآنية المتقدمة.

وهكذا يقرر الإسلام أن لكل زمان إماما حقا، ويقضي بوجوب البيعة له..

وهذا ما تجب معرفته في البدء.

اثنا عشر إماما

ثم بعد ذلك يأتي الإسلام ليحدد الأئمة - الذين جعل البيعة لهم تمام الدين، وحقيقة معناه - باثني عشر إماما، عددا معدودا، كما ثبت ذلك لدى المسلمين في الصحيح مما اتفقوا عليه من السنة النبوية المطهرة:

ففي الصحيح البخاري (2): عن جابر بن سمرة، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول:

(1) صحيح مسلم - كتاب الإمارة - 3: 1478 / 58 - (1851)، السنن الكبرى 8: 156، جامع الأصول 4: 463 / 2065، مجمع الزوائد 5: 218، تفسير ابن كثير 1: 530 - عند الآية (59 من سورة النساء -.

(2) ج 9 - كتاب الأحكام - 147 / 79، رواه الترمذي في السنن كتاب الفتن 4: 501 / 2223.


53

" يكون بعدي اثنا عشر أميرا " فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنه قال: " كلهم من قريش ".

وفي صحيح مسلم (1): أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:

إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة " قال: ثم تكلم بكلام خفي علي، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: قال: " كلهم من قريش ".

وأخرج الإمام أحمد في مسنده (2) بطريقين، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن رجلا سأله - وهو يقرئهم القرآن - يا أبا عبد الرحمن، هل سألتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كم تملك الأمة من خليفة؟

فقال ابن مسعود: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ثم قال:

نعم، ولقد سألنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: " اثنا عشر، كعدة نقباء بني إسرائيل ".

وأخرج مسلم أيضا (3): أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " لا يزال الدين قائما، حتى تقوم الساعة، ويكون عليهم اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش " (4).

(1) ج 3 - كتاب الإمارة - 1452 / 5 (1821) وبعده من سبعة طرق، وجامع الأصول 4: 440، 442.

(2) ج 1: 398، 406.

(3) ج 3 - كتاب الإمارة - 1453 / 10 (1822)، ورواه أبو داود في سننه 4: 106 / 4280، والبغوي في مصابيح السنة 4: 137 / 4680، والجزري في جامع الأصول 4: 440، 442.

(4) وقد ورد هذا الحديث: " الخلفاء بعدي اثنا عشر " في صحيح البخاري بثلاثة طرق وفي مسلم " 9 " طرق، وأبو داود في " 3 " طرق، والترمذي بطرق واحد، وأحمد " 9 " طرق وغيرهم بطرق أخرى.


54

وفي الاجماع

قال ابن حزم (1): اتفق جميع أهل سنة، وجميع المرجئة وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة.

وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل، يقيم فيهم أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (2).

قال: والقرآن والسنة قد وردا بإيجاب الإمامة، ومن ذلك: قوله تعالى:

(أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) مع أحاديث كثيرة صحاح في طاعة الأئمة، وإيجاب الإمامة (3).

وقال القلقشندي (4):

في وجوب عقد الإمامة لمن يقوم بها، قال الماوردي: وعقدها لمن يقوم بها واجب بالإجماع، وإن شذ عنه الأصم (5).

(1) هو الإمام أبو محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، عالم الأندلس وإمامها ولد بقرطبة، ثم أقصي إلى بادية لبلة فتوفي فيها سنة 456 هـ‍ الأعلام - للزركلي - 4: 254.

(2) قال: حاشا النجدات من الخوارج فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم، وهذه فرقة ما نرى بقي منهم أحد، وهم المنسوبون إلى نجدة بن عمير الحنفي القائم باليمامة.

ثم قال: وقول هذه الفرقة ساقط، ورد عليه: بالإجماع، والقرآن، والسنة.

(3) الفصل في الملل والنحل 4: 87.

(4) هو أحمد بن عبد الله القلقشندي الشافعي، المتوفى سنة 820 هـ‍.

(5) الأصم: هو عبد الرحمن بن كيسان أبو بكر الأصم المعتزلي. لسان الميزان 3: 427 وقال ابن أبي الحديد المعتزلي: أبو بكر الأصم من قدماء أصحابنا، حكي عنه قوله في الإمامة: غير واجبة إذا

‌>


55

ثم قال: ولا خلاف بين أهل العلم أنها فرض كفاية - كالجهاد ونحوه - إذا قام بها من هو أهل لها سقط فرضها عن كافة الناس، وإن لم يقم بها أحد أثم من الناس فريقان:

أحدهما: أهل الحل والعقد، حتى يختاروا للأمة إماما يقوم بأمرهم.

والثاني: أهل الإمامة، حتى ينتصب للإمامة أحدهم (1).

وقال الإمام أبو الحسن الأشعري (2):

قال الناس كلهم - إلا الأصم -: لا بد من إمام (3).

وأما الإسفرائيني (4)، فقال:

قد اتفق جمهور أهل السنة والجماعة على أصول من أركان الدين، كل ركن منها يجب على كل عاقل معرفة حقيقته.

ولكل ركن منها شعب: وفي شعبها مسائل اتفق أهل السنة فيها على قول واحد، وضللوا من خالفهم فيها - وعد هذه الأركان إلى أن قال -:

والركن الثاني عشر: الخلافة والإمامة، وشروط الزعامة.

ثم قال في بيان هذا الركن:

<‌

تناصفت الأمة ولم تتظالم - قال - وقال المتأخرون من أصحابنا: إن هذا القول غير مخالف لما عليه الأمة لأنه إذا كان لا يجوز في العادة أن تستقيم أمور الناس من دون رئيس يحكم فيهم، فقد قال بوجوب الرئاسة على كل حال. شرح النهج لابن أبي الحديد 2: 308.

(1) مآثر الإنافة في معالم الخلافة 1: 29 - 30 باختصار.

(2) هو علي بن إسماعيل بن إسحاق أبو الحسن الأشعري مؤسس مذهب الأشاعرة، شيخ أهل السنة والجماعة، كان من الأئمة المتكلمين، تلقى مذهب المعتزلة، وتقدم فيه، ثم رجع، وجاهر بخلافهم، توفي ببغداد سنة 324 هـ‍ الأعلام - للزركلي - 4: 263.

(3) مقالات الإسلاميين 2: 133.

(4) هو عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي الإسفرائيني، العالم المتفنن من أئمة الأصول، كان صدر الإسلام في عصره ولد ونشأ في بغداد، ثم رحل إلى نيسابور ثم ارتحل منها وتوفي في إسفرائين - من نواحي نيسابور - سنة 429 هـ‍. الأعلام - للزركلي - 4: 48.


56

إن الإمامة فرض واجب على الأمة لأجل إقامة الإمام: ينصب لهم القضاة والأمناء، يضبط ثغورهم، ويغزي جيوشهم، ويقسم الفئ بينهم، وينتصف لمظلومهم من ظالمهم (1).

هكذا يتضح أن الإمامة منصب إلهي كما تصرح الآيات البينات، وأن معرفة الإمام واجبة كما تقول الأحاديث الشريفة، وقد انعقد الاجماع على لزومها، ووجوب إقامة من يقوم بشؤونها، فلا مجال للشك بعد هذا في ضرورة وجود الإمام، ولزوم تعيينه، فمن هو الإمام إذن؟.

(1) الفرق بين الفرق: 323، 349.


57

من هو الإمام؟

آراء المذاهب في الإمام

الإمام في القرآن والسنة - الله تعالى يقول ورسوله يتحدث -

أصحاب الحق يتكلمون


58


59

آراء المذاهب في الإمام

أولا: مع المذاهب الأربعة:

وننقل خلاصة آراء المذاهب الأربعة في الإمامة والخلافة عن كتاب (تاريخ المذاهب الإسلامية) للشيخ (محمد أبو زهرة) باختصار مفيد، من مجموع ما ذكره في جزأي كتابه:

" أبو حنيفة " 80 - 150 هـ‍

قال المؤلف، بعد أن استعرض مواقف أبي حنيفة من الخلافتين الأموية والعباسية، وموقفه من نهضة زيد بن علي (1)، ومحمد بن عبد الله بن الحسن بن

(1) هو زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب - عليه السلام - ذو علم وجلالة وصلاح عده طائفة من المسلمين إماما، فسموا (الزيدية)، وكان خروجه في عهد هشام بن عبد الملك الأموي، من الكوفة، فقتل فيها - رحمه الله - فنصبوا رأسه على قصبة، وصلبوه زمنا، ثم جمع فأحرق وذري نصفه في الفرات، ونصفه في الزرع، لقول يوسف بن عمر الثقفي الذي تولى قتاله: والله - يا أهل الكوفة - لأدعنكم تأكلونه في طعامكم، وتشربونه في مائكم! وكان ذلك سنة (121). الطبقات الكبرى 5: 326 وتاريخ اليعقوبي 2: 326.


60

علي (1)، قال:

إذن، المعروف عن أبي حنيفة، أنه يرى الإمامة يجب أن تكون في أقرباء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأرجح في أبناء علي (2).

قال أبو زهرة: والذي يرجح هذا الاختيار أمور:

1 - اعتبار خروج زيد بن علي أنه يشبه خروج رسول الله (ص) يوم بدر، فالمعركة بين الكفر والإيمان.

2 - عدم توليه عمل لبني أمية، مع شدة إصرار عاملهم ابن هبيرة (3)، بقوله: أعطيك أرفع المناصب، بينما قبل فقهاء العراق، كابن أبي ليلى (4)، وابن شبرمة (5)، وداود بن أبي هند (6)، وغيرهم كثير.

(1) المعروف ب‍ (النفس الزكية)، وكانت نهضته على أبي جعفر المنصور العباسي، هو وأخوه إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، سنة 145، وفيها استشهدا - رحمهما الله تعالى - تاريخ اليعقوبي 2: 145.

(2) قال الزمخشري في (الكشاف) عند تفسيره قوله تعالى (ولا ينال عهدي الظالمين) - البقرة - 124 - قال وكان أبو حنيفة رحمه الله يفتي سرا بوجوب نصرة زيد بن علي رضي الله عنهما، وحمل المال إليه، والخروج معه على اللص المتغلب المشتهر بالإمام والخليفة كالدوانيقي وأشباهه، وكان يقول في الدوانيقي وأشياعه: لو أرادوا بناء مسجد، وأرادوني على عد آجره، لما فعلت.

وفي الملل والنحل: وكان أبو حنيفة على بيعته (أي محمد ذو النفس الزكية) ومن جملة شيعته، حتى رفع الأمر إلى المنصور الدوانيقي فحبسه حتى مات في الحبس، ولما قتل محمد ذو النفس الزكية بقي أبو حنيفة على بيعته يعتقد موالاة أهل البيت. المصدر 1: 140.

(3) هو يزيد بن عمر بن هبيرة والي العراق من قبل مروان بن محمد بن مروان، ودامت ولايته منذ سنة (128) حتى قتل على عهد السفاح سنة 133 هـ‍. تاريخ اليعقوبي 2: 353.

(4) محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار، ويقال هو داود بن الجلاح الأنصاري الكوفي، كان من أصحاب الرأي، وتولى القضاء بالكوفة، وأقام عليها حاكما ثلاثا وثلاثين سنة، ولي لبني أمية ثم بني العباس - وكانت وفاته سنة 148 أيام المنصور، وهو باق على القضاء، وفيات الأعيان 4: 179.

(5) هو عبد الله بن شبرمة بن حسان بن المنذر الضبي، أبو شبرمة الكوفي، كان قاضيا على السواد لأبي جعفر المنصور، وهو من فقهاء الكوفة، وفاته سنة 144 هـ‍. تهذيب التهذيب 5: 250 تسلسل / 439.

(6) داود بن أبي هند، واسمه دينار بن عذافر أبو محمد البصري، من موالي بني قشير، وكان مفتي أهل

‌>


61

3 - خطبته عندما استقر الأمر، لأبي عبد الله السفاح - مؤسس الدولة العباسية - عندما جمع العلماء بالكوفة، وخطبهم السفاح، فقال: إن الخلافة قد عادت إلى أهل بيت نبيكم، وأنتم معاشر العلماء أحق من أعان، فبايعوا بيعة تكون عند إمامكم حجة لكم، وأمانا في معادكم.

وكان أبو حنيفة وقتئذ حاضرا، فنظر إليه العلماء يتطلعون إلى رأيه، فقال:

الحمد لله الذي أعاد إلينا قرابة رسول الله وأبعد عنا جور الظلمة، وبسط ألسنتنا بالحق.

فقالوا: بايعنا على أمر الله، والوفاء لك بعهدك، فلا أخلى الله هذا الأمر من قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

4 - إنقلابه على العباسيين حين دب الخلافة بينهم وبين أبناء علي، ثم مبايعته لمحمد بن الحسن أيام المنصور.

(مالك بن أنس) 93 - 179 هـ‍

ونظام تعيين الإمام كان يراه حسبما تم في سلوك الصحابة، مضيفا إليه رأيه، فهو عنده بأحد طرق أربعة:

1 - نظام الشورى ابتداء، كما فعل الصحابة في شأن أبي بكر، وعلي.

2 - نظام الاستخلاف بشرط المبايعة، كما فعل أبو بكر في شأن عمر 3 - نظام الشورى بين عدد يعينهم الخليفة السابق، كما فعل عمر.

4 - نظام الغلبة بالسيف، فمن تغلب بالسيف ثم بايعه الناس، تعد ولايته شرعية، وكان عدلا في ذاته.

<‌

البصرة - وقد رأى أنس بن مالك ولم يرو عنه - ولد بمرو وتوفي بالبصرة سنة 136. تهذيب الكمال 8:

461 تسلسل / 1790، سير أعلام النبلاء 6: 376 ت / 158


62

(الشافعي) 150 - 204 هـ‍

وله ثلاثة آراء في الإمامة: 1 - إنه يرى الإمامة أمرا دينيا لا بد من إقامته.

2 - إنه يرى أن الإمامة في قريش.

3 - لا يشترط لصحة الخلافة أن تكون البيعة سابقة على التولي، بل إنه يقرر أنه لو تغلب متغلب، وكان قرشيا، ثم استقام له الأمر، واجتمع عليه الناس، فإنه يعد إماما.

قال: وقد روى عنه تلميذه حرملة (1)، أنه قال: كل قرشي غلب على الخلافة بالسيف، واجتمع عليه الناس، فهو خليفة.

(أحمد بن حنبل) 164 - 241 هـ‍

وملخص رأيه في الخلافة، أنها على أربعة أشكال:

1 - نظام الشورى ابتداء، كانتخاب أبي بكر، وعلي.

2 - نظام الاستخلاف من الخليفة السابق، بشرط المبايعة.

3 الشورى بين عدد معين يختارهم الخليفة السابق ليختاروا واحدا منهم كما فعل عمر.

(1) هو أبو حفص وأبو عبد الله حرملة بن يحيى بن عبد الله بن حرملة، كان أكثر أصحاب الشافعي اختلافا إليه واقتباسا منه. توفي سنة 243 وقيل 244. وفيات الأعيان 2: 64 ت / 154، طبقات الشافعية 1: 61 / 6.


63

4 - نظام الغلبة بالسيف لكل بر وفاجر، فالغالب تجب طاعته.

وقال: قال الإمام أحمد: السمع والطاعة للأئمة، وأمير المؤمنين البر والفاجر، ومن ولي الخلافة فاجتمع عليه الناس، ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف، وسمي (أمير المؤمنين).

والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة، البر والفاجر.

ثم قال أبو زهرة: لقد أجمع جمهور العلماء على أنه لا بد من إمام، يقيم الجمع، وينظم الجماعات، وينفذ الحدود، ويجمع الأموال من الأغنياء، ويردها على الفقراء، ويحمي الثغور، ويفصل بين الناس في الخصومات بالقضاة الذين يعينهم، ويوحد الكلمة، وينفذ أحكام الشرع، ويلم الشعث، ويجمع المتفرق، ويقيم المدينة الفاضلة التي حث الإسلام على إقامتها.

قال: وعلى هذا أجمع المسلمون.

ثانيا: المعتزلة:

ويتخلص رأيهم في ثلاث نقاط:

1 - إن الإمامة يستحقها كل من كان قائما بالكتاب والسنة.

2 - يتقدم القرشي على غيره، فإذا اجتمع قرشي ونبطي وهما قائمان بالكتاب والسنة قدم القرشي.

3 - لا تكون الإمامة إلا بإجماع الأمة واختيارها (1).

(1) المقالات والفرق: 8 - 9.


64

ثالثا: الزيدية:

وهم على قسمين: فمنهم من قال: إن عليا (عليه السلام) هو الأفضل بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكن جاز للأمة أن تولي غيره، وإليهم ينسب القول بجواز تقديم المفضول على الأفضل.

ومنهم الجارودية: وعقيدتهم أن الإمامة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في علي (عليه السلام)، وبعده الحسن (عليه السلام)، ثم الحسين (عليه السلام) نصا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وبعد الحسين (عليه السلام) تكون شورى بين أبناء الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام، فإن قام أحد منهم بالإمامة وبايعه الناس فهو الإمام.

فالإمامة عندهم لا تخرج عن ذرية الحسن والحسين عليهما السلام (1).

رابعا: الإمامية الاثنا عشرية:

وملخص قولهم:

1 - أن الإمامة ليست قضية مصلحية تناط باختيار العامة، بل هي قضية أصولية، وهي ركن من الدين، لا تكون إلا بالتعيين، والنص من النبي.

2 - أن الإمام يجب أن يكون معصوما، منزها من الكبائر والصغائر.

3 - أن الإمامة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في علي (عليه السلام) ثم الحسن (عليه السلام)، ثم الحسين (عليه السلام)، ثم تسعة من ولد

(1) أنظر: المقالات والفرق: 18، الفرق بين الفرق: 30 - 37.


65

الحسين معروفين بأسمائهم، وقد نص كل إمام على الإمام اللاحق له.

4 - أن الإمامة فيهم ولا تخرج منهم، ولا تصح لسواهم (1).

وبعد هذه الجولة بين آراء المذاهب الإسلامية في تعيين الإمام لنتوجه إلى القرآن الكريم والسنة المطهرة لنرى أي هذه الآراء أقرب إلى الحق.

(1) أنظر: المقالات والفرق: 15 - 17، الملل والنحل: 131، 144.


66


67

الله تعالى يقول ورسوله يتحدث...

لقد تناول النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر الإمامة في العديد من الأحاديث الشريفة - المقطوع بصحة إسنادها - تصريحا، أو إشارة وتلميحا، وقد جاء بعض هذه الأحاديث تابعا لنص قرآني منزل، مبينا له ومفسرا. وجاء البعض الآخر إرشادا منه صلى الله عليه وآله وسلم لأمته (وما ينطق عن الهوى*إن هو إلا وحي يوحى) النجم: 3، 4.

ومن تلك النصوص:

1 - حديث الثقلين

وهو من أشهر الأحاديث الشريفة، ذلك الحديث الذي يلخص الأمانة الكبرى التي تركها رسولنا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في أعناقنا، من أجل حفظ هذا الدين، وحفظ هذه الأمة بحفظ دينها.

وهو، كما في صحيح مسلم (1): عن زيد بن أرقم، قال: قام فينا رسول

(1) كتاب فضائل الصحابة 4: 1873 ح / 2408 بعدة طرق، ورواه عنه النووي في (رياض الصالحين)

‌>


68

الله صلى الله عليه وآله وسلم خطيبا بماء يدعى (خما) بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال:

" أما بعد ألا أيها الناس، إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم الثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به - فحث على كتاب الله ورغب فيه - وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي ".

وفي سنن الترمذي: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما " (1).

وبهذا النص أخرجه الحاكم في المستدرك (2)، ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.

وفي مسند أحمد: " إني تارك فيكم خليفتين، كتاب الله وأهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض جميعا " (3).

وقد ورد هذا الحديث في أغلب كتب السنن (4) وبطرق عديدة، يمتنع

<‌

: 141، 255.

(1) المصدر: الجزء الخامس - كتاب المناقب: 663 / 3788 وقبله / 3786.

(2) ج 3: 148.

(3) ج 5: 182، 189 و ج 3: 17، 14، وأخرجه في فضائل الصحابة 2: 603 / 1035.

(4) ومنها غير ما ذكرناه: الخصائص للنسائي: 21، السيرة الحلبية 3: 336، العقد الفريد 4: 126، مصابيح السنة 4: 185 / 4800 و 190 / 4816 والترجمة من تاريخ ابن عساكر 2: 36 / 536 و 46 / 547، ومجمع الزوائد 9: / 163 - 164، الجامع الصغير 1: 244 / 1608، الصواعق المحرقة باب 11 فصل 1: 149، الخصائص الكبرى للسيوطي 2: 466، تاريخ اليعقوبي 2: 112 وذخائر العقبى: 16 والدر المنثور - عند قوله تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا) 103 آل

‌>


69

معها تسرب الشك إليه بأي شكل من الأشكال.

وقد يكون هذا النص النبوي الشريف لوحده كافيا في تعيين خلفاء الرسول، وأئمة المسلمين.

فانظر إلى عبارته بدقة تجده قد جعل الكتاب وأهل البيت متلازمين أبدا:

" لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ".

ثم انظر كيف توجه إليهما بلفظ واحد، ولم يفرق بينهما حتى في الخطاب، فقال: " فإنهما "، " لن يفترقا "، " حتى يردا "، فهو تلازم في التعبير والإشارة.

هذا بعد ما في صدر الحديث من كلام يفيد الالزام، ويؤكد وجوب الحرص عليه.

فهو إضافة إلى كونه أمر النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وتوجيهه، فهو أيضا يمثل خلاصة الدعوة النبوية، فإنه:

" يوشك أن يأتي رسول ربي، فأجيب "..

و " إني تارك فيكم الثقلين.. "، " خليفتين ".

" ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي.. ".

وهي أمانته في أمته: " فانظروا كيف تخلفوني فيهما " " أذكركم الله في أهل بيتي " ونحن عنها مسؤولون " أيها الناس، إني فرطكم، وأنتم واردي على الحوض، وإني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما (1) ".

وبعد هذا، فمن البديهي أن نقول: إنه متى أمكن لهذه الأمة، أو كائن

<‌

عمران 2: 285، والرازي أيضا 8: 163، وابن كثير في سورة الشورى 4: 122 وغيرهم كثير، والحديث متفق عليه.

(1) تاريخ اليعقوبي 2: 112، مصابيح السنة 4: 190 / 4816، والترجمة 2: 46 / 547.


70

من كان فيها، أن يكون حاكما على كتاب الله، وقائدا له، فقد جاز له أن يكون حاكما على أئمة أهل البيت، وإماما منصبا عليهم.

ولما كانت الأولى مستحيلة، فإن الثانية كذلك مستحيلة، وبنفس الدرجة بلا تفاوت، وبلا فارق، لأنهما " متلازمان " و " لن يفترقا ".

وأيضا، ففي عبارة: " لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " (إشارة إلى أن كل ما ألم بأي من الثقلين - بعد الوجود المقدس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - قد أصاب الثقل الآخر أيضا، وأن هجر أي منهما هجر للآخر، حتى يرد هذان المهجوران الحوض على رسول الله).

نعم، هو الأمر هكذا ومما يؤيده رواية الطبراني، كما ينقلها ابن حجر فيقول: زاد الطبراني: " إني سألت ذلك لهما، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم " (1).

قال ابن حجر (2): وفي رواية: " كتاب الله وسنتي " (3).

قال: وهي المراد من الأحاديث المقتصرة على الكتاب، لأن السنة مبينة له، فأغنى ذكره عن ذكرها، والحاصل أن الحث وقع على التمسك بالكتاب وبالسنة وبالعلماء بهما من أهل البيت، ويستفاد من مجموع ذلك بقاء الأمور الثلاثة إلى قيام الساعة.

ثم اعلم أن لحديث التمسك بذلك طرقا كثيرة، وردت عن نيف وعشرين صحابيا...

(1) الصواعق المحرقة: باب 11 فصل 1: 150، ورواها الهيثمي في مجمع الزوائد 9: 164، والسيوطي في الدر المنثور 2: 285 - عند الآية (203) آل عمران.

(2) المصدر: 150 - 151.

(3) لم يأت الحديث في الصحاح بهذا اللفظ، وأنما اتفقوا جميعا على لفظ: " كتاب الله وعترتي أهل بيتي " وسيأتي الكلام فيه مفصلا.


71

إلى أن قال: وأخرج ابن سعد، والملا في سيرته: أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: " استوصوا، بأهل بيتي خيرا، فإني أخاصمكم عنهم غدا، ومن أكن خصمه أخصمه، ومن أخصمه دخل النار ".

ثم أضاف معلقا، بقوله: (تنبيه) سمى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القرآن وعترته (ثقلين) لأن الثقل كل نفيس خطير مصون، وهذان كذلك، إذ كل منهما معدن للعلوم اللدنية والأسرار والحكم العلية، والأحكام الشرعية.

قال: ولذا حث صلى الله عليه وآله وسلم على الاقتداء والتمسك بهم، والتعلم منهم، وقال الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت ".

وقيل (والكلام له): سميا ثقلين لثقل وجوب رعاية حقوقهما، ثم الذين وقع الحث عليهم منهم إنما هم العارفون بكتاب الله وسنة رسوله، إذ هم الذين لا يفارقون الكتاب إلى الحوض، ويؤيده الخبر السابق: " ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم ".

قال: وتميزوا بذلك عن بقية العلماء لأن الله أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وشرفهم بالكرامات الباهرة، والمزايا المتكاثرة، وقد جاء في الخبر الذي في قريش: " وتعلموا منهم فإنهم أعلم منكم " فإذا ثبت هذا العموم لقريش، فأهل البيت أولى منهم بذلك، لأنهم امتازوا عنهم بخصوصيات لا يشاركهم فيها بقية قريش.

وفي أحاديث الحث على التمسك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك به إلى يوم القيامة، كما أن الكتاب العزيز كذلك.

- وهذه حقيقة بالغة الأهمية ينبغي حسن التمعن فيها، فهي مأخوذة من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ".

قال: ثم أحق من يتمسك به منهم إمامهم وعالمهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، لمزيد علمه و دقائق مستنبطاته، ومن ثم قال أبو بكر: علي عترة


72

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أي الذين حث على التمسك بهم، فخصه لما قلنا، وكذلك خصه صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خم (1). انتهى.

وهل يستدعي هذا النص مزيدا من الإيضاح؟

فقد أمرنا نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أمرا جليا صريحا بالتمسك بسببين، وصفهما أنهما سببا النجاة وطريق الهداية " ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي " ثم هما " متلازمان " فلا يصح فصل أحدهما عن الآخر " وإنهما لن يفترقا " حتى يردا جميعا على رسول الله يوم القيامة.

ثم سماهما تسمية صريحة، فقال: " كتاب الله، وعترتي أهل بيتي ".

ثم قطع الطريق على المعتذرين فقال: " أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي " " وأني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما ".

فهذا نص صريح في تعيين خلفاء الرسول من بعده.

وهذا نص متفق عليه، أجمع على روايته أصحاب السنن والفضائل كافة - سوى البخاري! - وذكره أيضا أصحاب السير والتفسير.

وأما الحديث بلفظ (كتاب الله وسنتي) فقد ورد في موطأ مالك عار من الإسناد (2)، وفي تاريخ الطبري بهذا الإسناد: أخبرنا ابن حميد، قال حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، قال: وساق الخبر في خطبة حجة الوداع إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: وتركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا: كتاب الله، وسنتي (3). وهذا الإسناد فيه:

(1) هذه شهادة متقدمة، وسيأتي التفصيل في خطبة غدير خم لاحقا إن شاء الله.

(2) الموطأ - كتاب القدر / 3. ووصل إسناده ابن عبد البر وفيه كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده، وهو متروك ومن أركان الكذب ونسخته عن أبيه عن جده موضوعة. ميزان الاعتدال 3: 406 - 407.

(3) تاريخ الطبري 3: 169 - 170، وعنه تاريخ ابن خلدون 2: 480.


73

1 - سلمة: وهو سلمة بن الفضل الأبرش قاضي الري، روى عن محمد بن إسحاق وروى عنه محمد بن حميد.

قال فيه البخاري: عنده مناكير، وهنه علي - المديني - قال علي: ما خرجنا من الري حتى رمينا بحديثه، وقال النسائي: هو ضعيف، وقال أبو حاتم الرازي، لا يحتج بحديثه، ووصفه أبو زرعة، فقال: كذاب (1).

2 - ابن حميد: وهو محمد بن حميد الرازي، روى عن سلمة بن الفضل كتاب المغازي: قال يعقوب بن شيبة: محمد بن حميد كثير المناكير، وقال البخاري: في حديثه نظر وقال النسائي: ليس بثقة، وقال الجوزجاني: غير ثقة.

وقال الرازي: عندي عن ابن حميد خمسون ألفا، لا أحدث عنه بحرف.

وقال صالح بن محمد الأسدي: ما رأيت أحدا أجرأ على الله منه، كان يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضه على بعض. وقال أيضا: ما رأيت أحدا أحذق بالكذب من رجلين: سليمان الشاذكوتي، ومحمد بن حميد كان يحفظ حديثه كله.

وقال أبو علي النيسابوري: قلت لابن خزيمة: لو حدث الأستاذ عن محمد بن حميد، فإن أحمد قد أحسن الثناء عليه.

فقال: إنه لم يعرفه كما عرفناه، ولو عرفه ما أثنى عليه أصلا.

وقال أبو القاسم ابن أخي أبي زرعة: سألت أبا زرعة عن محمد بن حميد فأومأ بإصبعه إلى فمه، فقلت له: كان يكذب؟ فقال برأسه: نعم، فقلت: له: كان قد شاخ، لعله كان يعمل عليه، ويدلس عليه؟ فقال: لا - يا بني - كان يتعمد.

وقال أبو نعيم: سمعت أبا حاتم الرازي وعنده ابن خراش وجماعة من مشائخ أهل الري وحفاظهم، فذكروا ابن حميد، فأجمعوا على أنه ضعيف في الحديث جدا، وأنه يحدث بما لم يسمعه.

(1) تهذيب التهذيب 4: 153 / الترجمة رقم 265.


74

وقال ابن خراش: حدثنا ابن حميد، وكان والله يكذب.

وقال أبو حاتم الرازي: هذا كذاب لا يحسن أن يكذب.

وسئل النسائي عنه، فقال: ليس بشئ. فقيل له: ألبتة؟ قال: نعم.

وقال في موضع آخر: محمد بن حميد كذاب (1).

وأخرجه الحاكم والبيهقي من طريقين (2): الأول فيه إسماعيل بن أبي أويس، وعكرمة. إسماعيل ضعيف مخلط يكذب (3)، وعكرمة هو الخارجي المعروف بكذبه على ابن عباس (4).

والثاني: فيه صالح بن موسى الطلحي، وهو ضعيف جدا كثير المناكير لا يكتب حديثه (5).

هذه خلاصة حال هذا الحديث! فقارن.

2 - حديث المنزلة

ذلك الحديث الذي لم يجادل فيه أحد، هو الآخر يكفي لوحده في معرفة الإمام والخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والذي يقول فيه حبيب الله صلى عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام:

(1) تهذيب التهذيب 9: 129 - 131 / 180.

(2) المستدرك 1: 93، السنن الكبرى 10: 114.

(3) تهذيب التهذيب 1: 271.

(4) ميزان الاعتدال 3: 94.

(5) تهذيب التهذيب 4: 354.


75

" أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي ".

وهذا النص لا يكاد يخلو منه مصدر من مصادر الحديث، أو السيرة النبوية (1).

وأما هذه المنزلة - منزلة هارون من موسى - فإن القرآن الكريم هو الذي يتكفل تفسيرها، وإيضاح أبعادها، ولم يدع للناس فرصة تأويلها.

فقد حكى القرآن الكريم عن موسى عليه السلام دعاءه: (وأجعل لي وزيرا من أهلي*هارون أخي*أشدد به أزري*وأشركه في أمري) (2). وقال تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا (3).

وقال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: (وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين) (4).

فتلك هي منزلة هارون من موسى عليهما السلام، وهي بعينها منزلة علي من محمد - - صلى الله عليه وآله الكرام - إلا النبوة.

فعلي إذن: وزير خاتم النبيين، ومن أهله، وأخوه، وخليفته في قومه.

ولقد وردت كل واحدة من هذه الخصائص في نصوص أخرى مستقلة، إضافة إلى خصائص أخرى، قرأنا بعضها، وسنقرأ بعضا آخر فيما يأتي بإذنه تعالى.

(1) صحيح البخاري 5: 89 / 202، مسلم 4: 1870 / 2404 في ستة طرق، والترمذي في كتاب المناقب 5 / 3730 وبعده، والحاكم في المستدرك 2: 337 - كتاب التفسير، وأحمد في المسند 1: 173، 175، 182، 184، 331، مصابيح السنة 4: 170 / 4762، جامع الأصول 9: 468 / 6477، وغيرهم أيضا، وكافة من تكلم في مناقبه عليه السلام.

(2) طه: 29 - 32.

(3) الفرقان: 35.

(4) الأعراف: 142.


76

3 - (أنت مني وأنا منك)

هذه الكلمة التي قالها رسول الله لعلي، ولم يقلها لأحد سواه، كجميع ما ذكرنا، وما سنذكر في هذا الكتاب من فضائله عليه السلام.

وقد جاءت هذه الكلمة في عدة مواضع، مفردة في بعضها (1)، وفي أخرى لها قصة وسبب (2)، وهي في الجميع تكشف عن منزلة أخرى لعلي عليه السلام، قد لا تظهر من النصوص المتقدمة.

ويماثلها في هذا الدور، النص الآتي..

4 - قوله صلى الله عليه وآله وسلم

" أما أنت يا علي، أنت صفيي وأميني " (3).

إذن فعلي - عليه السلام - هو:

أولا: من أهل رسول الله. ثانيا: أخو رسول الله.

ثالثا: من رسول الله. رابعا: نفس رسول الله.

خامسا: أمينه. سادسا: صفيه.

سابعا: وزيره. ثامنا: خليفته، فهل تكفي هذه الخصائص في تقدمه

(1) صحيح البخاري - باب المناقب علي عليه السلام - 5: 87 و - كتاب الصلح - 4: 22، النسائي في الخصائص: 20، سنن الترمذي 5: 635 / 3716، مصابيح السنة 4: 172 / 4765 و 186 / 4801، مسند أحمد 1: 108، 115، وتاريخ الخلفاء للسيوطي: 134، وسائر كتب المناقب.

(2) سيأتي ذكرها في محلها.

(3) النسائي في الخصائص: 19 - 20.


77

عليه السلام على من سواه فقط، أم هي ترفعه عن حد القياس والمقارنة؟

5 - تبليغ سورة براءة

وقصة تبليغ سورة (براءة) هي أيضا من الأحداث التي تدل دلالة قاطعة على أن تولي أمور المسلمين بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، محصور بعلي ابن أبي طالب عليه السلام. والقصة من الشهرة بمكان، إلا أننا نوردها هنا لتمام الفائدة، موجزة، كما رواها الإمام أحمد بن حنبل، إذ قال: حدثني وكيع، قال: قال إسرائيل: قال أبو إسحاق، عن زيد بن يثيع عن أبي بكر: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعثه ببراءة إلى أهل مكة: " لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف في البيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ومن كان بينه وبين الرسول الله مدة فأجله إلى مدته، والله برئ من المشركين، ورسوله " قال: فسار بها ثلاثا، ثم قال النبي لعلي: " الحقه، فرد علي أبا بكر، وبلغها أنت ".

قال: ففعل، فبينا أبو بكر في بعض الطريق، إذا سمع رغاء ناقة الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القصوى، فخرج أبو بكر فزعا، فظن أنه رسول الله، فإذا هو علي، فدفع إليه كتاب الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأخذها منه، وسار، ورجع أبو بكر.

فلما قدم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكى، وقال: يا رسول، أحدث في شئ؟

قال: " لا ولكن أمرت أن لا يبلغها إلا أنا، أو رجل مني ".


78

وفي بعض الروايات: " لا يبلغ عني إلا أنا، أو رجل مني " (1).

فلننظر في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " أمرت " ألم يكن معلوما أنه صلى الله عليه وآله وسلم لا ينطق عن الهوى (إن هو إلا وحي يوحى)؟ فهل تراه أتى بهذه الكلمة " أمرت " إلا ليبعد ما قد يجول في صدور البعض! كما حصل يوم انتجاه، فقالوا: لقد طال نجواه مع ابن عمه! فرد عليهم - روحي فداه - بقوله العظيم: " ما انتجيته، ولكن الله انتجاه ".

ثم، أفلا يكون في هذه القصة بلاغا للناس؟ لقد جاءت لتعلمنا من أين نأخذ ديننا: " إلا أنا أو رجل مني ".

(1) مسند أحمد 1: 3، 331 و 3: 212، 283 و 4، 164، 165 وفي كتاب فضائل الصحابة له أيضا 2:

562 / 946، سنن الترمذي 5: 636 / 3719، جامع الأصول من أحاديث الرسول 9: 475 / 6496، الترجمة من تاريخ ابن عساكر 2: 376 - 391، مجمع الزوائد 9: 119، تاريخ اليعقوبي 2:

76، الخصائص للنسائي: 20، الصواعق المحرقة: 122، الجامع الصغير 2: 177 / 5595، البداية والنهاية 7: 370، تفسير الطبري 10: 46، مناقب الخوارزمي: 106، وسائر أهل المناقب.

وأوردها جل المفسرين في أول سورة براءة، وحاولوا التلاعب فيها، والتأويل بخلاف ما ورد في السنن والتواريخ.

وجاء هذا الخبر أيضا في حديث ابن عباس الذي يحصي فيه عشر خصال لعلي عليه السلام، وفيه:

وبعث فلانا بسورة التوبة، فبعث عليا خلفه فأخذها منه، قال: " لا يذهب إلا رجل مني وأنا منه ".

وهذا الحديث رواه بطوله: أحمد في المسند 1: 331، الحاكم في المستدرك 3: 132 - 134، ابن حجر في الإصابة 4: 270، ابن عساكر في الترجمة 1: 202 / 249، النسائي في الخصائص: 8، ابن كثير في البداية والنهاية 7: 350، وأصحاب المناقب.


79

6 - حديث الدار - أو قصة الانذار -

بعد أن نزل قوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين (1) دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بني عبد المطلب، وبعد أن أطعمهم وسقاهم - في قصة يذكر تفصيلها أهل التواريخ - توجه إليهم قائلا:

" يا بني عبد المطلب، والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به، إني جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي، ووصيي، وخليفتي فيكم؟ ".

قال علي عليه السلام - والرواية عنه - فأحجم القوم عنها جميعا، وقلت - وأنا لأحدثهم سنا -: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه.

فأخذ برقبتي، ثم قال: " إن هذا أخي، ووصيي، وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا ".

قال: فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب: قد أ مرك أن تسمع لابنك وتطيع (2).

(1) الشعراء: 214.

(2) تاريخ الطبري 2: 217، الكامل في التاريخ 2: 62 - 64، السيرة الحلبية 1: 461، معالم التنزيل للبغوي 4: 278، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 13: 210، الترجمة من تاريخ ابن عساكر 1 : 100 / 137 و 138 و 139، شواهد التنزيل 1: 372 - 373 / 514 و 420 / 580، كنز العمال 13: 131 / 36469، والمنتخب من كنز العمال بهامش مسند أحمد 5: 41 - 42. وهو أيضا في حديث ابن عباس في ذكر الخصال العشر وقد تقدم ذكر مصادره في الحديث السابق.


80

وسوف أنقل لك هنا ما كتبه ابن كثير (1) ليصرف هذا النص الشريف عن مغزاه، لترى وكيف يتأولون!

فقد ذكر القصة بتفاصيلها - بقصد تكذيبها - إلى أن قال:

فقال صلى الله عليه وآله وسلم: " أيكم يؤازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي وكذا وكذا؟ ".

قال علي - عليه السلام -: فأحجم القوم جميعا، وقلت وإني لأحدثهم سنا، وأرمصهم عينا، وأعظمهم بطنا، وأحمشهم ساقا،: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه.

فأخذ برقبتي، فقال: " إن هذا أخي، وكذا وكذا، فاسمعوا له وأطيعوا "!

ثم قال: ذكروا به عبد الغفار بن القاسم أبو مريم، وهو كذاب شيعي، اتهمه علي بن المديني بوضع الحديث، وضعفه الباقون.

ثم يضيف - في الصحفة ذاتها - قائلا: ولكن روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبيه، عن الحسين بن عيسى بن ميسرة الحارثي، عن عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، وعن عبد الله بن الحارث، قال: قال علي: لما نزلت هذه الآية: (وأنذر عشيرتك الأقربين) (2) قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " اصنع لي شاة بصاع من طعام، وإناء لبن، وادع لي بني هاشم ".

فدعوتهم وإنهم يومئذ لأربعون غير رجل، أو أربعون ورجل - فذكر القصة إلى قوله - فبدرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكلام، فقال:

" أيكم يقضي عني ديني، ويكون خليفتي في أهلي؟ ".

فسكتوا، وسكت العباس خشية أن يحيط ذلك بماله، وسكت أنا لسن

(1) في كتاب البداية والنهاية 3: 38 - 39.

(2) الشعراء: 214.


81

العباس.

ثم قالها مرة أخرى، فسكت العباس فلما رأيت ذلك قلت: أنا، يا رسول الله.

قال: " أنت؟! ".

قال: وإني يومئذ لأسوأهم هيئة، وإني لأعمش العينين، ضخم البطن، خمش الساقين.

ثم قال صاحب المصدر: وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عباد ابن عبد الله الأسدي، وربيعة بن ناجذ عن علي نحو ما تقدم، أو كالشاهد عليه.

ثم قال: ومعنى قوله في هذا الحديث: " من يقضي عني ديني، ويكون خليفتي في أهلي " يعني إذا مات، وكأنه صلى الله عليه وآله وسلم خشي إذا قام بإبلاغ الرسالة إلى مشركي العرب أن يقتلوه، فاستوثق من يقوم بعده بما يصلح أهله، ويقضي عنه، وقد أمنه الله من ذلك في قوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك - إلى قوله - والله يعصمك من الناس (1) انتهى.

فلنتناول هذا الكلام من جميع وجوهه لنعرف أين محله:

1 - فأما عبد الغفار بن القاسم أبو مريم الذي طعن عليه، فقد وصفه ابن حجر العسقلاني، فقال: كان ذا اعتناء بالعلم وبالرجال - قال - وقال شعبة:

لم أر أحفظ منه، وقال ابن عدي: سمعت ابن عقدة يثني على أبي مريم ويطريه وتجاوز الحد في مدحه حتى قال: لو ظهر على أبي مريم ما اجتمع الناس إلى شعبة.

أما تضعيفهم له فإنما جاء من وصفه بالتشيع، قال ابن حجر - في ترجمته ذاتها -: قال البخاري: عبد الغفار بن القاسم ليس بالقوي عندهم. حدثنا أحمد بن صالح حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا الحسين بن الحسن الفزاري،

(1) المائدة: 67.


82

عن عبد الغفار بن القاسم، عن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال حدثني بريدة: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " علي مولى من كنت مولاه "!! (1) - فمن هنا جاء طعنهم عليه (2).

2 - وأما قوله: إن الحديث فيه عبد الغفار بن القاسم، فقد ورد الحديث من طرق أخرى ليس فيها عبد الغفار، كما في:

تاريخ ابن عساكر:

قال: أخبرنا أبو البركات عمر بن إبراهيم الزيدي العلوي بالكوفة، أنبأنا أبو الفرج محمد بن أحمد علان الشاهد، أنبأ محمد بن جعفر بن محمد ابن الحسين، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن القاسم بن زكريا المحاربي، أنبأنا عباد بن يعقوب، أنبأنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن المنهال ابن عمرو، عن عباد بن عبد الله - هو الأسدي الذي احتج بروايته - عن علي بن أبي طالب.

وفيه، قال: " أيكم يقضي ديني، ويكون خليفتي ووصيي من بعدي؟ " فسكت العباس - الحديث - فقلت: أنا يا رسول الله. فقال: " أنت يا علي، أنت يا علي " (3).

وكما في تاريخ الطبري:

حدثنا زكريا بن يحيى الضرير، قال: حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا

(1) أنظر ترجمته في لسان الميزان 4: 42 / 123.

(2) وليس هذا حظه وحده، بل هو حظ كثير ممن هم مثله وسوف نتناول هذا الموضوع في فصل لاحق معززا بالشواهد والأدلة.

(3) ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق 1: 99 / 137.


83

أبو عوانة، عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجذ: أن رجلا قال لعلي عليه السلام: يا أمير المؤمنين، بم ورثت ابن عمك دون عمك؟

فقال علي: هاؤم - ثلاث مرات، حتى اشرأب الناس ونشروا آذانهم، ثم قال - جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - أو دعا رسول الله - بني عبد المطلب - الحديث - ثم قال رسول الله: " فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووارثي " فقمت إليه وكنت أصغرهم فقال: " اجلس ".

ثم قال ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه فيقول لي: " اجلس " حتى كان في الثالثة، فضرب بيده على يدي - قال - فبذلك ورثت ابن عمي دون عمي (1).

وكما في رواية الحاكم:

حدثني ابن فنجويه، حدثنا موسى بن محمد بن علي بن عبد الله، حدثنا الحسن بن علي بن شبيب المعمري، قال حدثنا عباد بن يعقوب، عن علي بن هاشم، عن صباح بن يحيى المزني، عن زكريا بن ميسرة عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لما نزلت (وانذر عشيرتك الأقربين).

.. الحديث (2).

فهل خفي هذا كله، وغيره عنه؟ كلا طبعا، إلا أنه لم يجد منفذا إليها، إلا ما صنعه بعضهم على أبي مريم، فتناوله وطعن فيه، وأوهم القارئ أن هذه الرواية محصورة في هذا الطريق!

3 - ثم أين تأويله الذي اتكأ عليه، من قوله تعالى: ﴿وانذر عشيرتك

(1) تاريخ الطبري 2: 219، ورواه بهذا الإسناد: النسائي في الخصائص: 18، وأحمد في المسند 1:

159 وغيرهم أيضا.

(2) شواهد التنزيل 1: 420 / 580.


84

الأقربين؟

فهل كان أمر الله تعالى له بإنذار عشيرته أن يقضوا عنه دينه، ويحفظوا له عياله؟!

وهل يستدعي أمر كهذا كل ما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من دعوة أربعين رجلا ثلاث مرات، وإبلاغهم، أما كان يكفيه أن يستدعي من يثق به منهم ويطمئن إليه فيوصيه بعياله، وقضاء دينه؟

ثم متى نزل قوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس أليس في سورة المائدة، في آخر ما نزل من القرآن، بينما كانت آية الانذار من أول ما نزل في العهد المكي؟!

أهكذا يدرس كلام الله المجيد، أم هي الأهواء تفعل بأهلها ما تريد!!

وإلا فماذا ينكرون من هذا، ليذهبوا إلى الصناعة والتأويل؟

أينكرون قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: " أنت أخي "؟

فهل آخى رسول الله بين نفسه وبين أحد من الناس غير علي؟

وهل قالها لأحد سواه: " أنت أخي في الدنيا والآخرة "؟ تلك حقيقة لم تخف على أحد من المسلمين في عصر من العصور.

أم أنكروا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " أنت خليفتي "؟

فمن أنكرها، أو قيدها هنا، فهو لا يستطيع شيئا من ذلك في نصوص كثيرة أخرى، تقدم بعضها، وسيأتي بعض آخر.

ومع هذا، فإن تقييدها هنا بخلافته في أهله، أمر غريب لا يرتجى حتى من البسطاء الذين يدركون جميعا أن دعوة النبي إنما ابتدأت في مكة التي تسكنها بطون قريش، وأن الأقربين إلى النبي من بين بطون قريش، والناس أجمعين هم بنو هاشم، وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا النص القرآني أن ينذرهم جهارا، ويبلغهم دعوته، فهم أولى بنصرته، وهو واضح.


85

أم أنهم استنكروا قوله: " ووصيي "؟

فإن لهذا الأمر من الشهرة ما لا يمكن لأحد إنكاره، أو تضعيف شأنه.

فلقد كان لقب (الوصي) واحدا من أشهر ألقاب الإمام علي في صدر الإسلام، ولشهرته فقد ثبت حتى في معاجم اللغة العربية، في تعريف كلمة:

(وصي).

ففي لسان العرب (1): وقيل لعلي عليه السلام وصي، ثم استشهد بقول كثير:

وصي النبي المصطفى وابن عمه

وفكاك أغلال وقاضي مغارم

وفي تاج العروس (2): والوصي كغني: لقب علي رضي الله عنه.

كما انتشر هذا اللقب لعلي عليه السلام في شعر المسلمين الأوائل من جيل الصحابة والتابعين، وقد أفرد ابن أبي الحديد لذلك فصلا، بعنوان: ما ورد في وصاية علي من الشعر. (3) قال فيه: ومما رويناه من الشعر المقول في صدر الإسلام، المتضمن كونه عليه السلام وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

- قول عبد الله بن أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب:

ومنا علي ذاك صاحب خيبر

وصاحب بدر يوم سالت كتائبه

(1) للعلامة ابن منظور، مادة - وصي - 15: 394.

(2) لمحمد مرتضى الزبيدي، مادة - وصي - أيضا 10: 392.

(3) شرح نهج البلاغة 1: 143.


86

وصي النبي المصطفى وابن عمه

فمن ذا يدانيه ومن ذا يقاربه!

- وقال عبد الرحمن بن الحنبل (1):

لعمري لقد بايعتم ذا حفيظة

على الدين معروف العفاف موفقا

عليا وصي المصطفى وابن عمه

وأول من صلى، أخا الدين والتقى

- وقال أبو الهيثم بن التيهان - وكان بدريا - وذكر أبياتا منها:

قل للزبير، وقل لطلحة: إننا

نحن الذين شعارنا الأنصار

إن الوصي إمامنا وولينا

برح الخفاء وباحت الأسرار

- وقال رجل من الأزد يوم الجمل:

هذا علي وهو الوصي

آخاه يوم النجوة النبي

(1) صحابي استشهد بصفين رضوان الله عليه، وفي المصدر " عبد الرحمن بن جعيل " والصحيح ما أثبتناه عن أسد الغابة 3: 288، والإصابة 4: 155.


87

وقال هذا بعدي الولي

وعاه واع ونسي الشقي

- وخرج يوم الجمل من بني ضبة، شاب معلم من عسكر عائشة، وهو يقول:

نحن بنو ضبة أعداء علي

ذاك الذي يعرف قدما بالوصي

وفارس الخيل على عهد النبي

ما أنا عن فضل علي بالعمي

والفضل ما شهدت به الأعداء.

وقال زياد بن لبيد الأنصاري يوم الجمل، وكان من أصحاب علي عليه السلام:

كيف ترى الأنصار في يوم الكلب

إنا أناس لا نبالي من عطب

ولا نبالي بالوصي من غضب

وإنما الأنصار جد لا لعب

هذا علي وابن عبد المطلب

ننصره اليوم على من قد كذب

من يكسب البغي فبئسما اكتسب


88

وقال حجر بن عدي الكندي، وهو صحابي جليل:

يا ربنا سلم لنا عليا

سلم لنا المبارك المضيا

المؤمن الموحد التقيا

لا خطل الرأي ولا غويا

بل هاديا موفقا مهديا

واحفظه ربي واحفظ النبيا

فيه فقد كان له وليا

ثم ارتضاه بعده وصيا

- وقال خزيمة بن ثابت - ذو الشهادتين - وكان بدريا (في أبيات منها):

فادعها تستجب، فليس من الخز

رج والأوس - يا علي - جبان

يا وصي النبي قد أجلت الحر

ب الأعادي وسارت الأضعان

وقال خزيمة أيضا في يوم الجمل:

أعائش خلي عن علي وعيبه

بما فيه إنما أنت والده


89

وصي رسول الله من دون أهله

وأنت على ما كان من ذاك شاهده

وحسبك منه بعض ما تعلمينه

ويكفيك لو لم تعلمي غير واحده

- وقال زحر بن قيس الجعفي يوم الجمل أيضا:

أضربكم حتى تقروا لعلي

خير قريش كلها بعد النبي

من زانه الله وسماه الوصي

إن الولي حافظا ظهر الولي

كما الغوي تابع أمر الغوي

فهذه عشر وثائق تاريخية في جيل الصحابة، من بين أربع وعشرين وثيقة ذكرها في هذا الفصل، ثم قال: والأشعار التي تتضمن هذه اللفظة كثيرة جدا، ولكنا ذكرنا منها هاهنا بعض ما قيل في هذين الحزبين - أراد: الجمل وصفين -، فأما ما عداهما، فإنه يجل عن الحصر، ويعظم عن الإحصاء والعد، ولو لا خوف الملالة والإضجار، لذكرنا من ذلك ما يملأ أوراقا كثيرة. انتهى.

ولقد أتى بهذه الأشعار في معرض حديثه عن خطبة أمير المؤمنين عليه السلام، التي فيها:

" لا يقاس بآل محمد صلى الله وآله من هذه الأمة أحد، ولا يسوي بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا،


90

هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفئ الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة.. ".

إذن - بعد هذا كله - هل يرتاب طالب حق منصف!

أم سيغني التأويل، وصناعة الرواية من الحق شيئا؟

إقرأ معي - أخيرا - حديث رسول الله صلى عليه وآله وسلم الذي يرويه الإمام أحمد بإسناده عن أنس بن مالك، قال: قلنا لسلمان: سل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن وصيه، فقال له سلمان: يا رسول الله، من وصيك؟

قال: " يا سلمان، من كان وصي موسى؟ ".

قال: يوشع بن نون.

قال: " فإن وصيي، ووارثي، يقضي ديني، وينجز موعودي علي بن أبي طالب " (1).

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " لكل نبي وصي ووارث، وإن عليا وصيي ووارثي " (2).

وقوله مخاطبا ابنته الزهراء: " ووصيي خير الأوصياء، وهو بعلك " (3).

فهذه نصوص ثلاثة صريحة، يشهد بعضها لبعض، بأن عليا عليه السلام هو وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، غير ما تقدم.

(1) فضائل الصحابة 2: 615 / 1052، وأخرجه أيضا: الهيثمي في مجمع الزوائد 9: 113، المحب الطبري في الرياض النضرة 3: 138، وذخائر العقبى: 71، (2) ترجمة الإمام علي من تاريخ ابن عساكر 3: 5 / 1030 و 1031، الرياض النضرة 3: 138، ذخائر العقبى: 71، المناقب للخوارزمي: 42، الفردوس 3: 382 / 5047، المناقب لابن المغازلي:

201 / 238، كفاية الطالب: 260، وسيلة المتعبدين ج 5 - ق 2: 162.

(3) مجمع الزوائد 8: 253 و 9: 165، ذخائر العقبى: 136، المناقب للخوارزمي: 63، ابن المغازلي:

101 / 144، كفاية الطالب: 296، منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 5: 31.


91

7 - حديث الغدير

هذا الحديث، الذي بلغ حد التواتر عند جميع المسلمين - كما سنرى - وحفظته أمهات المصادر، قد لاقى من الكتمان، أو شبهه، ما لم يلقه شئ من أخبار الآحاد أو الضعاف، حتى صار كالمجهول لدى الغالبية منا، وأصبح ذكره يستوجب الكثير من التفصيل في إثباته، ثم رد الأقاويل التي نسجت حوله ابتغاء تأويله!

ومهما يكن، فليس بقادح في جمال الربيع صدود من لا يعشق الجمال.

وبينما ترى بعضنا يقف خاشعا مذعنا أمام النص النبوي الشريف، تجد آخر يسلك فنون التأويل، ويحمل الألفاظ ما لا تطيق، ليصرف النص عن مفاده ومغزاه.

ونبدأ رحلتنا الطويلة مع هذا الحديث بما أثبته اليعقوبي في تاريخه، تحت عنوان " حجة الوداع " (1).

وهو يروي خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إلى أن يقول:

ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلم): " لا ترجعوا بعدي كفارا مضلين يملك بعضكم رقاب بعض، إني قد خلفت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا:

كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ألا هل بلغت "؟

قالوا: نعم، قال: " اللهم اشهد ".

ثم قال إنكم مسؤولون، فليبلغ الشاهد منكم الغائب ".

(1) 2: 111 - 112، ومثله في السيرة الحلبية 3: 336.


92

ثم يمضي في الحديث إلى أن يبلغ قوله: وخرج ليلا منصرفا إلى المدينة، فصار إلى موضع بالقرب من الجحفة، يقال له: غدير خم، لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، وقام خطيبا، وأخذ بيد علي بن أبي طالب، فقال:

" ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم "؟

قالوا بلى، يا رسول الله.

قال: " فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ".

ثم قال " أيها الناس، إني فرطكم على الحوض، وأنتم واردي على الحوض، وإني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ".

قالوا: وما الثقلان يا رسول الله؟

قال: " الثقل الأكبر: كتاب الله، سبب طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فاستمسكوا به، ولا تضلوا، ولا تبدلوا، وعترتي أهل بيتي ".

هكذا جاء، فأرجو أن نمعن النظر في عبارات التأكيد، والمبالغة في البيان، ثم الوعظ، والأمر والوعيد!

ثم مع الحافظ النسائي (1)، عن سعد بن أبي وقاص، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بطريق مكة، وهو متوجه إليها، فلما بلغ غدير خم وقف للناس، ثم رد من سبقه، ولحقه من تخلف، فلما اجتمع الناس إليه، قال: " أيها الناس، من وليكم "؟

قالوا: الله ورسوله، ثلاثا.

(1) في كتابه (خصائص أمير المؤمنين) وقد ذكر فيه حديث الغدير بأسانيد عديدة وطرق شتى وألفاظ مختلفة بلغت تسع عشرة رواية، منها ثلاثة طرق عن سعد بن أبي وقاص، واثنان عن زيد بن أرقم.

ص 21 - 27.


93

ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب، ثم قال: " من كان الله ورسوله وليه، فهذا وليه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ".

وعن زيد بن أرقم، قال: لما دفع رسول الله من حجة الوداع، ونزل غدير خم، أمر بدوحات (1) فقممن (2)، ثم قال: " كأني دعيت فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيها، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ".

ثم قال " إن الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن " ثم إنه أخذ بيد علي، فقال: " من كنت وليه فهذا وليه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ".

قال أبو الطفيل: فقلت لزيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

فقال: وإنه ما كان في الدوحات أحد إلا رآه بعينيه، وسمعه بأذنيه.

وأما المحب الطبري فيروي (3) عن البراء بن عازب - رضي الله عنهما - قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سفر، فنزلنا بغدير خم، فنودي فينا: الصلاة جامعة، وكسح لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت شجرة، فصلى الظهر، وأخذ بيد علي، وقال: " ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم "؟

قالوا: بلى، فأخذ بيد علي، وقال: " اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ".

قال: فلقيه عمر بعد ذلك، فقال: هنيئا لك يا ابن أبي طالب أصبحت

(1) الدوحة: الشجرة. النهاية (دوح) 2: 138.

(2) قم الشئ قما: كنسه. لسان العرب (قم) 12: 493.

(3) في ص 67 من الذخائر في فصل أسماه: ذكر أنه من كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم مولاه فعلي مولاه.


94

وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة.

وزاد الخوارزمي (1) عن أبي سعيد الخدري (رض) قال: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما دعا الناس إلى غدير خم، أمر بما كان تحت الشجرة من شوك، فقم، وذلك يوم الخميس، ثم دعا الناس إلى علي فأخذ بضبعه (2)، فرفعها حتى نظر الناس إلى بياض إبطيه، ثم لم يتفرقا حتى نزلت هذه الآية: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضى الرب برسالتي والولاية لعلي ".

ثم قال: " اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله ".

فقال حسان بن ثابت: يا رسول الله، أتأذن لي أن أقول أبياتا؟

فقال: " قل ببركة الله تعالى ".

فقال:

يناديهم يوم الغدير نبيهم

بخم وأسمع بالرسول مناديا

بأني مولاكم نعم ووليكم

فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا

إلهك مولانا وأنت ولينا

ولا تجدن في الخلق للأمر عاصيا

(1) في المناقب: 80.

(2) الضبع: وسط العضد، وقيل: ما تحت الإبط. النهاية 3: 73.


95

فقال له: قم يا علي فإنني

رضيتك من بعدي إماما وهاديا

فمن كنت مولاه فهذا وليه

فكونوا له أنصار صدق مواليا

هناك دعا: اللهم وال وليه

وكن للذي عادى عليا معاديا (1)

وفي البداية والنهاية (2) نجد التصريح بما ذكرنا من تواتر هذا الحديث، وإجماع المسلمين عليه، فيقول: وقد اعتنى بأمر هذا الحديث أبو جعفر محمد ابن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ، فجمع فيه مجلدين، أورد فيهما طرقه وألفاظه، وكذلك الحافظ الكبير أبو القاسم ابن عساكر (3) أورد أحاديث كثيرة في هذه الخطبة.

ثم يشرع صاحب الكتاب بإيراد طرق هذه الخطبة، فيرويها بسبعة طرق، ثم ينتقل إلى حادثة مسجد الرحبة، حيث الشهادة الكبرى، وتجدد بيعة الغدير - إذ قام الإمام علي عليه السلام، في أيام خلافته، فناشد الناس: أنه من سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خم يقول: " من كنت مولاه فعلي

(1) وروى هذه الأبيات: الخوارزمي أيضا في مقتل الإمام الحسين 1: 47، والحافظ أبو نعيم كما في النور المشتعل: 57، والجويني في فرائد السمطين من طريقين 1: 73، 74، وابن الجوزي في تذكرة الخواص:

33، والكنجي في كفاية الطالب: 64. مع اختلاف في بعض الألفاظ.

(2) 5: 183 - 189 آخر فصول السنة العاشرة من الهجرة.

(3) هو علي بن الحسن بن هبة الله. الإمام العلامة، محدث الشام أبو القاسم الدمشقي - صاحب تاريخ دمشق - ولادته سنة 499. ووفاته 571 هـ‍. (سير أعلام النبلاء) 20 ت / 354.


96

مولاه " فليشهد بذلك - فيثبت هذه الحادثة من ستة وثلاثين طريقا، ثم يشهد بصحة القسم الأعظم منها وقوته.

ثم يختتم هذا الفصل بذكر ما رد به الشيخ الحافظ أبو عبد الله الذهبي (1) على حديث أبي هريرة، الذي فيه: عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة، قال:

لما أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيد علي، قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه " فأنزل الله عز وجل: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) الآية. قال أبو هريرة: وهو يوم غدير خم، من صام يوم ثمان عشرة من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهرا (2).

قال - بعد أن استعرض رأيه - وقد قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي بعد إيراده هذا الحديث: هذا حديث منكر جدا! ورواه حبشون الخلال وأحمد بن عبد الله بن أحمد النيري، وهما صدوقان، عن علي بن سعيد الرملي عن ضمرة، قال: يروي هذا الحديث عن عمر بن الخطاب، ومالك بن الحويرث، وأنس بن مالك، وأبي سعيد، وغيرهم بأسانيد واهية (!).

قال: وصدر الحديث متواتر، أتيقن أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاله، وأما " اللهم وال من والاه " فزيادة قوية الإسناد.

ولكنه - عفا الله عنه - بعد أن نقل كل هذا، عاد فانصاع لهواه، ومال مع نفسه، وكأني به يتقلب بين المسالك بحثا عما يخرجه إلى تأويل يصرف فيه الحديث عن حقيقته الظاهرة الجلية، فبعد أن دخل مدخلا واهيا ينشد غرضه، فظن أنه انتصر، قفز، وهو يظن أنه ارتقى أعلى درجات السلم، ولكنه - أسفا -

(1) هو شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، صاحب التراجم والتاريخ، تلمذ على ابن تيمية وأخذ عنه نهجه السلفي، توفي سنة 748 هـ‍.

(2) والحديث رواه الخطيب في تاريخ بغداد 8: 290، وجميع رواته موثقون، ورواه الحاكم في شواهد التنزيل في ذكر الآية من سورة المائدة: 157 / 211، وسيأتي ذكر المزيد من مصادره في محله إن شاء الله تعالى.


97

كان قفزا إلى الأسفل!

وسنذكر محاولاته هذه بنصها:

فهو يقول - في أول كلامه الذي تركه مبهما بعنوان -: (فصل)، كتب تحته:

(في إيراد الحديث الدال على أنه عليه السلام خطب بمكان بين مكة والمدينة، مرجعه من حجة الوداع، قريب من الجحفة، يقال له: غدير خم، فبين فيه فضل علي بن أبي طالب، وبراءة عرضه مما كان تكلم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن بسبب ما كان صدر منه إليهم من المعدلة التي ظنها بعضهم جورا وتضييقا وبخلا، والصواب كان معه في ذلك.

لهذا لما تفرغ عليه السلام من بيان المناسك، ورجع إلى المدينة، بين ذلك في أثناء الطريق، فخطب خطبة عظيمة في يوم الثامن عشر من ذي الحجة عامئذ، وكان يوم الأحد، بغدير خم، تحت شجرة هناك، فبين فيها أشياء، وذكر من فضل علي، وأمانته، وعدله، وقربه إليه، ما أزاح به ما كان في نفوس كثير من الناس منه، ونحن نورد عيون الأحاديث الواردة...).

نقف معه هنا لنرى كيف أراد أن يجعل هذه الخطبة العظيمة - كما وصفها هو - إنما جاءت لغرض بيان براءة علي مما شكاه منه نفر من الصحابة، لا غير!

وهذه لعمري حمل واه لا يمر على عاقل قرأ رواية واحدة لهذه الخطبة العظيمة، فكيف إذا علم القارئ أن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم قد رد على تلك الشكاوى في محلها وفي وقتها، وعلى مرأى ومسمع من المسلمين؟

وقد وردت تلك الردود في كافة الروايات التي تعرضت إلى تلك الشكاوى، ومنها عدة روايات يذكرها صاحب البداية والنهاية نفسه!

وإليك قصص الشكاوى، نبدأها بما رواه في هذا الفصل، فقال:

لما أقبل علي من اليمن ليلقى رسول الله (ص) بمكة تعجل إلى رسول


98

الله (ص) واستخلف على جنده الذين معه رجلا من أصحابه، فعمد ذلك الرجل فكسا كل رجل من القوم حلة من البز الذي كان مع علي، فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم، فإذا عليهم الحلل، فقال: ويلك، ما هذا؟

قال: كسوت القوم ليتجملوا به إذا قدموا في الناس.

قال: ويلك، انزع قبل أن ينتهى به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فانتزع الحلل من الناس، فردها في البز - قال - وأظهر الجيش شكواه لما صنع بهم - ثم ذكر سندا ينتهي إلى أبي سعيد الخدري - قال: اشتكى الناس عليا فقام رسول الله (ص) فينا خطيبا فسمعته يقول: " أيها الناس، لا تشكوا عليا، فوالله إنه لأخشن في ذات الله - أو في سبيل الله ".

ثم أضاف: وقال الإمام أحمد: حدثنا الفضل بن دكين.... عن بريدة - فروى قصة بريدة حتى قال: فقال (ص) " يا بريدة، ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم "؟

قال: بلى.

قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه ". ثم قال: وكذا رواه النسائي عن أبي داود الحراني، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن عبد الملك بن أبي غنية بإسناد نحوه، وهذا إسناد جيد قوي رجاله كلهم ثقات.

القصة الثانية:

أن أربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عزموا أن يشكوا عليا إذا لقوا رسول الله، فلما قدموا عليه، قال أحدهم: يا رسول الله، ألم تر إلى علي بن أبي طالب صنع كذا وكذا، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.


99

وفعل الثاني منهم والثالث والرابع مثل أولهم، وفي كل مرة يعرض الرسول عن الشاكي - قال - فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والغضب يعرف في وجهه، فقال: " وما تريدون من علي؟ وما تريدون من علي؟!

إن عليا مني، وأنا منه، إن عليا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي " (1).

القصة الثالثة:

في شكوى بريدة: فعنه، أنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعثين إلى اليمن: على أحدهما علي بن أبي طالب، وعلى الآخر خالد بن الوليد، فقال: " إذا التقيتم فعلي على الناس، وإذا افترقتما فكل واحد منكما على جنده ".

فلقينا بني زيد من أهل اليمن، فاقتتلنا، فظهر المسلمون على المشركين، فقتلنا المقاتلة، وسبينا الذرية، فاصطفى علي لنفسه امرأة من السبي - قال بريدة - فكتب معي خالد بن الوليد إلى رسول الله يخبره بذلك.

فلما أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم رفعت الكتاب، فقرئ عليه، فرأيت الغضب في وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: يا رسول الله، هذا مكان العائذ، بعثتني مع رجل، وأمرتني أن أطيعه، ففعلت ما أرسلت به.

(1) سنن الترمذي - كتاب المناقب - 5 ح / 3712، الخصائص للنسائي: 23، مسند أحمد 4: 438، وفضائل الصحابة - له أيضا - 2: 605 / 1035 و 620 / 1060، المستدرك 3: 111، الاحسان بترتيب صحيح ابن حبان 9: 41 / 6890، الجامع للأصول 9: 470 / 6480، أسد الغابة 4: 27، ابن أبي الحديد 9: 170، الرياض النضرة 3: 129، كنز العمال 11 ج 32883 مختصرا، وأصحاب المناقب.


100

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا تقع في علي، فإنه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي، وإنه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي " (1).

وهكذا ظهر أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد رد على جميع تلك الشكاوى التي حصلت جميعها أيام حجة الوداع، وعند عودة علي عليه السلام من اليمن.

وأنه كان الرد في كل مرة على ملأ من الناس، ولم يكن خفيا.

وأنه في كل مرة كان يؤكد عظيم منزلة علي عليه السلام، ثم يؤكد الولاية له:

" فإنه مني، وأنا منه، وهو وليكم بعدي ".

وبهذا يتبين بطلان ما ادعاه، والحمد لله.

وبعد، فإذا نظرنا فيما تميزت به هذه الخطبة من خصوصيات، نجد بما لا يدع أدنى مجالا للشك، أن ذلك التأويل ليس له محل على الاطلاق. فقد تمتعت هذه الخطبة، بميزات لم تحظ بها أية خطبة أخرى في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

- فبعد عودة الناس من حجهم الأكبر.

- وعند بلوغهم مفترق الطرق، حيث يتجه كل إلى أهله وموطنه.

- وفي منتصف النهار، ولهيب الهاجرة.

- ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

- فرد المتقدم.

- وانتظر المتأخر حتى لحق به.

(1) مسند أحمد 5: 356، المستدرك 3: 110، الخصائص للنسائي: 24، ابن عساكر كما في الترجمة:

400 / 466 و 467 و 468 و 469 و 477، فضائل الصحابة - لأحمد بن حنبل 2: 584 / 989، مجمع الزوائد 9: 108، الرياض النضرة 3: 130، وأصحاب المناقب.


101

- ثم قام ذلك المقام المشهود، أمام مائة ألف أو يزيدون!

ألا يدل ذلك، بل بعض منه، على أنه صلى الله عليه وآله وسلم أراد لهذا الأمر أن ينال الحظ الأوفر من اهتمام الناس، والثبات في الأذهان، والانتشار في الأقطار والأمصار، إلى درجة تبلغ فيها الحجة كل المسلمين، وفي كافة أقطارهم؟

بلى، إنها كانت بيعة على الأشهاد، تولى إبلاغها خير الخلق وسيد العباد، ثم لم يصرفهم من تجمعهم الكبير، ولا اختتم كلامه حتى أشهد الله عليهم، وأشهدهم على أنفسهم، وفرض عليهم تبليغها في بلدانهم بشكل لم يفرضه على أمر آخر، أو خطبة أخرى، فكرر القول:

" ألا هل بلغت "، اللهم اشهد ".

و " إنكم مسؤولون، فليبلغ الشاهد منكم الغائب ".

وبعد هذا البيان، نعود إلى كلامه الذي اقتطعناه عند قوله: (ونحن نورد عيون ما روي في ذلك، مع إعلامنا أنه لا حظ للشيعة ولا متمسك لهم ولا دليل، لما سنبينه وننبه عليه، فنقول، وبالله المستعان: قال محمد بن إسحاق...).

ثم بدأ بسرد روايات خطبة الغدير، حتى أتى على إحدى وأربعين رواية - بالتفصيل الذي وصفناه - وجعل آخرها رد الحافظ الذهبي على رواية أبي هريرة، ثم وصلها مباشرة بما أراده أن يكون دليلا على عدم صحة الاستدلال بهذه الروايات على خلافة علي بن أبي طالب، ولأجل المزيد من الاطمئنان من عدم قطعنا كلامه، نعود إلى حيث انتهينا عنده من رد الحافظ الذهبي، لنأتي بالحديث إلى آخره:

قال - الحافظ الذهبي - وصدر الحديث متواتر، أتيقن أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاله، وأما " اللهم وال من والاه " فزيادة قوية الإسناد، وأما


102

هذا الصوم فليس بصحيح، ولا والله ما نزلت هذه الآية إلا يوم عرفة، قبل غدير خم بأيام والله تعالى أعلم (1) وقال الطبراني: حدثنا علي بن إسحاق الوزير الأصبهاني، حدثنا علي ابن محمد المقدمي، حدثنا محمد بن عمر بن علي المقدمي، حدثنا علي بن محمد ابن يوسف بن شبان بن مالك بن مسمع، حدثنا سهل بن حنيف، عن سهل بن مالك أخي كعب بن مالك، عن أبيه، عن جده، قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة من حجة الوداع، صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " أيها الناس، إن أبا بكر لم يسؤني قط، فاعرفوا ذلك له، أيها الناس، إني عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف والمهاجرين الأولين راض، فاعرفوا ذلك لهم، أيها الناس، احفظوني في أصحابي وأصهاري وأحبابي لا يطلبنكم الله بمظلمة أحد منهم، أيها الناس ارفعوا ألسنتكم عن المسلمين، وإذا مات أحد منهم فقولوا فيه خيرا، بسم الله الرحمن الرحيم ". انتهى.

فلعمري ما الذي أراد إثباته من هذا النص لمقابلة نصوص الغدير التي شهد لها بالتواتر وصحة الإسناد؟

هل أراد أن يقول: إن فيه دلالة على استخلاف أبي بكر؟

فأي شئ فيه يدل على الاستخلاف؟

ثم إنه ليس له أن يستدل بهذا، ولا بغيره لأن ذلك يخالف مذهبه الذي يقول إن النبي لم يستخلف أحدا!

وبعد، فهذا هو كل ما عثر عليه ليرد به على من استدل على ولاية علي

(1) سيأتي بيان ذلك لاحقا.


103

ابن أبي طالب عليه السلام من حديث الغدير، ونظائره، كما يدل على هذا كلامه المتقدم: (مع إعلامنا أنه لا حظ.... ولا متمسك لهم، ولا دليل)!

فلم يبق إلا أنه أراد أن يقول بوجوب حفظ كرامة الصحابة، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " احفظوني في أصحابي وأصهاري وأحبابي، لا يطلبنكم الله بمظلمة أحد منهم ".

ونحن معه في هذا كله، فهل إن الاستدلال على ولاية علي عليه السلام من النصوص المتواترة فيه مظلمة لأحد؟

بل نحن ندعو كل من يعتقد بحفظ كرامة الصحابة أن يثبت معنا على اعتقاده هذا حين يقف على ما حصل من مظالم بحقهم، ويرى من الذين سيطلبهم الله بمظلمة أخلص أصحاب رسول الله، وأصهاره وأحبابه؟

ونعود فنقول: بل إن أول من استدل بخطبة الغدير على ولاية علي عليه السلام هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فقد مر في حديث البراء بن عازب: فلقيه عمر بعد ذلك، فقال: هنيئا لك يا بن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة.

وأورد أحمد وغيره أن أبا بكر وعمر لما سمعاه، قالا له: أمسيت يا بن أبي طالب مولى كل مؤمن ومؤمنة (1). لقد كانت بيعة صريحة منهم له عليه السلام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم!

(1) مسند أحمد 4: 281، فضائل الصحابة - له أيضا - 2: 596 / 1016 و 610 / 1042، أسد الغابة 4: 28، الترجمة من تاريخ ابن عساكر 2: 76 / 579، 580 و 82 / 584 ومواضع أخرى، تفسير الرازي 12: 49 - 50، روح المعاني 6: 194، الصواعق المحرقة: 44، الرياض النضرة 3: 127، المناقب لابن المغازلي: 19، تذكرة الخواص: 29، هذا غير ما تقدم من مصادره.


104

الشهادة الكبرى

أو

(البيعة الثانية)

نعم، لقد كان بلاغا مشهودا بلاغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غدير خم، فقد تهيأ له من أسباب الحفظ والثبات والشيوع ما يناسب جلالته، فلا يقوى على طمسه من يشاء.

ولقد كاد أن يحدث ذلك لولا تلك العناية الكبرى التي أحاطه بها النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.

فقد أمسى هذا الحديث مهجورا بعد رسول الله، أو كالمهجور، والأمة تمضي على غير سبيله، حتى شاء الله أن يعد له من يحييه من جديد، وعلى ملأ من المسلمين أيضا، فكان ذلك في الكوفة، وفي مسجد الرحبة منها، وبعد خمس وعشرين سنة من غياب رسول الله، إذ قام علي بن أبي طالب - أيام خلافته - خطيبا، فقال:

" أنشد الله من سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول يوم غدير خم: من كنت مولاه فعلي مولاه لما قام فشهد ".

قال عبد الرحمن: فقام اثنا عشر بدريا كأني أنظر إلى أحدهم، فقالوا:

نشهد أنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول يوم غدير خم:

" ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجي أمهاتهم؟ ".


105

فقلنا: بلى، يا رسول الله.

قال: " فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه " (1).

وفي حديث آخر: أنه عليه السلام قال في مناشدته: " ولا يقوم إلا من رآه ".

فقام - أي الصحابة - إلا ثلاثة لم يقوموا، فدعا عليهم، فأصابتهم دعوته (2).

وقد نال هذا الحديث من الشهرة ما ناله حديث الغدير، فلا يكاد يذكر حديث الغدير إلا وذكر خبر الرحبة إلى جانبه.

وحين أقف أمام كل هذه النصوص، فلا أرى أمامي سوى الاطمئنان والرضى والتسليم لأمر الله ورسوله، غير أن النفس تنزع دوما لما يلائم طبعها، وما نشأت عليه، وترى الاذعان إلى ما يخالفه أمرا ثقيلا، مرا، قد لا تستسيغه مهما بلغت درجته من القوة!

وتلك النفس هي التي تختفي وراء محاولات التأويل، وصرف النص النبوي الشريف عن معناه ومؤداه، ولتلك المحاولات سبل شتى، ومسالك

(1) مسند أحمد 1: 88، 118، 119 (بطريقين)، فضائل الصحابة (لأحمد بن حنبل) 2: 585 / 991 و 992 و ص 682 / 1167 - وفيه: فقام ثلاثون فشهدوا -، أسد الغابة 2: 233 و 3: 93 و 4: 28، خصائص النسائي: 22 - 25 من عدة طرق، الإصابة 4: 182 / 5189 - ترجمة عبد الرحمن بن مدلج - ومواضع أخرى، مجمع الزوائد 9: 104 - 105 بعدة طرق، السيرة الحلبية 3:

337: ترجمة الإمام علي من تاريخ ابن عساكر 2: 5 - 25 ح / 503 - 524، ومواضع أخرى، تاريخ بغداد 14: 236، صفة الصفوة 1: 313، تاريخ الخلفاء: 134، الرياض النضرة 3: 127، حلية الأولياء 5: 26، وكتب المناقب قاطبة، وقد تقدم أن ابن كثير أخرجه في البداية والنهاية من ستة وثلاثين طريقا.

(2) مسند أحمد 1: 119، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4: 74.


106

متشعبة، تناولنا منها شيئا، وسنمر هنا على أهمها في هذا المقام عرضا ونقدا موجزين.

فللشيخ الآلوسي في (روح المعاني) (1) عند تفسيره قوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك الآية (2).

بحث مسهب، يلمس فيه المتتبع محاولاته الفرار من المسؤولية أمام النص القطعي، معتمدا تأويلات لغوية، وتكلفا شديدا، لا أظن أنه - مع طول باعه، وسعة تبحره - كان مقتنعا بها حقا، ولكنها السبيل الوحيد إلى ما ترضاه النفس، ويمل إليه الهوى!

فيقول: والشيخان لم يرويا خبر الغدير في صحيحيهما، لعدم وجدانهما له على شرطهما..

وهذا الكلام ليس له قيمة علمية لسببين:

أولهما: في قوله: لعدم وجدانهما له على شرطهما.

فهذا ادعاء باطل، لما أثبته الحاكم في المستدرك وقد روى حديث الغدير من طريقين، وأثبت صحتهما جميعا على شرط الشيخين، وهذا نص الحاكم:

عن زيد بن أرقم رضي الله عنه، قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقممن، فقال: " كأني قد دعيت فأجيب، إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله تعالى، وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ".

ثم قال: " إن الله عز وجل مولاي: وأنا مولى كل مؤمن - ثم أخذ بيد

(1) 6: 195.

(2) المائدة: 67.


107

علي رضي الله عنه فقال - من كنت مولاه فهذا وليه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه " وذكر الحديث بطوله وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بطوله.

ثم قال: شاهده حديث سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل أيضا صحيح على شرطهما، حدثناه أبو بكر بن إسحاق، ودعلج بن أحمد السجزي، قالا:

أنبأ محمد بن أيوب، ثنا الأزرق بن علي، ثنا حسان بن إبراهيم الكرماني، ثنا محمد بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن أبي الطفيل عامر (1) بن واثلة أنه سمع زيد بن أرقم رضي الله عنه يقول:

نزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين مكة والمدينة عند شجرات خمس دوحات عظام، فكنس الناس ما تحت الشجرات، ثم راح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشية فصلى ثم قام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر ووعظ، فقال ما شاء الله أن يقول، ثم قال:

" أيها الناس، إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا إن اتبعتموهما، وهما:

كتاب الله، وعترتي أهل بيتي - ثم قال - أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم " ثلاث مرات. قالوا: نعم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " من كنت مولاه فعلي مولاه " (2).

ومن المناسب القول: إن وفاة الحاكم كانت في سنة 405 هـ‍، في حين توفي الآلوسي سنة 1270 هـ‍، فهل خفي عليه ما أورده الحاكم؟

(1) في المصدر " عن ابن واثلة " والصحيح ما أثبتناه، لأن أبا الطفيل هو عامر بن واثلة.

(2) المستدرك على الصحيحين 3: 109 - 110.


108

وهل خفي عليه أن الترمذي قد أخرجه في سننه وصححه (1)، وأخرجه ابن ماجة في سننه من طريقين (2)، وأحمد في مسنده من ستة عشر طريقا (3)؟!.

كيف إذن جزم جزمه القاطع دونما استقصاء؟!

إن هذا يعد عيبا كبيرا مع المسائل البسيطة، فكيف به مع أمر يعتمد في العقيدة وتفسير القرآن؟!

أم يقال: إنه وجد كلام الحاكم باطلا، فقطع بحكمه ذاك؟

فجوابه: أنه لو كان كذلك لما اكتفى بمجرد الإشارة إليه، بل لبسط القول في إثبات بطلانه، لأنه مهم جدا لمعارضته دعواه التي اعتمدها في حجته، فكيف ولم يشر إليه بأدنى إشارة!

وغير هذا، فحديث الغدير مما ثبت تواتره بشكل لا يخالطه شك (4).

بل قد لا يجد المتتبع لأحاديث الشريعة كلها حديثا متواترا أكثر طرقا من حديث الغدير (5)، فإن لم يصح حديث كهذا فليس في الشريعة حديث صحيح.

وقد كتم هذا الحديث قوم فما فنوا من الدنيا إلا عموا وبرصوا (6).

(1) سنن الترمذي 5: 633 / 3713.

(2) سنن ابن ماجة 1: 43 / 116، 45 / 121.

(3) مسند أحمد 1: 84، 88، 119 (بطريقين)، 152، 331، و 4: 281، 368، 370، 372 (بطريقين) و 5: 347، 358، 361، 362، 419.

(4) وممن صرح بتواتره: الذهبي - كما تقدم - وقد صرح بأنه أفرد جزءا في طرق هذا الحديث فانظر:

تذكرة الحفاظ: 1043، وسير أعلام النبلاء 17: 169 (عند ترجمة الحاكم).

(5) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق من (91) طريقا انظر ترجمة الإمام علي منه ح 503 - ح 593 ، وتقدم قول ابن كثير أن الطبري ألف كتابا في طرقه.

(6) كنز العمال 13: 131 / 36417، مسند أحمد 1: 119 شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4: 74.


109

فماذا بقي له من عذر سوى حسن ظنه بالشيخين، فلما لم يجده عندهما ظن عدم وجدانهما له على شرطهما، فهل يصح هذا؟ أنظر النقطة التالية:

وثانيهما: إن عدم ذكر الشيخين، له ليس بقادح فيه بعدما تبين من شهرته وشهادة الأعلام بتواتره.

ثم هل روى الشيخان كل ما يطابق شروطهما من مناقب علي عليه السلام لنجعل ذلك حجة؟

هذا ما لا يدعيه أحد على الاطلاق، ولا يقول به أحد رأى الكتابين، واطلع على ما ذكراه من مناقب علي عليه السلام، فكيف يقول ذلك وهو لا يجد له فيهما سوى أربع مناقب، مع ثلاث قصص أخرى ذكراها في الباب (1)؟

وإنه لمن دواعي الاستغراب أن نفتش عمن نلوذ به هربا من النص الشريف المواتر!

(1) أنظر صحيح البخاري 5: 87 - مناقب علي بن أبي طالب فقد أدخل حديث " أنت مني وأنا منك " في عنوان الباب، ثم خصص الحديثين 197 و 198 في راية خيبر، ثم حديث المنزلة برقم (202)، أما الحديث (199) فهو في قصة تسميته بأبي تراب، والحديث (200) ذكر فيه خبر رجل يسأل عبد الله بن عمر عن عثمان وعلي، قال: فذكر محاسن عمله وقال: هذا بيته في أوسط بيوت النبي، والحديث (201) عن علي عليه السلام في طلب الزهراء عليها السلام خادمة من أبيها صلى الله عليه وآله وسلم فأمرها بالتسبيح المعروف بعد كل صلاة، واختتم بالحديث (203) في رواية نسبها إليه أيضا لم يرد بها سوى تزكية الخلفاء الثلاثة، لا غير.

وأما في صحيح مسلم فقد جاءت مناقبه عليه السلام بين الرقمين 2404 و 2409، أولها حديث المنزلة، ثم راية خيبر وقد شغلت الأرقام 2405 - 2407، ثم حديث الثقلين عن زيد بن أرقم من خطبة الغدير وقد بترها، ثم اختتم بالرقم 2409 في قصة تسميته بأبي تراب، وانتهى الباب.

فهذه هي مناقب علي عليه السلام عند الشيخين، تلك المناقب والفضائل التي قال عنها أحمد بن حنبل: ما جاء لأحد من الفضائل ما جاء لعلي، وقال إسماعيل القاضي، والنسائي، وأبو علي النيسابوري: لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان أكثر مما جاء في علي!

ذكر أقوالهم هذه: الحاكم في المستدرك 3: 107 وابن عبد البر في الاستيعاب 3: 51، وابن حجر في الصواعق باب 9: 120، والسيوطي في تاريخ الخلفاء: 133.


110

فهل جعلت الحجة علينا فيما ثبت صدوره عن رسول الله بالطرق الصحيحة، أم الحجة فيما ينتخبه رجل أو اثنان من نصوص الشريعة؟

فبدلا من أن نتساءل عن دواعي إهمالهما ذكره بعد تواتره، نحتج عليه بهما؟!

ثم قال: ووجه استدلالهم بخبر " من كنت مولاه فعلي مولاه ": أن المولى بمعنى الأولى بالتصرف، وأولوية التصرف عين الإمامة.

ولا يخفى - والكلام له - أن أول الغلط في هذا الاستدلال: جعلهم المولى بمعنى الأولى، وقد أنكر ذلك أهل العربية قاطبة، ولم يجوز ذلك إلا أبو زيد اللغوي (1)، متمسكا بقول أبي عبيدة (2) في تفسير قوله تعالى: ﴿هي مولاكم أي أولى بكم.

أنظر كيف ذكر اثنين من النحويين ثم عدهم واحدا.

ثم إن الذين فسروا المولى بالأولى - غير من ذكر - هم جمع غفير، منهم:

1 - من أئمة اللغة:

المبرد (3): عند قوله تعالى: ﴿ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا (4) قال:

(1) هو سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري: أحد أئمة الأدب واللغة، قال ابن الأنباري: كان سيبويه إذا قال: " سمعت الثقة " عنى أبا زيد، ولد سنة 119 وتوفي بالبصرة سنة 215 هـ‍. الأعلام 3: 93.

(2) هو معمر بن المثنى التيمي: الإمام العلامة البحر، قال عنه بن المديني: كان لا يحكي عن العرب إلا الشئ الصحيح، وقيل: لم يكن في الأرض أعلم بجميع العلوم من أبي عبيدة.. سير أعلام النبلاء 9: 445 / 168.

(3) هو أبو العباس محمد بن يزيد البصري: صاحب (الكامل) إمام النحو، متفنن في جميع العلوم، وكان آية في النحو، وكان إمام العربية في بغداد، وأحد أئمة الأدب والأخبار، توفي في بغداد سنة 386 هـ‍.

سير أعلام النبلاء 13: 576 / 299، الأعلام 7: 144.

(4) سورة محمد (ص): 11.


111

إن أصل تأويل (الولي) الذي هو أولى أي أحق، ومثله المولى، والولي والمولى معناهما سواء، وهو الحقيق بخلقه المتولي لأمورهم (1).

والزجاج (2): عند قوله تعالى: ﴿هي مولاكم قال: يعني أولى بكم (3).

وابن الأنباري (4): قال: والمولى في اللغة ينقسم على ثمانية أقسام...

والمولى: الولي، والمولى: الأولى. واستدل على هذا المعنى بالآية المتقدمة وبيت لبيد (5):

فغدت كلا الفرجين تحسب أنه

مولى المخافة خلفها وأمامها

والفراء (6): في قوله عز وجل: (مأواكم النار هي مولاكم) قال: أي

(1) عن كتاب: الشافي في الإمامة 2: 271، ومجمع البيان في تفسير القرآن 3: 323، والتبيان 3: 560 جميعا عن كتاب (العبارة عن صفات الله) للمبرد.

(2) هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد السري الزجاج: الإمام، نحوي زمانه، مصنف كتاب (معاني القرآن) أخذ عن المبرد، وأخذ عنه أبو علي الفارسي وكان إذا استأذن أصحاب المبرد في الدخول عليه يبعث إليهم آذنه فيقول لهم: إن كان فيكم الزجاج فادخلوا وإلا انصرفوا. توفي سنة 310 وقيل 316 هـ‍.

سير أعلام النبلاء 14: 39 / 209، وفيات الأعيان 1: 49.

(3) كما في تفسير الرازي 29: 227.

(4) هو أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار ابن الأنباري: المقرئ النحوي الحافظ اللغوي، قيل فيه: ما رأينا أحدا أحفظ منه ولا أغزر علما، أخذ عن ثعلب، وأخذ الناس عنه، توفي سنة 328 هـ‍. وفيات الأعيان 4: 341.

(5) الأضداد 2: 46.

(6) هو أبو زكريا يحيى بن زياد بن منظور الأسدي: مولاهم الكوفي النحوي، قال ثعلب: لولا الفراء لما كانت عربية. وقد أملى الفراء كتابه (معاني القرآن) على أكثر من ثمانين قاضيا، توفي سنة (207) ه‍.. سير أعلام النبلاء 10: 118 / 12.


112

أولى بكم (1).

وثعلب (2): عند بيت لبيد المتقدم، قال: إن المولى في هذا البيت بمعنى الأولى بالشئ، كقوله تعالى: ﴿مأواكم النار هي مولاكم أي أولى بكم (3).

وابن المبارك (4)، في كتابه: غريب القرآن وتفسيره (5).

وابن الملقن (6)، في كتابه: تفسير غريب القرآن (7).

والجوهري (8)، في (الصحاح) وذكر قول لبيد: مولى المخافة. وقال:

يريد أنه أولى موضع أن تكون فيه الحرب (9).

(1) معاني القرآن 3: 134.

(2) هو أبو العباس أحمد بن يحيى بن يزيد الشيباني: إمام النحو، العلامة المحدث، وكان أعلم الكوفيين وله كتاب (اختلاف النحويين) و (معاني القرآن) وغيرهما، توفي سنة 291 هـ‍.. سير أعلام النبلاء 14: 5 / 1.

(3) شرح المعلقات السبع، للزوزني: 148. وهامش (المقتضب) 3: 102.

(4) هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن يحيى بن المبارك اليزيدي: كان أديبا عالما عارفا بالنحو واللغة، أخذ عن الفراء وغيره، قال ثعلب: ما رأيت في أصحاب الفراء أعلم منه، توفي سنة 202 هـ‍. وفيات الأعيان 6: 182.

(5) ص: 371 / 15 - (هي مولاكم) هي أولى بكم.

(6) هو عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي، سراج الدين، من أكبر العلماء بالحديث والفقه وتاريخ الرجال، له نحو من ثلاثمائة مصنف. توفي بالقاهرة سنة 804 هـ‍. الأعلام 5: 57.

(7) ص: 449 / 16 (النار هي مولاكم) أي أولى بكم.

(8) هو إسماعيل بن حماد الجوهري: إمام اللغة، مصنف (الصحاح) وأحد من يضرب به المثل في اللغة وفي الخط، وقيل هو أول من حاول الطيران، فصنع جناحين من خشب وربطهما بحبل، وصعد سطح داره، ونادى في الناس: لقد صنعت ما لم أسبق إليه وسأطير الساعة، فازدحم أهل نيسابور ينظرون إليه، فتأبط الجناحين ونهض بهما، فخانه اختراعه، فسقط قتيلا في سنة 393 هـ‍..

الأعلام 1: 313، وسير أعلام النبلاء 17: 80.

(9) الصحاح: مادة (ولي) 6: 2529.

ووافقه ابن منظور في لسان العرب: مادة (ولي) 15: 410.


113

وغيرهم أيضا، بل لم يرو عن أحد من أئمة النحو خلاف في ذلك!

2 - ومن أئمة التفسير:

الطبري، والبغوي، والنسفي، وأبو حيان الأندلسي، والبيضاوي، والمهايمي (1)، وأبو السعود، والثعالبي (2).

والشوكاني، أيضا وقال: والمولى في الأصل من يتولى مصالح الإنسان، ثم استعمل فيمن يلازمه (3).

والرازي أيضا، وقال: المولى بمعنى الرئيس أليق (4).

3 - ومن غيرهم:

البخاري (5)، والفقيه المالكي علي بن محمد بن الصباغ، وقال:

قال العلماء: لفظة (المولى) مستعملة بإزاء معان كثيرة متعددة، وقد ورد القرآن الكريم بها:

فتارة يكون بمعنى: أولى. قال الله تعالى في حق المنافقين (مأواكم النار هي مولاكم) معناه: أولى بكم (6).

ومنهم سبط ابن الجوزي المتوفى سنة 654 هـ‍ (7).

(1) هو علي بن أحمد بن إبراهيم المهايمي (835) هـ‍ صاحب التفسير المسمى (تبصير الرحمن وتيسير المنان).

(2) ذكر ذلك كل في تفسيره عند الآية 15، من سورة الحديد.

(3) في تفسيره (فتح القدير) 5: 171 - سورة الحديد: 15 -.

(4) تفسير الرازي 23: 15 - عند قوله تعالى (لبئس المولى ولبئس العشير) في سورة الحج: 13.

(5) في صحيحه - كتاب التفسير (سورة الحديد) - 6: 259.

(6) في كتابه: الفصول المهمة: 43.

(7) تذكرة الخواص: 32.


114

ومنهم من استشهد لقوله ببيت لبيد المتقدم، أو بقول الأخطل يمدح عبد الملك بن مروان:

فأصبحت مولاها من الناس كلهم

وأحرى قريش أن تهاب وتحمدا

أي أولى الناس بها.

وقول الكميت:

ونعم ولي الأمر بعد وليه

ومنتجع التقوى ونعم المؤدب

4 - وفي الحديث النبوي الشريف ما هو أظهر من ذلك كله:

فقد جاء عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة، اقرأوا إن شئتم: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) فأيما مؤمن مات وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه " (1).

وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " والذي نفس محمد بيده إن على الأرض من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به، فأيكم ترك دينا، أو ضياعا فأنا مولاه " (2).

(1) صحيح البخاري - الاستقراض - 3: 238 / 15 و - التفسير - 6: 210 / 275، فتح الباري 12:

7.

(2) صحيح مسلم - كتاب الفرائض - 3: 1238 / 15، سنن الدارمي - البيوع -: 263، كنز العمال 11: 13 / 30413.


115

وفي حديث ثالث: قال صلى الله عليه وآله وسلم: " أيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له " (1).

قال في لسان العرب: بغير إذن مولاها - وفي رواية وليها - أي متولي أمرها (2). وفي كل ما تقدم من أمثلة جاء (المولى) بمعنى: الأولى بالأمر، والأولى بالتصرف، بلا خلاف. فهل غاب ذلك كله عن شيخنا المفسر، أم تغافل عنه لأمر يبتغيه؟

ولقد كان أقل ما ينبغي عليه ملاحظته ما أثبته الرازي في تفسيره، إذ قال:

قال الكلبي (3): (هي مولاكم) يعني أولى بكم، وهو قول: الزجاج، والفراء وأبي عبيدة (4). فذكر الرازي أربعة لم يذكر منهم شيخنا سوى أبي عبيدة، فهل يمكننا أن نقول هنا أيضا إنه لم يطلع على تفسير الرازي؟!

- قال: والثاني: أنا لو سلمنا بأن المولى بمعنى الأولى، لا يلزم أن يكون صلته بالتصرف، بل يحتمل أن يكون المراد: أولى بالمحبة، وأولى بالتعظيم، ونحو ذلك.

على أن لنا قرينتين على أن المراد من الولاية من لفظ (المولى) أو (الأولى) المحبة:

(1) مسند أحمد 6: 47، سنن أبي داود 2: 229 / 2083، سنن الترمذي - النكاح - 3: 407 / 1102 سنن الدارمي 2: 137.

(2) لسان العرب (ولي) 15: 407.

(3) هو محمد بن السائب الكلبي، أبو النضر: نسابة، راوية، عالم بالتفسير والأخبار وأيام العرب، قال النسائي: حدث عنه ثقات من الناس ورضوه في التفسير، توفي بالكوفة (146 هـ‍).. الأعلام 6:

133.

(4) تفسير الرازي: 29 و 227.


116

إحداهما: ما رويناه عن محمد بن إسحاق في شكوى الذين كانوا مع الأمير كرم الله وجهه في اليمن، كبريدة الأسلمي، وخالد بن الوليد، وغيرهما، ولم يمنع صلى الله عليه وآله وسلم الشاكين بخصوصهم، مبالغة في طلب موالاته، وتلطفا في الدعوة إليها، كما هو الغالب في شأنه صلى الله عليه وآله وسلم في مثل ذلك.

وللتلطف المذكور افتتح الخطبة بقوله: " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ".

وثانيهما: قوله صلى الله عليه وآله وسلم على ما في بعض الروايات:

" اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ".

فإنه لو كان المراد من المولى المتصرف في الأمور، أو الأولى بالتصرف، لقال صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم وال من كان في تصرفه، وعاد من لم يكن كذلك، فحيث ذكر النبي المحبة والعداوة فقد نبه على أن المراد إيجاب محبته كرم الله وجهه، والتحذير من عداوته وبغضه، لا التصرف وعدمه.

ولو كان المراد الخلافة لصرح صلى الله عليه وسلم بها، ويدل على ذلك ما رواه أبو نعيم عن الحسن المثنى بن الحسن السبط (رض) أنهم سألوه عن هذا الخبر: هل هو نص على خلافة الأمير كرم الله وجهه؟

فقال: لو كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد خلافته، لقال: أيها الناس، هذا ولي أمري، والقائم عليكم بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا.

قال: وأيضا ربما يستدل على أن المراد بالولاية المحبة، بأنه لم يقع التقييد بلفظ (بعدي) والظاهر حينئذ اجتماع الولايتين في زمان واحد، ولا يتصور الاجتماع على تقدير أن يكون المراد أولوية التصرف، بخلاف ما إذا كان المراد المحبة.

وقال: وتمسك [ آخرون ] في إثبات أن المراد بالمولى الأولى بالتصرف،


117

باللفظ الواقع في صدر الخبر، على إحدى الروايات، وهي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم " ونحن نقول: المراد من هذا أيضا الأولى بالمحبة، يعني: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم بالمحبة؟

بل قد يقال: الأولى هنا مشتق من الولاية بمعنى المحبة، والمعنى:

ألست أحب إلى المؤمنين من أنفسهم؟ ليحصل تلاؤم أجزاء الكلام، ويحسن الانتظام، ويكون حاصل المعنى هكذا:

يا معشر المؤمنين، إنكم تحبونني أكثر من أنفسكم، فمن يحبني يحب عليا، اللهم أحب من أحبه، وعاد من عاداه. انتهى.

- ومع يقيننا بأن كل ذي حصافة ونظر قد شخصت بعينيه مواضع الضعف والاضطراب في هذا الكلام، سنورد في الجواب عليه ما يلي:

1 - إن التكلف والإعياء الظاهرين في الفقرة الأخيرة يكفيانا عناء التفصيل في الرد على إشكالاته حول كلمة (ولي) بأكثر مما قدمناه، فهو - كما لا يخفى ظاهر في إرادته قلب المعنى، فتراه يشتق " أولى " من " مولى " ويقول:

بهذا يحصل تلاؤم أجزاء الكلام، ويحسن الانتظام!

فهو عندما أراد أن يصوغ المعنى بما يطابق مذهبه اشتق " الأولى " من " مولى " على عكس ترتيبهما في النص، ولكنه لم يفكر في اشتقاق " مولى " من " أولى " ليستقيم المعنى كما أراده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم!

حيث قدم في النص الشريف كلمة " أولى " ثم عطف بكلمة " مولى " ليتضح أن المراد هو أن تكون الأولى دليلا على الثانية، وأن تشتق الثانية من الأولى وتأتي على ما يوافقها من معنى، وعندها فقط يستقيم المعنى وينتظم الكلام، وينسجم مع القرائن العديدة التي تقدم ذكرها، ومع المعنى الظاهر الذي يتبادر إلى الأذهان لكل من يقرأ هذا النص الشريف ويعلم أنه من كلام سيد الفصحاء الذي يجنب أمته أبدا الوقوع في المتشابه من الكلام - وخصوصا


118

في أمر حساس وخطير كهذا - فينتخب أقرب الألفاظ إلى المعنى الذي يريده وتفهمه العرب.

ومع هذا فقد زاده ظهورا هنا عندما صدره بقوله: " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ".

2 - قول الشيخ: على ما في بعض الروايات أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: " اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " فلو كان المراد أولوية التصرف والخلافة لقال...

فقد اعتمد إذن فيما ذهب إليه على تلك الفقرة الموجودة في بعض الروايات على حد تعبيره، وكما صرح الذهبي بقوله: أما صدر الحديث فمتواتر أتيقن أن رسول الله قد قاله، وأما " اللهم وال من والاه... " فزيادة قوية الإسناد.

فكيف بالروايات الأخرى التي لم تتضمن هذه الزيادة، فهل سيوافق الشيخ الآلوسي على دلالتها على الأولوية في التصرف والخلافة؟

3 - ويمكن أن يقال إن هذه الزيادة لا تستلزم أن تكون قرينة على ما ذكر هو، لأن الحب والبغض هما أساسان للإطاعة والعصيان، فمن أطاعه فقد أحبه، ولا يعصيه إلا من أبغضه، فيكون دعاؤه صلى الله عليه وآله وسلم بتأييد الله تعالى لمن امتلك مقدمة الطاعة وأساسها، وبالعداء لمن جمع في صدره أساس العداء، وهو البغض.

وفي هذا من البلاغة ما لا يخفى على الآلوسي الأديب!

4 - ولعل من أعجب ما في كلامه تلك العبارة التي انتخبها - بعد الجهد - لتكون بديلا عن هذا النص النبوي المحكم الشريف، فقال:

فيكون حاصل المعنى: يا معشر المؤمنين، إنكم تحبونني أكثر من أنفسكم، فمن يحبني يحب عليا..!


119

فهل يوافقه أحد على أن ولاية النبي على المسلمين هي محبتهم له، وحسب؟!

وهل يستدعي هذا المعنى الذي توصل إليه الشيخ كل هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيوقف مائة ألف مسلم، بعد ما تحملوه من مشاق الحج وعناء الطريق، يوقفهم في صحراء الجزيرة، وقت الظهيرة، فيأمر برد المتقدم، وانتظار المتأخر، كل ذلك لأجل أن يقول لهم: إنكم تحبونني، ومن يحبني يحب عليا؟!

أو ليقول - كما في تأويل آخر -: من كنت نصيره فعلي نصيره؟!

اللهم إلا أن يكون كما وصفه الشيخ الآلوسي: مبالغة كما هو شأنه صلى الله عليه وآله وسلم!!

أما نحن فنقول: حاش له صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون شأنه المبالغة، ليوقع الأمة في هذا الاختلاط والاضطراب، وإنما كان حكيما في قوله هذا كما هو شأنه صلى الله عليه وآله وسلم في سائر أقواله وأفعاله.

فعندما يكون البلاغ لأمر عظيم، فليس هناك وقت، ولا مكان أنسب من هذا الذي انتخبه ليجمع فيه أكبر عدد من المسلمين، وعند مفترق طرقهم، ولحظة وداعهم الأخير له صلى الله عليه وآله وسلم فيبدأ بقوله: " إنما أنا بشر يوشك أن أدعى فأجيب ".

ثم يختم بقوله: " هل بلغت، اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب ".

فكيف لا نعجب لمن يذهب إلى ذلك التأويل!

5 - ويوم قام الإمام علي عليه السلام في مسجده بالكوفة مناشدا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغدير خم يقول: " من كنت مولاه فعلي مولاه " إلا قام فشهد، ولا يقوم إلا من رآه بعينه، وسمعه بأذنه، فهل أراد بذلك أن يشهدوا له بأن


120

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يحبه؟

فهذا أمر هو من أوضح الواضحات، ولم يجحده حتى أشدهم عداء لعلي عليه السلام وهم يرفعون السيوف بوجهه! وليست المبالغة في إيضاح الواضحات من شأن العقلاء، فكيف يمكن أن نتصورها من أعظم الناس عقلا وحكمة:

رسول الله، وعلي ابن أبي طالب عليهما الصلاة والسلام؟!

6 - وأعجب من ذلك البديل الآخر الذي انتخبه، فقال: لو كان المراد الأولى بالتصرف، لقال: اللهم وال من كان في تصرفه، وعاد من لم يكن كذلك!

وهل يطمئن شيخنا نفسه لهذا الكلام؟

وهل ينسجم هذا مع بيان العرب، فضلا عن فصاحة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم؟

ومثله، ذكره الرواية المنسوبة إلى الحسن المثنى، حيث اشترط أن يقول النبي: هو وليكم بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا.

فهل كان النبي يلقن جهالا، لا يفهمون العربية!

فمن ناحية: أن المعنى ظاهر لا يستدعي هذا التكلف.

ومن ناحية أخرى: أن معنى الطاعة داخل في الولاية، فلا معنى للولاية من غير طاعة.

ومن ناحية ثالثة: أن مثل هذه الرواية الواحدة، المرسلة، المبهمة، المجهولة، لو كانت في فضائل أهل البيت عليهم السلام لضرب بها وبرواتها الأرض، ألا تراه كيف يتعامل مع نص ثبت تواتره في حقهم؟ ولكنها لما كانت بخلاف ذلك احتج بها، وهذا دليل على أنه لم يجد ما يشفع به قوله سواها! وهو كاف في رد حجته.

ومن ناحية رابعة: بفرض أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد قال: هو


121

وليكم بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا، فهل سيسمعون ويطيعون؟

فمن قال: لا، لاحتمال تأويل آخر، فهذا ليس لنا معه كلام، حتى يجدد إيمانه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأما من قال نعم، فنقول له: اعلم إذن أنه قالها مرة بعد مرة.

فقد مر عليك في قصص الشكوى كلها قوله صلى الله عليه وآله وسلم:

" إن عليا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي ".

وقوله: " فإنه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي ".

وقد صح الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعلي عليه السلام: " أنت ولي كل مؤمن بعدي ومؤمنة " وفي رواية " أنت وليي في كل مؤمن بعدي " (1).

وأما الطاعة، فقد ثبت عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع عليا فقد أطاعني، ومن عصى عليا فقد عصاني " (2).

وقال صلى الله عليه وآله وسلم فيه أيضا: " إن هذا أخي، ووصيي، وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا " (3).

7 - وأما قوله بأن هذه الخطبة إنما جاءت ردا على الشكوى التي تقدم بها بعض الأصحاب، فهو:

(1) مسند أحمد 1: 331، المستدرك 3: 134، الإستيعاب 3: 28، الإصابة 4: 270، الخصائص للنسائي: 9، الترجمة من تاريخ ابن عساكر 1: 205 / 250، البداية والنهاية 7: 351.

(2) المستدرك 3: 121 و 128 وقال مع كل منهما: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الذهبي في التلخيص، والترجمة من تاريخ ابن عساكر 2: 266 / 793 - 795، الرياض النضرة 3:

122، ذخائر العقبى 65 - 66، فرائد السمطين 1: 179 / 142، كنز العمال 11 ح / 32973.

(3) في حديث الدار، وقد تقدم مع ذكر أهم مصادره.


122

أولا: دعوى تنهار أمام الحجج المتقدمة، وقد تقدم رده أيضا.

ثانيا: قد أضاف فيه غلطا عجيبا، بقوله: ولم يمنع صلى الله عليه وآله وسلم الشاكين بخصوصهم - أثناء الشكوى - والصحيح أنه منعهم بخصوصهم في كل مرة كما هو ظاهر في نصوصها.

وثالثا: فإن هذا الإحتجاج هو دليل ساطع على توفر القناعة لديه بأن النص في الغدير يدل دلالة واضحة على ولاية الأمر والتصرف، لذا فهو يحاول أن يجعله مضافا إلى سبب واحد، ليقيد المعنى به، ويجعله قرينة لصرف المعنى عن ظاهره، وهو واضح.

بقي قوله: والظاهر حينئذ اجتماع الولايتين في وقت واحد، ولا يتصور الاجتماع على تقدير أن يكون المراد أولوية التصرف، بخلاف ما إذا كان المراد المحبة.

وجوابه: أن ولاية علي عليه السلام إنما هي فرع لولاية النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي هي الأصل، كما في الأصيل والوكيل، والوالي والنائب عنه، والمراد أنه الأولى بالإمامة بعده بقرينة الإخبار عن قرب موته صلى الله عليه وآله وسلم.

وكما في النص المتقدم " أنت ولي كل مؤمن بعدي " و " هو وليكم بعدي ".

وهناك قول آخر تمسك به بعضهم، ونذكره هنا على قناعتنا بكونه (طريفة) أكثر من كونه رأيا وعقيدة.

وخلاصته: أننا لو سلمنا بأن المراد من النص أنه عليه السلام أولى بالإمامة، فالمراد: المآل، وليس الحال. فكأن المراد أنه أولى بالإمامة حين يوجد عقد البيعة له، فلا ينافي حينئذ تقديم الأئمة الثلاثة عليه، وبهذا تحفظ كرامة السلف الصالح رضي الله عنهم أجمعين.


123

وجوابه، باختصار شديد:

أولا: ما الفرق إذن بين أن يقول صلى الله عليه وآله وسلم: " من كنت مولاه فعلي مولاه " أو أن يذكر أي شخص آخر، عندما يكون المعنى - كما يزعم - أنكم إذا عقدتم له البيعة فهو وليكم، وإلا فلا ولاية له عليكم!

هراء، ورب الكعبة.

ثانيا: إن هذا التأويل يأباه النص تماما، حيث يقول: " من كنت مولاه فعلي مولاه " وعليه فكل من كان داخلا في ولاية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو داخل في ولاية علي عليه السلام، بما فيهم الخلفاء الثلاثة.

ثالثا: بناء على تأويلهم هذا فإن كل من مات من الصحابة قبل خلافة علي عليه السلام لم يكن داخلا في ولاية رسول الله، بما في ذلك الخلفاء الثلاثة!

وهذا أشد عليهم وأدهى، ألم ينظروا إلى النص الذي يجتهدون في تأويله، والذي يقول: من كان رسول الله مولاه فعلي مولاه؟

رابعا: إن القول بولاية علي عليه السلام بعد وفاة النبي مباشرة، أمر لا يحتاج إلى كثير إيضاح، اعتمادا على النص، وعلى العهد المعلوم لكافة الأنبياء مع أوصيائهم.

وخامسا: ثم ماذا أبقوا - بهذا التأويل - من الفضائل التي زعموا أن هذه الخطبة إنما جاءت لأجل بيانها، وحسب؟

ولا عجب، عندما يكون الإيمان بأشخاص بأعيانهم أكبر وأعلى من الإيمان بالحق الذي يقره الله ورسوله! وهذا هو السر وراء كل تلك التأويلات، ألا تراهم يصرحون به، بقولهم: وبهذا تحفظ كرامة السلف الصالح؟

وهب أنه يمكن موافقتهم على هذا المستوى لحفظ من يمكن حفظه فيه، فلنأت إذن إلى المعنى الذي انتخبوه، بقولهم: فالمعنى (من يحبني يحب عليا، اللهم أحب من أحبه، وعاد من عاداه) فهل ترى أن من حفظوه في الأولى قد


124

رعا الثانية، ليتم حفظه؟

هل رعوها يوم الجمل؟

أم يوم صفين؟

فإذا كان هذا المعنى أيضا لم يحفظ، فإلى أين سنذهب بالحديث؟

وإلى أين سنذهب بعشرات النصوص الأخرى؟

ومنها:

هذا النص:

الذي يستشهد به ابن حجر (1)، فيقول: أخرج الديلمي عن أبي سعيد الخدري: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " وقفوهم إنهم مسؤولون) (2) عن ولاية علي بن أبي طالب "؟

قال: وكان هذا هو مراد الواحدي بقوله: روي في قوله تعالى (وقفوهم إنهم مسؤولون) أي عن ولاية علي وأهل البيت، لأن الله أمر نبيه أن يعرف الخلق أنه لا يسألهم على تبليغ الرسالة أجرا إلا المودة في القربى.

والمعنى: أنهم يسألون هل والوهم حق الموالاة كما أوصاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أم أضاعوها وأهملوها، فتكون عليهم المطالبة والتبعة (3)؟

(1) في الصواعق باب 11 فصل 1: 149 - الآية الرابعة -.

(2) الصافات: 24.

(3) رواه عن الواحدي غير ابن حجر:

2 - الجويني، المتوفى 730 هـ‍ في فرائد السمطين 1: 79 / 47.

3 - أبو بكر الحضرمي 922 هـ‍ في رشفة الصادي: 24.

ورواه آخرون بالواسطة، تركت ذكرهم لعدم عثوري على المصادر التي اعتمدوها، والتي نقلت عن الواحدي مباشرة، لأني قد أخذت على نفسي ألا أعتمد النقل بالواسطة ما تيسر لي ذلك.

تنبيه: إن الذين نقلوا عن الواحدي لم يذكروا من أي كتاب نقلوا، والذي يتوفر بين أيدينا من

‌>


125

<‌

كتبه كتابه المشهور: أسباب النزول، والذي أثار استغرابي أن سورة الصافات - التي منها الآية موضوع البحث - قد اختفت كلها من هذا الكتاب في جميع طبعاته!

بقي أن يكونوا قد نقلوا عن أحد كتبه الأخرى، ولقد ذكر أصحاب التراجم ثلاثة كتب في التفسير للواحدي هي: البسيط، والوسيط، والوجيز.

وذكر أن (الوجيز) قد طبع بمصر سنة 1305 بهامش (التفسير المنير لمعالم التنزيل) المسمى مراح لبيد بكشف معنى قرآن مجيد. تأليف الشيخ محمد نوري الجادي. أنظر: سير أعلام النبلاء 18: 339 / 160، كشف الظنون 1: 76، 245، هدية العارفين في أسماء المؤلفين وآثار المصنفين:

المجلد الأول: 693، معجم المؤلفين 7: 26.

نعود الآن لذكر مصادر أخرى للحديث: فقد رواه بهذا النص - عن طرق أخرى - أيضا:

4: الحاكم في شواهد التنزيل 2: 106 / 785 - 790 عن أبي سعيد الخدري، وابن عباس.

5 - الخوارزمي في المناقب: 195 عن أبي إسحاق.

6 - الحافظ الكنجي في كفاية الطالب: 247.

7 - النور المشتعل المقتبس من كتاب (ما نزل من القرآن في علي عليه السلام) للحافظ أبي نعيم الأصبهاني: 196 / 53.

8 - الحبري في تفسيره: 312 / 60 9 - تذكرة الخواص: 17.

10 - ينابيع المودة 1: 238، 257، 295.

11 - الآلوسي في روح المعاني، عند تفسيره الآية، إلا أنه قال: روى الإمامية... وذكر الحديث، ثم عاد فأقره، وإما نسبته إلى الإمامية وحدهم فهو كما ترى! فالمصادر العشرة التي تقدم ذكرها عليه ليس فيها واحد من مصادر الإمامية!!

أما رواية الديلمي، التي افتتح بها ابن حجر الكلام، فقال: أخرج الديلمي عن أبي سعيد الخدري... فقد أخرجها عن الديلمي أيضا بإسنادها: ابن البطريق (533 - 600 هـ‍) في كتابيه:

1 - خصائص الوحي المبين: 121.

2 - عمدة عيون صحاح الأخبار: 301.

فقال: من كتاب الفردوس - فردوس الأخبار - لابن شيرويه الديلمي، في الجزء الثاني، من قافية (الواو).

ولكن من يدري كم يد - أمينة - مرت على (الفردوس) فأثبتت منه ما تشاء، وحسب!


126

ويؤيد النص المتقدم، النص الآخر الذي أخرجه ابن حجر (1)، فقال:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " استوصوا بأهل بيتي خيرا، فإني أخاصمكم عنهم غدا، ومن أكن خصمه أخصمه، ومن أخصمه دخل النار ".

ومثله ما تقدم في حديث الثقلين: " وإني سائلكم غدا عن الثقلين ".

وهذا النص:

في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " يا علي، أنت تبين لأمتي ما اختلفوا فيه بعدي " (2).

وهذا النص:

عن عمار بن ياسر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

" أوصي من آمن بي وصدقني بولاية علي بن أبي طالب، فمن تولاه فقد تولاني، ومن أحبه فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أبغضه فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله عز وجل " (3).

فهو يفصل هنا بين الولاية والمحبة، فالولاية شئ، ومجرد المحبة شئ آخر.

ألا ترى أنه صلى الله عليه وآله وسلم قدم الولاية، فأمر بها، ثم عقب

(1) في الصواعق المحرقة: باب 11 فصل 1: 150، وأخرجه المحب الطبري في الذخائر: 18.

(2) المستدرك 3: 122 وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، حلية الأولياء 1: 64، ترجمة الإمام علي من تاريخ ابن عساكر 2: 486 / 1014 - 1018، المناقب للخوارزمي: 236، كنز العمال 11 / 32983.

(3) الترجمة من تاريخ ابن عساكر 2 / 597 و 598 بهذا النص، ونصوص أخرى بين صفحة 91 - 97 منه، مجمع الزوائد 9: 109، المناقب لابن المغازلي: 230، فرائد السمطين 1: 391 / 229، كنز العمال 11 / 32953، والمنتخب من كنز العمال بهامش مسند أحمد 5: 32.


127

بذكر الحب، وأمر به؟

وهو كاف في الرد على أصحاب تلك الشبهة - الذين فسروا المولى بالحبيب - غير أنا لم نذكره هناك لئلا يتوهم أحد أنه هو دليلنا الوحيد في الرد عليهم، فآثرنا الرد من بطون حججهم، ومن نص الغدير أيضا، ثم أتينا بهذا الحديث الصحيح هنا كالشاهد على ما نقول.

وهذا النص:

قال صلى الله عليه وآله وسلم: " من أحب أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن غرسها ربي فليتول علي بن أبي طالب، فإنه لن يخرجكم من هدى، ولن يدخلكم في ضلالة " (1).

(1) المستدرك على الصحيحين 3: 128 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، لسان الميزان 2 : 34، مجمع الزوائد 9: 108، ترجمة الإمام من تاريخ ابن عساكر 2: 98 / 603 - 605، المناقب للخوارزمي: 34، كنز العمال 11: 611 / 32960، ومنتخب الكنز بهامش مسند أحمد 5: 32.

وأخرجه العسقلاني في الإصابة عند ترجمة زياد بن مطرف، وقال: في إسناده يحيى بن يعلى المحاربي وهو واه انتهى.

وهذا خطأ ولعله من خطأ النساخ، إذ إن يحيى بن يعلى المحاربي هو من رجال الصحاح إلا الترمذي وأما المعني هنا فهو يحيى بن يعلى الأسلمي الذي ورد في أحد طرق الحديث، وقد أتهم بالتشيع، فضعف لذلك والغريب أن الذين طعنوه قالوا: ضعفه البخاري، والصحيح أن البخاري لم يذكره في كتاب الضعفاء فيمن ذكر، وعندما ترجم له في التاريخ الكبير لم يشر من قريب أو بعيد إلى ما يفيد ذلك، بل اكتفى بقوله: يحيى بن يعلى الأسلمي القطواني كوفي، سمع حياة (بن شريح) وقطوان موضع. انتهى!

(التاريخ الكبير 8: 311 ترجمة 3138). وأما الحاكم فقد وثقه.

ثم إن الحديث قد ورد من عدة طرق أخرى ليس فيها يحيى بن يعلى الأسلمي، ومنها:

1 - في تاريخ دمشق - ترجمة الإمام علي - ح / 604.

2 - في مناقب الخوارزمي - من طريق ثالث - ص: 34.

3 - في تاريخ دمشق أيضا: ح / 603 وفي أوله: " من سره أن يحيا حياتي ".

4 - في لسان الميزان - من طريق خامس - 2: 34 وأوله: " من سره " الحديث.


128

وفي رواية أخرى: " من سره أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن غرسها ربي فليوال عليا من بعدي، وليوال وليه، وليقتدي بأهل بيتي من بعدي، فإنهم عترتي، خلقوا من طينتي، ورزقوا فهمي وعلمي.

فويل للمكذبين بفضلهم من أمتي، القاطعين بهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي " (1).

ومن هذه النصوص الشريفة ونظائرها نفهم بوضوح قول حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وهو على فراش الموت، يودع الدنيا، ويستقبل الآخرة، إذ قال:

(اللهم، إني أتقرب إليك بولاية علي بن أبي طالب) (2).

8 - قوله تعالى: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم الراكعون (3).

وإجماع المفسرين وأهل الحديث، على أنها نزلت في علي بن أبي طالب، حين تصدق بخاتمه وهو راكع.

قال الآلوسي (4): وغالب الإخباريين على أنها نزلت في علي كرم الله وجهه.

ثم ذكر فيها عدة روايات، إلى أن قال، فيما رواه عن ابن عباس: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - للسائل -: " فهل أعطاك أحد شيئا؟

(1) ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 9: 170 - الخبر الثاني عشر، حلية الأولياء 1: 86، كنز العمال 12: 103 / 24198، ومنتخب الكنز 5: 94.

(2) أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة 2: 662 / 1139، والمحب الطبري في الرياض النضرة 3: 130.

(3) المائدة: 55.

(4) في روح المعاني عند هذه الآية.


129

قال نعم، وأشار إلى علي بن أبي طالب.

فقال له: " على أي حال أعطاك؟ ".

قال وهو راكع.

فكبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم تلا هذه الآية، فأنشأ حسان (رض) يقول:

أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي

وكل بطئ في الهدى ومسارع

أيذهب مدحيك المحبر ضائعا

وما المدح في جنب الإله بضائع

فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعا

زكاة، فدتك النفس يا خير راكع

فأنزل فيك الله خير ولاية

وأثبتها أثنا كتاب الشرائع(1)

ثم روى لابن الجوزي، وقد سألوه: كيف تصدق علي بالخاتم، والظن فيه أن له شغلا شاغلا فيها - أي الصلاة -؟

(1) هكذا وردت الأبيات في هذا المصدر، وهناك اختلافات يسيرة في مصادر أخرى، أنظر: فرائد السمطين 1: 189 - 190 / 150، المناقب للخوارزمي 186، تذكرة الخواص: 15 - 16، كفاية الطالب 228 - 229.


130

فقال:

يسقي ويشرب لا تلهيه سكرته

عن النديم، ولا يلهو عن الناس

أطاعه سكره حتى تمكن من

فعل الصحابة، فهذا واحد الناس

وأما الثعلبي فيروي (1) حديث أبي ذر الغفاري (رض) الذي يقول فيه:

سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهاتين وإلا صمتا، ورأيته بهاتين وإلا عميتا، يقول: " علي قائد البررة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله " أما إني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم، فسأل سائل في المسجد، فلم يعطه أحد شيئا، وكان علي راكعا، فأومأ بخنصره إليه - وكان يتختم بها - فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره.

فتضرع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الله عز وجل يدعوه، فقال:

" اللهم إن أخي موسى سألك، قال: (رب اشرح لي صدري*ويسر لي أمري*واحلل عقدة من لساني*يفقهوا قولي*واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي*أشدد به أزري*وأشركه في أمري*كي نسبحك كثيرا * ونذكرك كثيرا*إنك كنت بنا بصيرا) (2).

فأوحيت إليه: (قد أوتيت سؤلك يا موسى) (3).

(1) في تفسيره الكبير عند هذه الآية من سورة المائدة.

(2) طه: 25 - 35.

(3) طه: 36.


131

اللهم، وإني عبدك، ونبيك، فاشرح لي صدري، ويسر أمري، واجعل لي وزيرا من أهلي، عليا أخي، أشدد به ظهري ".

قال أبو ذر فوالله ما استتم رسول الله صلى الله عليه وآله الكلمة، حتى هبط عليه الأمين جبرئيل بهذه الآية: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) (1).

وممن روى نزولها في علي عليه السلام أيضا: الشوكاني عن عدة مصادر (2)، وأبي السعود (3)، والواحدي (4)، والسيوطي (5)، والزمخشري (6)، والبغوي (7)، والجزري (8)، وسائر أصحاب المناقب والتفاسير.

وخلاصته القول هنا:

1 - أن سائر المسلمين يتفقون على نزولها في علي بن أبي طالب خاصة (9).

2 - أنها تصرح بصريح العبارة على ولاية الأمر، التي هي الإمامة.

(1) وممن أخرج مثل هذا النص أيضا: الرازي في تفسيره 12: 26، أحمد في الفضائل 2: 678 / 1158 والحاكم في شواهد التنزيل ح / 235، والمتقي في كنز العمال 11 / 32909، وابن الجوزي في تذكرة الخواص: 15.

(2) فقد قال في تفسيره (فتح القدير): أخرج الخطيب في المتفق والمفترق عن ابن عباس - نزولها في علي -، وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن ابن عباس، قال: نزلت في علي بن أبي طالب، وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، وابن عساكر عن علي بن أبي طالب نحوه.

(3) في تفسيره 2: 52.

(4) في أسباب النزول: 114.

(5) لباب النقول في أسباب النزول: 93.

(6) في تفسيره الكشاف 1: 649.

(7) في تفسيره (معالم التنزيل) 2: 272.

(8) في جامع الأصول 9: 478 / 6503.

(9) وهذا ظاهر من ملاحظة المصادر التي ذكرناها.


132

3 - أن الذين حاولوا تأويل هذا المعنى - رغبة منهم في دفع الشبهة عن خلافة الخلفاء الثلاثة كما صرحوا - قد سلكوا نفس مسالكهم التي اعتمدوها في تأويل حديث الغدير، حتى انتهوا إلى قولهم: إن الولاية العامة كانت له وقت كونه إماما، لا قبله، وهو زمن الخلفاء الثلاثة!

وإنما استنتجوا هذا من قولهم بعدم جواز تحقق إمامته زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم! وكأنهم غفلوا تماما عن طبيعة العهود التي تكون للأوصياء مع الأنبياء، أو حتى لولي العهد مع الرئيس، أو الملك في دولته! وقد تقدم الكلام حول هذه النقطة مفصلا.

4 - ربما تعلق بعضهم بأن الآية جاءت بصيغة الجمع، فلا يمكن انطباقها على فرد واحد بعينه.

وهذه شبهة واهية، إذ لا يخفى على كل من تكلم بلغة الضاد أن العرب يخاطبون الفرد بصيغة الجمع تكريما وتعظيما، وهو كثير جدا في لغتنا، بل كثير أيضا استعمال المتكلم هذه الصيغة في نسبة الفعل إلى نفسه، وهذا من أشهر المشهورات، ومع هذا نذكر ردا آخر اختاره الزمخشري في تفسيره، إذ قال:

فإن قلت: كيف صح أن يكون لعلي رضي الله عنه، واللفظ لفظ جماعة؟

قلت: جئ به على لفظ الجمع وإن كان السبب فيه رجلا واحدا ليرغب الناس في مثل فعله (1).

والأمر بين لمن كان الدين الحق همه وبغيته، وليس البحث عن أي تأويل يوافق رغبته! وإلا، فقد كان في كل واحد من النصوص التي عرضناها حجة

(1) تفسير الزمخشري 1: 649.


133

كافية، لا يدنو منها شك أو تردد في تعيين الأمر على حقيقته، فكيف وقد عضد بعضها بعضا وأسنده؟

ومع هذا: نقول: إنها ستنتفي الحاجة إلى كل ما أطلنا حوله الكلام، عندما توصد كل الأبواب أمام التأويل، وذلك عندما يبدو لنا أن نص خطبة الغدير - الذي ما زلنا بصدده - قد وقع بين آيتين من آيات القرآن المجيد..

9 - آيتان في القرآن:

الأولى:

قوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس (1).

فقد روى الواحدي من طريق الأعمش، بإسناده إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: نزلت هذه الآية: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) يوم غدير خم، في علي بن أبي طالب رضي الله عنه (2).

وفي الدر المنثور، وفتح القدير، كليهما عن ابن مسعود، قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) أن عليا مولى المؤمنين (وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) (3).

وفي فتح القدير (4)، وتفسير المنار (5): أخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه

(1) المائدة: 67.

(2) أسباب النزول: 115.

(3) الدر المنثور 3: 117، فتح القدير للشوكاني 2: 60.

(4) للشوكاني 2: 60.

(5) لمحمد رشيد رضا 6: 463.


134

وابن عساكر، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية (يا أيها الرسول بلغ...) يوم غدير خم في علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

أما الحاكم الحسكاني، فقد ذكر لهذا الحديث طرقا عديدة، بأسانيد متصلة (1)، ثم قال: وطرق هذا الحديث مستقصاة في كتاب (دعاء الهداة إلى أداء حق الموالاة) من تصنيفي، في عشرة أجزاء (2).

وممن ذكر ذلك: الآلوسي، إلا أنه - كعادته - نسبه إلى الإمامية وحدهم!

- نعم، قد ذكروا حكايات أخرى كثيرة في سبب نزول هذه الآية، لكنها - والحق يقال - حكايات متضاربة، متباينة، بل ومضطربة، توحي نظرة إليها أنها صنعت من النص الشريف، ولم تكن سببا في نزوله، إما على عادة بعضهم في ابتكار أسباب لنزول الآيات مما توحي به الآيات نفسها!

وإما عن قصد يرجى من ورائه تقليل أهمية السبب الصحيح والمباشر لنزولها! وكلاهما ليس ببعيد، فانظر فيما قالوا:

قالوا: إن أبا طالب كان يرسل مع النبي رجالا من بني هاشم يحرسونه، حتى نزلت هذه الآية: (والله يعصمك من الناس)، فأخبرهم بذلك، فتركوا حراسته (3).

وقالوا: عن عائشة أم المؤمنين: أنه كان يحرس، وكان معها - أي في بيتها - يسهر حتى يأتي من يحرسه، فينام حتى تسمع غطيطه، فلما نزلت الآية أخرج رأسه من الطاقة، فصرفه (4).

(1) شواهد التنزيل 1: 188 - 193 عن عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبي إسحاق الحميدي، وأبي هريرة، وأبي جعفر محمد بن علي.

(2) شواهد التنزيل 1: 190

(3) أنظر تفسير الطبري، وابن كثير، والآلوسي، والزمخشري.

(4) المصادر المتقدمة في هامش (3).


135

ألا ترى - إلى هنا - أن أحد القولين يكذب الآخر؟ - فعلى القول الأول أنها نزلت في مكة قبل الهجرة، في حياة أبي طالب.

وعلى الثاني أنها نزلت بعد الهجرة، وبعد زواجه صلى الله عليه وآله وسلم من عائشة!

ثم انظر إلى ما في تفسير المنار (1)، إذ يقول: وأما المتبادر من الآية، فالظاهر أنه الأمر بالتبليغ في أول الإسلام، ولولاه لاحتمل أن يكون المراد به تبليغ أهل الكتاب ما بعد هذه الآية. انتهى.

لاحظ فيه هذه العبارات: (أما المتبادر) (فالظاهر) (ولولاه) (لاحتمل)!

وأغرب من هذا التردد، ما قطع به المراغي من كون هذه الآية مكية!

إذ قال: وقد وضعت هذه الآية - وهي مكية - في سياق تبليغ أهل الكتاب - وهو مدني - لتدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان عرضة لإيذائهم أيضا، وأن الله تعالى عصمه من كيدهم (2).

واقرأ بعده قول الثعالبي (3): ولعلمائنا في الآية تأويلات، أصحها: أن العصمة عامة في كل مكروه، وأن الآية نزلت بعد أن شج وجهه، وكسرت رباعيته صلى الله عليه وآله وسلم.

ومثل هذا تماما ما قاله الزمخشري (4).

وأما ابن كثير، فقد ذكر الروايات التي ترجع إلى التبليغ أول الإسلام،

(1) 6: 467.

(2) تفسير المراغي 6: 160.

(3) في تفسيره 1: 476.

(4) 1: 659 من تفسيره.


136

ثم أنكرها بقوله: وهذه الآية مدنية، والحديث يقتضي كونها مكية.

ثم قال: والصحيح أن هذه الآية مدنية، بل هي من أواخر ما نزل، والله أعلم.

ثم ذكر قصصا أخرى - ذكرها غيره أيضا - فقال: وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم إذا نزل منزلا، اختار له أصحابه شجرة ظليلة فيقيل تحتها، فأتاه أعرابي - في بعض تلك المنازل - فاخترط سيفه، ثم قال: من يمنعك مني؟

فقال: " الله عز وجل " فرعدت يد الأعرابي، وسقط السيف منه، وضرب برأسه الشجرة، حتى انتشر دماغه.

وفي رواية أخرى، أن هذا الأعرابي لما قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " الله يمنعني منك " وضع السيف.

قال: وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة ذات الرقاع انفرد عن الجيش، وجلس على رأس بئر، قد دلى رجليه، قال الحارث بن النجار: لأقتلن محمدا.

فقال له أصحابه: كيف تقتله؟

قال: أقول له اعطني سيفك، فإذا أعطانيه قتلته به.

قال: فأتاه، فقال: يا محمد، أعطني سيفك أشيمه. فأعطاه إياه، فرعدت يده، حتى سقط السيف من يده، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:

" حال الله بينك وبين ما تريد ".

فأنزل الله: (والله يعصمك من الناس) (1).

أما في تفسير (روح البيان) (2) فقد جاء: أن هذه الآية أمان من الله

(1) تفسير ابن كثير 2: 81.

(2) للشيخ إسماعيل حقي البروسوي، الجزء الثاني: 417.


137

للنبي عليه السلام كيلا يخاف، ولا يحذر، كما روي في الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما دخل المدينة، قال اليهود: يا محمد، إنا ذوو عدد وبأس، فإن لم ترجع قتلناك، وإن رجعت ذودناك (1)، وأكرمناك.

فكان عليه السلام يحرسه مائة من المهاجرين والأنصار، يبيتون عنده، ويخرجون معه، خوفا من اليهود.

فلما نزل قوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس علم أن الله يحفظه من كيد اليهود وغيرهم، فقال للمهاجرين والأنصار: " انصرفوا إلى رحالكم، فإن الله قد عصمني من اليهود ".

والآن، نرجو أن نجد - من بين كل ما تقدم - جوابا لكل واحد من هذه الأسئلة:

1 - الرواية الأخيرة تشير إلى بداية العهد المدني، وبهذا تتفق مع ما روي عن أم المؤمنين عائشة، ولكن الذي جاء عنها، وفي كل الروايات التي أسندت إليها، أنه كان يحرسه رجل واحد، ورد في بعضها أنه سعد بن أبي وقاص، وفي بعضها غيره، أما روايتنا الأخيرة ففيها مائة من المهاجرين والأنصار، يبيتون عنده، ويخرجون معه! فأيها نختار؟

نعم ربما وجدنا مخرجا لهذا فنقول: إنه كان يحرسه مائة بادئ الأمر، فلما تزوج من السيدة عائشة استغنى عن تسع وتسعين منهم، واكتفى بحارس واحد!

ولكن حتى هذا لا تقبله الرواية الأخيرة، فهي تشير إلى بقائهم على حالهم من الحراسة حتى نزول الآية، بدليل قوله في آخرها: فلما نزلت الآية، قال للمهاجرين والأنصار: " انصرفوا إلى رحالكم " فهو حديث مع جماعة، وهم في حالة الحراسة، وإلا لماذا قال: " انصرفوا إلى رحالكم "؟

(1) ذاده وأذاده: أعانه على الذياد - وهو الدفع والطرد. لسان العرب - ذود - 3: 167.


138

2 - الروايتان تفيدان أن الآية في المدينة، وهذا يناقض ما في الروايات الأخرى من أنها نزلت في المغازي.

هذا إذا تركنا قول من قال أنها نزلت في مكة، وأسقطنا الروايات التي تشير إليه.

3 - إذا كان يحرسه وهو في المدينة مائة رجل من المهاجرين والأنصار، أو قل رجل واحد، فأين ذهبوا عنه وهو بين الجيشين، في ساحة القتال؟

وهل يصح أن يختار القائد محل استراحته في (الأرض الحرام) بين جيشه والجيش المعادي، بحيث يكون ممكنا بكل تلك السهولة أن يتسلل إليه من يشتهي قتله، حتى يشهر السيف على رأسه، وهو نائم؟!

ثم لاحظ أن الرواية تقول: اختار له أصحابه ظلا يقيل فيه.

فهل يختار له أصحابه ظلا كهذا؟

وأي ظل هذا، وأي قيلولة؟ سل من رأى الحروب، أو سمع بها.

ثم إن كان هذا مما تقبله العقول، فأين غفلوا عن حراسته في مثل هذا المكان، وقد اعتادوا أن يحرسوه وهو في المدينة؟

4 - في أية غزوة كان ذلك؟ أكثر الروايات تقول: في بعض المغازي، ولا تعين واحدة منها، فهل نسي الرواة تلك الغزوة؟

وهل يرتضي ذلك أحدنا، مع غزوة كهذه، تحدث فيها تلك المعجزة المثيرة، ثم ينزل فيها قرآن يتلى، يزيدها ثباتا في الأذهان، ثم تلك الصورة المثيرة، والرجل يضرب برأسه الشجرة، حتى انتشر دماغه، كل هذا ينساه جميع من شهده، فلا يدري متى حصل؟

فإن جاز ذلك، فليس أقل أن يذكروا تلك الغزوة التي تركوا فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا حراسة حتى تسلل إليه من تسلل، وشهر السيف على رأسه الشريف!


139

وإن حصل ذلك، فأين أهل العلم بالقرآن، ونزوله، وناسخه، ومنسوخه، ومحكمه، ومتشابهه، ومكيه، ومدنيه؟

نعم إن هناك رواية واحدة تقول: إنها كانت غزوة ذات الرقاع. ولا تخلو هذه أيضا مما يثير الاستغراب، إذ يتسلل المشرك مجردا من السلاح إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يأمل بكل ثقة أن يأخذ منه سيفه بمجرد أن يقول له: اعطني سيفك أشيمه!

فهل كان الرجل مجنونا؟ لم تشر الرواية إلى شئ من ذلك!

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أذكى من ذلك وأكثر حذرا.

دع عنك كل هذا، ولنقل بأنها هي غزوة الرقاع، وإنما اختلفت الروايات في تفصيل الحادثة، وهذا جائز، فتعال معي إذن أخبرك بغزوة الرقاع متى وقعت.

وقعت هذه الغزوة في السنة الرابعة من الهجرة المباركة على مهاجرها المختار، وآله الأطهار أفضل صلاة وأتم سلام. وبالتحديد الدقيق، وقعت غزوة الرقاع في الشهر السابع والأربعين من الهجرة المباركة (1). أي إنه كان يفصلها عن وفاته صلى الله عليه وآله وسلم قرابة سبع سنين، فهل يتفق هذا مع قول ابن كثير في هذه الآية: بل هي من آخر ما نزل؟

علما أن قوله الأخير هذا هو الموافق لما هو مشهور جدا بين المسلمين من كون سورة المائدة هي آخر ما نزل من القرآن، ما خلا سورة النصر، وآية أو آيتين، سيأتي ذكرها إن شاء الله.

وبغض النظر عن هذا فهي لا تصمد أمام الأسئلة المتقدمة، وقد مرت روايات تنقضها أيضا.

(1) راجع كتاب المغازي للواقدي 1: 395، والكامل لابن الأثير 2: 174، تاريخ الطبري 3: 39.


140

ذلك هو حجم الاضطراب والتناقض في تلك الروايات.

ولعله هو السبب الأساس وراء عدم اتفاقهم على شئ منها، بل عدم اعتماد أحدهم واحدة منها.

كما يعد ثاني سببين - أولهما: العلم بأن الآية من آخر ما نزل من القرآن - كانا وراء تعريج ابن كثير، والطبري، وآخرين على حجة الوداع، وخطبته صلى الله عليه وآله وسلم هناك، ومطابقتهم نص الآية مع ما جاء على لسانه الشريف في مواقفه هناك، بقوله: " هل بلغت، اللهم اشهد ".

لكنهم يقفون عند مجرد التعريج، دون أن يشير أحدهم إلى نزولها في هذا التاريخ.

هذا ولما نتعرض بعد لما أورده الرازي في هذا المقام، فقد ذكر عشرة وجوه في سبب نزول هذه الآية، من بينها بعض ما سبق الكلام فيه، ومنها ما ينفرد به وحده، وقد تناول البغوي في تفسيره (1) نصفها، وأعرض عن نصف، وتلك الوجوه هي بالترتيب كما يلي:

الأول: أنها نزلت في قصة الرجم والقصاص، على ما تقدم في قصة اليهود.

وقصة الرجم هذه قد تقدم كلامه فيها في نفس السورة (2)، وخلاصتها أن رجلا وامرأة زنيا، فأتى بهما قومهما إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليحكم فيهما، ولو تتبعتها لا تجد فيها على الاطلاق ما يشير إلى احتمال نزول هذه الآية هناك، ولن تجد ما يشير إلى ما يمكن اعتباره مبررا لوجود مثل هذا الاحتمال!

ولم يرد في ذلك خبر يعتمد.

(1) معالم التنزيل 2: 279.

(2) تفسير الرازي 11: 232 - 233.


141

فهو يسرد القصة سردا متسلسلا حتى ينتهي إلى قوله: فأمر بهما صلى الله عليه وآله وسلم فرجما عند باب مسجده. ولو تتبعت القصة في كل ما تجده من كتب التفسير لما وجدت إشارة واحدة إلى وجود صلة بين الآية موضوع البحث وبين تلك القصة. ولعل الرازي ذكرها لمجرد الإحصاء لا غير، ولعله ابتدعها.

الثاني: نزلت في عيب اليهود واستهزائهم... وقد تقدم الكلام في مثله.

الثالث: لما نزلت آية التخيير، هي قوله، (يا أيها النبي قل لأزواجك) فلم يعرضها عليهن خوفا من اختيارهن الدنيا، فنزلت.

الرابع: نزلت في أمر زيد وزينب بنت جحش.

نقول: وكلا القصتين - الثالثة والرابعة - قد نزلت فيها آيات مفصلة يتلوها المسلمون من قبل أن تنزل سورة المائدة.

الخامس: نزلت في الجهاد، فإن المنافقين كانوا يكرهونه، فكان يمسك أحيانا عن حثهم على الجهاد.

وهذا كلام مرسل تماما، ولم يذكره أحد ممن سبق الرازي، ولن تجد حتى في كتب السيرة المفصلة من جعل تقاعس المنافقين سببا في نزول هذه الآية.

السادس: لما نزل قوله تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا (1) سكت الرسول عن عيب آلهتهم، فنزلت هذه الآية.

والصحيح أن أحدا لم يقل بنسخ آية الأنعام هذه بل اتفقوا على ضده، قال القرطبي: (قال العلماء: حكمها باق في هذه الأمة على كل حال).

وقال الشوكاني: (ذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذه الآية محكمة ثابتة غير منسوخة) (2).

(1) الأنعام: 108.

(2) تفسير القرطبي 7: 61، فتح القدير 2: 150.


142

السابع: نزلت في حقوق المسلمين، وذلك لأنه قال في حجة الوداع، لما بين الشرائع والمناسك: " هل بلغت " قالوا نعم قال عليه الصلاة والسلام:

" اللهم فاشهد ".

وهذا ليس أكثر من توفيق بين الألفاظ المشتركة التي وردت في الآية الكريمة والخطبة الشريفة، أما أن يكون التبليغ بتلك الأحكام الشرعية والمناسك سببا في نزول الآية فهو شئ آخر تماما، كما أنه لم يقل به أحد.

فلأي شئ يخفي النبي صلى الله عليه وآله وسلم تبليغ مناسك الحج التي كان يعدهم بها حتى قبل صلح الحديبية في السنة السادسة من الهجرة، وعند نزول قوله تعالى: ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون (1) كما هو معروف جدا؟

بل إن المسلمين جميعا كانوا يتلهفون بشدة إلى تلك المناسك وإلى الحج مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

والأمر كذلك مع سائر الأحكام الشرعية، فمتى أخفى النبي شيئا من تلك الأحكام التي لم يبعث إلا لأجل إحياء البشرية بها، لكي ينزل إليه مثل هذا الإنذار!

نعم، أخفى النبي في نفسه الأمر في قضية زينب كما صرح القرآن بذلك، والسبب ظاهر جدا، وهو خشيته من تسرب الشك إلى بعضهم من أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد آثر نفسه، أو شئ من هذا القبيل.

وهذا أشبه شئ بقضية التبليغ بالولاية لعلي بن أبي طالب، فهو لا يأمن تسرب الشك لدى بعضهم بأنه قد آثر ابن عمه، وفضله عليهم، وربما أكثر من

(1) الفتح: 27.


143

مجرد الشك عند أمر كهذا مما لم يكن مستبعدا أبدا، بل قد حصل تماما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأما في حياته فقد عصمه الله تعالى من كل كيد، أو تآمر، أو غيره.

الثامن: روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم نزل تحت شجرة في بعض أسفاره... وقد تقدم.

التاسع: كان يهاب قريشا، واليهود، والنصارى... وقد تقدم أيضا.

العاشر: نزلت الآية في فضل علي بن أبي طالب عليه السلام، ولما نزلت هذه الآية، أخذ بيده، وقال " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه " فلقيه عمر رضي الله عنه، فقال: هنيئا لك يا بن أبي طالب، أصبحت مولاي، ومولى كل مؤمن ومؤمنة. وهو قول ابن عباس، والبراء بن عازب، ومحمد بن علي. انتهى.

وهكذا تأتي هذه الرواية وحدها مسندة من بين الوجوه العشرة.

وهكذا تبقى هي الرواية الوحيدة التي تحظى بكل نقاط القوة، ودواعي القبول، والتي أبرزها:

- 1 إسنادها: فهي الرواية المسندة، المتصلة الإسناد، في عدة طرق تنتهي إلى عدد كبير من الصحابة.

2 - صحة الإسناد: فرجالها ثقات، ورواياتهم معتمدة لدى سائر المسلمين.

3 - اتحادها الزماني والمكاني مع الآية.

4 - مطابقتها تماما لنص الآية الكريمة ودلالاتها.


144

5 - سلامتها تماما من كل ما وقعت فيه الروايات الأخرى من الاضطرابات والتناقضات.

هذا، وقد روي نزولها في أمر ولاية علي عليه السلام غير من ذكرنا كثير (1)، والحمد لله رب العالمين.

الآية الثانية:

قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا (2).

قال الطبري:

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: يعني جل ثناؤه بقوله:

(اليوم أكملت لكم دينكم): اليوم أكملت - أيها المؤمنون - فرائضي عليكم، وحدودي، وأمري إياكم، ونهيي، وحلالي وحرامي، وتنزيلي من ذلك ما أنزلت منه في كتابي، وتبياني ما بينت لكم منه بوحيي على لسان رسولي، والأدلة التي نصبتها لكم على جميع ما بكم الحاجة إليه من أمر دينكم، فأتممت لكم جميع ذلك، فلا زيادة فيه بعد هذا اليوم.

قالوا: وكان ذلك في يوم عرفة، عام حج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حجة الوداع.

وقالوا: لم ينزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد هذه الآية شئ

(1) أنظر: الملل والنحل للشهرستاني 1: 145، وهامش الفصل في الملل والنحل لابن حزم 1: 220، الترجمة عن ابن عساكر 2: 86 / 589، فرائد السمطين 1: 158، والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: 42، والنور المشتعل: 86، ينابيع المودة: 120 و 249، هذا ما وقفنا عليه بأنفسنا، وقد ذكر لها مصادر أخرى لم يتيسر لنا الوقوف عليها.

(2) المائدة: 3.


145

من الفرائض، ولا تحليل شئ ولا تحريمه، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعش بعد نزول هذه الآية إلا إحدى وثمانين ليلة (1).

انتهى الرأي الأول.

الظاهر في هذا الرأي أن أصحابه قد تبنوا أمرين:

الأمر الأول: أن الآية نزلت يوم عرفة من حجة الوداع. وقد أنشأوا هذا اعتمادا على ما جاء في الرواية عن عمر بن الخطاب، وقد جاءه يهودي، فقال له: لو نزلت هذه الآية فينا لجعلناها عيدا.

فقال: إني لأعلم أين نزلت، ومتى نزلت، نزلت يوم عرفة، والنبي يخطب، وهو يوم عيد.

والرواية الأخرى عن معاوية بن أبي سفيان، وقد كان يخطب على منبره، فنزع بهذا الآية: (اليوم أكملت لكم دينكم) وقال: إنها نزلت يوم عرفة، في حجة الوداع، والنبي يخطب.

وقد ذكر ابن كثير، وآخرون روايات أخرى نسبت إلى علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وسمرة بن جندب.

ولكن لا يصح الاحتجاج بشئ من هذه الروايات، لضعف إسنادها:

فأما رواية سمرة، فقد ردها ابن أبي بكر الهيثمي (2)، فقال: فيها عمر بن موسى بن وجيه، وهو ضعيف.

وأما المنسوبة إلى عبد الله بن عباس ففيها عمار مولى بني هاشم، وقد تكلم فيه البخاري، فبعد أن ذكر له حديثا عن ابن عباس، قال: لا يتابع عليه.

وقال فيه ابن حبان: كان يخطئ.

(1) تفسير الطبري 6: 51.

(2) مجمع الزوائد 7: 13 - 14.


146

وكان شعبة يتكلم فيه (1).

وأما المنسوبة إلى علي بن أبي طالب عليه السلام ففيها أحمد بن كامل وقد لينه الدار قطني، وقال: كان متساهلا.

وقال حمزة، عن الدار قطني: كان متساهلا، ربما حدث من حفظه بما ليس في كتابه، وقد أهلكه العجب (2).

وأما الروايتان: الأولى والثانية، فلم أكلف نفسي عناء البحث والتحقيق فيهما، فلست أستبعد صدورهما منهما.

فلماذا لا يكون معاوية هو الأعلم بنزول هذه الآية خاصة، دون سواها!

ونظرة واحدة إلى قصة الخلافة تكفينا تماما جهد التحقيق في رواية كهذه.

هذا وقد رد الطبري نفسه كل ما تقدم من روايات بإثباته طرقا أخرى تخالفها، فقال: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه عن ربيع بن أنس، قال: نزلت سورة المائدة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسيرة في حجة الوداع، وهو راكب راحلته، فبركت به راحلته من ثقلها.

وروى مثله - أنها نزلت في المسيرة من حجة الوداع - الهيثمي (3) عن عبد الله بن عمر، وعن أسماء بنت يزيد (4).

ورواه السيوطي عن أسماء بنت عميس (5) أيضا (6).

(1) تهذيب التهذيب 7: 404 / 656.

(2) لسان الميزان 1: 249.

(3) في مجمع الزوائد 7: 13.

(4) هي أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية أم سلمة، ويقال أم عامر، بايعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وشهدت اليرموك، وتسمى: خطيبة الأنصار. تهذيب التهذيب 12: 399 / 2727.

(5) أسماء بنت عميس الخثعمية، أخت ميمونة بنت الحارث لأمها، هاجرت إلى الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، وقد كان عمر يرجع إليها في تعبير الرؤيا. المصدر والصفحة.

(6) الدر المنثور 3: 19.


147

وهذا كله يخالف الروايات المتقدمة عن عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان، تماما.

وسيأتي في المسند الصحيح ما ينقضه أيضا.

والأمر الثاني: - المستفاد من تلك الروايات التي اعتمدها أصحاب الرأي الأول، مفاده: أنه لم ينزل بعد هذه الآية شئ من الفرائض، ولا تحليل شئ، ولا تحريمه.

وممن أخذ به: الرازي، إذ قال جازما: لم ينزل بعدها شئ من الأحكام ألبتة ولم يحصل في الشريعة بعدها زيادة (1)...

وقد رد هذا القول غير واحد من أهل التفسير، لما ثبت من نزول آيات في الأحكام بعد نزول هذه الآية.

فقال الطبري: عن البراء بن عازب، أن آخر آية نزلت من القرآن:

(ويستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) (2).

وقال أبو حيان الأندلسي (3): قال الجمهور - كمال الدين - هو إظهاره، واستيعاب معظم فرائضه وتحليله، وتحريمه، قالوا: وقد نزل بعد هذه الآية قرآن كثير، كآيات الربا، وآيات الكلالة، وغير ذلك.

فإن قلت: لماذا نعتمد هذه الروايات، ولا نأخذ بقول من قال بعدم نزول شئ من الأحكام والفرائض بعد هذه الآية؟

أجابك الطبري، فقال:

ولا يدفع ذو علم أن الوحي لم ينقطع عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

(1) تفسير الرازي م 6. ج 11: 139.

(2) النساء: 176.

(3) في تفسير: البحر المحيط 3: 426.


148

إلى أن قبض، بل كان الوحي قبل وفاته أكثر ما كان تتابعا.

فإذا كان ذلك كذلك، وكان قوله: (ويستفتونك قل الله يفتيكم) آخرها نزولا، وكان ذلك من الأحكام والفرائض، كان معلوما أن معنى قوله:

(اليوم أكملت لكم دينكم) على خلاف الوجه الذي تأوله من تأوله. أعني كمال العبادات، والأحكام، والفرائض.

فإن قيل: فما جعل قول من قال: قد نزل بعد ذلك فرض، أولى من قول من قال: لم ينزل؟

قلنا: لأن الذي قال: لم ينزل مخبر أنه لا يعلم نزول فرض، والنفي لا يكون شهادة، والشهادة قول من قال نزل.

وغير جائز دفع خبر الصادق فيما أمكن أن يكون فيه صادقا. انتهى.

وهكذا تم نقض الرأي الأول، الذي أعرض عنه الكثير من أرباب التفسير، واتخذوا لأنفسهم مذاهب أخرى.

قال الطبري: وقال آخرون: معنى ذلك: اليوم أكملت لكم دينكم:

حجكم، فأفردتكم بالبلد الحرام تحجونه أنتم أيها المؤمنون دون المشركين، لا يخالطكم في حجكم مشرك.

وهكذا قبل هؤلاء أن يفسروا الدين بالحج، ولم يقبلوا بالرأي الأول.

ويبقى الرأي الأخير، الذي تعاضدت فيه الروايات الصحيحة الأسانيد، التي تصرح بنزول هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد المسير من حجة الوداع، وفي أثناء خطبة الغدير. وقد ثبت هذا من عدة طرق، رجالها ثقات، عن عدد كبير من الصحابة، منهم: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وأبو سعيد الخدري، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، والمقداد بن الأسود، وأبو هريرة.


149

وفيها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم دعا الناس إلى غدير خم، وذلك يوم الخميس، ثم دعا الناس إلى علي بن أبي طالب، فأخذ بضبعه، فرفعها حتى نظر الناس إلى بياض إبطيه. ثم لم يتفرقا حتى نزلت هذه الآية:

(اليوم أكملت لكم دينكم) (1).

ولا يفوتنا أن نذكر ما أورده بعضهم على بعض هذه الروايات، ومجموع ذلك أمران:

الأول: حول إحدى الروايات عن أبي سعيد الخدري، فقالوا: فيها أبو هارون العبدي، وباقي رجالها ثقات.

والثاني: في إحدى الروايتين عن أبي هريرة، قالوا: فيها حبشون الخلال، وهو ضعيف.

وجواب ذلك:

1 - إن أبا هارون العبدي، التابعي الذي حدث عن أبي سعيد الخدري وابن عمر، لم يكن فيه من العيب لديهم سوى أنه حدث في فضائل علي عليه السلام، فوصفه بعضهم بالتشيع، ولهذا رد أحاديثه (2).

2 - إن حبشون ذكره سبط ابن الجوزي، فقال: حدث عنه الأزهري

(1) أنظر ترجمة الإمام علي لابن عساكر 2: 75 / 577 - 580، تاريخ بغداد 8: 290، تاريخ اليعقوبي 2: 43، شواهد التنزيل - الحديث 210 - 215، المناقب لابن المغازلي: 19، وابن الجوزي: 29، والخوارزمي: 80، والنور المشتعل: 56، وفرائد السمطين 1: 315، مقتل الإمام الحسين للخوارزمي:

47، ينابيع المودة: 115، والسيوطي في الدر المنثور 3: 19، والإتقان 1: 75 في باب معرفة الحضري والسفري، أما حكمه في التصحيح والتضعيف فقد تقدم تحقيقنا فيه.

(2) أنظر ترجمته في تهذيب التهذيب 7: 412 / 670، فقد قال بعد أن استعرض أقوالهم المتشددة فيه، قال: وكان فيه تشيع، وأهل البصرة يفرطون فيمن تشيع بين أظهرهم لأنهم عثمانيون.


150

ولم يضعفه (1). وقد مر أن الذهبي ذكره، فقال صدوق (2) - كما وثقه الخطيب عند ترجمته له في تاريخ بغداد، ولم يذكر خلافا فيه.

3 - لو صدق قولهم فيه، فإن الرواية عن أبي هريرة قد وردت من طريق آخر، رجاله موثقون وليس فيهم حبشون (3).

10 - الولاية أيضا:

وهذه أيضا ولاية الأمر بكل ما يناسبها من عبارة: الإمامة، والسيادة، والإمرة، والقيادة.. جاءت صريحة متعاضدة في نصوص عديدة صحيحة، يشهد بعضها لبعض ويقويه، ومن ذلك:

أولا: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " علي أمير البررة، قاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله " (4).

فكل من أعددته من الأبرار فعلي أميره.

ثانيا: قال علي عليه السلام: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

" مرحبا بسيد المسلمين، وإمام المتقين " (5) فكل من عد في المتقين فعلي إمامه، وكل من دخل في الإسلام فعلي سيده.

(1) تذكرة الخواص: 30.

(2) راجع ص: 96.

(3) كما في الحديث (210) من كتاب شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني.

(4) المستدرك على الصحيحين 3: 129 وصححه، الصواعق المحرقة: باب 9: 125، الترجمة من تاريخ ابن عساكر 2: 476 / 1004 و 1005 تفسير الرازي 12: 26، فضائل الصحابة 2: 678 / 1158 ، تذكرة الخواص: 15، الجامع الصغير للسيوطي 2: 177 / 5591، المناقب للخوارزمي: 111، فرائد السمطين 1: 157 / 119، كنز العمال 11 / 32909، ومنتخب الكنز 5: 30.

(5) تاريخ بن عساكر 2: 440 / 956، ابن أبي الحديد 9: 170، حلية الأولياء 1: 66، فرائد السمطين 1: 141 / 104، كنز العمال 11 / 33009 و 13 / 36527 والمنتخب منه 5: 55.


151

ثالثا: قال أنس بن مالك: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

" يا أنس أول من يدخل عليك من هذا الباب أمير المؤمنين، وقائد الغر المحجلين وخاتم الوصيين ".

قال أنس قلت: اللهم اجعله رجلا من الأنصار، وكتمته، إذ جاء علي فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " من هذا، يا أنس؟ ".

فقلت: علي فقام مستبشرا، فاعتنقه، ثم جعل يمسح عرق وجهه بوجهه.

فقال علي عليه السلام: يا رسول الله لقد رأيتك صنعت شيئا ما صنعت بي من قبل؟

قال صلى الله عليه وآله وسلم: " وما يمنعني وأنت تؤدي عني، وتسمعهم صوتي، وتبين لهم ما اختلفوا فيه بعدي؟ " (1).

رابعا: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " أوحي إلي في علي ثلاث: أنه سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين " (2).

أفوق هذه الفصاحة فصاحة؟

أم بعد هذا البيان بيان؟

أفلا يكفينا كلام الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بصريح العبارة - مرة بعد أخرى - لمعرفة طريق الهدى؟!

بأي شئ إذن سنهتدي؟

(1) ابن أبي الحديد 9: 169، حلية الأولياء 1: 63، فرائد السمطين 1: 145 / 109.

(2) المستدرك 3: 138 وصححه، أسد الغابة 3: 116، الترجمة عن تاريخ دمشق 2: 257 / 779 - 782، مجمع الزوائد 9: 121، ذخائر العقبى: 70، فرائد السمطين 1: 143 / 107، المناقب للخوارزمي: 42 و 210 و 235، المناقب لابن المغازلي: 65 / 93 و 104 / 146 و 147، الرياض النضرة 3: 138.


152

فمتى صح لأحد أن ينصب نفسه سيدا على من عينه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيدا للمسلمين أجمعين؟

وكيف يجعل نفسه إماما على من اختاره الله ورسوله إماما للمتقين؟

أم كيف يضع نفسه قائدا على من اصطفاه الله ورسوله قائدا للغر المحجلين؟

أم متى كان للأمة بأجمعها أن تفعل شيئا من ذاك، فتقدم أحدها على رجل قدمته السماء؟!

أم إلى أين سيفر أصحاب التأويل وهم كلما ركبوا مسلكا طلع عليهم نص شريف - من قرآن أو سنة - فصدمهم في جباههم، فأعادهم على أعقابهم، وليس معهم حتى خفي حنين!

ثم لماذا هذا الفرار من النص الشريف، أليس اتباع النص الصحيح هو الدين؟

ثم لماذا كل هذا التشنج من مناقب علي بن أبي طالب، أليس هو (المدخل) إلى الإسلام كله؟

ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأت الباب؟ " (1). ألم يقل: " أنا دار الحكمة وعلي بابها " (2).

(1) المستدرك 3: 126 و 127 وصححه، جامع الأصول 9: 473 / 6489 أسد الغابة 4: 22، البداية والنهاية 7: 372، ابن عساكر في الترجمة 2: 464 / 991 - 1002، تاريخ بغداد 11: 49 و 50 وأثبت صحته، الجامع الصغير للسيوطي 1: 415 / 2705، شواهد التنزيل 1: 334 / 459، تاريخ الخلفاء: 135، كنز العمال 11 / 32890 و 32979 و 13 / 36463، الصواعق المحرقة:

باب 9: 122، الرياض النضرة 3: 159، وجميع أصحاب المناقب.

ولقد ألف الحافظ أحمد بن محمد المغربي كتابا في هذا الحديث تتبع فيه أسانيده، وأثبت صحته، في بحث نادر في بابه وأسماه (فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم علي) وقد طبع هذا الكتاب بمصر.

(2) سنن الترمذي 5: 637 / 3723، مصابيح السنة 4: 174 / 4772، الجامع الصغير 1: 415 /

‌>


153

أسئلة تنتظر الجواب...

11 - النجاة...

وأبو ذر الغفاري - الذي ما طلعت الشمس على رجل أصدق منه لهجة - آخذ بباب الكعبة، ينادي أيها الناس، من عرفني فأنا من عرفتم، ومن أنكرني فأنا أبو ذر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق " (1).

وقال ابن حجر (2): جاء من طرق عديدة، يقوي بعضها بعضا: " إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا ".

قال: وفي رواية مسلم: " ومن تخلف عنها غرق ".

وفي رواية: " هلك، وإنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل، من دخله غفر له ".

وفي رواية غفر له الذنوب ".

قال: ووجه تشبيههم بالسفينة: أن من أحبهم، وعظمهم شكرا لنعمة مشرفهم صلى الله عليه وآله وسلم، وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات.

<‌

2704، ابن عساكر 2: 459 / 990، البداية والنهاية 7: 372، الصواعق المحرقة: باب 9:

122، حلية الأولياء 1: 64، الرياض النضرة 3: 159، وأصحاب المناقب.

(1) المستدرك 2: 343 وصححه على شرط مسلم، 3: 151، الخصائص الكبرى 2: 466، الجامع الصغير 2: 533، عيون الأخبار لابن قتيبة 1: 211، والمعارف: 146، روح المعاني 25: 32، تفسير ابن كثير 4: 123، تاريخ بغداد 12: 91، حلية الأولياء 4: 306، الصواعق المحرقة:

236، مجمع الزوائد 9: 168، ابن الأثير في النهاية 2: 298 وفيه " ومن تخلف عنها زخ في النار "، ابن أبي الحديد 1: 218، المقتل للخوارزمي 1: 104، ذخائر العقبى: 20، فرائد السمطين 2:

246 / 519، ابن المغازلي في المناقب: 132، كفاية الطالب: 378، وغيرها.

(2) في الصواعق المحرقة: باب 11 فصل 1. الآية السابعة: 152.


154

ومن تخلف عن ذلك، غرق في بحر كفر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان.

ومر في خبر: أن من حفظ حرمة الإسلام، وحرمته صلى الله عليه وآله وسلم، وحرمة رحمه، حفظ الله دينه ودنياه، ومن لا، لم يحفظ الله دنياه ولا آخرته.

وورد: " يرد الحوض أهل بيتي ومن أحبهم من أمتي كهاتين السبابتين ".

ويشهد له خبر " المرء مع من أحب ".

وبباب حطة - أي وجه التشبيه به - أن الله تعالى جعل دخول ذلك الباب - الذي هو باب أريحاء أو بيت المقدس - مع التواضع والاستغفار سببا للمغفرة.

وجعل لهذه الأمة مودة أهل البيت سببا لها.

وقال تعالى: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى.

وقال ثابت البناني: اهتدى إلى ولاية أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم انتهى (1).

وإنما أراد سيد الفصحاء صلى الله عليه وآله وسلم من هذا التشبيه أن يرسم صورة حية عن حقيقة الدنيا، ورحلة الإنسان فيها إلى الآخرة، فمثل لها بذلك الطوفان المخيف الذي ثبتت له في أذهان المسلمين صورة مرعبة، وهم يقرأونه في القرآن الكريم مشهدا حيا.

ذلك الطوفان الذي أتى على كل شئ، فلم ينج منه إلا تلك السفينة ومن فيها: (وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم*وهي تجري بهم في موج كالجبال) (2).

وذلك هو مثل أهل البيت في خضم الأحداث، وازدحام الفتن، واختلاف

(1) المصدر: 153.

(2) هود: 41 - 42.


155

الناس، واضطراب الأهواء في بحور متلاطمة، من تنافس الأفكار، والمسالك، والأهواء والعقائد، بحور لن تبقي على شئ، وسيبتلع كل شئ موجها، بل قل شررها! حتى لم ينج منها إلا تلك السفينة - سفينة أهل بيت المصطفى، سفينة نجاة هذه الأمة - ومن تعلق بها.

وذاك هو الذي يرجع إليهم عليهم السلام في أمور دينه، يأخذ عنهم الأصول، والفروع، والعقائد، وينهل من عذب كوثرهم المحمدي معالم الآداب والقيم، يحبهم، وينصرهم، ويواليهم، فهذا هو الذي أمن إذا فزع الناس، ونجا إذا هلكوا..

بينما كان مثل الذي لجأ إلى غيرهم في أمر دينه وعقيدته، كمثل الذي قال: (سآوي إلى جبل يعصمني من الماء) (1).

أليست هذه هي الصورة التي يرسمها حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

أنظر إلى ما يزيدها بيانا في الحديث الآخر.

12 - الأمان..

قال صلى الله عليه وآله وسلم: " النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا، فصاروا حزب إبليس " (2).

(1) هود: 43.

(2) المستدرك 3: 149 وصححه، الخصائص الكبرى 2: 466، فضائل الصحابة 2: 671 / 1145، الصواعق المحرقة: 152 - 153، 236، ذخائر العقبى: 17، فرائد السمطين 1: 45 / 11 و 252 / 521 - 522، كنز العمال 12 ح / 34155 و 34188 والمنتخب منه بهامش مسند أحمد 5: 92، الجامع الصغير 2: 680 / 9313.


156

قال ابن حجر: قال بعضهم: يحتمل أن المراد بأهل البيت - الذين هم أمان - علماؤهم، لأنهم الذين يهتدي بهم كالنجوم والذين إذا فقدوا جاء أهل الأرض من الآيات ما يوعدون (1)...

ومهما قالوا، فإن حبيب الله قد قال: " فإذا خالفتهم قبيلة من العرب، اختلفوا، فصاروا حزب إبليس "!

أليس في شئ من هذا دليل على ولايتهم عليهم السلام!!

ثم انظر إلى ذلك التاريخ الطويل بصحبة هذا النص الشريف، لترى:

من من أئمة أهل البيت قد اقتدوا به، واتبعوه؟

بل أي منهم الذي لم يخالفوه؟

بل من الذي لم يؤذوه؟

(ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين).

(1) الصواعق المحرقة: 152.


157

أصحاب الحق يتكلمون...

مقاطع من نهج البلاغة...

نهج البلاغة:

هو جملة ما اختاره السيد الشريف الرضي (1) رحمه الله من كلام سيدنا ومولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، جمع متفرقه، وسماه بهذا الاسم.

وهو كتاب لم يترك غرضا من أغراض الكلام إلا أصابه، ولم يدع للفكر ممرا إلا جابه. فقد تعرض للمدح، وللعذل الأدبي، وللترغيب في الفضائل، وللتنفير من الرذائل، وللمحاورات السياسية، والمخاصمات الجدلية، ولبيان

(1) هو الشريف أبو الحسن محمد بن الطاهر أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وأمه فاطمة بنت الحسين بن الحسن الناصر صاحب الديلم بن علي بن الحسن ابن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام، وكانت ولادته سنة 359 هـ‍ واشتغل بالعلم ففاق في الفقه والفرائض، وبذ أهل زمانه في العلم والأدب. له نظم في الذروة حتى قيل: هو أشعر الطالبيين، تولى نقابة نقباء الطالبيين بعد أبيه سنة 388 هـ‍ وضم إليه النظر في المظالم والحج بالناس، وله كتاب (معاني القرآن) ممتع يدل على سعة علمه، توفي سنة 406.

أنظر: تاريخ بغداد 2: 246، وسير أعلام النبلاء 17: 285.


158

حقوق الراعي على الرعية، وحقوق الرعية على الراعي..

وأتى على الكلام في أصول المدنية، وقواعد العدالة، وفي النصائح الشخصية، والمواعظ العمومية...

وعلى الجملة، فلا يطلب طالب طلبة إلا ويرى فيه أفضلها، ولا تخالج فكرة رغبة إلا وجد فيه أكملها (1).

وقد تناوله أكثر من خمسين عالما من مشاهير عصورهم (2)، تحقيقا وتفسيرا، فما ازدادوا به إلا إعجابا وإجلالا، ولا أخفوا تصاغرهم عنده، لما يجدون من عجيب الكلام، وبديع النسق والانتظام، ولا ارتاب أحدهم في نسبة شئ منه إلى أمير المؤمنين عليه السلام. ولو كان، لأشار إليه بعضهم، وخاصة ممن لا ينسب إلى الإعتقاد بتفضيل الإمام علي عليه السلام على سائر الصحابة، وهم كثير.

نعم، أشار الدكتور صبحي الصالح إلى ارتياب بعض النقاد عند النصوص التي وردت في وصف بعض المخلوقات خاصة، ثم أشار إلى بطلان هذا بما توصل إليه بعد التحقيق، فقال، وقد اشتمل كلامه على أوصاف عجيبة لبعض المخلوقات حملت روعتها ودقة تصويرها بعض النقاد على الارتياب في عزوها إلى أمير المؤمنين كما في تصويره البارع للنملة، والجرادة، ولا سيما الطاوس، ولا بد من تحقيق هذا الأمر في غير هذه المقدمة العجلي، وهو ما نسأل الله التوفيق لبيانه في كتاب مستقل، اكتملت بين أيدينا معالمه، وسنصدره قريبا بعون الله (3).

(1) الكلام في التعريف إلى هنا من مقدمة الشيخ محمد عبدة في شرحه لنهج البلاغة.

(2) نهج البلاغة بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم: 8 عن كتاب ما هو نهج البلاغة: 8 - 10، وعنه أيضا الدكتور صبحي الصالح في كتابه شرح نهج البلاغة: 18.

(3) في كتابه: شرح نهج البلاغة: 12.


159

وفي مروج الذهب، قال المسعودي: والذي حفظ الناس عنه من خطبه في سائر مقاماته أربعمائة خطبة ونيف وثمانين خطبة يوردها على البديهة، وتداول الناس ذلك قولا وعملا (1).

أما ابن أبي الحديد فقد ناقش هذه الدعوى نقاشا مفصلا، فقال: إن كثيرا من أرباب الهوى يقولون: إن كثيرا من (نهج البلاغة) كلام محدث صنعه قوم من فصحاء الشيعة، وربما عزوا بعضه إلى الرضي أبي الحسن وغيره، وهؤلاء قوم أعمت العصبية أعينهم، فضلوا عن النهج الواضح وركبوا بنيات الطريق ضلالا وقلة معرفة بأساليب الكلام، وأنا أوضح لك بكلام مختصر ما في هذا الخاطر من الغلط، فأقول:

لا يخلو إما أن يكون كل (نهج البلاغة) مصنوعا منحولا، أو بعضه.

والأول باطل بالضرورة، لأنا نعلم بالتواتر صحة إسناد بعضه إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وقد نقل المحدثون كلهم أو جلهم، والمؤرخون كثيرا منه، وليسوا من الشيعة لينسبوا إلى غرض في ذلك.

والثاني يدل على ما قلناه - أي ما نسبهم إليه من ضلال وقلة معرفة بأساليب الكلام - لأن من قد أنس بالكلام والخطابة، وشدا طرفا من علم البيان وصار له ذوق في هذا الباب، لا بد أن يفرق بين الكلام الركيك والفصيح، وبين الفصيح والأفصح، وبين الأصيل والمولد، وإذا وقف على كراس واحد يتضمن كلاما لجماعة من الخطباء، أو لاثنين منهم فقط، فلا بد أن يفرق بين الكلامين، ويميز بين الطريقتين.

ألا ترى أنا مع معرفتنا بالشعر ونقده، لو تصفحنا ديوان أبي تمام، فوجدناه قد كتب في أثنائه قصائد أو قصيدة واحدة لغيره، لعرفنا بالذوق

(1) مروج الذهب 2: 419.


160

مباينتها لشعر أبي تمام ونفسه، وطريقته ومذهبه في القريض، ألا ترى أن العلماء بهذا الشأن حذفوا من شعره قصائد كثيرة منحولة إليه، لمباينتها لمذهبه في الشعر، وكذلك حذفوا من شعر أبي نواس شيئا كثيرا: لما ظهر لهم أنه ليس من ألفاظه، ولا من شعره، وكذلك غيرهما من الشعراء، ولم يعتمدوا في ذلك إلا على الذوق خاصة؟

وأنت إذا تأملت (نهج البلاغة) وجدته كله ماء واحدا، ونفسا واحدا، وأسلوبا واحدا، كالجسم البسيط الذي ليس بعض من أبعاضه مخالفا لباقي الأبعاض في الماهية، وكالقرآن العزيز، أوله كأوسطه، وأوسطه كآخره، وكل سورة منه، وكل آية مماثلة في المأخذ والمذهب والفن والطريق والنظم لباقي الآيات والسور، ولو كان بعض (نهج البلاغة) منحولا وبعضه صحيحا، لم يكن ذلك كذلك، فقد ظهر لك بهذا البرهان الواضح ضلال من زعم أن هذا الكتاب أو بعضه منحول إلى أمير المؤمنين عليه السلام (1).

هذا، وقد أصدر الشيخ عبد الزهراء الخطيب كتابا مفصلا في تحقيق نصوص نهج البلاغة، وإحصاء مصادرها، في أربعة مجلدات - وأسماه: " مصادر نهج البلاغة وأسانيده " وقد استوفى فيه الكثير مما يتعطش له الباحثون.

بعد هذه المقدمة التوثيقية حول (نهج البلاغة) وإثبات نسبته إلى الإمام علي عليه السلام فلتكن لنا جولة في ربوعه، لنقتطف منها ما ذكره الإمام عليه السلام حول حقه في الإمامة.

وقد انتخبنا عشر فقرات من كلامه عليه السلام في هذا الكتاب، ووضعناها في قسمين:

القسم الأول: في معرفة الإمام والخليفة بعد النبي صلى الله عليه وآله

(1) شرح نهج البلاغة 10: 127 - 129.


161

وسلم.

ومن ذلك:

1 - قوله - وهو يصف عترة النبي - مخاطبا الناس (1):

" فأين تذهبون؟

وأنى تؤفكون (2)! والأعلام (3) قائمة، والآيات واضحة، والمنار منصوبة، فأين يتاه بكم! وكيف تعمهون (4) وبينكم عترة نبيكم؟!

وهم أزمة الحق، وأعلام الدين، وألسنة الصدق!

فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن.

وردوهم ورود الهيم العطاش (5).

أيها الناس، خذوها عن خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم: إنه يموت من مات منا، وليس بميت، ويبلى من بلي منا وليس ببال.

فلا تقولوا بما لا تعرفون، فإن أكثر الحق في ما تنكرون..

واعذروا من لا حجة لكم عليه، وهو أنا..

ألم أعمل فيكم بالثقل الأكبر، وأترك فيكم الثقل الأصغر (6)؟! " وفي شرح ابن أبي الحديد: الثقل الأكبر هو القرآن. وقوله: " أترك فيكم الثقل الأصغر " يعني الحسن والحسين عليهما السلام.

- فهل سمعت بكلام أعجب من هذا، أم بحجة أبلغ؟

(1) في كتاب الدكتور صبحي الصالح: الخطبة 87 ص 119 تحت عنوان " عترة النبي ".

(2) تؤفكون: تقلبون وتصرفون.

(3) الأعلام: الدلائل على الحق من معجزات ونحوها.

(4) تعمهون: تتحيرون.

(5) ردوهم ورود الهيم العطاش: أي هلموا إلى بحار علومهم مسرعين كما تسرع الإبل العطشى إلى الماء.

(6) الثقل (هنا): بمعنى النفيس من كل شئ، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:

" تركت فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي " أي النفيسين.


162

وأمير المؤمنين علي عليه السلام يجمع فيه أشد ألفاظ التعجب والاستنكار والدهشة من قوم أعرضوا عن اتباع أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيقول:

" أين تذهبون "؟!

" وأنى تؤفكون؟! والأعلام قائمة... والآيات واضحة... والمنار منصوبة! فأين يتاه بكم "؟!

وكيف تعمهون، وبينكم عترة نبيكم؟!

وهل بعد هذا يبحث المسلم عن دليل في أن الإمامة فيهم عليهم السلام؟!

2 - احتجاجه عليه السلام، وهو يقول:

" أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا، كذبا وبغيا علينا، أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم؟!

بنا يستعطى الهدى، ويستجلى العمى...

إن الأئمة من قريش، غرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم " (1) وهكذا يستخلص القول بأفصح بيان، بعد ذلك الاستنكار اللاذع على من زعم أن له الفضل عليهم، ثم يوجز الأمر باختصاص الإمامة فيهم عليهم السلام، فلا هي تصلح لسواهم، ولا يصلح سواهم لها!

2 - كلامه عليه السلام في الناس شارحا سبيل النجاة (2):

" انظروا أهل بيت نبيكم، فالزموا سمتهم (3)، واتبعوا أثرهم، فلن يخرجوكم من هدى، ولن يعيدوكم في ردى.

(1) المصدر: ص 201 بعنوان " فضل أهل البيت ". القسم الثاني من الخطبة رقم: 144.

(2) ص 143 بعنوان " أصحاب رسول الله " نقلنا أولها هنا، وآخرها في وصف الصحابة سيأتي في محله.

(3) سمتهم: طريقهم أو حالهم أو قصدهم.


163

فإن لبدوا فالبدوا (1)، وإن نهضوا فانهضوا.

ولا تسبقوهم فتضلوا...

ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا... ".

وهذا تفسير واضح لحديثي: سفينة النجاة، ونجوم الأمان المتقدمين، أو هو كلام مقتبس منهما.

4 - ومن خطبة له عليه السلام في رسول الله وأهل بيته (2):

وفيها: " ونشهد أن لا إله غيره، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بأمره صادعا، وبذكره ناطقا، فأدى أمينا، ومضى رشيدا..

وخلف فينا راية الحق..

من تقدمها مرق (3)، ومن تخلف عنها زهق، ومن لزمها لحق...

ألا إن مثل آل محمد صلى الله وآله كمثل نجوم السماء، إذا خوى نجم (4) طلع نجم ".

وهذه أيضا مطابقة تماما لحديثي رسول الله في النجاة والأمان.

ومما روي عنه عليه السلام في مثل هذا المعنى قوله في خطبة طويلة، منها:

" فأين يتاه بكم؟ بل أين تذهبون عن أهل بيت نبيكم؟!

إنا سنخ أصلاب أصحاب السفينة، وكما نجا في هاتيك من نجا ينجو في هذه من ينجو، ويل رهين لمن تخلف عنهم.

وإني فيكم كالكهف لأهل الكهف، وإني فيكم باب حطة من دخل منه نجا، ومن تخلف عنه هلك، حجة من ذي الحجة في حجة الوداع: إني قد

(1) لبد: أقام، أي إن أقاموا فأقيموا.

(2) المصدر: بهذا العنوان ص: 145، الخطبة رقم: 100.

(3) مرق: خرج عن الدين.

(4) خوى نجم: أي غاب.


164

تركت بين أظهركم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي " (1).

القسم الثاني: في التصريح بحقه في خلافة رسول الله، ودفعهم إياه عن هذا الحق، ومطالبته به.

ومن ذلك:

1 - من خطبة له بعد انصرافه من صفين، فيها: " لا يقاس بآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الأمة أحد.

ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا.

وهم أساس الدين، وعماد اليقين..

إليهم يفئ الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة...

الآن إذ رجع الحق إلى أهله، ونقل إلى منتقله " (2).

وهو كلام أوضح مما يحتاج معه إلى تفسير، ولا يمكن أن يقوم معه تأويل من تلك التأويلات التي سلكها بعض من ذكرنا.

وفيما سيأتي من كلامه عليه السلام صراحة أكثر، ووضع لكل شئ في محله، في بيان يعضد بعضه بعضا، فلا يدع أدنى منفذ لشك أو جدال.

2 - قوله عليه السلام لبعض من أشار عليه ألا يتبع طلحة والزبير، في كلام آخر: " فوالله ما زلت مدفوعا عن حقي، مستأثرا علي، منذ قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، حتى يوم الناس هذا! " (3).

(1) تاريخ اليعقوبي 2: 211 - 212.

(2) شرح صبحي الصالح: 47، القسم الأخير من الخطبة رقم: 2.

(3) المصدر: 53 - الخطبة 6.


165

3 - ومرة أخرى (1)، في جوابه لبعض أصحابه، وقد سأله قائلا:

كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام، وأنتم أحق به؟

فقال عليه السلام: " يا أخا بني أسد، إنك لقلق الوضين (2)، ترسل في غير سدد، ولك بعد ذمامة الصهر، وحق المسألة، وقد استعلمت، فاعلم:

أما الاستبداد علينا بهذا المقام ونحن الأعلون نسبا، والأشدون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نوطا (3)، فإنها كانت أثرة (4) شحت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين.

والحكم الله، والمعود إليه القيامة.

ودع عنك نهبا صيح في حجراته

ولكن حديثا ما حديث الرواحل

وهلم الخطب في ابن أبي سفيان، فلقد أضحكني الدهر بعد إبكائه.. " 4 - وفي مناظرة له مع بعض الصحابة، يسجل عليه السلام خلاصتها، بقوله:

" وقد قال قائل: إنك على هذا الأمر - يا بن أبي طالب - لحريص!

فقلت: بل أنتم - والله - لأحرص، وأبعد، وأنا أخص وأقرب.

وإنما طلبت حقا لي، وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه.

فلما قرعته بالحجة في الملأ الحاضرين، هب كأنه بهت لا يدري ما يجيبني به "!

ثم يقول عليه السلام مواصلا كلامه:

(1) المصدر: 231 الخطبة رقم 162.

(2) الوضين: حزام عريض يشد به الرحل على البعير، فإذا قلق اضطرب الرحل فقل ثبات الجمل في سيره.

(3) النوط: التعلق والالتصاق.

(4) الأثرة: ضد الايثار، وهي احتكار الشئ دون مستحقه.


166

" اللهم إني أستعديك على قريش، ومن أعانهم، فإنهم قطعوا رحمي، وصغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمرا هو لي، ثم قالوا: ألا أن في الحق أن تأخذه، وفي الحق أن تتركه " (1).

أيصح بعد هذا - يا أخي - أن نمضي وراء تأويل المتأولين، وندع كلام أمير المؤمنين، وإمام المتقين؟!

5 - وفي أمر الخلافة أيضا، يقول عليه السلام:

" واعجباه، أتكون الخلافة بالصحابة والقرابة؟ ".

وروي له شعر في هذا المعنى:

فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم

فكيف بهذا والمشيرون غيب؟!

وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم

فغيرك أولى بالنبي وأقرب (2)

(1) المصدر: 246 - الخطبة - 172.

(2) المصدر: 502 قسم الحكم، الرقم - 190 -.

هكذا أورد هذا النص هنا، ووافقه محمد عبدة في شرحه 3: 195 برقم 190، وابن ميثم البحراني في الشرح الكبير ج 5: 341 برقم 176، وجاء عند غيرهم هكذا: " واعجباه، أتكون الخلافة بالصحابة ولا تكون بالصحابة والقرابة! " كما في نهج البلاغة بشرح القطب الراوندي 3: 331، وبشرح ابن أبي الحديد 18: 416 / 185، وبتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم 2: 349 / 185، ومصادر نهج البلاغة 4: 125 / 190، والشرح الوسيط لابن ميثم - إختيار مصباح السالكين -:

623 / 176، وفي خصائص الأئمة للشريف الرضي: 111، وغرر الحكم للآمدي 2: 306 / 64 والنسخة الخطية المكتوبة سنة 494 الوجه 278 وهي غير النسخ التي اعتمدها أبو الفضل إبراهيم.

‌>


167

6 - وبعد، فإن كل ما تقدم يبسطه الإمام عليه السلام في واحدة من نفائس خطبه، وهي الخطبة المسماة ب‍ " الشقشقية " وتشمل على الشكوى من أمر الخلافة، ثم ترجيح صبره عنها، ثم مبايعة الناس له (1)، قال فيها:

" أما والله لقد تقمصها (2) فلان وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحا، ينحدر عني السيل، ولا يرقى إلي الطير.

فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا.

وطفقت أرتئي بين: أن أصول بيد جذاء (3)، أو أصبر على طخية (4) عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير،

<‌

وحديثه عليه السلام هذا في النثر والنظم موجه إلى أبي بكر وعمر، فعلى الوجه الأخير، قال ابن أبي الحديد: أما النثر فإلى عمر توجيهه، لأن أبا بكر لما قال لعمر - في السقيفة - أمدد يدك، قال له عمر: أنت صاحب رسول الله في المواطن كلها، فهلا سلمت الأمر إلى من قد شركه في ذلك، وزاد عليه بالقرابة! وأما النظم فموجه إلى أبي بكر لأنه حاج الأنصار في السقيفة فقال: نحن عترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما بويع احتج على الناس بالبيعة وأنها صدرت عن أهل الحل والعقد.

فقال عليه السلام: أما احتجاجك على الأنصار بأنك من بيضة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فغيرك أقرب إليه منك، وأما احتجاجك برضا الجماعة بك، فقد كان قوم من جملة الصحابة غائبين لم يحضروا العقد فكيف يثبت!

وأما على الوجه الأول، فهو عليه السلام يستنكر أن تكون الصحابة والقرابة شرطا كافيا للخلافة، بل لا بد من مرجح حقيقي، كالنص من النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأهلية لهذا الأمر.

وأما النظم فسوف يكون فيه هنا مزيدا من الاستنكار، فهو مع استنكاره الاحتجاج بالصحابة والقرابة في هذا الأمر، يقول إنهما لم يتما لأبي بكر بل إنها جميعا عنده عليه السلام أتم وأكمل.

وأيا كان النص الصادر عنه عليه السلام فهو نص صريح على حقه في الخلافة، وأنه عليه السلام أولى بها من غيره.

(1) هكذا وصفها في المصدر: 48 الخطبة رقم - 3 -.

(2) تقمصها: لبسها كالقميص.

(3) الجذاء: المقطوعة.

(4) طخية: ظلمة.


168

ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه!

فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى.

فصبرت، وفي العين قذى، وفي الحلق شجا، أرى تراثي (1) نهبا.

حتى مضى الأول لسبيله، فأدلى بها إلى فلان بعده ".

ثم تمثل - عليه السلام - بقول الأعشى:

شتان ما يومي على كورها

ويوم حيان أخي جابر

" فيا عجبا!! بينا هو يستقيلها (2) في حياته، إذ عقدها لآخر بعد وفاته!

لشد ما تشطرا ضرعيها (3).

فصيرها في حوزة خشناء، يغلظ كلمها (4)، ويخشن مسها، ويكثر العثار (5) فيها، والاعتذار منها.

فصاحبها كراكب الصعبة، إن أشنق لها خرم (6)، وإن أسلس لها تقحم (7)، فمني الناس - لعمر الله - بخبط وشماس (8) وتلون واعتراض (9).

فصبرت، على طول المدة، وشدة المحنة.

حتى إذا مضى لسبيله، جعلها في جماعة زعم أني أحدهم!

(1) التراث: الميراث.

(2) يستقيلها: يطلب إعفاءه منها - وهو إشارة إلى قول أبي بكر: أقيلوني أقيلوني..

(3) تشطرا ضرعيها: اقتسماه، فأخذ كل منهما شطرا.

(4) كلمها: جرحها، كأنه يقول: خشونتها تجرح جرحا غليظا.

(5) العثار: السقوط والكبوة.

(6) أشنق البعير: كفه بزمامه، وخرم: قطع.

(7) أسلس: أرخى، وتقحم: رمى بنفسه في القحمة أي الهلكة.

(8) خبط: سير على غير هدى، والشماس: إباء الفرس عن الركوب.

(9) الاعتراض: السير على غير خط مستقيم، كأنه يسير عرضا في حال سيره طولا.


169

فيا لله وللشورى، متى اعترض الريب في مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر!

لكني أسففت(1) إذ أسفوا، وطرت إذ طاروا.

فصغا رجل منهم لضغنه (2)، ومال الآخر لصهره، مع هن وهن (3).

إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه (4) بين نثيله (5) ومعتلفه (6).

وقام معه بنو أبيه، يخضمون (7) مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع، إلى أن انتكث عليه فتله، وأجهز عليه عمله، وكبت به بطنته.

فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إلي، ينثالون علي من كل جانب..

فلما نهضت بالأمر، نكثت طائفة..

ومرقت أخرى..

وقسط آخرون، كأنهم لم يسمعوا الله سبحانه يقول: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) (8)!

بلى والله، لقد سمعوها ووعوها، ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم، وراقهم زبرجها... ".

إلى آخر خطبته حتى قام إليه رجل من أهل السواد فناوله كتابا، فقال

(1) أسف الطائر: دنا من الأرض.

(2) صغا: مال والضغن: الضغينة والحقد.

(3) مع هن وهن: أي أغراض أخرى أكره ذكرها.

(4) نافجا حضنيه: رافعا لهما. والحضن: ما بين الإبط والكشح، يقال للمتكبر: جاء نافجا حضنيه.

(5) النثيل: الروث وقذر الدواب.

(6) المعتلف: موضع العلف.

(7) الخضم: أكل الشئ الرطب.

(8) القصص: 83.


170

له ابن عباس: يا أمير المؤمنين، لو اطردت خطبتك من حيث أفضيت.

فقال - عليه السلام -: " هيهات - يا بن عباس - تلك شقشقة هدرت، ثم قرت ".

قال ابن عباس: فوالله ما أسفت على كلام قط كأسفي على هذا الكلام ألا يكون أمير المؤمنين عليه السلام بلغ منه حيث أراد.

فقل للمتأولين: هيهات ألا تخضعوا، وتقروا بكونه عليه السلام موقنا بحقه في خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مجتهدا في بيان ذلك في شتى المناسبات، وإنما كان سكوته - حينا - على مضض:

" فصبرت، وفي العين قذى، وفي الحلق شجا "!

وذلك بعد أن لم يجد سبيلا لانتزاع حقه: " وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء، أو أصبر على طخية عمياء "!

وقد قال عليه السلام في مناسبة أخرى، يصف حاله قبل أن يبايع لأحد (1):

" فنظرت، فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي، فضننت بهم عن الموت، وأغضيت على القذى، وشربت على الشجا، وصبرت على أخذ الكظم (2)، وعلى أمر من طعم العلقم ".

- فهل يمكن أن يؤتى ببيان أوضح من هذا؟

أم مع بيان كهذا يذهب المرء هنا وهناك بحثا عن تأويل يلوذ وراءه؟!

(1) المصدر: 68 الفقرة الثانية من الخطبة رقم - 26 -.

(2) الكظم: مخرج النفس، والمراد أنه صبر على الإختناق.


171

كلا، لا مناص من الاعتراف، بل والاعتقاد بحقه الذي صرح فيه عليه السلام غير مرة.

وكذا فلا مفر - من جهة أخرى - من حصر خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم به وحده، لا غير.

وإنما " تقمصها فلان "!

" ثم عقد بها لآخر بعد وفاته، ولشد ما تشطرا ضرعيها "!

" ثم قام ثالث القوم نافجا حضنيه ".

فما لي بعد هذا لا أذعن للحقيقة!

وأي شئ أكون به أشد فخرا من اتباع الحق بعد معرفته؟

وهل الدين غير هذا؟

أم أمرنا نحن بغيره؟

" رب اشرح لي صدري ".


172


173

ثم انزوى الحق!


174


175

وراء السقيفة:

بأي حق كان؟

وكيف كانت البيعة؟

وبالخصوص، كيف تعاملوا مع أهل بيت النبي المصطفى لأجل البيعة؟

هذا ما يتناوله - بإيجاز - هذا الفصل...

فمما لا يغيب على من لديه أدنى اطلاع على التاريخ الإسلامي أن بيعة السقيفة قد تمت، ولما يجهز بعد جثمان رسول الله الطاهر...!

وفي ساعة كان الإمام علي، وبنو هاشم، وجمع من المهاجرين والأنصار ينهمكون بهذا الواجب...!

وجاء البراء بن عازب، فضرب الباب على بني هاشم، وقال: يا معشر بني هاشم بويع أبو بكر!

فقال بعضهم: ما كان المسلمون يحدثون حدثا نغيب عنه، ونحن أولى بمحمد.

فقال العباس: فعلوها ورب الكعبة.


176

وكان المهاجرون والأنصار لا يشكون في علي (1).

وتخلف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والأنصار، ومالوا مع علي بن أبي طالب، منهم:

العباس بن عبد المطلب، والفضل بن العباس، والزبير بن العوام، وخالد بن سعيد، والمقداد بن عمرو، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، وعمار ابن ياسر، والبراء بن عازب، وأبي بن كعب (2).

ثم إن أبا بكر تفقد قوما تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه، فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار علي، فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب!

وقال: والذي نفس عمر بيده، لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها.

فقيل له: يا أبا حفص، إن فيها فاطمة!

فقال: وإن (3)!!!

فأتى عمر أبا بكر، فقال له: ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة؟

فقال أبو بكر لقنفذ - وهو مولى له -: اذهب، فادع لي عليا.

فذهب إلى علي، فقال له - علي -: ما حاجتك؟

فقال: يدعوك خليفة رسول الله.

(1) تاريخ اليعقوبي 2: 124، ابن أبي الحديد 6: 21، الإستيعاب - بهامش الإصابة - 3:

550 - ترجمة النعمان بن العجلان - (2) تاريخ اليعقوبي 2: 124، تاريخ أبي الفداء 2: 63، ابن أبي الحديد: 2: 49، 56 و 6: 11، وزاد في 1: 220 حذيفة، وابن التيهان، وعبادة بن الصامت، وتاريخ الطبري 3: 198، الكامل في التاريخ 2: 325، 331، تاريخ الخلفاء: 51 ولم يذكروا الأسماء.

(3) تاريخ الطبري 3: 198، الإمامة والسياسة 1: 12، العقد الفريد 5: 12، ابن أبي الحديد 2: 56، 6: 48، 20: 147، مروج الذهب 3: 77، تاريخ أبي الفداء 2: 64 أعلام النساء 4: 114 باختلاف في اللفظ.


177

فقال علي: " لسريع ما كذبتم على رسول الله "!

فرجع، فأبلغ أبا بكر الرسالة، فبكى أبو بكر طويلا!

فقال عمر - الثانية -: لا تمهل هذا المتخلف عنك في البيعة.

فقال أبو بكر لقنفذ: عد إليه، فقل له: خليفة رسول الله يدعوك لتبايع.

فجاءه قنفذ، فأدى ما أمر به، فرفع علي صوته، فقال: " سبحان الله، لقد ادعى ما ليس له ".

فرجع قنفذ، فأبلغ الرسالة. فبكى أبو بكر طويلا..

ثم قام عمر، فمشى معه جماعة، حتى أتوا باب فاطمة، فدقوا الباب.

فلما سمعت أصواتهم، نادت بأعلى صوتها: " يا أبت، يا رسول الله، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب، وابن أبي قحافة؟! ".

فلما سمع القوم صوتها، وبكاءها، انصرفوا باكين، وكادت قلوبهم تنصدع، وأكبادهم تنفطر، وبقي عمر! ومعه قوم!

" وبقي عمر، ومعه قوم ".

فأخرجوا عليا، فمضوا به إلى أبي بكر..

فقال له: بايع.

فقال: " إن أنا لم أفعل فم؟ " قالوا: إذن والله الذي لا إله إلا هو، نضرب عنقك!!

فقال: إذن تقتلون عبد الله، وأخا رسوله ".

قال عمر: أما عبد الله فنعم، وأما أخو رسول الله فلا!!

وأبو بكر ساكت!

فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك؟

فقال: لا أكرهه على شئ ما كانت فاطمة إلى جنبه!!

فلحق علي بقبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصيح ويبكي،


178

وينادي: (ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني) (1).

إقرأ إلى هنا وتعجب، فما أعظمها من جرأة!

مرة.. جرأة على بيت علي وفاطمة، وإضرام النار حوله، أو هدمه كما قال آخرون (2)!

تلك الجرأة التي سجلها حافظ إبراهيم - شاعر النيل - في أبيات يعجب قارئها مرتين: مرة من هول المشهد، ومرة من موقف الإنسان الشاعر تجاهه، حيث يقول في قصيدته العمرية:

وقولة لعلي قالها عمر

أكرم بسامعها أعظم بملقيها

حرقت دارك لا أبقي عليك بها

إن لم تبايع، وبنت المصطفى فيها!!

ما كان غير أبي حفص بقائلها

أمام فارس عدنان وحاميها!!! (3)

بل أعظم بها من مصيبة، وأعجب لها من جرأة.

ومرة:

في إنكار حقيقة لا تخفى على أحد من المسلمين، بل حتى المشرك والمنافق كان يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد آخى عليا، وقال له: " أنت أخي في الدنيا والآخرة " (4).

(1) الإمامة والسياسة: 12 - 13، ابن أبي الحديد 2: 56 و 6: 11، الفتوح لابن أعثم 1:

13، أعلام النساء 4: 114 - 115، تاريخ اليعقوبي - مختصرا - 2: 126.

(2) تاريخ اليعقوبي 2: 126.

(3) ديوان حافظ إبراهيم 1: 82 " ط 1937 ".

(4) أنظر: سنن الترمذي 5: 636 / 3720، مسند أحمد 1: 230، مصابيح السنة 4: 173 / 4769، المستدرك 3: 14، جامع الأصول 9: 468 / 6475، أسد الغابة 2: 221 و 4:

16، 29، الإستيعاب 3: 35، الطبقات الكبرى 3: 22، مجمع الزوائد 9: 112، ابن

‌>


179

فكيف أنكرها من كان علمه بها علم اليقين؟!

إقرأ إلى جنب هذا ما أوصى به رسول الله عليا، بقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: " أنت أخي، وأنا أخوك، فإن ذاكرك أحد فقل: أنا عبد الله وأخو رسوله، لا يدعيها بعدك إلا كاذب " (1).

ثم هل تعجب ممن ينكر حقيقة جلية كهذه إن هو أنكر ما هو أخطر منها، كأمر الولاية؟ الولاية التي أقر بها فيما بعد حتى عمرو بن العاص وهو يقود الحرب على علي في صفين! إذ قدم على معاوية رجل من همذان، يقال له (برد) فسمع عمرا يقع في علي عليه السلام، فقال له: يا عمرو، إن أشياخنا سمعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " من كنت مولاه فعلي مولاه " فحق ذلك، أم باطل؟

فقال عمرو: حق، وأنا أزيدك: أنه ليس أحد من صحابة رسول الله له مناقب مثل مناقب علي (2).

ومرة:

في الجرأة على قتل علي بن أبي طالب! وهو هو، وهم أدرى بمقامه!

،، إذن والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك،، ،، وأبو بكر ساكت، فقال عمر: ألا تأمر فيه بأمرك؟

فقال: لا أكرهه على شئ ما كانت فاطمة إلى جنبه،، ترى، إن لم تكن فاطمة آنذاك إلى جنبه، فماذا؟!

<‌

أبي الحديد 6: 167، الصواعق المحرقة: 122، تاريخ الخلفاء: 135، الترجمة لابن عساكر 1: 117 / 141 - 150، البداية والنهاية 7: 348، كنز العمال 11 / 32879.

(1) أخرجه أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة 2: 617 / 1055، وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص: 22 وأثبت صحته.

(2) الإمامة والسياسة: 109.


180

أقول هذا، وأترك الحكم لكم..

ثم لماذا كان عمر وراء كل ذلك؟

الجواب تعرفه عن أبي السبطين عليه السلام، في القصة ذاتها:

إذ يقول: ثم إن عليا كرم الله وجهه أتي به إلى أبي بكر، وهو يقول:

" أنا عبد الله، وأخو رسوله ".

فقيل له: بايع أبا بكر.

فقال: " أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتأخذونه منا أهل البيت غصبا؟!

" نحن أولى برسول الله حيا وميتا، فأنصفونا إن كنتم تؤمنون، وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون ".

فقال له عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع.

فقال له علي: " إحلب حلبا لك شطره، واشدد له اليوم أمره، يردده عليك غدا " (1).

(1) الإمامة والسياسة: 11، ابن أبي الحديد 6: 11، والفتوح: 1: 13 باختلاف يسير.


181

ومع الزهراء عليها السلام

فبعد ما سمعت بما حل بسيدة النساء، من إضرام النار، واقتحام الدار وإيذاء علي أمام عينيها، وإفزاع بنيها بين يديها...

وصرختها وتظلمها: " يا أبت، يا رسول الله، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب، وابن أبي قحافة "!..

وبعد ذاك، كانت قضية فدك، وميراثها من أبيها صلى الله عليه وآله وسلم (1)..

قال اليعقوبي: وأتته فاطمة تطلب ميراثها من أبيها، فقال لها: قال رسول الله: إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة.

(1) جاء عن علي عليه السلام، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿وآت ذا القربى حقه دعا رسول الله فاطمة فأعطاها فدك.

أورده السيوطي في الدر المنثور 5: 273 - 274، قال أخرجه البزار، وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، وابن مردويه. وأورده الحسكاني في شواهد التنزيل 1: 338 من سبعة طرق، والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة: 119، والهيثمي في مجمع الزوائد 7: 49، وقال: فيه عطية العوفي، وهو ضعيف متروك.. والصحيح:

أن عطية العوفي كان صدوقا، هكذا قال العسقلاني في ترجمته إلا أنه رماه بالعلة التي لأجلها قالوا متروك، فقال: كان شيعيا!.. (تقريب التهذيب 2: 24 / 216). هذا وقد ورد الحديث عن غيره أيضا.


182

فقالت: أفي الله أن ترث أباك، ولا أرث أبي؟

أما قال رسول الله: " المرء يحفظ في ولده " (1)؟! ورغم أنها عليها السلام قد أشهدت عليا والعباس، وأم أيمن على حقها في هذه الأرض (2)، إلا أن الأمر قد انتهى عند ذلك الحد، ولم يتجدد له ذكر إلا بين أهله، حتى رجعت إليهم في عهد عمر بن عبد العزيز، ثم في عهد المأمون.

وقد ثبت عن أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب له إلى عامله على البصرة الصحابي عثمان بن حنيف الأنصاري، قوله: " بلى، كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء عليها فشحت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين، ونعم الحكم الله ".

قال ابن أبي الحديد: شحت أي بخلت، وسخت أي سامحت وأغضت، وليس يعني ها هنا بالسخاء إلا هذا، لا السخاء الحقيقي، لأنه عليه السلام وأهله لم يسمحوا بفدك إلا غصبا وقسرا (3).

ثم ما زالت فاطمة عليها السلام غضبى عليهما حتى توفيت (4)..

وحدث أنهما جاءا يوما يلتمسان رضاها!

فقالت لهما: " نشدتكما الله، ألم تسمعا رسول الله يقول: رضا فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني؟ ".

(1) تاريخ اليعقوبي 2: 127، الإمامة والسياسة: 14، أعلام النساء 4: 118 ابن أبي الحديد 16:

212.

(2) الإمام علي ومناوئوه للدكتور نوري جعفر: 216، وانظر ابن أبي الحديد 16: 216.

(3) ابن أبي الحديد 16: 208.

(4) صحيح البخاري 8: 266 / 3، وسيأتي ذكر المزيد من مصادره.


183

قالا: نعم سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قالت: " فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه " (1).

ترى هل كان صلى الله عليه وآله وسلم يريد بقوله هذا لفاطمة أن يمنحها من الدلال ما يمنحه الملوك لبناتهم؟ أم أراد أن يهبها ما لا يناله غيرها من حطام الدنيا وزينتها؟

أليس هو صلى الله عليه وآله وسلم الذي أبى لها أن تتخذ خادمة في بيتها، وأوصاها بدلا من ذلك بهذه التسبيحات المعروفة بعد كل صلاة!

ألم يكن صلى الله عليه وآله وسلم قد استنكر عليها عقدا كان نصيبها من سهم الغنائم، وقال لها: " نحن أهل البيت اختار الله لنا الآخرة "!

فماذا بقي من هذا الحديث الشريف " رضا فاطمة من رضاي " ونظائره غير أنه صلى الله عليه وآله وسلم أراد من ذلك أن يبين لنا وجوه تعبدنا، ومعالم ديننا، ويرسم لنا معالم الصراط المستقيم، فوضع لنا معايير ومقاييس نميز من خلالها الحق عن غيره، ونلتمس وراءها سبيل النجاة؟

وهذا هو معنى التعبد والطاعة والولاء، أن نلتمس رضاه صلى الله عليه وآله وسلم فيما أمرنا به، فنلتمس رضا من كان رضا رسول الله في رضاه وسخط رسول الله في سخطه.

والأمر هنا هكذا تماما، وليس خلافا شخصيا لنقف عنده على الحياد.

نعم، إنه بيان وبرهان يهدينا إلى معرفة مواضع رضا رسول الله، ومواضع سخطه، وفي أمر كهذا ليس هناك موضع للحياد.

ثم أرأيت أنه صلى الله عليه آله وسلم قد قال هذا الحديث ونظائره وهو

(1) الإمامة والسياسة: 13، أعلام النساء 4: 123 - 124.


184

لا يدري ماذا سيجري بعده لفاطمة؟ لقد أخبرها وزوجها عليهما السلام بما سيصيبهما بعده من الأثرة والأذى، وحتى وفاتهما (1). إذن قد قال ذلك وهو صلى الله عليه وآله وسلم يدري بما سيحصل بعده لأهل بيته خاصة وكفى بها موعظة.

وبعد فقد هجرته فاطمة عليها السلام فلم تكلمه حتى ماتت، ودفنها علي عليه السلام ليلا! ولم يؤذن بها أبا بكر، وقد مكثت بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ستة أشهر (2).

قال البيهقي فغضبت فاطمة، وهجرته فلم تكلمه حتى ماتت، ودفنها علي ليلا، ولم يؤذن بها أبا بكر، قالت عائشة: فكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عنه عند ذلك.

قال معمر: قلت للزهري: كم مكثت فاطمة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟

قال ستة أشهر.

فقال رجل للزهري: فلم يبايعه علي حتى ماتت فاطمة؟

قال: ولا أحد من بني هاشم (3).

عقيدتها في الخلافة:

أما عقيدة الزهراء عليها السلام في الخلافة فتكشفها هذه الحادثة

(1) الأخبار في ذلك كثيرة جدا وسيأتي بعضها في محله بإذن الله.

(2) المستدرك 3: 162، تاريخ المدينة 1: 110، تاريخ اليعقوبي 2: 115، ابن أبي الحديد 16: 218.

(3) السنن الكبرى للبيهقي 6: 300، ورواه البخاري في الصحيح 5: 288 / 256 - باب غزوة خيبر - ومسلم في صحيحه 3: 1380 / 52 - كتاب الجهاد والسير - والطبري في تاريخه 3:

202، وابن أبي الحديد 6: 46، والجزري في جامع الأصول 4: 482، وابن الأثير في (الكامل في التاريخ) 2: 331.

ومن هنا يتضح أن هذا الأمر متفق عليه بين أصحاب السنن وأصحاب السير.


185

الشهيرة، وهذا نص ابن قتيبة فيها، قال: وخرج علي كرم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على دابة ليلا في مجالس الأنصار تسألهم النصرة.

فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به.

فيقول علي كرم الله وجهه: أفكنت أدع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيته لم أدفنه، وأخرج أنازع الناس سلطانه؟!

فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم (1).

وإن خالطك الريب في شئ من هذا فأعد النظر في بيانات أمير المؤمنين المتقدمة لترى أنها قد جاءت مصاديق حية لهذه القصة:

كقوله عليه السلام: " وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء، أو أصبر على طخية عمياء ".

وقوله: " فنظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي، فضننت بهم عن الموت، وأغضيت على القذى، وشربت على الشجا.. ".

وغيرهم أيضا دعا..

لم يقتصر النداء بهذا الأمر، والدعوة إليه على علي وفاطمة عليهما السلام، بل ساهم فيه عدد كبير من أصحاب رسول الله وسادة المهاجرين والأنصار، وليس أحد ممن اعتصم مع علي عليه السلام فلم يبايع إلا وله فيه مواقف وكلمات.

ولم يتوقف الأمر هاهنا، ولم ينته كل شئ بمجرد أنهم بايعوا لأبي بكر..

(1) الإمامة والسياسة 1: 12، ابن أبي الحديد 2: 47، 6: 13، أعلام النساء 4: 114.


186

بل ما زال عقيدة تبيت في الصدور، تنتظر يوما تتنفس فيه..

وقد حصل هذا غير مرة، وأينما وجد أصحابه الفرصة السانحة، وإن طال العهد، وتعاقبت السنون، ومضى رجل بعد رجل، حتى وجد بعضهم فرصته في أيام خلافة عثمان بن عفان..

ومن ذاك: كلام صادق اللهجة أبي ذر الغفاري..

إذ وقف خطيبا بباب المسجد النبوي الشريف، فنادى في الجمع، قائلا: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر الغفاري، أنا جندب بن جنادة الربذي..

(إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين*ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم).

محمد الصفوة من نوح، فالأول من إبراهيم، والسلالة من إسماعيل.

والعترة الهادية من محمد.. إنه شرف شريفهم، واستحقوا الفضل في قوم، هم فينا كالسماء المرفوعة، وكالكعبة المستورة، وكالقبلة المنصوبة، أو كالشمس الضاحية، أو كالقمر الساري، أو كالنجوم الهادية، أو كالشجر الزيتونية، أضاء زيتها، وبورك زبدها..

ومحمد وارث علم آدم وما فضل به النبيون..

وعلي بن أبي طالب وصي محمد، ووارث علمه..

أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها! أما لو قدمتم من قدم الله، وأخرتم من أخر الله، وأقررتم الولاية والوراثة في أهل بيت نبيكم، لأكلتم من فوق رؤوسكم، ومن تحت أقدامكم..

ولما عال (1) ولي الله، ولا طاش سهم من فرائض الله، ولا اختلف اثنان

(1) عال أي افتقر.


187

في حكم الله إلا وجدتم علم ذلك عندهم من كتاب الله وسنة نبيه.

فأما إذا فعلتم ما فعلتم، فذوقوا وبال أمركم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (1).

المقداد بن عمرو:

ومن ذلك، كلام المقداد بن عمرو في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، جاثيا على ركبتيه، يتلهف تلهف من كأن الدنيا كانت له فسلبها!.

وهو يقول: واعجبا لقريش ودفعهم هذا الأمر عن أهل بيت نبيهم!

وفيهم أول المؤمنين، وابن عم رسول الله، أعلم الناس، وأفقههم في دين الله، وأعظمهم عناء في الإسلام، وأبصرهم بالطريق، وأهداهم للصراط المستقيم..!!

والله لقد زووها عن الهادي المهتدي، الطاهر النقي، وما أرادوا صلاحا للأمة، ولا صوابا في المذهب!

ولكنهم آثروا الدنيا على الآخرة، فبعدا وسحقا للقوم للظالمين (2).

وحتى معاوية:

وقد كتب إليه محمد بن أبي بكر رضي الله عنه كتابا، منه قوله مقارنا بينه وبين علي عليه السلام، قال فيه: وهو هو، السابق المبرز في كل خير، أول الناس إسلاما وأصدق الناس نية، وأطيب الناس ذرية، وأفضل الناس زوجة، وخير الناس ابن عم.

(1) تاريخ اليعقوبي 2: 171، وذكر أولها ابن قتيبة في (المعارف): 146.

(2) تاريخ اليعقوبي 2: 163.


188

وأنت اللعين ابن اللعين، لم تزل أنت وأبوك تبغيان لدين الله الغوائل..

فكتب إليه معاوية كتابا، فيه: قد كنا وأبوك معنا في حياة نبينا نرى حق ابن أبي طالب لازما لنا، وفضله مبرزا علينا، فلما اختار الله لنبيه ما عنده، وأتم له ما وعده، وأظهر دعوته، وأفلج حجته، قبضه الله إليه، فكان أبوك وفاروقه أول من ابتزه وخالفه، على ذلك اتفقا واتسقا.

ثم دعواه إلى أنفسهم، فأبطأ عنهما، وتلكأ عليهما، فهما به الهموم، وأرادا به العظيم! فبايعهما، وسلم لهما، لا يشركانه في أمرهما، ولا يطلعانه على سرهما (1).

وهكذا، فكلما تهيأت الأسباب، وسنحت الفرصة ظهر من هذا الحق شئ، حتى بلغتنا أشياء يطول جمعها.

(1) مروج الذهب 3: 12 - 13، وقعة صفين لنصر بن مزاحم: 118 - 120، ابن أبي الحديد 3: 188 - 189.


189

من الدلائل النبوة

وخلاصة ما جرى مع أهل البيت في هذا العهد يعطينا معالمها عدد ليس بالقليل من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، اخترنا منها هنا أربعة فقط لننتقل بعدها إلى العهد الآخر.

1 - أخرج الحاكم في المستدرك عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي عليه السلام: " أما إنك ستلقي بعدي جهدا ".

قال: في سلامة من ديني؟

قال صلى الله عليه وآله وسلم: " في سلامة من دينك " (1).

2 - كان علي عليه السلام مريضا، وقد عاده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر وعمر معه، فقال أحدهما للآخر: ما أراه إلا هالكا!

فقال صلى الله عليه وآله وسلم: " إنه لن يموت إلا مقتولا، ولن يموت حتى يملأ غيظا " (2).

3 - وعنه عليه السلام قال: " إن مما عهد إلي النبي صلى الله عليه وآله

(1) المستدرك 3: 140 وقال: صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

(2) المستدرك 3: 139، الكامل في التاريخ 3: 387.


190

وسلم أن الأمة ستغدر بي بعده ".

وفي لفظ آخر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي " إن الأمة ستغدر بك بعدي " (1).

4 - عن علي عليه السلام، قال: " بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آخذ بيدي، ونحن نمشي في بعض سكك المدينة إذ أتينا على حديقة، فقلت: يا رسول الله، ما أحسنها من حديقة! فقال: لك في الجنة أحسن منها.

ثم مررنا بأخرى، فقلت: يا رسول الله، ما أحسنها من حديقة!

قال: لك في الجنة أحسن منها. ثم مررنا بسبع حدائق كل ذلك أقول:

ما أحسنها. ويقول: لك في الجنة أحسن منها..

فلما خلا له الطريق اعتنقني ثم أجهش باكيا.

قلت: يا رسول الله، ما يبكيك؟

قال: ضغائن في صدور أقوام، لا يبدونها لك إلا من بعدي " (2)!

(1) المستدرك 3: 140 وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ابن عساكر في الترجمة 3: 148 / 1164 - 1168، دلائل النبوة 6: 440، تذكرة الحفاظ 3: 995، البداية والنهاية 7: 338 ابن أبي الحديد 6: 45، تاريخ بغداد 11: 216، كنز العمال 11 / 32997، الخصائص الكبرى 2: 235.

(2) مسند أبي يعلى الموصلي 1: 426 / 305، وصححه الحاكم في المستدرك 3 / 139، ابن أبي الحديد 4: 107، الرياض النضرة 3: 184، مجمع الزوائد 9: 118، المناقب للخوارزمي: 26، كنز العمال 13: 176 / 46533.


191

مجمل ما لقي أهل البيت

وقصة الوضع في الحديث


192


193

فصول القصة

نأتي هنا على وصف مجمل لحال أهل البيت (عليهم السلام) في العهدين الأموي والعباسي إذ إن التفصيل في هذا يعني أن نمضي مع كل واحد منهم عليهم السلام امتداد حياته، وليس هذا بخفي على من تتبع التاريخ.

ومعه ستأتي قصة الوضع في الحديث لما بين الأمرين من تلازم وثيق، إذ إن سياسة إبعادهم وامتهانهم عليهم السلام كانت تستلزم على الدوام عملا ثقافيا وفكريا موازيا يدعمها ويبرر خطواتها، وليس أخطر في ذلك من الحديث المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم!

فبذلوا لذلك كل جهد، وسخروا كل ما وسعهم تسخيره بالاتجاهين معا:

اتجاه طمس فضائل ومناقب أهل البيت (عليه السلام).

واتجاه إطراء خصومهم، واختلاق المناقب لهم، ونسبة ذلك كله إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، في عمل منسق على شكل مراحل منتظمة ومتوالية!

وسنرى كل ذلك الآن..

أفرد ابن أبي الحديد في كتابه (شرح نهج البلاغة) فصلا بعنوان: " ذكر


194

ما مني به آل البيت من الأذى والاضطهاد " قال فيه:

وقد روي أن أبا جعفر محمد بن علي (عليه السلام) قال - لبعض أصحابه -: " يا فلان، ما لقينا من ظلم قريش إيانا، وتظاهرهم علينا! وما لقي شيعتنا ومحبونا من الناس!

إن رسول الله صلى عليه وآله وسلم قبض وقد أخبرنا أنا أولى الناس بالناس.

فتمالأت علينا قريش حتى أخرجت الأمر عن معدنه، واحتجت على الأنصار بحقنا وحجتنا، ثم تداولتها واحدا بعد واحد حتى رجع الأمر إلينا، فنكثت بيعتنا، ونصبت الحرب لنا!

ولم يزل صاحب الأمر في صعود كؤود حتى قتل!

وبويع الحسن ابنه، وعوهد، ثم غدر به وأسلم، ووثب عليه أهل العراق حتى طعن بخنجر في جنبه، ونهبت عسكره، وعولجت خلاخيل أمهات أولاده، فوادع معاوية، وحقن دمه ودماء أهل بيته، وهم قليل حق قليل.

ثم بايع الحسين من أهل العراق عشرون ألفا، ثم غدروا به، وخرجوا عليه وبيعته في أعناقهم، وقتلوه!

ثم لم نزل - أهل البيت - نستذل، ونستظام، ونقصى، ونمتهن، ونحرم، ونقتل، ونخاف ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا!.

ووجد الكاذبون الجاحدون - لكذبهم وجحودهم - موضعا يتقربون به إلى أوليائهم وقضاة السوء، وعمال السوء في كل بلدة، فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة ورووا عنا ما لم نقله ولم نفعله ليبغضونا إلى الناس.

وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية، بعد موت الحسن (عليه السلام).

فقتلت شيعتنا في كل مكان، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة!.


195

وكان من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو هدمت داره (1) "!.

هكذا إذن أقصي أهل البيت (عليهم السلام) عن مكانهم في خلافة رسول الله، إذ هم " أولى الناس بالناس ".

وجحدت منزلتهم، إذ هم ثاني الثقلين " كتاب الله، وعترتي أهل بيتي ".

ثم أقصوا حتى عن موقعهم في ترؤس ميدان الفقه وعلوم الشريعة، رغم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حقهم " فلا تقدموهم فتهلكوا، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم ".

ورغم زعامتهم في العلم والفقه وتفوقهم على سواهم، ورجوع غيرهم إليهم، حجر على فقههم، وحورب من كان يحمله عنهم، وقتل أتباعهم في كل مكان " وكان من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو هدمت داره!

ويواصل الإمام الباقر عليه السلام كلامه، فيقول:

" ثم لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين عليه السلام " (2).

- قاتل الحسين عليه السلام!!

الحسين عليه السلام: سبط النبي المصطفى، وريحانته، وثاني سيدي شباب أهل الجنة مع أخيه الإمام الحسن عليه السلام! وخامس أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا!

الحسين عليه السلام الذي قال فيه جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط " (3)!

(1) ابن أبي الحديد 11: 43.

(2) المصدر والصفحة.

(3) التاريخ الكبير للبخاري 8: 415 / 3536، سنن الترمذي 5: 658 / 3775، سنن ابن ماجة 1

‌>


196

الحسين السبط عليه السلام يراد منه قسرا أن يبايع ليزيد - صاحب الخمرة والمجون! - فلم يجد أمامه إلا أن يخرج من مدينة جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم قاصدا العراق بعد أن أتته كتب أهلها بالبيعة والولاء، فيستشهد بينهم في وقعة، بل مأساة لم تشهد لها الدنيا نظيرا! وقد تهيأ له عليه السلام أن يقف فيهم خطيبا، فقال:

" أيها الناس، إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من رأى سلطانا جائرا، مستحلا لحرم الله، ناكثا لعهد الله، مخالفا لسنة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير ما عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله أن يدخله مدخله.

ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفئ وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله، وأنا أحق من غير، وقد أتتني كتبكم ورسلكم ببيعتكم، وأنكم لا تسلموني ولا تخذلوني، فإن أقمتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم.

وأنا الحسين بن علي ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسي مع أنفسكم وأهلي مع أهلكم، فلكم في أسوة... " (1). فلما لمن يكن منهم إلا قتاله ومن معه من أهل بيته وأصحابه، ركب عليه السلام راحلته وتقدم إلى جيش يزيد، ونادى بصوت عال يسمعه كل الناس، فقال:

<‌

51 / 144، مسند أحمد 4: 172، المستدرك على الصحيحين 3: 177، مصابيح السنة 4: 195 / 4833، أسد الغابة 2: 19، تهذيب تاريخ دمشق الكبير 4: 318، الجامع الصغير 1: 575 / 3727، جامع الأصول 10: 21، سير أعلام النبلاء 3: 283، وغيرها كثير.

(1) الكامل في التاريخ 4: 48.


197

" أيها الناس اسمعوا قولي، ولا تعجلوني حتى أعظكم بما يجب لكم علي وحتى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم، فإن قبلتم عذري وصدقتم قولي وأنصفتموني كنتم بذلك أسعد ولم يكن لكم علي سبيل.

وإن لم تقبلوا مني العذر (فاجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون) (1) (إن ولي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين) (2) ".

فلما سمع أخواته قوله بكين، وصحن، وارتفعت أصواتهن، فأرسل إليهن أخاه العباس وابنه عليا ليسكتاهن، وقال: " لعمري، ليكثرن بكاءهن "!

فلما سكتن حمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله وعلى الأنبياء والملائكة وقال: " أما بعد، فانسبوني، فانظروا من أنا، ثم راجعوا أنفسكم فعاتبوها، وانظروا هل يصلح ويحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟

ألست ابن بنت نبيكم، وابن وصيه وابن عمه وأول المؤمنين بالله، والمصدق لرسوله؟

أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي؟ أو ليس جعفر الشهيد الطيار في الجنة عمي؟ أو لم يبلغكم قول مستفيض: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لي ولأخي: أنتما سيدا شباب أهل الجنة وقرة عين أهل السنة؟

فإن صدقتموني فيما أقول فهو الحق، والله ما تعمدت كذبا مذ علمت أن الله يمقت عليه أهله.

وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم: سلوا جابر

(1) سورة يونس: 71.

(2)سورة الأعراف: 196.


198

ابن عبد الله، أو أبا سعيد، أو سهل بن سعد، أو زيد بن أرقم، أو أنسا يخبروكم أنهم سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أما في هذا حاجز يحجزكم عن سفك دمي؟ ".

فقال له شمر: هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول!

ثم قال الحسين عليه السلام: " فإن كنتم في شك مما أقول أو تشكون في أني ابن بنت نبيكم؟

فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري، منكم ولا من غيركم.

أخبروني، أتطلبوني بقتيل منكم قتلته، أو بمال استهلكته، أو بقصاص من جراحة؟ ".

فلم يكلموه، فنادى: " يا شبث بن ربعي! ويا حجار بن أبجر! ويا قيس بن الأشعث! ويا زيد بن الحارث! ألم تكتبوا إلي في القدوم عليكم؟ ".

قالوا: لم نفعل!

فقال عليه السلام: " بل فعلتم - ثم قال - أيها الناس، إذ كرهتموني فدعوني أنصرف إلى مأمني من الأرض ".

فقال له قيس بن الأشعث: أولا تنزل على حكم ابن عمك؟ فإنك لا ترى إلا ما تحب.

فقال عليه السلام: " أنت أخو أخيك، أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل؟

لا والله، ولا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقر إقرار العبيد. عباد الله، إني عذت بربي وربكم أن ترجمون، أعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب " (1).

(1) الكامل في التاريخ 4: 61 - 62.


199

ولكن قست قلوبهم، فهي كالحجارة أو أشد قسوة فعزموا أن يرتكبوا الجريمة الكبرى، ويتوشحوا بالعار الأبدي!

فتقدم عمر بن سعد برايته، وأخذ سهما فرمى به، وقال: اشهدوا لي أني أول رام! ثم رمى الناس (1). فكانت الوقعة المأساة التي احتوت تفاصيل تقشعر لها الأبدان بل تهتز لها الأرض والسماء.

وقتل ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقتل معه سبعة عشر من أهل بيته، وكافة أصحابه وقطعت رؤوسهم وحملت على الرماح إلى عبيد الله بن زياد.

فجاءت كندة بثلاثة عشر رأسا! وجاءت بنو أسد بستة أرؤس!

وجاءت مذحج بسبعة أرؤس، وجاء سائر الجيش بسبعة أرؤس، فذلك سبعون رأسا (2) وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطى أم سلمة ترابا من تربة الحسين حمله إليه جبرئيل عليه السلام فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأم سلمة: " إذا صار هذا التراب دما فقد قتل الحسين " فحفظت أم سلمة ذلك التراب في قارورة عندها فلما قتل الحسين عليه السلام صار التراب دما، فأعلمت الناس بقتله (3).

وعن عبد الله بن نجي، عن أبيه، أنه سار مع علي عليه السلام وكان صاحب مطهرته، فلما حاذى نينوى - من أرض كربلاء - وهو سائر إلى صفين، فنادى علي: " اصبر أبا عبد الله (4) بشط الفرات ".

(1) المصدر 4: 65.

(2) المصدر 4: 91 - 92.

(3) المصدر 4: 93، تاريخ اليعقوبي 2: 245 - 246، الصواعق المحرقة: 193.

(4) في سير أعلام النبلاء: " ناداه علي " وهو تحريف، وأبو عبد الله هو الإمام الحسين عليه السلام.


200

قلت: وما ذاك؟

قال: " دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم، وعيناه تفيضان، فقال: قام من عندي جبرئيل، فحدثني أن الحسين يقتل، وقال: هل لك أن أشمك من تربته؟

قلت: نعم، فمد يده فقبض قبضة من تراب، فأعطانيها، فلم أملك عيني " (1).

وروي قريب منه عن أم سلمة أيضا وأنها احتفظت بذلك التراب عندها (2).

وحدث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في النوم نصف النهار، أشعث أغبر، وبيده قارورة فيها دم، فقلت:

يا رسول الله، ما هذا؟

قال: " هذا دم الحسين وأصحابه، لم أزل منذ اليوم ألتقطه ".

فأحصي ذلكم اليوم، فوجدوه قتل يومئذ (3).

وحدث أبو سعيد الأشج: حدثنا أبو خالد الأحمر، حدثنا رزين، قال:

حدثتني سلمى، قالت: دخلت على أم سلمة وهي تبكي، فقلت: ما يبكيك؟

قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - تعني في المنام - وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت: ما لك يا رسول الله؟

(1) مسند أحمد 1: 85، سير أعلام النبلاء 3: 288، البداية والنهاية 8: 201، الصواعق المحرقة:

193، مجمع الزوائد 9: 187 وقال: أخرجه البزار ورجاله ثقات.

(2) مسند أحمد 3: 242 و 265 و 294، سير أعلام النبلاء: 3: 288 - 289، مجمع الزوائد 9: 187 البداية والنهاية 8: 201، دلائل النبوة 6: 469، الصواعق المحرقة: 192.

(3) مسند أحمد 1: 283، تهذيب تاريخ دمشق الكبير لابن عساكر 4: 343، سير أعلام النبلاء 3:

315، البداية والنهاية 8: 202 وقال إسناده قوي.


201

قال: " شهدت قتل الحسين آنفا " (1).

فسلام على الحسين، وأولاد الحسين، وأنصار الحسين (2)..

ثم ماذا بعد مقتل الإمام الحسين عليه السلام؟

يواصل الإمام الباقر عليه السلام حديثه، فيقول: " ثم جاء الحجاج فقتلهم كل قتلة، وأخذهم بكل ظنة وتهمة، حتى أن الرجل ليقال له (زنديق) أو (كافر) أحب إليه من أن يقال (شيعة علي)!!

وحتى صار الرجل الذي يذكر بالخير - ولعله يكون ورعا صدوقا - يحدث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفصيل بعض من قد سلف من الولاة، ولم يخلق الله تعالى شيئا منها!

ولا كانت وقعت!

وهو يحسب أنها حق لكثرة من رواها ممن لم يعرف بالكذب، ولا بقلة ورع (3) "!

وأشبه شئ بكلام الإمام الباقر عليه السلام هذا حول الحديث والمحدثين ما أورده مسلم في مقدمة الصحيح، والخطيب البغدادي في تاريخه، عن محمد بن أبي عتاب:

قال حدثني عفان، عن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، عن أبيه، قال: لم نر الصالحين في شئ أكذب منهم في الحديث!

(1) سنن الترمذي 5: 657 / 3771، وتهذيب تاريخ دمشق الكبير 4: 343، سير أعلام النبلاء 3:

316، البداية والنهاية 8: 202.

(2) قصة مقتل الإمام الحسين عليه السلام في تاريخ الطبري 6: 194 - 270، الكامل في التاريخ 4:

19 - 91، تهذيب تاريخ دمشق الكبير 4: 329 - 346، مقتل الحسين للخوارزمي، البداية والنهاية 8: 152 - 214.

(3) ابن أبي الحديد 11: 44.


202

قال ابن أبي عتاب: فلقيت أنا محمد بن يحيى بن سعيد القطان فسألته عنه، فقال عن أبيه: لم نر أهل الخير في شئ أكذب منهم في الحديث (1).

أما كيف بلغ الأمر هذه الدرجة من الخطورة، فإليك قصته كاملة:

قال ابن أبي الحديد: روى المدائني في كتاب (الأحداث) قال:

كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمة ممن روى شيئا في فضل أبي تراب، وأهل بيته.

فقامت الخطباء في كل كورة، وعلى كل منبر يلعنون عليا، ويبرؤون منه، ويقعون فيه وفي أهل بيته!

وكان أشد الناس بلاء أهل الكوفة لكثرة ما بها من شيعة علي عليه السلام، فاستعمل عليهم زياد بن سمية، وضم إليه البصرة، فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف لأنه كان منهم أيام علي عليه السلام، فقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم، وشردهم فلم يبق فيها معروف منهم..

وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق ألا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة.

وكتب إليهم: أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل بيته، والذين يروون فضائله ومناقبه، فأدنوا مجالسهم، وقربوهم، واكتبوا لي بكل ما يروي كل رجل منهم، واسمه واسم أبيه وعشيرته.

ففعلوا ذلك، حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع، ويفيضه عليهم في العرب والموالي وكثر ذلك في كل مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فلبثوا بذلك حينا.

(1) صحيح مسلم - المقدمة - 1: 17 - 18، تاريخ بغداد 2: 98.


203

ثم كتب إلى عماله: إن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر، وفي كل وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين.

ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإن هذا أحب إلي، وأقر لعيني، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته، وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضائله.

فقرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجد الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، وألقي إلى معلمي الكتاتيب، فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع، حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن، وحتى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله.

ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: انظروا من قامت عليه البينة أنه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاء رزقه!

وشفع ذلك بنسخة أخرى: من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به، واهدموا داره!

فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه في العراق، ولا سيما بالكوفة.

فظهر حديث كثير موضوع، وبهتان منتشر..

ومضى على ذلك الفقهاء، والقضاة، والولاة، وكان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراءون، والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند الأئمة، يصيبوا به الأموال والضياع والمنازل!.

حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان، فقبلوها ورووها وهم يظنون أنها حق، ولو علموا أنها باطلة لما رووها، ولا تدينوا بها!!


204

فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن علي عليه السلام، فازداد البلاء والفتنة، فلم يبق أحد من هذا القبيل إلا وهو خائف على دمه، أو طريد في الأرض!

ثم تفاقم الأمر بعد قتل الحسين عليه السلام.

وولي عبد الملك بن مروان فاشتد على الشيعة.

وولي عليهم الحجاج فتقرب إليه أهل النسك والصلاح والدين ببغض علي، وموالاة أعدائه، وموالاة من يدعي من الناس أنه من أعدائه.

فأكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم.

وأكثروا من الغض من علي عليه السلام وعيبه، والطعن فيه، والشنآن به!.

حتى أن إنسانا وقف للحجاج فصاح به: أيها الأمير، إن أهلي عقوني فسموني عليا، وأنا فقير بائس!

فتضاحك له الحجاج، وقال: للطف ما توسلت به قد وليتك موضع كذا!

- فلم يقتصر الأمر على ما كان في عهد معاوية إذن.

قال ابن أبي الحديد: وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه (1) - وهو من أكابر المحدثين - في تاريخه ما يناسب هذا الخبر، وقال: إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة اختلقت في أيام بني أمية تقربا إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم (2)!

(1) وهو محمد بن عرفة بن سليمان، أبو عبد الله: الحافظ النحوي الأخباري، تعلم اللغة على ثعلب والمبرد، وتفقه على داود - إمام الظاهرية - وكان ذا سنة ودين وفتوة ومروءة، وصار رأسا في رأي أهل الظاهر، وله تصانيف منها: (غريب القرآن) و (تاريخ الخلفاء) أو (الإمامة) وغيرها، توفي سنة 323 هـ‍. سير أعلام النبلاء 15: 75 / 42، وفيات الأعيان 1: 47 / 12.

(2) شرح نهج البلاغة 11: 44 - 46.


205

وقال أبو معاوية الضرير: بعث هشام بن عبد الملك إلى الأعمش: أن اكتب لي مناقب عثمان، ومساوئ علي.

فأخذ الأعمش القرطاس وأدخلها في فم الشاة فلاكتها، وقال لرسوله:

قل له: هذا جوابك (1).

والأمر - إلى هنا - يوجزه الإمام أحمد بن حنبل في رده على ولده عبد الله وقد سأله عن علي ومعاوية، فقال له: اعلم أن عليا كان كثير الأعداء، ففتش له أعداؤه عيبا فلم يجدوا، فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه كيدا منهم له (2).

وقد صح أن بني أمية منعوا من إظهار فضائل علي عليه السلام وعاقبوا على ذلك الراوي له، حتى إن الرجل إذا روى عنه حديثا لا يتعلق بفضله بل بشرائع الدين لا يتجاسر على ذكر اسمه، فيقول: عن أبي زينب (3).

وقد روي عن الإمام الشافعي قوله:

إذا في مجلس ذكروا عليا

وسبطيه، وفاطمة الزكية

يقال: تجاوزوا يا قوم هذا

فهذا من حديث الرافضية

برئت إلى المهيمن من أناس

يرون الرفض حب الفاطمية (4)

وكان المغيرة بن شعبة يقول لصعصعة بن صوحان (5): إياك أن يبلغني

(1) وفيات الأعيان 2: 402 - ترجمة سليمان الأعمش.

(2) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 7: 81، الصواعق المحرقة باب 9 فصل 3: 127، تاريخ الخلفاء للسيوطي: 159.

(3) شرح نهج البلاغة 4: 73.

(4) فرائد السمطين 1: 135 / 98.

(5) هو أخو زيد بن صوحان، وقد أسلم على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يره لصغر سنه وكان سيدا من سادات قومه - عبد القيس - فصيحا خطيبا دينا فاضلا يعد في أصحاب علي عليه السلام

‌>


206

عنك أنك تعيب عثمان، وإياك أن يبلغني أنك تظهر شيئا من فضل علي، فأنا أعلم بذلك منك، ولكن هذا السلطان قد ظهر، وقد أخذ بإظهار عيبه للناس، فنحن ندع شيئا كثيرا مما أمرنا به ونذكر الشئ الذي لا نجد منه بدا ندفع به هؤلاء القوم عن أنفسنا.

فإن كنت ذاكرا فضله فاذكره بينك وبين أصحابك في منازلكم سرا وأما علانية في المسجد فإن هذا لا يحتمله الخليفة لنا (1).

وكان الحسن البصري يحدث فيقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو لم يدركه. فقال يونس بن عبيد: سألته، فقلت: يا أبا سعيد إنك تحدث فيقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنك لم تدركه؟

قال: يا ابن أخي لقد سألتني عن شئ ما سألني عنه أحد قبلك، ولولا منزلتك مني ما أخبرتك، إني في زمان كما ترى، كل شئ سمعتني أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو عن علي بن أبي طالب، غير أني في زمان لا أستطيع أن أذكر عليا (2).

بل تجاوز الأمر هذا الحد بكثير حتى أصبح الرجل يخشى حتى وهو في المنام - في عالم الرؤيا - أن يتهم بالقرب من علي عليه السلام.

فقد روى الخطيب عن الفتح بن شخرف، قال: حملتني عيني فنمت، فبينما أنا نائم إذا أنا بشخصين، فقلت للذي يقرب مني: من أنت يا هذا؟

فقال: من ولد آدم.

<‌

وقد شهد معه حروبه، وهو القائل لعمر بن الخطاب حين قسم المال الذي بعثه إليه أبو موسى، فخطب الناس فقال: أيها الناس قد بقيت لكم فضلة بعد حقوق الناس. فقام صعصعة وهو غلام شاب وقال: يا أمير المؤمنين، إنما تشاور الناس فيما لم ينزل فيه قرآن، فأما ما نزل فيه القرآن فضعه مواضعه التي وضعه الله عز وجل فيها. فقال: صدقت، أنت مني وأنا منك. وصعصعة ممن سيره عثمان إلى الشام، وتوفي أيام معاوية. أسد الغابة 3: 20.

(1) الكامل في التاريخ 3: 430.

(2) تهذيب الكمال 6: 124.


207

قلت: كلنا من ولد آدم، فمن الذي وراءك؟

قال لي: علي بن أبي طالب.

قلت له: أنت قريب منه ولا تسأله؟!

قال: أخشى أن يقول الناس أني رافضي (1)!!

(1) تاريخ بغداد 12: 386.


208

نماذج من تلك الموضوعات

أولا: في المطاعن:

قال ابن الحديد: ذكر شيخنا أبو جعفر الإسكافي: أن معاوية وضع قوما من الصحابة، وقوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي عليه السلام تقتضي الطعن فيه والبراءة منه وجعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه!

منهم: أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين:

عروة بن الزبير.

ومن تلك الأحاديث:

1 - روى الزهري أن عروة بن الزبير حدثه، قال: حدثتني عائشة، قالت:

كنت عند رسول الله إذ أقبل العباس وعلي، فقال: " يا عائشة، إن هذين يموتان على غير ملتي، أو قال: ديني ".

وروى عبد الرزاق عن معمر، قال: كان عند الزهري حديثان عن عروة عن عائشة في علي عليه السلام، فسألته عنها يوما، فقال ما تصنع بهما وبحديثهما!

الله أعلم بهما، إني لأتهمهما في بني هاشم!.


209

2 - أما عمرو بن العاص، فروي عنه الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما مسندا متصلا بعمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء، إنما ولي الله وصالح المؤمنين " (1).

3 - وأما أبو هريرة، فروي عنه الحديث الذي معناه: أن عليا عليه السلام خطب ابنة أبي جهل في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأسخطه، فخطب على المنبر، لا ها الله! لا تجتمع ابنة ولي الله وابنة عدو الله أبي جهل! إن فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها، فإن كان علي يريد ابنة أبي جهل فليفارق ابنتي، وليفعل ما يريد.

أو كلام هذا معناه، والحديث أيضا مخرج في صحيحي البخاري ومسلم (2)!

4 - لما قدم أبو هريرة العراق على معاوية عام الجماعة جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه، ثم ضرب صلعته مرارا، وقال: يا أهل العراق، أتزعمون أني أكذب على الله وعلى رسوله، وأحرق نفسي بالنار!.

والله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " إن لكل نبي حرما، وإن حرمي ما بين عير إلى ثور (3) فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " وأشهد بالله أن عليا أحدث فيها!

فلما بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه، وولاه إمارة المدينة.

قال: فأما قول أبي هريرة: إن عليا عليه السلام أحدث في المدينة،

(1) مسلم 1:: 197 / 366، البخاري 8: 9 / 19 بدل طالب فلان، وزاد: ولكن لهم رحم أبلها ببلالها.

(2) البخاري 5: 95 / 222، مسلم 4: 1902 / 2449 عن المسور بن مخرمة. وقد عرف الحديث من رواية الكرابيسي المشهور ببغضه أهل البيت (ع) انظر تنزيه الأنبياء: 167، شرح النهج 4: 64.

(3) قيل: الصحيح " ما بين عير إلى أحد " وهما بالمدينة، أما ثور فهو بمكة. النهاية 1: 229.


210

فحاش لله، كان علي أتقى لله من ذلك، والله لقد نصر عثمان نصرا لو كان المحصور جعفر بن أبي طالب لم يبذل له إلا مثله.

5 - قال محفوظ: قلت ليحيى بن صالح الوحاضي: قد رويت عن مشايخ من نظراء حريز بن عثمان (1)، فما بالك لم تحمل عن حريز؟

قال: إني أتيته فناولني كتابا، فإذا فيه: حدثني فلان، عن فلان أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم حضرته الوفاة أوصى أن تقطع يد علي بن أبي طالب عليه السلام! فرددت الكتاب، ولم أستحل أن أكتب عنه شيئا.

6 - قال: وكان المغيرة بن شعبة صاحب دنيا، يبيع دينه بالقليل النزر منها، يرضي معاوية بذكر علي عليه السلام، قال يوما في مجلس معاوية: إن عليا لم يزوجه رسول الله ابنته حبا، ولكنه أراد أن يكافئ بذلك إحسان أبي طالب إليه.

7 - وقد روي أن معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى يروي أن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب: (ومن الناس من يعجبك

(1) حريز بن عثمان بن جبر بن أحمر الرحبي المشرقي، أبو عثمان، ويقال: أبو عون الشامي، قال البخاري: كان حريز يتناول من رجل ثم ترك - يعني عليا عليه السلام - وقال أحمد بن حنبل: كان - حريز - يحمل على علي. ومثله قال أحمد بن عبد الله العجلي، وقال عمرو بن علي: كان ينتقص عليا وينال منه، وقال أيضا: شديد التحامل على علي. وكان حريز يقول: لنا إمامنا - يعني معاوية - ولكم إمامكم - يعني عليا - وكان يقول: لا أحب عليا قتل آبائي. وقال أحمد بن سعيد الدارمي: عن أحمد ابن سليمان، عن إسماعيل بن عياش، قال: عادلت حريز بن عثمان من مصر إلى مكة فجعل يسب عليا ويلعنه. وحدث يحيى بن المغيرة عن جرير: أن حريزا كان يشتم عليا على المنابر. فأين إذن مكانة حريز هذا؟ قال يحيى بن معين: حريز ثقة. وقال علي بن المديني: لم يزل من أدركناه من أصحابنا يوثقونه. وقال البخاري: لا أعلم أني رأيت أحدا من أهل الشام أفضله عليه. وسئل عنه أحمد بن حنبل، فقال: ثقة، ثقة، ثقة!!! وقد روى له الجماعة سوى مسلم.. تهذيب الكمال 5: 568 / 1175.

تلك شهاداتهم له مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد شهد عليه بالنفاق، حين عهد لعلي عهدا أنه " لا يبغضك إلا منافق "! وكان الصحابة لا يعرفون المنافقين إلا ببغضهم علي. راجع المدخل حديث (9).


211

قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام*وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد) (1):

وأن الآية الثانية نزلت في ابن ملجم - قاتل علي عليه السلام - وهي قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله (2) فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل، فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف فقبل، وروى ذلك (3).

8 - وفي ترجمة الإمام علي لابن عساكر أثبت عددا من الأحاديث الموضوعة التي اختلقوها في قبال حديث الولاية وأدلة الخلافة منها:

الحديث 1138: أنه في مرض رسول الله الذي توفي فيه، قال العباس لعلي عليه السلام: اذهب بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نسأله:

فيمن هذا الأمر؟ فإن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا كلمناه فأوصى بنا.

فقال علي: " إنا والله لئن سألناه فمنعناها، لا يعطيناها الناس بعد أبدا " وذكر عدة أحاديث مثله في الباب (4).

ثانيا: المناقب المصنوعة...

تقدم الكلام في كتاب معاوية إلى عماله: ولا تتركوا خبرا يرويه أحد في أبي تراب إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة.

وقول نفطويه: إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة

(1) البقرة: 204، 205.

(2) البقرة: 207.

(3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4: 63 - 73 باختصار.

(4) ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق 3: 98.


212

اختلقت في أيام بني أمية.

وقول أحمد بن حنبل: فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله، فأطروه كيدا منهم له.

حتى صار الرجل الذي يذكر بالخير - كما قال الإمام الباقر عليه السلام - يحدث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض من قد سلف من الولاة، ولم يخلق الله تعالى شيئا منها ولا كانت وقعت، وهو يحسب أنها حق لكثرة من رواها.

وقد ذكر ابن أبي الحديد جملة من هذه الأحاديث، منها:

1 - حديث: " لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر " قال: فإنهم وضعوه في مقابلة حديث الإخاء.

2 - وحديث سد الأبواب، فإنه كان لعلي عليه السلام فقلبه البكرية إلى أبي بكر.

3 - ونحو: " ائتوني بدواة وبياض أكتب فيه لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه اثنان " ثم قال: " يأبى الله تعالى والمسلمون إلا أبا بكر ".

فإنهم وضعوه في مقابلة الحديث المروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه: " ائتوني بدواة وبياض أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا " فاختلفوا عنده، وقال قوم منهم: لقد غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله!.

4 - ونحو حديث: " أنا راض عنك فهل أنت عني راض " ونحو ذلك (1).

هذا ما ذكره هنا شاهدا على قوله، وأما المتتبع فيجد العشرات من هذه (المناقب!) إذ لم يتركوا منقبة لعلي عليه السلام إلا صنعوا أمثالها وزادوا على ذلك كثيرا كما أمر معاوية بن أبي سفيان!

وقد شهد بذلك كثير من علماء الحديث وذكروا طرفا من تلك الأحاديث

(1) شرح نهج البلاغة 11: 49.


213

كما فعل السيوطي في (اللآلئ المصنوعة) والشوكاني في (الفوائد المجموعة) وانتخبنا من ذلك ما يفي بغرض الاستشهاد، فمنها:

1 - حديث: إن الله جعل أبا بكر خليفتي على دين الله ووحيه، فاسمعوا له تفلحوا، وأطيعوه ترشدوا.

قال الشوكاني: رواه الخطيب عن ابن عباس مرفوعا، وهو موضوع.

2 - حديث: لما عرج بي إلى السماء، قلت: اللهم اجعل الخليفة بعدي علي بن أبي طالب.

فارتجت السماء، وهتف بي الملائكة من كل جانب: يا محمد، اقرأ:

(وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) قد شاء الله أن يكون من بعدك أبو بكر الصديق.

قال: رواه الجوزقي عن أبي سعيد مرفوعا، وهو موضوع.

3 - حديث: لو لم أبعث فيكم لبعث عمر.

قال: في إسناده وضاع.

4 - حديث: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم متكئا على علي رضي الله عنه، وإذا أبو بكر وعمر أقبلا، فقال: يا أبا الحسن، أحبهما، فبحبهما تدخل الجنة.

قال: روي عن أبي هريرة، ولا يصح.

5 - حديث: أنه آخي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين أبي بكر وعمر فقال لهما: أنتما وزيراي في الدنيا والآخرة.

قال: رواه ابن حبان عن أنس مرفوعا، وهو موضوع.

6 - حديث: إن لكل نبي خليلا من أمته، وإن خليلي عثمان.

قال: هو من أباطيل الملطي.

7 - حديث: خذوا شطر دينكم عن الحميراء.


214

قال: قال ابن حجر: لا أعرف له إسنادا، ولا رأيته في شئ من كتب الحديث، إلا في نهاية ابن الأثير، وإلا في الفردوس بغير إسناد: خذوا ثلث دينكم من عائشة. وسئل المزي والذهبي فلم يعرفاه.

8 - حديث: أنه صلى الله عليه وآله وسلم أخذ القلم من يد علي فدفعه إلى معاوية.

قال: هو موضوع.

9 - حديث: الأمناء عند الله ثلاثة: أنا، وجبريل، ومعاوية.

قال: قال النسائي، وابن حبان، والخطيب: إنه باطل.

10 - ما في الجنة شجرة إلا مكتوب على كل ورقة منها: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعثمان ذو النورين.

قال: قال ابن حبان: موضوع، وكذا قال الذهبي (1).

ومن طريف ما يذكر في هذا الباب ما رواه معمر (2) عن الزهري، قال:

سألت الزهري: من كان كاتب الكتاب يوم الحديبية؟

فضحك، وقال: هو علي، ولو سألت هؤلاء قالوا: عثمان، يعني بني أمية (3).

ومثل هذا يقال في حديث (أول من أسلم) فبعد أن نقل إجماع أكثرهم أن علي بن أبي طالب عليه السلام هو أول الناس إسلاما (4) ظهر كلام آخر

(1) أنظر كتاب: الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة: 330 - 420.

(2) هو معمر بن راشد الأزدي، وقد عد فيمن دار الإسناد عليهم، حدث عن قتادة والزهري وغيرهم، وقيل فيه: لم يبق في أهل زمانه أعلم منه، وقد تمسكوا بحديثه عن الزهري وابن طاوس، توفي سنة 152 هـ‍.

تهذيب التهذيب 10: 243 / 439.

(3) أخرجه أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة 2: 591 / 1002، والمحب الطبري في الرياض النضرة 3: 156.

(4) أسد الغابة 4: 16 - 17، تاريخ الخلفاء: 132، الإصابة 4: 269، الطبقات الكبرى 3:

‌>


215

ليشرك معه غيره في هذه المنزلة! فلجأوا إلى التصنيف، فقالوا: أول من أسلم من الغلمان علي، ومن الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد!

ولكن هل سيقدم هذا الكلام من تأخر، أم سيؤخر من تقدم؟

ومما ورد في الصحاح في إسلام علي عليه السلام:

1 - حديث أبي ذر الغفاري، وأنس بن مالك: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الاثنين، وأسلم علي يوم الثلاثاء (1).

2 - قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " ولقد صلت الملائكة علي وعلى علي لأنا كنا نصلي وليس معنا أحد يصلي غيرنا " (2).

3 - حديث علي عليه السلام: " إني عبد الله، وأخو رسوله، وأنا الصديق الأكبر، لا يقولها بعدي إلا كاذب، صليت قبل الناس بسبع سنين قبل أن يعبده أحد في هذه الأمة " (3).

4 - قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " أول هذه الأمة ورودا على نبيها

<‌

21، البدء والتاريخ 4: 145، كتاب الأوائل: 91 - 93، الإستيعاب 3: 27 - 28، السيرة النبوية للذهبي: 70، السيرة الحلبية 1: 435، فضائل الصحابة 2: ح / 997، 1003، 1004، سيرة ابن إسحاق: 137، الرياض النضرة 3: 109 - 115، الصواعق المحرقة - الباب 9 -: 120.

(1) سنن الترمذي 5: 640 / 3728، المستدرك 3: 112، أسد الغابة 4: 17، الإستيعاب 3 : 32، البدء والتاريخ 4: 145، الأوائل: 91، جامع الأصول 9: 467 / 6472، الرياض النضرة 3: 111، الصواعق المحرقة: 120، مجمع الزوائد 9: 102، 103.

(2) أسد الغابة 4: 18، الرياض النضرة 3: 121، ذخائر العقبى: 64، ترجمة الإمام علي من تاريخ ابن عساكر 1: 80 / 112، 113، وسائر أصحاب المناقب.

(3) سنن ابن ماجة 1: 44 / 120 - وتعقبه المحقق بقول ابن حجر: إسناد صحيح رجاله ثقات -، المستدرك 3: 112، الخصائص للنسائي: 3، الرياض النضرة 3: 124، ابن أبي الحديد 13: 200.


216

أولها إسلاما علي بن أبي طالب " (1) وكثير غيرها تدل كلها دلالة لا شك فيها أن عليا عليه السلام هو أول الناس إسلاما وأولهم تصديقا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا منازع.

(1) المستدرك 3: 136 وذيله، الإستيعاب 3: 27 - 28، بثلاث طرق، أسد الغابة 4: 18، تاريخ بغداد 2: 81، الترجمة من تاريخ ابن عساكر 1: 82 / 118، الرياض النضرة 3: 110، ذخائر العقبى: 58، مجمع الزوائد 9: 102 وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات، منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 5: 33، وأصحاب المناقب.


217

على تلك الخطى

وعلى تلك الخطى سار جماعة من أصحاب الحديث وأئمة الجرح والتعديل فأحاطوا بمناقب أهل البيت، وطعنوا رواتها وإن كانوا من أوثق الناس، وأكثرهم صلاحا وحفظا وإتقانا، في حين اعتمدوا رجالا من المنحرفين والمطعونين في خلاف ذلك. وإليك هذه النبذة الموجزة:

أولا.. مع حديث الطير:

قال سبط ابن الجوزي (1) - وقد روى حديث الترمذي من طريق السدي عن أنس بن مالك، فقال -: قال الترمذي: والسدي اسمه إسماعيل بن عبد الرحمن، سمع من إنس بن مالك، وروى عن الحسن بن علي، ووثقه سفيان الثوري، وشعبة، ويحيى بن سعيد القطان وغيرهم.

قال: قلت: إنما ذكر الترمذي هذا في تعديل السدي لأن جماعة تعصبوا

(1) هو شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قزاغلي - تركية بمعنى: الجوزي - بن عبد الله التركي البغدادي الحنفي، سبط الإمام أبي الفرج بن الجوزي - وقد انتهت إليه رئاسة الوعظ وحسن التذكير ومعرفة التاريخ، توفي في سنة 654 هـ‍.

سير أعلام النبلاء 23: 296 / 203.


218

عليه ليبطلوا هذا الحديث، فعدله الترمذي.

قال: وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري: حديث الطائر صحيح يلزم البخاري ومسلم إخراجه في صحيحيهما لأن رجاله ثقات، وهو من شرطهما.

ثم قال: فإن قيل: لم لم يخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (1)؟

فالجواب: إنما لم يخرجه لأن محمد بن طاهر المقدسي، والدارقطني تعصبا عليه، وأخرجا لحديث الطائر طرقا ضعيفة، فإنه لما صنف المستدرك بلغ الدارقطني، فقال: لعله يستدرك عليهما حديث الطير، فتركه، ثم رموا الحاكم بالتشيع لأجل هذا (2).

ثانيا.. مع حديث مدينة العلم:

أخرج الحاكم هذا الحديث من طريق أبي الصلت الهروي - عبد السلام ابن صالح - وقال: هذا حديث صحيح، وأبو الصلت ثقة مأمون فإني سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب في التاريخ يقول: سمعت العباس بن محمد الدوري يقول: سألت يحيى بن معين عن أبي الصلت الهروي.

فقال: ثقة.

فقلت: أليس قد حدث عن أبي معاوية، عن الأعمش " أنا مدينة العلم "؟

فقال: قد حدث به محمد بن جعفر الفيدي وهو ثقة مأمون (3).

(1) أخرج الحاكم حديث الطير في المستدرك من طريق يحيى بن سعيد عن أنس، وقال: رواه عن أنس جماعة من أصحابه زيادة على ثلاثين نفسا، ثم صحت الرواية عن علي، وأبي سعيد الخدري، وسفينة وأخرجه أيضا من طريق ثابت البناني عن أنس، إلا أنه لم يخرجه من طريق السدي.

أنظر المستدرك 3: 130 - 131.

(2) تذكره الخواص: 39.

(3) المستدرك 3: 126.


219

ثم تعقبه الذهبي فقال: قال: الحديث صحيح. قلت: بل موضوع.

وقال: وأبو الصلت ثقة مأمون قلت: لا والله لا ثقة ولا مأمون (1)!.

وزاد الخطيب في تاريخه: قرأت على الحسن بن أبي القاسم، عن أبي سعيد أحمد بن محمد بن رميح النسوي، قال: سمعت أحمد بن محمد بن عمر بن بسطام يقول: سمعت أحمد بن سيار بن أيوب يقول: أبو الصلت عبد السلام ابن صالح الهروي: ذكر لنا أنه من موالي عبد الرحمن بن سمرة، وقد لقي وجالس الناس، ورحل في الحديث، وكان صاحب قشافة، وهو من آحاد المعدودين في الزهد، وكان يعرف بكلام الشيعة، وناظرته في ذلك لأستخرج ما عنده فلم أره يفرق، إلا أن ثم أحاديث يرويها في المثالب، وسألت إسحاق بن إبراهيم عن تلك الأحاديث وهي أحاديث مروية، نحو ما جاء في أبي موسى، وما روي في معاوية، فقال: هذه أحاديث قد رويت.

وقال: سئل يحيى بن معين عن أبي الصلت الهروي فقال: ثقة صدوق، إلا أنه يتشيع.

وعن عبد الله بن الجنيد قال: سمعت يحيى - وذكر أبو الصلت الهروي - قال: لم يكن أبو الصلت عندنا من أهل الكذب.

قال: وأما حديث الأعمش فإن أبا الصلت كان يرويه عن أبي معاوية عنه، فأنكره أحمد بن حنبل ويحيى بن معين من حديث أبي معاوية، ثم بحث يحيى عنه، فوجد غير أبي الصلت قد رواه عن أبي معاوية.

أخبر محمد بن أحمد بن رزق، أخبرنا أبو بكر مكرم بن أحمد بن مكرم القاضي، حدثنا القاسم بن عبد الرحمن الأنباري، حدثنا أبو الصلت الهروي، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قال

(1) هامش المستدرك: الجزء والصفحة.


220

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب ".

قال القاسم: سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث. فقال: هو صحيح.

وقال محمد بن يعقوب الأصم: سمعت العباس بن محمد الدوري يقول:

سمعت يحيى بن معين يوثق أبا الصلت عبد السلام بن صالح، فقلت: إنه حدث عن أبي معاوية عن الأعمش: " أنا مدينة العلم وعلي بابها "!؟.

فقال: ما تريدون من هذا المسكين، أليس قد حدث به محمد بن جعفر الفيدي عن أبي معاوية (1)؟

ثالثا.. محنة الأعمش:

وكان يحدث بفضائل علي عليه السلام ولا يكتمها إلا قليلا، فلاقى ما لاقى، وها هو يحدث عن نفسه في قصة وقعت له يرويها الخوارزمي، وابن المغازلي قالا:

حدث المدائني، وأبو معاوية، وسليمان بن سالم: حدثنا الأعمش، قال:

وجه إلي المنصور، فقلت للرسول: لم يريدني أمير المؤمنين؟

قال: لا أعلم.

فقلت: أبلغه أني آتيه. ثم تفكرت في نفسي، فقلت: ما دعاني في هذا الوقت لخير، ولكن عسى أن يسألني عن فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فإن أخبرته قتلني - قال - فتطهرت، ولبست أكفاني، وتحنطت، ثم كتبت وصيتي، ثم صرت إليه، فوجدت عنده عمرو بن عبيد (2) فحمدت الله

(1) تاريخ بغداد 11: 46 - 50.

(2) أبو عثمان عمرو بن عبيد بن باب، شيخ المعتزلة، جده من سبي كابل من جبال السند، وكان أبوه يخلف أصحاب الشرط بالبصرة، فكان الناس إذا رأوا عمرا مع أبيه، قالوا: هذا خير الناس ابن شر

‌>


221

تعالى، وقلت: وجدت عنده عون صدق من أهل النصرة.

فقال لي: ادن يا سليمان. فدنوت، فقال: يا سليمان، ما هذه الرائحة؟

والله لتصدقني وإلا قتلتك... فأخبره بأمره، فاستوى جالسا، ثم قال:

أخبرني - بالله وبقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - كم رويت في علي من فضيلة من جميع الفقهاء، وكم يكون؟

قلت: يسير، يا أمير المؤمنين.

قال: على ذاك.

قلت: عشرة آلاف حديث، وما زاد.

قال: يا سليمان، لأحدثنك في فضائل علي عليه السلام حديثين يأكلان كل حديث رويته عن جميع الفقهاء، فإن حلفت لي ألا ترويهما لأحد من الشيعة حدثتك بهما.

فقلت: لا أحلف، ولا أخبر بهما أحدا منهم - فحدثه بالحديثين في قصة طويلة، في أحدهما: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ألا أدلكم على خير الناس جدا وجدة وأبا وأما "؟.

قالوا: بلى، يا رسول الله.

فقال: " عليكم بالحسن والحسين، فإن جدهما محمد رسول الله، وجدتهما خديجة بنت خويلد سيدة نساء أهل الجنة، وأباهما علي بن أبي طالب، وهو خير منهما، وأمهما فاطمة بنت رسول الله سيدة نساء أهل الجنة ".

وفي الثاني، قوله صلى الله عليه وآله وسلم لبضعته الزهراء: " إن الله

<‌

الناس، فيقول أبوه: صدقتم، هذا إبراهيم وأنا آزر. وكان لعمرو مجالس وأخبار مع أبي جعفر المنصور وكان صاحبه وصديقه قبل الخلافة.

كانت ولادته سنة 80 ووفاته سنة 144 هـ‍.

وفيات الأعيان 3: 460.


222

اطلع على أهل الدنيا فاختار من الخلائق أباك، فبعثه نبيا، ثم اطلع ثانية فاختار من الخلائق عليا، فأوحى إلي فزوجتك إياه، واتخذته وصيا ووزيرا ".

ثم قال: يا سليمان، سمعت في فضائل علي أعجب من هذين الحديثين؟

يا سليمان، حب علي إيمان، وبغضه نفاق.

فقلت: يا أمير المؤمنين، الأمان؟

قال: لك الأمان.

قلت: فما تقول - يا أمير المؤمنين - فيمن قتل هؤلاء؟

قال: في النار، لا أشك.

قلت: فما تقول فيمن قتل أولادهم، وأولاد أولادهم؟ - قال - فنكس رأسه، ثم قال: يا سليمان، الملك عقيم، ولكن حدث عن فضائل علي بما شئت.

فقلت: فمن قتل ولده فهو في النار.

فقال عمرو بن عبيد: وأخبرني الشيخ الصدق - يعني الحسن البصري - عن أنس، أن من قتل أولاد علي لا يشم رائحة الجنة.

قال: فوجدت أبا جعفر - المنصور - وقد حمض وجهه، وخرجنا، فقال أبو جعفر: لولا مكان عمرو ما خرج سليمان إلا مقتولا (1).

ودخل على الأعمش جماعة فيهم أبو معاوية، فقالوا له: لا تحدث هذه الأحاديث.

فقال: يسألوني، فما أصنع؟ ربما سهوت، فإذا سألوني عن شئ من هذا فذكروني.

قال أبو معاوية: وكنا يوما عنده، فجاء رجل فسأله عن حديث " قسيم

(1) مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي: 143 - 155 باختصار شديد، ورواه الخوارزمي في الناقب باختلاف يسير في بعض الألفاظ: 200 - 208.


223

النار " فتنحنحت، فقال الأعمش: هؤلاء المرجئة لا يدعوني أحدث بفضائل علي رضي الله عنه، أخرجوهم من المسجد حتى أحدثكم (1).

ولكن الأعمش خضع مرة:

قال محمد بن داود الحداني: سمعت عيسى بن يونس يقول: ما رأيت الأعمش خضع إلا مرة واحدة، فإنه حدثنا بهذا الحديث، قال: قال علي: " أنا قسيم النار " فبلغ ذلك جماعة فجاءوا إليه، فقالوا: تحدث بأحاديث تقوي بها الرافضة والزيدية والشيعة!؟.

فقال: سمعت فحدثت به.

فقالوا: أو كل شئ سمعته تحدث به؟!.

قال: فرأيته خضع ذلك اليوم (2).

فمن هو الأعمش؟

هو سليمان بن مهران أبو محمد الأسدي، مولاهم الكوفي (60 - 148 هـ‍) رأى أنس بن مالك وحدث عنه. قال يحيى بن معين: الأعمش ثقة.

وقال النسائي: ثقة ثبت.

وقال يحيى: هو علامة الإسلام.

وقال عمرو بن علي: كان الأعمش يسمى المصحف، من صدقه.

وقال الموصلي: ليس في المحدثين أثبت من الأعمش.

وقال القاسم بن عبد الرحمن: هذا الشيخ - الأعمش - أعلم الناس بقول عبد الله بن مسعود.

(1) أورده ابن عساكر في تاريخه، انظر ترجمة الإمام علي 2: 245 / 763 - 765.

(2) المصدر 2: 246.


224

وقال أحمد بن حنبل: أبو إسحاق (1)، والأعمش رجلا أهل الكوفة.

وقال علي بن المديني: حفظ العلم على أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ستة: فلأهل مكة عمرو بن دينار... ولأهل الكوفة أبو إسحاق السبيعي، وسليمان الأعمش (2)....

فهل سلم الأعمش من الطعن؟ لم يسلم الأعمش، ولم يسلم معه أبو إسحاق السبيعي!

قال الذهبي: فالأعمش مع إمامته إلا أنه يدلس، وربما دلس عن ضعيف وهو لا يدري. ثم نقل كلام ابن المبارك، والمغيرة: إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق والأعمش (3).

وقال ابن حجر: قال الجوزجاني: كان قوم من أهل الكوفة لا تحمد مذاهبهم - يعني للتشيع - وهم رؤوس محدثي الكوفة، مثل: أبي إسحاق، والأعمش (4)...

رابعا.. محنة النسائي (5):

قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: كان - الحافظ النسائي - قد صنف

(1) هو عمرو بن عبد الله السبيعي، تابعي روى عن علي عليه السلام والمغيرة وزيد بن أرقم وسليمان بن صرد، والبراء بن عازب - ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان.

تهذيب التهذيب 8. 63 / 100.

(2) تهذيب الكمال 12: 76 / 2570، سير أعلام النبلاء 6: 226 / 110.

(3) ميزان الاعتدال 2: 224 / 3517.

(4) تهذيب التهذيب 8: 66.

(5) هو الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن علي بن شعيب، صاحب السنن، إمام عصره في الحديث ولد بنسا من خراسان وإليها ينسب، وتوفي سنة 303 هـ‍.

وفيات الأعيان 1: 77، سير أعلام النبلاء 14: 125 / 67.


225

كتاب (الخصائص) في فضل علي بن أبي طالب ر ضي الله عنه وأهل البيت، فقيل له: ألا تصنف كتابا في فضائل الصحابة رضي الله عنهم؟

فقال: دخلت دمشق والمنحرف عن علي عليه السلام كثير، فأردت أن يهديهم الله تعالى بهذا الكتاب.

وسئل - وهو في الشام - عن معاوية، وما روي من فضائله.

فقال: أما يرضى معاوية أن يخرج رأسا برأس، حتى يفضل؟

وفي رواية أخرى، قال: ما أعرف له فضيلة إلا: " لا أشبع الله بطنك ".

- قال الراوي - وكان يتشيع، فما زالوا يدفعونه في حضنه - وفي رواية في خصييه - وداسوه، ثم حمل إلى الرملة، فمات فيها (1).

خامسا... في الجرح والتعديل:

لم يسلم النسائي، ولم يسلم الحاكم، ولا أبو إسحاق السبيعي، ولا الأعمش، ولا أبو الصلت الهروي، ولا عشرات من أمثالهم يطول إحصاؤهم لم يسلموا من الطعن! فهل كان هذا الطعن عليهم كله بحق؟

مسألة على درجة من الأهمية يعرف خطورتها كل من له اهتمام بأمر هذا الدين. وقد أحلنا الجواب فيها إلى واحد من أبرز تلامذة الذهبي، ينقله عنه تلميذ آخر له، هو التاج السبكي، ويضيف عليه رأيه:

قال التاج السبكي: إن أهل التاريخ ربما وضعوا من أناس، أو رفعوا أناسا إما لتعصب، أو جهل، أو لمجرد اعتماد على نقل من لا يوثق به.

قال: والجهل في المؤرخين أكثر منه في أهل الجرح والتعديل، وكذلك التعصب، قل أن رأيت تاريخا خاليا منه.

(1) سير أعلام النبلاء 14: 125، وفيات الأعيان 1: 77 والنص عنه بإيجاز.


226

أما تاريخ شيخنا الذهبي: غفر الله له ولا آخذه، فإنه على حسنه وجمعه مشحون بالتعصب المفرط، فلقد أكثر الوقيعة في أهل الدين، أعني الفقراء الذين هم صفوة الخلق، واستطال بلسانه على كثير من أئمة الشافعية والحنفيين، وقال وأفرط على الأشاعرة، ومدح وزاد في المجسمة، هذا وهو الحافظ القدوة، والإمام المبجل، فما ظنك بعوام المؤرخين؟

فالرأي عندنا أن لا يقبل مدح ولا ذم منهم إلا بما اشترطه - يعني والده وقد ذكر شروطا لذلك منها: الصدق، والمعرفة، وعدم غلبة الهوى -.

ثم قال: لا يجوز الاعتماد على الذهبي في ذم أشعري، ولا شكر حنبلي، لما حكي عن العلائي كونه - بعد وصفه له بالتدين والورع قال -: قد غلب عليه مذهب الإثبات والغفلة عن التنزيه، حتى أثر ذلك في طبعه انحرافا شديدا عن أهل التنزيه وميلا قويا إلى أهل الإثبات. فإذا ترجم واحدا منهم يطنب في وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن، ويبالغ في وصفه، ويتغافل عن غلطاته ويتأول له ما أمكن.

وإذا ذكر أحدا من الطرف الآخر، كإمام الحرمين، والغزالي، ونحوهما، لا يبالغ في وصفه، ويكثر من قوله من طعن فيه، ويعيد ذكره، ويبديه، ويعتقده دينا وهو لا يشعر، ويعرض عن محاسنهم الطافحة فلا يستوعبها، وإذا ظفر لأحد منهم بغلطة ذكرها.

وكذلك فعله في أهل عصرنا، إذا لم يقلد على أحد منهم بتصريح يقول في ترجمته: والله يعلم. ونحو ذلك مما سببه المخالفة في العقائد.

قال التاج: إن الحال في حقه أزيد مما وصف العلائي، وهو شيخنا، ومعلمنا، غير أن الحق أحق أن يتبع، وقد وصل من التعصب المفرط إلى حد


227

يسخر منه، وأنا أخشى عليه يوم القيامة من غالب علماء المسلمين (1).

- وكان الذهبي (673 - 748 هـ‍) قد تتلمذ في الحديث على أبي الحجاج المزي (654 - 742 هـ‍) وفي الفقه على ابن تيمية (661 - 728 هـ‍) وأخذ عنه مذهبه وسار عليه.

- وأبرز من سار على نهج الذهبي تلميذه ابن كثير الدمشقي (701 - 774 هـ‍) صاحب التفسير، والتاريخ المعروف ب‍ (البداية والنهاية).

- وإذا كان هذا حظ الأحناف، والشافعية، والأشعرية عندهم، فكيف سيكون حظ آخرين، يا ترى؟

في الميزان:

وكل شئ سينتهي إلى الميزان، وكل فعل أو قول إنما يؤول إلى عاقبته، فما هو نصيب أرباب تلك الخطة؟

هذا ما تخبرنا به العديد من أحاديث نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم التي كانت تنبئ بحدوث أشياء كهذه، ثم تصف عواقب أهلها، ومن ذلك:

1 - قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " (2).

2 - قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث القدسي: " من آذى لي وليا فقد استحل محاربتي " (3).

(1) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ - للسخاوي -: 73 - 76 أخذه عن كتاب (معيد النعم) للتاج السبكي.

(2) صحيح مسلم 1: 10، مسند أحمد 1: 47، 78، 90، 130، 165 ومواضع أخرى. مجمع الزوائد من ست وثلاثين طريقا معظمها في الجزء الأول: 143 - 148، والحديث متفق عليه.

(3) مجمع الزوائد 2: 247، مسند أحمد 6: 256، كنز العمال 1 / 1157.


228

3 - قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من آذى عليا فقد آذاني " (1).

واقرأ قوله تعالى: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا (2).

4 - قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من سب عليا فقد سبني " (3).

5 - قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " فاطمة بضعة مني من أغضبها أغضبني " (4).

وأخرج ابن حجر في الصواعق قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " يا فاطمة إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك ".

ثم قال: فمن آذى أحدا من ولدها فقد تعرض لهذا الخطر العظيم لأنه أغضبها (5).

6 - قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحسن والحسين عليهما السلام:

" الحسن والحسين ابناي من أحبهما أحبني، ومن أحبني أحبه الله، ومن أحبه الله

(1) مسند أحمد 3: 483، المستدرك 3: 122 وصححه، دلائل النبوة 5: 395، الجامع الصغير 2: 547 / 8266، مجمع الزوائد 9: 129، البداية والنهاية 7: 359، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 9 : 39 / 6884، الإستيعاب 3: 37، فضائل الصحابة 2: 633 / 1078، تاريخ الخلفاء: 137، الرياض النضرة 3: 121، الصواعق المحرقة باب 9 فصل 2: 123، شواهد التنزيل 2: 98 / 776 - 778 وغيرهم، وأصحاب المناقب جميعا.

(2) الأحزاب: 57.

(3) مسند أحمد 6: 323، المستدرك 3: 121 - 122، الخصائص للنسائي: 17، مجمع الزوائد 9: 130 ، الترجمة في تاريخ ابن عساكر 2: 182 / 667، البداية والنهاية 7: 367 تاريخ الخلفاء: 137، المناقب للخوارزمي: 91.

(4) صحيح البخاري: 5: 92 / 209، مسلم 4: 1902 / 93 - 2449، الترمذي 5: 698 / 3867، مصابيح السنة 4: 185 / 4799، المستدرك 3، 158، مجمع الزوائد 9: 203، الجامع الصغير 2:

208 / 5833 وبعده.

(5) الصواعق المحرقة باب 11 فصل - 1 - المقصد الثالث، وأخرجه السيوطي في الخصائص الكبرى 2:

464.


229

أدخله الجنة، ومن أبغضهما أبغضني، ومن أبغضني أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله النار " (1).

7 - وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام: " أنا حرب لمن حاربتم، وسلم لمن سالمتم " (2).

8 - قالت: أم سلمة: جاءت فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى رسول الله متوركة الحسن والحسين، في يدها برمة - أي قدر - فيها سخين حتى أتت بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما وضعتها قدامه قال لها:

" أين أبو الحسن "؟.

قالت: " هو في البيت " فدعاه، فجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين يأكلون - قالت أم سلمة - وما سامني النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما أكل طعاما قط وأنا عنده إلا سامنيه قبل ذلك اليوم - تعني ب‍ " سامني " دعاني إليه - فلما فرغ التف عليهم بثوبه ثم قال: " اللهم عاد من عاداهم، ووال من والاهم " (3).

9 - قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " لو أن رجلا صفن (4) بين الركن

(1) المستدرك 3: 166 وقال: صحيح على شرط الشيخين، مجمع الزوائد 9: 179 و 181، الصواعق المحرقة باب 11 ص 192.

(2) الترمذي 5: 699 / 3870، المستدرك 3: 149، ابن ماجة 1: 52 / 145، مسند أحمد 2: 442 أسد الغابة 3: 11، 5: 523، مجمع الزوائد 9: 169، مصابيح السنة 4: 190، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 9: 61 / 6938، الصواعق المحرقة باب 11: 187، الرياض النضرة 3: 154، شواهد التنزيل 2: 27 المناقب للخوارزمي: 91.

(3) التاريخ الكبير للبخاري 2: 69 / 70 وفيه: " اللهم هؤلاء أهل بيتي "، مسند أبي يعلى 12: 383 / 6951، ومجمع الزوائد 9: 166 - 167 وقال: إسناده جيد.

(4) صفن: صف قدميه.

لسان العرب (صفن) 13: 248.


230

والمقام فصلى وصام، ثم لقى الله وهو مبغض لأهل بيت محمد دخل النار " (1).

إذن، فذلك نصيبهم في الميزان.

(1) المستدرك 3: 149 وصححه على شرط مسلم، الخصائص الكبرى 2: 465، مجمع الزوائد 9: 171 الصواعق المحرقة: 174، 140، وقد وردت جميع هذه الأحاديث في سائر كتب المناقب.


231

بين الصحابة..


232


233

الصحابة - رضي الله عنهم - بإيجاز

قال تعالى: ﴿محمد رسول الله والذين معه:

أشداء على الكفار، رحماء بينهم تريهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما (1).

أولئك رضي الله عنهم أجمعين وأرضاهم، وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خيرا، وقد وعدهم الحسنى، فطوبى لهم وحسن مآب.

أولئك الذين نصروا الله ورسوله، وأحيوا دينه، وأقاموا دعائم دولة الإسلام، وأماتوا أركان الجاهلية..

أولئك الذين قال فيهم أمير المؤمنين عليه السلام مذكرا بفضلهم: " ولقد

(1) سورة الفتح: 29.


234

كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نقتل آباءنا، وأبناءنا وإخواننا، وأعمامنا، ما يزيدنا ذلك إلا إيمانا وتسليما ومضيا على اللقم (1) وصبرا على مضض الألم، وجد في جهاد العدو...

فلما رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت (2)، وأنزل علينا النصر، حتى استقر الإسلام ملقيا جرانه (3)، ومتبوءا أوطانه.

ولعمري لو كنا نأتي ما أتيتم ما قام للدين عمود، ولا اخضر للإيمان.

عود... " (4).

وقال عليه السلام مرة يصفهم ويذكر بعظيم منزلتهم، ويأسف على فقدهم:

" لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله، فما رأى أحدا يشبههم منكم!

لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا وقد باتوا سجدا وقياما، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم.

كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم. إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف، خوفا من العقاب، ورجاء للثواب " (5).

وقال عليه السلام وهو يتحرق شوقا إليهم: " أين إخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحق؟

أين عمار؟ وأين ابن التيهان (6)؟

(1) اللقم: معظم الطريق أو جادته.

(2) الكبت: الإذلال.

(3) إلقاء الجران: كناية عن التمكن.

(4) نهج البلاغة بتحقيق صبحي الصالح: 91 - 92.

(5) المصدر: 143 - 97 - الفقرة الأخيرة.

(6) هو الصحابي الجليل أبو الهيثم مالك بن التيهان الأنصاري: كان ينبذ الأصنام قبل الإسلام، ويقول بالتوحيد، وهو أول من أسلم من الأنصار بمكة، وأحد الستة الذين لقوا رسول الله صلى الله عليه

‌>


235

وأين ذو الشهادتين (1)؟ وأين نظراؤهم من إخوانهم الذين تلوا القرآن فأحكموه، وتدبروا الفرض فأقاموه، أحيوا السنة، وأماتوا البدعة، دعوا إلى

<‌

وآله وسلم في مكة، وأحد النقباء الاثني عشر، وأحد السبعين، شهد بدرا والمشاهد كلها، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبعثه خارصا - يقدر ما على النخل من تمر - فلما كان عهد أبي بكر بعثه فأبى، وقال: إني كنت إذا خرصت لرسول الله فرجعت، دعا لي.

وكان مع علي عليه السلام يوم الجمل وله فيها أرجاز ذكرناها في حديث الدار وإثبات الوصية، وشهد معه صفين أيضا، وفيها استشهد رضوان الله عليه، فقالت أمينة الأنصارية ترثيه:

منع اليوم أن أذوق رقادا

مالك إذ مضى، وكان عمادا

يا أبا الهيثم بن تيهان إني

صرت للهم معدنا ووسادا

وبهذا يثبت بطلان ما زعمه الذهبي وابن سعد في إصرارهما على قول الواقدي: إن وفاته كانت سنة 20 هجرية في خلافة عمر بن الخطاب. ومما يشهد ببطلان هذا الزعم أيضا، ما أثبته أهل التاريخ من مواقف مشهورة لأبي الهيثم بن التيهان أيام البيعة لأمير المؤمنين بالخلافة، ويوم بدا نقض البيعة من الزبير وطلحة ومروان والوليد بن العقبة، ويوم الجمل، ويوم صفين إذ كان يسوي صفوف الجيش ويخطب بهم يحثهم على الجهاد بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام: انظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (1: 220 و 2: 51 و 4: 8 و 5: 190 و 7: 36، 39 و 20: 19) وهو الذي اختاره ابن حجر فقال: وقيل قتل في صفين وهو الأكثر. (الإصابة 7: 209 / 1188). وانظر الأبيات المذكورة في رثائه في كتاب وقعة صفين: 365.

(1) هو الصحابي الجليل خزيمة بن ثابت الأنصاري، الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شهادته بشهادة رجلين، وكان هو وعمير بن خرشه يكسران أصنام بني خطمة، وشهد بدرا وما بعدها من المشاهد كلها، وكانت راية بني خطمة بيده يوم الفتح، وشهد مع علي عليه السلام الجمل وصفين واستشهد بصفين رضي الله تعالى عنه وقالت بنته ضبيعة ترثيه:

عين جودي على خزيمة بالدم‍

- ع قتيل الأحزاب يوم الفرات

قتلوا ذا الشهادتين عتوا

أدرك الله منهم بالترات

‌>


236

الجهاد فأجابوا، ووثقوا بالقائد فاتبعوه " (1).

أولئك الذين بهم قام عمود الإسلام واشتد عوده (كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه).

(رضي الله عنهم ورضوا عنه).

(أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون).

ولكن السؤال: هل كل من عاصر النبي صلى الله عليه وآله ورآه سيكون أبدا تحت ظلال هذه التزكية الربانية؟

وهل كل من صحب النبي صلى الله عليه وآله واستقام حياته معه، ستكتب له العصمة بعده؟

وإن لم تكتب له العصمة، فهل سيكون مغفورا له ما تأخر من ذنبه، غير ملوم على ما يصنع؟

الحكم لله تعالى، أولا:

وهو سبحانه القائل: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما) (2).

<‌

قتلوه في فتية غير عزل

يسرعون الركوب للدعوات

نصروا السيد الموفق ذا العد

ل ودانوا بذاك حتى الممات

لعن الله معشرا قتلوه

ورماهم بالخزي والآفات

أسد الغابة 2: 114، وقعة صفين: 365 والأبيات منه.

(1) نهج البلاغة - صبحي الصالح -: 264 - 182 - الفقرة الأخيرة.

(2) الفتح: 29.


237

وهو جل ثناؤه القائل: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما) (1).

فليس ثمة عصمة إذن، فمنهم من قد ينكث عهده، ومنهم من يفي.

وليس في المقام عفو وصفح عمن ينكث، بل (ينكث على نفسه).

وإنما اختص بالأجر العظيم من أوفى (بما عاهد عليه الله).

وهذا أمر لازم عقلا أيضا، فليس الذين ثبتوا بعد نبيهم والذين ارتدوا عن الإسلام سواء. ولا من أوفى كمن نكث.

(وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسئ قليلا ما تتذكرون) (2).

أما فيمن مات على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلا ينكر أحد وجود طابور المنافقين، والمتخاذلين، وقد تحدث القرآن الكريم عنهم، وعنفهم في عشرات الآيات حتى أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألا يصلي على أحد مات منهم، ولا يقم على قبره، وأمر هو صلى الله عليه وآله وسلم بهجرهم!

والحكم لرسوله، ثانيا:

وأحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هي الأخرى لا تمنح العصمة لكل من صحب النبي، ولا ترفع عنهم احتمال الخطأ، أو التقاعس عن الحق، بل حتى الانحراف والارتداد.

(1) الفتح: 10.

(2) غافر (المؤمن): 58.


238

ومن ذلك: قوله المشهور في خطبة حجة الوداع: " فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " (1).

ثم حديث الحوض المشهور الذي يخبر بعاقبة الكثير من الصحابة، وتناقلته كتب الصحاح بأسانيد عديدة، ومتون متشابهة، وإليك الحديث..

حديث الحوض:

أخرج البخاري عن موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو عوانة عن مغيرة عن أبي وائل، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " أنا فرطكم على الحوض، ليرفعن إلي رجال منكم حتى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي رب أصحابي، فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك " (2).

وأخرج أيضا عن يحيى بن كثير، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، قال: سمعت سهل بن سعد يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " أنا فرطكم على الحوض، من ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبدا، ليرد علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم ".

قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش وأنا أحدثهم هذا، فقال:

هكذا سمعت سهلا؟ فقلت: نعم.

قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيه، قال: " إنهم

(1) البخاري - كتاب الفتن 9: 90 / 26 - 29، مسلم - كتاب الإيمان - باب معنى قول النبي: " لا ترجعوا بعدي كفارا " - 1: 81 / 118 - 120، ومسند أحمد أيضا من أربعة عشر طريقا منها في الجزء الخامس: 37، 44، 49، 73، والترمذي 4: 486 / 2193، وأبو داود 4: 221 / 4686، والدارمي 2: 69 - باب حرمة المسلم - وغيرها.

(2) صحيح البخاري 9: 83 / 2 - كتاب الفتن -.


239

مني، فيقال: إنك لا تدري ما بدلوا بعدك " (1).

وأما مسلم فأخرج هذا الحديث من طرق عديدة، منها: عن أبي بكر ابن شيبة، وأبي كريب، وابن نمير، قالوا، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أنا فرطكم على الحوض، ولأنازعن أقواما ثم لأغلبن عليهم، فأقول: يا رب أصحابي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " (2).

وأخرج الحاكم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إني - أيها الناس - فرطكم على الحوض، فإذا جئت قام رجال، فقال هذا: يا رسول الله، أنا فلان، وقال هذا: يا رسول الله، أنا فلان. وقال هذا: يا رسول الله، أنا فلان.

فأقول: قد عرفتكم، ولكنكم أحدثتم بعدي ورجعتم القهقرى " (3).

وأخرج أحمد في عدة مواضع حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

" ليردن علي الحوض رجال ممن صحبني ورآني، حتى إذا رفعوا إلي ورأيتهم اختلجوا دوني، فلأقولن: رب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " (4).

وعن عبد الله بن رافع المخزومي، عن أم سلمة، قالت: فسمعته يقول:

" أيها الناس، بينما أنا على الحوض جئ بكم زمرا، فتفرقت بكم الطرق، فناديتكم: ألا هلموا إلى الطريق.

فناداني مناد من بعدي، فقال: إنهم قد بدلوا بعدك.

(1) المصدر 9: 83 / 3، وأخرجه بنصه أحمد في المسند 5: 333.

(2) صحيح مسلم 4: 1796 / 32 (2297) حديث الحوض.

(3) المستدرك 4: 74 - 75 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

(4) مسند أحمد 3: 140، 281 و 5: 48، 50، 388، 400.


240

فأقول سحقا سحقا " (1).

وفي موطأ مالك: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لشهداء أحد:

" هؤلاء أشهد عليهم " فقال أبو بكر الصديق: ألسنا - يا رسول الله - بإخوانهم، أسلمنا كما أسلموا، وجاهدنا كما جاهدوا؟

فقال رسول الله صلى عليه وآله وسلم: " بلى، ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي " (2).

أرأيت هذه الكلمة: " إنهم قد بدلوا بعدك "؟

ثم قاله صلى الله عليه وآله وسلم: " سحقا سحقا " لمن بدل بعدي؟

ولعله يصعب على المرء التصديق لأول وهلة - برغم ما قرأ من نصوص الكتاب الكريم، وصحيح الحديث الشريف - أن أصحاب النبي، والسابقين إلى الإسلام، الذين قضوا في نصرته عمرا طويلا، يميلون بعد النبي، ويبدلون ويغيرون!

ولأجل هذا سنذكر نماذج مما دار بينهم، وما طعن به بعضهم على بعض، لا لغرض النيل والشماتة، ولا لأجل الإنتصار والتباهي، فهذا كله بعيد عمن أيقن بالحق، وإنما كمصاديق فقط لما تقدم من نصوص، وليكون تمهيدا لبحث يأتي بعده، ولنعرف كيف نقرأ القرآن، ثم لنعرف الحق فنعرف أهله.

حديث الإفك:

من كان يا ترى أصحاب الإفك إلا رجالا من الصحابة! من المهاجرين والأنصار!

(1) سنن ابن ماجة - كتاب الزهد، باب ذكر الحوض - 2: 1439 / 4306، مسند أحمد 6: 297، مصابيح السنة 3: 537 / 4315.

(2) الموطأ 2: 462 / 32 - كتاب الجهاد، باب الشهداء في سبيل الله.


241

وفيهم نزلت آيات التهديد والوعيد تلك (1)، ثم فيمن يحذو حذوهم.

تقول أم المؤمنين عائشة: فأقبلت أنا، وأم مسطح - وهي ابنة أبي رهم ابن عبد المطلب بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب - حين فرغنا من شأننا نمشي، فعثرت أم مسطح، فقالت، تعس مسطح!

فقلت لها: بئسما قلت، أتسبين رجلا شهد بدرا؟!

فقالت: يا هنتاه، ألم تسمعي ما قال؟ فأخبرتني بقوله.

وكان أصحاب حديث الإفك هم: مسطح بن أثاثة، وهو من المهاجرين الأولين، وحسان بن ثابت، وهو من الأنصار، وعبد الله بن أبي.

وقد جلدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جميعا (2).

المغيرة بن شعبة أيام معاوية:

وكان قد ولاه الكوفة عام (42 هـ‍) ثم عزله وولى عبد الله بن عامر بن كريز، فغاظ المغيرة ذلك، فعزم على شئ، فنادى غلامه: يا غلام، شد رحلي، وقدم بغلي.

فخرج، حتى أتى دمشق، فدخل على معاوية، فقال له بعد كلام بينهما:

يا أمير المؤمنين، كبرت سني، وضعفت قوتي، وعجزت عن العمل، وقد بلغت من الدنيا حاجتي، ووالله ما آسي على شئ منها إلا على شئ واحد قدرت به قضاء حقك، وودت أنه لا يفوتني أجلي وأن الله أحسن علي معونتي.

قال معاوية: وما هو؟

(1) سورة النور: 11 - 25.

(2) أنظر القصة مفصلة في صحيح البخاري 5: 250 - 253، صحيح مسلم 4: 2129 / 2770، تاريخ اليعقوبي 2: 53، الكامل في التاريخ 2: 195 - 199.


242

قال: كنت دعوت أشراف الكوفة إلى البيعة ليزيد ابن أمير المؤمنين بولاية العهد بعد أمير المؤمنين، فقدمت لأشافهه بذلك، وأستعفيه عن العمل.

فقال سبحان الله - يا أبا عبد الرحمن - إنما يزيد ابن أخيك، ومثلك إذا شرع في أمر لم يدعه حتى يحكمه، فنشدتك الله إلا رجعت فتممت هذا.

فخرج من عنده، فلقي كاتبه، فقال: ارجع بنا إلى الكوفة، والله لقد وضعت رجل معاوية في غرز لا يخرجها منه إلا سفك الدماء (1).

أرأيت هذه الفتنة الكبرى كيف وضع أساسها صحابي شهير، وهو ممن شهد بيعة الرضوان؟!

ثم بعد، أقام المغيرة عاملا لمعاوية على الكوفة يشتم عليا وأصحابه على المنبر حتى مات (2).

أرأيت هذه الطامة الكبرى!

بل الأعظم والأجل أن نجمع المغيرة هذا مع علي بن أبي طالب في آية السابقين الأولين، أو آية الفتح، أو سورة الحشر، ونظائرها!

وعمرو بن العاص:

ولما عزم معاوية الخروج على أمير المؤمنين أرسل إلى عمرو بن العاص وهو يومها في مصر، فدعا عمرو ابنيه: عبد الله ومحمدا فاستشارهما، فأما عبد الله فقال له: أيها الشيخ، إن رسول الله قبض وهو عنك راض، ومات أبو بكر وعمر وهما راضيان، فإنك إن تفسد دينك بدنيا يسيرة تصيبها مع معاوية، فتضجعان غدا في النار!

(1) تاريخ ابن خلدون 3: 19، تاريخ اليعقوبي 2: 219 - 220 وعنه اختصرنا القصة.

(2) ابن خلدون 3: 13، اليعقوبي 2: 230، ابن أبي الحديد 4: 69، 70، 71 ومواضع أخرى، تهذيب تاريخ دمشق 2: 373 - 374 - عند ترجمة أرقم الكندي -.


243

وأما محمد فقال له: بادر هذا الأمر، فكن فيه رأسا قبل أن تكون ذنبا!

فأنشأ عمرو يقول:

تطاول ليلي للهموم الطوارق

وخوف التي تجلو وجوه العواتق (1)

فإن ابن هند سائلي أن أزوره

وتلك التي فيها بنات البوائق (2)

فلما سمع عبد الله شعره، قال: بال الشيخ على عقبيه، وباع دينه بدنياه.

فلما أصبح دعا وردان مولاه، فقال له: ارحل يا وردان، ثم قال: حط يا وردان، فحط ورحل ثلاث مرات، فقال وردان: لقد خلطت - أبا عبد الله - فإن شئت أخبرتك بما في نفسك.

قال: هات.

قال: اعترضت الدنيا والآخرة على قلبك، فقلت: علي معه آخرة بلا دنيا، ومعاوية معه دنيا بلا آخرة، فلست تدري أيهما تختار.

قال: لله درك، فما أخطأت مما في نفسي شيئا، ثم قال: ارحل يا وردان وأنشأ يقول:

(1) العاتق: الجارية التي أدركت وبلغت فخدرت في بيت أهلها، والجمع: عواتق.

لسان العرب (عتق) 10: 235.

(2) البائقة: الداهية.

لسان العرب (بوق) 10: 30.


244

يا قاتل الله وردان وفطنته

أبدى لعمرك ما في الصدر وردان

فقدم على معاوية، وتذاكرا أمر القتال مع علي، فكان مما قاله معاوية:

ولكنا نقاتله على ما في أيدينا، ونلزمه قتل عثمان.

قال عمرو: واسوأتاه! إن الحق ألا يذكر عثمان لا أنا ولا أنت.

قال: ولم، ويحك؟

قال: أما أنت، فخذلته ومعك أهل الشام، حتى استغاث بيزيد بن أسد البجلي! وأما أنا، فتركته عيانا وهربت إلى فلسطين!

فقال معاوية: دعني من هذا، مد يدك فبايعني.

قال: لا، لعمر الله، لا أعطيك ديني حتى آخذ من دنياك.

قال معاوية: لك مصر طعمة.

فأنشأ عمرو يقول:

معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل

به منك دنيا فانظرن كيف تصنع

فإن تعطني مصرا فأربح بصفقة

أخذت بها شيخا يضر وينفع

وما الدين والدنيا سواء، وإنني

لآخذ ما أعطني ورأسي مقنع

لكنني أعطيك هذا وإنني

لأخدع نفسي، والمخادع يخدع


245

حتى إذا حضرته الوفاة، قال: يا ليتني مت قبل هذا اليوم بثلاثين سنة، أصلحت لمعاوية دنياه، وأفسدت ديني، آثرت دنياي وتركت آخرتي، عمي علي رشدي حتى حضرني أجلي (1).

وسرعان ما يقفز إلى الذهن هنا موقف شبيه بهذا، وقد رد عليه القرآن الكريم، فقال: (آلآن وقد عصيت قبل...) (2).

ومعاوية من هو؟

بعد ما قرأنا أخباره نكتفي هنا بذكر أرقام وتعريف غاية في الإيجاز:

فهل تعلم أنه خرج على إمام زمانه الحق علي بن أبي طالب، هل تعلم من كان مع علي؟

كان معه سبعون بدريا!

وممن بايع تحت الشجرة كان مع علي سبعمائة رجل!

ومن سائر المهاجرين والأنصار أربعمائة رجل!

ولم يكن مع معاوية إلا النعمان بن بشير ومسلمة بن مخلد من الأنصار (3).

أذكر هذه الأرقام وقلبي يعتصر ألما إذ أستعين بها وبنظائرها للاستدلال على أحقية علي عليه السلام، وأن خصومة ليسوا على شئ!

أبعد علي نبحث عن أدلة وشواهد على الحق؟!

وبعد، فإن هذا الصحابي، وكاتب الوحي! هو الذي قتل الصحابيين:

(1) وقعة صفين: 34 - 39، اليعقوبي 2: 184 - 186، ابن أبي الحديد 2: 62 - 66، الكامل 3:

276 بعضه، سير أعلام النبلاء 3: 71 - 73 بعضه، تاريخ ابن خلدون 2: 625 مختصرا.

(2) يونس: 91.

(3) تاريخ اليعقوبي 2: 188، وفي مآثر الإنافة: قتل - من أصحاب علي عليه السلام بصفين - خمسة وعشرون بدريا كان من جملتهم عمار بن ياسر الذي قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " تقتلك الفئة الباغية " 1: 102.


246

حجر بن عدي الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي صبرا لأنهما ردا على من سب عليا على منابر المسلمين!

وليتك تدري أن الذي سعى بهما وبأصحابهما إلى معاوية فكان سببا في قتلهم جميعا هو صحابي آخر، وقد عمل لمعاوية على الكوفة بعد المغيرة، وهو القائل لحجر بن عدي رضي الله عنه: أرأيت ما كنت عليه من المحبة والموالاة لعلي؟

قال: نعم قال: فإن الله قد حول ذلك بغضة وعداوة.

أورأيت ما كنت عليه من البغضة والعداوة لمعاوية؟

قال: نعم.

قال: فإن الله قد حول ذلك كله محبة وموالاة، فلا أعلمنك ما ذكرت عليا بخير، ولا أمير المؤمنين معاوية بشر!

إنه زياد بن أبيه، وقد كتب فيهم إلى معاوية: أنهم خالفوا الجماعة في لعن أبي تراب، وزروا على الولاة، فخرجوا بذلك عن الطاعة (1)!!

فأمر بقتلهم جميعا - وكانوا سبعة نفر - بمرج عذراء من بلاد الشام.

قيل: ودخل معاوية على عائشة، فقالت له: يا معاوية، ما حملك على قتل أهل عذراء، حجرا وأصحابه؟

فقال: يا أم المؤمنين، إني رأيت في قتلهم إصلاحا للأمة، وفي بقائهم فسادا!

فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " سيقتل

(1) تاريخ اليعقوبي 2: 230، وقصة زياد ومعاوية مع حجر وأصحابه تجدها مفصلة في: الكامل في تاريخ 3: 472 - 488، وتهذيب تاريخ دمشق 2: 373 - 383 - عند ترجمة أرقم الكندي -.


247

بعذراء ناس يغضب الله لهم وأهل السماء " (1).

هل عجبت من دين هؤلاء؟

كلا، فإن الأعجب من ذلك ما نسمعه من وجوب حفظ كرامتهم، والترضي عليهم!!

وإنه لمن عظائم الأمور التي تستدعي بحق إعادة النظر في حقيقة الإيمان، أن يشك المرء بفسق هؤلاء، بل بوجوب البراءة منهم.

وهذه شهادة الحسن البصري: أربع خصال كن في معاوية لو لم يكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة:

انتزاؤه على هذه الأمة بالسيف، حتى أخذ الأمر من غير مشورة، وفيهم بقايا الصحابة، وذوو الفضيلة.

واستخدامه بعده ابنه سكيرا، خميرا، يلبس الحرير، ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زيادا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " الولد للفراش، وللعاهر الحجر ".

وقتله حجرا وأصحاب حجر، فيا ويلا له من حجر! ويا ويلا له من حجر (2).

وأبو هريرة:

الذي دخل الإسلام أيام خيبر، فكان له من الصحبة عامان، ثم حدث بأحاديث لم يحدثها أحد غيره ممن صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم منذ

(1) دلائل النبوة 6: 457، البداية والنهاية 6: 231، الإصابة 2: 329.

(2) الكامل في التاريخ 3: 487، ابن أبي الحديد 2: 262 و 16: 193، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر 2: 384.


248

بعثته الشريفة، ولم يفارقه حتى وفاته صلى الله عليه وآله وسلم! لنرى ماذا قالوا فيه.

قال ابن أبي الحديد: قال أبو جعفر: وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا غير مرضي الرواية. ضربه عمر بالدرة، وقال: قد أكثرت من الرواية، وأحر بك أن تكون كاذبا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم!

وروى سفيان الثوري عن منصور، عن إبراهيم التيمي، قال: كانوا لا يأخذون عن أبي هريرة إلا ما كان من ذكر جنة أو نار! (1) وروى أبو أسامة عن الأعمش، قال: كان إبراهيم صحيح الحديث، فكنت إذا سمعت الحديث أتيته فعرضته عليه، فأتيته يوما بأحاديث من حديث أبي صالح عن أبي هريرة، فقال: دعني من أبي هريرة، إنهم كانوا يتركون كثيرا من حديثه.

وقد روي عن علي عليه السلام، أنه قال: " ألا إن أكذب الناس - أو قال: أكذب الأحياء - على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبو هريرة الدوسي ".

وروى أبو يوسف، قال: قلت لأبي حنيفة: الخبر يجئ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخالف قياسنا، ما تصنع به؟

قال: إذا جاءت به الرواة الثقات عملنا به وتركنا الرأي.

فقلت: ما تقول في رواية أبي بكر وعمر؟

فقال: ناهيك بهما!

فقلت: علي وعثمان؟

قال: كذلك، فلما رآني أعد الصحابة، قال والصحابة كلهم عدول ما

(1) وانظر: سير أعلام النبلاء 2: 609.


249

عدا رجالا، ثم عد منهم: أبا هريرة، وأنس بن مالك!

وروى سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عمر بن عبد الغفار: أن أبا هريرة لما قدم الكوفة كان يجلس بالعشيات بباب كندة، ويجلس الناس إليه، فجاءه شاب من الكوفة فجلس إليه، فقال: يا أبا هريرة، أنشدك الله، أسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي بن أبي طالب:

" اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه "؟

فقال: اللهم نعم.

قال: فأشهد بالله لقد واليت عدوه، وعاديت وليه!

وروت الرواة أن أبا هريرة كان يخطب وهو أمير المدينة، فيقول: الحمد لله الذي جعل الدين قياما، وأبا هريرة إماما، يضحك الناس بذلك!

وكان يمشي - وهو أمير المدينة - في السوق، فإذا انتهى إلى رجل يمشي أمامه ضرب برجليه الأرض، ويقول: الطريق الطريق، قد جاء الأمير، يعني نفسه!

قال: وقد ذكر هذا كله ابن قتيبة في كتاب (المعارف) (1) في ترجمة أبي هريرة، وقوله فيه حجة لأنه غير متهم عليه (2).

وقال ابن المسيب: كان أبو هريرة إذا أعطاه معاوية سكت، فإذا أمسك عنه تكلم (3)!

عبد الله بن الزبير - أميرا -:

ولما وقعت الفتنة بين عبد الله بن الزبير وعبد الملك بن مروان ارتحل

(1) المعارف: 158، وروى كثيرا منه ابن كثير في البداية والنهاية 8: 117.

(2) ابن أبي الحديد 4: 67 - 69.

(3) البداية والنهاية 8: 117، سير أعلام النبلاء 2: 615.


250

عبد الله بن عباس ومحمد بن الحنفية بأولادهما ونسائهما حتى نزلوا مكة، فبعث عبد الله بن الزبير إليهما يبايعان، فأبيا، وقالا: أنت وشأنك، لا نعرض لك ولا لغيرك.

فأبى، وألح عليهما إلحاحا شديدا، فقال لهما: لتبايعن، أو لأحرقنكم بالنار!

فبعثا أبا الطفيل إلى شيعتهم بالكوفة، فانتدب أربعة آلاف، فدخلوا مكة، فكبروا تكبيرة سمعها أهل مكة وابن الزبير، فانطلق هاربا حتى دخل دار الندوة، وقيل وتعلق بأستار الكعبة، وقال: أنا عائذ بالبيت.

فمالوا إلى ابن عباس وابن الحنفية وأصحابهما وهم في دورهم وقد جمع الحطب فأحاط بهم حتى بلغ رؤوس الجدر، ولو أن نارا تقع فيه ما رؤي منهم أحد، فأخرجوهم، وقالوا لابن عباس: ذرنا نريح الناس منه.

قال: لا، إن هذا بلد حرام ما أحله الله إلا لنبيه ساعة، ولكن أجيرونا.

فخرجوا بهم إلى الطائف، فتوفي عبد الله بن عباس رضي الله عنه وأرضاه في مسيره ذاك (1).

- وقيل لعبد الله بن عمر: ألا تبايع أمير المؤمنين؟ يعني ابن الزبير.

فقال: والله ما شبهت بيعتهم إلا بققة، أتعرف ما الققة؟ الصبي يحدث ويضع يده في حدثه، فتقول له أمه: ققة (2).

سمرة بن جندب:

هو صاحب النخلة التي كانت في بستان الأنصاري، وكان يؤذيه، فشكاه

(1) أسد الغابة 3: 194 - 195 - ترجمة عبد الله بن عباس -، تهذيب تاريخ دمشق 7: 411 - 412.

(2) النهاية لابن الأثير (قق) 4: 95، لسان العرب 10: 323.


251

الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فبعث إلى سمرة، فقال له:

" بع نخلك من هذا وخذ ثمنه ".

قال: لا أفعل! قال صلى الله عليه وآله وسلم: " فخذ نخلا مكان نخلك ".

قال: لا أفعل! فقال صلى الله عليه وآله وسلم: " فاشتر منه بستانه ".

قال: لا أفعل! فقال صلى الله عليه وآله وسلم: " فاترك لي هذا النخل ولك الجنة ".

قال: لا أفعل!! فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقطع نخله (1).

وكان سمرة من شرطة زياد، فاستخلفه زياد على البصرة، فأكثر فيها القتل، قال ابن سيرين: قتل سمرة في غيبة زياد هذه ثمانية آلاف!.

وقال أبو السوار العدوي: قتل سمرة من قومي في غداة واحدة سبعة وأربعين كلهم قد جمع القرآن (2)!

وتقدم ذكر وضعه الحديث في طعن علي عليه السلام، وقد كان سمرة يحرض الناس على الخروج إلى الحسين عليه السلام وقتاله (3)!

وروي عن أبي هريرة أنه قال: ما فعل سمرة؟ قيل له: هو حي.

قال: ما أحد أحب إلي طول حياة منه. قيل: ولم ذاك؟

قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لي وله ولحذيفة بن اليمان: " آخركم موتا في النار " فسبقنا حذيفة، وأنا الآن أتمنى أن أسبقه!

(1) ابن أبي الحديد 4: 78.

(2) الكامل في التاريخ 3: 462 - 463، وانظر ابن أبي الحديد 4: 77 - 78.

(3) ابن أبي الحديد 4: 79.


252

فكان سمرة بن جندب آخرهم موتا (1).

معاوية بن حديج (2):

له صحبة ورواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (3).

وهو الذي تولى قتل محمد بن أبي بكر رضي الله عنه في مصر بعد أن تفرق عنه جيشه، فقبضوا عليه وقد كاد يموت عطشا، وأقبلوا به نحو الفسطاط فقال له معاوية بن حديج: أتدري ما أصنع بك؟ أدخلك جوف حمار، ثم أحرقه عليك بالنار.

فقتله، ثم ألقاه في جيفة حمار، ثم أحرقه (4).

فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعا شديدا، وجعلت تدعو على معاوية وعمرو بن العاص دبر الصلوات (5).

وماذا كان معاوية مع هذا؟ أسب الناس لعلي عليه السلام!.

(1) ابن أبي الحديد 4: 78، والحديث في: سير أعلام النبلاء 3: 184 - 185، ودلائل النبوة 6: 458 - 460، ومجمع الزوائد 8: 290 من عدة طرق تدل على أن الحديث تكرر في أكثر من موضع، وفيها " أبو مخدورة " بدلا من " حذيفة "، ورواه أيضا: ابن عبد البر في (الاستيعاب) - هامش الإصابة - 2: 78، والعسقلاني في (الإصابة) 3: 131، وابن دريد في (الاشتقاق) في موضعين: 134، 282.

(2) ذكر بعضهم (خديج) بالمعجمة.

(3) الطبقات الكبرى 7: 503، أسد الغابة 4: 383، التاريخ الكبير للبخاري 7: 328 / 1407، سير أعلام النبلاء 3: 37.

(4) الكامل في التاريخ 3: 357، البداية والنهاية 7: 326، سير أعلام النبلاء 3: 482، فتوح البلدان: 319.

(5) الكامل في التاريخ 3: 357، البداية والنهاية 7: 327.


253

قال الذهبي: حج معاوية ومعه معاوية بن حديج، وكان من أسب الناس لعلي، فمر في المدينة، والحسن جالس في جماعة من أصحابه، فأتاه رسول، فقال: أجب الحسن. فأتاه فسلم عليه، فقال له: أنت معاوية بن حديج؟

قال: نعم.

قال: فأنت الساب عليا رضي الله عنه؟

قال فكأنه استحيا. فقال له الحسن: أما والله لئن وردت عليه الحوض وما أراك ترده، لتجدنه مشمر الإزار على ساق، يذود عنه رايات المنافقين ذود غريبة الإبل، قول الصادق المصدوق (وقد خاب من افترى) (1).

فتنة الجمل:

تلك الفتنة التي راح ضحيتها قرابة ثلاثين ألفا من المسلمين!

دعنا نقف عندها فنتساءل: هل كان قادة الجمل على الحق يوم بايعوا عليا بكل رضى واختيار، أم يوم خرجوا عليه وجيشوا لقتاله الجيوش؟

أكانوا على الحق يوم حرضوا على عثمان، أم يوم خرجوا يطلبون بدمه؟

أم نسينا نحن ما نسوه، أو تناسوه من تحذير النبي الأعظم لهم من تلك الفتنة؟!

لنقرأ منها لمحات فقط، ولنتذكر:

أن أم المؤمنين عائشة كانت بمكة، خرجت إليها قبل أن يقتل عثمان، فلما كانت في بعض طريقها راجعة إلى المدينة لقيها ابن أم كلاب، فقالت له:

ما فعل عثمان؟

(1) سير أعلام النبلاء 3: 39.


254

قال: قتل!

قالت: بعدا وسحقا، فمن بايع الناس؟

قال: طلحة.

قالت: إيها ذو الإصبع.

ثم لقيها آخر، فقالت: ما فعل الناس؟

قال: بايعوا عليا.

قالت: والله ما كنت أبالي أن تقع هذه على هذه، ثم رجعت إلى مكة (1).

فانصرفت إلى مكة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلوما، والله لأطلبن بدمه!

قال لها: ولم؟ والله إن أول من أمال حرفه لأنت، ولقد كنت تقولين:

اقتلوا نعثلا فقد كفر.

قالت: إنهم استتابوه، ثم قتلوه، وقد قلت وقالوا، وقولي الأخير خير من قولي الأول.

فقال لها ابن أم كلاب:

فمنك البداء ومنك الغير

ومنك الرياح ومنك المطر

وأنت أمرت بقتل الإمام

وقلت لنا: إنه قد كفر

(1) تاريخ اليعقوبي 2: 180، ابن أبي الحديد 6: 215 - 216 الإمامة والسياسة 1: 52، كتاب الأوائل:

97.


255

فهبنا أطعناك في قتله

وقاتله عندنا من أمر

ولم يسقط السقف من فوقنا

ولم ينكسف شمسنا والقمر

وقد بايع الناس ذو تدرء

يزيل الشبا ويقيم الصعر

يلبس للحرب أثوابها

وما من وفى مثل من قد غدر (1)

هذا مع أن مروان كان قد دعاها أيام كان عثمان محاصرا، فقال لها: يا أم المؤمنين، لو قمت فأصلحت بين هذا الرجل وبين الناس.

فقالت: قد فرغت من جهازي وأنا أريد الحج.

قال: فيدفع إليك بكل درهم أنفقته درهمين.

قالت: لعلك ترى أني في شك من صاحبك؟ أما والله لوددت أنه مقطع في غرارة من غرائري، وأني أطيق حمله، فأطرحه في البحر (2)!

وأقام علي أياما، ثم أتاه طلحة والزبير، فقالا: إنا نريد العمرة، فأذن لنا في الخروج، فلحقا عائشة بمكة فحرضاها على الخروج، فأتت أم سلمة، فكلمتها في الخروج معهم، فردت عليها أم سلمة كلاما، منه قولها: ما أنت

(1) تاريخ الطبري 5: 172، الكامل في التاريخ 3: 206، الفتوح لابن أعثم 1: 434، الإمامة والسياسة 1: 52.

(2) اليعقوبي 2: 175 - 176.


256

قائلة لو أن رسول الله عارضك بأطراف الفلوات، قد هتكت حجابا قد ضربه عليك (1)؟.

وقولها: أفأذكرك؟

قالت: نعم.

قالت أم سلمة: أتذكرين إذ أقبل عليه السلام ونحن معه، فخلا بعلي يناجيه، فأطال، فأردت أن تهجمين عليهما، فنهيتك فعصيتني، فهجمت عليهما، فما لبثت أن رجعت باكية، فقلت: ما شأنك؟

فقلت: إني هجمت عليهما وهما يتناجيان، فقلت لعلي: ليس لي من رسول الله إلا يوم من تسعة أيام، أفما تدعني يا ابن أبي طالب ويومي!

فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي وهو غضبان محمر الوجه، فقال: " ارجعي وراءك، والله لا يبغضه أحد من أهل بيتي ولا من غيرهم من الناس إلا وهو خارج من الإيمان "؟

قالت عائشة: نعم أذكر.

قالت أم سلمة: وأذكرك أيضا، وكنت أنا وأنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر له، فقعد في ظل سمرة (2)، وجاء أبوك وعمر فاستأذنا عليه، فقمنا إلى الحجاب، ودخلا يحادثانه فيما أرادا، ثم قالا: يا رسول الله، إنا لا ندري قدر ما تصحبنا، فلو أعلمتنا من يستخلف علينا، ليكون بعدك مفزعا؟

فقال لهما: " أما إني قد أرى مكانه، ولو فعلت لتفرقتم عنه، كما تفرقت بنو إسرائيل عن هارون بن عمران " فسكتا، ثم خرجا.

فلما خرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قلت له، وكنت أجرأ عليه منا: من كنت يا رسول الله مستخلفا عليهم؟

(1) تاريخ اليعقوبي 2: 181، ابن أبي الحديد 6: 219 - 220، العقد الفريد 5: 62.

(2) السمرة: من شجر الطلح. الصحاح (سمر) 2: 689.


257

فقال: " خاصف النعل ".

فنظرنا، فلم نر أحد إلا عليا، فقلت: يا رسول الله، ما أرى إلا عليا.

فقال: " هو ذاك "؟

فقالت عائشة: نعم، أذكر ذلك.

فقالت لها: فأي خروج تخرجين بعد هذا (1)؟!

وسار القوم قاصدين البصرة، فلما بلغوا ذات عرق لقي سعيد بن العاص مروان بن الحكم وأصحابه، فقال لهم: أين تذهبون وتتركون ثأركم على أعجاز الإبل وراءكم؟ - يعني عائشة، وطلحة، والزبير - اقتلوهم ثم ارجعوا إلى منازلكم.

فقالوا نسير لعلنا نقتل قتلة عثمان جميعا (2).

ومر القوم في الليل بماء يقال له: الحوأب، فنبحتهم كلابه، فقالت: ما هذا الماء؟

قال بعضهم: ماء الحوأب.

قالت: أنا لله وإنا إليه راجعون، هذا الماء الذي قال لي رسول الله:

" لا تكوني التي تنبحك كلاب الحوأب ".

فأتاها القوم بأربعين رجلا، فأقسموا بالله أنه ليس بماء الحوأب!!

وأتى عبد الله بن الزبير فحلف لها بالله لقد خلفته أول الليل، وأتاها ببينة زور من الأعراب فشهدوا بذلك.

فزعموا أنها أول شهادة زور شهد بها في الإسلام!

وجاءها محمد بن طلحة، فقال لها: تقدمي - يرحمك الله - ودعي هذا القول (3)!

(1) ابن أبي الحديد 6: 217 - 218، أعلام النساء 3: 38، وقريب منه في الفتوح 1: 456 وفيه زيادة (2) الكامل 3: 209، الإمامة والسياسة 1: 63، تاريخ ابن خلدون 2: 608.

(3) قصة ماء الحوأب وحديث كلاب الحوأب متفق عليه عند أصحاب السير، انظر: الكامل في التاريخ

‌>


258

وبلغوا البصرة، وعامل علي عليه السلام عليها الصحابي عثمان بن حنيف الأنصاري، فمنعهم من الدخول، وقاتلهم، ثم توادعوا ألا يحدثوا حدثا حتى يقدم علي، ثم كانت ليلة ذات ريح وظلمة، فأقبل أصحاب طلحة فقتلوا حرس عثمان بن حنيف، ودخلوا عليه، فنتفوا لحيته وجفون عينيه، وقالوا:

لولا العهد لقتلناك، وأخذوا بيت المال (1).

فلما حضر وقت الصلاة، تنازع طلحة والزبير، وجذب كل واحد منهما صاحبه حتى فات وقتها، فصاح الناس: الصلاة الصلاة، يا أصحاب محمد!

فقالت عائشة: يصلي محمد بن طلحة يوما، وعبد الله بن الزبير يوما فاصطلحوا على ذلك (2).

ثم التقى الجمعان، فخرج الزبير، وخرج طلحة بين الصفين، فخرج إليهما علي، حتى اختلفت أعناق دوابهم، فقال علي: " لعمري قد أعددتما سلاحا وخيلا ورجالا إن كنتما أعددتما عند الله عذرا، فاتقيا الله، ولا تكونا (كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا) (3).

ألم أكن أخاكما في دينكما، تحرمان دمي، وأحرم دمكما، فهل من حدث أحل لكما دمي؟! ".

قال طلحة: ألبت على عثمان.

<‌

3: 210، اليعقوبي 2: 181، الفتوح 1: 460، الإمامة والسياسة: 63، ابن أبي الحديد 6: 225 تاريخ ابن الوردي 1: 208، البداية والنهاية 6: 217، 218 وانظر: مسند أحمد 6: 52، 97، مسند أبي يعلى 8: 282 / 512، دلائل النبوة 6: 410، المستدرك 3: 119 - 120، الخصائص الكبرى 2: 232 - 233، كنز العمال 11 ح / 31667.

(1) الكامل في التاريخ 3: 215، اليعقوبي 2: 181، الإمامة والسياسة: 69، تاريخ ابن خلدون 2:

610، سير أعلام النبلاء 2: 322.

(2) تاريخ اليعقوبي 2: 181، الطبقات الكبرى 5: 54.

(3) النحل: 92.


259

قال علي: " (يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق) يا طلحة، تطلب بدم عثمان؟! فلعن الله قتلة عثمان.

يا طلحة، أجئت بعرس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تقاتل بها، وخبأت عرسك في البيت! أما بايعتني؟! ".

قال: بايعتك والسيف على عنقي!

فقال علي للزبير: " يا زبير، ما أخرجك؟ قد كنا نعدك من بني عبد المطلب حتى بلغ ابنك ابن السوء، ففرق بيننا " وذكره أشياء، فقال: " أتذكر يوم مررت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بني غنم، فنظر إلي، فضحك، وضحكت إليه، فقلت له: لا يدع ابن أبي طالب زهوه، فقال لك:

" ليس به زهو، لتقاتلنه وأنت ظالم له؟ ".

قال اللهم نعم، ولو ذكرت ما سرت مسيري هذا، والله لا أقاتلك أبدا.

فانصرف الزبير إلى عائشة، فقال لها: ما كنت في موطن منذ عقلت إلا وأنا أعرف فيه أمري، غير موطني هذا.

قالت: فما تريد أن تصنع؟

قال: أريد أن أدعهم وأذهب.

قال له ابنه عبد الله: جمعت بين هذين الغارين، حتى إذا حدد بعضهم لبعض أردت أن تتركهم وتذهب؟! لكنك خشيت رايات ابن أبي طالب، وعلمت أنها تحملها فتية أنجاد، وأن تحتها الموت الأحمر، فجبنت!

فأحفظه (1) ذلك، وقال: إني حلفت ألا أقاتله.

قال: كفر عن يمينك، وقاتله.

فأعتق غلامه (مكحولا)، وقيل (سرجيس).

(1) أحفظه: أغضبه.

لسان العرب (حفظ) 7: 442.


260

فقال عبد الرحمن بن سلمان التميمي:

لم أر كاليوم أخا إخوان

أعجب من مكفر الأيمان

بالعتق في معصية الرحمن (1)

وقيل: إنه رجع، ولم يقاتل (2).

تلك هي مسيرة الجمل، مسيرة الجمل كل خطاها كانت ظالمة، فهل يؤمها قوم عدول؟ إن حكما كهذا لهو أشد عجبا من كل تلك الخطى.

وفي تاريخ ابن عساكر: بعث علي عليه السلام إلى طلحة أن القني، فلقيه، فقال له: أنشدك الله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه "؟

قال: نعم، وذكره.

فقال له: ولم تقاتلني (3).

وشهد شاهد من أهلها:

قال ابن عساكر: قدم معاوية المدينة، فأقام بها، ثم توجه إلى الشام، فتبعه من تبعه، فأدركه ابن الزبير في أول الناس، فسار إلى جنبه ليلا وهو نائم ففزع له، فقال: من هذا؟

فقال ابن الزبير: أما إني لو شئت أن أقتلك لقتلتك.

قال: لست هناك، لست من قتال الملوك، إنما يصيد كل طائر قدره.

(1) تاريخ الطبري 5: 200، الكامل في التاريخ 3: 239، تهذيب تاريخ دمشق 5: 367، 368 ولم يذكر الشعر، والحديث " لتقاتلنه وأنت ظالم له " أخرجه أيضا: البيهقي في (دلائل النبوة) 6: 414، والحاكم في المستدرك 3: 366 - 367.

(2) الإمامة والسياسة: 73، تهذيب تاريخ دمشق 5: 368.

(3) تهذيب تاريخ دمشق 7: 87.


261

فقال ابن الزبير: أما والله لقد سرت تحت لواء أبي إلى علي بن أبي طالب وهو من تعلم.

فقال: لا جرم، والله لقد قتلكم بشماله.

فقال: أما إن ذلك في نصرة عثمان.

قال معاوية: والله ما كان بك نصرة عثمان، ولولا بغض علي بن أبي طالب لجررت برجلي عثمان مع الضبع (1).

يوم الخميس، وما يوم الخميس!

قال الشهرستاني في (الملل والنحل) في ذكر الاختلافات الواقعة بين الصحابة في حال مرضه، وبعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم:

فأول تنازع وقع في مرضه عليه السلام: فيما رواه الإمام أبو عبد الله محمد ابن إسماعيل البخاري، بإسناده عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه، قال:

لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم مرضه الذي مات فيه، قال: " ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي " فقال عمر: إن رسول الله قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله.

وكثر اللغط، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " قوموا عني، لا ينبغي عندي التنازع ".

قال ابن عباس: الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (2)!

وفي رواية أخرى: عن سعيد بن جبير، قال:

(1) المصدر 7: 410.

(2) الملل والنحل - المقدمة الرابعة: 29.


262

قال ابن عباس: يوم الخميس، وما يوم الخميس! ثم بكى حتى بل دمعه الحصى. فقلت: يا ابن عباس، وما يوم الخميس؟

قال: اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعه، فقال: " ائتوني أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي " فتنازعوا، وما ينبغي عند نبي تنازع، وقالوا:

ما شأنه، أهجر؟ استفهموه!

قال: " دعوني، فالذي أنا فيه خير " (1).

وفي رواية البخاري: فقال عمر: إن رسول الله قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " قوموا ".

فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب، من اختلافهم ولغطهم (2).

وفي مسند أحمد، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتابا لا يضلون بعده، فخالف عمر بن الخطاب حتى رفضها (3).

ترى أين ذهبوا بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم

(1) صحيح مسلم - كتاب الوصية 3: 1257 / 1637، مسند أحمد 1: 222، مسند أبي يعلى 4: 298 / 2409، البداية والنهاية 5: 200، تاريخ الطبري 3: 193، تاريخ ابن خلدون 2: 485.

(2) صحيح البخاري - كتاب المرضى - 7: 219 / 30، مسلم 3: 1259 / 22، مسند أحمد 1:

324، البداية والنهاية 5: 200، الكامل 2: 320، السيرة النبوية - للذهبي - 384 وهذه أحاديث متفق عليها.

(3) مسند أحمد 3: 346.


263

(يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون).

إلى قوله تعالى: ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون (1)؟

أم أنهم نسوا فيمن نزلت تلك الآيات؟

سألت البخاري، والترمذي، والنسائي، وأصحاب النزول، وآخرين، فأجابوا جميعا: أنها نزلت في أبي بكر وعمر، وقد اختصما، وعلت أصواتهما في مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذه قصتهما كما يرويها البخاري:

عن نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة، قال: كاد الخيران أن يهلكا: أبا بكر وعمر! رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر - قال نافع: لا أحفظ اسمه (2) -.

فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي.

قال: ما أردت خلافك. فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم..) الآيات.

قال ابن الزبير، فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه، يعني أبا بكر (3).

(1) سورة الحجرات: 1 - 4.

(2) هو القعقاع بن معبد، كما في المصادر الأخرى.

(3) صحيح البخاري - كتاب التفسير - 6: 243 / 339 و 341، سنن الترمذي 5: 387 / 3266، سنن النسائي - كتاب آداب القضاة - 8: 226، الواحدي في أسباب النزول: 215، السيوطي في لباب النقول: 194، وفي الدر المنثور 7: 546 و 547، تفسير الثعالبي 4: 185، تفسير الطبري

‌>


264

فإن صح قول ابن الزبير هذا، فماذا يقول في كلام عمر في هذه " الرزية "؟!

وبأي شئ يعتذر معتذر لعمر قوله هذا، الذي راح بعضهم يستبدله بألفاظ قد تحتمل الألسن قراءتها، وإن لم ترتضيها القلوب المؤمنة، فيقول:

فقال عمر: غلبه الوجع أو كلمة بهذا المعنى!

فهل سيكفي هذا عذرا له؟

أم بماذا يفسرون قوله: عندكم القرآن، وحسبنا كتاب الله؟!

هل أراد بهذا إلغاء السنة النبوية كليا، والإعراض عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحديثه، اكتفاء بالقرآن؟

لا أظن أن أحدا سيرضى لعمر مثل هذا، فيتابعه عليه، ولا أحسبه أراد هذا، لعلمه بأنه كفر صريح لا يخفى على أحد.

فماذا بقي؟..

لم يبق سوى أنه أراد أن يصرف الأمر عما يتبادر إلى أذهان الصحابة فورا، وهم يسمعون قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا " فإنه يتبادر إلى أذهانهم لأول وهلة حديث رسول الله في حجة الوداع:

" إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي ".

وهذا وحده هو المعنى المقبول، والذي يؤيده: موافقة الكثير منهم لعمر، حيث لا تخفى كراهة بعضهم أن يكون هذا الأمر في أهل بيت النبي، كما صرحوا بذلك غير مرة.

<‌

26: 76 وليس فيه كلام ابن الزبير، وابن الأثير في جامع الأصول 2: 431 - 433.

وقول البخاري " عن أبيه، يعني أبا بكر " هو عند غيره " عن جده " وهو الصواب، فعبد الله هو ابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر.


265

ولقد صرح عمر - نفسه - بهدفه هذا وأفشاه لعبد الله بن عباس، إذ سأله يوما وهما يتحدثان، فقال: يا عبد الله، عليك دماء البدن إن كتمتها: هل بقي في نفس علي شئ من من أمر الخلافة؟

قال - ابن عباس - قلت: نعم.

قال: أيزعم أن رسول الله نص عليه؟

قلت: نعم، وأزيدك: سألت أبي عما يدعيه، فقال: صدق.

فقال عمر: لقد كان في رسول الله من أمره ذرو من قول (1) لا يثبت حجة، ولا يقطع عذرا، ولقد كان يربع في أمره وقتا ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه، فمنعت من ذلك إشفاقا، وحيطة على الإسلام! ورب هذه البنية لا تجتمع عليه قريش أبدا (2)! فعلم رسول الله أني علمت ما في نفسه، فأمسك! (3) وقد ذكر هذه القصة الدكتور نوري جعفر في كتابه (علي ومناوئوه) ثم علق عليها بقوله: وإذا صحت هذه الرواية فإن عمر يبدو كأنه أحرص على الإسلام من نبيه، وهو أمر كان المفروض في عمر أن لا يهبط إليه (4).

ولو فرضنا عدم صحة عذر عمر في هذه القصة، وأن عمر لم يهبط إليه، فقد هبط إليه كل من أراد أن يجد له عذرا، إذ لم يجدوا عذرا غيره، فاتفقوا على أنه قالها إشفاقا وحرصا على الإسلام! وبلفظ يناسب طبعه الغليظ (5)!

وأما النص الذي اختاره الشهرستاني (6) فهو قوله: هي اختلافات

(1) ذرو من قول: طرف منه - أقرب الموارد 1: 368.

(2) لماذا؟ سيأتي جوابه في محله عن عمر أيضا.

(3) شرح ابن أبي الحديد 12: 21.

(4) علي ومناوئوه: 39.

(5) أنظر شرح ابن أبي الحديد 1: 183.

(6) في الملل والنحل - المقدمة الرابعة - 1: 29.


266

اجتهادية كما قيل، كان غرضهم منها: إقامة مراسم الشرع، وإدامة مناهج الدين.

ولست أراه عذرا أقبح من الفعل.

فهل إن إقامة مراسم الشرع، وإدامة مناهج الدين ستتم بإعراضنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واتباع ما نجتهده من آرائنا؟!

أم أن قوله - إنه يهجر، حسبنا كتاب الله - أبقى على شئ من مراسم الشرع ومناهج الدين؟

وقد أوضح معناه ابن الأثير وهو يظن أنه قد تناول العذر، فقال في مادة - هجر -:

ومنه حديث مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قالوا: " ما شأنه؟

أهجر؟ " أي اختلف كلامه بسب المرض، على سبيل الاستفهام. أي هل تغير كلامه واختلط لأجل ما به من مرض؟

وهذا أحسن ما يقال فيه، ولا يجعل إخبارا، فيكون: إما من الفحش، أو الهذيان، والقائل كان عمر، ولا يظن به ذلك (1).

والأشد غرابة، أن صاحب الملل والنحل قد ساق اعتذاره هذا - بأنها اختلافات اجتهادية - بعد خمس صفحات وبضعة أسطر فقط من كلام له جاء فيه: اعلم أن أول شبهة وقعت في الخليفة: شبهة إبليس لعنه الله، ومصدرها:

استبداده بالرأي في مقابلة النص (2)؟

بل بعد أسطر فقط من استنكاره الشديد لاستعمال الرأي في مقابلة النص، حيث قال في معرض ذكره ذا الخويصرة التميمي واعتراضه على حكم

(1) النهاية 5: 246، وعنه في لسان العرب - هجر - 5: 254.

(2) الملل والنحل - المقدمة الثالثة - 1: 23.


267

النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قسمة قسمها، فرد عليه، ثم احتج لرده، فقال:

أو ليس ذلك - يعني قول ذي الخويصرة - حكما بالهوى في مقابلة النص، واستكبارا على الأمر بقياس العقل (1)؟!

ولسنا نغفل أن إبليس كان من المقربين، بل هو (طاوس الملائكة) وإذا ذكر من له منزلة كهذه يقال: عليه السلام، حتى إذا استبد برأيه في مقابلة النص، أصبحنا نقول: لعنه الله!

وأن ذا الخويصرة كان صحابيا ينبغي الترضي عنه!

فكيف جاز لأولئك استعمالهم الرأي في مقابلة النص، وإعراضهم عن أمر النبي بقياس العقل، بينما كان هذا سببا في حلول اللعنة الأبدية على إبليس، وفي هلاك ذي الخويصرة الذي كان له من الصحبة ما لم يكن لكثير ممن نترضى عنهم؟!

بعثة أسامة:

قال في (الملل والنحل): الخلاف الثاني في مرضه: أنه - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: " جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف عنه ".

فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره، وأسامة قد برز من المدينة.

وقال قوم: قد اشتد مرض النبي عليه السلام فلا تسع قلوبنا مفارقته، والحالة هذه (2) وكان سبب ذلك أنه صلى الله عليه وآله وسلم بعث بعثا وأمر عليهم أسامة

(1) في السطر الثامن من الصفحة 28.

(2) المصدر 1: 29.


268

ابن زيد، فطعن الناس في إمرته فغضب لذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقام فيهم خطيبا وقال: " إن تطعنوا في إمرته، فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان لخليقا للإمرة، وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده " (1).

ودخلت أم أيمن، فقالت: أي رسول الله، لو تركت أسامة يقيم في معسكره حتى تتماثل، فإن أسامة إن خرج على حالته هذه لم ينتفع بنفسه. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: " أنفذوا بعث أسامة ".

وعسكر الجيش خارج المدينة، وفيهم أبو بكر وعمر، وثقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبلغ ذلك أسامة، فجاءه، وطأطأ عليه يقبله، فجعل الحبيب المصطفى يرفع يديه إلى السماء ثم يضعها على أسامة، كالداعي له، ثم أشار إليه بالرجوع إلى عسكره والتوجه لما بعثه فيه، فرجع أسامة إلى عسكره.

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصبح بارئا، فدخل عليه أسامة من معسكره، فأمره رسول الله بالخروج وتعجيل النفوذ، وقال: " اغد على بركة الله " وجعل يقول: " أنفذوا بعثة أسامة " ويكرر ذلك (2).

الآن ضع كلماته صلى الله عليه وآله وسلم: " جهزوا جيش أسامة "، " أنفذوا بعثة أسامة "، لعن الله من تخلف عنه " ضعها إلى جنب قوله تعالى:

(1) صحيح البخاري 5: 96 / 223 و 5: 290 / 262، صحيح مسلم 4: 1884 / 2426، مسند أحمد 2: 20، سيرة ابن هشام 4: 300، الطبقات الكبرى 4: 65، ابن أبي الحديد 1: 159، السيرة النبوية - المسمى (عيون الأثر) - 2: 352، سير أعلام النبلاء 2: 500، المغازي - للذهبي - 714 وقال: متفق على صحته.

(2) الطبقات الكبرى 4: 68، تهذيب تاريخ دمشق 1: 122، ابن أبي الحديد 1: 160 و 6: 52، المغازي - للواقدي - 3: 1119، عيون الأثر 2: 352، تاريخ ابن خلدون 2: 484 وأورده موجزا على عادته.


269

يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (1).

وقوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا (2).

وهل يشك أحد في كونه صلى الله عليه وآله وسلم أعلم بمصلحة الدين والأمة منهم، وأنه أشفق على الإسلام والمسلمين من غيره؟

إذن كيف نفسر ذلك منهم؟

مهما كان فهو في خلاف ما أمر به رسول الله، وشدد عليه، والنصوص في ذلك صريحة.

وشواهد كثيرة يطول ذكرها تدل كلها على عدم سلامة الرأي القائل بعدالة كل صحابي.

وتدل أيضا على أن التاريخ السياسي لهذه الأمة له الأثر الأكبر فيما بلغنا حول بعض الصحابة، وللموضوع تتمة في الفصل الآتي.

وأما باقي الصحابة وهم الأكثر عددا، فهم أنصار الله ورسوله، وهم أفضل من على وجه الأرض حينئذ، وبهم قام هذا الدين وانتصر، فجزاهم الله على ذلك أحسن الجزاء، ورضي عنهم وأرضاهم، وجعلنا من التابعين لهم بإحسان.

(1) النساء: 59.

(2) الأحزاب: 36.


270


271

حوار


272


273

أسئلة حرة

أسئلة حرة، تبث بها الفطرة، بحثا عن موضع قدم من بين تلك اللجج.

ولها أن تسأل لتهتدي، وليس لأحد إلجامها بعد ما أذن الله لها، وأمرها بذلك:

فقال تعالى: ﴿أفلا تذكرون (1).

وقال تعالى: ﴿أفلا تعقلون (2).

وقال جل جلاله: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) (3).

وقال حبيبه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم: " تفكر ساعة خير من قيام ليلة " (4).

وقال وليه، أخو رسوله: " إن الحق والباطل لا يعرفان بالناس، ولكن

(1) يونس 3، هود 24، 30، النحل: 17، المؤمنون: 85، الصافات: 155، الجاثية: 23.

(2) البقرة: 44، 76، آل عمران: 65، الأنعام: 32، الأعراف: 169، يونس: 16، هود: 51 ومواضع أخرى.

(3) سورة محمد (ص): 24.

(4) الكافي 2: 45 / 2 (باب التفكر)، كنز العمال 3 ح / 5711.


274

اعرف الحق تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف من أتاه " (1).

فلنا إذن أن نفتش عن كلمة الحق، فنأخذها، وعن الخطوة الحق، فنقفوا أثرها، وندع ما سوى ذلك لأهله، ولكل إلى ربه معاد.

وقد لا يكون دقيقا قولنا: إن التعرض لأصحاب النبي هو من خلاف التقوى إذ إن الأمر هو من خلاف الدين، أما التقوى فمرحلة متقدمة من مراحل الإيمان، ذلك إن كان تعرضا لأجل التعرض ليس إلا، أو لمل ء الفراغ بما ليس منه جدوى، أو ركوبا على مطية الهوى.

أما حين يكون بحثا عن الهدى، ولأجل أن نعرف من هم أولياء الله حقا ومن الذي انتحل هذا اللقب، أو منحه من غير ما استحقاق، فنوالي الصالحين ونجافي المعاندين، فعندئذ يكون بحثنا من صلب الدين، ومن مخ العبادة.

وليس في هذا فرصة للخلاف، وإلا فبأي معنى سيكون من أولياء الله ونحن لا نعرف من هم أولياؤه حقا، فنواليهم، ولا ندري من هم أعداؤه، فنعاديهم؟

ولعله استدل بحديث كثير على وجوب تجنب ما من شأنه المساس بأي ممن أدرك النبي، وأسلم على عهده، فصح أن يسمى (صحابيا).

ومن ذلك:

حديث: " احفظوني في أصحابي ".

وحديث: " لا تسبوا أصحابي ".

وحديث: " أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم ".

وحديث: " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " وأمثال هذا.

(1) تاريخ اليعقوبي 2: 210.


275

ترى - إن كان الأمر كذلك - فمن أين أتى هذا الطعن على الصحابة؟

ومن الذي وضع أسه، وأشاد بنيانه؟

أنحن، أهل هذه الأجيال المتأخرة كنا وراء كل ذلك، أم سبقنا إليه قوم آخرون؟

بحثت بجد فلم أجد حادثة في هذا الباب - بعد غياب النبي صلى الله عليه وآله وسلم - سبقت ما كان من عمر بن الخطاب في سعد بن عبادة يوم السقيفة: اقتلوا سعدا، قتل الله سعدا.

فكانت هذه هي أول سبة عرفها المسلمون فيما بينهم، وجثمان النبي الطاهر لم يودع بعد!

والذي تلقاها هو أحد النقباء، ومن أصحاب الشجرة، وممن شهد المواضع كلها، أو جلها.

ثم أعقب هذا بقليل إحاطة بيت علي وفاطمة عليهما السلام، وانتهاكه، وما صحب ذلك من تفاصيل تعدى ذكر أهمها.

ثم ما وقع من عمرو بن العاص، وجماعة من مسلمة الفتح بحق الأنصار من نيل، وطعن، وانتقاص كاد يثير فتنة كبيرة لولا أن دفع الله ذلك على لسان علي بن أبي طالب، والقثم بن العباس، وخالد بن سعيد بن العاص (1).

ثم جاءت (الدرة) التي لم ينج منها إلا من رحم ربي.

الدرة التي كانت تقع على رؤوس المهاجرين، والأنصار، والبدريين، وأصحاب الشجرة، فلا تتردد في النيل من كرامة أحدهم، أو أذاه!

وأحداث أخرى تعاقبت، سنمر على بعضها بالإشارة دون التفصيل.

وربما تعدى على أكثرها شهرة وصدى مقالة أم المؤمنين عائشة في الخليفة

(1) ابن أبي الحديد 6: 17 - 45، تاريخ اليعقوبي 2: 128.


276

عثمان:

(هذا قميص رسول الله لم يبل بعد وقد أبلى عثمان سنته!).

(اقتلوا نعثلا فقد كفر).

ثم هل هناك أشهر من سبهم عليا وحسنا وحسينا عليهم السلام على المنابر عقودا من الزمن؟

حتى صار ذلك سنة تتوارثها الأجيال، جيل عن جيل، ولو لا أن سخر الله لها عمر بن عبد العزيز فمنعها لبقيت جارية في أمتنا إلى يومنا هذا، ولألفيتنا نعتقد أنها واحدة من سنن الدين!

وماذا عساه يستغرب المرء من هذا القول، ألم يكن ذلك الإعتقاد ساريا بين أجدادنا من أبناء تلك العصور، حتى كان خطباؤهم، وعامتهم يتقربون به إلى الله؟

حدث أبو سلمة المثنى بن عبد الله الأنصاري - أخو محمد بن عبد الله الأنصاري - قال: قال لي رجل: كنت بالشام، فجعلت لا أسمع أحدا يسمي:

عليا، ولا حسنا، ولا حسينا، وإنما أسمع: معاوية، ويزيد والوليد.

قال: فمررت برجل على باب داره، وقد عطشت فاستسقيته، فقال: يا حسن، اسقه.

فقلت له: أسميت حسنا؟

فقال: إي والله، إن لي أولادا أسماؤهم حسن، وحسين، وجعفر، فإن أهل الشام يسمون أولادهم بأسماء خلفاء الله، ولا يزال أحدنا يلعن ولده ويشتمه، وإنما سميت أولادي بأسماء أعداء الله، فإذا لعنت فإنما ألعن أعداء الله.

فقلت له: ظننتك خير أهل الشام، وإذا جهنم ليس فيها شر منك (1).

(1) معجم الأدباء 14: 128 - 129، ورواها الذهبي في سير أعلام النبلاء، الترجمة 113 ج 10: 402.


277

وأمثال هذا كثير، فلقد كان بين أن ملك معاوية فسن هذه " السنة " سنة (40) للهجرة، وبين أن ولي عمر بن عبد العزيز سنة (99) فمنع منها ستين عاما، فكيف لا تدين بها أمة ما زالت تتلقاها من أفواه أمرائها وخطبائها ستين عاما؟

وكان ذلك واحدا من القرون الثلاثة التي ذكرت في الحديث، أنها خير القرون. فما الذي أريد من تلك القرون؟ أم أي يوم يعظمون؟

أيوم قتل فيه أمير المؤمنين وسيد الوصيين وقائد الغر المحجلين، أخو رسول رب العالمين، لينزو بنو أمية على منابر المسلمين؟

أم يوم فتنة الجمل، وعشرات الآلاف من القتلى، كلهم من أهل تلك القرون، بين صحابي وتابعي؟ وليس بخفي ما يعقب القتل من ترميل النساء، وإيتام الأطفال، والشدائد والضياع.

أم يوم فتنة الدار، ومقتل الخليفة عثمان بن عفان؟

أم يوم أغير على آل رسول الله بعيد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم؟

أذلك القرن يريدون، أم قرنا قتل فيه أبناء المصطفى و فيهم سبطه وريحانته، سيد شباب أهل الجنة، وسبيت بنات الزهراء: زينب، و أم كلثوم، ومن معهن من نساء أهل البيت، وآل أبي طالب، حتى لم يبق بيت له برسول الله صلة إلا وضجت فيه النوائح، وسكنته الأحزان والآلام؟!

أم قرنا أبيحت فيه مدينة رسول الله المنورة في وقعة الحرة الشهيرة، فقتل الأصحاب والتابعون، ونهبت الأموال، وبقرت بطون الحوامل، وهتكت الأعراض حتى ولدت الأبكار لا يعرف من أولدهن (1)؟!

(1) الإمامة والسياسة: 209 - 220، الكامل في التاريخ 4: 111 - 119، تاريخ اليعقوبي 2: 250، العقد الفريد 5: 128، الجوهر الثمين: 78 - 79، تعجيل المنفعة للعسقلاني: 453 - ترجمة يزيد بن معاوية -.


278

فهل المراد من " خير القرون " تعظيم كل ذلك، وتقديسه، والاقتداء به؟

إن قيل هذا فليس لأحد إن يرد على مانعي الزكاة بعد وفاة النبي، بل وحتى الذين ارتدوا عن الإسلام جهارا، لأنهم جميعا من أهل القرن الأول، وممن أدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورآه، وسمع حديثه!

فلما لم يقل بهذا أحد من أهل القبلة علمنا أنه ليس المراد تعظيم كل ما حدث في تلك القرون، كما أنه لا يصح تعظيم كل فرد من أهل تلك القرون وحفظ جانبه من أن ينال بشئ.

وليس هذا فقط، بل لا يصح أيضا الاعتقاد بأن أولئك جميعا هم أفضل ممن يأتي بعدهم، ناهيك عن أنبياء وصديقين عاشوا قبلهم ورحلوا.

فهل يمكن أن يكون المراد أن الصالحين من أهل تلك القرون هم أفضل على الإطلاق ممن سيأتي بعدهم؟

سوف لا أكون إلا مذكرا حين أقول: إن العكس أقرب للصواب - لما جاء في صحاح الأحاديث - باستثناء من جاءت النصوص بتفضيلهم.

فقد جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " طوبى لمن رآني وآمن بي، ثم طوبى، ثم طوبى، ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني " (1).

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: " طوبى لمن آمن بي ورآني مرة، وطوبى لمن آمن بي ولم يرني سبع مرات " (2).

(1) مسند أحمد 3: 71، كنز العمال 1 ح / 249.

(2) مسند أحمد 3: 155، 5: 248، 257، كنز العمال 1 ح / 250، مجمع الزوائد 10: 67 وقال:

رواه أحمد والطبراني بأسانيد رجالها رجال الصحاح غير أيمن بن مالك الأشعري وهو ثقة.


279

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم: " وددت أني لقيت إخواني " فقال أصحاب النبي: أو ليس نحن إخوانك؟

قال: " أنتم أصحابي، ولكن إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني " (1).

ثم يأتي هذا التفضيل صريحا في حديث صحيح، هذا نصه:

عن أبي جمعة، قال: تغدينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فقال: يا رسول الله، أحد أفضل منا، أسلمنا معك، وجاهدنا معك؟

قال: " نعم، قوم يكونون من بعدي، يؤمنون بي ولم يروني " (2).

ويأتي مفصلا في حديث آخر رجاله رجال الصحاح، أخرجه الهيثمي عن عمر بن الخطاب، قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم جالسا، فقال:

" أنبؤوني بأفضل أهل الإيمان إيمانا ".

قال: يا رسول لله، الملائكة.

قال: " هم كذلك، يحق لهم ذلك، وما يمنعهم من ذلك وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها؟ بل غيرهم ".

قالوا: " يا رسول الله، الأنبياء الذين أكرمهم الله برسالته والنبوة.

قال: " هم كذلك، ويحق لهم ذلك، وما يمنعهم وقد أكرمهم الله بالمنزلة التي أنزلهم بها؟ ".

قالوا: " يا رسول الله، الشهداء الذين استشهدوا مع الأنبياء.

قال: " هم كذلك، ويحق لهم، وما يمنعهم وقد أكرمهم الله بالشهادة؟ بل غيرهم ".

(1) مسند أحمد 3: 155.

(2) مسند أحمد 4: 106 - وأخرجه في الصفحة ذاتها من طريق أبي المغيرة -، مسند أبي يعلى 3: 128، أسد الغابة 5: 159، مجمع الزوائد 10: 66.


280

قالوا: فمن، يا رسول الله؟

قال: " أقوام في أصلاب الرجال، يأتون من بعدي، يؤمنون بي ولم يروني، ويصدقوني ولم يروني، يجدون الورق المعلق فيعملون بما فيه، فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيمانا " (1).

ومرة أخرى يأتي هذا التفصيل مشرقا لا ضباب عليه، فبينما تراه صلى الله عليه وآله وسلم بشيرا لمؤمنين " لم يأتوا بعد " تراه نذيرا بليغا لمن كان حوله!

إذ قال صلى الله عليه وآله وسلم يوما وأصحابه من حوله قال: " وددت أنا قد رأينا إخواننا ".

فقالوا: يا رسول الله، ألسنا بإخوانك؟

قال: " بل أنتم أصحابي، وإخواني الذين لم يأتوا بعد، وأنا فرطهم على الحوض ".

فقالوا: يا رسول الله، كيف تعرف من لم يأت من أمتك بعد؟

قال: " أرأيت لو أن رجلا كان له خيل غر محجلة (2) بين ظهراني خيل بهم دهم (3) ألم يكن يعرفها؟ ".

قالوا بلى.

قال: " فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض - ثم قال - ألا ليذادن رجال منكم عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم: ألا هلم، فيقال: إنهم بدلوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا " (4).

(1) مسند أبي يعلى 1: 147 / 160، مجمع الزوائد 10: 65، وأخرجه الحاكم في المستدرك 4: 85 في - ذكر فضائل الأمة بعد الصحابة والتابعين - وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

(2) الغرة: بياض الوجه والمحجل: الذي يرتفع البياض في قوائمه إلى موضع القيد. النهاية 1: 346.

(3) البهم: جمع البهيم، وهو الذي لا يخالط لونه لون سواه، والدهم: من الدهمة وهي السواد. انظر الصحاح: مادة (بهم) (دهم).

(4) هذا نص مسند أحمد 2: 300، ومسند أبي يعلى 11: 387 / 662 - (6502)، وهو في صحيح

‌>


281

فماذا بقي بعد؟

نعم، إن أحدا لا يشك في أن قرنا عاش فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو خير القرون.

فأي زمن هذا الذي يضاهي زمنا أطل فيه نور المصطفى على العالمين!

زمنا فيه بهجة الخلائق، الرحمة المهداة، إمام الأنبياء، وسيد المرسلين!

زمنا ما زالت رسل السماء فيه تتوافد على رسول الله وأمينه في أرضه، ونور الإسلام ينتشر في الآفاق فيملأ قفارها خيرا وعطاء وحبا وعزة وصفاء!

وحسبك فيه أنه عهد المصطفى المختار، وكفى.

فطوبى لمن أدركه ثم رعاه، فإن صحبة المصطفى شرف لا يضاهى لمن حفظ له حقه، ولكنه وبال على من فرط فيه، وضيعه!

روى البخاري عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، قال: لقيت البراء بن عازب رضي الله عنهما فقلت: طوبى لك صحبت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبايعته تحت الشجرة.

فقال: يا بن أخي، إنك لا تدري ما أحدثنا بعده! صلى الله عليه وآله وسلم (1)!

إذن، هل يصح أن يكون كل رجل منهم بمنزلة النجم، إذا اقتدينا به اهتدينا؟

إن كان الأمر كذلك فعلى أي شئ هرعوا مسرعين نحو سقيفة بني ساعدة ليدركوا الأنصار قبل أن يبايعوا خليفة من بينهم؟

وكان الأنصار قد مالوا إلى سيدهم سعد بن عبادة، ألم يكن سعد

<‌

مسلم 1: 218 / 249 كتاب الطهارة، وسنن ابن ماجة - كتاب الزهد - 2: 1439 / 4306، والموطأ 1: 28 / 28 - كتاب الطهارة باختلاف يسير في اللفظ.

(1) (صحيح البخاري - باب غزوة الحديبية 5: 264 ح / 197.


282

كأحدهم، وقد شهد المواضع كلها مع النبي؟ فلم استنكروا البيعة له كل هذا الاستنكار، وتصدوا لها بكل ما يملكون من قوة، حتى كادت تنشب الفتنة فلا تهدأ إلا عن رماد وحطام؟

ثم لم يحفظوا رسول الله في سعد!

قال عمر بن الخطاب وهو يصف بيعة السقيفة: ثم نزونا (1) على سعد، حتى قال قائلهم: قتلتم سعد بن عبادة، فقلت: قتل الله سعدا (2)!

وسعد بن عبادة - هذا الذي وطؤوه وشتموه - إنما هو أحد النقباء، ومن أصحاب بدر وبيعة الشجرة!

قال ابن عباس: كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المواطن كلها رايتان: مع علي راية المهاجرين، ومع سعد بن عبادة راية الأنصار.

وروى أحمد عن قيس بن سعد، قال: زارنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم - الحديث - ثم رفع يديه، فقال: " اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة " (3).

فلماذا كتب " الهدى " و " النجاة " لمن تابع عمر في بيعته لأبي بكر، ولم يكتب من ذلك شئ لمن تابع سعدا الذي أعرض عنهما، ولم يبايع لأحد منهما حتى توفي على عهد عمر مخاصما له (4)؟

(1) أي وقعنا عليه ووطئناه. انظر لسان العرب (نزا) 15: 320.

(2) صحيح البخاري - كتاب الحدود - 8: 304 ح / 25، تاريخ الطبري 3: 201، الكامل في التاريخ 2: 328، تاريخ اليعقوبي 2: 124، البداية والنهاية 5: 216، ابن أبي الحديد 2: 25، الرياض النضرة 1: 234، سيرة ابن هشام 4: 310، جامع الأصول 4: 471.

(3) أنظر ترجمة سعد بن عبادة في: أسد الغابة 2: 283، الإصابة 3: 80 / 3167، الطبقات الكبرى 3: 613، تهذيب الكمال 10: 277 / 2214.

(4) الكامل 2: 331، الطبري 3: 210، أسد الغابة 2: 284، الإصابة 3: 80، تهذيب الكمال 10 : 281، تاريخ ابن خلدون 2: 488، الطبقات الكبرى 3: 616 - 617، سير أعلام النبلاء 1:

‌>


283

أليسوا جميعا كالنجوم، بأيهم اقتدينا اهتدينا؟

- وهل يناقض كلام رسول الله بعضه بعضا؟

فهو صلى الله عليه وآله وسلم القائل لعمار بن ياسر: " تقتلك الفئة الباغية " (1).

والفئة الباغية هذه إنما كان يقودها صحابيان: معاوية، وعمرو بن العاص!

فهل يكون الباغي مهتديا؟

إذن كيف سيعرف الحق؟ وأين سيكون الدين؟

- وإن كان لسائر الصحابة مثل هذه المنزلة، فكيف جاز لعمر أن يقبل الدعوى على المغيرة بن شعبة بالزنا، ثم استدعى الشهود، وأجلسهم للخصومة، حتى شهد منهم ثلاثة وتلكأ الرابع (2)؟!

ولماذا أجاز شهادتهم على قدامة بن مظعون الأنصاري في شرب الخمر، ثم أقام عليه الحد، فجلده (3)؟

ولماذا لم يستبعد ذلك منهما، ويحكم باستحالته عليهما لما كان لهما من الصحبة والسابقة؟ فقد كان قدامة بن مظعون ممن شهد بدرا (4)، والمغيرة قد

<‌

277.

(1) صحيح البخاري - كتاب الصلاة 1: 194، صحيح مسلم - كتاب الفتن 4: 2235 / 70، 72، 73، مسند أحمد 2: 161، 164، وعدة مواضع أخرى، وترجمة عمار بن ياسر في جميع كتب التراجم والسير.

(2) المستدرك 3: 448، الكامل في التاريخ - أحداث السنة السابعة عشر - 2: 540، تاريخ الطبري 4: 206، البداية والنهاية 7: 83، ابن أبي الحديد 12: 231.

(3) أسد الغابة 4: 199، الإصابة 5: 233، الطبقات الكبرى 5: 560، ابن أبي الحديد 20: 23، سير أعلام النبلاء 1: 161، البداية والنهاية 7: 107، الرياض النضرة 2: 358 - 359.

(4) أسد الغابة 4: 198، الطبقات الكبرى 5: 401، الإصابة 5: 232، سير أعلام النبلاء 1: 161

‌>


284

شهد بيعة الشجرة (1)!

فأين أصبح إذن حديث - أصحابي كالنجوم -؟

هذا الحديث الذي لو صح على إطلاقه لامتلأت السنة بتناقض عجيب واضطراب لا تثبت معه قدم، إذ سيختلط الحق بالباطل، والهدى بالضلال، ويصبح من المحال الفصل بينها، غير أنه قد أراحنا من هذا العناء من أثبت مرة سقوط هذا الحديث عن المنزلة التي يصح معها الإحتجاج به، ومرة أثبت بطلانه:

فقد روى المتقي الهندي الحديث في باب الإعتصام بالكتاب والسنة بهذا النص: " مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به لا عذر لأحد في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله فسنة مني ماضية، فإن لم تكن سنة مني فما قال أصحابي، إن أصحابي كالنجوم في السماء فأيهم أخذتم اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة ".

ثم عقب عليه، فقال: (ق) - أي أخرجه البيهقي - في المدخل، وأبو نصر السجزي في الإبانة، وقال: غريب.

وأخرجه الخطيب، وابن عساكر، والديلمي، عن سليمان بن أبي كريمة عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس - قال - وسليمان ضعيف، وكذا جويبر (2).

فللحديث - إذا - طريقان: أحدهما غريب، وهذا لا يحتج به.

والآخر فيه ضعيفان، فهو مردود.

<‌

وقالوا: كان أحد السابقين الأولين هاجر الهجرتين وشهد بدرا.

(1) أسد الغابة 4: 406، الإصابة 6: 131 وترجمة المغيرة في كافة مصادرها.

(2) كنز العمال 1: 198 / 1002.


285

وأخرجه ابن حجر في (لسان الميزان): وقال: أخرجه الدارقطني في غرائب مالك، وقال: لا يثبت عن مالك، ورواته مجهولون. قلت: وذكره ابن أبي حاتم عن أبي شهاب الحناط، وعنه أحمد بن عبد الله بن قيس بن سليمان بن شريك المروزي، وقال: سألت أبي عنه، فقال: لا أعرفه (1).

وأخرجه الذهبي وابن حجر أيضا من حديث جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، وبعد أن وصفاه بوضع الحديث قالا: ومن بلاياه حديث أصحابي كالنجوم (2).

نعم، لو صح الحديث فإنه لا يكون إلا كما فسره الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام حيث سئل عن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

" أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " وعن قوله صلى الله عليه وآله وسلم:

" دعوا لي أصحابي " فقال: " هذا صحيح، يريد: من لم يغير بعده، ولم يبدل!

لما يروونه من أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: ليذادن برجال من أصحابي يوم القيامة عن حوضي كما تذاد غرائب الإبل عن الماء، فأقول: يا رب أصحابي، أصحابي. فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: بعدا لهم، وسحقا لهم ". أفترى هذا لمن لم يغير ولم يبدل (3)؟

وحديث العشرة المبشرة:

هو أيضا من تلك الأحاديث التي صنعت لأجل نشر الغبار على الحقيقة!

فهذا الحديث الذي راج رواجا عجيبا ليس له إلا طريقان: أحدهما

(1) لسان الميزان 2: 137 - 138.

(2) ميزان الاعتدال 1: 413، لسان الميزان 2: 117 - 118.

(3) عيون أخبار الرضا 2: 87 / 33 وفي إسناده من لم يعرف حاله.


286

ينتهي إلى عبد الرحمن بن عوف، والآخر إلى سعيد بن زيد، وكلاهما من بين العشرة!

أما الطريق الأول: فهو محصور بعبد الرحمن بن حميد، عن أبيه حميد ابن عبد الرحمن الزهري، عن عبد الرحمن بن عوف (1).

وهذا إسناد باطل لأن حميد بن عبد الرحمن الزهري لم ير عبد الرحمن بن عوف، ولم يدركه! إذ إن عبد الرحمن بن عوف قد توفي سنة 32 هـ‍ (2)، وإن حميد ابن عبد الرحمن الزهري قد توفي سنة 105 هـ‍ عن عمر 73 سنة، فيكون قد ولد سنة 32، وهي سنة وفاة عبد الرحمن بن عوف!

وعلى رواية أنه توفي سنة 95 عن مثل هذا العمر، فعليه يكون قد بلغ العاشرة من عمره سنة وفاة عبد الرحمن بن عوف، وهذه أيضا لا تسعف الأمر، لأن عمرا كهذا لا يرشحه لهذه الرواية، فكيف أصبح - بعمره هذا - الراوي الأوحد؟

أضف إلى ذلك أن أهل التصانيف في علم الرجال قد حكموا بأن روايته عن عثمان بن عفان منقطعة، وأن روايته عن علي عليه السلام مرسلة، هذا وإن عثمان قد توفي بعد عبد الرحمن بثلاث سنين، وعاش علي بن أبي طالب بعده ثماني سنين. وأحصى ابن حجر من حدث عنهم حميد الزهري من الصحابة، وليس فيهم عبد الرحمن بن عوف (3)!. هذا هو إسنادهم الأول.

وأما الإسناد الثاني: فقد روي مرة من طريق عبد الله بن ظالم المازني عن سعيد بن زيد.

(1) مسند أحمد 1: 193، الترمذي 5: 647، مصابيح السنة 4: 179.

(2) سير أعلام النبلاء 1: 92.

(3) أنظر ترجمته في تهذيب التهذيب 3: 45.


287

وعبد الله بن ظالم المازني هذا قال فيه ابن حجر: لينة البخاري (1).

وفي تاريخ البخاري الكبير، قال: ليس له حديث إلا هذا - عشرة في الجنة - وبحسب أصحابي القتل! (2).

وذكره العقيلي في الضعفاء، وقال: قال البخاري: عبد الله بن ظالم، عن سعيد بن زيد، عن النبي (ص): ولا يصح (3).

ورواية أخرى عن عبد الرحمن بن الأخنس عن سعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن الأخنس قال عنه ابن حجر: مستور (4).

ومرة عن عبد الرحمن بن حميد، عن أبيه، عن سعيد بن زيد (5) وفيها جميعا مع ما تقدم:

1 - أنها لم تعرف إلا في عهد معاوية، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بثلاثين سنة! فأين كانوا عنها، والجو يلائم نشرها، بل كانوا في حاجة لمثلها آنذاك في مواضع عديدة؟

والشاهد على ظهورها أيام معاوية صدر الرواية نفسها، ففي بعضها: لما قدم فلان الكوفة أقام فلانا خطيبا، فأخذ بيدي سعيد بن زيد، فقال: ألا ترى إلى هذا الظالم - وذلك حين سمعه يسب عليا عليه السلام - فأشهد على التسعة أنهم في الجنة فعدهم - قلت: ومن العاشر؟

فتلكأ هنيئة، ثم قال: أنا. وجاء في رواية أخرى، أنه كان في المسجد - في الكوفة - فذكر رجل عليا فقام سعيد بن زيد، الحديث.

(1) تقريب التهذيب 1: 424 / 394.

(2) التاريخ الكبير 5: 124 / 368.

(3) الضعفاء الكبير 2: 267 / 827.

(4) تقريب التهذيب 1: 472 / 858. وعد السرخسي المستور مع الفاسق والكافر والمعتوه وصاحب الهوى، وقال: قد نص محمد بن الحسن الشيباني على أن خبره كخبر الفاسق. أصول السرخسي 1:

370.

(5) الترمذي 5: 648.


288

هكذا إذن ظهرت هذه الروايات هنا لأول مرة ولم يسمع بها أحد من قبل!

2 - اضطرابها: فقد جاء في أكثرها ذكر النبي وتسعة معه ليس فيهم أبو عبيدة، وذكر في بعضها أبو عبيدة، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم!

وفي بعضها عبد الله بن مسعود بدلا من أبي عبيدة (1).

3 - أن أيا من طريقها لم يذكره الشيخان: البخاري، ومسلم، ولو وجد أحدهما إليهما سبيلا يعتد به لأثبتها في مسنده، ولأعاد ذكرها في شتى الأبواب.

4 - أن الرواية لم تتوقف عند العشرة، بل تعدت إلى أحد عشر، فمن هو الحادي عشر؟

لو سئلت عن هذا لتبادر إلى ذهنك اسم: أبي ذر، أو عمار بن ياسر، أو ذي الشهادتين، أو حمزة بن عبد المطلب، أو جعفر الطيار، أو معاذ بن جبل أو رجل من هذه المراتب، ولكن الحقيقة غير هذه. فلندع الرواية تتكلم، لتكشف بنفسها عن هويتها:

ذكر المحب الطبري - في الرياض النضرة - فصلا في وصف كل واحد من العشرة يصفه حميدة، وساق الحديث، وذكر لكل واحد صفته إلى أن قال:

" ولكل نبي صاحب سر، وصاحب سري: معاوية بن أبي سفيان، فمن أحبهم فقد نجا، ومن أبغضهم فقد هلك " (2).

فهل يستدعي الأمر - بعد هذا - أن نقول: إن هذه الروايات ومثيلاتها هي أيضا من صنع الأمويين، وأساطيرهم الكثيرة خدمة لدولتهم التي لا تقوم إلا على مثل هذا؟!

(1) الإستيعاب لابن عبد البر بهامش الإصابة 2: 318.

(2) الرياض النضرة 1: 36.


289

إنها لحقيقة من أوضح الواضحات.

5 - وهذه الرواية أيضا تقطع الطريق على تلك الروايات وهي أحسن منها إسنادا:

فعن معاذ بن جبل، أنه لما حضرته الوفاة قال: التمسوا العلم عند أربعة:

عند عويمر أبي الدرداء، وعند سلمان، وعند عبد الله بن مسعود، وعند عبد الله بن سلام الذي كان يهوديا فأسلم، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إنه عاشر عشرة في الجنة (1).

وهذه الرواية صححها الحاكم والذهبي، فينبغي أن يكون عبد الله بن سلام أحد العشرة المبشرة، وعليه فلا بد من إخراج واحد أو اثنين ممن ضمتهم الروايات المتقدمة.

6 - وأشد من هذا ما روي عن سعد بن أبي وقاص، أنه قال: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لحي يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام (2). فكيف غاب ذلك الحديث عن سعد وهو أحد العشرة، وهو آخرهم موتا؟!

7 - وكيف يصح حديث العشرة وبعضهم قد أباح دم بعض، واستحل قتله؟ فهل كان أشد على عثمان من طلحة والزبير؟

لقد كانا هما والسيدة عائشة أكثر من يؤلب عليه، ويحرض الناس على قتله!

وكان طلحة يكتب الكتب إلى الأمصار يحثهم على القيام على عثمان،

(1) الترمذي 5: 671 / 3804، مسند أحمد 5: 243، مصابيح السنة 4: 221 / 4899، المستدرك 3: 416 وصححه، ووافقه الذهبي في التلخيص، وأخرجه أيضا أهل التراجم في ترجمة عبد الله بن سلام.

(2) مسند أحمد 1: 177، تهذيب تاريخ دمشق 7: 449، الإصابة 4: 81.


290

وقد أظهر بعض كتبه أهل البصرة يوم قدم إليهم يحثهم على قتال علي عليه السلام، والطلب بثأر عثمان، فقالوا له: أتعرف هذا الكتاب؟ قال: نعم.

قالوا: فما ردك على ما كنت عليه، وكنت بالأمس تكتب إلينا، تؤلبنا على قتل عثمان، وأنت اليوم تدعونا إلى الطلب بدمه (1)؟!

وكان عثمان وهو محصور في بيته يقول: هذا ما أمر به طلحة، اللهم اكفني طلحة فإنه حمل علي هؤلاء وألبهم علي، والله إني لأرجو أن يكون منها صفرا وأن يسفك دمه (2).

وقد نكث طلحة والزبير بيعة عقداها راضيين بها، متحمسين لها! ثم انقلبا، وخرجا على إمام زمانهما! وجيشا عليه الجيوش! وقاتلاه أشد القتال! وكانا سببا في قتل الألوف من المسلمين من أهل لا إله إلا الله محمد رسول الله!

والغريب أن يعتذر لهذا أصحاب التاريخ فيقولون: إنهم خرجوا طلبا للإصلاح!! فهل كانت البصرة منقلبة على فتنة؟

أم أنهم استشاروا الإمام بشأن هذا الإصلاح فأذن لهم؟ لا هذا ولا ذاك!

ومما روي من أحداث الجمل: أن عليا عليه السلام قد قال لطلحة - وقد تحادثا قبل التحام الحرب -: " أيها الشيخ، اقبل النصح، وارض بالتوبة مع العار، قبل أن يكون العار والنار " (3)!

وقال عليه السلام في كتاب له بعثه إلى طلحة والزبير وهما في البصرة:

" ارجعا - أيها الشيخان - عن رأيكما، فإن الآن أعظم أمركما العار، من قبل أن

(1) تاريخ الطبري 5: 179، الكامل في التاريخ 3: 216، الإمامة والسياسة: 68.

(2) الكامل في التاريخ 3: 174.

(3) الإمامة والسياسة: 75.


291

يجتمع العار والنار " (1).

وقبل أن يقع من ذلك كله شئ كان عمر قد أمر بقتل أصحاب الشورى جميعا إن مضت عليهم ثلاثة أيام ولم يبايعوا من بينهم خليفة (2)!

وأصحاب الشورى الذي انتخبهم عمر هم تمام العشرة المذكورين في الحديث: عثمان، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وعلي بن أبي طالب، ولم يبق من العشرة سوى سعيد بن زيد، فكيف يأمر عمر بقتلهم جميعا وهو يشهد لهم بالجنة؟

أم كيف جهلت أم المؤمنين عائشة أن عثمان مبشر بالجنة فصرحت بأنه قد كفر، وأمرت بقتله؟! ولقد كانت أشد الناس بغضا لعلي بن أبي طالب، إلا ما قد يكون من معاوية وصاحبه!

فأعجب إذن للمحب الطبري وهو يروي حديث العشرة بإسناده المبتور إلى عائشة (3)!

ومن حديث عائشة أخرج أحمد في مسنده أنها قالت: سمعت رسول الله يقول: " رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا " (4) فهل هذه هي منزلة المبشر بالجنة من بين سائر الناس، وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون؟

ومن العشرة المذكورين من أنزل فيه الله: (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم

(1) نهج البلاغة - الكتاب رقم (54)، في شرح محمد عبدة 3: 123، صبحي الصالح: 446. العقد الفريد 5: 26.

(2) تاريخ المدينة 3: 925، الإمامة والسياسة 1: 24، تاريخ اليعقوبي 2: 16، الكامل في التاريخ 3:

67، تاريخ الطبري 5: 35، ابن أبي الحديد 1: 187.

(3) الرياض النضرة 1: 35.

(4) مسند أحمد 6: 115، حلية الأولياء 1: 98.


292

وأنتم لا تشعرون) (1).

ومنهم من نزل فيه قوله تعالى: ﴿وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما (2) وهو طلحة (3).

فكيف تجتمع هذه المتناقضات؟!

أما إذا أضفت حادي عشرهم - معاوية - فتلك مصيبة لا بد أن ننزه ديننا العظيم منها، فإنه يكفي في معاوية محاربته " إمام المتقين " و " سيد المسلمين " و " قائد الغر المحجلين " (4).

ألم يأت في الحديث الشريف: " من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية... ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى مؤمنها، ولا يفي بعهد ذي عهدها فليس مني ولست منه " (5)؟

(1) تقدم أنها نزلت في أبي بكر وعمر.

(2) الأحزاب: 53.

(3) أنظر: تفسير الرازي 25: 225، تفسير القرطبي 14: 228، فتح القدير 4: 299، معالم التنزيل للبغوي 4: 483، تفسير ابن كثير 3: 513، تفسير روح البيان 7: 216، الدر المنثور 6: 643 - 644، لباب النقول للسيوطي: 179، البحر المحيط 7: 247.

فلا قيمة إذن لما اعتذر به الآلوسي من أنه قد يكون طلحة بن عبيد الله غير هذا المشهور، وقد رد عليه أبو حيان الأندلسي وفنده وأثبت أنها في طلحة المعروف لا غير وذكر قصة في ندمه على ما قال وقد أشار لها الآلوسي أيضا إلا أنه احتج بأن طلحة قد عصمه الله! فمن أين أتته هذه العصمة التي لا يعتقدها الآلوسي حتى لسيد المرسلين؟!.

(4) أنظر: المستدرك 3: 129، 138، أسد الغابة 3: 116، الترجمة من تاريخ دمشق لابن عساكر 2:

257، 486، الجامع الصغير 2: 177 / 5591، مجمع الزوائد 9: 121، ابن أبي الحديد 9: 169، الرياض النضرة 3: 138، الصواعق المحرقة: 125، وتقدم ذكر مزيد من مصادرها.

(5) صحيح مسلم - الإمارة - 3: 1476 / 53، سنن النسائي 7: 92، جامع الأصول 4: 456 / 2054.


293

ألم يأت في الحديث الشريف: " إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما " (1).

ألم يكن الصحابة هم أول المأمورين بهذا، فلماذا لم ينطبق شئ من هذا على الذين خرجوا على علي بن أبي طالب، ونكثوا عهدهم معه، وشقوا صف هذه الأمة يضربون برها وفاجرها ولا يتحاشون مؤمنا، ويعقدون بيعة بعد بيعة، والإمام الأول قائم مكانه؟!.

ألم يأت في الحديث الشريف: " من أتاكم وأمركم جمع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه كائنا من كان " (2)؟ بلى، ولقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصيه عليه السلام بقتال ثلاث فرق، فقال الوصي عليه السلام: " أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين " (3).

قال ابن الأثير: النكث: نقض العهد، وأراد بهم أهل وقعة الجمل لأنهم كانوا بايعوا ثم نقضوا بيعته وقاتلوه. وأراد بالقاسطين أهل الشام، وبالمارقين الخوارج (4). فماذا بقي من رواية العشرة المبشرة إذن؟!

(1) صحيح مسلم - الإمارة - 3: 1480 / 61، جامع الأصول 4: 442 / 2024.

(2) صحيح مسلم - الإمارة - 3: 1479 / 59 - 60، سنن النسائي - التحريم - 7: 92، جامع الأصول 4: 442 / 2025.

(3) الإستيعاب 3: 53، أسد الغابة 4: 33، المستدرك 3: 139، 140، تاريخ بغداد 8: 340 - 341، الترجمة من تاريخ ابن عساكر 3: 200 / 1206 - 1219 من أربعة عشر طريقا عن علي وأم سلمة وأبي أيوب الأنصاري. مجمع الزوائد 6: 235 و 7: 238، كنز العمال 13: 110 / 36361، والمنتخب منه بهامش مسند أحمد 5: 437، 439، 451، وأصحاب المناقب كافة وغيرهم أيضا.

(4) النهاية - في اللغة - 5: 114، مثله في لسان العرب 2: 196 (نكث)، ومفصلا في مناقب الخوارزمي:

109 وما بعدها، والمحاسن والمساوئ: 45، وهو مما لا خلاف فيه.


294

معالم أخرى:

لقد كان يكفي معاوية وأصحابه أيضا حملتهم الجريئة في وضع الحديث المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكتمان ما أمروا بنشره والعمل به من الحق، وقد صح الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم: " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار "!

فكيف بمن أمر بالكذب عليه، ووظف له الرجال، والأموال، وسفك دماء الصالحين الذين وقفوا بوجه حملته الجائرة، وإن كانوا من خيرة الأصحاب، كحجر بن عدي وأصحابه؟

تلك السيول من الأحاديث التي وضعوها لتأتي بعدهم أجيال تدين بدين الإسلام، ولا ترى فضلا لعلي بن أبي طالب إمام المتقين على معاوية، أو عمرو ابن العاص، أو مروان!

وضعوها لنسكت حين نرى أبا ذر الغفاري طريدا من مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن الذي يتولى إخراجه منها هو طريد رسول الله وابن طريده، مروان بن الحكم (1)!

وعبد الله بن مسعود: حين يجر برجليه اللتين هما أثقل في الميزان من جبل أحد (2) من مسجد رسول الله، وتضرب به الأرض حتى يكسر له ضلعان!

وكل ما جناه أنه لم يفتح بيت مال المسلمين في البصرة - وكان أمينا عليه -

(1) تاريخ اليعقوبي 2: 171 - 173، تاريخ المدينة 3: 1034، ابن أبي الحديد 1: 199، 3: 28، ومفصلا في صفحة 54، أنساب الأشراف: القسم الرابع: 542 - 545، الرياض النضرة 3:

83 - 84.

(2) هكذا وصفها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديثه، انظر: الاستيعاب بهامش الإصابة 2:

319، أسد الغابة 3: 257، الإصابة 4: 129، الطبقات الكبرى 3: 155.


295

لبني أمية ليأخذوا منه ما يشاؤون، حتى مات مغاضبا لعثمان، وأوصى أن يصلي عليه عمار بن ياسر (1)!

ألم يكن عبد الله بن مسعود ممن هاجر الهجرتين، وشهد المواضع كلها مع رسول الله، وشهد بيعة الرضوان (2)؟

وعمار بن ياسر: وقد حكم فيه مروان في مجلس الخليفة! فضربوه، حتى فتقوا بطنه، فغشي عليه (3)!

وعبادة بن الصامت: وهو ممن شهد العقبة، وأحد النقباء الاثني عشر، شهد بدرا والمواضع كلها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

قال الذهبي: كتب معاوية إلى عثمان: إن عبادة بن الصامت قد أفسد علي الشام، فإما أن تكفه إليك، وإما أن أخلي بينه وبين الشام!

فما هي قصته؟

قال: إن عبادة مرت عليه قطارة - من الإبل - وهو بالشام تحمل الخمر، فقال: ما هذه، أزيت؟

قيل: لا، بل خمر يباع لفلان! فأخذ شفرة من السوق، فقام إليها، فلم يذر فيها راوية إلا بقرها، وأبو هريرة إذ ذاك بالشام، فأرسل فلان إلى أبي هريرة، فقال: ألا تمسك عنا أخاك عبادة..

(1) تاريخ المدينة 3: 1049، الطبقات الكبرى 3: 150 - 158، أنساب الأشراف: القسم الرابع:

524 - 525، ابن أبي الحديد 1: 199 و 3: 43، الرياض النضرة 3: 84.

(2) أنظر ترجمة عبد الله بن مسعود في: الاستيعاب، وأسد الغابة، والإصابة، والطبقات الكبرى، وغيرها (3) تاريخ المدينة 3: 1099 و 1100 و 1101 و 1102، أنساب الأشراف: القسم الرابع: 358، الإستيعاب بهامش الإصابة 2: 477، ابن أبي الحديد 3: 50، الإمامة والسياسة 1: 32 - 33، الرياض النضرة 3: 85.


296

فأتاه أبو هريرة، فقال: يا عبادة، ما لك ولمعاوية؟ ذره وما حمل.

فقال له عبادة: لم تكن معنا إذ بايعنا على السمع والطاعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألا يأخذنا في الله لومة لائم.

فسكت أبو هريرة.

وكتب فلان إلى عثمان: إن عبادة قد أفسد علي الشام (1)!

ألم يكن هؤلاء من خيرة أصحاب رسول الله، فلماذا لا نتذكر بحقهم حديث " احفظوني في أصحابي "؟!

أم إن هذه الأحاديث جاءت خاصة في حفظ معاوية ومروان وأمثالهما دون سائر الصحابة؟!

ولو توقف الأمر عند السكوت لكان أهون، ولكن الداهية الدهواء، والطامة الكبرى حين ينبري علماء المسلمين! ليبرروا كل جريمة حدثت بأنها اجتهاد، وأن الذي ارتكبها إنما هو مجتهد قد أخطأ في اجتهاده، فله أجر اجتهاده هذا!

يقول ابن حزم الأندلسي: وعمار رضي الله عنه قتله أبو الغادية يسار بن سبع السلمي، شهد بيعة الرضوان، فهو من شهداء الله له بأنه علم ما في قلبه وأنزل السكينة عليه ورضي عنه، فأبو الغادية (2) - رضي الله عنه - متأول مجتهد مخطئ فيه، باغ عليه، مأجور أجرا واحدا (3)!

وقال: فصح أن عليا هو صاحب الحق، والإمام المفترضة طاعته، ومعاوية مخطئ، مأجور، مجتهد.

وقال قبلها: فبهذا قطعنا على صواب علي رضي الله عنه، وصحته إمامته

(1) سير أعلام النبلاء 2: 9 - 10، الرياض النضرة 3: 84.

(2) ورد في المصدر، في الموضعين: أبو العادية - بالعين المهملة، والصحيح ما أثبتناه عن الإصابة وغيرها.

(3) الفصل في الملل والنحل 4: 161.


297

وأنه صاحب الحق، وأن له أجرين: أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة.

وقطعنا أن معاوية رضي الله عنه ومن معه مخطئون، مجتهدون مأجورون أجرا واحدا (1). وأما في أمر قتلة عثمان فيقول: وليس هذا كقتلة عثمان رضي الله عنه، لأنه لا مجال للاجتهاد في قتله (2).

أما عمار بن ياسر الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

" قاتله وسالبه في النار " (3) فلقاتله أجر الاجتهاد! أرأيت تحديا للدين أشد من هذا؟

وخالد بن الوليد حين قتل مالك بن نويرة - مالك يقول له: أتقتلني وأنا مسلم أصلي إلى القبلة؟! - ثم تزوج بامرأته من ليلتها، ولم يأذن لها بعدة، اعتذر بقوله: تأولت، فأصبت وأخطأت (4).

ولما أتي به إلى أبي بكر، وقد أراد عمر أن يقام عليه الحد، قال له أبو بكر: هيه - يا عمر - تأول فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد (5)!

ويمتد الأمر، حتى أصبح يرمى بالكفر! أو بالفسوق! من تجرأ فقال:

إن فلانا منهم قد أخطأ في كذا. حتى صار تنزيههم هذا عقيدة دخلت في الحدود والأحكام، والحلال والحرام.

روى الذهبي: قال ابن الجنيد: سمعت يحيى بن معين يقول: تحريم النبيذ صحيح، ولكن أقف ولا أحرمه، فقد شر به قوم صالحون بأحاديث صحاح

(1) المصدر 4: 161، 163، ومثله كلام ابن كثير في البداية والنهاية 7: 290.

(2) المصدر 4: 161.

(3) سير أعلام النبلاء 1: 420، 425، 426. الطبقات الكبرى 3: 261، أسد الغابة 4: 47، كنز العمال 13: 531 / 7383، مجمع الزوائد 9: 297 وقال: رجاله رجال الصحيح.

(4) تاريخ اليعقوبي 2: 132.

(5) الكامل في التاريخ 2: 358، الفتوح لابن أعثم 1: 25 - 26.


298

وحرمه قوم صالحون بأحاديث صحاح (1).

أليس هذا هو الغلو بعينه.

أليس من التناقض أننا نحاول أن نثبت لهم العصمة عمليا، مع أنك لا تجد لمبدأ العصمة محلا مع سيد الأنبياء والمرسلين؟

ولماذا نستنكر أن يقال: إن فلانا منهم أخطأ في هذا الفعل، أو ذاك القول، وقد رضينا أن تحل اللعنة الكبرى على " طاوس الملائكة "!

وعلى العابد الزاهد الذي أوتي الاسم الأعظم، أو بعضه، حتى جعله الله مثلا لنا وعبرة، فقال في كتابه العزيز: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين*ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآيتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون) (2).

أليس الله تعالى يقول: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا) (3)؟

ألم تحدثنا كتب السنن أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قال:

" ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب، أصحابي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول كما قال العبد الصالح:

(وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم

(1) سير أعلام النبلاء 11: 88.

(2) الأعراف: 175 - 176.

(3) آل عمران: 144.


299

وأنت على كل شئ شهيد*إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم). فيقال لي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم " (1)؟

ألم يبرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما صنع خالد في بني خزيمة إذ لم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فقالوا: صبأنا، فأخذهم قتلا وأسرا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: " اللهم، إني أبرأ إليك مما صنع خالد " مرتين (2)؟

فما بالنا لا نبرأ مما تبرأ منه نبينا، ومن أمثاله؟

بل أم الدواهي أننا نزعم أن سكوتنا عنها ورضانا هو التقوى، وأما إنكارها فهو خوض فيما لا يصح الخوض فيه!!

ونردد المقولة المنسوبة إلى الحسن البصري، وقد سئل عن أصحاب معركة الجمل، فقال: تلك وقعة لم يشترك سيفي بها، فلا أريد أن أشرك لساني بها! ناسين أن علينا أن نقتدي برسول الله، لا غير!

(ولقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) (3).

ولقد أحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقواما، فوجب علينا حبهم، وموالاتهم.

(1) صحيح مسلم 4: 2194 / 58، وتقدم مثله كثير في حديث الحوض.

(2) صحيح البخاري - كتاب المغازي - 5: 321 / 339 و - كتاب الأحكام - 9: 133 / 49، وذكره أيضا في كتاب الجزية وكتاب الدعوات من صحيحه، وسنن النسائي - كتاب آداب القضاء - 8: 236 ومسند أحمد 2: 151، وحياة الصحابة 2: 422، وتاريخ الإسلام للذهبي - جزء المغازي - 568.

(3) الأحزاب: 21.


300

فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: " إن الله أمرني أن أحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم ".

فقالوا: من هم، يا رسول الله؟

فقال " علي منهم - علي منهم - يكررها ثلاثا - وأبو ذر، والمقداد، وسلمان " (1).

وقد غضب لأقوام، فوجب علينا أن نغضب لغضبه، ونرضى لرضاه:

أخرج أحمد والحاكم: أنه كان بين خالد بن الوليد وعمار بن ياسر كلام، فشكاه خالد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " من يعاد عمارا يعاده الله، ومن يبغض عمارا يبغضه الله " (2) هذا والشاكي هو خالد!.

وأخرج مسلم في صحيحه أن سلمان، وصهيبا، وبلالا كانوا قعودا، فمر بهم أبو سفيان، فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها.

فقال لهم أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها؟ فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك.

فقال صلى الله عليه وآله وسلم: " يا أبا بكر لعلك أغضبتهم، لئن أغضبتهم، لقد أغضبت ربك " (3) هذا والشاكي هو أبو بكر!

(1) سنن الترمذي 5: 636 / 3718، سنن ابن ماجة 1: 53 / 149، المستدرك 3: 130، مسند:

أحمد 5: 351، أسد الغابة 4: 410، الترجمة من تاريخ ابن عساكر 2: 172 / 666، الإصابة 6:

134، الصواعق المحرقة: باب 9: 122، تاريخ الخلفاء للسيوطي: 134، سير أعلام النبلاء 2 61، الرياض النضرة 3: 188، مناقب الخوارزمي: 34.

(2) مسند أحمد 4: 90، المستدرك 3: 391، سير أعلام النبلاء 1: 415، كنز العمال 13: 533 / 37388.

(3) صحيح مسلم 4: 1947 / 170، مصابيح السنة 4: 211 / 4873، حياة الصحابة 2: 443، سير أعلام النبلاء 2: 25.


301

وتقدم الحديث في غضبه صلى الله عليه وآله وسلم على من طعن في إمرة أسامة.

أفإن غضبنا لغضبه صلى الله عليه وآله وسلم هنا وحفظنا كرامة أسامة وأبيه، سنكون قد أخطأنا حين لم نوافق من طعن عليهما من الصحابة؟

فإن أخطأنا، فكفانا أننا مع رسول الله، وحاشاه أن يخالطه الخطأ.

وإن أصبنا هنا، فما لنا لا نكون قد أصبنا حين نغضب لمن هو أعظم منزلة من زيد، ومن أسامة؟!

أعني: عليا، وفاطمة، والحسن، والحسين عليهم السلام.

قال سعد بن أبي وقاص: كنت جالسا في المسجد أنا ورجلان معي فنلنا من علي، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعرف في وجهه الغضب، فتعوذت بالله من غضبه، فقال: " ما لكم وما لي؟! من آذى عليا فقد آذاني " (1).

ثم ألم نقرأ في (شكوى الأربعة) و (شكوى بريدة) كيف غضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم يشكون إليه عليا، فرد عليهم - أرواحنا فداه - فقال: " ما تريدون من علي؟! ما تريدون من علي؟! إنه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي "؟

ولئن كان أسامة قد تعرض لطعن في إمارته وقد ولاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة، فأثار ذلك من غضبه صلى الله عليه وآله وسلم ما أخرجه مع شدة مرضه، عاصبا رأسه، يتهادى بين رجلين (2) ورجلاه تخطان في الأرض، حتى قال مقالته الشهيرة تلك، فأي غضب سيغضب إذن لما أصاب أخيه، ووصيه، ووزيره، وخليفته الذي صرح بولايته، فشهدوا له وهنؤوه؟

(1) حياة الصحابة 2: 484، البداية والنهاية 7: 346، مجمع الزوائد 9: 129 ووثق رجاله.

(2) هما: علي والفضل بن العباس، انظر: البخاري 1: 101 / 11، مسلم 1: 311 / 90 - 92.


302

أي غضب سيغضب له وقد عقدوا البيعة فيما بينهم وتركوه منشغلا بتجهيز جثمانه الطاهر؟ ويوم أحاطوا بيته، وهجموا عليه في داره! فأخرجوه منها بالعنف، وهو يقول: " أنا عبد الله، وأخو رسوله ".

وحين يهددونه بالقتل، أو يبايع لهم!

فيقول: " إذن تقتلون عبد الله وأخا رسوله ".

فيقولون: أما أخو رسول الله فلا!

وكم سيغضب لغضب بضعته فاطمة الزهراء البتول مرة بعد أخرى، حتى ماتت وهي غضبى على رجال! وفاطمة التي يغضب الله لغضبها، ويتأذى رسول الله لأذاها؟

كم سيغضب لتظاهر بعد تظاهر على أهل بيته، وخاصته، حتى قال علي عليه السلام يوم الشورى - وقد انتهت بالبيعة لعثمان بالخلافة - قال: " ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا (فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون) (1)؟

ولقد كان التظاهر عليه متتابعا..

فيوم السقيفة مشهور، وقد تمت فيه البيعة - بغيابه - لأبي بكر، فقام بعدها أبو بكر خطيبا في مسجد رسول الله، معرفا بسيرته فقال قولا لو نسب لغيره لقيل إنه لا يصلح أن يقوم على شئ من أمور المسلمين، إذ قال:

" ألا وإن لي شيطانا يعتريني، فإذا أتاني فاجتنبوني لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم! " (2).

(1) الكامل في التاريخ 3: 71.

(2) تاريخ الطبري 3: 211، صفة الصفوة 1: 261، تاريخ الخلفاء: 54، البداية والنهاية 6: 307، الإمامة والسياسة: 16، ابن أبي الحديد 6: 20 و 17: 159، مجمع الزوائد 5: 183، كنز العمال 5:

‌>


303

ومع هذا فقد تمت، تلك البيعة التي وصفها عمر - في خطبته التي اتفق عليها أصحاب السير - بأنها كانت فلتة!

وذلك أنه سمع رجلا يقول: لو قد مات عمر لبايعت فلانا، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت، فأعد لأجل ذلك خطبته التي ألقاها في مسجد رسول الله مقدمه من الحج، فقال فيها: لا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرها، وليس منكم من تنقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر.

من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا (1).

ثم جاء آخر أيام أبي بكر، فماذا حصل؟

كتب أبو بكر عهده بالخلافة من بعده لعمر، من دون أدنى مشورة من المسلمين! وجاء الصحابة، وأبدوا سخطهم، فقالوا: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا، وقد ترى غلظته (2)؟

وتمت البيعة!

حتى كان آخر أيام عمر، فأخذ يتصفح الناس، من يستخلف منهم!

فقال: لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته، وقلت لربي إن سألني:

سمعت نبيك يقول " إنه أمين هذه الأمة ".

<‌

590 / 14050.

(1) صحيح البخاري - كتاب الحدود - 8: 302 / 25 والنص عنه، مسند أحمد 1: 56، الرياض النضرة 1: 232، تاريخ الطبري 3: 200، الكامل في التاريخ 2: 326، سيرة ابن هشام 4: 308 - 309، الملل والنحل للشهرستاني: الجزء الأول - الخلاف الخامس - 30 - 31، تاريخ الخلفاء للسيوطي:

51، ابن أبي الحديد 2: 23، وانظر النهاية لابن الأثير 3: 175، 467.

(2) تاريخ الخلفاء: 62 - 63، تاريخ الطبري 4: 54، الكامل في التاريخ 2: 425، الإمامة والسياسة 1: 19، السنن الكبرى للبيهقي 8: 149.


304

ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لاستخلفته، وقلت لربي إن سألني:

سمعت نبيك يقول: " إن سالما شديد الحب لله تعالى " (1).

وقال أيضا: لو استخلفت معاذ بن جبل، فسألني ربي: ما حملك على ذلك؟ لقلت: سمعت نبيك يقول: " إن العلماء إذا حضروا ربهم عز وجل كان بين أيديهم رتوة بحجر " (2).

هكذا عرف إذن لهؤلاء منازلهم، فهل جهل منزلة علي؟

أم أن أحدا منهم يقاس به؟

ألم يكن عمر هو القائل: بخ بخ لك يا أبا الحسن، لقد أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة (3)؟

أليس هو القائل: لقد أوتي ابن أبي طالب ثلاث خصال لئن يكون لي خصلة منها أحب إلي من أن أعطى حمر النعم: تزويجه فاطمة بنت رسول الله، وسكناه المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحل له ما يحل له، والراية يوم خيبر (4)؟

وهو الشاهد يوم أعطي علي الراية في خيبر، ويوم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله " فقال أبو بكر: أنا هو؟

قال: " لا ".

(1) الطبري 5: 34، الكامل 3: 65، صفة الصفوة 1: 367، 383 على الترتيب.

(2) صفة الصفوة 1: 494، ومنتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 2: 188، والرتوة: الرمية، والمعنى:

أنه يتقدم عليهم بمقدار رمية حجر.

(3) تقدم ذكر العديد من مصادره في حديث الغدير.

(4) الرياض النضرة 3: 118، مجمع الزوائد 9: 130، فرائد السمطين 1: 345، تاريخ الخلفاء للسيوطي: 136، الترجمة من تاريخ ابن عساكر 1: 220 / 283، المستدرك 3: 125، الصواعق المحرقة: باب 9. فصل 1: 127.


305

قال عمر: أنا هو؟

قال: " لا، ولكن خاصف النعل ".

وهو أيضا من أعرف الناس بأن منزلة علي من رسول الله هي منزلة هارون من موسى. أليس هو القائل في علي: أما إن وليهم حملهم على المحجة البيضاء والصراط المستقيم؟

فأين ذهب عنه وهو يقول: لو سألني ربي، لو سألني ربي؟

ولقد كان له يوما مع ابن عباس حوار ذكر فيه عليا عليه السلام، وحقه في الخلافة، فقال لابن عباس: أتدري ما منع الناس منكم؟

قال: لا.

قال: لكني أدري.

قال: وما هو، يا أمير المؤمنين؟

قال: كرهت قريش أن تجتمع فيكم النبوة والخلافة، فتجخفوا جخفا (1) فنظرت قريش لنفسها، فاختارت، ووفقت فأصابت.

قال ابن عباس: أيميط أمير المؤمنين عني غضبه، فيسمع؟

قال: قل ما تشاء.

قال: أما قولك: إن قريشا كرهت، فإن الله تعالى قال لقوم: (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) (2). وأما قولك: إنا كنا نجخف، فلو جخفنا بالخلافة جخفنا بالقرابة، ولكنا قوم أخلاقنا مشتقة من أخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال له

(1) الجخف: التكبر.

(2) سورة محمد (ص): 9.


306

الله تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم (1) وقال له: واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) (2).

وأما قولك: فإن قريشا اختارت، فإن الله تعالى يقول: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة) (3).

وقد علمت - يا أمير المؤمنين - أن الله اختار من خلقه لذلك من اختار، فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لها لوفقت وأصابت.

فقال عمر: على رسلك - يا ابن عباس - أبت قلوبكم يا بني هاشم إلا غشا في أمر قريش لا يزول، وحقدا عليها لا يحول.

فقال ابن عباس: مهلا - يا أمير المؤمنين - لا تنسب هاشما إلى الغش، فإن قلوبهم من قلب رسول الله الذي طهره الله وزكاه، وهم أهل البيت الذين قال الله تعالى لهم: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (4).

وأما قولك: حقدا، فكيف لا يحقد من غصب بشيئه، ويراه في يد غيره!

ثم قال: وأمير المؤمنين يعلم صاحب الحق من هو، ألم تحتج العرب على العجم بحق رسول الله، واحتجت قريش على سائر العرب بحق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فنحن أحق برسول الله من سائر قريش.

فقال له عمر: قم الآن، فارجع إلى منزلك. فلما ذهب هتف به عمر:

أيها المنصرف، إني على ما كان منك لراع حقك!

فالتفت إليه ابن عباس، فقال: إن لي عليك، وعلى كل المسلمين حقا

(1) القلم: 4.

(2) الشعراء: 215.

(3) القصص: 68.

(4) الأحزاب: 33.


307

برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فمن حفظه فحق نفسه حفظ، ومن أضاعه فحق نفسه أضاع. ثم مضى (1).

ونقل أيضا عن الزبير بن بكار (2)، في كتاب " الموفقيات " عن عبد الله ابن عباس، قال: إني لأماشي عمر بن الخطاب في سكة من سكك المدينة، إذ قال لي: يا بن عباس، ما أرى صاحبك إلا مظلوما.

فقلت في نفسي: والله لا يسبقني بها، فقلت: يا أمير المؤمنين، فاردد إليه ظلامته!

فانتزع يده من يدي، ومضي يهمهم ساعة، ثم وقف، فلحقته، فقال:

يا بن عباس، ما أظنهم منعهم عنه إلا أنه استصغره قومه!

فقلت في نفسي: هذه شر من الأولى! فقلت: والله ما استصغره الله ورسوله حين أمراه أن يأخذ براءة من صاحبك (3).

صدق ابن عباس، فما استصغره الله ورسولك يومذاك، ولا يوم اختاره النبي للمنزلة الأولى بعده: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى ".

ولا يوم أخذ بيده، وهتف باسمه على الملأ من المسلمين، فقال: " من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ".

ولا استصغره قومه - أنفسهم - يوم " أحد " إذ انهزموا عن رسول الله وتركوه معه، ويوم " حنين " ولا يوم " الخندق "! فليتهم لم يعتذروا!

(1) تاريخ الطبري 5: 31، الكامل في التاريخ 3: 63 - 65، ابن أبي الحديد 12: 53 - 54.

(2) هو الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، وهو شيخ ابن ماجة والبغوي وابن ناجية وأبي حاتم، وقد وثقه أحمد، وابن حبان، والدارقطني، ويحيى بن معين، والنسائي، وقالوا فيه: كان ثقة ثبتا عالما بالنسب وأخبار المتقدمين ومآثر الماضين.

توفي سنة 256 هـ‍.

تهذيب الكمال 9: 293، تهذيب التهذيب 3: 312 / 580.

(3) ابن أبي الحديد 6: 45، 12: 46.


308

ويجمع الروايتين جميعا ما رواه عن أبي بكر الأنباري في " أماليه " أن عليا عليه السلام جلس إلى عمر في المسجد، وعنده ناس، فلما قام نسبه أحدهم إلى التيه والعجب! فقال له عمر: حق لمثله أن يتيه! والله لو لا سيفه لما قام عمود الإسلام، وهو بعد أقضى الأمة، وذو سابقتها، وذو شرفها.

فقال له ذلك القائل: فما منعكم عنه، يا أمير المؤمنين؟

قال: كرهناه على حداثة السن، وحبه بني عبد المطلب (1)!

فليتهم عرفوا: هل بلغوا العذر عند الله ورسوله بما اعتذروا، بعدما علموا من منزلته، وبعد أن أيقنوا أنه الأولى بلا منازع؟

فهو: ذو سابقتها، وذو شرفها، ولولا سيفه لما قام عمود الإسلام، وبعد فهو أقضى هذه الأمة!

وهو عليه السلام القائل: " لقد تقمصها فلان وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحا ".

حتى إذا علموا أنه صلى الله عليه وآله وسلم سيكتب له كتابا في مرضه الأخير لا يمكن بعد نقضه، رفعوا أصواتهم فوق صوته، وقالوا: إنه يهجر!

حسبنا كتاب الله!!

والله إنها لكارثة لست أدري كيف نستطيع أن نغضي عندها أسماعنا!!

أم كيف نغفل مدى غضب رسول الله، وغضب الله عندها!!

أليس من حقنا - بل الواجب الذي يمليه إيماننا بالله ورسوله ودينه علينا - أن نغضب لغضب رسول الله؟

أم إن علينا أن نعتصر قلوبنا، ونقطب جباهنا، نفرة من إثارة هذه الأحاديث، لا لشئ إلا لأنها تمس بمعتقدات نشأنا عليها؟!

(1) المصدر 12: 82.


309

لقد شربناها متعطشين، وارتشفناها والهين، ولكنها كانت مشبعة بتلك الهالة المصطنعة، التي أوصدت علينا منافذ الحرية.

إني - يا صديقي - قد ورثت مثلكم تلك القناعات، ولم أكن آلف سواها، بل إني مما يخالفها لحذر نفور.

ولست أنسى كم كنا نحاول الغوص في أعماقها، حتى إذا تغلغلنا يسيرا، اصطدمنا بذلك الحاجز الموهوم، لنرتد على أدبارنا القهقرى!

فكم مرة بلغنا - والحرقة تكوي قلوبنا، والدمعة لها بريق في أعيننا - أن نقول: إن الإمام عليا كان مظلوما.

لقد قلناها كلنا غير مرة، ولكننا لم نتمكن - لما في أنفسنا من حواجز - أن نستغرق النظر، لنعرف مسؤولياتنا تجاه ذلك الظلم، وتلك الظلامة!

لقد أنستنا تلك الحواجز أننا مؤمنون، علينا أن نتحرى الحق فنتبعه، ونلتزم الموقف السليم الذي ينجو بنا يوم الموقف العسير!

ورجائي أن لا أكون مؤاخذا عندك إن قلتها، فهي حقيقة حاكمة مهما حاولنا التنكر لها، إنها العصبية والكبرياء، هي التي تحجبنا عن تبني الموقف الشرعي أينما وجدناه.

ولسنا أول المنهزمين أمامها، فلقد قهرت من هم أشد منا قوة، وأكثر جمعا!

ولعل من بينهم: أبو حامد الغزالي، الذي قال مرة - معتقدا بصحة ما يقول -:

ولكن أسفرت الحجة وجهها، وأجمع الجماهير على متن الحديث من خطبته صلى الله عليه وآله وسلم في يوم غدير خم، باتفاق الجميع، وهو يقول:

" من كنت مولاه فعلي مولاه ".

فقال عمر: بخ بخ لك يا أبا الحسن، لقد أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.

فهذا تسليم، ورضى، وتحكيم. ثم بعد هذا غلب الهوى بحب الرئاسة


310

وحمل عمود الخلافة، وعقود البنود، وخفقان الهواء في قعقعة الرايات، واشتباك ازدحام الخيل، وفتح الأمصار سقاهم كأس الهواء، فعادوا إلى الخلاف الأول، فنبذوا الحق وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنا قليلا، فبئس ما يشترون (1).

ولعل منهم في عصرنا هذا: شيخ الأزهر الأسبق الشيخ سليم البشري، وقد صرح هو بذلك في جوابه للسيد شرف الدين الموسوي، بعد مناقشات ومراسلات طويلة بينهما عرض عليه السيد الموسوي من خلالها أدلة وبراهين قاطعة بأحقية مذهب أهل البيت، وأنهم - عليهم السلام - أولى بالاتباع من سواهم، فأجابه الشيخ، قائلا:

وحين أغرقت في البحث في حجتك، وأمعنت في التنقيب عن أدلتك، رأيتني في أمره مريج:

أنظر في حججك فأراها ملزمة، وفي بيناتك فأراها مسلمة، وأنظر في أئمة العترة الطاهرة فإذا هم بمكانة من الله ورسوله يخفض لها جناح الذل هيبة وإجلالا..

ثم أنظر إلى جمهور أهل القبلة، والسواد الأعظم من ممثلي هذه الملة فأراهم مع أهل البيت على خلاف لما توجبه ظواهر الأدلة!

فأنا أؤامر مني نفسين:

نفس تنزع إلى متابعة الأدلة..

وأخرى تفزع إلى الأكثرية من أهل القبلة! قد بذلت لك الأولى قيادها، فلا تنبو في يديك، ونبت عنك الأخرى بعنادها، فاستعصت عليك..!! (2) يقول هذا وكأنه نسي - غفر الله له - ما لقي أهل البيت منذ غياب

(1) كتاب السر العالمين - للغزالي - المقالة الرابعة 20 - 24، ورواه عنه سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص:

62.

(2) المراجعات: المراجعة 11 ص 32.


311

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم ما جاء من دور بني أمية، وبني العباس، والعثمانيين في نشر المذاهب الأربعة، وإيقاف العمل عليها، ومحاربة ما سواها، ولا سيما مذهبا سقاه علي والحسن والحسين عليهم السلام!

وإني أعترف على نفسي أن لو لم تتداركني رحمة ربي وتوفيقاته لصرعتني تلك النفس (المعاندة). ولقد كادت، ونجحت مرة، ولكن الله أعانني عليها..

فبعد أن أمضيت الشهور في الدرس، والتنقيب، والمناظرة، والبحث، وبلغت كامل اليقين، واستجمعت قواي في ليلة ختمت فيها مجلسا في بحث متشعب عميق في هذه المواضيع، فخرجت منه وأنا أشد يقينا، وأثبت حجة، عازما أن أبدأ الفجر الجديد بالصلاة وفق مذهب أهل البيت عليهم السلام..

وبينما كنت أعيش نشوة الإنتصار، وحلاوة اليقين، إذ صادف أن اجتمعت مع ثلة من أبناء الشيعة، فتناولنا، أطراف الحديث، فلما رأيتهم يتحدثون وملؤهم الفخر بمذهبهم ثارت في تلك النفس - المعاندة - من جديد، وأبت أن توافقهم!

فخضت الحديث معهم أغالط نفسي على علم وإصرار، ومضيت هكذا حتى سئمت نفسي، واضطربت في داخلي، ولكني لست مستعدا للانقياد لهم!

فعدت متحيرا من نفسي وما فيها، ونمت مصروعا ثقيلا.. وعدت أقضي شهورا أخرى مضطربا، بين يقين عرفته واعتقدته، وبين عناد وكبرياء لهما جذور قديمة!

وبقيت هكذا، أصطنع العلل والأعذار، وأجعلها شرعية طبعا، ولكنها كانت كبيوتات الصغار، يشيدونها على الرمال، فتنقشع، وتزول آثارها بعد ساعة.

حتى أجليت ما في صدري بدموع الليل، وزفرات الخلوة، أبكي حبا وشوقا إلى سادة الخلق، وأنوار الهدى، وأبكي على نفسي وغلبتها.

حتى أحسست وأنا في هدأة الليل كأن قطرة من تلك الدموع قد أتت


312

على آخر عرق من عروق تلك الكبرياء، فاقتلعتها من محلها، وسقت مكانها بذرة، بذرة الطاعة والولاء، فانتفضت، مكبلا أطلق لتوه، خفيف الحمل كطائر صغير، مستبشرا كضائع أشرف فجأة على أحبته وذويه.. وأفقت مطمئنا في أوسط سفينة النجاة، أنهل من منهلها العذب الصافي، وها أنا أحدثك من ظلال ربيعها الزاهر.

وما أن رأوا مني هذا، حتى هجرني من كان يحبني، وجفاني من كان يقول في أني من أهل قوله تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا (1)!

وليس لهم حجة فيما حملوه إلا الذي كان يخالطني من تلك النفس المعاندة.

ولقد حاورني أحدهم، ولعله من أفضلهم، فقال: أتدري ماذا فعلت أنت؟!

قلت: نعم، لقد أخذت بمذهب الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر ابن زين العابدين ابن سيد شباب أهل الجنة ابن سيد الوصيين، وسيدة نساء العالمين، وابن سيد المرسلين.

فقال: ولماذا تركتنا هكذا، والناس تقول فينا ما تقول؟

قلت: لأني اتبعت ما يقول الله ورسوله.

قال: أي قول تعني؟

قلت: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي ".

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم أنهم سفن النجاة التي من ركبها نجا.

فقال وكأنه يقاطعني: ومن تخلف عنه غرق؟ أتعني كلنا غرقى؟!

(1) الفرقان: 63.


313

قلت: لماذا؟ ألا ترى أنك من المتمسكين بهم؟!

قال: نحن نتمسك بالخلفاء الراشدين بحسب ترتيبهم في الخلافة، ثم بالمذاهب الأربعة!

فقلت له: وما ذنبي تعاتبني؟ ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فمضى..


314


315

خاتمة االمسير


316


317

وقفة

في هذا القسم - الأخير - أشياء كنت أضعها أمامي، وأسئلة أثيرها، أستخرجها من بطون الحقائق، وأسئلة كهذه لا بد أن تكون على درجة من التحديد والقوة تؤهلها للنفوذ إلى الأعماق، واستثارة المواقف السليمة الصافية التي تكمن فيها، والتي قد تحجبها أحيانا أغشية الميول والعواطف!

وإن عملية كهذه تتطلب قدرا كافيا من الشجاعة والجرأة، وهذا هو شأن الحقيقة دائما، لا يبلغها إلا من يملك الشجاعة الكافية في تحدي كل ما يتوسط الطريق إليها، والإرادة الثابتة في مواصلة الطريق، واتخاذ الموقف الأقوى والأسلم.

ومسيرة كهذه لا بد أن يقودها الفكر الحر إلى نهاية المطاف.

فهذا سؤال كان يلازمني، يقول:

أليس من الواجب علينا أن نتحرى مواضع رضا الله ورسوله، فنعرفها، ونأخذ بها، ونعرف من أرضاه، فنواليه؟

إذن، كيف كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول في آخر أيامه: " هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي أبدا " فيقول قائلهم:


318

ما له؟ أهجر؟ حسبنا كتاب الله!

أترى أرضاه هذا، أم أسخطه؟

ولنا أن نسأل، فنقول: لو أن عمر كان يظن أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيوصي له، أو لأبي بكر، أكان يقول ما قال، أم سيكون أسرع الملبين، وسيهتف بملء فيه: هلموا يكتب لكم رسول الله، فاسمعوا له وأطيعوا؟

وليس هذا تهكما مني، سوء ظن، بل هو ما حدث فعلا يوم عهد له أبو بكر بالخلافة في آخر أيام حياته، وهو على فراش الموت، وكان يغمى عليه ثم يفيق وهو يملي الكتاب!

قال ابن الأثير: ثم إن أبا بكر أحضر عثمان بن عفان ليكتب عهد عمر، فقال له:

اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين، أما بعد. ثم أغمي عليه، فكتب عثمان: فإني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، ولم آلكم خيرا.

ثم أفاق أبو بكر، فقال: اقرأ علي.

فقرأ عليه، فكبر أبو بكر، وقال: أراك خفت أن يختلف المسلمون إن مت في غشيتي؟

قال نعم.

قال: جزاك الله خيرا عن الإسلام وأهله.

فلما كتب العهد أمر أن يقرأ على الناس، فجمعهم، وأرسل الكتاب مع مولى له، ومعه عمر، فكان عمر يقول للناس: أنصتوا واسمعوا لخليفة


319

رسول الله، فإنه لم يألكم نصحا! فسكن الناس (1).

- أما كان أولى به أن يقول: اسمعوا لرسول الله؟ أو أن يسكت؟

- أما كان الأولى أن يقال لأبي بكر إنه هجر، إذ كان يغمى عليه وهو يوصي؟

- أم لماذا كانوا يخشون وقوع الفتنة واختلاف المسلمين بعد أبي بكر فأتموا له كتابه وهو مغمي عليه، بينما قطعوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلامه، وأكثروا اللغط والضجيج وهو يخاطبهم، فلم يخشوا وقوع الاختلاف بعده؟!

فهل أرضوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم أسخطوه؟

ثم متى صح لمؤمن أن يقف حائرا، لا يدري أيكون مع رضا رسول الله أم مع سخطه؟ وهكذا لو تتبعت كل ما تقدم ذكره من أحداث ووضعتها تحت هذا السؤال، لوجدت الحقائق ناصعة جلية، ولا شئ أوضح منها، ولا أقرب إلى الأذهان.

أفرسول الله أحق أن يتبع أم من بعده؟

قال ابن عباس رضي الله عنه: أراهم سيهلكون، أقول قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويقول: نهى أبو بكر وعمر (2)!

دروس ومواعظ:

فكم من موعظة بالغة بسطها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بيننا دليلا إلى الهدى؟

(1) الكامل في تاريخ 2: 425 - 426، وانظر تاريخ الطبري 4: 52.

(2) مسند أحمد 1: 337.


320

- ألم تكن في قصة تبليغ سورة براءة موعظة:

إذ بعث بها أبا بكر، حتى إذا سار بها بعضا من الطريق أرسل خلفه عليا ليأخذها منه، ويرده! فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: أنزل في شئ؟

قال: " لا، ولكن أمرت ألا يؤدي عني إلا أنا، أو رجل مني ".

هكذا كان في تبليغ أربعة أحكام من القرآن الكريم، فرده الله تعالى، وانتخب لها عليا عليه السلام، ثم زاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأمر وضوحا ببيانه المحكم: " أمرت ألا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني ".

فكيف في تبليغ الإسلام كله، والقيام عليه وحمايته، أيرتضى بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا رجل منه؟

- وموعظة أخرى:

في راية خيبر، إذ بعث بها أبا بكر، فعاد ولم يصنع شيئا، فأرسل بعده عمر، فعاد ولم يفتح (1) - أما الطبري فقال: فعاد يجبن أصحابه ويجبنونه (2) - فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم، فقال: " لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كرار غير فرار " وفي رواية: " لا يخزيه الله أبدا، ولا يرجع حتى يفتح عليه " (3).

(1) الكامل في التاريخ 2: 219، أسد الغابة 4: 21، الخصائص للنسائي: 5، البداية والنهاية 7: 349، حلية الأولياء 1: 62، دلائل النبوة 4: 209.

(2) تاريخ الطبري 3: 93، وصححه الحاكم في المستدرك 3: 37، ووافقه الذهبي.

(3) صحيح البخاري - كتاب الفضائل - 5: 87 / 197 و 198 و - كتاب المغازي - 5: 279 / 231، صحيح مسلم - كتاب الفضائل - 4: 1871 / 32 - 34، سنن الترمذي 5: 638 / 3724، سنن ابن ماجة 1: 43 / 117، مسند أحمد 1: 185، 5: 358، المستدرك 3: 109، مصابيح السنة 4: 93 / 4601، الخصائص للنسائي 4 - 8، تاريخ الإسلامي للذهبي - جزء المغازي - 407،

‌>


321

فهل أبقى هذا الحديث المتفق عليه على شئ مما يقال له (فضائل الشيخين)!

- موعظة أخرى:

يوم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جمع من الصحابة: " إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله ".

فاستشرف له القوم، وفيهم أبو بكر وعمر، فقال أبو بكر: أنا هو؟

قال: " لا ".

قال عمر: أنا هو؟

قال: " لا، ولكن خاصف النعل " وكان علي يخصف نعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

قال أبو سعيد الخدري: فأتيناه فبشرناه، فلم يرفع به رأسه كأنه قد كان سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (1).

وقريب منه قوله صلى الله عليه وآله وسلم لبني لهيعة - وفي رواية لوفد ثقيف -: " لتسلمن أو لأبعثن عليكم رجلا مني - أو قال: مثل نفسي - ليضربن أعناقكم، وليسبين ذراريكم، وليأخذن أموالكم ".

قال عمر: فوالله ما تمنيت الإمارة إلا يومئذ فجعلت أنصب صدري رجاء

<‌

دلائل النبوة 4: 205 - 206، الاستيعاب 3: 36، الاحسان بترتيب صحيح ابن حبان 9: 43 / 6893 - 6896 وكافة أصحاب السير والمناقب هذا غير ما تقدم في هامش (1) (2) المتقدمين.

(1) مسند أحمد 3: 82، فضائل الصحابة 2: 627 / 1071، المستدرك 3: 123 وصححه على شرط الشيخين، أسد الغابة 4: 32 - 33، الاحسان بترتيب صحيح ابن حبان 9: 46 / 6898، البداية والنهاية 7: 375، ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق 3: 163، مجمع الزوائد 5: 186 و 9: 133، تاريخ بغداد 8: 433، الصواعق المحرقة باب 9: 123، الرياض النضرة 3: 157، حلية الأولياء 1: 67، كنز العمال 13: 107 / 36351 وسائر أصحاب المناقب.


322

أن يقول: هو هذا، فالتفت إلى علي، فأخذ بيده، وقال: " هو هذا، هو هذا " (1).

- وهذه الموعظة:

عن أم المؤمنين عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما حضرته الوفاة:

" ادعوا لي حبيبي " فدعوا له أبا بكر، فنظر إليه، ثم وضع رأسه، ثم قال:

" ادعوا لي حبيبي " فدعوا له عمر، فلما نظر إليه وضع رأسه، ثم قال:

" ادعوا لي حبيبي " فدعوا له عليا، فلما رآه أدخله في الثوب الذي كان عليه، فلم يزل يحتضنه حتى قبض ويده عليه (2).

ولست هنا بمقام المفصل لهذا البيان المفصل، ولكن لنتذكر فقط أن هذا إنما جاء بعدما أبوا أن يكتبوا عهده الأخير إليهم وإلى أمته من بعدهم!

وإنما كان لما حضرته الوفاة، فلم يزل يحتضنه حتى قبض ويده عليه!

إذا تذكرنا هذا فسوف ينكشف لنا الكثير، ويزول عنا إبهام كثير، فهو بلاغه الأخير صلى الله عليه وآله وسلم في لحظات لا يمكن لمن شهدها أو سمع بها أن ينساها.

(1) سنن الترمذي 5: 634 / 3715، فضائل الصحابة 2: 571 / 966، الاستيعاب 3: 46، أسد الغابة 4: 26، الرياض النضرة 3: 119، الخصائص للنسائي: 10، 19، كنز العمال 13: 115 / 36373.

(2) أخرجه ابن عساكر في تاريخه كما في ترجمة الإمام علي 3: 17 / 1036، والمحب الطبري: في الرياض النضرة 3: 141، وفي ذخائر العقبى: 72، والخوارزمي: في المناقب: 29، وفي مقتل الحسين 1: 38، والكنجي الشافعي في كفاية الطالب: 263. والملا في سيرته: ج 5 - ق 2 - 174.


323

ومع تلك المواعظ ونظائرها، نقول: سبحان الذي قضى ألا يدع الأمور تجري عبثا، حتى يبين للناس حكمه فيها (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما) (1).

لا بد من جواب:

لعل أول القضايا كلها هي قضية الإمامة، وقضية الإمامة تواجهنا بسؤالين أساسيين لا بد من إيجاد الجواب الصحيح عنهما، وهما:

1 - هل ترك الله جل جلاله أمر خاتم الأديان مبهما بعد نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وهل ترك أمر عباده إلى يوم الدين هكذا بخلاف سائر الأمم قبل الإسلام، إذ كان يخلف كل نبي عدد من الأوصياء؟!

أم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترك هذه الأمة تحتار في أمرها من بعده، فلا تجد منه عهدا تحتكم إليه، ولا قولا تتمسك به، ولا ركنا تتكئ عليه، فتعود أمة تموج وتضطرب، تتقاذفها الآراء، والاجتهادات والأهواء، وكأن سيد المرسلين لم يبعث فيها، وكأن خاتمة رسالات السماء لم تتم بعد؟!

أم يصح أن يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين: " من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية " وهو لم يعين لهم من يبايعون؟

أو يقول: " من مات ولم يعرف إمام زمانه - وليس عليه إمام - مات ميتة جاهلية " وهو لم يرشدهم إلى الأئمة الحق الذين وجب اتباعهم؟

هل يصح أن يكون المراد بهذا مجرد البيعة، وإن كانت لأهل البدع والأهواء، أو لكل من تغلب بالسيف، وإن أقام الباطل وقهر أهل العدل والصلاح؟

(1) سورة النساء: 165.


324

كيف يتم هذا وهو صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " لا طاعة في معصية الله " (1).

وهو صلى الله عليه وآله وسلم عندما حث المؤمن على طاعة الأمير اشترط لذلك، فقال: " ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " (2).

إن هذا كله يدل دلالة لا شك فيها على ضرورة تعيين الإمام والخليفة بعد النبي، والنص عليه، هذه الضرورة التي لم يغفل عنها نبي من الأنبياء ولا ملك من الملوك، ولا قائد من القادة لأجل حفظ شريعته واستمرار نهجه، فهل يتركها خاتم الأنبياء وحده؟

ثم لماذا لا ننتبه - ونحن ندعي عدم وجود النص على الإمام - إلى قضية خطيرة أخرى، وهي:

ما هو مصير من سيموت بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبل أن تتم البيعة للخليفة؟

إنه سيموت وليس عليه إمام، وليس في عنقه بيعة! فما الذي جناه هذا ليموت ميتة جاهلية؟

وهكذا في كل فترة بين خليفتين، إذ من المعروف أن المسلمين قد بقوا ثلاثة أيام بعد موت عمر وليس عليهم إمام، وعدة أيام بعد موت عثمان، ثم هو أمر جار بلا ريب، بحسب هذا الفرض!

فإذا أيقنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يقول إلا حقا، وأنه

(1) صحيح مسلم - الإمارة - 3: 1469 / 39، سنن النسائي - البيعة - 7: 160، سنن ابن ماجة - الجهاد - 2: 956 / 2865، مسند أحمد 1: 94 وعدة مواضع أخرى.

(2) البخاري - الجهاد - 4: 126 / 162، - الأحكام - 9: 113 / 8، مسلم - الإمارة - 3: 1469 / 38 سنن الترمذي - الجهاد - 4: 209 / 1707، سنن النسائي - البيعة - 7: 160، سنن ابن ماجة - الجهاد 2: 956، مسند أحمد 2: 17.


325

صلى الله عليه وآله وسلم أرحم بالمسلمين من أن يسوقهم إلى جهنم من غير ما ذنب جنوه، وإنما أرسل رحمة للعالمين، أيقنا عندئذ أنه صلى الله عليه وآله وسلم لئلا يعرض أمته لمحنة محتومة كهذه، ولئلا يترك أمته عرضة للاضطراب والاختلاف والفتن، ولئلا يدع شريعته - وهي خاتمة شرائع السماء - غرضا لأهل البدع والأهواء، و (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) لأجل هذا كله لا بد أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم قد أوصى، ونص على الإمام من بعده، وعلى إمام بعد إمام.

وهذه هي الحقيقة التي لا يستقيم غيرها مع ما ورد من نصوص القرآن والسنة في أمر الإمامة.

2 - تقدم الكلام في وجوب الإمامة، وما فرضه الله تعالى، وأوجبه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وعليه إجماع الأمة من وجوب وجود إمام تعقد له البيعة في كل زمان.

فليس خفي - مع هذا - على كل مسلم أنه سوف يسأل غدا عن إمام زمانه الذي كان يعتقد إمامته، ويعقد له البيعة والولاء.

وبديهي أن من بايع لإمام معتقدا إمامته كان وراءه يوم القيامة، فإما أن يكون هو الإمام الذي ارتضاه الله ورسوله، فيقدم قومه فيوردهم الجنه والرضوان، وإما أن يكون غيره، فيوردهم النار! أعاذ الله أمة حبيبه المصطفى منها ومن أهوالها.

قال صلى الله عليه وآله وسلم: " ألا وإن أئمتكم وفدكم إلى الله عز وجل فانظروا من توفدون " (1).

فلنعرض هذا السؤال الخطير اليوم على أنفسنا، قبل أن تعرض عليه

(1) الصواعق المحرقة: باب 11: 150.


326

غدا:

فمن هو الإمام الذي تجب معرفته، وتجب موالاته في زماننا هذا؟

إنك مهما بحثت فلن تجد جوابا لذلك إلا لدى الشيعة الإمامية، ففي عقائدهم: أن إمام هذه الأزمان هو: الإمام المهدي المنتظر، ابن الإمام الحسن العسكري، ابن الإمام علي الهادي، ابن الإمام محمد الجواد، ابن الإمام علي الرضا، ابن الإمام موسى الكاظم، ابن الإمام جعفر الصادق، ابن الإمام محمد الباقر، ابن الإمام علي زين العابدين، ابن الإمام الحسين الذي هو أخو الإمام الحسن، سبطا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وريحانتاه، وسيدا شباب أهل الجنة، ابنا الإمام علي بن أبي طالب أخو رسول الله ووصيه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

فهو الإمام الثاني عشر - من الأئمة الاثني عشر القرشيين، الهاشميين، الهادين المهديين - المولود في سنة 255 هـ‍ في سامراء من أرض العراق.

وهو الإمام المنتظر الموعود الذي تبشر به مذاهبنا الإسلامية كافة (1).

وهذا هو الجواب الوحيد الذي يستقيم مع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المتفق عليها في الإمامة، وأشهرها:

1 - قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إني تارك فيكم الثقلين - خليفتين - كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " (2).

(1) أنظر سنن أبي داود - كتاب المهدي - 4: 106، سنن الترمذي - باب ما جاء في المهدي - 4: 505.

(2) صحيح مسلم 4: 1873 و 1874، سنن الترمذي 5: 662 / 3786 و 663 / 3788، مسند الإمام أحمد 3: 14، 17 و 4: 367، 371 و 5: 182، 189، سنن الدارمي 2: 432، مصابيح السنة 4: 185 / 4800 و 190 / 4816، فضائل الصحابة 2: 603 / 1035، الخصائص للنسائي:

21، السيرة الحلبية 3: 336، تاريخ اليعقوبي 2: 112، تفسير الرازي 8: 163، تفسير ابن كثير 4: 122، العقد الفريد 4: 126 وتقدم ذكر مزيد من مصادره.


327

قال ابن حجر الهيثمي: وفيه إشارة إلى عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك به إلى يوم القيامة كما أن الكتاب العزيز كذلك (1).

2 - قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش " (2).

وفي لفظ " الخلفاء بعدي اثنا عشر كلهم من قريش " (3).

ولقد رأينا من هم أئمة أهل البيت عليهم السلام، فهم المصطفون من آل المصطفى، الذين قال فيهم: " لا تتقدموهم فتهلكوا، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم ".

وقال: " وإني سائلكم غدا عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ".

" أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي ".

لماذا هذا الجفاء؟

لقد كنت زمنا أعجب لمن يقول بمبدأ (السلفية) فيستنكر كل شئ لم يكن قد عمل به على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحتى مكبرات الصوت في المساجد، قالوا: إنها بدعة لأنها لم تكن على عهد النبي! وأمثالها كثير، ترى فلماذا لا يستنكرون السجود على الفراش، ثم السجاد السميك، وهم يعلمون علم اليقين أنه خلاف ما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والصحابة، وحتى التابعين؟

فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سجوده على غير التراب والحصى، أو الحصير المتخذ من الجريد.

(1) الصواعق المحرقة - باب 11 فصل 1: 151.

(2) (3) صحيح البخاري - كتاب الأحكام - ح / 79، صحيح مسلم - كتاب الإمارة - ح / 1821، سنن الترمذي 4: 501 / 2223 وتقدم ذكر مزيد من مصادره.


328

لقد كنت أسرع شئ للاقتناع بهذا، فهو من أكثر الأشياء وضوحا.

وكنت رغم ما بلغته من الاطمئنان إلى مسألة (مسح القدمين) في الوضوء، ورغم أني قد قرأت ما حكاه الرازي فيها مفصلا في تفسيره، وقد ذكر عددا ممن قال بوجوبه، وعددا ممن قال بالتخيير بين المسح والغسل، وعددا ممن جمع بينهما (1)، رغم هذا كنت أتشوق لرؤية مزيد من الأحاديث الصحيحة في هذا عند أصحاب التصانيف المعتبرة، حتى وقفت على ذلك في عدة مصادر، منها:

سنن أبي داود:

بالإسناد عن علي عليه السلام قال: " لو كان الدين بالرأي لكان باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما ".

وهذا نص صريح بالمسح على القدمين في الوضوء دون الغسل.

ثم رواه بإسناد آخر - تحت نفس الرقم - عن علي عليه السلام أنه قال: " كنت أرى أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمسح ظاهرهما " (2).

والغريب أنه بعد أن ذكر الحديثين قال: قال وكيع: يعني الخفين!

وهذا تحكم ظاهر لا قيمة له ولا دليل عليه، ولا مجرد إشارة.

وفي سنن ابن ماجة:

عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: إن الناس أبوا إلا الغسل، ولا أجد في كتاب الله إلا المسح (3).

(1) تفسير الرازي 11: 161 وبعدها.

(2) سنن أبي داود - كتاب الطهارة - ح / 164.

(3) سنن ابن ماجة 1: 156 / 458.


329

وفي مسند أحمد بن حنبل: عن علي عليه السلام أنه قال: " كنت أرى أن باطن القدمين أحق
بالمسح من ظاهرهما، حتى رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمسح ظاهرهما " (1).

مسند الحميدي: روى حديث أحمد المتقدم بنصه، وذكر له مصادر أخرى (2).

مسند أبي يعلى الموصلي: روي الحديث من طريقين عن علي عليه السلام: " كنت أرى أن باطن
القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح ظاهرهما " (3).

السنن الكبرى للبيهقي: عن رفاعة بن رافع: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال
للمسئ صلاته: " إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله: يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين " (4).

وفي الدر المنثور:

- وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى:

(وامسحوا برؤسكم وأرجلكم) قال: هو المسح.

- وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن ماجة، عن ابن عباس، قال: أبى الناس إلا الغسل، ولا أجد في كتاب الله إلا المسح.

- وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن ابن عباس، قال: الوضوء غسلتان ومسحتان.

(1) مسند أحمد 1: 95.

(2) مسند الحميدي: 26 / 47.

(3) مسند أبي يعلى 1: 287 / 86 - (346) و 1: 455 / 353 - (613).

(4) السنن الكبرى 1: 44.


330

- وأخرج ابن أبي شيبة، عن عكرمة، مثله.

- وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، عن ابن عباس، قال: افترض الله غسلتين ومسحتين، ألا ترى أنه ذكر التيمم، فجعل الغسلتين مسحتين وترك المسحتين.

- وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة، مثله.

- وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وعن أنس، أنه قيل له: إن الحجاج خطبنا، فقال: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم) (وامسحوا برؤسكم وأرجلكم) وأنه ليس شئ من ابن آدم أقرب إلى الخبث من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما.

فقال أنس: صدق الله، وكذب الحجاج، قال الله: (وامسحوا برؤسكم وأرجلكم).

قال: وكان أنس إذا مسح قدميه بلهما.

- وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن الشعبي، قال: نزل جبريل بالمسح على القدمين، ألا ترى أن التيمم أن يمسح ما كان غسلا، ويلقي ما كان مسحا (1).

وهذه كلها أحاديث تمتعت بأسانيد هي من أقوى الأسانيد وأصحها.

وهكذا لو تناولنا جميع المسائل بالدرس الموضوعي المجرد عن الميول لتوصلنا إلى مثل هذه النتائج الواضحة.

ولو دخلنا في باب العقائد، وأول الأصول فيها، الذي هو أصل " التوحيد ":

لما وجدنا التوحيد الخالص الذي يطمئن له القلب، ويتذوق حلاوته إلا

(1) الدر المنثور 3: 28 - 29 عند الآية (6) من سورة المائدة.


331

في مدرسة أهل البيت عليهم السلام، إذ لا حيرة بين التشبيه والتعطيل، ولا اضطراب بين الجبر والتفويض، لا هذا ولا ذاك، بل هو التوحيد الخالص الذي ينسجم مع عظمة الخالق جل جلاله، وينزهه عن كل الأوهام والظنون.

ولقد عجت خطب نهج البلاغة بما يصور أرقى معاني التوحيد وأكملها، وامتلأت كلمات الإمام زين العابدين عليه السلام في صحيفته الرائعة (الصحيفة السجادية) بتلك المعاني.

وإتماما للمعنى فقد انتخبنا بعض المقاطع من خطبة أمير المؤمنين عليه السلام المعروفة بخطبة الأشباح، يرويها الإمام الصادق عليه السلام، فيقول:

إن رجلا أتاه فقال له: يا أمير المؤمنين، صف لنا ربنا مثلما نراه عيانا لنزداد له حبا وبه معرفة، فغضب ونادى: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس حتى غص المسجد بأهله، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال:

" الحمد لله الذي لا يفره المنع والجمود، ولا يكديه الإعطاء والجود...

الأول الذي لم يكن له قبل فيكون شئ قبله، والآخر الذي ليس له بعد فيكون شئ بعده، والرادع أناسي الأبصار عن أن تناله أو تدركه...

فانظر أيها السائل: فما دلك القرآن عليه من صفته فائتم به واستضئ بنور هدايته، وما كلفك الشيطان علمه مما ليس في الكتاب عليك فرضه، ولا في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة الهدى أثره، فكل علمه إلى الله سبحانه...

هو القادر الذي إذا ارتمت الأوهام لتدرك منقطع قدرته، وحاول الفكر المبرأ من خطرات الوساوس أن يقع عليه في عميقات غيوب ملكوته، وتولهت القلوب إليه لتجري في كيفية صفاته، وغمضت مداخل العقول في حيث لا تبلغه الصفات لتناول علم ذاته، ردعها وهي تجوب مهاوي سدف الغيوب، متخلصة


332

إليه - سبحانه - فرجعت إذ جبهت معترفة بأنه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته، ولا تخطر ببال أولي الرويات خاطرة من تقدير جلال عزته...

فأشهد أن من شبهك بتباين أعضاء خلقك، وتلاحم حقاق مفاصلهم المحتجبة لتدبير حكمتك، لم يعقد غيب ضميره على معرفتك، ولم يباشر قلبه اليقين بأنه لا ند لك...

كذب العادلون، إذ شبهوك بأصنامهم، ونحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم وجزأوك تجزئة المجسمات بخواطرهم...

وأشهد أن من ساواك بشئ من خلقك فقد عدل بك، والعادل بك كافر بما تنزلت به محكمات آياتك، ونطقت عنه شواهد حجج بيناتك، وإنك أنت الذي لم تتناه في العقول فتكون في مهب فكرها مكيفا، ولا في رويات خواطرها فتكون محدودا مصرفا... إلى آخر خطبته عليه السلام (1).

وفي أصل " النبوة " مهما بحثنا لا نجد عقيدة تنزه الأنبياء والرسل، صلوات الله عليهم أجمعين غير عقيدة الشيعة الإمامية، وأما عند سواهم فالأنبياء جميعا محملون بالأخطاء والآثام! وهذا مما ينفر منهم ولا يقرب إليهم، ولا يستقيم إطلاقا مع كونهم عليهم السلام أمناء الله تعالى على رسالاته، ولا مع كون الاقتداء بهم أمرا إلزاميا.

إذ كيف يكون أمينا على وحي الله تعالى ورسالاته من يحتمل منه الخطأ والاشتباه؟!

أم كيف يؤمر العباد بالتأسي بهم، بكل أفعالهم وأقوالهم (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (2)، (ولقد كان لكم في رسول

(1) نهج البلاغة - شرح الدكتور صبحي الصالح: 124 - 136 - خطبة رقم 91 -.

(2) الحشر: 7.


333

الله أسوة حسنة) (1).

وكيف يكون ذلك وهم يقعون في الخطأ والاشتباه؟!

أما عصمة الأنبياء، ونزاهتهم من الآثام والأخطاء فلا تجدها إلا في عقائد الإمامية.

والبحث في هذا يطول..

ولكن أم المسائل في هذا الباب يمكن صياغتها بالسؤال التالي:

- لماذا هذا الإعراض عن فقه أهل البيت عليهم السلام؟!

فهل كان غيرهم من أئمة الفقه أعلم منهم؟

لقد كان رائد مدرسة أهل البيت في الفقه الإمام جعفر الصادق عليه السلام وقد عاصره من أئمة الفقه الذين اعتمد فقههم، وأوقف العمل على فتاويهم: أبو حنيفة، ومالك بن أنس، ثم تلاهم الشافعي، وأحمد بن حنبل، فهل كان معاصروه، أو التابعون له أعلم منه وأفضل؟

قال ابن أبي حاتم: سمعت أبا حاتم يقول: جعفر لا يسأل عن مثله.

وقال: سمعت أبا زرعة، وسئل عن [ حديث ] جعفر بن محمد عن أبيه وسهيل عن أبيه (2)، والعلاء عن أبيه (3)، أيها أصح؟

فقال: لا يقرن جعفر إلى هؤلاء (4).

(1) الأحزاب: 21.

(2) قال الذهبي: سهيل بن أبي صالح، الإمام المحدث الكبير الصادق.. حدث عن أبيه أبي صالح ذكوان السمان.. وحدث عنه الأعمش، وربيعة، وموسى بن عقبة وهم من التابعين.. وكان من كبار الحفاظ.. أثنى عليه الترمذي، وأحمد، وابن معين وغيرهم. سير أعلام النبلاء 5: 458.

(3) قال الذهبي: العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، الإمام المحدث الصدوق.. حدث عن والده عبد الرحمن صاحب أبي هريرة، وعن أنس بن مالك.. وحدث عنه: مالك، وشعبة، وسفيان، وابن عيينة.

سير أعلام النبلاء 6: 186.

(4) سير أعلام النبلاء 6: 257 - 258.


334

وقال اليعقوبي: كان جعفر بن محمد - الصادق - أفضل الناس، وأعلمهم بدين الله.

وكان من أهل العلم الذين سمعوا منه إذا رووا عنه قالوا: أخبرنا العالم (1).

وقال ابن خلكان: أبو عبد الله جعفر الصادق، أحد الأئمة الاثني عشر على مذهب الإمامية، وكان من سادات أهل البيت - عليهم السلام - ولقب بالصادق لصدقه في مقالته، وفضله أشهر من أن يذكر.

وله كلام في صنعة الكيمياء.. وكان تلميذه جابر بن حيان قد ألف كتابا يشتمل على ألف ورقة تتضمن رسائل جعفر الصادق - عليه السلام - وهي خمسمائة رسالة (2).

وقال أبو جعفر المنصور: إن جعفرا كان ممن قال الله فيه: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) وكان ممن اصطفى الله، وكان من السابقين بالخيرات (3).

وقال الذهبي: جعفر الصادق عليه السلام كبير الشأن من أئمة العلم، كان أولى بالأمر من أبي جعفر المنصور (4).

وسئل أبو حنيفة من أفقه من رأيت؟

قال: ما رأيت أحدا أفقه من جعفر بن محمد.

لما أقدمه المنصور الحيرة بعث إلى، فقال: يا أبا حنيفة، إن الناس قد

(1) تاريخ اليعقوبي 2: 381.

(2) وفيات الأعيان 1: 327.

(3) تاريخ اليعقوبي 2: 383.

(4) سير أعلام النبلاء 13: 120.


335

فتنوا بجعفر بن محمد! فهيئ له من مسائلك الصعاب.

فهيأت له أربعين مسألة، ثم أتيت أبا جعفر، وجعفر جالس عن يمينه، فلما بصرت بهما دخلني لجعفر من الهيبة ما لا يدخلني لأبي جعفر - إلى أن قال - فقال لي أبو جعفر: هات من مسائلك.

فابتدأت أسأله، فكان يقول في المسألة: أنتم تقولون فيها كذا وكذا، وأهل المدينة يقولون كذا وكذا، ونحن نقول كذا وكذا. فربما تابعنا، وربما تابع أهل المدينة، وربما خالفنا جميعا، حتى أتيت على أربعين مسألة ما أخرم منها مسألة.

ثم قال أبو حنيفة: أليس قد روينا أن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس (1)؟

فلماذا إذن لا يؤخذ الفقه من أفضل الناس، وأعلمهم، وأعلمهم باختلاف الناس؟ دع عنك الخلاف في أمر الإمامة، وإن بايعوا من بايعوا ووالوا من والوا، ولكن هذه مسائل الفقه، والحلال والحرام، فما الذي يمنع أن نأخذها من أعلم الناس!

أليست السياسة هي التي صنعت هذا الجفاء؟

أم لم يصح التعبد طبق مذهبهم عليهم السلام؟!

فحتى إذا لم نلتفت إلى كل ما جاء بحقهم عليهم السلام من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وشهادات معاصريهم، فإن بيننا اليوم من فتاوى المتأخرين ما يمكن اللجوء إليه، فقد أفتى شيوخ الأزهر - ابتداء من الشيخ محمود شلتوت - بجواز التعبد طبق مذهب جعفر الصادق عليه السلام.

ولو لم تكن السياسة، وشهوة " السلطان " هي التي صنعت هذا، فهل

(1) سير أعلام النبلاء 6: 257 - 258، تهذيب الكمال 5: 79.


336

ترى أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم تجفو أهل بيته الأطهار، وهي ترى فيهم أعلى الفضل، والشرف، والسيادة، والشجاعة، والعلم، والفقه، والكرم، والحكمة، وكل الفضائل ومكارم الأخلاق، أترى هذا يكون لولا ذاك؟

أم يقال: إن الشيعة قد كذبوا على أئمة أهل البيت؟

إن من أغرب ما أراه يتكرر تحت ناظري، وعلى مسامعي هي هذه الدعوى، التي ما قيلت إلا لأجل قطع الطريق على الباحث أن يبلغ الحقيقة، وقطع الطريق على الحقائق أن تبلغنا!

دع عنك كل ما تقدم ذكره من قصة الوضع في الحديث، وما مني به أهل البيت عليهم السلام وأتباعهم ومحبيهم من فنون الأذى مدى الأيام، دع عنك هذا كله، وهب أن شيئا منه لم يكن، وتعال نواجه هذه الدعوى بالسؤال التالي:

إذا كانت هذه الطائفة من المسلمين قد كذبت على أئمة أهل البيت، وابتدعت لها طريقا نسبته إليهم، فما بال أصحاب هذه الدعوى من طلاب الحق لم يأخذوا الصحيح عنهم عليهم السلام ويتمسكوا به ويحفظوه لنا لنعرف فقه أهل بيت نبينا عليه وعليهم الصلاة والسلام؟!

إن كانوا يتحرون الحق، ويوالون أهله، فما بالهم لم يأخذوا دينهم - بأصوله وفروعه - عن أئمة الهدى، وزعماء الدين، ورواد العلم، والفقه، والشرف، والتقوى؟!

لماذا تركوهم، وأعرضوا عنهم، وراحوا يلتمسون العقائد والأصول والفروع وكل شئ ممن هو دونهم بلا ريب؟!

وليس هذا فقط، بل إذا رأوا من يحفظ حديثهم عليهم السلام قالوا:

هذا رافضي. وتركوه!

هذه هي حقيقة تلك الدعوى، فلو صدقوا فيما زعموا لاتبعوهم وهم يشهدون لهم بالفضل.


337

وتقدم قول ابن حجر: إن في أحاديث التمسك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك به إلى يوم القيامة (1).

وقال: هم معدن للعلوم اللدنية، والأسرار والحكم العلية، والأحكام الشرعية، ولذا حث صلى الله عليه وآله وسلم على الاقتداء والتمسك بهم، والتعلم منهم، وقال: " الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت " (2).

فلماذا هذا الإعراض عنهم، والتمسك بمن هو دونهم في الدرجات؟!

أكتب هذه الكلمات وتتردد في ذهني مقولة أمير المؤمنين عليه السلام، التي يقول فيها:

" فأين تذهبون؟! وأنى تؤفكون؟! والأعلام قائمة، والمنار منصوبة، فأين يتاه بكم؟!

وكيف تعمهون وبينكم عترة نبيكم؟! وهم أزمة الحق، وإعلام الدين، وألسنة الصدق (3)؟!

ثم ألا يكفينا حجة للتمسك بهم عليهم السلام أنهم الثقل الملازم للقرآن، فلا هما يفترقان، ولا يضل متمسك بهما أبدا؟

وبعد، فنحن مسؤولون غدا عن ذلك: " فانظروا كيف تخلفوني فيهما " " أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي "؟

- وأنهم هم الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسفينة نجاة هذه الأمة " فمن تعلق بها نجا، ومن تخلف عنها غرق "؟

- وهم عليهم السلام " أمان لأهل الدنيا، فإذا خالفتهم قبيلة من العرب اختلفوا، فصاروا حزب إبليس ".

(1) (2) الصواعق المحرقة: 151.

(3) شرح نهج البلاغة - للدكتور صبحي الصالح -: 119 - الخطبة رقم 87 -.


338

فماذا بعد؟

قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام:

" وناظر قلب اللبيب به يبصر أمده، ويعرف غوره ونجده.

داع دعا، وراع رعى، فاستجيبوا للداعي، واتبعوا الراعي:

نحن الشعار والأصحاب، والخزنة والأبواب، ولا تؤتى البيوت إلا من أبوابها، فمن أتاها من غير أبوابها سمي سارقا.

فليصدق رائد أهله، وليحضر عقله.

وليكن من أبناء الآخرة، فإنه منها قدم، وإليها ينقلب.

فالناظر بالقلب، العامل بالبصر يكون مبتدأ عمله أن يعلم: أعلمه عليه أم له!

فإن كان له مضى فيه، وإن كان عليه وقف عنه.

فإن العامل بغير علم كالسائر على غير طريق، فلا يزيده بعده عن الطريق الواضح إلا بعدا من حاجته!

والعامل بالعلم كالسائر على الطريق الواضح.

فلينظر ناظر: أسائر هو، أم راجع " (1).

شرح الله صدورنا للحق أجمعين..

والحمد لله رب العالمين..

16 محرم الحرام 1412

(1) نهج البلاغة - للدكتور صبحي الصالح -: 215 - 216 (خطبة: 154).
فهرست آيات
قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين23
إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس23
إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا38
قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى39
إلا المودة في القربى39
إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما40
وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون49
إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا..50
ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون50
يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم50
ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا75
وأنذر عشيرتك الأقربين79
يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك - إلى قوله - والله يعصمك من الناس81
وانذر عشيرتك الأقربين83
والله يعصمك من الناس84
يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك106
هي مولاكم110
ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا110
هي مولاكم111
مأواكم النار هي مولاكم112
إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم الراكعون128
يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس133
والله يعصمك من الناس137
ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا141
لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون142
اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا144
وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى154
وآت ذا القربى حقه181
ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله211
إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا228
محمد رسول الله والذين معه: أشداء على الكفار، رحماء بينهم تريهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما233
يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم262
إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون263
وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا269
أفلا تذكرون273
أفلا تعقلون273
وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما292
وإنك لعلى خلق عظيم306
وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا312
فهرست اشعار
يا راكبا قف بالمحصب من منى   =   واهتف بساكن خيفها والناهض40
سحرا إذا فاض الحجيج إلى منى   =   فيضا كما نظم الفرات الفائض40
إن كان رفضا حب آل محمد   =   فليشهد الثقلان: أني رافضي (1)40
يا أهل بيت رسول الله حبكم   =   فرض من الله في القرآن أنزله41
كفاكم من عظيم الشأن أنكم   =   من لم يصل عليكم لا صلاة له (2)41
وصي النبي المصطفى وابن عمه   =   وفكاك أغلال وقاضي مغارم85
ومنا علي ذاك صاحب خيبر   =   وصاحب بدر يوم سالت كتائبه85
وصي النبي المصطفى وابن عمه   =   فمن ذا يدانيه ومن ذا يقاربه!86
لعمري لقد بايعتم ذا حفيظة   =   على الدين معروف العفاف موفقا86
عليا وصي المصطفى وابن عمه   =   وأول من صلى، أخا الدين والتقى86
قل للزبير، وقل لطلحة: إننا   =   نحن الذين شعارنا الأنصار86
إن الوصي إمامنا وولينا   =   برح الخفاء وباحت الأسرار86
هذا علي وهو الوصي   =   آخاه يوم النجوة النبي86
وقال هذا بعدي الولي   =   وعاه واع ونسي الشقي87
نحن بنو ضبة أعداء علي   =   ذاك الذي يعرف قدما بالوصي87
وفارس الخيل على عهد النبي   =   ما أنا عن فضل علي بالعمي87
كيف ترى الأنصار في يوم الكلب   =   إنا أناس لا نبالي من عطب87
ولا نبالي بالوصي من غضب   =   وإنما الأنصار جد لا لعب87
هذا علي وابن عبد المطلب   =   ننصره اليوم على من قد كذب87
يا ربنا سلم لنا عليا   =   سلم لنا المبارك المضيا88
المؤمن الموحد التقيا   =   لا خطل الرأي ولا غويا88
بل هاديا موفقا مهديا   =   واحفظه ربي واحفظ النبيا88
فيه فقد كان له وليا   =   ثم ارتضاه بعده وصيا88
فادعها تستجب، فليس من الخز   =   رج والأوس - يا علي - جبان88
يا وصي النبي قد أجلت الحر   =   ب الأعادي وسارت الأضعان88
أعائش خلي عن علي وعيبه   =   بما فيه إنما أنت والده88
وصي رسول الله من دون أهله   =   وأنت على ما كان من ذاك شاهده89
وحسبك منه بعض ما تعلمينه   =   ويكفيك لو لم تعلمي غير واحده89
أضربكم حتى تقروا لعلي   =   خير قريش كلها بعد النبي89
من زانه الله وسماه الوصي   =   إن الولي حافظا ظهر الولي89
يناديهم يوم الغدير نبيهم   =   بخم وأسمع بالرسول مناديا94
بأني مولاكم نعم ووليكم   =   فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا94
إلهك مولانا وأنت ولينا   =   ولا تجدن في الخلق للأمر عاصيا94
فقال له: قم يا علي فإنني   =   رضيتك من بعدي إماما وهاديا95
فمن كنت مولاه فهذا وليه   =   فكونوا له أنصار صدق مواليا95
هناك دعا: اللهم وال وليه   =   وكن للذي عادى عليا معاديا (1)95
فغدت كلا الفرجين تحسب أنه   =   مولى المخافة خلفها وأمامها111
فأصبحت مولاها من الناس كلهم   =   وأحرى قريش أن تهاب وتحمدا114
ونعم ولي الأمر بعد وليه   =   ومنتجع التقوى ونعم المؤدب114
أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي   =   وكل بطئ في الهدى ومسارع129
أيذهب مدحيك المحبر ضائعا   =   وما المدح في جنب الإله بضائع129
فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعا   =   زكاة، فدتك النفس يا خير راكع129
فأنزل فيك الله خير ولاية   =   وأثبتها أثنا كتاب الشرائع(1)129
يسقي ويشرب لا تلهيه سكرته   =   عن النديم، ولا يلهو عن الناس130
أطاعه سكره حتى تمكن من   =   فعل الصحابة، فهذا واحد الناس130
ودع عنك نهبا صيح في حجراته   =   ولكن حديثا ما حديث الرواحل165
فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم   =   فكيف بهذا والمشيرون غيب؟!166
وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم   =   فغيرك أولى بالنبي وأقرب (2)166
شتان ما يومي على كورها   =   ويوم حيان أخي جابر168
وقولة لعلي قالها عمر   =   أكرم بسامعها أعظم بملقيها178
حرقت دارك لا أبقي عليك بها   =   إن لم تبايع، وبنت المصطفى فيها!!178
ما كان غير أبي حفص بقائلها   =   أمام فارس عدنان وحاميها!!! (3)178
إذا في مجلس ذكروا عليا   =   وسبطيه، وفاطمة الزكية205
يقال: تجاوزوا يا قوم هذا   =   فهذا من حديث الرافضية205
برئت إلى المهيمن من أناس   =   يرون الرفض حب الفاطمية (4)205
منع اليوم أن أذوق رقادا   =   مالك إذ مضى، وكان عمادا235
يا أبا الهيثم بن تيهان إني   =   صرت للهم معدنا ووسادا235
عين جودي على خزيمة بالدم‍   =   - ع قتيل الأحزاب يوم الفرات235
قتلوا ذا الشهادتين عتوا   =   أدرك الله منهم بالترات235
قتلوه في فتية غير عزل   =   يسرعون الركوب للدعوات236
نصروا السيد الموفق ذا العد   =   ل ودانوا بذاك حتى الممات236
لعن الله معشرا قتلوه   =   ورماهم بالخزي والآفات236
تطاول ليلي للهموم الطوارق   =   وخوف التي تجلو وجوه العواتق (1)243
فإن ابن هند سائلي أن أزوره   =   وتلك التي فيها بنات البوائق (2)243
يا قاتل الله وردان وفطنته   =   أبدى لعمرك ما في الصدر وردان244
معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل   =   به منك دنيا فانظرن كيف تصنع244
فإن تعطني مصرا فأربح بصفقة   =   أخذت بها شيخا يضر وينفع244
وما الدين والدنيا سواء، وإنني   =   لآخذ ما أعطني ورأسي مقنع244
لكنني أعطيك هذا وإنني   =   لأخدع نفسي، والمخادع يخدع244
فمنك البداء ومنك الغير   =   ومنك الرياح ومنك المطر254
وأنت أمرت بقتل الإمام   =   وقلت لنا: إنه قد كفر254
فهبنا أطعناك في قتله   =   وقاتله عندنا من أمر255
ولم يسقط السقف من فوقنا   =   ولم ينكسف شمسنا والقمر255
وقد بايع الناس ذو تدرء   =   يزيل الشبا ويقيم الصعر255
يلبس للحرب أثوابها   =   وما من وفى مثل من قد غدر (1)255
لم أر كاليوم أخا إخوان   =   أعجب من مكفر الأيمان260