فهرست عناوين
نهاية الاصول

1

المجلد الاول من كتاب نهاية الاصول تقريرا لما استفدته من بحث حضرة الاستاد الاكبر جامع المعقول والمنقول وحاوى الفروع والاصول سيد الفقهاء و المجتهدين وآية اه‍ العظمى في الارضين المنتهى إليه رياسة الامامية في القرن الحاضر مولانا الاعظم وسيدنا الافخم الحاج آقا حسين البروجردي الطباطبائى مد ظله العالي على رؤس المسلمين في المسائل الاصولية بقلم العبد الراجى حسين على المنتظري النجف آبادى 1375 قمرى


2
فهرست عناوين
      ما هو موضوع العلم4
      ما هو الموضوع في علم الاصول11
      في الوضع13
      فيصير الملحوظ حين الوضع14
      الكيفية15
      في خصوص العقود23
      في الحقيقة والمجاز24
      في ذكر اللفظ وارادة نوعه أو مثله أو شخصه27
      في الحقيقة الشرعيةلا37
      في الصحيح والاعم38
      في الاقل والاكثر41
      في المسألة48
      في كيفيتها وما يكون معتبرا فيها من الاجزاء والشرائط49
      في جواز استعمال اللفظ المشترك في الاكثر من معنى واحد51
      في المشتق56
      فيها64
      في مفاهيم المشتقات67
      في صحة الحمل73
      في الاوامر74
      فيه ليس لاحد ان يقول ان الطلب الوجوبى91
      في المرة والتكرار )111
      في الاجزاء )112
      في مقدمة الواجب )141
      في تقسيمات المقدمة142
      المقدمات173
      في تأسيس الاصل في المسألة180
      في وجوب المقدمة184
      الطرفين من جهة التضاد فلا محالة يثبت للطرف الاخر193
      يأمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه209
      في الواجب الكفائي210
      القضاء بالامر الاول أو بأمر جديد214
      في ان الاوامر تتعلق بالطبائع أو بالافراد217
      في النواهي . فصل في اجتماع الامر والنهى224
      في جواز الاجتماع233
      في العبادات المكروهة240
      فصل252
      في المنطوق والمفهوم261
      فصل274
      فصل275
      فصل279
      في دلالة الغاية والاستثناء282
      فصل ) هل العام المخصص حجة فيما بقى اولا286
      فصل292
      بعدم جواز اسماعه بدون اسماع المخصص311
      فصل313
      فصل320
      جواز التخصيص بالمفهوم المخالف323
      فصل325
      فصل ) اختلفوا في جواز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد327
      في المطلق والمقيد330
      في بيان ذلك : انه ان لوحظ نفس الماهية331
      في القول بالمجازية339

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذى خلق الانسان علمه البيان ، ثم هداه بالفطرة التى فطره عليها إلى أصول الدين ومسالك الايمان ، وأوضح له بالسفراء المقربين معالم الايقان وسبل الرضوان .

والصلوة والسلام على نبيه المبعوث لتمهيد قواعد الاسلام وتبيين ضوابط الاحكام محمد صلى الله عليه وآله وعلى آله الهداة المهديين ، وأوصيائه الكرام الطيبين ، مادامت كلماتهم المكنونة لتوضيح قوانين الدين معدة ، وفرائد آثارهم الباقية لتشريح حقايق الاسلام ذخيرة وعدة .

( وبعد ) فيقول العبد المفتقر إلى رحمة ربه الغنى ، حسين على النجف آبادى الاصفهانى : لا يخفى أن علم اصول الفقه علم شريف ، يحتاج إليه كل من تصدى لاستنباط الاحكام الشرعية من مداركها ، وأطلق عنان فكره في طرق الجهاد والاجتهاد لتنقيح المسائل الفقهية وتقييد شواردها ، فانه الموضوع لبيان ما هو الحجة في أثبات الاحكام ، وبه يعرف حال الاخبار المروية عن سيد الانام وأوصيائه الكرام ، وحال ساير الادلة الشرعية والاصول العملية التى عليها بنى أساس الفقه وعلى قطبها يدور رحاه .

وكم قد صنف فيه الاعاظم والاجلاء من علمائنا الامامية ، فرتبوا فصوله ، ونقحوا مسائله ، وشيدوا أركانه ودعائمه .

ولكنه بمرور الزمان ، قد استغذى بعروقة المتشعبة من سائر


3

العلوم المتشتتة ، بحيث قد افرط فيه الباحثون وكبر حجم الكتب المؤلفة فيه .

وصار امهات المسائل المبتلى بها كالضالة في اثناء سائر المسائل ، بنحو يعسر افتقادها والاطلاع عليها ، وكم سلكوا في توضيح مسائله سبلا شتى ، كلها بعيدة عن اصل المقصود بمراحل ، وبقى اصول المسائل غير منقحة كما كانت في الاوائل .

إلى ان انتهت رياسة الشيعة الامامية ، وزعامة حوزاتهم العلمية ، إلى قطب فلك الفقاهة والاجتهاد ، ومركز دائرة البحث والانتقاد ، جامع المعقول والمنقول ، وحاوى الفروع والاصول ، زبدة الفقهاء والمجتهدين ، وآية الله العظمى في الارضين ، محيى مدارس الشرع الباقي ، ومرجع كل قريب ونائى ( الحاج آقا حسين البروجردي الطباطبائى ) لا زال اطناب ظلاله على رؤس الانام باقية ، وله في ظل لواء بقية الله ( عجل الله تعالى فرجه ) صحة وعافية .

فهو ( مد ظله ) كان يحذف في اثناء تدريسه الزوايد والحواشي ، ويهم بالمسائل المهمة التى كثر الابتلاء بها ، وكان يسلك في تنقيحها والوصول إلى الحق فيها ، الصراط الاقوم ، والمنهج الاتم ، لا شرقية ولا غربية .

وكنت أنا أيضا ممن يستضيئ بنور علمه ، ويستفيد من بياناته الشافية ، وتحقيقاته الكافية ، وكنت أضبط بقدر فهمي ومبلغ استعدادي ما استفيد من بياناته ( مد ظله ) .

فهذا الذى تراه هو ما استفدته من دروسه العالية ، في المسائل الاصولية ، جمعته ونظمته في سلك التحرير ، وجعلته بصورة التقرير ، وسميته ( نهاية الاصول )أو بداية الوصول إلى الحق المأمول ، ومن الله ( تعالى ) اسئل التوفيق ، فانه خير مسئول .

واقول مخاطبا لمن راجع كتابي هذا : انه ربما كان لا يساعدنى التوفيق لضبط بعض المطالب في بعض المباحث ، وكان هذا هو السبب في تأخير نظم هذه الوجيزة ونشرها ، ولكن قد التمس منى بعض من لا احب مخالفته من الاصدقاء والاخوان بذل الجهد في نشر ما ضبط منها فسنح لى وقتئذ ان الميسور يجب ان لا يترك بالمعسور ، وما لا يدرك كله لا يترك كله ، فبادرت إلى ترتيب ما ضبط ، فتصورت بصورة تراها .

واقول ايضا معتذرا : انه لم يكن من عادتي ضبط كل درس بعد استفادته ، بل كنت اصبر لضبط كل مبحث إلى اوان فراغه .


4

فلو خطر ببال بعض القراء والباحثين ان في بيان بعض المطالب وتوضيحه نحو قصور واضطراب ، فاستناده إلى اقرب من ان يسند إلى الاستاد ( مد ظله العالي ) .

نعم مباني الاستاد كلما كانت عالية ، وبراهينه على اثبات مقاصده قوية ، ولكنها في مقام التقرير تتنزل وتتقدر بقدر استفادة المقرر واستعداده ، هذا .

ولكني مع ذلك كله لم آل جهدا في تقرير مبانيه ( مد ظله ) وتبيينها ، ليكون لى تذكرة ولغيري تبصرة وحيث كان هو ( مد ظله ) يراعى غالبا ترتيب الكفاية ، فأنا ايضا اذكر عناوين المباحث على وفق ما فيها ، ليتيسر للطالب ارتياد المسائل من مواردها ، وعلي هذا فيكون كتابي هذا مشتملا على مقدمة ومقاصد .

اما المقدمة ففى بيان امور الامر الاول في ان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات ، وانه

ما هو موضوع العلم

، وأى شئ هو الموضوع في علم الاصول ؟ اعلم ان القدماء قد تسالموا على امرين ( الاول ) ان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات .

( الثاني ) ان موضوع كل علم ما يبحث في هذا العلم عن عوارضه الذاتية ، ولما كانعلم الاصول ايضا علما برأسه تصدى القوم لبيان موضوعه ، فقال بعضهم : أن موضوعه الادلة الاربعة واستشكل عليه بعض المحققين بان مقتضى ذلك كون حجية الادلة الاربعة ووصف دليليتها من مقومات الموضوع لا من عوارضه .

ولازم ذلك ان تصير امهات المسائل ( اعني ما يبحث فيها عن حجية الادلة ) خارجة من علم الاصول ، وتدخل في سلك المبادى .

واختار هذا المستشكل كون الادلة الاربعة بذواتها ، لا بما انها متصفة بوصف الدليلية موضوعا لعلم الاصول ، حتى يكون البحث عن حجيتها ودليليتها أيضا بحثا عن عوارضها الذاتية .

ويرد عليه ( مضافا إلى ما في الكفاية ) ان موضوعية امور متشتتة لعلم واحد ، انما هي باعتبار وجود جامع بينها يكون هو الموضوع حقيقة ، ولا جامع بين ذوات الادلة


5

الاربعة ( 1 ) الا وصف الدليلية ، والمفروض جعلها من العوارض الذاتية للموضوع .

و عليهذا فلا يبقى بينها جامع وحداني يكون هو الموضوع حقيقة وبه يتحقق وحدة العلم إذ الملاك في عد المسائل المتشتتة علما واحدا هو وحدة الموضوع كما سيأتي ( هذا ) .

واما شيخنا الاستاد صاحب الكفايه ( قدس سره ) فقد خالف القدماء وقال ما حاصله : ان تمايز العلوم بتمايز الاغراض الباعثة على جمع المتشتتات وتسميتها علما واحدا لا الموضوعات والا لكان كل باب بل كل مسألة علما برأسه .

وبالجملة فالحيثية المشتركة بين المسائل المتشتتة التى بلحاظها سميت علما واحدا ، وبسببها يمتاز هذا العلم من غيره من العلوم ، هو الغرض الداعي إلى التدوين ، لا الموضوع .

نعم جميع المحمولات المختلفة في مسائل العلم ، من عوارض موضوع وحداني وهو عبارة عن حيثية جامعة لموضوعات المسائل ، متحدة معها خارجا ، وان كان يغايرها مفهوما ، تغاير الكلى ومصاديقه والطبيعي وافراده ، وربما لا يكون له عنوان خاص واسم مخصوص ،ولا يلزم لنا تشخيصه .

( انتهى ) هذه خلاصة ما ذكروه في هذا المقام .

والحق الحقيق بالتصديق هو ما اختاره القدماء : من ان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات ويتضح ذلك بتمهيد مقدمات .

( المقدمة الاولى ) لا يخفى انا إذا راجعنا كل واحد من العلوم المدونة ، وقصرنا النظر على نفس مسائله ، من غير التفات إلى ما يكون خارجا من ذات المسائل من المدون والاغراض ونحوهما ، علمنا علما وجدانيا باشتراك جميع تلك المسائل المتشتتة في جهة وحيثية لا توجد هذه الجهة في مسائل ساير العلوم ، و تكون هذه الجهة جامعة بين تلك المسائل ، وبسببها يحصل الميز بين مسائل هذا العلم وبين مسائل ساير العلوم .

وكذلك وجدنا في كل مسألة من مسائل هذا العلم جهة و خصوصية ، تميز هذه المسألة من غيرها من مسائل هذا العلم .

مثلا إذا راجعنا مسائل علم النحو وقطعنا النظر عن مدونه والاغراض الباعثة على تدوينه ، رأينا ان جهة البحث في جميعها كيفية آخر الكلمة من المرفوعية والمنصوبية والمجرورية ، فهى خصوصية ذاتية ثابتة في جميع مسائله ، مع قطع النظر عن المدون والاغراض ونحوهما ، وهى

( 1 ) اقول : يمكن ان يقال : ان الجامع بينها صلاحيتها للدليلية ، فيكون الموضوع عبارة عما يصلح للدليلية ، ويكون فعليتها من العوارض .


6

الجهة الجامعة بين هذه المسائل المتشتتة ، وبسببها تمتاز هذه المسائل من مسائل ساير العلوم .

ومع ذلك رأينا ان في نفس كل مسألة منها خصوصية ذاتية بها تمتاز من غيرها من مسائله .

وحيث لم تكن هاتان الجهتان خارجتين من ذوات المسائل بحكم الوجدان فلا محالة ليستا خارجتين من الموضوع والمحمول ، إذ النسبة معنى آلى توجد في جميع القضايا بنحو واحد ، ولا تختلف باختلاف المسائل .

( المقدمة الثانية ) انك إذا تتبعت العلوم المدونة ، ودققت النظر في مسائل كل واحد منها ، رأيت ان بعض العلوم الموجودة يكون ما هو المحمول في جميع مسائلهامرا واحدا كعلم الالهى بالمعنى الاعم ، فان المحمول في جميع مسائله مفهوم واحد وهو قولنا : ( موجود ) فيقال : الله موجود ، العقل موجود ، الجسم موجود ، الجوهر موجود ، الكم موجود ، وهكذا ، وان بعضها مما يختلف المحمول في مسائله ولكنه يوجد بين محمولاته المختلفة جهة جامعة ، بل ربما يكون المحمول في مسائل فصل منه امرا وحدانيا كعلم النحو ، فان المرفوعية ( مثلا ) تارة تحمل على الفاعل ، و اخرى على المبتداء ، ويتحصل بذلك مسئلتان ، ومع ذلك فالمرفوعية وان كانت تغاير المنصوبية ، ولكن بينهما جهة جامعة ذاتية ، حيث ان كلامنهما من تعينات الاعراب الحاصل لاخر الكلمة .

وبالجملة فليس المحمول يختلف دائما في جميع مسائل العلم .

واما موضوعات المسائل فهى مما تختلف دائما في جميع المسائل من أي علم كانت .

وحيث عرفت في المقدمة الاولى ان في كل مسألة من مسائل العلم يوجد جهتان : جهة ذاتية جامعة بين جميع مسائل هذا العلم ، وبها تمتاز من مسائل ساير العلوم ، وجهة ذاتية بها يمتاز هذه المسألة من غيرها من مسائل هذا العلم ، وعرفت ( ايضا ) ان الجهتين ليستا خارجتين من الموضوع والمحمول فلا محالة تنحصر الجهة الاولى في المحمول ، والجهة الثانية في موضوع المسائل لانه الذى يختلف في جميع المسائل بخلاف المحمول .

وبعبارة اخرى تمايز مسائل العلم بتمايز موضوعاتها ، وتمايز العلوم بتمايز ما هو الجامع لمحمولات مسائلها .


7

( المقدمة الثالثة ) ان المراد بالعرض في قولهم ( موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية ) هو العرض باصطلاح المنطقي لا الفلسفي ، فان العرض الفلسفي عبارة عن مهية شأن وجودها في الخارج ان يكون في الموضوع ، ويقابله الجوهر .

والعرض المنطقي عبارة عما يكون خارجا من ذات الشيئ متحدا معه في الخارج ، ويقابله الذاتي .

وبين الاصطلاحين بون بعيد فان العرض المنطقي قد يكون جوهرا من الجواهر ( كالناطق ) بالنسبة إلى ( الحيوان ) وبالعكس ، حيث ان كلا منهما خارج من ذات الاخر ومحمولعليه فيصدق عليه تعريف العرض المنطقي ، وان كان كل منهما ذاتيا بالنسبة إلى الانسان ، فالعرض باصطلاح الفلسفي مطلق ، وباصطلاح المنطقي امر نسبي ، فان ( الفصل ) مثلا بالنسبة إلى ( الجنس ) عرض خاص ، وبالنسبة إلى ( النوع ) المؤلف منه ذاتي له .

واما المقولات التسع العرضية باصطلاح الفلسفي فلا تتغير عن وصف العرضية باختلاف الاعتبارات والنسب .

المقدمة الرابعة لا يخفى ان كل واحد من الموضوع والمحمول في مسائل العلم عرض بالنسبة إلى الاخر ، ولا يقصر وصف العروض على المحمول ، إذ المراد بالعرض هنا ( كما عرفت ) هو العرض باصطلاح المنطقي ، وهو عبارة عما يكون خارجا من ذات الشئ ومتحدا معه في الخارج ، ففى قولنا في علم الالهى : ( الجسم موجود ) كل واحد من وصفى الجسمية والوجود خارج من ذات الاخر مفهوما ، ومتحد معه خارجا ، فكل واحد منهما عرض ذاتي بالنسبة إلى الاخر ، بمعنى انه لا يكون عينا بالنسبة إلى الاخر ، ولا جزءا له .

وكذلك كل واحد من وصفى الفاعلية والمرفوعية في قولنا : ( الفاعل مرفوع ) يكون عرضا منطقيا بالنسبة إلى الاخر ، وهكذا في جميع مسائل العلوم ، فالموضوعات في مسائل كل علم اعراض ذاتية لما هو الجامع بين محمولات مسائله ، وليست الموضوعات ذاتية له ، إذ الذاتي منحصر في النوع والجنس والفصل بالنسبة إلى النوع المؤلف منهما ، ولا تجد مسألة من مسائل العلوم يكون الموضوع فيها نوعا أو جنسا أو فصلا لجامع محمولات مسائل العلم ، إذ كل واحد من نوع الشيئ وجنسه وفصله البعيد اعم منه ، والفصل القريب مساو لما هو فصل له ، مع انك ترى ان موضوع كل مسألة اخ


8

من جامع محمولات المسائل والحاصل ان الموضوع في كل مسألة عرض بالنسبة إلى جامع محمولات المسائل وبالعكس غاية الامر ان المتداول في عقد القضية جعل الاخص موضوعا والاعم محمولا .

( المقدمة الخامسة ) ان المتداول وان كان جعل الاخص موضوعا والاعم محمولا ولكن النظم الطبيعي يقتضى جعل المعلوم من الامرين موضوعا ، والمجهول منهما محمولا ، فالموضوع بحسب الحقيقة هو المعلوم من الامرين ، والمحمول هو تعينه المجهول الذى اريد في القضية اثباته ، سواء كان الامر المجهول اعم بالنسبة إلى الموضوع أو مساويا له .

( إذا عرفت هذه المقدمات ) تبين لك ان الحق مع القدماء ، حيث قالوا : ان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات ، إذ المراد بموضوع العلم هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية وليس هو الا عبارة عن جامع محمولات المسائل الذى عرفت في المقدمة الثانية ان تمايز العلوم بتمايزه .

ووجه كونه موضوعا ان جامع محمولات المسائل في كل علم هو الذى ينسبق اولا إلى الذهن ، ويكون معلوما عنده ، فيوضع في وعاء الذهن ويطلب في العلم تعيناته وتشخصاته التى تعرض له .

مثلا في علم الالهى بالمعنى الاعم يكون نفس الوجود معلوما لنا وحاضرا في ذهننا ، فنطلب في العلم تعيناته وانقساماته اللاحقة له : من الوجوب والامكان والجوهرية والعرضية والجسمية ونحوها ، فصورة القضية وان كان هو قولنا : ( الجسم موجود ) مثلا ، ولكن الموضوع حقيقة هو عنوان الموجودية ، فمحصل مسائله هو ان الوجود المعلوم لك ، من خصوصياته وتعيناته وصف الجوهرية ، ومن تعيناته وصف الجسمية وهكذا ، ولذلك تريهم يقولون : ان موضوع الالهى بالمعنى الاعم هو الوجود ، مع ان الوجود يصير محمولا في القضايا المعقودة .

وكذلك في علم النحو ، فان اول ما ينسبق إلى ذهن المتتبع لاستعمالات العرب ، انما هو اعراب آخر الكلمة والاختلافات الواقعة فيه : من المرفوعية والمنصوبية و المجرورية ، فيطلب في علم النحو الخصوصيات التى بسببها يتحقق الاعراب واختلافاته من الفاعلية والمفعولية ونحوهما ، فالمسألة المعقودة وان كانت بصورة قولنا : الفاعل مرفوع ، ولكن الموضوع حقيقة هو وصف المرفوعية ، فمحصل مسائل علم النحو هو ان


9

ما يختلف آخره بالمرفوعية والمنصوبية والمجرورية انما يتعين بتعينات مختلفة : من الفاعلية والمفعولية ونحوهما ، وان المعرب بالاعراب الرفعى فاعل ، والمعرب بالاعراب النصبى مفعول وهكذا .

( والحاصل ) ان جامع المحمولات اعني الحيثية المشتركة بين مسائل العلم هو الذى ينسبق إلى الذهن اولا ، ويطلب في العلم جهاته وتعيناته ، فهو الموضوع للعلم ، والتعينات المختلفة التى يجعل كل واحد منها موضوعا لمسألة ، عوارض ذاتية لموضوع العلم ، لما عرفت في المقدمة الرابعة ان كل واحد من الموضوع والمحمول في المسألة عرض بالسنبة إلى الاخر ، وفي المقدمة الخامسة ان ما هو الموضوع حقيقة هو المعلوم من الامرين فتلخص مما ذكرنا ان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات اعني بها جامع محمولات المسائل ، وتمايز المسائل بتمايز الموضوعات فيها .

وقد تبين لك بما ذكرناه فساد ما ربما يتوهم في المقام من انه لم لا يجوز ان يكون الجهة المشتركة بين مسائل العلم المايزة اياها من ساير العلوم ، عبارة عن الكلى الجامع لموضوعات المسائل ، والجهة التى بها يمتاز كل مسألة من غيرها ، عبارة عن خصوصيات موضوعات المسائل وعلي هذا فتوجد كلتا الجهتين في عقد الوضع ، ويكون موضوع العلم عبارة عن الكلى الجامع لموضوعات المسائل .

توضيح الفساد انك قد عرفت ان موضوع العلم هو الحيثية المعلومة التى يطلب في العلم تعيناته ، ويبحث فيه عن عوارضه التى تحمل عليه ، وليس هذا الا ما هو الجامع للمحمولات ، فانه الحيثية المنسبقة إلى الذهن التى يبحث في العلم عن عوارضها .

والظاهر ان ما ذكرناه هو مراد القوم ايضا ، حيث اضافوا قيد الحيثية في بيان موضوع العلوم الادبية ، فقولهم : ان موضوع علم النحو هو الكلمة من حيث الاعراب والبناء ، و موضوع علم الصرف هو الكلمة من حيث الصحة والاعتلال ، وهكذا ، انما يريدون بذلك كون حيثية الاعراب والبناء موضوعا لعلم النحو ، وحيثية الصحة والاعتلال موضوعالعلم الصرف .

وعلي هذا فيكون تمايز جميع العلوم بتمايز الموضوعات .

فما في الفصول : من ان تمايز العلوم قد يكون بتمايز الموضوعات وقد يكون بتمايز


10

الحيثيات ، قد نشأ من الغفلة والذهول عما هو لب مراد القوم حيث اضافوا قيد الحيثية .

وقد اتضح بما ذكرنا ايضا فساد ما ذكره شيخنا الاستاد ( قدس سره ) في الكفاية حيث قال : ان موضوع العلم هو نفس موضوعات مسائله عينا وما يتحد معها خارجا ، وان كان يغايرها مفهوما تغاير الكلى ومصاديقه والطبيعي وافراده .

( انتهى ) ووجه الفساد ما عرفت من ان موضوع العلم هو محمولات المسائل والجامع بينها ، وهو وان كان متحدا مع موضوعات المسائل خارجا ، الا انه ليس التغاير بينه وبين موضوعات المسائل من سنخ تغاير الطبيعي وافراده ، بل من سنخ تغاير العرض المنطقي ومعروضه ، فان الطبيعي ذاتي لافراده ، وهذا بخلاف جامع المحمولات بالنسبة إلى خصوصيات الموضوعات ، حيث ان كلا منهما خارج من ذات الاخر ، كما عرفت توضيحه .

واتضح ايضا فساد ما قال ( قدس سره ) : من ان تمايز العلوم بتمايز الاغراض ، حيث عرفت ان الجهة التى بها يمتاز مسائل كل علم من مسائل ساير العلوم ، هي جهة ذاتية موجودة في نفس المسائل ، وما لم يتمايز العلوم بذواتها لم يتمايز الاغراض المطلوبة منها ، فانها امور متفرعة عليها ، والاختلاف فيها يكشف عن نوع اختلاف في نفس الذوات ، فالغرض من علم النحو مثلا هو العلم والاحاطة بالاختلافات الواقعة في اواخر الكلمات وجهة الاختلاف فيها ، والغرض من علم الصرف هو العلم بالاختلافات الواقعة في نفس الابنية ، فلا محالة تكون مسائل علم النحو بذواتها مربوطة بالاختلافات الواقعة في آخر الكلمة ، وتكون هي الجهة المبحوث عنها فيه ، ومسائل الصرف بذواتها مربوطة بالاختلافات الواقعة في نفس الابنية ، وباعتبار هذا الميز الذاتي بينهما يختلف الغرض منهما .

( فان قلت ) كما يمكن ان يتصور بين محمولات مسائل النحو جامع يساويهايمكن ايضا ان يتصور جامع اعم بحيث يعم مسائل النحو والصرف مثلا ، أو جامع اخص بحيث يعم بعض مسائل النحو كمباحث المعربات مثلا في قبال المبنيات ، و عليهذا لا يصح جعل جامع المحمولات ميزانا لتمايز العلوم ، بعد ما لم يكن لاعتبار الجامع ميزان ثابت لا يتغير .

فان جعلت الملاك في اعتبار الجامع ان يعتبر بين المسائل الدخيلة في غرض واحد رجع الكلام إلى جعل الميزان في تمايز العلوم تمايز الاغراض .


11

قلت ( 1 ) فرق بين ما هو الملاك في تمايز العلوم ، وبين ما هو الملاك لتكثيرها فنحن ايضا لا نابى كون العلوم في الوحدة والكثرة تابعة للجهات الخارجية ، مثل انه كان علم النحو والصرف معا يعدان علما واحدا ، فلما تكثرت مسائله وتشعبت فروعه انحل إلى علمين .

وكذلك ترى العصريين يقسمون علم الطب مثلا إلى شعب مختلفة ، ويسمون كل قسمة منها بعلم خاص ، له موضوع خاص ، وطلاب مخصوصون ، فالعلوم في الوحدة والكثرة تابعة للجهات الخارجية ، ولكنه بعد ما لاحظت علمين من العلوم المدونة ، و وازنت أحدهما مع الآخر ، تريهما بحسب الذات متمايزين ، من جهة ان حيثية البحث في احدهما تغاير حيثية البحث في الاخر ، وهذا التغاير والاختلاف يرجع إلى جامع المحمولات فتدبر .

( هذا كله ) خلاصة ما يقتضيه التحقيق في بيان مهية الموضوع للعلوم بنحو العموم ( ومما ذكرنا يظهر لك )

ما هو الموضوع في علم الاصول

، فانه على التحقيق عبارة عن عنوان ( الحجة في الفقه ) إذ بعدما علمنا بأن لنا أحكاما شرعية ، يحصل لنا العلم أجمالا بوجود حجج في البين بها يحتج المولى علينا ، ونحتج عليه ، في أثبات الاحكام الشرعية وامتثالها ، فوجود أصل الحجة والدليل معلوم لنا ، والمطلوب في علم الاصول تعينات الحجة و تشخصاتها ، كخبر الواحد والشهرة والظواهر ونحوها ، ففى قولنا ( خبر الواحد حجة ) وان جعل وصف الحجية محمولا ، ولكنه بحسب الحقيقة هو الموضوع ، فأنه الامر المعلوم ، والمجهول تعيناته وأفراده ، فمحصل مسائل الاصول هو أن الحجة التى نعلم بوجودها أجمالا ،لها تعينات وأفراد ، منها خبر الواحد ومنها الشهرة وهكذا ، فكل مسألة يرجع البحث فيها إلى تعيين مصداق للحجة مسألة اصولية ، كمسألة حجية الخبر والشهرة والاجماع وحجية أحد الخبرين في باب التعارض ، ومسألة حجية القطع بقسميه من التفصيلي والاجمالي ، فان حجية القطع التفصيلي وان كانت امرا واضحا ، ولذا لم يتعرض لها القدماء ، الا أن توهم عدم الحجية في بعض اقسامه اوجب البحث عنها ، فهى ايضا من مسائل علم الاصول ولا ربط لها بالمسائل الكلامية كما في الكفاية ، وليس الحجة في اصطلاح الاصولي عبارة عن حد الوسط

( 1 ) ويمكن ايضا ان يقال : ان الجامع المعتبر بين مسائل النحو والصرف جامع جنسي ، وبين بعض مسائل النحو جامع صنفي ، ومرادنا بجامع المحمولات هنا هو الجامع النوعى ، فيندفع الاشكال فتأمل ح

12

بل هي بمعناها اللغوى ، اعني ما يحتج به المولى على العبد وبالعكس في مقام الامتثال ، فيكون القطع بقسميه ايضا من مصاديقها حقيقة .

وعلي هذا فمبحث الاشتغال من مباحث الاصول حيث يرجع البحث فيه إلى البحث عن حجية العلم الاجمالي ، وكذلك مبحث حجية الاستصحاب ، بل ومبحث البرائة أيضا ، إذ محصل البحث فيه هو أن صرف احتمال التكليف يكفى لتنجيز الواقع ويصح احتجاج المولى ومؤاخذته ام لا .

وكذلك مسألة التخيير .

حيث ان المبحوث عنه فيها انه في مقام دوران الامر بين المحذورين هل يكون الاخذ باحد الطرفين كافيا في احتجاج العبد على المولى ؟ وهكذا البحث عن حجية المفاهيم ، فان البحث فيها ليس في اصل ثبوت المفهوم ، بل في حجيتها ، حيث ان لذكر القيد الزايد مثل الشرط و الوصف وأمثالهما ظهورا ما في الدخالة بلا اشكال ، وانما يقع البحث عن حجيتها ، وسيأتى تحقيقه في محله ( وبالجملة ) فكل مسألة يكون حيثية البحث فيها حجية امر من الامور التى تصلح للحجية أو يتوهم حجيتها فهى مسألة اصولية .

نعم لما كان حجية بعض الحجج امرا واضحا لم يتصدى القدماء للبحث عنها كمسألة حجية القطع مثلا ، وكحجية الظواهر ، حيث ان اصل حجية الظواهر كانت أمرا مفروغاعنها ، وانما كان يقع الاشكال في بعض الموارد التى حصل فيها للكلام نحو اضطراب واختلال كالعام المخصص أو اللفظ المستعمل كثيرا في المعنى المجازى ونحو ذلك .

( وكيف كان ) فهذه المسائل كلها مسائل أصولية .

نعم بعض المباحث التى لم يكن المبحوث عنه فيها حيثية الحجية تكون خارجة من الاصول ، وتدخل في سلك المبادى كمسألة مقدمة الواجب ومبحث الضد وامثالهما ، فتدبر .

( وقد تلخص ) من جميع ما ذكرنا ان موضوع علم الاصول هو عنوان ( الحجة في الفقه ) ، ومحصل مسائله تشخيص مصاديق الحجة وتعيناته .

ولذلك ترى الشافعي يبحث في رسالته التى الفها في هذا الفن عن حجية الحجج الشرعية من الكتاب والسنة وأمثالهما ، فتأمل في المقام ، فانه بالتأمل حقيق .


13

الامر الثاني

في الوضع

قال شيخنا الاستاد ( قدس سره ) في الكفاية : الوضع نحو اختصاص للفظ بالمعنى وارتباط خاص بينهما ناش من تخصيصه به تارة ومن كثرة استعماله فيه أخرى ، وبهذا المعنى صح تقسيمه إلى التعييني والتعيني ( انتهى ) ( اقول ) : لا يتبين بهذا التعريف مهية الوضع وحقيقته بل هو نحو فرار من تعريفه ، كيف ! والا فمن الممكن ايضا ان يقال في تحديد الانسان مثلا : انه نحو موجود في الخارج ، وهكذا بالنسبة إلى كل امر مجهول .

والتعريف الحقيقي للوضع عبارة عما يعرف به حقيقة العلقة الحاصلة بين الالفاظ ومعانيها ، هذا مضافا إلى أنه يرد عليه ( اولا ) أن الاختصاص والارتباط المذكور من قبيل معاني اسماء المصادر ، فيعتبر امرا باقيا بين اللفظ والمعنى ، ولا محالة يكون لتحقق هذا الارتباط منشأ هو الوضع حقيقة فليس الارتباط عين الوضع ، بل هو امر مترتب على الوضع ومتحصل بسببه ، ويعبر عن هذاالارتباط بالدلالة الشأنية المعرفة بكون اللفظ بحيث إذا سمع أو تخيل فهم منه المعنى ( وثانيا ) ان الارتباط المذكور لا يحصل بصرف تعيين الواضع ، بل يحصل اما بكثرة الاستعمال ، واما بتعيين الواضع ، أو استعماله بداعي الوضع بشرط الاتباع .

والحاصل ان الارتباط الذى هو عين الدلالة الشأنية لا يكفى في تحققه صرف تعيين الواضع ما لم يتبع ، فان صرف التعيين لا يوجب انس اللفظ بالمعنى بحيث إذا سمع فهم منه المعنى .

( ثم انه ) لابد في تحقق الوضع من ان يلحظ لفظ ومعنى فالمعنى الملحوظ حين الوضع اما عام أو خاص ، ( وعلى الاول ) اما ان يوضع اللفظ بازاء نفسه ، أو يوضع بازاء مصاديقه ( واما على الثاني ) فلا محالة يكون الموضوع له نفس المعنى الملحوظ فالاقسام بحسب مقام الثبوت ثلثة .

( وربما يتوهم ) امكان قسم رابع وهو ان يكون المعنى الملحوظ خاصا والموضوع له عاما .

وهو كما ترى فان الخاص بما هو خاص وجزئي لا يصير وجها ومرآتا للعام دون العكس ، فان العام وان لم يعقل حكايته للافراد بخصوصياتها المفردة والمشخصة ولكن


14

يحكيها بما انها وجودات له ( فان قلت ) العام والخاص بحسب المفهوم متغايران ولكنهما يتحدان بحسب الوجود والتحقق ، بل مفهوم العام جزء من مفهوم الخاص ايضا بحيث لوا لقى منه الخصوصيات المفردة لم يبق الا حيثية العام ، وحينئذ فان اريد بحكاية الخاص اياه حكاية الخاص بما هو خاص ومشوب بالخصوصيات سلمنا امتناعه ولكن الامتناع بهذا اللحاظ يجرى في العكس ايضا ، وان اريد بها حكاية الخاص بحيثيته الذاتية مع قطع النظر عن الخصوصيات الزايدة لم نسلم امتناعه كما هو المفروض في العكس ايضا حيث ان المحكى هو الافراد لا بخصوصياتها .

( قلت ) فرق بين ان يكون لحاظ شيئ لحاظا لشيئ آخر بوجه ، وبين ان يكون لحاظهسببا للحاظ شيئ آخر مستقلا بحيث يكون هناك لحاظان تولد احدهما من الاخر .

ففى ما نحن فيه يكون لحاظ العام بنفسه لحاظا لمصاديقه بوجه ، حيث انه يلحظ العام بما انه مرآت لها ، واما الخاص فليس لحاظه لحاظا للعام لعدم كونه مرآتا له .

( نعم ) يمكن ان ينتقل الذهن من لحاظه إلى العام فيلحظه مستقلا

فيصير الملحوظ حين الوضع

كالموضوع له عاما فتأمل .

والحاصل ان الاقسام بحسب التصور اربعة ، ولكن الممكن منها في مقام الثبوت ثلثة .

( واما في مقام الاثبات ) فمثال القسم الاول الاعلام الشخصية ، ومثال القسم الثاني اسماء الاجناس ، واما القسم الثالث فربما يمثل له بالحروف فيكون الوضع فيها عاما و الموضوع له خاصا ، وربما يقال فيها ايضا : يكون الموضوع له كالوضع عاما ، ولابد في تعيين ما هو الحق في المسألة من بيان حقيقة المعنى الحرفى في قبال المعاني الاسمية .

( فنقول ) قد ذكر في الفرق بين معاني الحروف ومعانى الاسماء المرادفة لها بحسب الظاهر ( كلفظة من والابتداء مثلا ) اقوال يمكن ارجاعها إلى معنى واحد .

قال ابن الحاجب في الكافية في حد الاسم : انه مادل على معنى في نفسه ، وفى تعريف الحرف : انه ما دل على معنى في غيره .

( وقال الشارح الرضى ) في ذيل التعريف الاول ما حاصله : ان الضمير البارز في ( نفسه وغيره ) لكلمة ( ما ) المراد بها الكلمة ، ثم نقل قول المصنف


15

برجوعهما إلى المعنى ثم قال : ومعنى الكلام على ما اخترناه الاسم كلمة دلت على معنى ثابت في نفس تلك الكلمة ، والحرف كلمة دلت على معنى ثابت في لفظ غيرها ( إلى ان قال ) : معنى من ولفظ الابتداء سواء الا ان الفرق بينهما ان لفظ الابتداء ليس مدلوله مضمون لفظ آخر بل مدلوله معناه الذى في نفسه مطابقة ، ومعنى من مضمون لفظ آخر ينضاف ذلك المضمون إلى معنى ذلك اللفظ الاصلى .

( انتهى ) ومحصل ما ذكره ( قدس سره ) في تحقيق المعنى الحرفى ان الحرف وحده لا معنى له اصلا ، بل هو كالعلم المنصوب بجنب شيئ ليدل علىان في ذلك الشيئ فائدة ما ، فيكون الحرف دالا على خصوصية معنى هو مضمون لفظ أو الفاظ اخر ، والمعنى الحرفى بمنزلة

الكيفية

المشخصة لمعنى ذلك اللفظ أو الالفاظ مثلا معنى كلمة سرت في قولنا : سرت من البصرة هو صدور السير من الفاعل ، ولكن الامتداد السيرى محدود لا محالة ، ومتخصص بانقطاعه اولا وآخرا ، فمضمون كلمة ( سرت ) عبارة عن هذا السير المحدود المتخصص ، وجيئى بكلمة ( من ) للدلالة على الانقطاع الابتدائي الذى هو من خصوصيات هذا المضمون ومن كيفياته .

( وقال صاحب الجامى ) نقلا عن المصنف في الايضاح : ان الضمير يرجع إلى المعنى أي مادل على معنى باعتباره في نفسه وبالنظر إليه في نفسه .

ثم ذكر لبيان ذلك حاصلا ومحصولا لا يهمنا ذكرهما ، ومحصل ذلك ان المعنى الاسمى مفهوم متحصل بنفسه لا يحتاج في تحصله ذهنا إلى معنى اخر ، بخلاف المعنى الحرفى فانه متحصل في الذهن ومتحقق فيه بتبع غيره من المعاني ( وقال المحقق الشريف ) في حاشيته على المطلول : ان معاني الاسماء معان استقلالية ملحوظة بذواتها ، ومعانى الحروف معان آلية حيث انها تلحظ بنحو الالية والمرآتية لملاحظة غيرها .

( وقال المحقق ) صاحب الحاشية على المعالم : ان معاني الاسماء معان متحصلة في نفس الامر ، ومعانى الحروف معان انشائية ايقاعية توجد بانشاء المتكلم .

( وقال ) بعض محشى القوانين ان المعنى الحرفى عبارة عن حقايق الارتباطات الواقعة بين المفاهيم المستقلة بحسب اللحاظ ، والمعنى الاسمى عبارة عن نفس تلك المفاهيم المستقلة المتشتتة التى لا ارتباط بينها في حد ذاتها مع قطع النظر عن المعاني الحرفية .


16

هذا ملخص ما ذكروه في المقام ، ولا يخلو بعض تعبيراتهم من الخلل ، وان امكن ارجاع جميعها ولو بالتأويلات البعيدة إلى ما سنحققه ، فلواجب هو تحقيق المسألة بنحو ينحل به اجمال هذه الكلمات ايضا .

( فنقول ) ( بعد جعل مدار الكلام حول المثال المعروف اعني قولهم سرت من البصرةإلى الكوفة ) : انا إذا خرقنا حجب الالفاظ ، وتوجهنا إلى الخارج بعدما صدر فيه سير عن فاعل خاص ، مبتدئا فيه من البصرة ، ومنتيها إلى الكوفة ، لا نرى فيه في هذه الواقعة الا اربعة اشياء موجودة متاصلة ذات الفاعل ، والسير الذى هو من عوارضه وافعاله و بلدتي البصرة والكوفة ، ولا نرى فيه وراء هذه الاربعة شيئا يسمى بالصدور عن الفاعل أو الابتدائية أو الانتهائية .

نعم ما نراه في الخارج في هذه الواقعة ليس هو السير المطلق ، بل هو سير وامتداد خاص يرتبط بالفاعل بصدوره عنه ، وبالبصرة والكوفة بانقطاعه عندهما اولا واخرا ، ولكنه ليست هذه الخصوصيات الثلاثة موجودة في الخارج بحيالها في قبال تلك الوجودات الاربعة ، بل تكون مندكة فيها وموجودة بتبعها ، هذا حال الخارج .

( واما الذهن ) فلا تساعه بحيث ربما يوجد فيه مستقلا مالا وجود له في الخارج يكون ادراكه لهذه الواقعة على نحوين ( الاول ) ان يوجد وينتقش فيه عين ما في الخارج ونقشه اعني السير المتخصص بالخصوصيات الثلاثة ، بحيث تكون المعاني الاربعة ( اعني ذات الفاعل ، والسير الذى هو امتداد خاص ، وبلدتي البصرة والكوفة ) في هذا اللحاظ ملحوظة بحيالها واستقلالها ، والخصوصيات الثلاثة ( اعني ارتباط السير بالفاعل بصدوره عنه ، وبالبصرة بانقطاعه عندها اولا ، وبالكوفة بانقطاعه عندها اخرا ) مندكة فيها .

وبالجملة تكون هذه الخصوصيات الثلاثة في الوجود الذهنى ايضا مندكة وفانية في تلك المعاني الاربعة على حسب ما في الخارج .

( الثاني ) ان يلاحظ الخصوصيات الثلاثة ايضا بحيالها في قبال تلك المعاني الاربعة من غير ان يلحظ بعضها من خصوصيات غيره ومندكا فيه ، فيتصور في هذا النحو من اللحاظ مفهوم الصدور والابتدائية والانتهائية كما يتصور مهية السير وذات الفاعل والبلدتان ويقال في مقام حكايتها :


17

السير - الصدور - انا - الابتداء - البصره - الانتهاء - الكوفة .

فيكون الموجود في الذهن في هذا اللحاظ سبعة معان مستقلة متفرقة لا ربط بينها اصلا يعبر عنها بسبعة الفاظ غير مرتبطة ، فما كان بحسب اللحاظ الاول رابطة بالحمل الشايع يصير بحسب اللحاظ الثاني مفهوما مستقلا يحتاج في ارتباطه بالغير إلى رابط فيقال مثلا : ابتدأت من البصرة أو يقال : ابتداء السير البصرة ، فيرتبط مفهوم الابتدائية بغيره بوسيلة كلمة ( من ) أو بهيئة الاضافة .

( والحاصل ) ان عالم الذهن والتصور لما كان اوسع من عالم الخارج والتحقق فيمكن ان يوجد فيه نقش الخارج من دون تفاوت ، فيكون المعاني مرتبطة فيه بحقيقة الارتباط على وزان ما في الخارج ، ويمكن ايضا ان يوجد فيه ما كان بحسب اللحاظ الاول حقيقة ربطيه مندكة ، بنحو الاستقلال في قبال ساير المعاني المستقلة .

( إذا عرفت هذا فنقول ) المعنى الحرفى عبارة عن المفهوم الاندكاكى الذى به يحصل الربطين بين المفاهيم المستقلة ، ويكون بحسب اللحاظ من خصوصيات المفاهيم المستقلة ، والمعنى الاسمى عبارة عن المفاهيم المستقلة المتفرقة في حد ذاتها .

( وبعبارة اخرى ) حقيقة الارتباط والتخصص المتحقق في الخارج بنحو الفناء والاندكاك في الطرفين ان وجدت في الذهن على وزان وجودها الخارجي يكون معنى ادويا وان انتزع عنها مفهوم مستقل ملحوظ بحياله في قبال مفهومي الطرفين يصيرا مفهوما اسميا .

فلفظ الابتداء مثلا موضوع لمفهوم الابتدائية المنتزعة عن الطرفين والملحوظة بحيالها في قبال الطرفين ، بحيث صارت بنفسه طرفا يحتاج إلى الربط ، ولفظة من موضوعة لحقيقة الارتباط الابتدائي التى توجد في الذهن بنحو الاندكاك في الطرفين كما في الخارج ، وبها يحصل الربط بينهما ( وبهذا البيان ظهر ) ان الفرق بين المعنى الحرفى والمفهوم الاسمى فرق جوهرى ذاتي وانهما سنخان من المعنى ، وضع لاحدهما الاسم ، وللاخر الحرف .

( وظهر ايضا ) ان الموضوع له في الحروف لا يعقل ان يكون عاما ، لما عرفت من ان الموضوع له لكلمة من مثلا ، ليس هو مفهوم الابتدائية الذى هو معنى كلى ، بل هو حقيقة الارتباط الابتدائي الخاص المندك في الطرفين ( وبعبارة اخرى ) المعنى الحرفى عبارة عنحقيقة الربط ومصداقه الخاص المتحقق بتبع الطرفين ، وهى الموضوع له لكلمة من مثلا ،


18

فيكون الموضوع له للحروف خاصا لا محالة .

( وقال شيخنا الاستاد ) صاحب الكفاية ( قدس سره ) في المقام ما حاصله : ان حال الموضوع له والمستعمل فيه في الحروف حالهما في الاسماء ، إذ الخصوصية المتوهمة ان كانت هي الموجبة لكون المعنى جزئيا خارجيا فمن الواضح ان كثيرا ما لا يكون المستعمل فيه فيها كذلك ، بل كليا ، ولذا التجأ بعض الفحول إلى جعله جزئيا اضافيا ، وهو كما ترى ، وان كانت هي الموجبة لكونه جزئيا ذهنيا ، حيث انه لا يكون المعنى حرفيا الا إذا لوحظ حالة لمعنى آخر ومن خصوصياته ، فالمعنى وان صار بهذا اللحاظ جزئيا ، الا ان هذا اللحاظ لا يكون مأخوذا في المستعمل فيه ( اما اولا ) فلانه يلزم وجود لحاظ اخر متعلق به حين الاستعمال ، بداهة ان تصور المستعمل فيه مما لابد منه في الاستعمال ، وهو كما ترى ( واما ثانيا ) فلانه يلزم ان لا يصدق على الخارجيات ، فامتنع امتثال مثل سر من البصرة الا بالتجريد ( واما ثالثا ) فلانه ليس لحاظ الالية في الحروف الا كلحاظ الاستقلال في الاسماء وكما لا يكون هذا اللحاظ معتبرا في المستعمل فيه فيها ، فكذلك ذاك اللحاظ في الحروف .

( ان قلت ) عليهذا لم يبق فرق بين الاسم والحرف في المعنى ، ولزم كون مثل كلمة من ولفظ الابتداء مترادفين صح استعمال كل منهما في موضع الاخر .

( قلت ) : الفرق بينهما انما هو في اختصاص كل منهما بوضع حيث انه وضع الاسم ليراد منه معناه بما هو هو وفي نفسه ، والحرف ليراد منه معناه لا كذلك ، فاختلافهما في الوضع يكون موجبا لعدم جواز استعمال احدهما في موضع الاخر وان اتفقا فيما له الوضع ، وقد عرفت ان نحو ارادة المعنى لا يكاد يمكن ان يكون من خصوصياته ومقوماته .

( انتهى ) ( اقول ) : قد عرفت مما ذكرنا ان الفرق بين المعنى الاسمى والحرفي فرق جوهرى ذاتي ، وان المفهوم الاسمى مفهوم مستقل كلى ، والمعنى الادوى حقيقة ربطية مندكة فيالطرفين ، واين احدهما من الاخر : وليس الفرق بينهما بصرف اشتراط الواضع ، وبذلك يعلم ايضا ان الخصوصية في المقام ليست هي الموجبة لكونه جزئيا ذهنيا حتى يرد عليه الاشكالات الثلاثة ، بل المعنى الحرفى جزئي حقيقي حيث ان المراد به حقيقة الربط ومصداقه المتحقق


19

بتبع الطرفين ، ولا محالة يكون جزئيا حقيقيا ، ولا ينافى ذلك كلية الطرفين والمرتبطين ، فالنسبة الخبرية الموجودة في قولنا : الانسان كاتب مثلا نسبة جزئية خاصة بها تحقق الربط بين الموضوع والمحمول ، مثل النسبة المتحققة في قولنا ( زيد قائم ) وذلك لان النسبة المتحققة في القضية الملفوظة والمعقولة ليست الا عبارة عن ثبوت المحمول للموضوع ، وقولنا : ( الانسان كاتب ) قضية واحدة فلها موضوع واحد ومحمول واحد ونسبة واحدة ، وكذلك الربط الابتدائي المتحقق في قولنا : سر من البصرة ، ربط جزئي بها تحقق الارتباط بين مفهوم السير والبصرة ، مثل الربط المتحقق في قولنا : سرت من البصرة بلا تفاوت اصلا .

( وبالجملة ) فحقيقة الربط ليست الا اتصال الطرفين والمرتبطين ، لا مفهوم الاتصال بل ما يكون بالحمل الشايع اتصالا ، وهو معنى شخصي متقوم بالطرفين وان كان الطرفان كليين ( واما ما التجأ إليه ) بعض الفحول من جعله جزئيا اضافيا فواضح الفساد ، كما اشار إليه في الكفاية بقوله ( كما ترى ) إذ الجزئي الاضافي ليس امرا متحققا في الخارج ، بل هو مفهوم كلى ، غاية الامر كونه تحت مفهوم آخر ، ولا يعقل في مقام الوضع ان يتصور مفهوم ويجعل مرآتا لمفهوم آخر وان كان اخص منه ، إذ المفاهيم بأسرها متباينة وليس حكاية الكلى للافراد ايضا باعتبار خصوصياتها المفردة أو المشخصة ، بل بما انها وجودات له .

( وبالجملة ) فالكلي لا يحكى الا وجوداته بما هي وجوداته ، ولا يعقل ان يحكى خصوصيات الافراد ولا مفهوما آخر .

( وقد تلخص لك ) مما ذكرنا امتياز الموضوع له في الحروف مما هو الموضوع له في الاسماء ذاتا ، وانهما سنخان من المفاهيم .

( واما المحقق الخراساني ) ( قدس سره ) فظاهر كلامه كون الآلية والاستقلالية من انحاء الاستعمال مع وحدة الموضوع له ذاتا نظير حيثية الانشائية والاخبارية ، ولكن نحن نسلم رجوع بعض الحيثيات كحيثية الانشائية والاخبارية والتصورية والتصديقية إلى نحو الاستعمال ، لكن الآلية والاستقلالية كما عرفت ترجعان إلى الفرق الذاتي بين المعنى الاسمى والمفهوم الادوى .

( وحيث انجر الكلام إلى هنا ) فاللازم بيان انحاء الاستعمال بنحو الاجمال ، فنقول :


20

ان الانسان لما كان محتاجا في ادامة حيوته وامرار معاشه إلى تفهيم مقاصده والقائها إلى ابناء نوعه ليتعاونوا ويتوازروا ، وكانت الالفاظ اقرب الوسائل إلى ذلك واعمها نفعا من جهة ان التنفس كان امرا ضروريا قهريا لجميع البشر ، وكان الهواء عند خروجه من الرية واصابته المقاطع ، مما يمكن ان يوجد بوسيلته اصوات موزونة يخالف بعضها بعضا ، بحيث يتولد منه الحروف أولا ، ويتولد منها الكلمات بسبب التركيب ثانيا ، فلاجل ذلك اختار البشر هذا الامر الطبيعي وجعله وسيلة لافهام مقاصده بالوضع والمواضعة ، وحيث ان الوضع كان لرفع الاحتياجات ، وكانت الحوائج مختلفة والمقاصد متفاوتة ، فلا محالة لاحظ الواضع حين وضعه انواعه المقاصد واصناف المفاهيم والانحاء المتصورة لالقائها وافهامها ، ثم وضع الالفاظ بمقدار ينسد به جميع طرق الحاجة .

( وبالجملة ) فالواضع حين الوضع لاحظ انواع احتياجات المتكلمين ، فراى انهم ربما يحتاجون إلى القاء المفاهيم المستقلة المتشتتة في حد ذاتها ، وربما يحتاجون إلى القاء المعاني الربطية الاندكاكية ، وانهم قد يقصدون اعلام المعنى وافهامه بوسيلة اللفظ ، وقد يقصدون ايجاده بوسيلته ، وفي اعلام المعاني الربطية ربما يكون داعيهم إلى اعلامها تصور المخاطب اياها ، وقد يكون داعيهم تصديقه بوقوعها ، فوسع دائرة وضعه بمقدار يفى بتلك الحوائج .

( وزبدة اقسام اللفظ ) بحسب انواع المعاني وانحاء الاستعمالات المتصورة خمسة اقسام( بيان ذلك ) ان استعمال المتكلم للفظ وطلبه عمل اللفظ في المعنى ، ( تارة ) يكون بنحو الاعلام والافهام وهذا انما يكون فيما إذا فرض للمعنى مع قطع النظر عن هذا الاستعمال الخاص نفس امرية ما فاريد باستعمال اللفظ فيه افهام المخاطب اياه حتى يتصوره أو يصدق بوقوعه ( وتارة ) يكون بنحو الايجاد بحيث يكون صدور اللفظ عن اللافظ آلة لايجاده و هذا انما يتصور فيما إذا كان المعنى من الامور الاعتبارية التى امر ايجادها بيد المتكلم .

( اما القسم الاول ) اعني المعنى الذى كان عمل اللفظ فيه عملا افهاميا فهو على نوعين إذ المعنى الافهامى اما ان يكون من المفاهيم المستقلة ، واما ان يكون من المفاهيم الربطية الاندكاكية .

( أما النوع الاول ) فكمفهوم الرجل والضرب ونحوهما من المفاهيم المستقلة الغير


21

المرتبطة ، وتسمى هذه المفاهيم بالمعاني الاسمية ، ويكون الاسماء موضوعة بازائها ولا محالة يكون عمل اللفظ فيها عملا افهاميا تصوريا ، حيث ان مقصود المتكلم من ذكر اللفظ فيها ، هو ان يفهم المخاطب معناه ويتصوره بنحو الاستقلال .

( واما النوع الثاني ) فكالمعاني الحرفية والنسب الاضافية والايقاعية ، وقد وضع بازاء هذا النوع من المعاني الفاظ الحروف والهيئات ، وهذا النوع من المعاني ايضا ينقسم إلى صنفين ، فان عمل اللفظ في المفهوم الاندكاكى اما ان يكون بنحو الافهام والاعلام التصورى بان يريد المتكلم باستعماله القاء المعنى الاندكاكى إلى المخاطب ليتصوره بنحو الاندكاك في الطرفين واما ان يكون بنحو الاعلام التصديقي بان يريد باستعماله القائه إليه ليصدق بوقوعه .

( فالصنف الاول ) كالمعاني الحرفية التى يتحقق بسببها الارتباط بين المعاني الاسمية من دون ان تكون متعلقة للتصديق كالربط الابتدائي الرابط بين السير والبصرة ، و الربط الانتهائى الرابط بين السير والكوفة ، وكالنسبة الاضافية الغير التامة المتحققة بين المضاف والمضاف إليه في نحو سيرى وسير زيد مثلا .

( والصنف الثاني ) كالنسبة التامة المتحققة بين الفعل وفاعله وبين المبتدأ والخبر فانها معنى اندكاكى وضع بازائه هيئة الجملة ، ويكون المقصود من القائه إلى المخاطب ان يصدق بوقوعه .

( واما القسم الثاني ) اعني المعنى الذى كان عمل اللفظ فيه عملا ايجاديا بحيث جعل آلة لايجاده فهو ايضا على نوعين : ( الاول ) ما لا يكون معنى فانيا مندكا في غيره ، وهذا مثل الطلب الموجد بمثل اضرب مثلا ، أو اطلب منك الضرب أو تضرب إذا استعملا بقصد الانشاء ومثل جميع مضامين العقود والايقاعات الموجدة بسبب صيغها في عالم الاعتبار ( الثاني ) ما يكون فانيا في غيره فيكون الموجد بسب اللفظ معنى اندكاكيا ، وهذا مثل حقيقة الاشارة التى توجد باسماء الاشارة والضمائر والموصولات ، فان التحقيق كون جميع المبهمات من واد واحد ، وقد وضعت لان يوجد بها الاشارة فيكون الموضوع له فيها نفس حيثية الاشارة التى هي معنى اندكاكى وامتداد موهوم متوسط بين المشير والمشار إليه ، ويكون عمل اللفظ فيها عملا انشائيا فقولك ( هذا ) بمنزلة توجيه الاصبع الذى يوجد به الاشارة ويكون آلة لايجادها .


22

( وما قيل ) : من كون كلمة ( هذا ) موضوعة للمفرد المذكر المشار إليه فاسد جدا بداهة عدم وضعها لمفهوم المشار إليه ، ولم يوضع لذات المشار إليه الخارجي الواقع في طرف الامتداد الموهوم ايضا ، إذ ليس لنا مع قطع النظر عن كلمة ( هذا ) اشارة في البين حتى يصير المفرد المذكر مشارا إليه ويستعمل فيه كلمة هذا .

( وبالجملة ) لفظة هذا مثلا وضعت لنفس الاشارة ، ويكون عمل اللفظ فيها عملا ايجاديا ولم توضع للمشار إليه كما قيل .

وقد اشار إلى ما ذكرنا في الالفية حيث قال : بذالمفرد مذكر أشر ، ( إلى آخر ما قال ) .

( نعم ) لما كان حقيقة الاشارة امرا اندكاكيا فانيا في المشار إليه ، فلا محالة ينتقل الذهن من كلمة هذا إلى المشار إليه ، ويترتب على هذا اللفظ احكام اللفظ الموضوع للمشارإليه ، فيجعل مبتدءا مثلا ويحمل عليه احكام المشار إليه ، فيقال : ( هذا قائم ) كما يقال : ( زيد قائم ) .

( ونظير ذلك ) الضمائر والموصولات ، فيشار بضمير المتكلم إلى نفس المتكلم وبضمير المخاطب إلى المخاطب ، وبضمير الغائب إلى المرجع المتقدم ذكره حقيقة أو حكما ، فيوجد بسببها في وعاء الاعتبار امتداد موهوم بين المتكلم وبين نفسه أو المخاطب أو ما تقدم ذكره ، ويشار بالموصول ايضا إلى ما هو معروض الصلة .

( والحاصل ) ان جميع المبهمات قد وضعت بازاء الاشارة ، ليوجد بسببها الاشارة إلى امور متعينة في حد ذاتها اما تعينا خارجيا كما في الاغلب أو ذكريا كما في ضمير الغايب ، أو وصفيا كما في الموصولات حيث انه يشار بها إلى ما يصدق عليه مضمون الصلة ، ولاجل ذلك يستفاد من الموصولات العموم بتبع عموم الصلة ، فهذه هي انواع الالفاظ المستعملة في المعاني .

( وقد عرفت ) ان بعض الحيثيات يرجع إلى الاختلاف الذاتي بين المفاهيم : كحيثية الالية والاستقلالية حيث ان المعاني كانت على سنخين ، و الواضع كما لاحظ المفاهيم المستقلة ووضع بازائها نبذا من الالفاظ ، كذلك لاحظ المعاني الربطية ووضع لها قسمة من الالفاظ والهيئات ، وبعض الحيثيات يرجع إلى نحو الاستعمال كهيئة الافهامية والانشائية والتصورية والتصديقية ، فان هذه الحيثيات ليست مأخوذة في الموضوع له ، وانما هي انحاء عمل اللفظ في المعنى وقد لاحظها الواضع حين وضعه


23

من جهة ان وضعه كان لرفع الحوائج وكان يلاحظ حين الوضع ان الناس ربما يحتاجون إلى افهام المعنى ، وربما يحتاجون إلى ايجاده ، والافهام ربما يكون بداعي التصور وربما يكون بداعي التصديق ، فلا محالة كان عليه ان يوسع دائرة الوضع ويضع بعض الالفاظ لبعض المعاني حتى يستعمل فيها بنحو الايجاد ، وبعضها لمعان اخر حتى يستعمل فيها بنحو الافهام : افهاما تصوريا أو تصديقيا كما مر تفصيله ، فلفظة ( هذا ) مثلا لم يوضع بازاء ايجاد الاشارة ، بل الموضوع له نفس حيثية الاشارة ، وحيثية الايجاد انما جائت من قبل الاستعمال ولكنها ملحوظة حينالوضع .

وكذلك هيئة الفعل أو الجملة مثلا لم توضع بازاء التصديق بوقوع النسبة بل وضعت بازاء نفس النسبة ، غاية الامر انها وضعت لها ليستعمل فيها استعمالا افهاميا تصديقيا ، كما ان هيئة الاضافة وضعت لها ليستعمل فيها استعمالا افهاميا تصوريا ( وبذلك يعلم ) الفرق بين قولنا : صدر الضرب من زيد ، وقولنا : صدور الضرب من زيد مثلا فافهم .

( وقد تبين لك ) من جميع ما ذكرنا ما به يفترق الانشاء عن الاخبار ، وانه يرجع إلى الاختلاف في نحو عمل اللفظ من دون ان يكون حيثية الانشائية أو الاخبارية مأخوذة في الموضوع له ، ولاجل ذلك ترى كثيرا اشتراك لفظهما فيستعمل لفظ واحد تارة في الاخبار واخرى في الانشاء كلفظ ( بعت ) وامثاله ، وكالجمل الاسمية أو الفعلية المستعملة لايجاد الطلب ، فالموضوع له في لفظة بعت مثلا ليس الا نسبة المادة إلى الفاعل ويكون هذا المعنى متحققا في الصورتين ، وانما الاخبارية والانشائية من دواعى الاستعمال وانحائه .

( وهيهنا اشكال )

في خصوص العقود

يجب ان ينبه عليه ، ( وتقريره ) ان المنشأ في باب العقود لا يتحقق في وعاء الاعتبار الا بعد القبول ، ولا يعتبر احد من العقلاء حتى الموجب تحققه قبله ، والسر في ذلك ان تحقق المنشأ في باب العقود يستلزم نحو تصرف في حدود سلطنة الطرفين ، وليس لاحد اعمال السلطنة الا فيما هو سلطان عليه فما لم ينضم اظهار سلطنة القابل ( في ما هو مسلط عليه ) إلى اظهار سلطنة الموجب لا يتحقق المنشأ ، وقد عرفت ان اللفظ في باب العقود آلة لايجاد المضمون ويكون عمله فيه ايجاديا ، وعلي هذا فيكون الموجب قاصدا بلفظه انشاء المضمون وايجاده ، والمفروض انه لا يتحقق الا بعد القبول ، فيلزم من ذلك تفكيك المنشأ من الانشاء والوجود من الايجاد .


24

( ويمكن ان يجاب ) عن ذلك بان تفكيك الوجود من الايجاد انما لا يعقل في الايجاد الحقيقي ، واما الامور الاعتبارية فتكون في التحقق والوجود تابعة لاعتبار المعتبر ، فإذا اعتبر الموجب بايجابه وجود الانتقال والملكية مثلا بعد انضمام القبول من جهة العلمبعدم امكان تحققهما قبله وان ايجابه جزء للسبب ، فلا محالة يكون انضمام القبول شرطا لتحققهما فتدبر .

الامر الثالث

في الحقيقة والمجاز

قال شيخنا الاستاد العلامة ( قدس سره ) في الكفاية : صحة استعمال اللفظ فيما يناسب ما وضع له هل هي بالوضع أو بالطبع ؟ وجهان بل قولان ، اظهرهما انها بالطبع ، بشهادة الوجدان بحسن الاستعمال فيه ولو مع منع الواضع عنه ، وباستهجان الاستعمال فيما لا يناسبه ولو مع ترخيصه ، ولا معنى لصحته الا حسنه .

( انتهى ) ( ونقول ) توضيحا لكلامه : انه ان سمى رجل ولده زيدا مثلا ، واتفق شجاعة هذا الولد بحيث صار معروفا بها وصارت من اظهر خواصه ، نرى بالوجدان صحة استعمال لفظ زيد واستعارته لمن اريد اثبات شجاعته ، وان لم يطلع على ذلك اب الولد ( الذى هو الواضع ) بل لو اطلع وصرح بالمنع عنه ، كيف ! ولو احتاج إلى اجازة الواضع ووضعه شخصا أو نوعا ، لم يكن ذلك استعمالا مجازيا ، بل يكون على نحو الحقيقة بسبب وضع عليحدة ( هذا ) .

( ولكن يرد في المقام ) ان المصرح به في كلامه ( قدس سره ) كون صحة الاستعمال في الاستعمالات المجازية عين حسنه وانهما يستندان إلى الطبع ( وهو عندنا محل نظر ) إذ الظاهر كون صحته غير حسنه ، وان المستند إلى الطبع هو الحسن دون الصحة فانها تستند إلى الوضع دائما ولو في الاستعمالات المجازية ( ومنشأ الخلط في المقام ) ما قرع سمعهم من كون الاستعمال المجازى استعمالا للفظ في غير ما وضع له ، وهو فاسد جدا ، إذ اللفظ لا يستعمل الا فيما وضع له من جهة ان الدلالة اللفظية الوضعية بنحو المطابقة لا يعقل بدون الوضع وهو المصحح للاستعما


25

( غاية الامر ) انه قد يكون مراد المتكلم من استعمال اللفظ في المعنى الموضوع له ايجاد المعنى في ذهن المخاطب ليتقرر بنفسه في ذهنه ، ويحكم عليه أو به فيكون نفس المعنى الموضوع له مرادا جديا كما هو المراد في مقام الاستعمال .

( وقد يكون ) مراده منه ايجاد المعنى الموضوع له في ذهن المخاطب ، ليصير هذا المعنى معبرا ومنشئا لانتقال ذهنه إلى معنى آخر ، من جهة كون المعنى الثاني عين الموضوع له أو من افراده ادعاء أو تنزيلا ، فيكون المراد جدا غير ما هو المستعمل فيه حقيقة وان كان عينه ادعاءا ( فأسد ) مثلا في قولك ( رايت اسدا يرمى ) لم يستعمل في الرجل الشجاع ، بل استعمل في نفس ما وضع له اعني الحيوان المفترس ، غاية الامر انه اريد في هذا الاستعمال انتقال ذهن المخاطب من اللفظ إلى ما وضع له ، ثم انتقاله مما وضع له إلى معنى آخر اعني الرجل الشجاع ، فكأن اللفظ استعمل في المعنى الموضوع له ، واستعمل المعنى الموضوع له في معنى آخر ادعى كونه عين الموضوع له أو من افراده .

( ويسمى القسم الاول ) من استعمال اللفظ فيما وضع له حقيقة ، والقسم الثاني مجازا ، ووجه التسمية على ما ذكرنا واضح ، فان الحقيقة مأخوذة من حق بمعنى ثبت ، والمجاز اسم مكان بمعنى المعبر ، والمقصود من استعمال اللفظ في المعنى الموضوع له في القسم الاول هو ثبوت نفس المعنى في ذهن المخاطب ، وفي القسم الثاني صيرورة المعنى الموضوع له معبرا يعبر به الذهن إلى المعنى الثاني .

( وبالجملة ) فنحن ندعى في جميع المجازات ما ادعاه السكاكى في خصوص الاستعارة ، ولطافة الاستعمالات المجازية مستندة إلى ما ذكرناه من ادعاء كون المعنى المقصود عين ما وضع له اللفظ أو من افراده ، ويختلف درجات لطافة الكلام وملاحته باختلاف مراتب الادعاء المذكور بحسب الدقة والحسن ، وربما يبلغ في ذلك حد الاعجاب والاعجاز ، كيف ! وصرف استعمال اللفظ في غير ما وضع له من دون توسيط الادعاء المذكور لا يوجب لطافة وحسنا ، فالاسد في قولنا : ( رايت أسدا يرمى ) لو استعمل في زيد الشجاع لا يوجب مزية وحسنا زايدا على قولنا : ( رايت زيدا يرمى ) ما لم يتوسط في البين ادعاء كونه بالغا فيالشجاعة حدا صار من افراد الاسد ، واستحق ان يستعمل فيه لفظ الاسد .

وكذك اطلاق


26

لفظ يوسف مثلا بعلاقة التضاد على من قبح منظره لا يوجب ملاحة وحسنا في الكلام ما لم يتوسط في البين ادعاء كونه عين الموضوع له لهذا اللفظ ، كيف ! ولو كان اطلاق لفظ يوسف على زيد الذى قبح منظره أو اطلاق لفظ أسد عليه لغاية جبنه استعمالا للفظ في غير ما وضع له من دون ان يتوسط الادعاء المشار إليه ، لكان احضاره وايجاده في ذهن المخاطب بسبب هذا اللفظ مثل احضاره في ذهنه بلفظ زيد من دون ان يكون هناك ملاحة ولطافة زائدة .

( والحاصل ) ان اللفظ يستعمل دائما في نفس ما وضع له ، غاية الامر ان المراد الجدى اما ان يكون نفس الموضوع له حقيقة ، واما ان يكون عينه أو من افراده ادعاءا وتنزيلا ، ففى الحقيقة تنحل القضية المشتملة على استعمال مجازى إلى قضيتين : قضية منطوقة حكم فيها بثبوت المحمول للموضوع ، وقضية ضمنية حكم فيها بكون المراد الجدى عين الموضوع له أو من افراده ادعاءا ومراتب اللطافة والمزية الموجودة في انحاء الاستعمالات المجازية انما هي بحسب درجات الحسن في مفاد القضية الثانية ، فربما يكون الادعاء المذكور مما لا يقبله ذائقة الطبع ، وربما يقبله ويستحسنه ، وربما يصل ألى حد الاعجاز والخروج من طاقة البشر .

( وكيف كان ) ففى جميع الموارد التى يدعى كونها من قبيل استعمال اللفظ في غير ما وضع له يكون اللفظ عندنا مستعملا في نفس ما وضع له ، اما بلا توسيط ادعاء في البين كما في قولنا ( ضربت زيدا ) فان الضرب وان وقع على وجهه مثلا ، ولكنه لم يستعمل لفظ زيد في الوجه ولم يتوسط في البين ايضا ادعاء كون وجه زيد نفسه ، بداهة ان الضرب الواقع على وجه زيد واقع على زيد حقيقة بعد لحاظه موجودا وحدانيا من الرأس إلى القدم واما مع توسيط ادعاء كون المراد الجدى عين الموضوع له أو من افراده .

( ومما ذكرنا ظهر لك ) ان المصحح لاستعمال اللفظ دائما هو الوضع ليس الا ، فانهيستعمل دائما في نفس الموضوع له ( نعم ) حسن الكلام ولطافته في المجازات مستند إلى حسن الادعاء المذكور ، وهو مقول بالتشكيك وربما يصل إلى حد الاعجاز ، فصحة الاستعمال غير حسنه ، والاولى مستندة إلى الوضع دائما ولا يوجد لها مراتب ، بل يدور امرها بين الوجود والعدم ، فان كان وضع في البين صح الاستعمال والا فلا ، ( والثانى ) يستند إلى الطبع


27

ويختلف مراتبه باختلاف مراتب قبول الطبع واستحسانه .

( وقد تلخص ) مما ذكرناه ان ما ذكره ( قدس سره ) في الكفاية من كون الاستعمالات المجازية مستندة إلى الطبع امر صحيح ، ولكن يرد عليه أن المستند إلى الطبع هو حسنها وأما صحتها فمستندة إلى الوضع ، وليس صحة الاستعمال عين حسنه كما اوضحناه فتأمل جيدا .

الامر الرابع

في ذكر اللفظ وارادة نوعه أو مثله أو شخصه

قال شيخنا الاستاد ( قدس سره ) في الكفاية ما حاصله : انه لا شبهة في صحة اطلاق اللفظ وارادة نوعه به أو صنفه أو مثله ، واما اطلاقه وارادة شخصه ففى صحته بدون تأويل نظر ، لاستلزامه اتحاد الدال والمدلول ( إلى اخر ما قال قدس سره ) .

( اقول ) الظاهر عدم كون المقام من قبيل استعمال اللفظ في المعنى كما ذكر ( قدس سره ) ايضا في آخر كلامه ، وتحقيق ذلك يتوقف على ذكر مقدمة وهى انك قد عرفت سابقا ان الانسان لما كان محتاجا في ادامة الحيوة إلى اظهار ما في ضميره والقائه إلى ابناء نوعه ليتعاونوا ويتوازروا ، وكان القاء المعنى إلى الغير بدون الوسيلة امرا غير معقول ، فلا محالة اختاروا لذلك اسهل الوسائل واعمها نفعا وهى التلفظ ، من جهة ان التنفس كان امرا ضروريا قهريا لجميع ابناء النوع ، وكان يحصل من الهواء الخارج من الرية بسبب اصابته المقاطع اصوات موزونة يخالف بعضها بعضا ، بحيث يتولد منها الحروف المختلفة ويتولد من الحروف بسبب التركيب الكلمات والجمل ، فوضع كل منها بازاء معنى خاص ويكون طريق الافادة فيها ان الالفاظ الموضوعة كلها من تعيناتالصوت الذى هو من مقولة الكيف المسموع ، فلا محالة يتأثر منها العصب السمعى وبسببه ينتقل صورة اللفظ إلى الحس المشترك ، فيدركه المخاطب أولا ثم ينتقل منه ذهنه إلى المعنى المراد من جهة العلقة الحاصلة بين اللفظ والمعنى بوسيلة الوضع ، فما يوجد في ذهن المخاطب أولا هو اللفظ ، ومنه ينتقل إلى المعنى ، ولكن انس الذهن الحاصل بسبب الوضع وكثرة استعماله في المعنى يوجبان فنائه فيه ، بحيث يغفل عنه ذهن المخاطب ويصير تمام توجهه إلى المعنى .


28

( ثم ان ) الموضوع بازاء المعنى وان كان طبيعة اللفظ بما هي هي ، ولكن ما يصدر عن المتكلم ويلقى إلى المخاطب شخص خاص من هذه الطبيعة ، من جهة ان الوجود مساوق للتشخص فلا محالة يكون اللفظ الملقى إلى المخاطب وجودا شخصيا متخصصا بصدوره عن هذا اللافظ بالكيفية الخاصة في زمان خاص ومكان مخصوص ، بحيث ان تكرر هذا اللفظ من هذا اللافظ أو لافظ آخر تحقق هنا وجودان متمايزان من هذه الطبيعة ( وبالجملة ) ما يلقى إلى المخاطب ويوجد في ذهنه شخص خاص من طبيعة اللفظ الموضوع ، ولكن المخاطب لو خلى وطبعه يغفل عن هذه الخصوصيات والعوارض المشخصة ، ويتوجه ذهنه إلى طبيعة اللفظ ومنه إلى المعنى .

( إذا عرفت هذه المقدمة ) فنقول : ان في موارد استعمال اللفظ في المعنى كما عرفت انما يوجد المتكلم اللفظ لينتقل بوسيلة العصب السمعى إلى ذهن المخاطب أولا ، ثم يعبر به ذهنه إلى المعنى ، ففى هذه الموارد يصح اطلاق لفظ الاستعمال من جهة كونه عبارة عن طلب عمل اللفظ في المعنى وكونه معبرا لذهن المخاطب إليه ، واما في موارد ارادة النوع أو الصنف أو المثل أو الشخص فلا يراد من ايجاد اللفظ في ذهن المخاطب ان ينتقل منه ذهنه إلى شيئ آخر ، بل يراد ثبوت نفس اللفظ وتقرره في ذهنه حتى يحكم عليه أو به ، فلا يصح اطلاق لفظ الاستعمال في هذه الموارد .

( بيان ذلك ) انك قد عرفت ان في موارد الاستعمال يكون المتحقق في ذهن المخاطب بسبب السماع شخص خاص من اللفظ ، ولكنه لو خلى وطبعه يغفل عن هذه الخصوصيات المشخصة ، بل عن اصل اللفظ ، ويتوجه إلى المعنى من جهة انس الذهن بالعلقة الوضعية التى هي امر عرضى .

( وعلي هذا ) فإذا كان منظور المتكلم ايضا ذلك يخلى المخاطب وطبعه ، واما إذا كان مراده هو الحكم على نفس طبيعة اللفظ من دون نظر إلى المعنى ، فحينئذ يذكر اللفظ بقصدان يوجد بنفسه في ذهن المخاطب .

ويصير الحكم المذكور في القضية قرينة صارفة لذهن المخاطب عن المعنى ، فيتقرر نفس اللفظ في ذهنه والموجود في ذهنه وان كان شخصا خاصا من اللفظ ، ولكنك عرفت ان ذهنه غافل عن العوارض المشخصة فيرى طبيعة اللفظ .

( وإذا كان مراد ) المتكلم هو الحكم على شخص اللفظ فلا محالة يذكر


29

اللفظ بقصد ان يوجد بشخصه في ذهنه ، ويصير الحكم المذكور في القضية قرينة صارفة عن المعنى ومعينة لارادة هذا اللفظ الصادر بشخصه .

( وإذا كان مراد المتكلم ) هو الحكم على مثل هذا الشخص الصادر فهو يذكر اللفظ لينتقل بطبيعته إلى ذهن المخاطب ، فيتوجه ذهنه إلى صرف الطبيعة غافلا عن خصوصياتها وينتقل بقرينة الحكم إلى الحصة المتحققة منها في ضمن الشخص المراد ، فالانتقال إلى المثل بسبب القرينة نظير تعدد الدال والمدلول ، لا باستعمال هذا اللفظ الخاص في مثله وبالجملة في هذه الموارد لا يراد من القاء اللفظ إلى المخاطب وايجاده في ذهنه ان ينتقل منه إلى شيئ آخر .

( بل يراد في الاول ) ان يوجد اللفظ ( بما انه طبيعة اللفظ وملقاة عنه خصوصية صدوره عن هذا المتكلم في هذا الزمان ) في ذهن المخاطب ، ويقف عليه ذهنه فيحكم عليه أو به ، ( وفي الثاني ) ان يوجد بخصوصية صدوره عن هذا المتكلم في هذا الزمان في ذهنه ويقف عليه ( وفي الثالث ) ان يوجد بطبيعته في ذهنه ، ويقف ذهنه بسبب القرينة على حصة خاصة منهامتحققة في ضمن شخص آخر مماثل .

والحكم المذكور في القضية في الموارد الثلاثة قرينة على المراد ، وموجب لعدم عبور ذهن المخاطب من اللفظ إلى شيئ آخر ، فلا يكون في هذه الموارد استعمال وافناء للفظ في شيئ آخر ، فلا يصح اطلاق لفظ الاستعمال .

( فان قلت ) إذا قال قائل ( زيد لفظ مثلا ) فقلت انت حاكيا عنه ( زيد المذكور في قول هذا القائل اسم ) يكون قولك ( زيد ) مرآتا للفظ الواقع في كلامه ، وسببا للانتقال إليه فيصير من قبيل الاستعمال .

( قلت ) لا يكون المراد من ذكر لفظ ( زيد ) افنائه في اللفظ الواقع في كلام القائل افناء اللفظ في المعنى ، بل يكون المراد كما عرفت وجوده بطبيعته في ذهن المخاطب .

واما انتقال ذهنه إلى الشخص منه ( الواقع في كلام القائل ) فبالقرينة المذكورة في الكلام فليس في هذا القسم ايضا استعمال .

( فان قلت ) إذا قيل ( ضرب فعل ماض ) مثلا أو قيل ( لو حرف شرط ) فلا يصح ان يراد نفس هذا اللفظ بل يكون مرآتا للاشخاص الاخر ، فيصير من قبيل الاستعمال ، بداهة ان


30

كلمة ضرب ( في هذا الكلام ) ليست فعلا ، وكلمة لو ليست حرف شرط بل هما اسمان حكم عليهما .

( قلت ) قد عرفت ان المقصود في امثال ذلك هو ايجاد صرف طبيعة اللفظ في ذهن المخاطب ملقاتا عنها العوارض المشخصة ، والطبيعة فيها ملحوظة بنحو المرآتية لافرادها فلذا يحكم عليها بالحكم الثابت للافراد ، وليس لحاظ الطبيعة بنحو المرآتية استعمالا لها في افرادها .

( وبالجملة ) فليس اللفظ في المثالين مستعملا في الاشخاص الاخر بل المقصود من ذكر اللفظ هو تحقق نفس طبيعة اللفظ في ذهن المخاطب لا بما هي هي بل بما انها مرآت لافرادها .

وحيث ان المراد في امثال ذلك نفس اللفظ صح جعله محكوما عليه ، إذ ما يمتنع ان يصير محكوما عليه هو الفعل والحرف بما لهما من المعنى .

الامر الخامس قال شيخنا الاستاذ في الكفاية ( ما حاصله ) : انه لاريب في كون الالفاظ موضوعة بازاء معانيها من حيث هي ، لا من حيث هي مرادة للافظها ، لما عرفت من ان قصد المعنى من مقومات الاستعمال ، فلا يكون من قيود المستعمل فيه ( إلى ان قال ) واما ما حكى عن العلمين ( الشيخ الرئيس والمحقق الطوسى ) من مصيرهما إلى ان الدلالة تتبع الارادة ، فليس ناظرا إلى كون الالفاظ موضوعة للمعانى بما هي مرادة ، بل ناظر إلى ان دلالة الالفاظ على معانيها بالدلالة التصديقية ( أي دلالتها على كونها مرادة للافظها ) تتبع ارادتها منها ، ويتفرع عليها تبعية مقام الاثبات للثبوت .

( ان قلت ) عليهذا يلزم ان لا يكون هناك دلالة عند الخطاء والقطع بما ليس بمراد ، أو الاعتقاد بارادة شئى ولم يكن له من اللفظ مراد .

( قلت ) نعم لا يكون حينئذ دلالة ، بل يكون جهالة وضلالة يحسبها الجاهل دلالة ، ولعمري ما بينه العلمان ( من التبعية ) على ما بيناه واضح ، ( انتهى كلامه طاب ثراه ) ( اقول ) : قد عرفت منا سابقا في انحاء الاستعمال ان عمل اللفظ في المعنى اما ان يكون إيجاديا واما ان يكون افهاميا اعلاميا ، والعمل الافهامى ايضا على نوعين : افهام تصوري ،


31

وافهام تصديقي ، فالافهام التصورى كدلالة الاسماء على معانيها الاستقلالية ، وكدلالة الحروف على معانيها الربطية .

وكدلالة هيئة الاضافة على النسبة الاضافية فالمقصود من الاستعمال في هذا النوع القاء المعنى الاسمى أو الحرفى إلى المخاطب ، وافهامه اياه ليتصوره من دون ان يراد تصديقه بالوقوع ، والدلالة في هذا النوع دلالة تصورية .

واما الافهام التصديقي فكدلالة هيئة الجملة الفعلية أو الاسمية على النسبة التامة الخبرية ، حيث ان المقصود في هذا النوع القاء المعنى أي النسبة إلى المخاطب ليصدق بوقوعها ، فالدلالة حينئذ دلالة تصديقية .

( إذا عرفت ذلك ) فنقول : اماما وضع من الالفاظ والهيئات بداعي الافهام التصورى فلا يكون دلالتها على معانيها متوقفة على شئ ، بل يكون نفس سماعها مع العلم بالوضع موجبا لتصور معانيها الاستقلالية أو الربطية من دون توقف على ارادة المتكلم .

واما ما وضع بداعي الافهام التصديقي بان كان المراد من استعمالها في معناها تصديق المخاطب بوقوعها ، فترتب ذلك عليه يتوقف على ان يحرز المخاطب امورا اربعة في ناحية المتكلم ، ( الاول ) ان يكون المتكلم عالما بالوضع ، ( الثاني ) ان يكون مريدا لتصديق المخاطب بان يكون القائه للمعنى بداعي التصديق لابداع آخر ( الثالث ) ان يكون عالما جازما بالنسبة لاشاكا فيها ( الرابع ) ان يكون علمه مطابقا للواقع كما في الانبياء والمرسلين .

فإذا احرز المخاطب تحقق هذه الامور في ناحية المتكلم يحصل له التصديق قهرا بمفاد النسبة التى القاها المتكلم والا فلا .

( وبالجملة ) فالدلالة التصديقية بالمعنى الذى ذكرناه تتوقف مضافا إلى علم المخاطب بالوضع على احراز هذه الامور الاربعة في ناحية المتكلم ، ومنها ارادة المتكلم لتصديقه من دون ان يكون لتلك المقدمات الاربعة دخل في الموضوع له ، بل هي مما يتوقف عليها تحقق التصديق خارجا .

واما الدلالة التصورية فلا تتوقف على شئ سوى علم المخاطب بالوضع فالمراد بالدلالة التصديقية التى تتبع الارادة هو ما ذكرناه ، لا ما ذكره في الكفاية ( هذا ) مضافا إلى انه ( يرد عليه اولا ) ان الظاهر عدم انطباق ما نسب إلى العلمين على ما ذكره ( قده ) كما لا يخفى على من راجع كلامهما في مبحث المفرد والمركب من منطق الاشارات .

( وثانيا )


32

انا لا نسلم توقف الاذعان والاعتقاد بثبوت شئ على ثبوت هذا الشئ في الواقع ، إذ الاذعان بالشئ ليس الا عبارة عن القطع به ، فهو ينحل إلى القطع وإلى شئ تعلق القطع به ، اما القطع فهو حالة نفسانية لا يتوقف حصولها على ثبوت شيئ خارجا ، واما الشيئ فهو هو ، ولا معنى لتوقفه على نفسه .

ثم لا يخفى ان الدلالة التصديقية بالمعنى الذى ذكرناه اخص مما ذكره ( قدس سره ) فان ما ذكرناه لا يجرى الا فيما وضعبداعي العمل التصديقي كهيئة الجمل ، واما ما ذكره ( قده ) فيجرى في التصورات ايضا كما لا يخفى .

الامر السادس اعلم انهم قسموا اللفظ إلى المفرد والمركب ، فالمركب ما اريد بجزء منه الدلالة وعلى جزء من المعنى ، والمفرد بخلافه ( اقول ) لا يخفى عدم صحة هذا التقسيم ، إذ الوحدة معتبرة في الاقسام ، وليس المركب من لفظين مثلا لفظا واحدا بل كل واحد منهما لفظ مستقل له معنى فمثل ( عبد الله ) بالمعنى الاضافي ليس مصداقا واحدا للفظ ، بل يكون هنا لفظان كل منهما يدل على معنى مستقل وهيئة لها ايضا وضع نوعي .

( نعم ) هو بالمعنى العلمي اعتبر لفظا واحدا ، ولذا يكون له معنى واحد .

وبما ذكرنا يظهر انه ليس للمركب بما هو مركب وضع عليحدة وراء وضع المواد والهيئة ، إذ ليس هو شيئا بحياله ولفظا خاصا ورائها حتى يثبت له وضع عليحدة .

الامر السابع في علائم الحقيقة والمجاز لا يخفى انه بناء على ما ذكرناه سابقا لا يكون الاستعمال المجازى استعمال للفظ في غير ما وضع له ، بل يكون مستعملا في نفس ما وضع له ، ولكنه توسط في البين ادعاء كون المراد الجدى عين ما وضع له أو من افراده ، فيكون الذهن منتقلا من الموضوع له إلى شيئ آخر


33

وحينئذ فإذا ذكر اللفظ ينبغى تدقيق النظر في ان الذهن هل يتجاوز عما انتقل إليه أولا إلى شئ آخر اولا ؟ فان ثبت على نفس ما انتقل إليه أولا يعلم انه معنى حقيقي ، وان عبر به إلى معنى آخر كان الاستعمال استعمالا مجازيا .

واما العلائم التى ذكرها القوم ( فاوليها ) التبادر فهو علامة للحقيقة ، كما ان عدم التبادر أو تبادر الغير علامة المجاز .

واستشكل على هذه العلامة بلزوم الدور ، فان التبادر يتوقف على العلم بالوضع ، إذ لايتبادر عند الجاهل به شيئ ، فلو كان العلم بالوضع ايضا متوقفا على التبادر لزم الدور .

و تقرير بطلان الدور بوجوه ( منها ) انه يلزم ان يكون الوضع مثلا ( كما فيما نحن فيه ) موجودا قبل التبادر وفي رتبته من حيث كونه علة له .

وغير موجود في رتبتة من حيث كونه معلولا له ، فيلزم وجوده في رتبة التبادر وعدمه كذلك ، فيؤل الامر إلى اجتماع النقيضين وهو محال بالذات ، هذا ( واجيب ) عن الدور في المقام بوجهين ( الاول ) بنحو الاجمال والتفصيل ، ( بيانه ) ان العلم التفصيلي بالوضع يتوقف على التبادر واما التبادر فهو يتوقف على العلم الاجمالي الارتكازي ، وهذا الجواب مبنى على كون المراد بالتبادر ، التبادر عند المستعلم ( الثاني ) ان حصول العلم للجاهل بالوضع والمستعلم له يتوقف على التبادر ، ويراد به التبادر عند العالمين بالوضع ، لا لدى هذا الشخص المستعلم ، ( هذا ) ويمكن ان يستشكل على جعل التبادر علامة للوضع هنا بان المراد بالوضع هنا خصوص التعييني منها أو الاعم منه والتعيني ؟ فان اريد خصوص التعييني لم يكن التبادر علامة له ، إذ لا يحرز به خصوصه .

وان اريد الاعم قلنا : انه عين التبادر إذ لا معنى للوضع الجامع لقسميه الا كون اللفظ بحيث إذا سمع فهم منه المعنى .

وهو بعينه التبادر والدلالة الشأنية ، كما عرفت في مبحث الوضع ( 1 )

( 1 ) اقول : يمكن ان يقال ان التبادر عبارة عن انسباق المعنى من اللفظ ، ولا يمكن هذا الانسباق الالسبق خصوصية بين اللفظ والمعنى ، تكون بمنزلة العلة للانسباق الفعلى و هي انس اللفظ بالمعنى والعلقة الحاصلة بينهما المعبر عنها بالدلالة الشأنية .

وان ابيت وجود الخصوصية بين اللفظ والمعنى اعتبارا ، وتحاشيت عنه ، فلا اقل من وجود انس وحالة في ذهن المخاطب سابقا على سماع هذا الاستعمال وبسببه يتحقق الانسباق الفعلى ، فالتبادر عبارة عن الانسباق الفعلى ، والوضع امر سابق عليه يكون بمنزلة العلة لهذا الانسباق فافهم -


34

( وبالجملة ) فيتحد الوضع والدلالة والتبادر ، وليس الوضع بمعناه الجامع امرا وراء التبادر حتى يصير علامة له فافهم .

( الثانية ) من علائم الحقيقة عدم صحة السلب ، وبعبارة اخرى صحة الحمل ، كما ان صحة السلب علامة المجازية ، وحيث ان كلا من الحمل والسلب يتوقف على موضوع ومحمول تصدى المحقق القمى ( قدس سره ) لبيانهما ( بما حاصله ) : ان المحمول المسلوب في علامة المجاز جميع المعاني الحقيقية بمعنى ان صحة سلب جميع المعاني الحقيقية عن المستعمل فيه فعلا علامة المجازية ، والمحمول المثبت الموضوع في علامة الحقيقة واحد من المعاني الحقيقية لا جميعها .

( انتهى ) وكان الداعي إلى هذا التفكيك هو عدم ورود النقض في اللفظ المشترك .

ولا يخفى ان تقرير العلامتين بهذا النحو لا يخلو من الفساد إذ بعد احراز جميع المعاني الحقيقية لا يبقى شك حتى يجعل لنا علامة .

ولاجل الفرار من هذا الاشكال ذكر شيخنا الاستاذ ( طاب ثراه ) في الكفاية تقريبا آخر وحاصله ( بتوضيح منا ) ان الموضوع في القضية هو المعنى الذى اريد بيان حاله ، والمحمول عبارة عن نفس اللفظ لا بما انه صوت من الاصوات ، بل بما انه مندك فيما وضع له وفان فيه ومرآت له وبعبارة اخرى بما انه يعد من مراتب وجود المعنى ، ولاجل ذلك يعبر عنه بالوجود اللفظى ، وصحة حمل اللفظ بهذا اللحاظ على المعنى الذى اريد بيان حاله بالحمل الاولى علامة كونه عين الموضوع له ، وبالحمل الشايع علامة كونه من افراده .

وكذلك في طرف السلب فصحة سلب اللفظ عنه بالسلب الاولى علامة لعدم كونه عين الموضوع له وان بقى احتمال كونه من افراده ، و بالسلب الشايع علامة لعدم كونه من افراد الموضوع له وان بقى احتمال كونه عينه ( انتهى ) .

( اقول ) : تقسيم الحمل إلى القسمين صحيح ، ولكن السلب ليس على قسمين فان الملاك لصحة الحمل هو الاتحاد .

فان كان الاتحاد بحسب المفهوم كان الحمل اوليا ذاتيا وان كان بحسب الوجود الخارجي كان شايعا صناعيا ، واما السلب فملاكه عدم الاتحاد ، وعدم الطبيعة بعدم جميع افرادها .

فما دام يوجد نحو من الاتحاد بين الموضوع والمحمول لا يصح سلبه عنه ، ( وبالجملة ) فملاك السلب عدم الاتحاد ولا يتحقق ذلك الا بعد عدمه مفهوما ووجودا ، فللحمل قسمان ، وللسلب قسم واحد .


35

( وبهذا البيان ) ايضا نجيب عن الاشكال الوارد في باب التناقض ، حيث حصروا الواحدات المعتبرة فيه في ثمانية ( وحاصل الاشكال ) ان الوحدات الثمانية لا تكفى لحصول التناقض ما لم يضف إليها وحدة الحمل ، فانه يصدق زيد كاتب بالحمل الشايع وليس بكاتب بالسلب الاولى ، وكذلك الجزئي جزئي بالحمل الاولى وليس بجزئي بالسلب الشايع ، فيشترط في تحقق التناقض وراء الواحدات الثمانية وحدة الحمل والسلب بمعنى كونهما معا اوليين أو صناعيين .

( وحاصل الجواب ) منع صدق السلب في المثالين بعد تحقق نحو اتحاد بين الموضوع والمحمول كما هو المفروض .

( وكيف كان ) ففى تقرير صاحب الكفاية نحو اختلال ( فالاولى ان يقال ) : انه ان صح سلب اللفظ بما هو مندك وفان فيما وضع له عن المعنى الذى اريد بيان حاله علم من ذلك انه لار بط بينهما اصلا ، فليس المستعمل فيه عين اللفظ بماله من المعنى ولا من افراده وان لم يصح السلب وتنافر منه الطبع يكشف ذلك عن نحو اتحاد بينهما ، اما لكون المستعمل فيه عينه بماله من المعنى أو لكونه من افراده .

ثم ان اشكال الدور الوارد في التبادر آت هنا ايضا والجواب الجواب كما لا يخفى .

( الثالثة من علائم الحقيقة ) الاطراد ، كما ان عدم الاطراد من علائم المجاز .

( قال المحقق القمى ) ( قدس سره ) في هذا المبحث ( ما حاصله ) : ان المراد بعدم الاطراد في المجاز ان كان عدم اطراد الاستعمال بالنسبة إلى انواع العلائق فعدم الاطراد صحيح ، لكن لا من جهة وجود المانع من الاستعمال في بعض الموارد ، بل من جهة عدم المقتضى له فان المرخص فيه في باب المجازات ليس هو الاستعمال باعتبار انواع العلايق المعهودة ، بل المرخص فيه هو الاستعمال باعتبار بعض الاصناف منها ، فليس كلما وجد السببية والمسببية مثلا يجوز استعمال لفظ السبب في المسبب أو بالعكس ، فان لفظ ( الاب ) مثلا لا يطلق على الابن ولا لفظ الابن على الاب مع وجود نوع السببية فيهما .

وان كان المراد عدم اطراد الاستعمال بالنسبة إلى الصنف المرخص فيه ( اعني الموارد التى كانت العلاقة فيها من اظهر خواص المعنى الحقيقي كالشجاعة مثلا للاسد ) فالمجاز ايضا مطرد مثل الحقيقة لصحة الاستعمال في كل مورد وجد فيه هذا الصنف من العلاقة ( انتهى ) .


36

وقال شيخنا الاستاد في الكفاية ( ما حاصله ) : ان جعله علامة للمجاز لعله بملاحظة نوع العلايق ، والا فبملاحظة خصوص ما يصح معه الاستعمال فالمجاز ايضا مطرد كالحقيقة ( انتهى ) .

( اقول ) : الظاهر صحة جعل الاطراد وعدمه علامتين بتقريب لا يرد عليه ما ذكره المحقق القمى وصاحب الكفاية ( بيان ذلك ) انك قد عرفت ( في الامر الثالث ) ان اللفظ في الاستعمالات المجازية ايضا لا يستعمل الا فيما وضع له ، غاية الامر انه في الاستعمالات الحقيقية يكون المراد الجدى عين الموضوع له حقيقة ، وفي الاستعمالات المجازية يكون عينه أو من افراده ادعاء وتنزيلا ، وملاحة جميع المجازات ولطافتها مستندة إلى هذا الادعاء ( فأسد ) في قولك ( رأيت أسدا يرمى ) لم يستعمل الا في الحيوان المفترس ، غاية الامر انه توسط في البين ادعاء كون زيد الشجاع من افراده ، فهذه القضية تنحل إلى قضيتين يحتاج الاخبار في كل منهما إلى جهة محسنة ، مفاد احدى القضيتين تعلق الرؤية برجل يرمى ، ومفاد الاخرى كون هذا الرجل بالغا في الشجاعة حدا يصح جعله من افراد الاسد واستعمال لفظ الاسد فيه ، وملاك الحسن في الاخبار الاول ما هو الملاك في قولك ( رأيت رجلا يرمى ) وهو كون المقام مقام هذا الاخبار بان يفيد فائدة الخبر أو لازمها .

وملاك الحسن في الاخبار الثاني امران .

( الاول ) حسن هذا الادعاء ذاتا بان يكون بين الموضوع له والمراد الجدى كمال المناسبة بحيث يحسن ادعاء كون المراد الجدى عين الموضوع له أو من افراده ، وان شئت فسم ذلك بمصحح الادعاء .

( الثاني ) كون المقام مقام هذا الادعاء ، فانه ربما يوجد كمال المناسبة والعلاقةبينهما بحيث تصحح الادعاء ذاتا ولكن المقام غير مناسب لاظهار هذا الادعاء ، ( مثلا ) ان كان جليسك رجلا شجاعا بالغا فيها حدا يصحح ادعاء كونه من افراد الاسد ، حسن هذا الادعاء واستعمال لفظ الاسد فيه إذا كان المقام مقام اظهار شجاعته كأن يكون المقصود مثلا تحريكه إلى الجهاد فيقال له : ( يا اسد الهيجاء فرق الاعداء ) ولا يحسن هذا الادعاء والاستعمال في مقام دعوته إلى الاكل مثلا بان يقال له : ( يا اسد تفضل بأكل الطعام ) .

وبالجملة فإذا لم يكن المقام مقام اظهار شجاعته كان ادعاء كونه اسدا واطلاق الاسد عليه قبيحا بنظر العقلا


37

( والحاصل ) ان الاخبار في قولنا : ( رأيت رجلا يرمى ) يحتاج إلى محسن واحد ، وهو كون المقام مقام الاخبار بوقوع الرؤية على الرجل .

واما الاخبار في قولنا ( رأيت أسدا يرمى ) فيحتاج إلى احراز امور ثلث ( الاول ) كون المقام مقام الاخبار بتعلق الرؤية به .

( الثاني ) حسن ادعاء كونه أسدا بان يكون بالغا اعلى درجات الشجاعة أو الجبن .

( الثالث ) كون المقام مقام اظهار شجاعته أو جبنه .

( إذا عرفت ما ذكرناه فنقول ) : ان جعل عدم الاطراد علامة للمجاز ليس بلحاظ نوع العلاقة بل بلحاظ الصنف منها اعني الموارد التى يوجد فيها بين الموضوع له والمراد الجدى كمال المناسبة بحيث تكون العلاقة من اظهر خواص الموضوع له .

وقولكم : ( فالمجاز ايضا عليهذا مطرد ) واضح الفساد بعد ما ذكرناه من ان صرف تحقق صنف العلاقة ومصحح الادعاء لا يكفى في الاستعمال ما لم يكن المقام مقام اظهار هذا الادعاء .

والحاصل انه بعد ما كان المقام مقام الاخبار بوقوع الرؤية على الرجل في المثال المذكور يكون اطلاق الرجل عليه حسنا بنحو الاطلاق ، واما استعمال الاسد فيه فيتوقف ( مضافا إلى تحقق صنف العلاقة ومصحح الادعاء ) على كون المقام مقام اظهار شجاعته ، وذلك يختلف بحسب الموارد ، فجعل عدم اطراد الاستعمال من علائم المجاز صحيح بلا اشكال .

الامر الثامن

في الحقيقة الشرعيةلا

يخفى ان ثبوت الحقيقة الشرعية في الفاظ العبادات ( كالصلوة والصوم والحج و ونحوها ) يتوقف على كون مهياتها امورا مخترعة لشارع الاسلام ، والظاهر فساد ذلك فان سنخ هذه العبادات كان معمولا متداولا بين جميع افراد البشر وارباب الملل حتى مثل عبدة الاوثان ، فان افراد البشر كانت في طول التاريخ تعتقد بشريعة ودين صحيح أو فاسد وكان كل واحد من الاديان الصحيحة والباطلة يوجد فيه عمل مخصوص وضع مثلا لان يتوجه به العبد إلى مولاه ويتخضع لديه بنحو يليق بساحة من يعتقده مولى له ، ولا محالة كان لهذا السنخ من العمل في كل لغة لفظ يخصه ، وكان في لغة العرب وعرفهم يسمى بالصلوة فاستعمال هذا اللفظ في تلك العبادة الخاصة ليس بوضع شارع الاسلام ، بل كان مستعملا


38

فيها في اعصار الجاهلية ايضا .

غاية الامر ان ما هو مصداق لهذه الطبيعة بنظر شارع الاسلام مغاير لما في ساير الاديان ، فانظر إلى قوله ( تعالى ) ( وما كان صلوتهم عند البيت الامكاء وتصدية ) حيث سمى ما كان يصدر عنهم بقصد التوجه المخصوص التى المولى صلوة ، غاية الامر انه ( تعالى ) خطأهم في اتيان ما يشبه اللهو بعنوان الصلوة ، ( وقال ) ( تعالى ) ايضا حكاية عن عيسى ( ع ) ( واوصاني بالصلوة والزكوة مادمت حيا ) .

( وكذلك ) لفظ الصوم والحج ونحوهما كما يظهر ذلك بمراجعة الايات والاخبار ( وبالجملة ) كان سنخ هذه العبادات متداولا في اعصار الجاهلية ايضا ، وكان يستعمل فيها هذه الالفاظ المخصوصة ، وعلى طبقها ايضا جرى استعمال الشارع ، غاية الامر انه تصرف في كيفيتها واجزائها وشرائطها كما ثبت ذلك بالدلائل الخاصة ، هذا بالنسبة إلى نفس هذه العبادات ، واما الالفاظ المستعملة في اجزائها ( كلفظ الركوع والسجود والقيام ونحوها ) فلا اشكال في كون الاستعمال فيها بلحاظ معانيها اللغوية الاصلية بلا تصرف اصلا كما لا يخفى .

الامر التاسع

في الصحيح والاعم

لا يخفى ان الصحة ( لغة ) بمعنى التمامية ، ويقابلها الفساد نحو تقابل العدم والملكةويعبر عنهما بالفارسية ( درست ونادرست ) ، ولا يوصف بهما العناوين والمفاهيم بما هي هي ) إذ لا معنى لفساد المفهوم في عالم المفهومية فان كل مفهوم وعنوان هو هو ويحمل على نفسه بالحمل الاولى .

واتصافه بالفساد وعدم التمامية انما هو بان لا يكون هذا العنوان هذا العنوان ، وهو يساوق سلب الشيئ عن نفسه ولا يوصف بهما الوجودات الخارجية ايضا بلحاظ ذواتها التى هي من سنخ الوجود ، ( وانما ) يتصف بهما الموجودات بالقياس إلى العناوين الخاصة المترقب انطباقها عليها ، فالموجود الخارجي من افراد الدواء أو الثمرة مثلا ربما يتصف بالصحة ، وربما يتصف بالفساد ولكنه لا بلحاظ هذا الوجود بما انه وجود خارجي بل بالقياس إلى العنوان الذى يترقب انطباقه عليه ، ليترتب عليه آثار هذا العنوان ، ( فان وجد ) بنحو ينطبق عليه هذا العنوان ويترتب عليه اثره اتصف هذا الموجود بالصحة


39

( وان وجد ) بنحو لا ينطبق عليه اتصف بالفساد ، وكذلك العمل الخارجي الصادر عن المكلف بترقب كونه مصداقا للصلوة أو الحج أو نحوهما قد يتصف بالصحة وقد يتصف بالفساد ، لكن لا بما أنه وجود خاص ولا بلحاظ عنوان الحركة مثلا ، فانه بلحاظ هذا العنوان تام حيث ينطبق عليه عنوان الحركة ويترتب عليه اثرها ، بل بلحاظ عنوان الصلوة المترقب انطباقها عليه ، فان كان بنحو ينطبق عليه العنوان المترقب اتصف هذا الوجود بالصحة ، والا اتصف بالفساد .

فالصحة عبارة عن كون الموجود ( الذى وجد بداعي انطباق عنوان خاص عليه ) بحيث ينطبق عليه هذا العنوان المترقب ويترتب عليه اثره ، والفساد عبارة عن كونه بحيث لا ينطبق عليه ذلك ، فهما وصفان للموجودات لا للعناوين والمفاهيم ، ولكن اتصاف الموجودات بهما انما هو بالقياس إلى العناوين المترقبة ، وربما يكون موجود خاص بالقياس إلى عنوان تاما ، وبالقياس إلى عنوان آخر غير تام ، فيتصف بالصحة بالنسبة إلىالاول وبالفساد بالنسبة إلى الثاني وقد اتضح بما ذكرناه ان اتصاف الموجودات بالصحة والفساد ليس بلحاظ الاثار من دون توسيط العناوين ، فان الاثار آثار لا محالة لعناوين خاصة ، فالاتصاف بالوصفين انما يكون بالقياس إلى العناوين المترقبة ، ولا محالة يترتب الاثر بعد تحقق العنوان الذى هو موضوع له .

ثم ان المهم في مسألة الصحيح والاعم انما هو تصوير الجامع بين الافراد والمراتب ولا سيما على القول بالاعم ، ( قال شيخنا الاستاد ) في الكفاية ( ما حاصله ) : انه لا اشكال في وجود الجامع بين الافراد الصحيحة وامكان الاشارة إليه بخواصه وآثاره ، فان الاشتراك في الاثر كاشف عن الاشتراك في جامع واحد ، فيصح تصوير المسمى بلفظ الصلوة مثلا بالناهية عن الفحشاء ، وما هو معراج المؤمن ونحوهما ( انتهى ) .

( اقول ) : اما تصوير الجامع الذاتي بين افراد الصلوة مثلا فغير معقول ، فان الصلوة ليست من الحقايق الخارجية ، بل هي عنوان اعتباري ينتزع عن امور متباينة كل واحد منها من نوع خاص وداخل تحت مقولة خاصة ، وليس صدق عنوان الصلوة على هذه الامور المتباينة


40

صدقا ذاتيا بحيث يكون ماهية هذه المتكثرات عبارة عن الحيثية الصلوتية ، ثم انه يختلف اجزائها وشرائطها باختلاف حالات المكلفين ، من الحضر والسفر ، و الصحة والسقم والاختيار والاضطرار ، ونحو ذلك : وعلي هذا فلا يعقل تصوير جامع ذاتي بين اجزائها في مرتبة واحدة فكيف بين مراتبها المتفاوته ! ( واما الجامع العرضى ) فتصويره معقول حيث ان جميع مراتب الصلوة مثلا بمالها من الاختلاف في الاجزاء والشرائط تشترك في كونها نحو توجه خاص وتخشع مخصوص من العبد لساحة مولاه ، يوجد هذا التوجه الخاص بايجاد اول جزء منها ويبقى إلى ان تتم ، فيكون هذا التوجه بمنزلة الصورة لتلك الاجزاء المتباينة بحسب الذات ، وتختلف كمالا ونقصا باختلاف المراتب .

( والحاصل ) ان الصلوة ليست عبارة عن نفس الاقوال والافعال المتباينة المتدرجة بحسب الوجود حتى لا يكون لها حقيقة باقية إلى آخر الصلوة محفوظة في جميع المراتب ويترتب على ذلك عدم كون المصلى في حال السكونات والسكوتات المتخللة مشتغلا بالصلوة ، بل هي عبارة عن حالة توجه خاص يحصل للعبد ويوجد بالشروع فيها ، ويبقى ببقاء الا جزأ والشرائط ويكون هذا المعنى المخصوص كالطبيعة المشككة ، لها مراتب متفاوتة تتنزع في كل مرتبة عما اعتبر جزء لها لا اقول ان هذا الامر الباقي يوجد بوجود عليحدة وراء وجودات الاجزاء حتى يكون الاجزاء محصلات له ، بل هو بمنزلة الصورة لهذه الاجزاء فهو موجود بعين وجودات الاجزاء ، فيكون الموضوع له للفظ الصلوة هذه العبادة الخاصة والمعنى المخصوص ، ويكون هذا المعنى محفوظا في جميع المراتب ، فيكون وزان هذا الامر الاعتباري وزان الموجودات الخارجية كالانسان ونحوه ، فكما ان طبيعة الانسان محفوظة في جميع افراده المتفاوتة بالكمال و النقص والصغر والكبر ، ونقص بعض الاجزاء وزيادته ، مادام الصورة الانسانية محفوظة في جميع ذلك ، فكذلك طبيعة الصلوة .

ولعل ما ذكرناه هو المراد من الوجه الثالث المذكور في الكفاية في تصوير الجامع على القول بالاعم ، الا ان التمثيل لذلك بالاعلام الشخصية مما يبعد ذلك فتدبر .

( ومثل ) هذا المعنى يمكن ان يفرض في ساير العبادات


41

ايضا من الصوم والحج ونحوهما واما ما في الكفاية : من تصوير المسمى بلفظ الصلوة مثلا بالناهية عن الفحشاء و ما هو معراج المؤمن ونحوهما فيرد عليه ان المتبادر من لفظ الصلوة ليس هذا السنخ من المعاني والاثار ، كيف ! ولو كان لفظ الصلوة موضوعا لعنوان الناهي عن الفحشاء مثلا لصار قوله تعالى ( ان الصلوة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) بمنزلة ان يقول : الذى ينهى عن الفحشاء والمنكر ينهى عن الفحشاء والمنكر ، وهذا واضح الفساد .

ثم انه اشار هنا في الكفاية إلى مسألة البرائة والاشتغال

في الاقل والاكثر

الارتباطيين فالاولى ان نتعرض لها بمقدار يناسب المقام : ( فنقول ) .

ان المولى وان كان يلاحظ حين الامر بالمركب مجموع الاجزاء بالاسر شيئا واحدا ، ويعتبرها حقيقة فاردة ويجعلها متعلقة لامر واحد ، ولكن وحدة المتعلق بحسب اللحاظ والاعتبار فقط ، فهو بحسب الواقع امور متكثرة لكل منها وجود عليحدة ، وعلي هذا فالامر المتعلق بها وان كان واحدا ، و لكنه يتبعض ويتكثر اعتبارا بتبعض المتعلق وتكثره ، فيمكن ان يصير معلوما ومنجزا ببعضه ، ومجهولا غير منجز ببعضه الاخر ، فكما ان المتصل الواحد كماء الحوض مثلا مع كونه واحدا حقيقيا ( من جهة ان الاتصال مساوق للوحدة الشخصية ) يتجزى ويتبعض ، وبتبعضه يتبعض ما يعرضه من اللون ، وربما يخالف لون بعض الاجزاء لون غيره ومع ذلك لا ينثلم به وحدة الماء ، فكذلك الواحد الاعتباري المتكثر حقيقة كالصلوة مثلا ، فحيث انها متكثرة حقيقة يتبعض الامر الوحداني المتعلق بها ، ويمكن ان يعرض لبعضه لون العلم ويبقى بعضه مجهولا .

فإذا علم المكلف بتعلق الامر ببعض الاجزاء وشك في تعلقه بشيئ آخر ، وبالغ في الفحص اللازم عليه ولم يعثر على ما يدل على جزئيته يكون العقاب المستند إلى ترك هذا الجزء المشكوك عقابا بلا بيان ( لا اقول ) ان الامر يتبعض ويتكثر حقيقة بل نقول انه مع وحدته وبساطته لما تعلق بما هو متكثر حقيقة بتحقق فيه نحو تكثر اعتباري بحيث يمكن ان يتعلق العلم ببعضه ويبقى البعض مجهولا ، فما تعلق به العلم تنجز لا محالة وليس العقاب من قبله عقابا بلا بيان ، وما بقى مجهولا يكون العقاب المستند إليه عقابا بلا بيان ، فيكون الامر بعكس متعلقه ، فالمتعلق كثير حقيقة وواحد بحس


42

اللحاظ والاعتبار ، والامر واحد حقيقي ومتكثر اعتبارا بتبع متعلقه .

والحاصل ان تبعض الامر الواحد بحسب العلم والجهل والتنجز وعدمه لا محذور فيه بعد تكثر المتعلق حقيقة ، فترك الاجزاء المعلومة يوجب العقاب سواء كان الواجب فيمتن الواقع هو الاقل أو الاكثر ، وترك الجزء المشكوك فيه لا يوجبه .

( وان شئت قلت ) ان الاقل منجز مطلقا بمعنى ان تركه يستلزم استحقاق العقاب اما على نفسه أو على ترك الاكثر المستند إليه ، وما لا يوجب العقوبة هو ترك الاكثر المستند إلى ترك الجزء المشكوك فيه فقط .

( وبعبارة اوضح ) محل البحث ليس صورة كون التكليف انشائيا فقط بحيث لم يصدر بداعي البعث والتحريك ، فان العلم بهذا التكليف لا يوجب استحقاق العقوبة على تركه ، بل النزاع انما هو في التكليف الفعلى الصادر بداعي البعث والتحريك ، ولكن صرف فعلية التكليف وتماميته من قبل المولى لا يكفى في استحقاق العبد للعقوبة ما لم يحصل له علم ، لا لقصور في ناحية التكليف فانه مطلق بالنسبة إلى العلم والجهل ، بل لقصور في ناحية العبد ، فالتكليف قبل تعلق العلم به فعلى ليس لتنجزه حالة منتظرة سوى علم العبد ، ونعبر عنه بالفعلى قبل التنجز فإذا علم به العبد صار فعليا منجزا واستحق بتركه العقوبة ، فيكون العقاب على التكليف بعد فعليته وتماميته من ناحية المولى دائرا مدار علم العبد ، فيستحق العقوبة على مخالفة التكليف بمقدار حصل له العلم ( وقد عرفت ) ان الامر مع وحدته يتبعض بتبعض متعلقه ، فإذا علم العبد بالاقل وشك في الزائد كان ترك الواجب المستند إلى ترك الاقل موجبا للعقوبة ، وتركه المستند إلى ترك الجزء المشكوك فيه غير موجب له ، فيكون التكليف بعد فرض فعليته منجزا بنحو الاطلاق ان كان بحسب متن الواقع متعلقا بالاقل ، ومتوسطا في التنجزان كان متعلقا بالاكثر فترك الاكثر المستند إلى ترك جميع الاجزاء يوجب العقاب ، وتركه المستند إلى ترك الجزء المشكوك فيه لا يوجبه .

( وبالجملة ) فترك الاقل يوجب استحقاق العقوبة مطلقا ، وانما الذى لا يوجبه هو ترك الاكثر المستند إلى غير الاقل ، والتكليف على أي حال فعلى ، غاية الامر ان تركه المستند إلى ترك الجزء المشكوك فيه لا يوجب العقوبة من جهة القصور في ناحية العبد .

( فان قلت ) سلمنا ان العلم الاجمالي بالوجوب المردد بين الاقل والاكثر ينحل إلى


43

العلم التفصيلي بوجود الاقل والشك البدوى بالنسبة إلى الجزء المشكوك فيه ، لكنا نقول : ان الاشتغال اليقيني بالاقل يقتضى البرائة اليقينية منه ، والمفروض ان الاقل يتردد امره بين كونه تمام المطلوب وبين كونه واجبا في ضمن الاكثر ، وعلى الثاني فيتوقف صحته على اتيان الاكثر ، فان المفروض كون الاقل والاكثر ارتباطيين ، فالاتيان بالجزء المشكوك فيه دخيل في صحة الاقل على فرض كون الواجب بحسب متن الواقع هو الاكثر والحاصل انا نسلم انحلال العلم الاجمالي في مقام اثبات التكليف وارتفاع العقاب من ناحية الجزء الزايد ، ولكن نقول : ان الاشتغال اليقيني بالاقل يقتضى قهرا الاتيان بالجزء المشكوك فيه حتى يحصل الفراغ اليقيني من ناحية الاقل .

( قلت ) هذه هي عمدة ما استدل به القائل بالاشتغال ، ( ويرد عليه ) انه ( ان كان المراد ) ان العلم بترتب الغرض على الاقل يتوقف على الاتيان بالاكثر ، ففيه ان تحصيل الغرض الذى لم يقم عليه حجة شرعية غير لازم ، والمفروض عدم قيام الحجة على وجوب الاكثر .

( وان كان المراد ) ان اتيان الاقل وامتثال امره مشروط باتيان الاكثر ، ( ففيه ) ان معنى الارتباط ليس اشتراط كل واحد من الاجزاء بالاجزاء الاخر واخذها قيدا له ، بل معناه ( كما عرفت ) وقوع الاجزاء المتباينة المتكثرة بحسب الذات تحت امر واحد ، فالاجزاء بالاسر تعلق بها امر واحد ، ولا محالة يتكثر الامر ويتبعض بتكثر المتعلق تكثرا اعتباريا نحو تكثر العرض وتبعضه بتبع المعروض ، فكل واحد من الاجزاء مأمور به بالامر الانبساطي ، والعلم به يوجب تتنجزه ولزوم الفراغ من قبله وذلك يحصل باتيانه قهرا .

( وبالجملة ) فكما يتبعض الامر في مقام التعلق يتبعض في مقام التنجز والامتثال ايضا ، فإذا اتى المكلف بما تنجز عليه حصل له الامن من العقاب .

( ومما ذكرنا ظهر ) ان الامر المتعلق بالاجزاء ليس امرا غيريا ، بل هو عين الامر النفسيالوحداني المتعلق بالمركب سواء كان متعلقا بحسب متن الواقع بالاقل أو الاكثر .

ويظهر من الشيخ ( قدس سره ) تردد الامر بالاقل بين كونه نفسيا أو غيريا ، ومع ذلك


44

التزم بالبرائة ، من جهة انحلال العلم الاجمالي إلى العلم التفصيلي بوجوب الاقل والشك في وجوب الزائد ، ويرد عليه ( مضافا إلى ما اشرنا إليه ونحققه في مبحث مقدمة الواجب من عدم كون الامر بالاجزاء غيريا ) ان الامر النفسي بالاكثر على تقريره ( قدس سره ) غير منجز فلا يمكن ان يكون الامر المترشح منه على الاقل ايضا ، منجزا بداهة ان الامر الغيرى المقدمى تابع محض لما ترشح منه ، وعلي هذا فيلزم عدم كون الاقل منجزا بنحو الاطلاق ، ولازم ذلك عدم الانحلال .

واما على ما ذكرنا فالامر بالاقل امر نفسي مطلقا والعلم به يوجب تنجزه كذلك فيترتب على تركه العقاب ولو كان الواجب هو الاكثر كما مر بيانه ( هذا كله ) بناء على تعلق الامر بنفس المركب ، واما بناء على تعلقه بعنوان بسيط ففيه تفصيل ، إذ هذا الامر البسيط ( تارة ) يكون شيئا متحصلا ومسببا من هذا المركب من الاجزاء بحيث يكون وجوده غير وجود الاجزاء خارجا ، فيحنئذ يتعين القول بالاحتياط إذ المأمور به عنوان مبين علم الاشتغال به ، ولازم ذلك وجوب تحصيل الفراغ اليقيني .

( واخرى ) يكون هذا الامر للبسيط عنوانا منتزعا عن نفس هذه الاجزاء ومنطبقا عليها فيكون وجوده عين وجودها لا مسببا منها ، فيمكن ان يقال ( حينئذ ) بالبرائة ايضا ، فان المطلوب حقيقة انما هو وجود هذا الامر البسيط الانتزاعي ، والمفروض ان وجوده عين وجود الاجزاء فيتبعض الامر اعتبارا بتبعض المركب الذى هو عين المأمور به خارجا ولاجل ذلك قال في الكفاية في هذا المقام ( ما حاصله ) ان تصوير الجامع البسيط بين الافراد الصحيحة لا ينافى جريان البرائة مع الشك في الاجزاء ( انتهى ) .

وكيف كان فلنرجع إلى اصل المقصود ، فنقول : تصوير الجامع بين الافراد الصحيحةعلى ما بيناه بلا اشكال ، وانما المشكل تصويره بين الصحيح والفاسد ، وقد ذكر في الكفاية وجوها خمسة لتصويره مع الجواب عنها ، ولا يهمنا ذكرها فلنذكر ادلة الطرفين في اصل المسألة .

( فنقول ) قد استدل للصحيحى بوجوه ، ( منها ) التبادر ، ( ويرد عليه ) ان ادعائه انما يصح بعد تصوير مفهوم مبين يكون هو الجامع بين الافراد الصحيحة والمتبادر


45

اللفظ عرفا ، والمفروض انه مما اشكل لدى القوم .

( واما ما ذكره ) في الكفاية : من تصوير المسمى بلفظ الصلوة مثلا بالناهية عن الفحشاء وما هو معراج المؤمن ونحوهما ، فقد عرفت ما فيه وان المتبادر من لفظ الصلوة ليس امثال هذه المفاهيم والاثار ، بل قلما يلتفت إليها ذهن المخاطب عند سماع لفظ الصلوة .

( ومنها ) الاخبار الظاهرة في اثبات بعض الخواص والاثار للمسميات ، كقوله عليه السلام ( الصلوة عمود الدين ، أو معراج المؤمن ، أو انها تنهى عن الفحشاء والمنكر ونحو ذلك ) ، وتقريب الاستدلال بها بوجهين .

( الاول ) انه لا شك في ان هذه الاثار آثار لخصوص الافراد الصحيحة لا الاعم ، وحينئذ فان كان الموضوع له للفظ الصلوة مثلا هو الاعم كان الموضوع في القضية ملحوظا بنحو الاهمال ، وان كان الموضوع له خصوص الصحيح كان الموضوع ملحوظا بنحو العموم والسعة وحيث ان ظاهر تعليق الحكم على الطبيعة المحلاة باللام هو كون الطبيعة بوجودها السعي موضوعا للحكم ، فاللازم منه كون الموضوع له للالفاظ خصوص الصحيح .

( الثاني ) انه بعد ما نعلم ان المراد من الموضوع في هذه القضايا بلحاظ الاثار الثابتة له هو خصوص الصحيح ، يتردد الامر بين ان يكون الموضوع له خصوص الصحيح فيكون الاستعمال في هذه القضايا بنحو الحقيقة وبين ان يكون هو الاعم فيكون بنحو المجازية ، فباصالة الحقيقة يثبت ان الموضوع له خصوص الصحيح ، هذا .

( ويرد ) على الاستدلال بهذه الاخبار ان التمسك باصالة العموم واصالة الحقيقة انمايصح فيما إذا كان المراد الجدى مشكوكا فيه فاريد تشخيصه لا فيما إذا علم المراد وشك في كيفية الاستعمال .

( توضيح ذلك ) انه ربما يشك في ان المراد الجدى للمولى وما هو الموضوع لحكمه هو جميع الافراد أو بعضها فبناء العقلاء ( حينئذ ) على التمسك باصالة العموم لتشخيص ما هو المراد ، وربما يكون مراد المولى معلوما ، غاية الامر وقوع الشك في كيفية استعماله وارادته كما في دوران الامر بين التخصيص والتخصص ، ففى هذه الموارد ليس بناء العقلاء على التمسك باصالة العموم ، فإذا قال المولى ( اكرم العلماء ) مثلا وعلم ان زيدا عالم وشككنا في انه مراد ايضا كان بناء العقلاء حينئذ على التمسك


46

باصالة العموم لاحراز وجوب اكرامه ، واما إذا علم عدم وجوب اكرام زيد وشك في انه من افراد العلماء حتى يكون خروجه من باب التخصيص ، أو انه ليس من افرادهم حتى يكون خروجه من باب التخصص ، فليس بناء العقلاء في امثال المقام على التمسك باصالة العموم لاحراز خروج زيد تخصصا بحيث يثبت له آثار غير العالم .

( إذا عرفت هذا فنقول ) : ان المفروض في الاخبار المذكورة هو العلم بالمراد وانه خصوص الصحيح ، وانما الشك في كيفية الاستعمال ، فالتمسك باصالة العموم أو اصالة الحقيقة لاحراز كون الصحيح هو الموضوع له خروج مما استقر عليه بناء العقلاء .

( ومما استدل به ) للصحيحى ايضا الاخبار الظاهرة في نفى الماهية والطبيعة بمجرد فقد بعض الاجزاء أو الشرائط مثل قوله ( لا صلوة الا بطهور ، أو بفاتحة الكتاب .

( ويرد عليه ) ان الاعمى ايضا يلتزم بان بعض الاجزاء والشرائط دخيل في صدق الحقيقة وان فقد انه يوجب انتقائها حقيقة ، نعم لو ثبت صحة نفى الحقيقة بانتفاء أي جزء أو شرط ولو كان من الاجزاء أو الشرائط الغير الدخلية عرفا في صدق المسمى ، صح الاستدلال بذلك على كون الموضوع له خصوص الصحيح ، ولكن انى لكم باثباته .

( واستدل للاعمى ) ايضا بوجوه ( منها ) التبادر ( ويرد عليه ) ايضا انه فرع تصويرالجامع حتى يكون هو المتبادر ، وقد عرفت الاشكال فيه .

( ومنها ) استعمال لفظ الصلوة وغيرها في بعض الاخبار في الفاسدة كقوله عليه السلام ( بنى الاسلام على خمس : الصلوة والزكوة والحج والصوم والولاية ، ولم يناد احد بشئ كما نودى بالولاية ، فاخذ الناس بالاربع وتركوا هذه ، فلو ان احدا صام نهاره وقام ليله ومات بغير ولاية لم يقبل له صوم ولا صلوة ) .

فانه بناء على بطلان عبادة تاركى الولاية لم يمكن اخذهم بالاربع الا إذا كانت اسامى للاعم ( ويرد عليه ) ان المراد بها في الحديث بقرينة جعلها مما بنى عليها الاسلام ، هو خصوص الصحيح ، والمراد باخذ الناس بها هو اخذهم بها بحسب اعتقادهم .

( ومنها ) انه لا شبهة في صحة تعلق النذر وشبهه بترك الصلوة في مكان تكره فيه وحصول الحنث بفعلها ، ولو كانت الصلوة المنذور تركها خصوص الصحيحة لا يكاد يحصل الحنث به اصلا لفساد الصلوة الماتى بها لحرمتها ، بل يلزم المحال فان النذر حسب الفرض قد


47

تعلق بالصلوة الصحيحة ومع النذر لا تقع صحيحة ، فيلزم من فرض صحة الصلوة عدم صحتها ومن فرض تحقق الحنث عدم تحققه ، وما يلزم من فرض وجوده عدمه محال ( قال في الكفاية ) في مقام الجواب عن هذا الاستدلال : بانه لو صح ذلك لا يقتضى الا عدم صحة تعلق النذر بالصحيح ، لا عدم وضع للفظ له شرعا ، مع ان الفساد من قبل النذر لا ينافى صحة متعلقة ، فلا يلزم من فرض وجودها عدمها ، ومن هنا انقدح ان حصول الحنث انما يكون لاجل الصحة لولا تعلقه ( انتهى ) .

( اقول ) : لا يخفى ان المراد بالصلوة المنذور تركها في المثال عبارة عن طبيعة الصلوة الراتبة التى لها وقت موسع ويفرض لها افراد طولية بحسب امتداد الوقت وسعته ، وقد تعلق النذر بترك اتيانها في الحمام ( مثلا ) لا من جهة مرجوحية ذاتية فيها بل من جهة كونها مرجوحة بالاضافة إلى ساير الافراد ، وان تركها فيه يلازم الاتيان بها في ضمن افراد اخر خالية عن المنقصة والحزازة ، فمرجع هذا النذر إلى نذر الاتيان بهذه الطبيعة المأمور بها فيضمن افرادها الراجحة الخالية عن الحزازة ، وليس المراد بها مطلق الصلوة وان كانت من النوافل المبتدئة ، إذ ليس للنافلة المبتدئة وقت وسيع حتى يترجح تركها في بعض اجزائه باعتبار اختيار البدل ، فان كل وقت يسع مقدار ركعتين من الصلوة يستحب اتيانها فيه من دون ان يكون له بديل ، ففى المكان المكروه كالحمام ايضا يستحب الاتيان بها ، ولا يصح تعلق النذر بتركها لعدم كونها مرجوحة .

والحاصل ان المراد بالصلوة المنذور تركها في المكان المكروه هي طبيعة الصلوة الراتبة التى يفرض لها افراد طولية بحسب سعة الوقت ويكون تعلق النذر بتركها في هذا المكان باعتبار مرجوحيتها بالاضافة إلى ساير الافراد .

وعلي هذا فيكون اشكال تعلق النذر مشترك الورود على كل من القول بالصحيح و القول بالاعم ، ويصير محصل الاشكال انه كيف يتعلق النذر بترك الصلوة المكتوبة التى تكون صحيحة ومرجوحة بالاضافة إلى ساير الافراد مع انه يلزم من فرض صحتها وتعلق النذر بتركها عدم صحتها وعدم القدرة على الحنث ، وهذا من غير فرق بين ان يكون اللفظ موضوعا بازاء الصحيح أو الاعم .


48

( وبالجملة ) فمثال النذر لا يرتبط بما هو محل النزاع بين الصحيحى والاعمى ، بل هو اشكال يرد على كلا القولين فلابد ان يتصدى للجواب عنه .

وما ذكر في الكفاية ( من ان الفساد من قبل النذر لا ينافى صحة متعلقه ) لا يفى بدفع الاشكال إذ الفرض تعلق النذر بترك ما هو من افراد المكتوبة ويكون صحيحة مرجوحة ، والحنث لا يتحقق الا باتيان نفس ما تعلق النذر بتركه فلا يقع ما هو فاسد بالحمل الشايع مصداقا للحنث والحاصل أن النذر لم يتعلق بترك مفهوم الصحيح بل تعلق بترك ما هو مكتوب وصحيح بالحمل الشايع بمعنى كونه بوجوده مصداقا للصحيح وعلي هذا فلا يقع الفاسد مصداقا له .

( ويمكن ان يقال ) ببطلان النذر في المثال من جهة ان صرف تفاوت افراد الطبيعةالراجحة في مرتبة الرجحان وكون بعضها مرجوحا بالقياس إلى غيره لا يكفى في صحة النذر ، كيف ! والا لزم صحة تعلق النذر بترك الصلوة في البيت مثلا من جهة ملازمته للاتيان بها في المسجد ، وصحة تعلق النذر بتركها في مسجد السوق مثلا باعتبار ملازمته للاتيان بها في مسجد افضل منه وهكذا ، والالتزام بذلك مشكل .

ولعل منشأ الاشتباه في المقام اطلاقهم لفظ الكراهة على الصلوة في الحمام مثلا فتوهم منه كون المراد بها المرجوحية الذاتية كما في ساير موارد الكراهة فتدبر .

( تتمه ) ربما يذكر للنزاع

في المسألة

ثمرتان ( الاولى ) جريان البرائة فيما إذا شك في جزئية شيئ للمأمور به أو شرطيته على الاعم ، وعدم جريانها على الصحيح إذ لم يكن الجزء أو الشرط المشكوك فيه دخيلا في المسمى عرفا ، وهذا بناء على التفصيل في جريان البرائة في المسألة ، والقول بجريانها فيما إذا كان منشأ الشك عدم النص دون اجماله ، فانه على القول بالاعم لا يكون في الخطاب اجمال ، وانما الشك في اعتبار قيد زائد ، والمفروض عدم الدليل عليه ، واما على القول بالصحيح فيكون نفس الخطاب مجملا .

( الثانية ) انه على القول بالاعم يصح التمسك بالاطلاقات لنفى اعتبار ما زاد على المسمى دون القول بالصحيح إذ عليه يرجع الشك إلى أصل الصدق وهذا بعد تحقق شرائط التمسك بالاطلاق : من كون المتكلم في مقام البيان ، وعدم العلم الاجمالي بورود التقييد أو انحلاله


49

باحراز تقييدات كثيرة بعدد المعلوم بالاجمال ، هذا .

( والتحقيق في المسألة ) ان يقال : ان وضع الفاظ العبادات ( كالصلوة والصوم ونحوهما لمهياتها ) ليس بتعيين الشارع ، فان سنخ هذه العبادات كان معمولا متداولا بين جميع افراد البشر وارباب الملل حتى في اعصار الجاهلية ايضا ، وكان هذه الالفاظ المخصوصة موضوعة بازائها ومستعملة فيها كما عرفت تفصيل ذلك في مبحث الحقيقة الشرعية وعلىطبق استعمالهم جرى استعمال الشارع ايضا غاية الامر انه تصرف

في كيفيتها وما يكون معتبرا فيها من الاجزاء والشرائط

وبين ذلك بالعمل أو بتصريحات اخر ، فهذه الالفاظ لم تستعمل في لسان الشارع الا في نفس هذه المهيات وهذا السنخ من العبادات المتداولة في جميع الاعصار بين جميع ارباب الملل ، واعتبار القيود والخصوصيات الفردية المعتبرة في شرع الاسلام انما ثبت بالادلة الاخر ، وليس وضعها بتعيين الشارع حتى يتوهم كون الموضوع له خصوص ما صح عنده وكان واجد الجميع ما اعتبر فيه من الاجزاء والشرائط فتدبر جيدا .

( تبصرة ) قال في الكفاية ( ما حاصله ) " ان دخل شئ وجودي أو عدمي في المأمور به تارة بنحو الجزئية ، واخرى بنحو الشرطية ، وثالثة بان يكون مما يتشخص به المأمور به فيكون جزء أو شرطا للفرد لا للمهية .

" ( اقول : ) تفصيل المقام هو ان الشئ الدخيل في المأمور به قد يكون جزء له ، و ذلك بان يكون المتعلق للامر شيئا مؤلفا منه ومن عدة اجزاء اخر وقد اعتبرها الشارع حقيقة واحدة ، وتعلق بها امر واحد من جهة تأثيرها في غرض وحداني ، وقد يكون شرطا له وذلك على وجهين .

( الاول ) ان يكون شرطا شرعيا وذلك انما يتصور فيما إذا لم يكن هذا الشئ داخلا في قوام المهية ، ولكن كان ترتب الغرض عليها متوقفا على تحققه ، ( فحينئذ ) يتعلق الامر بالمهية مقيدة بهذا الشئ بنحو يكون التقيد داخلا والقيد خارجا فيكون المأمور به هو الطبيعة المقيدة .

( الثاني ) ان يكون من الشرائط العقلية والمقدمات الوجودية للمأمور به ، وذ


50

بان يكون المأمور به عنوانا بسيطا لا يتقيد بهذا الشئ في مقام الامر ، ولكن هذا العنوان البسيط انما ينتزع عن الاجزاء بالاسر حالكونها مسبوقة أو مقارنة أو ملحوقة بهذا الشئى ، فمنطبق هذا العنوان الانتزاعي نفس الاجزاء بالاسر ، ولكن انطباقه عليها يتوقف في متن الواقع على وجود هذا الشئ ، فيكون هذا الشئ شرطا عقليا لتحقق المأمور به خارجا ، غاية الامر انه كشف عنه الشارع .

فعنوان الصلوة مثلا انما ينتزع عن الامور المتكثرة التى اولها التكبير وآخرها التسليم ، ولكن انتزاعه عن تلك الامور والاجزاء وانطباق عنوانها عليها يتوقف على الاتيان بها حال الطهارة مثلا ، هذا .

( واما ما ذكره ) شيخنا الاستاد قدس سره في الكفاية ( من اخذ العدم شطرا أو شرطا ) فالظاهر فساده ، إذ العدم بما هو عدم لا يؤثر في المصلحة حتى يعتبر في المأمور به نحو اعتبار الاجزاء والشرائط .

( نعم ) ربما يكون الشئ بوجوده مانعا ومخلا بتحقق المأمور به وانطباق عنوانه على منطبقه فيعتبر عدمه من هذه الجهة ، لا بان يكون في عداد الاجزاء ، فالتاثير حينئذ ليس لعدم هذا الشئ بما هو عدم بل لوجوده ، واثره الاخلال ، وعد عدم المانع من اجزاء العلة التامة ايضا ليس الا بلحاظ كون الوجود مخلا ، والا فالعدم بنفسه لا يؤثر ولا يتأثر .

واما ما جعله في الكفاية جزء أو شرطا للتشخص والفرد فالظاهر رجوعه إلى نفس الطبيعة ايضا ولكن بحسب بعض مراتبها ، وبهذا التقريب يتصور الجزء الندبى للمأمور به ايضا .

( بيان ذلك ) انه يمكن ان يفرض المأمور به كالصلوة مثلا عنوانا بسيطا ذات مراتب طولية ، ينتزع بعض مراتبها عن فاقد هذا الجزء وبعضها عن واجده ، ويصدق هذا العنوان البسيط بمرتبته الناقصة على الاقل ، وبمرتبته الكاملة على الاكثر ، فان كان الشئى دخيلا في جميع المراتب سمى جزء وجوبيا وان كان دخيلا في المرتبة الكاملة فقط سمى جزء ندبيا ، وما تعلق به الامر هو صرف الطبيعة البسيطة المشككة ، فالصلوة مثلا عنوان بسيط له مراتب متفاوتة بحسب الكمال والنقص ، فينتزع مرتبتها الكاملة عن جميع الاجزاء الواجبة والمستحبة كالقنوت ونحوه بحيث يكون المنطبق للعنوان في هذه المرتبة جميع


51

هذه الاجزاء ، ومرتبة منها تنتزع عن الاجزاء الواجبة بضميمة بعض خاص من الاجزاء المندوبة ، ومرتبة منها تنتزع عن الواجبات بضميمة بعض آخر منها ، وهكذا تتدرج من الكمال إلى النقص إلى ان تصل إلى مرتبة هي اخس المراتب وهى التى يقتصر فيها على الواجبات فقط .

وعلي هذا فالقنوت ايضا له دخالة في تحقق طبيعة الصلوة وانتزاع عنوانها ولكن بمرتبتها الكاملة فالمنتزع عنه لهذه المرتبة من الطبيعة هو جميع الاجزاء الواجبة والمستحبة ، ونفس الامر بالطبيعة يدعو إلى الاتيان بالقنوت ايضا من جهة كونه جزء لما ينطبق عليه عنوان المأمور به ببعض مراتبه ، والمكلف مخير عقلا في اتيان أي مرتبة منها أراد هذا حال الجزء .

ومنه يعرف حال الشرط أيضا مثل اتيان الصلوة في المسجد مثلا وبالجملة فما عده في الكفاية جزء أو شرطا للفرد يرجع إلى الجزئية أو الشرطية لمرتبة خاصة من الطبيعة المشككة فتدبر .

الامر العاشر اختلف الاصوليون

في جواز استعمال اللفظ المشترك في الاكثر من معنى واحد

وعدمه ، وقبل الخوض في المطلوب ينبغى ذكر مقدمتين ( الاولى ) ان استعمال اللفظ في الاكثر من معنى واحد يتصور على وجوه ( الاول ) ان يستعمل اللفظ في مجموع المعنيين بحيث يكون المراد من اللفظ هو المركب منهما ويكون كل واحد منهما جزء من المستعمل فيه ، نظير العام المجموعى المصطلح عند القوم .

( الثاني ) ان يستعمل في مفهوم مطلق يصدق على كل واحد من المعنيين ( الثالث ) ان يستعمل في معنى عام بنحو العموم الاصولي ويكون كل واحد من المعنيين فردا له ( الرابع ) ان يستعمل في كل واحد من المعنيين بحياله واستقلاله بان يكون كلمنهما بشخصه مرادا بحسب الاستعمال مثل ما إذا لم يستعمل اللفظ الا في واحد منهما .

( ولا يخفى ) ان محل النزاع في المسألة هو هذا القسم دون الثلثة الاول .


52

( المقدمة الثانية ) ان المراد بالجواز في عنوان المسألة يتصور على وجهين ( الاول ) ان يراد به الامكان العقلي في مقابل الاستحالة العقلية .

( الثاني ) ان يراد به الجواز اللغوى بمعنى عدم كون الاستعمال في الاكثر غلطا بحسب الوضع اللغوى وقواعد المحاورة في مقابل الاستعمال الغلط .

( يظهر ) من بعض ادلة المنع المعنى الاول ، ومن بعضها مثل ما في القوانين المعنى الثاني ( إذا عرفت هذا فنقول ) : ربما يستدل لعدم الجواز عقلا بان الاستعمال في المعنيين موجب للتناقض ، لان المعنى الموضوع له مقيد بالوحدة ، فمرجع الاستعمال في المعنيين استعماله في هذا وحده وذاك وحده وهما معا ، أما الاول فواضح ، وأما الثاني فلان المفروض استعماله في الاكثر من معنى واحد .

( اقول ) هل المراد بالوحدة هي الوحدة بحسب المهية أو بحسب الوجود أو بحسب مقام الاستعمال ؟ فان اريد الاول بمعنى كون المعنى الموضوع له مهية واحدة لا مهيتين ( ففيه ) ان ذلك امر صحيح ولا يلزم منه تناقض كما لا يخفى .

( وان اريد الثاني فيرد عليه ) ان الوجود ليس ماخوذا في المعنى الموضوع له ، إذ اللفظ يوضع بازاء نفس المفهوم فلا يلحظ الوجود فضلا عن وحدته وتعدده .

وان اريد الثالث فيرد عليه ) ان نحو الاستعمال غير مأخوذ في الموضوع له ، فانه امر مترتب على الوضع ومتأخر عنه رتبة إذ هو عبارة عن افناء اللفظ في معناه ، وقبل الوضع لا معنى له .

واستدل في الكفاية على الامتناع العقلي ( بما حاصله بتوضيح منا ) : ان حقيقة الاستعمال ليس مجرد جعل اللفظ علامة لارادة المعنى ، بل هو عبارة عنجعل اللفظ وجها وعنوانا للمعنى ، بل بوجه نفسه بحيث كانه هو الملقى فيكون اللفظ مرآتا للمعنى وفانيا فيه ، فيكون النظر إلى نفس المعنى واللفظ يكون مغفولا عنه ، نظير التوجه إلى المرآت ، فان المرآت ربما ينظر إليها بالنظر الاستقلالي ، فترى شيئا بحيالها فتكون مما ينظر فيها لتشخيص جنسها وتميز عيوبها لتشترى مثلا ، و ربما ينظر إليها بالنظر المرآتى فتكون في هذا اللحاظ مما ينظر بها إلى الصورة وتكون


53

نفسها مغفولا عنها في هذا اللحاظ ، وعلي هذا فلا يعقل استعمال للفظ الا في معنى واحد ، ضرورة ان لحاظه فانيا في معنى بحيث يكون التوجه إلى نفس المعنى ينافى لحاظه كذلك بالنسبة إلى معنى اخر مع وحدة اللفظ والاستعمال .

( وبالجملة ) فالاستعمال عبارة عن طلب عمل اللفظ في المعنى .

وكيف يمكن ان يكون اللفظ حال كونه عاملا في هذا المعنى وفانيا فيه ، عاملا في معنى اخر ! ( انتهى ) .

( أقول ) : قد عرفت سابقا ان عمل اللفظ في المعنى قد يكون افهاميا ، وقد يكون ايجاديا والاول على ثلثة اقسام والثانى على قسمين ، فالمجموع خمسة ولا يخفى ان ما ذكره ( قدس سره ) يجرى في بعض الاقسام ، ولكن جريانه في جميع الاقسام ولا سيما الايجادى منها مشكل فتدبر .

( ثم ان المهم ) في المسألة هو اثبات الجواز عقلا في قبال من ادعى الامتناع العقلي ، فلو ثبت الجواز عقلا فلا وجه للمنع عنه بحسب الوضع وان اصر عليه المحقق القمى ( قال ( قده ) في القوانين ) ( ما حاصله ) : ان اللفظ المفرد إذا وضع لمعنى فمقتضى الحكمة في الوضع أن يكون المعنى مرادا في حال الانفراد ، ( لا اقول ) ان الواضع يصرح بأنى اضع اللفظ لهذا المعنى بشرط الوحدة ولا يجب ان ينوى ذلك حين الوضع ايضا ، ( بل اقول ) انما صدر الوضع عنه مع الانفراد وفي حال الانفراد لا بشرط الانفراد حتى يكون الوحدة جزء للموضوع له ، فالمعنى الحقيقي للمفرد هوالمعنى في حال الوحدة لا المعنى والوحدة ، وعلي هذا فلا يجوز استعمال المفرد في غير حال الانفراد لا حقيقة ولا مجازا ( أما الاول ) فواضح ( واما الثاني ) فلان المجاز ايضا مثل الحقيقة في انه لا يجوز التعدي عما حصل الرخصة فيه من العرب بحسب نوعه .

ولم يثبت الرخصة منهم في هذا النوع من الاستعمال ( انتهى ) .

( أقول ) : ما هو شأن الواضع انما هو تعيين الموضوع له وبيان كيفية الاستعمال : من كونه ايجاديا أو افهاميا ، تصوريا أو تصديقيا .

وبمثل ذلك يفرق بين اضرب ، وطلب الضرب وطلبت منك الضرب مثلا ، حيث ان المقصود من وضع اللفظ في الاول أن يعمل في المعنى بنحو الايجاد ، وفي الثاني أن يعمل فيه بنحو الافهام التصورى ، وفي الثا


54

أن يعمل فيه بنحو الافهام التصديقي كما عرفت تفصيل ذلك في أنحاء الاستعمال ، فالواجب متابعة الواضع في تعيين الموضوع له وفي نحو الاستعمال وكيفيته : من كونه ايجاديا أو افهاميا بقسميه ، وأما إذا فرض ان الواضع وضع اللفظ لهذا المعنى ثم وضعه بوضع آخر لمعنى آخر ولم يلاحظ في الموضوع له قيد الوحدة ولم يكن مانع عقلي ايضا من استعماله في المعنيين ، فاى مانع من استعماله فيهما مع كون المستعمل فيه نفس ما وضع له ؟ إذ المفروض انه لم يستعمل في المجموع بما هو مجموع بل في هذا المعنى مستقلا ، وذلك المعنى مستقلا ، ولا نحتاج في هذا الاستعمال إلى ترخيص الواضع بعد كون الموضوع له طبيعة المعنى لا بشرط الوحدة وكون المستعمل فيه ايضا ذلك ( ثم انه ) على فرض عدم المانع من استعمال اللفظ في المعنيين لا عقلا ولا وضعا ، فهل يكون استعماله فيهما بطريق الحقيقة أو المجاز أو يفصل بين المفرد وغيره ؟ الظاهر انه بنحو الحقيقة مطلقا ، إذ المفروض عدم المانع من الاستعمال لا عقلا ولا بحسب الوضع ، والموضوع له في كل من الوضعين كما عرفت ليس الا نفس المعنى ، لا المعنى بقيد الوحدة ، والفرض ان المستعمل فيه ليس مجموع المعنيين بما هو مجموع بل نفس هذا المعنى باستقلاله وذلك المعنى كذلك ، فيكون اللفظ مستعملا في نفس ماوضع له فيكون حقيقة .

( وربما يتوهم ) كونه مجازا من باب استعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكل .

( ويرد عليه ) ان محل الكلام كما عرفت ليس صورة استعمال اللفظ في مجموع المعنيين بنحو العام المجموعى ، وانما النزاع فيما إذا كان اللفظ مستعملا في كل واحد من المعنيين بحياله واستقلاله ، بان يكون كل منهما بشخصه مرادا بحسب الاستعمال وموردا للاثبات والنفى .

( وبالجملة ) : ليس البحث في صورة فرض المعنيين معنى واحدا مركبا ، بل البحث في صوره لحاظ كل من المعنيين مستقلا في مقام الاستعمال ، ففى الحقيقة ينحل الاستعمال إلى استعمالين .

( وربما يتوهم ) كونه مجازا من باب استعمال لفظ الكل في الجزء بتقريب ان الوحدة


55

مأخوذة في الموضوع له فالاستعمال في المعنيين يوجب الغاء قيد الوحدة من المعنى ، فيصير اللفظ مستعملا في جزء المعنى .

( ويرد عليه ) ان الموضوع له كما عرفت هو طبيعة المعنى اللا بشرط من دون ان يؤخذ فيه قيد الوحدة .

( هذا كله ) بناء على مذاق القوم واما على ما بيناه في باب المجاز ( من عدم كون الاستعمال المجازى استعمالا للفظ في غير ما وضع له بل في نفس ما وضع له بعد ادعاء كون المراد الجدى من افراد الموضوع له ) فعدم المجازية هنا اوضح من ان يخفى ، إذ المفروض استعمال اللفظ في كل من المعنيين من دون ان يتوسط ادعاء في البين .

( واختار صاحب المعالم ) ( قدس سره ) كونه مجازا في المفرد وحقيقة في التثنية والجمع ، اما المجازية في المفرد فلما توهمه من اخذ قيد الوحدة في الموضوع له ، وقد عرفت ما فيه ، واما كونه حقيقة في التثنية والجمع فلانهما في قوة تكرير المفرد بالعطف ولا يعتبر فيهما ازيد من الاتفاق في اللفظ .

( ويرد عليه ) انه فرق بينهما وبين تكرير اللفظ ، فانه يوجد عند التكرير لفظانمستقلان فيمكن ان يراد بكل منهما معنى يخصه ، وهذا بخلاف التثنية والجمع ، فان علامة التثنية والجمع وضعت للدلالة على تعدد ما اريد من المفرد تعددا بحسب الوجود ، فهما تابعان للمفرد فان كان المستعمل فيه للمفرد معنى واحدا دلت العلامة على الفردين أو الافراد من هذا المعنى ، وان كان المستعمل فيه اكثر من معنى دلت العلامة على الفردين أو الافراد من كل من المعاني .

( والحاصل ) ان التثنية مثلا تنحل إلى المفرد وعلامة التثنية ، فالمفرد يدل على نفس المعنى والعلامة تدل على تعدد ما اريد من المفرد تعددا بحسب الوجود لا تعددا بحسب الاستعمال .

وبهذا البيان يظهر انه لو فرض اخذ قيد الوحدة في الموضوع له له لكانت باقية في التثنية والجمع ايضا ، إذ المراد بالوحدة المأخوذة في الموضوع له على فرض القول به هي الوحدة بحسب الاستعمال ، ولا ينافيها التعدد بحسب الوجود الذى هو مفاد التثنية والجمع فتدبر .

( ثم اعلم ) انه على فرض القول بجواز استعمال اللفظ في الاكثر من معنى واحد عقلا ووضعا ، وجب حمل المشترك عند الاطلاق على جميع معانيه إذا لم يكن في البين ما


56

يعين بعضها وذلك لما عرفت من كون هذا النحو من الاستعمال على فرض جوازه بنحو الحقيقة ، والمفروض عدم وجود قرينة معينة ، فلا محالة يكون المراد هو الجميع نظير العمومات المحمولة على جميع الافراد عند عدم القرينة على الخصوص .

( تنبيه ) قال في الكفاية ( ما حاصله ) ( لعلك تتوهم ان الاخبار الدالة على ان للقرآن بطونا سبعة أو سبعين تدل على وقوع استعمال اللفظ في اكثر من معنى واحد فضلا عن جوازه ، ولكنك غفلت عن انه لا دلالة لها اصلا على ان ارادتها كانت من باب ارادة المعنى من اللفظ ، فلعلها كانت بارادتها في انفسها حال استعمال اللفظ في معناه ، أو كان المراد من البطون لوازم المعنى المستعمل فيه ) .

( أقول ) : يرد على ما ذكره انه لا وجه لعد الصور الادراكية المتحققة في ذهن المخاطبحين استعمال اللفظ في معناه بطونا لهذا المعنى مع عدم الارتباط بينها وبين هذا المعنى ، وكذا عد لوازم المعنى بطوناله ايضا بلا وجه .

( ويمكن أن يقال ) : ان المراد بها عبارة عن المعاني المختلفة والمراتب المتفاوتة التى يستفاد من الايات بحسب اختلاف مراتب الناس ودرجاتهم ، فان ارباب النفوس الكاملة يستفيدون من الايات الشريفة ما لا يخطر ببال المتوسطين فضلا عن العوام وارباب النفوس الناقصة .

فالبطون السبعة أو السبعون اشاره إلى اصول المراتب الكمالية لنفوس البشر التى باختلافها يختلف مراتب الاستفادة من الايات القرآنية فافهم .

الامر الحاد يعشر

في المشتق

اتفقوا على ان تطبيق المشتق واجرائه على الموضوع يكون حقيقة فيما إذا كان بلحاظ حال التلبس بالمبدأ ، ومجازا فيما إذا كان بلحاظ انه يتلبس به بعد زمان التطبيق .

( وانما ) وقع الاختلاف فيما إذا كان بلحاظ كونه متلبسا به قبل زمان الجرى والتطبيق .

فقيل انه حقيقة ، وقيل بكونه مجازا ، واما زمان التكلم فلا دخل له في ذلك اصلا كما لا يخفى


57

( وقد مهد ) شيخنا الاستاد صاحب الكفاية ( في المقام ) مقدمات لا دخالة لواحدة منها في تحقيق اصل المسألة فالاولى ان نذكر قبل الشروع في المقصد مقدمات يتوقف عليها تميز الحق في المسألة .

( المقدمة الاولى ) العناوين المنتزعة عن الموجودات الخارجية ، اما ان تنتزع عنها باعتبار ذواتها وفي رتبتها ، واما ان تنتزع عنها باعتبار عوارضها وفي الرتبة المتأخرة عن حاق الذات ، ( فالقسم الاول ) عبارة عن الكليات الذاتية اعني النوع والجنس والفصل ، ( والقسم الثاني ) ايضا على قسمين ، فان العناوين العارضة اما ان تكون ملازمةلمعنوناتها غير مفارقة عنها ، واما ان تكون مفارقة بان تكون موجودة في بعض ازمنة وجود المعنونات ، والنزاع في مسألة المشتق انما يكون في القسم الثاني من القسمين الاخيرين كما لا يخفى وجهه .

( المقدمة الثانية ) اجراء مفهوم على مصداق وتطبيقه عليه لابد من ان يكون باعتبار وجود حيثية وجهة صدق في هذا الموجود تكون مفقودة في غيره بحيث لو جردت هذه الحيثية من كل ما اتحد معها وجودا من الحيثيات الذاتية والعرضية ووجدت مجردة من جميعها كانت فردا لهذا العنوان وانطبق هذا العنوان عليها ( 1 ) والا للزم ان يصدق كل عنوان على كلشئ أو يصدق على بعض دون بعض من غير جهة فارقة فيكون ترجحا بلا مرجح وكلاهما باطلان بالضرورة .

وكما لا تنتزع المفاهيم عن المصاديق الفاقدة للحيثية وجهة الصدق في جميع الازمنة لا تنتزع ايضا عما كان فاقدا لها في بعض الازمنة الا إذا انتزعت عنه باعتبار زمان وجود الحيثية ، ففى زمن مفقوديتها لا تنتزع عنه ولا تصدق عليه لكونه في هذا الحال مساويا لما فقد الحيثية في جميع الازمنة .

( فان قلت ) : هذا اول الكلام إذ الاعمى في هذه المسألة قائل : بان صرف وجود

( 1 ) وقد حقق في محله ان الحمل في قولنا ( كل جسم ابيض ) حمل شائع مجازى ، والحمل الشايع الحقيقي انما هو في مثل قولنا ( البياض ابيض ) اعني فيما إذا كان المحمول ذاتيا للموضوع وكان الاثار المترقبة من المحمول مترتبة على الموضوع .


58

الحيثية آنا ما كاف في صدق المفهوم على المصداق من زمن وجود الحيثية إلى الابد وان زال تلبسه ولم يتلبس في زمن الصدق .

قلت : كلام الاعمى يحتمل امرين ( الاول ) ان يكون مراده من ذلك ما هو ظاهر كلامه اعني كفاية وجود الحيثية آنا ما في صدق المفهوم على المصداق دائما .

( الثاني ) ان يكون مراده ان مبدأ المشتق إذا وجد في موضوع يصير سببا لتحقق حيثية انتزاعية وواعتبارية في هذا الموضوع باقية في جميع الازمنة وان زال نفس المبدء ، وباعتبار هذه الحيثية الانتزاعية يصدق المفهوم على المصداق لا باعتبار وجود نفس المبدء ، فليس ( القائم ) في ( زيد قائم ) مثلا حاكيا لثبوت القيام لزيد ، بل لوجود حيثية اعتبارية له ثابتة له من زمن تلبسه بالقيام إلى الابد ، وتلبسه بالقيام علة لحدوث تلك الحيثية الاعتبارية من دون ان تكون في بقائها محتاجة إليه ، مثلا كلمة ( قائم ) في هذا المثال ليس معناه ثبوت القيام لزيد ، بل كون زيد متصفا بانه ثبت له القيام في زمان ، وهذا المعنى الانتزاعي لا ينفك من زيد ابدا وان انفك منه القيام .

وعلى هذا فالبحث لغوى راجع إلى بيان معنى المشتق بحسب اللغة ، والنزاع على الاحتمال الاول كبروى ، إذ الاخصى يوجب وجود ملاك الصدق و حيثيته في زمان الانطباق ، والاعمى قائل : بكفاية وجوده آنا ما في الانطباق دائما .

واما على الاحتمال الثاني فصغروى ، إذ كلاهما قائلان على هذا بلزوم وجود حيثية الصدق وملاكه في زمن الانطباق الا ان الحيثية على قول الاخصى مبدأ المشتق ، وعلى قول الاعمى حيثية اعتبارية تعتبر في الموضوع في جميع الازمنة بعد تلبسه بالمبدأ آناما ، و الظاهر ان مراد الاعمى هو الثاني ولا يظن به كون مراده ما ذكرناه من الاحتمال الاول لما ذكرناه آنفا : من ان صدق المفهوم على موجود يتوقف على وجود حيثية في هذا الموجود بها يصدق عليه والا لزم صدق كل عنوان على كلشيئ أو الترجح من غير مرجح .

( المقدمة الثانية ) المبدء الذى يكون وجوده مدارا لانطباق المفهوم على المصداق اما حدوثا فقط واما حدوثا وبقاء ، اعم من ان يكون امرا حقيقيا متأصلا ( كالبياض ) مثلا أو انتزاعيا أو اعتباريا موجودا بوجود منشأ انتزاعه أو اعتباره ، ( كالابوة والبنوة والفوقية والتحتية وكالملكية والزوجية ) .


59

ثم ان بعض الامور الانتزاعية مما ينتزع قبل وجود منشأ انتزاعه كالاستقبال مثلا ، فانه ينتزع قبل وجود منشأ انتزاعه وهو مجئ المسافر ، وبعضها مما لا ينتزع الا بعد وجود منشائه ثم منه ما يفنى بفنائه فلا ينتزع بعده كالفوقية ، فانها تلازم ذات الفوق حدوثا وبقاء ، ومنه ما يبقى وينتزع بعد فناء المنشأ ايضا ( كالابوة ) فانها تنتزع بعد فوت الابن ايضا .

( المقدمة الرابعة ) هي ما ذكرناه في المقدمة الثانية جوابا عن الاشكال ، ( ومحصله ) انه يحتمل ان يكون مراد الاعمى ان وجود المبدء وحيثية الصدق في زمان كاف في انطباق عنوان المشتق على الموجود الخارجي في هذا الزمان وبعده إلى الابد من دون اعتبار حيثية اعتبارية باقية بعد زوال التلبس بالمبدء ، ويحتمل ان يكون مراده ان المبدء بعد تحققه آناما يصير منشئا لانتزاع حيثية انتزاعيه اعتبارية باقية إلى الابد ، وباعتبارها يصدق العنوان على المصداق لا باعتبار نفس المبدء ، فان كان مراده الاول كان البحث عقليا غير راجع إلى اللغة وعالم الالفاظ ، وقد عرفت ان المظنون عدم كون هذا مرادا له ، إذ لازمه صدق المفهوم على المصداق من دون وجود حيثية الصدق اعني المصداق بالذات وهو باطل بالضرورة .

على انه لا يجوز له على هذا الاحتمال ، الاستدلال على مختاره بالتبادر وعدم صحة السلب ونحوهما مما يرجع إليه في تعيين حقايق الالفاظ ومجازاتها ، لما عرفت من كون البحث على هذا عقليا .

( وان كان مراده الثاني ) فالبحث لغوى راجع إلى البحث في ان الفاظ المشتقات هل تكون موضوعة لان تستعمل في المتلبس بمبدئها باعتبار نفس المبدء حتى لا تستعمل فيه بعد انقضائه ، أو باعتبار حيثية اعتبارية باقية بعد انقضاء المبدء ايضا ، فيجوز تطبيقها عليه بعده ايضا ؟ وعلى هذا يجوز للاعمى ان يستدل لاثبات مطلوبه بعلائم الحقيقة والمجاز .

( والحاصل ) ان نزاع الاخصى والاعمى عليهذا يرجع إلى هذا البحث اللغوى فهذه اربع مقدمات يتوقف عليها بحث المشتق فتدبرها وانتظر ترتب النتيجة وقبل الورود في تحقيقها

( ينبغى التنبيه على امور )

( الاول ) ان ما ذكرناه في تصوير مراد الاعمى احسن مما ذكره بعض اعاظم العصر وحاصل ما ذكرناه ان الاعمى انما ينصرف في المشتق المحمول على الذوات بان حمله


60

عليها ليس باعتبار وجود نفس المبدأ ، بل هو باعتبار وجود حيثية اعتبارية فيها بعد تلبسها بالمبدأ آنا ما وتلك الحيثية باقية مادام الذات باقية .

( ومحصل ) ما ذكره هذا البعض : ان الذوات المحمولة عليها المشتقات يعتبر لها ثلثة ازمنة : زمن وجودها قبل التلبس بالمبدأ وزمن تلبسها به ، وزمن وجودها بعد انقضاء المبدأ عنها .

( والنزاع ) الواقع بين الاعمى والاخصى انما هو في ان ما وضع له الفاظ المشتقات هي الحصة من الذوات الموجودة حين تلبسها بالمبدأ ، ام هي مع الحصة الموجودة بعد انقضاء المبدأ عنها بعد اتفاقهما على عدم وضعها للحصة الموجودة قبل التلبس به ؟ .

( ووجه ) اولوية ما ذكرناه انه يلزم على زعم هذا المعاصر كون الموضوع له في المشتقات هو الذوات وهو كما ترى ، وسنذكر انشاء الله ان الذوات ليست مأخوذة في المشتقات .

( الامر الثاني ) ان النزاع في المسألة لا يتوقف على كون الزمان مأخوذا في معاني المشتقات بحسب الوضع ، لانها وان لم تكن زمانيات وضعا لكنها من الزمانيات طبعا حيث ان معاينها مما توجد في وعاء الزمان فيقع النزاع في انه هل يشترط فيها ان يكون زمان انطباقها على المصاديق مساويا لزمان التلبس ، أو لا يشترط بل يكون اشمل منه ؟ .

( الامر الثالث ) ان المراد بلفظ الاعم في عنوان المسألة ليس الاعم المنطقي ( أي الاشمل بحسب الافراد ) فان اجراء المشتق على الموجودات التى لم تتلبس بمبدئه في زمن من الازمان : من المضى والحال والاستقبال لا يصح الا مجازا على كلا القولين ، واجرائه على ما تلبس به آناما بنحو الحقيقة على كليهما ايضا ، الا ان زمان فردية كل فرد مساو لزمان التلبس والاتصاف على الاخصى ، واوسع منه ومما بعده على الاعمى ، فالمراد بالاعمية اوسعية زمان الفردية من زمن الاتصاف .

( الامر الرابع ) قال في الكفاية ( في المقدمة الاولى من المقدمات التى مهدها ) ما حاصله : ان النزاع لا يختص ببعض المشتقات ، غاية الامر اختلاف انحاء التلبسات حسبتفاوت مبادى المشتقات بحسب الفعلية والشأنية والصناعة والملكة ، وذلك لا يوجب تفاوتا في المهم من محل النزاع ( انتهى ) : ( اقول ) : يمكن ان يقال : ان اختلاف انحاء التلبسات امر ، واختلاف المبادى امر آخر


61

وليس الاول ناشئا من الثاني كما هو ظاهر كلامه .

( اما المبادى ) فعلى اقسام ، كما اشار إليها ، ففى بعضها اخذ الفعلية كغالب اسماء الفاعلين والمفعولين مثل ضارب وقائم ومضروب وامثالها ، وفي بعضها اخذ الشأنية كما تقول شجرة مثمرة ودواء مسهل ، وفي بعضها اخذ الملكة كالشاعر والمجتهد .

وفي بعضها اخذ جهة الحرفة والصناعة كالبقال والتاجر ، وفي بعضها اخذ الكثرة ( 1 ) واما انحاء التلبسات فهى ايضا مختلفة ، فان الضرب مثلا يتلبس بالفاعل من حيث صدوره عنه ، وبالمفعول من حيث وقوعه عليه .

وبالزمان والمكان من حيث وقوعه فيهما ، وباسم الالة من حيث كونها واسطة للصدور ( 2 ) ( وبالجملة ) اختلاف المبادى امر ، واختلاف انحاء التلبسات امر آخر ، وليس احدهما مربوطا بالاخر ، ( الامر الخامس ) قال في الكفاية ( في المقدمة الاولى ايضا ) ما حاصله : ان المراد بلفظ المشتق في عنوان المسألة ليس ما ذكره النحويون اعني اللفظ المأخوذ من لفظ آخر بحيث يتوافقان في الحروف الاصلية والترتيب ، بل المراد منه كل لفظ كان مفهومه جاريا على الذوات ومنتزعا عنها بملاحظة اتصافها بما خرج من حقيقتها ولو كان جامدا كالزوج والزوجة والحر والرق وامثالها .

ثم لو سلمنا كون المراد بلفظ المشتق في المقام ما ذكره النحويون ، فالبحث يجرى في تلك الجوامد ايضا ويشهد بذلك ما عن الايضاح ( في مسألة من كانت زوجتان كبيرتان

( 1 ) اقول لم يمثل لها سيدنا الاستاد العلامة ( مد ظله العالي ) ويمكن ان يمثل لها بصيغ المبالغة فان مباديها لو كانت مبادى اسماء الفاعلين من غير دخالة للكثرة فيها لزم صدق ضراب( على كلا القولين ) على من انقضى عنه كثرة الضرب ولكن يضرب قليلا ، إذ المبدء بعد باق ، مع ان الاخصى لا يلتزم بذلك اللهم الا ان يقال : ان الكثرة مفاد الهيئة كما لا يخفى .

ح ع ( 2 ) في جعل مبدأ اسم الفاعل ومبدء اسم الالة امرا واحدا ( كالضرب ) مثلا لعله مسامحة إذ لو كان مبدئه مبدأ اسم الفاعل لزم ان لا يصدق اسم الآلة على ما اعد لايجاد المبدء قبل ايجاده بها ، أو بعد انقضائه ، فلا يقال ( مسواك ) مثلا لما اعد للاستياك الا زمن الاستياك به وهو بعيد جدا نعم يمكن ان يقال - ان مبدئه عين مبدأ اسم الفاعل ولكن بتقريب آخر بان يقال - ان تلبس المبدء باسم الالة من حيث شأنيته لوقوع المبدأ بسببه والشأنية وصف فعلى لها .


62

ارضعتا زوجته الصغيرة ) حيث قال : تحرم المرضعة الاولى والصغيرة مع الدخول بالكبيرتين ( 1 ) واما المرضعة الاخرى ففى تحريمها خلاف ، فاختار والدى المصنف وابن ادريس تحريمها ، لان هذه يصدق عليها ام زوجته لانه لا يشترط في المشتق بقاء المشتق منه ( انتهى كلام صاحب الكفاية وما حكاه عن الايضاح ) .

( قلت ) : قد ذكرنا سابقا ( في المقدمة الرابعة ) ان مقصود الاعمى دائر بين امرين يكون البحث على الاول منهما عقليا ، وعلى الثاني لغويا ، فان كان مقصوده الاول فظاهر ان ملاك البحث جار في تلك الجوامد ايضا ، إذ العقل لو حكم بكفاية التلبس آنا ما في انطباق المفهوم على المصداق حينه وبعده فلا يفرق بين كون المفهوم مفهوما من لفظ مشتق أو من غيره .

وان كان مقصوده الثاني ، وصار البحث لغويا ، فلا يجرى في تلك الجوامد ( 2 ) إذ المبدء للصفات الجامدة مبدأ جعلى ماخوذ من لفظ الصفة بتغيير ما ( كالزوجية ) مثلا فانها عبارة عن كلمة الزوج مع زيادة الياء المصدرية والتاء الناقلة ، فلا يصح ان يطلق الصفة على شيئ مع انقضاء المبدأ عنه ، فان المبدأ ( ح ) هو نفس الصفة باى معنى استعملت ، فلا يصح ان يكون اقصر عمرا منها ، بل يحب ان يكونا متساويين فافهم .

( فان قلت ) لم حكمت بابتناء حرمة الكبيرة الثانية فقط على مسألة المشتق ، مع ان حرمة الكبيرة الاولى والصغيرة ايضا مبتنية عليها ، إذ حرمة الكبيرة الاولى من جهة كونها ام الزوجة ، وحرمة الصغيرة من جهة كونها بنت الزوجة ، ولما كان آن تحقق

( 1 ) الدخول بالكبيرة الثانية لادخالة له في حرمة الكبيرة الاولى والصغيرة ، ولا في جريان النزاع في الكبيرة الثانية ، اما الاول فواضح ، واما الثاني فلانها إذا ارضعتها تصير اما لها ، ولا يشترط في حرمتها الدخول ، وانما يشترط الدخول بالام في حرمة البنت والمفروض تحقق البنتية قبل ذلك بارضاع الكبيرة الاولى .

ح ع ( 2 ) اقول ان كان مراده الامر الثاني ايضا ، امكن جريان النزاع في تلك الجوامد ، لان الظاهر ان المراد بالمبدأ ليس كلمة الزوجية مثلا حتى يقال : انها كلمة ماخوذة من الزوج فتكون تابعة له في الصدق ويكونان متساويين ، بل المراد بالمبدأ ( الذى يصير التلبس به انا ما منشئا لاعتبار الامر الاعتباري الباقي بعد فناء المبدا ايضا ) هو نفس العلاقة الواقعية الواقعة بين الزوجين ، اعني حقيقة الزواج .

وبعبارة اخرى المبدا من مقولة المعنى لا من مقولة اللفظ .


63

الرضاع بشرائطه المعتبرة آن تحقق الامية والبنتية وانقطاع الزوجية كان حرمة الكبيرة من جهة صيرورتها ام من كانت زوجة في الآن السابق على آن الحرمة وكذلك حرمة الصغيرة من جهة صيرورتها بنت من كانت زوجة في الان السابق .

قلت : انقطاع الزوجية مما يحتاج في تحققه إلى العلة بالضرورة ، إذ الزوجية الموجودة لا ترتفع من غير سبب وبلا جهة ، ورتبة العلة مقدمة على رتبة المعلول بالبداهة ، وعلة انقطاعها فيما نحن فيه ليس الا الامية والبنتية ، ولما كانت الامومة والبنتية متضائفتين ( و من لوازم المتضائفين وجودهما في رتبة واحدة ) كان رتبتهما مقدمة على رتبة انقطاع الزوجية ، وهما في رتبة واحدة ، فالزوجية في رتبتهما باقية لكل من الام والبنت ، ولا ضير فيه إذ الدليل الدال على حرمة جمعهما في الزوجية انما يدل على حرمة الجمع في آن واحد ، لا فيرتبة واحدة .

( فان قلت ) : ما وجه التمثيل للمسألة بمثل هذه المسألة ، مع امكان التمثيل بما لو لو كانت له زوجة صغيرة فطلقها ، وبعد الطلاق ارضعتها زوجته الكبيرة ، أو كانت له زوجة كبيرة فطلقها ، وبعد الطلاق ارضعت زوجته الصغيرة .

( قلت ) : التمثيل بخصوص تلك المسألة من جهة كونها معركة للاراء باعتبار ما صدر فيها عن ابن شبرمة من الفتوى فراجع .

( الامر السادس ) قال في الكفاية في المقدمة الثانية ( ما حاصله ) : انه لا وجه لتخصيص النزاع ببعض المشتقات ، الا انه ربما يستشكل بعدم امكان جريانه في اسم الزمان ، لان الذات فيه ( وهى الزمان ) بنفسه ينقضى ويتصرم .

ويمكن حله بان انحصار مفهوم عام بفرد كما في المقام ، لا يوجب ان يكون وضع اللفظ بازاء الفرد دون العام ( انتهى ) .

( اقول اولا ) يمكن ان يقال : ان الالفاظ الدالة على زمن صدور الفعل ( كالمقتل والمضرب ونحوهما ) لم توضع لخصوص ظرف الزمان مستقلا ، حتى تكون مشتركا لفظيا بين الزمان والمكان ، بل وضعت هذه الالفاظ للدلالة على ظرف صدور الفعل زمانا كان أو مكانا ، فتكون مشتركا معنويا بينهما ، فيمكن النزاع فيها باعتبار كون بعض الافراد من معانيها ( وهو المكان ) قارا بالذات ، وبالجملة فليس الموضوع له في هذه الالفاظ امرا سيالا


64

بل الموضوع له

فيها

طبيعة لها افراد بعضها سيال وبعضها غير سيال فافهم .

( وثانيا ) ان الزمان وان كان من الامور الغير القارة ، ولكنه امر متصل ، والا لزم تتالى الانات ، وقد ثبت في محله بطلانه ، والاتصال يساوق الوحدة والتشخص ، فهو مع امتداده وتدرجه موجود وحداني يمكن ان يتلبس بالمبدأ ثم يزول عنه فيصير من مصاديق المسألة .

إذا عرفت هذه الامور وتلك المقدمات ، فنقول : ان الاقوال في المسألة كثيرة فقال بعضهم : ان المشتق حقيقة في خصوص المتلبس مطلقا .

واختار آخرون كونه حقيقةفي الاعم منه وممن انقضى عنه المبدأ مطلقا .

وفصل بعضهم بين ما كان مأخوذا من المبادى المتعدية إلى الغير وما لم يكن كذلك ، فالمتعدى حقيقة في الاعم ، واللازم حقيقة في خصوص المتلبس ، وقال بعضهم : ان محل النزاع ما إذا كان المشتق محكوما به ، ونقل الاتفاق على كونه حقيقة في الاعم ان كان محكوما عليه .

وقال بعضهم : انه حقيقة في اللاعم ان كان مبدئه مما ينصرم ، وفي الاخص ان كان مما يمكن بقائه وثباته ، وقد كان هذا القول وجيها عندنا في السابق ، ولكن الظاهر بطلانه ايضا والحق هو القول الاول ، وعمدة الدليل عليه هو التبادر .

تقريبه : انك قد عرفت في المقدمة الثانية والرابعة ان الاعمى اما ان يقول : ان وجود المبدأ آنا ما يكفى في صدق المفهوم على الذات ولو بعد انقضاء المبدأ ، من دون ان يكون صدقه بلحاظ حيثية اعتبارية باقية .

( واما ان يقول ) ان وجوده آنا ما يوجب تحقق حيثية اعتبارية باقية إلى الابد ، تكون هي الملاك للصدق والمحكية بلفظ المشتق دون نفس المبدأ ، ( اما الاول ) فباطل بالضرورة وقد عرفت بيانه وانه لا يظن بالاعمى ايضا ارادته ، فتعين ان يكون مراده الثاني ، وحينئذ فنقول : ان مقتضى قول الاعمى ان لا يكون مثل ( قائم ) حاكيا لتحقق حيثية القيام ، بل لحيثية منتزعة عن الذات بعد تلبسها بالقيام آنا ما ، مع وضوح ان المتبادر منه ليس الا من ثبت له القيام وقام به نفس المبدأ لا من ثبت له امر اعتباري غير منفك من الذات مادامت باقية ، وهكذا حال جميع المشتقات وهذا التبادر يثبت قول الاخصى وينفى سائر الاقوال فتدبر .

( ثم ان ) استعمال المشتق على ثلثة اوجه ( الاول ) ان يستعمل محمولا على الذات


65

للدلالة على اتحاد مبدئه مع الذات بحسب الوجود الخارجي ( كزيد ضارب ) .

( الثاني ) ان يستعمل لحكاية ذات تكون موضوعا لحكم من الاحكام والاشارة به إليها لعدم كونها معروفة عند المخاطب الا بهذا العنوان ، من دون ان يكون له دخل في ثبوتالحكم ، كما تقول : الواقف بباب الدار اكرمني .

( الثالث ) ان يستعمل موضوعا لحكم من الاحكام بحيث يكون الحكم لنفس حيثية المشتق ، ويكون عنوانه دخيلا فيه كقوله تعالى : ( السارق والسارقة فاقطعوا ايديهما ) وكقوله : ( الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مأة جلدة ) وكقوله : ( فاقتلوا المشركين ) وهذا ايضا على قسمين ، لان هذه الحيثية اما ان تكون من الحيثيات التى لها بقاء وثبات كالشرك مثلا واما ان لا يكون لها بقاء ، بل تحدث وتنصرم من فور ، فان كان لها بقاء وثبات كان ظاهر الدليل دوران الحكم مدارها حدوثا وبقاء كوجوب القتل المتعلق بالمشركين حيث ان الظاهر من الدليل دوران وجوب القتل مدار الشرك حدوثا وبقاء ، وان كانت مما تحدث وتنصرم فالحكم المتعلق بها اما ان يكون بحيث يمكن له بحسب طبعه ان يكون دائرا مدارها في الحدوث والبقاء ، واما ان لا يمكن له ذلك بحسب طبعه فعلى الاول يكون حكمها حكم الحيثيات الغير المتصرمة ، واما على الثاني فلابد من ان يكون الحكم دائرا مدارها في الحدوث فقط بمعنى كونها علة لثبوت الحكم لا لبقائه ، وذلك كوجوب الجلد في الزانى والقطع في السارق ، فان الزنا والسرقة امران يوجدان وينصرمان فورا ، ولا يمكن ان يكون الجلد والقطع بشرائطهما الشرعية دائرين مدارهما في البقاء ، فان كلامنهما يتوقف على مقدمات كثيرة التى منها ثبوت السرقة والزنا عند الحاكم بالبينة الشرعية مثلا ، لا اقول : ان المشتق يحمل حقيقة بلحاظ زمن الانقضاء ايضا ، بل اقول : ان حمله بلحاظ حال التلبس فقط ولكن الحكم ليس دائرا مداره حدوثا وبقاء ، بل هو دخيل في الحدوث فقط .

ومن هذا القبيل ايضا المحرومية من الامامة في قوله تعالى : ( لا ينال عهدي الظالمين ) فان اكثر افراد الظلم كفعل اكثر المحرمات مما يحدث وينصرم فلا معنى لدوران المحرومية من الامامة مداره حدوثا وبقاء ، وبعض افراده وان كان مما لا يتصرم كالشرك مثلا ، ولكن كلمة الظالمين جمع محلى باللام ، فيدل الاية الشريفة على محرومية كل من صدق علي


66

هذا العنوان باى جهة كان ، فيشمل كل من ارتكب مظلمة من المظالم الثابتة أو المتصرمة وحيث ان المتصرمة منها علة لحدوث المحرومية من دون ان تكون في بقائها دائرة مدارها كما عرفت وجهه ، فالثابتة منها ايضا كذلك بطريق اولى ، ومما يدل على كون اللام في المقام للاستغراق لا للعهد ان العهد انما يتمشى احتماله فيما إذا كان الاخبار بما وقع في الحال أو المضى ، وفيما نحن فيه ليس كذلك ، فان المخاطب بهذا الكلام هو ابراهيم الخليل ( ع ) وقد خوطب به قبل ان يوجد الظالمون من ذريته ويرتكبوا المظالم ، فيكون ظاهر الآية محرومية كل من يوجد ويصدق عليه هذا العنوان ، ويؤيد ذلك عظم قدر الامامة وجلالته ، بحيث لا يناسب ان تبذل لمن صدر عنه الظلم ولو قبل تقمصه بها .

( تبصرة ) مما يدل عليه الاية الشريفة هو ان الامامة من المناصب المفاضة من قبل الله تعالى وان تعيين الامام بيده .

والدال على هذا المعنى موارد من الاية الشريفة ، ( من ذلك ) قوله في صدرها ( انى جاعلك للناس اماما ) حيث دل على ان الجاعل والمعين لمستحقها هو الله ( الله اعلم حيث يجعل رسالته ) .

( ومن ذلك ايضا ) كلمة عهدي الدالة على ان الامامة عهد وميثاق بين الله وبين احد من خلقه وليس مجعولة بصرف اجتماع اراذل الناس واهل الهوى .

( ومن ذلك ) قوله : ( ومن ذريتي ) حيث استدعى ابراهيم من الله تعالى جعل الامامة في ذريته فتبصر .

( تذكرة ) اعلم ان في جميع تلك الوجوه التى مرت لاستعمال المشتق ، ان كان اجرائه على الذات وتطبيقه عليها باعتبار زمن تلبسها بمبدئه كان حقيقة وان كان هذا الزمان مقدما على زمان النطق أو مؤخرا عنه ، وان كان الاجراء والتطبيق باعتبار الزمن الواقع بعد التلبس أو قبله كان مجازا وان كان هذا الزمان عبارة عن زمان النطق ، فالمراد بالحال في عنوان المسألة حال الجرى والتطبيق لا حال النطق ، وعلي هذا فان حملنا المشتق على الذات بعد انقضاء المبدء عنها واثبتنا الحكم المعلق عليه لهذه الذات بعد الانقضاء لا يكون هذا الاثبات وذاك الحمل دليلين لقول الاعمى ، لاحتمال ان يكون الحمل بلحاظ حال التلبس واثباتالحكم بعد انقضاء المبدء من جهة كون الحكم دائرا مدار صدق المشتق حدوثا لابقاء كما في آيتى حد الزنا والسرقة كما تقدم فتذك


67

بقى في المقام امور اخر يجب ان ينبه عليها ( الاول ) مفهوم المشتق على ماحققة الشريف امر بسيط منتزع عن الذات باعتبار تلبسها بالمبدأ ولا يكون مركبا ، فمعنى ضاحك ليس شئ ثبت له الضحك بل هو لا يحكى الا نفس حيثية الضحك .

وقد افاد في وجه ذلك ما حاصله : ان مفهوم الشئ لا يعتبر في مفهوم الناطق مثلا والا لكان العرض العام مأخوذا في مفهوم الفصل فان الشيئية من العوارض العامة ، ولو كان المأخوذ

في مفاهيم المشتقات

مصاديق الشى ومعنونات هذا العنوان لزم انقلاب القضايا الممكنة إلى الضرورية ، فان في قولنا ( الانسان ضاحك ) مصداق الشئ الذى ثبت له الضحك هو الانسان فترجع القضية إلى قولنا ( الانسان انسان له الضحك ) ، وثبوت الشئ لنفسه ضروري ( انتهى ) .

وقد اورد عليه في الفصول ما حاصله انه من الممكن ان نقول ان المأخوذ فيها مفهوم الشئ وان كون الناطق فصلا مبنى على تجريده من مفهوم الشيئية في عرف المنطقيين وذلك لا يوجب كونه مجردا منه لغة .

ويمكن ايضا ان نقول ان المأخوذ فيها مصاديق الشئ ولا يلزم منه الانقلاب ، إذ المقصود في قولنا ( الانسان انسان له الضحك ) ليس اثبات الانسانية المطلقة للانسان حتى تكون ضرورية بل اثبات الانسانية المقيدة بالضحك وهى ممكنة خاصة ( انتهى ) .

وقال شيخنا الاستاد ( قده ) في الكفاية في رد ما ذكره صاحب الفصول اولا ( ما حاصله ) : انه من المقطوع به ان مثل الناطق قد اعتبر فصلا بلا تصرف في معناه ، والتحقيق ان مثل الناطق ليس بفصل حقيقي ، بل هو لما كان من اظهر خواص الفصل الحقيقي سماه المنطقيون فصلا ، وعليه فلا بأس باخذ مفهوم الشيئ في مثل الناطق إذ اللازم منه اخذ عرض عام فيعرض خاص ولا باس به .

( وقال قده في رد ما ذكره في الفصول ثانيا ما حاصله ) : ان المحمول ان كان ذات المقيد بحيث كان التقيد داخلا والقيد خارجا فدعوى لزوم الانقلاب بحاله ، واما إذا كان المقيد بما هو مقيد محمولا بنحو يكون القيد ايضا داخلا فقضية الانسان ناطق تنحل إلى قضيتين :


68

( احديهما ) قضية ( الانسان انسان ) وهى ضرورية ، ( والثانية ) قضية ( الانسان له النطق ) وهى ممكنة ( انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه ) .

( ونحن نقول ) : ما ذكره الشريف ( من بساطة مفهوم المشتق ) حق لامرية فيه ( دليلنا ) التبادر ، إذ المتبادر من لفظ الكاتب في ( زيد كاتب ) ليس الا حيثية الكتابة من دون ان يتصور مفهوم الشيئية أو ذات الموضوع ثانيا .

وليس قولنا ( زيد كاتب ) بمثابة قولنا ( زيد زيد الذى له الكتابة ) أو ( زيد شيئ له الكتابة ) لان الموضوع مكرر فيهما دون ( زيد كاتب ) بضرورة عند العرف .

( واما ما افاده الشريف ) في وجه ذلك فلا دلالة له على المقصود ، إذ غاية ما يلزم من اخذ الشيئ مفهوما أو مصداقا في المشتق ، كون المنطقيين خاطئين في عد الناطق فصلا ، وقضية ( زيد قائم ) مثلا ممكنة خاصة ، ولا يلزم من اخذه فيه محال عقلي ، وخطأ المنطقيين ليس امرا محالا وما ضمنا ان كان ما قاله المنطقيون يكون وحيا منزلا .

( واما ما افاده صاحب الكفاية في تحقيقه ) : من ان الناطق ليس فصلا حقيقيا بل فصل مشهورى باعتبار كونه من اظهر خواص الفصل الحقيقي ، ( ففيه ) انه يلزم على هذا ايضا تجريده من الشيئية ، فان ما هو من اظهر خواص الفصل الحقيقي للانسان ليس هو الشيئية المقيدة بالنطق ، بل نفس حيثية النطق ، وضم الشيئية إليه نظير ضم الحجر إلى جنب الانسان .

واما ما ذكره ثانيا : من ان المحمول لو كان ذات المقيد مع التقيد وكان القيد خارجا فدعوى الانقلاب بحالها ، ( ففيه ) ان ثبوت الذات المقيدة بقيد امكاني ليس ضروريا لنفسها ،نعم ان كان مراده ان القيد لا دخالة له في الحكم اصلا بل جئ به لمحض الاشارة إلى المحكوم به كان دعوى الانقلاب بحالها الا ان التقيد على هذا مثل نفس القيد في خروجه من المحكوم به ، هذا ، مضافا إلى انه خلاف موارد استعمال المشتقات ، إذ المراد من ( زيد قائم ) ليس اثبات أن زيدا زيد ويكون عنوان القيام للاشارة إلى زيد ، بل المراد اثبات القيام له .

واما ما ذكره ثالثا : من كون قضية ( الانسان ناطق ) منحلة إلى قضيتين ، فمردود ايضا إذ المقصود ليس الا اثبات امر واحد لموضوع فاردا عنى اثبات النطق للانسان أو اثبات الشيئية أو الانسانية المقيدة بالنطق له بناء على اخذ الذات في المشتق ، وليس المقصود


69

اثبات الانسانية للانسان واثبات النطق له ثانيا .

( ثم انه ) يلزم على القول باخذ مصاديق الشئ في المشتقات كون الوضع فيها عاما والموضوع له خاصا ، فان مصاديق الشئ امور غير متناهية لا يمكن لحاظها حين الوضع الا بعنوان جامع ، والفرض ان الفاظ المشتقات موضوعة لذوات المصاديق فيلزم ما ذكر .

( واعلم ) ان صاحب الكفاية ( قده ) بعد تصديقه بساطة مفهوم المشتق قد هدم اساسها عند قوله ( ارشاد ) حيث قال فيه ما حاصله : ان بساطة مفهوم المشتق لا تنافى كونه مركبا بالتحليل العقلي ، فان المعنى الواحد البسيط قد يحلله العقل إلى اجزاء فانه فاتق كل جمع ورتق ( انتهى ) .

( اقول ) : ان النزاع بين المحقق الشريف وبين خصمه ليس في بساطة مفهوم المشتق و تركبه عند النظر إليه اجمالا ، بل في بساطته وتركبه عند التحليل العقلي والنظر الدقيق الفلسفي كيف ! ولا ينسب إلى البلهاء ايضا النزاع في ان مفهوم المشتق هل هو بسيط أو مركب عند النظر الاجمالي والمسامحي ، فكيف ينسب إلى المحققين والمدققين .

الامر الثاني بعد ما ذكر من عدم اخذ الذات ولا النسبة في مفاهيم المشتقات وكونها دالة على نفسحيثية المبدأ بقى وجه الفرق بينها وبين المبادى ، ووجه صحة حملها على الذوات وعدم صحة حمل المبادى عليها مع كونهما بمعنى واحد .

وقد ذكروا في بيان الفرق بينهما ان مفهوم المشتق وان كان متحدا مع مفهوم المبدء بحسب الحقيقة ولكن يفترقان بحسب الاعتبار ، فمفهوم المشتق قد اخذ لا بشرط ومفهوم المبدأ مأخوذ بشرط لا ، وصرحوا بان المراد من اللا بشرطية والبشرط لائية هنا انما يكون بحسب الحمل .

اقول : ليس المراد منهما هيهنا ما ذكروه في باب اعتبارات الماهية : من انها قد تؤخذ بشرط لا وقد تؤخذ بشرط شئ وقد تؤخذ لا بشرط ، بل المقصود هنا ما ذكروه في بيان الفرق بين الجنس والفصل وبين المادة والصورة ، من اخذ الاولين لا بشرط والاخيرتين بشرط لا .

فالاولى عطف عنان الكلام إلى بيان ما ذكروه في ذلك المقام حتى يتضح به ما نحن فيه ، فنقو


70

( وبه نستعين ) ان المركبات على قسمين .

( القسم الاول ) ما يكون تركيبه انضماميا ومعنى التركيب الانضمامى ان يكون كل جزء من اجزاء المركب موجودا مستقلا مغايرا للجزء الاخر في مقام الوجود والتحصل ، ولكن اعتبر اتحادهما فتكون وحدة المركب وحدة اعتبارية مثل الدار والمدرسة مثلا ، فان كل واحد من اجزائهما مغاير لساير الاجزاء حقيقة ، ولكن عين الاعتبار تنظر إلى جميع الاجزاء بنظر الوحدة ، ففى هذا القسم من التركيب لا يصح حمل بعض الاجزاء على غيره ولا حملها على الكل ولا حمل الكل عليها ، لان مناط الحمل هي الهوهوية والاتحاد بحسب الوجود والمفروض عدمها في المقام .

( القسم الثاني ) ما يكون تركيبه اتحاديا ، ومعنى ذلك ان يكون وجود بعض الاجزاء في الخارج عين وجود غيره من الاجزاء الاخر وتحصله بعين تحصلها فيكون وحدة الاجزاء وحدة حقيقية وتغايرها بحسب الاعتبار كالانسان مثلا ، فانه مركب من الحيوانية والناطقية ولكنهما موجودتان بوجود واحد .

( ثم ان ) كل واحد من الاجزاء في هذا القسم ( اعني التركيب الاتحادي ) يمكن انيلحظ على نحوين ( الاول ) ان يلحظ بنحو الابهام في التحصل ، بحيث يحتمل اللاحظ ويجوز في لحاظه هذا ان يكون تمام تحصل هذا الجزء ما هو الملحوظ فعلا ، وان يكون ناقصا في تحصله ومتحدا مع غيره فيه بحيث يكون تحصله بعين تحصل ذلك الغير .

( الثاني ) ان يلحظ تام التحصل بنحو يرى اللاحظ في لحاظه هذا ان تمام هذا الجزء ما هو الملحوظ فعلا فيكون ملحوظا بحد جزئيته بحيث انه ان لحقه غيره كان يراه من منضماته وملحقاته لا من متممات تحصله فان لحظ بالنحو الاول صح حمل كل جزء على ساير الاجزاء وحملها على الكل وحمل الكل عليها بخلاف ما إذا الحظ بالنحو الثاني ( ولنذكر لوضوح المطلب مثالا ) وهو انك إذا كنت في بيروت واقفا على ساحل البحر الابيض وناظرا إلى الماء الذى يكون منه بمد نظرك ، فقد تكون ناظرا إلى الماء ( الذى بمد نظرك ) محدودا بالحدود المعينة المرئية من الطول والعرض بحيث لو سافرت من بيروت إلى جبل الطارق مثلا ورايت اتصال مائه بما رأيته اولا في بيروت ، حكمت بان ما رايته ثانيا مغاير لما رأيته اولا ولكنه منضم إليه ومتصل به ، ولا تحكم بانه عينه .


71

( وقد تكون ) ناظرا إليه من حيث هو ماء من غير لحاظ كونه محدودا بالحدود المعينة بحيث تحتمل ان يكون تمام تحصله ما هو بمد نظرك وان يكون متحدا مع غيره في التحصل وفى هذا الاعتبار تحكم على الماء المرئى في جبل الطارق بانه عين ما رأيته في بيروت ، إذ لم تره في الرؤية الاولى محدودا بالحدود المعينة المشخصة من الطول والعرض بل رأيته بنحو الابهام في التحصل .

فكما ان ماء البحر مع كونه موجودا واحدا ممتدا ، يكون رؤية بعض اجزائه على نحوين ويصح الحمل باعتبار احدهما دون الاخر ، فكذلك الموجود الواحد المركب بالتركيب الاتحادي مثل الانسان يكون لحاظ اجزائه على نحوين ، فان الحيوانية وكذا الناطقية ( تارة ) تلحظان بنحو الابهام من جهة التحصل بحيث لا يرى اللاحظ ( في لحاظه كلواحد منهما ) مانعا من ان يكون تحصله بعين تحصل الجزء الاخر ، وإذا رأى كونه متحصلا بعين تحصل الاخر حكم بانه هو لا انه غيره وانضم إليه ، وفي هذا الاعتبار يسميان بالجنس والفصل ويجوز حمل كل واحد منهما على الاخر وحمله على الانسان وحمل الانسان على كل واحد منهما .

( واخرى ) يلحظ كل واحد منهما على نحو يكون تام التحصل بحيث يكون تمام تحصله ما هو الملحوظ فعلا بحدوده واطرافه حتى انه إذا لحظ معه الجزء الاخر كان ( بهذا النظر ) تحصله مغايرا لتحصله وكان من ضمائمه ومقترناته وبهذا الاعتبار يسميان بالهيولى والصورة ، ولا يجوز في هذا اللحاظ حمل احدهما على الاخر ولا حمله على النوع ولا حمل النوع عليه ، لان المناط في الحمل هو الهوهوية والاتحاد ولم يحصلا في هذا اللحاظ .

وبالجملة فالجزء قد يلحظ بحد جزئيته وبما انه شئ بحياله وانه بانضمام شيئ آخر إليه يحصل الكل ، وقد يلحظ لا بحد الجزئية بل بنحو الابهام في التحصل وبما انه متحصل بعين تحصل الكل ، هذا هو مراد القوم مما ذكروه في بيان الفرق بين الهيولى والصورة وبين الجنس والفصل : من اخذ المفهوم في الاوليين بشرط لا ، وفي الاخيرين لا بشرط .

ومما ذكرنا ظهر لك المقصود مما ذكره بعض اهل المعقول : من ان الجنس والفصل ليسا من اجزاء المحدود بل من اجزاء الحد ، والوجه في ذلك ان كلا منهما في النوع المحدود عين الاخر وغير باق بحد الجزئية إذ قد لحظ كل منهما بحيث يكون تحصل


72

بعين تحصل الكل ومتحدا معه ، واما في مقام التحديد فيكون الملحوظ امرين وكل منهما جزء من الحد .

( ثم لا يخفى ) ان المراد من اللا بشرطية والبشرط لائية هنا ليس ما ذكروه في باب اعتبارات الماهية ( من اللا بشرطية والبشرط لائية والبشرط شيئية ) إذ المراد من البشرط لا مثلا في باب اعتبارات الماهية هو ان يتصور الماهية بالقياس إلى عوارضها الطارية عليها و تلحظ مجردة منها بحيث لا تتحد معها ولا تنضم إليها ، والمراد من البشرط لا في المقام هو انيلحظ الجزء بحد الجزئية وتام التحصل بحيث ان قارنه شئ كان من منضماته وملحقاته لا من متممات تحصله ، فالبشرط لا في المقام لا يابى انضمام امر آخر إليه وانما يابى كونه داخلا في الملحوظ ومتمما له في مقام التحصل وبهذا البيان يظهر الفرق بين اللا بشرطين في المقامين ايضا فتدبر .

( ثم اعلم ) ان قياس الفرق بين المشتق ومبدئه على الفرق بين الجنس والفصل وبين الهيولى والصورة يبتنى على تسليم امور ثلت ، ( الاول ) ان مفهوم المشتق عين مفهوم المبدء ذاتا من دون ان يكون النسبة والذات مأخوذتين في المشتق .

( الثاني ) ما ذكره المتأخرون من اهل المعقول : من ان وجود العرض بعين وجود معروضه وانه من شئونه ومراتبه ، لا ان له وجودا اخر ينضم إليه ويكون حالا فيه .

( الثالث ) ان الملاك في صحة الحمل ليس مجرد الاتحاد في الخارج ، بل اللازم في مقام الحمل لحاظ العرض المحمول بنحو الابهام في التحصل لئلا يابى الحكم باتحاده مع الموضوع ، لا بنحو التمامية في التحصل إذ يصير ( في هذا اللحاظ ) من منضماته المغايرة له ويابى الحكم باتحاده معه ، وبهذا البيان ظهر الفرق بين المشتق ومبدئه ، فان المشتق انما يلحظ بنحو الابهام ، بخلاف المبدأ فانه ملحوظ بما انه متحصل بنفسه وبحياله غاية الامر كونه من منضمات الموضوع ونواعته ، ولاجل ذلك يصح الحمل في المشتق دون المبدأ ( الامر الثالث ) قال في الكفاية : ( ان ملاك الحمل هو الهوهوية من وجه والمغايرة من وجه آخر .

) ( اقول ) : ملاك الحمل هو العينية والاتحاد بحسب اللحاظ ، وقد عرفت انهما


73

لا يتحققان الا إذا لحظ المحمول بنحو الابهام حتى لا يابى ان يكون تحصله بعين تحصل الموضوع ، ولا يلزم

في صحة الحمل

تغاير الموضوع والمحمول ، بل التغاير انما يعتبر لافادة الحمل ، فحمل الشئ على نفسه صحيح ولو لم يعتبر المغايرة بوجه ، ولكنه غير مفيد انلم يكن في البين مغايرة ، وبعبارة اخرى ليست المغايرة من شرايط صحة الحمل بل من شرايط افادته .

( الامر الرابع ) قد مر سابقا ان حمل عناوين المشتقات على المصاديق واجرائها عليها لابد من ان كون باعتبار وجود حيثية وجهة صدق في هذه المصاديق تكون مفقودة في غيرها مما لا تحمل عليها : فحمل ( العالم ) على زيد مثلا متوقف على وجود حيثية العلم فيه ولا يشترط زائدا على ذلك كون تلك الحيثية من عوارض الموضوع وزائدة على ذاته .

( فعلى هذا ) ان كانت هذه الحيثية عين ذات الموضوع كان صدق المشتق عليه بنحو الحقيقة ايضا ، فصدق العالم والقادر وساير الصفات الثبوتية على الله ( تعالى ) بنحو الحقيقة وان كان مباديها عين ذاته كما هو مختار اهل الحق خلافا للاشاعرة حيث توهموا ان الصفة يشترط فيها ان تكون من عوارض الموصوف ، فحكموا بكون صفاته ( تعالى ) زائدة على ذاته وبكونها قديمة كذاته ( تعالى ) حتى لا يلزم خلوه عنها في زمان ، وعلى قولهم تكون القدماء ثمانية ، الذات وسبع من الصفات ، وقد قال الامام الرازي : ان علمائنا حكموا بكفر المسيحية لما اعتقدوه من الاقانيم الثلث وهم قد اختاروا كون القدماء ثمانية ومع ذلك يعدون انفسهم موحدين .

ولما رأى المعتزلة بطلان القول بتعدد القدماء كما هو مختار الاشاعرة ، ولم يجوزوا القول ايضا بكونه تعالى في وقت من الاوقات جاهلا أو عاجزا مثلا ، ولم يتصوروا ايضا ما هو الحق المحقق من كون صفاته عين ذاته ، احتاجوا إلى القول بالنيابة فقالوا : ان صفاته حادثة وانه تعالى قبل حدوث هذه الصفات له وان لم يكن موصوفا بهذه الصفات ، ولكن ذاته كانت نائبة عن هذه الصفات فكانت الاشياء منكشفة له مثلا من دون ان يثبت له وصف العلم ، قال في المنظومة : والاشعرى بازدياد قائلة وقال بالنيابة المعتزلة ( والحق عندنا كما مر ) ان صفاته عين ذاته وان صدق المشتقات عليه تعالى بنحو الحقيقة


74

إذ المناط في صدق المشتق ليس الا تحقق حيثية المبدأ ، ولا يشترط زائدا على ذلك كونه زائدا على الذات ، فليس معنى عالميته مثلا الا وجود ما هو حقيقة العلم له وهى انكشاف الاشياء له وحضورها لديه ، وليس العلم سوى الانكشاف التام ، وكذلك لا معنى لقدرته الا كونه بذاته بحيث يصدق عليه انه ان شاء فعل وان لم يشأ لم يفعل ، وليس شرطا في صدق القادر كون القدرة موجودة بحيالها في قبال وجود الذات ، وكذلك معنى القديم ليس الا ان الذات لا مبدأ لوجودها ، وليس شرطا في صدقه كون القدم شيئا موجودا بحياله ، وكذلك الحيوة فان معناها كون الذات بحيث يترتب عليها آثارها المطلوبة منها من العلم والقدرة وساير الصفات والافعال وقس عليها ساير الصفات ، مثلا ان قلت ( زيد شجاع ) فليس معناه ان زيدا شئ وان الشجاعة شئ اخر موجود بحياله ، بل معناه ان ذات زيد تكون بحيث يصدر عنها اثار القوة ، وليس قوتها موجودة بوجود زائد على وجودها فتدبر .

المقصد الاول

في الاوامر

قد يقال : انها جمع آمرة صفة لموصوف محذوف ، أي صيغة آمرة أو كلمة آمرة ، ( وفيه نظر ) لعدم مساعدة العرف على ذلك ، فان المتبادر من قوله ( وخالفت بعض اوامرك مثلا ) ليس انى خالفت بعض صيغ امرك ، بل المتبادر منه انى خالفت بعض مطلوباتك فالحق انها جمع امر على خلاف القياس ، كما ان ( امور ) جمعه بمعناه الجمودى ولكن على وفق القياس .

ثم ان في هذا المقصد فصولا الفصل الاول فيما يرجع إلى مفاد مادة الامر وصيغته ، وفيه مباحث ( المبحث الاول ) في مادة الامر وقد ذكروا لها معاني عديدة : ( فمنها ) الطلب كقولهم : آمرك بكذا ( ومنها ) الشأن كما يقال : شغله امر كذا ( ومنها ) الفعل كما في قوله ( تعالى ) : وما امر فرعون برشيد .

( ومنها ) الفعل العجيب كما في قوله تعالى : فلما جاء امرنا ( ومنها ) الشيئ كما تقول : رايت اليوم امرا عجيبا ( ومنها ) الحادثة ، ( ومنها ) الغرض كما تقول جاء زيد لامر كذا


75

قال في الكفاية : ( ان عد بعضها من معانيه من باب اشتباه المصداق بالمفهوم ) ثم اختار كونه مشتركا لفظيا بين اطلب وبين الشئ ( 1 ) ( اقول ) : الظاهر فساد القول بكونه بمعناه الجمودى مرادفا للشئ ، إذ الشيئية من الامور العامة المطلقة على الجواهر والاعراض بأسرها ، واطلاق الامر على الجواهر بل على بعض الاعراض فاسد جدا ، فلا يقال مثلا ( زيد امر من الامور ) ولعل معناه الجمودى عبارة عن الفعل .

( ثم لا يخفى ) ان عدا لفعل العجيب من معانيه لعله من جهة الاشتباه بالامر ( بكسر الهمزة ) فانه بمعنى العجيب كقوله تعالى ( لقد جئت شيئا امرا .

( وليعلم ) ايضا ان الامر في قوله تعالى ( وما امر فرعون برشيد ) وفي قوله ( فلما جاء امرنا ) ما استعمل الا في معنى الطلب كما لا يخفى .

المبحث الثاني هل يعتبر فيه باعتبار معناه الاشتقاقى اعني الطلب علو الآمر أو استعلائه أو هما معا أو احدهما على سبيل منع الخلو أو لا يشترط شيئ منهما ؟ لكل وجه ، ( والتحقيق ان يقال ) : ان حقيقة الامر بنفسه تغاير حقيقة الالتماس والدعاء لا ان المغايرة بينهما باعتبار كون الطالب عاليا أو مستعليا أو غيرهما .

بيان ذلك ان الطلب بنفسه ينقسم إلى قسمين ( القسم الاول ) الطلب الذى قصد فيه الطالب انبعاث المطلوب منه من نفس هذا الطلب بحيث يكون داعيه ومحركه إلى الامتثال صرف هذا الطلب ، وهذا القسم من الطلب يسمى امرا ( القسم الثاني ) هو الطلب الذى لم يقصد الطالب فيه انبعات المطلوب منه من نفس طلبه ، بل كان قصده انبعاث المطلوب منه من هذا الطلب منضما إلى بعض المقارنات التى توجب وجود الداعي في نفسه كطلب المسكين من الغنى ، فان المسكين لا يقصد انبعاث الغنى من نفس طلبه وتحريكه لعلمه بعدم كفايه بعثه في تحرك الغنى ، ولذا يقارنه ببعض ماله دخل في انبعات الغنى

( 1 ) اقول ربما يقال بتصوير الجامع بين المعنى الجمودى والمعنى الاشتقاقى ، ويحكم بكون الاشتراك في المقام معنويا فيقال ان كلمة الامر موضوعة لما يظهر الارادة ويبرزها تكوينية كانت أو تشريعية فهو بمعناه الجمودى مظهر للارادة التكوينية وبمعناه الاشتقاقى مظهر للارادة التشريعية فت

76

كالتضرع والدعاء لنفس الغنى ووالديه مثلا ، وهذا القسم من الطلب يسمى التماسا أو دعاء .

فعليهذا حقيقة الطلب على قسمين ، غاية الامر ان القسم الاول منه ( أي الذى يسمى بالامر ) حق من كان عاليا ومع ذلك لو صدر عن السافل بالنسبة إلى العالي كان امرا ايضا ولكن يذمه العقلاء على طلبه بالطلب الذى ليس شأنا له فيقولون : اتأمره ، كما ان القسم الثاني يناسب شأن السافل ، ولو صدر عن العالي ايضا لم يكن أمرا فيقولون لم يأمره بل التمس منه ويرون هذا تواضعا منه .

( وبالجملة ) حقيقة الطلب منقسمة إلى قسمين : طلب يسمى امرا وطلب يسمى التماسا أو دعاء ( 1 ) والقسم الاول منه يناسب العالي لا ان كون الطالب عاليا مأخوذ في مفهوم الامر حتى يكون معنى آمرك بكذا ، اطلب منك وانا عال .

المبحث الثالث في حقيقة الطلب وانه هل يكون متحدا مع الارادة أو مغايرا لها ، وقد ذكر في الكفاية في هذا لا مقام مسألة كون المادة موضوعة للوجوب أو الندب ، ولكنا نؤخرها إلى المبحث الرابع لتوقفها على فهم حقيقة الطلب .

ولابد لنا قبل الخوض في المقصود من بيان ما هو مطرح انظار الاشاعرة والمعتزلة في النزاع في هذه المسألة ، والاشارة الاجمالية إلى مبدأ وجود مذهبي الاعتزال والاشعرية ، ( فنقول ) قد كان البحث عن ذات الباري تعالى وحقائق صفاته دائرا بين حكماء العجم والروم بل سائر الناس قل ظهور الاسلام ، ولكن طلوع نير الاسلام قد جب هذه المباحث فكان الصحابة رضوان الله عليهم يتلقون معتقداتهم في تلك المسائل بنحو الاندماج من النبي صلى الله عليه وآله والقرآن إلى زمان التابعين ، وفي زمنهمقد كثر القتال بين المسلمين وبين الكفار واختلط المسلمون بالاسراء من الكفار ، فالقى تلك الاسراء ما كانوا يعلمونه من قبل ، ( 2 ) في مجالس المسلمين ومحافلهم ، وتلقاه المسلمون

( 1 ) وبعبارة اخرى حقيقة الامر عبارة عن قسم خاص من الطلب يعبر عنه بالفارسية ( فرمان ) وحقيقة الالتماس عبارة عن قسم آخر منه يعبر عنه ( خواهش ) ح ع ( 2 ) اقول بل لعل المتتبع في كتب التاريخ يطمئن بان اكثر الفتن والمذاهب المختلفة في الديانة الاسلامية انما نشأت من جهة القاء اسراء الكفارة من العجم وغيرهم جميع ما كانوا يعتقدون من الاصول والفروع ، بين المسلمين والمؤمنين بالقرآن .


77

وباحثوا فيما تلقوه منهم في حلقاتهم التى كانوا يؤسسونها للمناظرات الدينية ، فممن اسس حلقة بين المسلمين الحسن البصري ( اسير عين التمر ) وكان هو رئيسا في الحلقة ، وكان يذاكر تلامذته في المسائل الكلامية ، وقد وقع يوما من الايام بينه وبين واصل بن عطا ( احد من تلامذته ) مشاجرة في مسألة ، فاعتزل ابن عطا عن حلقته واسس لنفسه حلقة و خالف في اكثر المسائل استاذه ، ومن هنا وجد مذهب الاعتزال ، وكان ممن وافق الحسن البصري في معتقداته ابو الحسن الاشعري ( من احفاد ابى موسى الاشعري وتلميذ ابى على الجبائى ) ، وكان ابو الحسن معاصرا للكليني ( ره ) ، وكان في الاصل معتزليا ثم اختار مذهب الحسن البصري وتاب عن الاعتزال ، لما رأى من اضمحلال المعتزلة ، وبه نسبت الطائفة الاشعرية تابعوا الحسن البصري .

( ثم اعلم ) ان اول مسألة اختلف فيها بين الاشاعرة والمعتزلة مسألة تكلم الباري تعالى وكان غرضهم من هذا النزاع اثبات ان القرآن حادث أو قديم ، وقد سفكت الدماء الكثيرة على هذه المسألة ، وكان بعض الخلفاء العباسية كالمأمون مثلا مائلا إلى مذهب الاعتزال فكانوا يحبسون من يعتقد قدم القران من الاشاعرة ويؤذونهم على ذلك .

ولما كان مسألة تكلم الباري اول مسألة وقع فيها البحث من المسائل الكلاميةسمى العلم الباحث في الاصول الدينية بعلم الكلام ، وبالجملة اول مسألة اختلف فيها بينهما مسألة تكلم الباري فقالت المعتزلة وتبعها الامامية : انه من صفات الفعل ، إذ هو عبارة عن ايجاده تعالى اصواتا في احد من الموجودات كالشجرة مثلا فيكون حادثا ، وقالت الاشاعرة : انه من صفات الذات فيكون قديما من القدماء الثمانية .

( واستشكل عليهم المعتزلة ) بان المراد من التكلم ليس الا ايجاد الاصوات والحروف فلا يتصور كونه من صفات الذات .

( واجاب الاشاعرة ) بان المراد من الكلام لس هو الكلام اللفظى بل الكلام النفسي الذى هو صفة نفسانيه للمتكلم ، ويكون هو المنشأ للكلام اللفظى ، ويكون الكلام اللفظى حاكيا له ودالا عليه دلالة المعلول على علته والمسبب على سببه ، ولا يختص ذلك بالبارى تعالى بل لنا ايضا كلام لفظي يكون من صفات الفعل وهو الملتئم من الاصوات


78

والحروف ، وكلام نفسي قائم بانفسنا نظير سائر الصفات النفسانية ، ويسمى هذا الكلام النفسي طلبا حقيقيا ان كان الطلب اللفظى امرا ، وزجرا حقيقيا ان كان اللفظى نهيا .

واستشكل عليهم المعتزلة ثانيا بانا لا نجد بعد مراجعة الوجدان غير صفة العلم والارادة والكراهة شيئا قائما بأنفسنا يكون منشئا للكلام اللفظى حتى نسميه بالكلام النفسي أو الطلب الحقيقي أو الزجر الحقيقي ، فان الكلام اما ان يكون اخبارا واما ان يكون انشاء ، وما يكون موجودا في نفس المتكلم حين الاخبار هو العلم بالنسبة ، وما يكون موجودا في نفسه حين الانشاء هو الارادة ان كان الانشاء امرا ، والكراهة ان كان نهيا ، ولا يمكن ان يكون المراد من التكلم ( الذى هو من صفات الله تعالى ) العلم أو الارادة أو الكراهة ، إذ المقصود اثبات التكلم له في قبال اثبات العلم والارادة والكراهة له تعالى ، فما هو مدار كلام الاشاعرة ومختارهم هو ان للمتكلم بالكلام اللفظى صفة قائمة بنفسه سوى العلم والارادةوالكراهة نسميها بالكلام النفسي ، ويسمى طلبا حقيقيا في خصوص الاوامر وزجرا حقيقيا في خصوص النواهي ، ويكون هذا الزجر الحقيقي منشئا للزجر الانشائى وذاك الطلب الحقيقي منشئا للطلب الانشائى وذلك الكلام النفسي منشئا للكلام اللفظى ، وقد قالوا : ان الكلام لفى الفؤاد وانما جعل اللسان على الفؤاد دليلا ، وما هو محط نظر المعتزلة نفى تلك الصفة النفسانية المغايرة للعلم والارادة والكراهة بدعوى ان الموجود في اذهاننا عند الاخبار هو صفة العلم فقط .

وعند الامر أو النهى هي الارادة أو الكراهة فقط وليس في اذهاننا في قبال العلم والارادة والكراهة شئ يسمى بالكلام النفسي أو الطلب الحقيقي أو الزجر الحقيقي ، وبالجملة نزاع الفريقين انما هو في ثبوت صفة نفسانية في قبال العلم والارادة و الكراهة ، فالمعتزلة تنفيها وتقول : ان المنشأ للكلام اللفظى ليس سوى العلم أو الارادة أو الكراهة ، والاشاعرة تثبتها وتقول : انها المنشأ للكلام اللفظى والامر والنهى ، فاتضح بذلك ان النزاع بينهما لا يكون لغويا : بان ينازعوا في ان لفظي الطلب والارادة هل يكونان مترادفين أو يكون لكل منهما معنى مغاير لمعنى الاخر ولا يكون ايضا مقصود هما من النزاع هو التفحص والدقة في ان المفهوم الذى تصورناه اجمالا


79

وعلمنا بالاجمال انه الموضوع له للفظ الارادة هل هو عين ما تصورناه اجمالا وعلمنا انه الموضوع له للفظ الطلب أو مغاير له ، بل النزاع بينهما في ثبوت صفة نفسانية فالاشاعرة يثبتون صفة نفسانية في قبال العلم والارادة والكراهة تسمى هذه الصفة في باب الاوامر طلبا فيكون حقيقة الطلب ( الذى هو صفة نفسانية ) عندهم مغايرة لحقيقة الارادة التى هي ايضا صفة نفسانية ، واما العدلية والمعتزلة فينكرون ثبوت تلك الصفة النفسانية فيكون الطلب عندهم متحدا مع الارادة ، لا بمعنى ان لنا طلبا وارادة يكونان من صفات النفس وقد اتحدا ، بل بمعنى انه لا طلب لنا يكون من صفات النفس في قبال الارادة هذا ، ثم ان العالم المحقق الشيخ محمد تقى الاصفهانى صاحب الحاشية لما صادف عنواناتحاد الطلب والارادة ولم يتتبع حتى يظهر له ما هو مطرح النزاع بن الفريقين ، وكان المتبادر إلى ذهنه من لفظ للطلب الطلب الانشائى ومن لفظ الارادة الصفة النفسانية الخاصة ، حكم بتغاير الطلب والارادة وتخيل انه وافق في هذه المسألة الاشاعرة وخالف المعتزلة والامامية ( 1 ) مع وضوح انهم لم ينازعوا في ان الطلب الانشائى هل هو مغاير للارادة النفسانية أو متحد معها فيختار الاشعري التغاير والمعتزلي الاتحاد ، إذ التغاير بينهما اظهر من الشمس وابين من الامس .

بل نازعوا ( كما عرفت ) في ثبوت صفة نفسانية في قبال العلم والارادة والكراهة ، وكان نزاعهم نزاعا مذهبيا إذ كان مقصودهم اثبات ان القرآن الذى هو كلام الله حادث أو قديم ، فما فهمه هذا المحقق من عنوان اتحاد الطلب والارادة و تخيل انه مطرح انظار الاشاعرة والعدلية بعيد عن الصواب ويكون ناشئا من عدم تتبع تاريخ المسألة وما هو محط نظر المتنازعين فيها ( ثم ان ) لشيخنا الاستاد المحقق الخراساني

( 1 ) اقول قال حفيده المرحوم الشيخ محمد رضا الاصفهانى في الوقاية ما هذا لفظه .

والعلامة الجد لم يخالف العدلية في ذلك ولم يجنح إلى قول الاشاعرة قط بل هو من الد اعداء هذه المقالة واشد من خاصمهم وقد قال في بحث مقدمة الواجب ( بعد ما بين مذهب العدلية من ان حقيقة الطلب عندهم هي الارادة المتعلقة بفعل الشيى أو تركه ) ما نصه : وقد خالف في ذلك ذلك الاشاعرة فزعموا ان الطلب امر آخر وراء الارادة وجعلوه من اقسام الكلام النفسي المغاير عندهم للارادة والكراهة وقد عرفت ان ما ذكروه امر فاسد غير معقول مبنى على فاسد اخر اعني الكلام النفسي ( انتهى ) فلينظر المنصف ( إلى اخر ما في الوقاية فراجع ) .


80

هيهنا بيانا طويلا في الكفاية زعمه اصلاحا بين الاشاعرة والعدلية مع فساد ما ذكره اولا ، وعدم ارتباطه بما هو محط نظر المتنازعين ثانيا وهو ( ره ) وان كان قد يقرب في ضمن بيانه إلى ما هو محط نظر المتنازعين خصوصا عند قوله ( فان الانسان لا يجد غير الارادة القائمة بالنفس صفة اخرى قائمة بها يكون هو الطلب غيرها ) الا ان ملاحظة مجموع كلامه منالصدر إلى الذيل توجب الاطمينان بعدم كون مطرح النزاع معلوما له خصوصا بعد ارادته الاصلاح بين الطرفين بما ذكره تحقيقا للمطلب .

و حاصل ما ذكره ان لفظي الطلب والارادة موضوعان بازاء مفهوم واحد ولهذا المفهوم الواحد نحو ان من الوجود : الوجود الحقيقي وهو وجوده في النفس ، والوجود الانشائى وهو المنشأ بالصيغة ، فالطلب والارادة متحدان في المفهوم والوجود الحقيقي والوجود الانشائى .

غاية الامر ان لفظ الطلب ينصرف عند اطلاقه إلى وجوده الانشائى ، ولفظ الارادة ينصرف إلى وجودها الحقيقي ، وهذا لا يوجب المغايرة بين اللفظين في المفهوم نعم وجود هذا المفهوم الواحد بالوجود الانشائى ( الذى ينصرف إليه لفظ الطلب ) مغاير لوجوده الحقيقي ( الذى ينصرف إليه اطلاق لفظ الارادة ) ، وعلى هذا يمكن ان يصلح بين الطرفين بان يقال : ان مراد العدلية من الاتحاد ما ذكرناه من اتحادهما في المفهوم وفي كلا الوجودين ، ومراد الاشاعرة من التغاير ما ذكرناه من ان ما ينصرف إليه اطلاق لفظ الطلب ( اعني الوجود الانشائى لهذا المفهوم ) مغاير لما ينصرف إليه اطلاق لفظ الارادة ( اعني الوجود الحقيقي لهذا المفهوم ) ( انتهى ) .

( اقول ) قد عرفت ان نزاع الاشاعرة والعدلية ليس في ان لفظي الطلب والارادة هل وضعا بازاء مفهوم واحد أو يكون لكل منهما معنى غير ما للاخر ، إذ البحث عليهذا لغوى مربوط بعلم اللغة ، بل النزاع بينهما في انه هل يكون عند التكلم بالكلام اللفظى صفة قائمة بنفس المتكلم تكون منشئا للكلام اللفظى سوى العلم والارادة والكراهة أو لا تكون في نفسه صفة وراء هذه الثلثة ؟ وعلي هذا يكون البحث كلاميا ، ولا يقبل هذا النزاع اصلاحا ولعله اشار إلى هذا بقوله ( في اخر كلامه ) فافهم .

( ثم اعلم ) ان ما ذكره ( من اتحاد الطلب والارادة مفهوما وخارجا وانشاء ) فاسد من اصله فان لفظ الارادة موضوع لصفة خاصة من صفات النفس ، والصفات النفسانية من الامور


81

الحقيقية التى يكون بحذائها شئ في الخارج فلا تقبل الوجود الانشائى لاباء الامور الحقيقية هذا النحو من الوجود بخلاف الطلب فان له معنى قابلا لان يوجد بالانشاء وهو البعث و التحريك ، ( وبعبارة اخرى ) الموجودات على قسمين ( الاول ) ما يكون له وجود حقيقي في الخارج بحيث يكون بازائه شئ فيه كالانسان والحيوان والبياض ونحوها ( الثاني ) ما لا يكون كذلك بل يكون وجوده بوجود منشأ انتزاعه ، وهذا القسم يسمى بالامور الانتزاعية ، وهى ايضا على قسمين ( الاول ) ما ينتزع عن الامور الحقيقية بحيث لا يحتاج في انتزاعه إلى فرض الفارضين واعتبار المعتبرين كالفوقية والتحتية والابوة والبنوة ونحوها ( الثاني ) ما ينتزع عن الاعتبارات والانشائات كالملكية والزوجية والسلطنة والحكومة ونحوها ، فهذه اقسام ثلثة ، والقسم الاول والثانى لا يقبلان الانشاء ، وما يقبله هو القسم الثالث ، ومفهوم الارادة ( التى هي صفة من صفات النفس ) من القسم الاول فلا تقبل الانشاء بخلاف الطلب فان له معنى قابلا لان ينشأ ، إذ ليس معناه سوى البعث و التحريك نحو العمل ، وكما انهما يحصلان بالتحريك الفعلى بان يأخذ الطالب بيد المطلوب منه ويجره نحو العمل المقصود فكذلك يحصلان بالتحريك القولى بان يقول الطالب : اضرب أو اطلب منك الضرب أو آمرك بكذا مثلا ، فقول الطالب : ( افعل كذا ) ، بمنزلة أخذه بيد المطلوب منه وجره نحو العمل المقصود ، ( والحاصل ) ان حقيقة الطلب مغايرة لحقيقة الارادة ، فان الارادة من الصفات النفسانية بخلاف الطلب ، فانه عبارة عن تحريك المطلوب منه نحو العمل المقصود : اما تحريكا عمليا مثل ان ياخذ الطالب بيده ويجره نحو المقصود أو تحريكا انشائيا مثل افعل كذا ، ولا ارتباط لهذا المعنى ( بكلا قسميه ) بالارادة التى هي من صفات النفس ( نعم ) الطلب ( بكلا معنييه ) مظر للارادة ومبرز لها ، فمن اراد من عبده تحقق فعل خاص أو وجود مقدماته بقصد التوصل بها إلى الفعل ، قد يحركه نحو الفعل تحريكا عمليا ، وقد يقول له ( افعل كذا ) مريدا بهذا القول تحقق ذاك التحريك ، فمفاد افعل تحريك تنزيلي يعبر عنه بالطلب الانشائى .

( ولا يتوهم ) مما ذكرنا ( من اختلاف الطلب والارادة مفهوما ) موافقتنا الاشاعرة ، إذ نزاع الاشاعرة مع العدلية ( كما بيناه ) ليس فياختلاف الارادة والطلب مفهوما أو اتحادهما كذلك بل في وجود صفة نفسانية اخرى في


82

قبال الارادة وعدم وجودها فافهم .

( ثم انه استدل الاشاعرة ) على ما ادعوه ( من وجود صفة نفسانية في قبال العلم واختيه ) بوجهين ( الاول ) ان الاوامر الامتحانية والاعتذارية مثل الاوامر الجدية في احتياجها إلى وجو منشأ في نفس المتكلم ، وحيث لا ارادة في نفس المتكلم ( في تلك الاوامر ) فلابد من وجود صفة اخرى في نفسه لتكون هي المنشأ لامره ، وتسمى هذه الصفة بالطلب النفسي ، وإذا ثبت ان المنشأ للاوامر الامتحانية صفة اخرى في نفس المتكلم سوى الارادة ، ثبت ان المنشأ لجميع الاوامر هذه الصفة ، لعدم القول بالفصل بين الاوامر الامتحانية وغيرها .

( ونجيب عن هذا الاستدلال ) بان المنشأ للاوامر مطلقا هو الارادة ، غاية الامر ان المنشأ للاوامر الجدية ارادة نفس المأمور به ، والمنشأ للاوامر الامتحانية ارادة اتيان مقدماته بقصد التوصل بها إلى المأمور به : ( تفصيل ذلك ) ان المقاصد التى تدعو المولى إلى الامر مختلفة : ( فبعضها ) مما يحصل بايجاد العبد نفس المأمور به ، مثاله جميع المقاصد والغايات المنظورة من الاوامر الجدية ، ( وبعضها ) مما يحصل بايجاد المكلف مقدمات المأمور به ، بقصد التوصل بها إلى المأمور به بحيث لا دخالة لنفس المأمور به في ترتب الغاية المطلوبة اصلا ، بل كل ما يحصل بفعل المأمور به مع مقدماته بقصد التوصل ، يحصل بصرف فعل المقدمات بقصد التوصل ايضا ، مثال ذلك امره ( تعالى ) ابراهيم بذبح ولده ، فان المقصود من هذا الامر لم يكن الا وصول ابراهيم ( ع ) إلى الكمالات النفسانية ومرتبة كمال التسليم والانقياد لرب الارباب بايثاره رضاية ربه على محبة الولد ، وهذه الكمالات النفسانية كانت تحصل له بصرف اتيانه مقدمات الذبح بقصد التوصل بها إلى نفس الذبح بحيث كان وقوع نفس الذبح خارجا وعدم وقوعه متساويين في ذلك .

( ففى القسم الاول ) يكون منشأ الامر ارادة نفس الفعل ، ( وفي القسم الثاني ) منشأه ارادة اتيان المقدمات بقصد التوصل ، والامر بالفعل انما هو بداعي حصول هذا القصد في نفس العبد ، والا فالفعل لا دخالة له في حصول الغاية اصلا ، فالذي اراد الله تعالى من ابراهيم ( ع ) هو نفس اتيان مقدمات الذبح بقصد التوصل بها إليه فلما اوجدها نزل في حقه


83

( قد صدقت الرؤيا ) فتأمل .

( الثاني ) مما استدل به الاشاعرة هو ان الكفار واهل العصيان كلهم مكلفون بما كلف به اهل الاطاعة والايمان بضرورة من الاديان ، وحينئذ ان لم يكن في نفس المتكلم صفة وراء الارادة حتى تكون تلك الصفة منشئا للامر وعلة له وكان منشأه الارادة ، لزم في تكليف الله تعالى الكفار واهل العصيان تخلف ارادته عن مراده ، وهو باطل بالضرورة ، فيكشف ذلك عن وجود صفة اخرى له تعالى سوى الارادة حتى تكون تلك الصفة منشئا لاوامره اللفظية وتسمى بالطلب الحقيقي .

( واجاب المتكلمون عن هذا الاستدلال ) بان منشأ الامر اللفظى ليس سوى الارادة ، وان ارادة الله التى لا تتخلف عن المراد هي ارادته وجود فعل من نفسه لا ارادته صدور فعل عن غيره فانها قد تتخلف .

( وقال المحقق الخراساني ) في الكفاية ( في مقام الجواب عن هذا الاستدلال ) : ( ان لله تعالى ارادتين : ارادة تكوينية ، و ارادة تشريعية ، وما لا تتخلف هي التكوينية دون التشريعية .

) والظاهر ان مراده هو ماقا له المتكلمون ، غاية الامر انه عبر بعبارة اخرى ، فمراده من الارادة التكوينية ارادته تعالى صدور الفعل عن نفسه ، ومن الارادة التشريعية ارادته صدور الفعل عن المكلف .

هيهنا قد تم مبحث الطلب والارادة ولا ارتباط لهذا المبحث ابدا بمسألة الجبر والتفويض ، فما تراه في كلام بعض من ابتنائه عليها في غير محله ، غاية الامر ان المحققالخراساني لما قسم الارادة إلى قسمين كما مر آنفا ، فسر الارادة التكوينية له تعالى بعلمه بالنظام على النحو الكامل التام ( اعني ما تراه وتشاهده في صفحات عالم الوجود من الايمان والكفر والنزاع والجدال وغير ذلك ، وبعبارة اخرى كل ما وجد ويوجد إلى يوم القيمة ) وفسر الارادة التشريعية له تعالى بعلمه بالمصالح الكامنة في افعال المكلفين الموجبة لامره تعالى اياهم بفعلها ، ( ثم قال بعد تفسيرهما ) : فإذا توافقتا ( أي كان صدور فعل من الافعال عن مكلف خاص ذا مصلحة وكان ايضا دخيلا في النظام الاكمل فكان موردا للارادتين ) فلابد ( ح ) من الاطاعة والايمان ، وإذا تخالفتا ( أي كان صدور الفعل عن المكلف


84

ذا مصلحة له ولكن كان مخلا بالنظام الاكمل فكان موردا للارادة التشريعية دون التكوينية ) فلا محيص ( ح ) عن ان يختار الكفر والعصيان .

( ثم استشكل ) بانه إذا كان الكفر والعصيان والاطاعة والايمان بسبب ارادته التكوينية التى لا تتخلف ، فكيف يصح التكليف المشروط بالاختيار ؟ لخروجها ( على هذا ) من الاختيار .

( واجاب عنه ) بانه لم يتعلق ارادته ( تعالى ) التكوينية بصرف صدور الافعال عن المكلفين بل تعلقت بصدورها عنهم مسبوقة بارادتهم ، فما اراد منهم بالارادة التكوينية هو ان يريدوا ويفعلوا .

( ثم استشكل ثانيا ) بانه وان كان صدور الافعال عنهم مسبوقا بارادتهم واختيارهم الا انها منتهية بالاخرة إلى ارادته تعالى والا لتسلسل ، فخرجت من كونها اختيارية ، و ( ح ) فكيف الموأخذة .

( واجاب عنه ) بان الموأخذة من تبعات الكفر والعصيان المسبوقين بالاختيار الناشئ من مقدماته الناشئة من الشقاوة الذاتية ، ( إلى آخر ما كتبه حتى انكسر قلمه ) .

( اقول ) : الورود في هذا الميدان والاشتغال بمصارعة الفرسان خطير ، ورب ذهن صاف لا نرضى ان نورده في هذا البحر العميق الذى لا ينجو منه الا الاوحدي من الناس ، فلنشراشارة اجمالية إلى ما قيل في جواب ما ذكر من الاشكال ، ثم نخرج من هذا المبحث ، ( فنقول ) قال الحكيم القدوسي المحقق الطوسى ( قده ) في مقام الجواب عن هذا الاشكال ( أي إذا كان الكفر والعصيان والاطاعة والايمان مسبوقة بارادته تعالى أو علمه بالنظام الاتم الاكمل فكيف التكليف المشروط بالاختيار ) : بان العلم تابع للمعلوم لان المعلوم تابع للعلم .

( واوردوا ) عليه ايرادا واضح الورود فقالوا : ان العلم الذى هو تابع للمعلوم عبارة عن العلم الانفعالي لا العلم الفعلى الذى هو علة لوجود المعلوم في الخارج ، وكلامنا في المقام في علمه ( تعالى ) الذى هو عين ارادته الازلية التى بها وجد كلشئ ويوجد من البدو إلى الختم .

( والظاهر ) ان هذا المعنى بلغ من الظهور والوضوح درجة لا يمكن ان يقال انه خفى على مثل ذلك المحقق ، فالاولى ان نوجه كلامه بحيث لا يرد عليه هذا الايراد .

( فنقول ) : لا يخفى ان المراد من النظام الاتم الاكمل الذى يكون متعلقا لارادته تعال


85

هو سلسلة العلل والمعلولات من بدوها إلى ختمها ، فان دار الوجود دار العلل والاسباب ولكل من الموجودات الامكانية تأثيرات مخصوصة بنفسه لا توجد في غيره ، وعلية الاشياء لمعلولاتها ليست مجعولة وانما هي من جهة خصوصيات في ذواتها ، والذاتيات لا تعلل والمجعول انما هو ذوات العلل والاسباب بالجعل البسيط ، فكل موجود وان سبقته الارادة الازلية وكان وجوده مفاضا من قبل المبدأ الفياض الا ان له خواص وآثارا ذاتية غير قابلة للجعل ، وبها يصير علة لغيره ومؤثرا فيه ، وعلي هذا فما تعلق به العلم الفعلى اعني ارادته التكوينية انما هو وجود الاشياء وتحققها بذواتها ، واما عليتها ومعلوليتها فمتعلقتان لما يشبه العلم الانفعالي لعدم كونهما مجعولتين حتى يسبقهما العلم القضائى الفعلى .

( إذا عرفت هذا فاعلم ) ان الانسان كما يكون بدنه مركبا من طبائع مختلفة متباينة في الاثار والخواص والمقتضيات ، فكذلك جوهره الحقيقي وروحه الذى به صار انسانا ، مركب من رقائق مختلفة ولطائف متباينة الاثار والخواص بحيث يكون مجموعة مناستعدادات متفاوتة وأميال مختلفة يقتضى كل واحد منها شيئا غير ما يقتضيه الاخر ، فله ميل إلى العوالم العالية الملكوتية ، وميل إلى العوالم السافلة الحيوانية ، وقد جعل الله تعالى ( مع ذلك ) لهذا الوجود الشريف قوة قاضية مميزة يميز بها الخبيث والطيب وطريقي السعادة والشقاوة وهى القوة العاقلة ، وأيدها بالكتب السماوية والانبياء والمرسلين ، وجعله بحيث لا يقدم على عمل الا بعد ادراكه طرفي الفعل والترك وما يترتب عليهما ، وقدرته على كليهما ، واختياره بنفسه احدهما على الاخر ، ( فتارة ) يختار ما هو مقتضى اللطيفة الملكوتية والطينة العليينية ، ( واخرى ) ما هو مقتضى الجبلة الشيطانية والطينة السجينية ، ففى كليهما يكون صدور الفعل عنه من جهة ما في ذاته من الاستعداد المقتضى لهذا الفعل ، لما عرفت من ان روحه مخمرة من الاستعدادات المختلفة المقتضية لافعال متفاوتة .

والمجعول له تعالى نفس تلك الرقايق لا عليتها ، ولكن الانسان مع ذلك ليس مسلوب الاختيار بل كل فعل يصدر عنه فانما يصدر عنه بعد التفاته واختياره بنفسه احد الطرفين على الاخر ، وهذا الاختيار هو مناط الثواب والعقاب لا الارادة كما زعمه صاحب الكفاية وكان يكررها في درسه ، إذ هي


86

موجودة في ساير الحيوانات غير الانسان ايضا .

( 1 ) والفعل الاختياري هو ما كان مسبوقا بشعور طرفي الفعل والترك ، والقدرة على كليهما ، واختيار احدهما على الاخر ، لا ما كان مسبوقا بالارادة مطلقا ، نعم اختيار احد الطرفين مستتبع لارادته ، ولكن المناط في الثواب والعقاب هو الاختيار لا الارادة ، فبطل ما في الكفاية من اصله واساسه .

( ثم ان ما ذكرناه ) من تركب روح الانسان من الرقايق المختلفة ، لعله المشار إليه بقوله تعالى في سورة الدهر : انا خلقنا الانسان من نطفة امشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا انا هديناه السبيل اما شاكرا واما كفورا ، بناء على كون المراد من النطفة الامشاج ( أي المختلطات ) ، هي اللطائف والرقائق التى خمرت منها روح الانسان وحقيقته التى فيها انطوى العالم الاكبر ، لا النطفة الجسمانية التى تكون مبدأ لوجود بدنه ، والشاهد علىذلك ترتيب الابتلاء عليه بقوله بعد ذلك ( نبتليه ) إذ ما هو دخيل في ابتلاء الانسان وامتحانه ، هو تركيب روحه من الرقائق المختلفة في الاقتضاء ، ثم الانعام عليه بالعقل المميز بين الخير والشر ، ثم تأييده بالكتب السماوية والانبياء والمرسلين ، ثم اعطائه زمام اختياره بيده حتى يفعل ما يشاء ، فقوله ( من نطفة امشاج ) اشارة إلى تركيب روحه من الرقائق ، وقوله ( فجعلناه سميعا بصيرا ) ايماء إلى القوة العاقلة ، وفي قوله ( انا هديناه السبيل ) دلالة على ارسال الرسل وانزال الكتب .

( وبالجملة ) ما ذكرناه يستفاد من خلال الايات والاخبار ، فمن الايات هذه الاية ، ( ومنها ايضا ) قوله تعالى : ان الخاسرين الذين خسروا انفسهم ، حيث ان الانسان مع التيام روحه من اللطائف المختلفة إذا غلب فيه جانب بعضها كالشهوة أو الغضب مثلا ، ربما ادى ذلك إلى الخسران الذاتي وزوال الملكات الحسنة ( التى بها انسانية الانسان ) بالكلية ولا يتعقل لخسران النفس معنى الا هذا .

واما الاخبار الدالة على هذا المعنى فكثيرة ( مثل ما ورد ) من ان في قلب الانسان نكتتين : نكتة بيضاء ، ونكتة سوداء ، فإذا صدر عنه المعصية زاد السواد بحيث ربما يؤدى إلى اضمحلال النكتة البيضاء بالكلية ، ( ومثل ما ورد ) من ان لقلب الانسان اذنين ينفخ في احديهما الملك وفي الاخرى الشيطان ، ( ومثل ما ورد ) من ان الله تعالى بعد

( 1 ) ولاجل ذلك عدوا المتحرك بالارادة فصلا لمطلق الحيوان

87

ما اراد خلق آدم امر جبرئيل بان يقبض قبضات من السموات السبع وقبضات من الارضين السبع ليخمر طينة آدم منها ، إلى غير ذلك من الاخبار الدالة على التيام الروح الانساني من العوالم المختلفة فراجعها وتدبر .

( المبحث الرابع )

قد عرفت ان حقيقة الطلب مغايرة لحقيقة الارادة ، فان الارادة صفة من صفات الفس في قبال العلم مثلا ، وليست قابلة للانشاء بخلاف الطلب فانه عبارة عن تحريك الطالبالمطلوب منه نحو العمل المقصود اما عملا واما انشاء ، ( وبعبارة اخرى ) حقيقة الطلب عبارة عما يحصل ( تارة ) باخذ الطالب بيد المطلوب منه وجره نحو العمل المقصود ( واخرى ) بقوله للمطلوب منه : افعل كذا ، ولا ارتباط لهذا المعنى بالصفات النفسانية ، نعم يكون هذا المعنى بكلا قسميه من مظاهر الارادة ومما ينكشف منه وجودها في النفس انكشاف العلة من معلوله .

وبهذا البيان يظهر لك ان مدلول الانشائات ليس هو الارادة بل امر مظهر لها وهو الطلب .

إذا عرفت هذا فاعلم - انهم اختلفوا في ان المتبادر من لفظ الامر ومن الصيغ الانشائية والجمل الخبرية الواردة في مقام الطلب عند تجردها من القرائن ، هو الطلب الوجوبى أو الندبى أو مطلق الطلب ؟ واللازم اولا ان نبين ما به يمتاز الوجوب من الاستحباب في مقام الثبوت ، ثم نذكر ما هو المتبادر من لفظ الامر والصيغ في مقام الاثبات ( فنقول ) : امتياز الشيئين اما بتمام الذات ، أو بجزء منها ، أو بامر خارج منها ( اما الاول ) فهو فيما إذا لم يشتركا اصلا أو اشتركا في امر خارج من ذاتيهما كامتياز كل من الاجناس العالية وانواعها من الاجناس الاخر وانواعها ، فالجوهر وانواعه مثلا ممتازة بتمام ذواتها من الكم وانواعه ( واما الثاني ) فهو فيما إذا اشتركا في بعض الاجزاء وامتاز ببعضها ، كامتياز الانسان من الفرس ، فانهما مشتركان في الحيوانية وممتازان بالناطقية والصاهلية .

( واما الثالث ) فهو فيما إذا اشتركا في تمام الذات كامتياز زيد من عمر ، فانهما مشتركان في الانسانية وهى تمام ذاتيهما وممتازان بالعوارض المشخصة وهيهنا قسم راب


88

قد اختلف في وجوده اهل المعقول ، وهو ان يشتركا في تمام الذات ويمتاز ايضا بتمام الذات ، فيكون ما به الاشتراك عين ما به الامتياز ( 1 ) وبعبارة اخرى يكون الامتياز بين الحقيقتين المشتركتين في تمام الذات ، بكون الحقيقة كاملة وشديدة في احديهما ، و ناقصة وضعيفة في الاخرى مثل الخط القصير والطويل ، فانهما مشتركان في الخطية وممتازانايضا بالخطية ، وكالبياض الشديد والضعيف ( إذا عرفت هذا فنقول : قد يتوهم ) ان الامتياز بين الوجوب والندب ( الذين هما قسمان من الطلب الانشائى ) بجزء ذاتيهما بان يكونا مشتركين في الجنس وهو الطلب ، ويتفصل كل منهما بفصل مختص به ، وما يمكن ان يعدلهما فصلا امور ( الاول ) ان يكون الفصل للوجوب المنع من الترك ، وللاستحباب الاذن في الترك .

( وفيه ) ان معنى كلمة المنع ليس الا التحريك نحو الترك اعني طلب الترك فإذا اضيف هذا إلى لفظ الترك صار حاصل معناه طلب ترك الترك وهو عبارة اخرى عن طلب الفعل المعد جنسا .

( الثاني ) ان يقال ان الوجوب هو الطلب الموجب لاستحقاق العقوبة عند مخالفته ، والاستحباب هو الطلب الغير الموجب له .

( وفيه ) ان الوجوب بعد تحصله وصيرورته وجوبا يصير موجبا لاستحقاق العقوبة ، فايجاب الاستحقاق من لوازمه وآثاره لامن مقوماته .

( الثالث ) ان يقال ان الوجوب هو الطلب المسبوق بالارادة الشديدة ، والاستحباب هو الطلب المسبوق بالارادة الضعيفة .

( وفيه ) ان الارادة من العلل الباعثة على الطلب ، والمعلول بتمام ذاته متأخر عن العلة ، ولا يمكن ان يكون صدور المعلول عن علته من مقوماته واجزائه .

( واضعف من هذا ) ان يقال : ان الوجوب هو الطلب المسبوق بالمصلحة الحتمية ، والاستحباب هو الطلب المسبوق بالمصلحة الغير الملزمة .

ووجه الضعف ان المصالح والمفاسد متقدمة رتبة على الارادة لكونها من عللها فيكون الطلب متأخرا عن المصالح والمفاسد بمرتبتين فلا يصح عدها من مقومات الوجوب والاستحباب الذين هما قسمان من الطلب .

( وقد يتوهم ) كون امتياز الوجوب والندب بالشدة والضعف كالخط الطويل والقصير مثلا .

( وفيه ) ان الامر الانشائى ليس قابلا للشدة والضعف بنفسه لانه امر

( 1 ) قال في المنظومة الميز اما بتمام الذات أو بعضها أو جاء بمنضمات بالنقص والكمال في المهية ايضا يجوز عند الاشرا

89

اعتباري صرف وليست الامور الاعتبارية قابلة للتشكيك بذواتها ( 1 ) هذا ما قيل في مقام الفرق بين الوجوب والندب ، وقد عرفت فساد الجميع .

( وتلخيص المقام ) هو ان الوجوب والندب قسمان من الطلب الانشائى الذى هو اعتبار من اعتبارات العقلاء ، وينتزع عن مثل افعل ونحوه ، ولهذا الامر الاعتباري مباد سابقة عليه وآثار لاحقة له عند العقلاء ، واللازم في مقام تشخيص ما به يمتاز الوجوب من الندب هو قطع النظر عن مبادى الطلب وعلله وعن آثاره ولوازمه ، والدقة في ان نفس هذا الامر الاعتباري في أي وقت ينتزع عنه الوجوب ويترتب عليه حكم العقلاء باستحقاق العقوبة وفي أي وقت ينتزع عنه الندب ويترتب عليه حكم العقلاء بعدم الاستحقاق .

( والتحقيق ) ان الفرق بين قسميه بالشدة والضعف ، ولكن لا بالشدة والضعف في ذات الطبيعة لما عرفت من ان الامر الاعتباري لا يقبل التشكيك الذاتي ، بل بالشدة والضعف المنتزعين بحسب المقارنات ، فكما ان الاختلاف بين البياض الشديد والضعيف ليس الا بكون البياض في الثاني مخلوطا بغيره من الالوان الاخر كالكدورة مثلا بخلافه في الاول ، وبعبارة اخرى يكون الامتياز بينهما باعتبار وجود المقارنات وعدمها ، فكذلك الاختلاف بين الوجوب والندب ليس الا باعتبار المقارنات ، فالطلب المنشأ بالصيغة امر واحد وليس له نوعان متمايزان بالفصل أو بالتشكيك في ذايتهما ، بل يختلف افراده باعتبار ما يقترن به ، فقد يقترن هذا الامر الانشائى بالمقارنات الشديدة فينتزع عن الطلب المقترن بها وصف الشدة ، وقد يقترن بالمقارنات الضعيفة فينتزع عن الطلب المقترن بها عنوان الضعف ، وقد لا يقترن بشئ اصلا ، مثلا من يقول لعبده ( اضرب ) قد يقوله ضاربا برجليه الارض ومحركا راسه ويديه ، وقد يقوله معقبا اياه بقوله وان لم تفعل فلا جناح

( 1 ) اقول : يمكن ان يقال كيف لا يقع التشكيك الذاتي في الامور الاعتبارية إذا كان شدتها وضعفها ايضا بالاعتبار ، إذ من الواضح امكان ان يعتبر العقلاء تارة وجود طلب شديد واخرى وجود طلب ضعيف .

كما ان الطلب الحقيقي اعني البعث والتحريك العملي الحاصلين باخذ يدالمطلوب منه وجره نحو العمل قد يكون بنحو الشدة والعنف وقد يكون بنحو الضعف و ( ح ) فيمكن ان يقال ان المقارن الشديد قرينة على ان المنشأ بالصيغة طلب شديد ، والمقارن الضعيف قرينة على ان المنشأ بها طلب ضعيف ، والمجردة عن المقارن خالية عن القرينة .


90

عليك ، وقد يقوله بدون هذه المقارنات ، فينتزع عن الاول الوجوب ، وعن الثاني الندب ، و اختلف في الثالث ، ويستكشف من الاول شدة ارادة المولى ، و من الثاني ضعفها ، ومن الثالث مرتبة متوسطة منها ، ولكن لا دخالة لذلك في نفس حقيقة الوجوب والندب الذين هما قسمان من الطلب الانشائى ، بل الذى ينتزع عنه حيثية الوجوب أو الندب هو نفس الامر الانشائى بلحاظ مقارناته كما عرفت .

والموضوع لحكم العقلاء باستحقاق العقوبة وعدمه ايضا نفس ذاك الامر الانشائى باعتبار مقارناته ، فالطلب المقترن بالمقارنات الشديدة موضوع لحكمهم باستحقاق العقوبة ، والمقترن بالمقارنات الضعيفة موضوع لحكمهم بعدم الاستحقاق ، والطلب المجرد مختلف فيه .

( وقد ظهر ) مما ذكرنا انه ليس للطلب بنفسه وبحسب الواقع مع قطع النظر عن المقارنات قسمان حتى يكون المقارنات الشديدة أو الضعيفة قرينتين عليهما ويكون القسم الثالث خاليا من القرينة ، إذ القرينة انما هي فيما إذا كان للفظ معنيان بحسب مقام الثبوت فاقيمت القرينة للدلالة على احدهما في مقام الاثبات كما في الالفاظ المشتركة والحقائق والمجازات ، وما نحن فيه ليس كذلك إذ ما ينتزع عنه حيثية الوجوب هو نفس الطلب الانشائى المقترن بالمقارنات الشديدة فقط أو الاعم منه ومن المجرد ، لا ان الوجوب شئ واقعى يستعمل فيه الطلب الانشائى ويكون المقارن قرينة عليه ، وكذلك ما ينتزع عنه الاستحباب هو نفس الطلب الانشائى المقترن بالمقارنات الضعيفة أو الاعم منه ومن المجرد ، لا ان الاستحباب امر واقعى يكون الطلب الانشائى مستعملا فيه والمقارن الضعيف قرينة عليه .

والحاصل ان الوجوب أو الندب انما ينتزع عن الطلب الانشائى بما هو فعل خاصصادر عن المولى ، لا بما انه لفظ استعمل في معناه ، وبعبارة اخرى الصيغة انما تستعمل في الطلب استعمالا انشائيا فبها يوجد الطلب في عالم الاعتبار ، والطلب والبعث سواء كان حقيقيا متحققا باخذ يد المطلوب منه وجره نحو العمل المقصود ، أو انشائيا متحققا بمثل صيغة افعل ونحوها ربما ينتزع عنه الوجوب ويكون موضوعا لحكم العقلاء باستحقاق العقوبة بمخالفته ، وربما ينتزع عنه الندب كساير العناوين المنتزعة عن الافعال الاختيارية ، والتفاوت في الانتزاع انما هو باعتبار اختلاف المنتزع عنه من حيث


91

الاقتران بالمقارنات وعدمه .

( فان قلت ) : الظاهر ان الطلب الايجابي والندبى لا فارق بينهما بالنظر إلى ذاتيهما بل الفرق بينهما بجهة علتهما اعني الارادة ، فالطلب الانشائى المسبب من الارادة الشديدة ينتزع عنه الوجوب ، والطلب الانشائى المسبب من الارادة الضعيفة ينتزع عنه الندب .

( قلت ) : العلتان المختلفتان لا يعقل ان يكون ما صدر عنهما متماثلين من جميع الجهات ويكون المايز بين المعلولين منحصرا في كون احدهما منتسبا إلى العلة الكذائية والاخر منتسبا إلى العلة الكذائية الاخرى ، ففيما نحن

فيه ليس لاحد ان يقول ان الطلب الوجوبى

والندبى متماثلان من جميع الجهات وانما يتصف الطلب الوجوبى بهذه الصفة اعني صفة الوجوب بصرف انتسابه إلى الارادة الشديدة ، والطلب الندبى يتصف بهذه الصفة بصرف انتسابه إلى الارادة الضعيفة من دون ان يكون بينهما اختلاف من غير جهة الانتساب ، وذلك لما عرفت من ان مرتبة المعلول بتمام ذاته تخالف مرتبة العلة .

ولا يمكن ان يكون صدور المعلول عن علته من مقوماته وفصوله فتدبر .

( فتلخص مما ذكرنا ) ان الاختلاف بين الوجوب والندب بحسب مقام الثبوت بالتشكيك ولكن لا بالتشكيك الذاتي بل بالتشكيك العرضى اعني بحسب المقارنات .

( وإذا اتضح ذلك ) فيقع النزاع في ان الطلب المجرد من المقارنات هل ينتزع عنهالوجوب أو الندب ؟ بعد الاتفاق على انتزاع الوجوب عن المقترن بالمقارنات الشديدة والاستحباب عن المقترن بالمقارنات الضعيفة .

( والاظهر ) عندنا ان ما ينتزع عنه الوجوب ويكون تمام الموضوع لحكم العقلاء باستحقاق العقوبة على مخالفته ، هو نفس الطلب الانشائى الصادر عن المولى بداعي البعث ( في قبال الطلب الاستهزائي ونحوه ) فيما إذا لم يقترن بالمقارنات المضعفة له من الاذن في الترك ونحوه ، من غير فرق بين ان يقترن بالمقارنات الشديدة أو لم يقترن بشئ اصلا ، فالطلب المجرد ايضا ينتزع عنه الوجوب و يكون موضوعا لحكم العقلاء باستحقاق العقوبة بمخالفته ، وذلك لوضوح ان عتاب المولى وعقابه للعبد عند تركه الامتثال للطلب البعثي الغير المقترن بالاذن في الترك ، لا يقعان عند العقلاء موقع التقبيح ، بل يرون العبد مستحقا للعتاب والعقاب ، وعلي هذا فلا نحتاج


92

في مقام كشف الوجوب إلى استظهار شئ زائد على حقيقة الطلب ، بل نفس الطلب مساوق للوجوب ويكون تمام الموضوع لحكم العقلاء باستحقاق العقوبة بمخالفته ما لم ينضم إليه الاذن في الترك ، واما الندب فنحتاج في كشفه إلى استظهار امر زائد على حقيقة الطلب مثل الاذن في الترك ونحوه ، وبالجملة ما يحتاج إلى المؤنة الزائدة هو الندب لا الوجوب .

( بل يمكن ان يقال ) ان الطلب البعثي مطلقا منشأ لانتزاع الوجوب ويكون تمام الموضوع لحكم العقلاء باستحقاق العقوبة ، وانه معنى لا يلائمه الاذن في الترك بل ينافيه ، لوضوح عدم امكان اجتماع البعث والتحريك نحو العمل مع الاذن في الترك المساوق لعدم البعث .

وعلي هذا فيجب ان يقال ان الصيغ المستعملة في الاستحباب لا تكون مستعملة في الطلب البعثي ولا تتضمن البعث والتحريك ، وانما تستعمل بداعي الارشاد إلى وجود المصلحة الراجحة في الفعل ، وببالي ان صاحب القوانين ايضا اختار هذا المعنى فقال ( ان الاوامر الندبية كلها للارشاد وهو كلام جيد .

( هذا كله ) بناء على كون الملاك والموضوع لاستحقاق العقوبة هو مخالفة نفس الطلب بما هو طلب وبعث من قبل المولى كما قويناهواما بناء على كونه ملاكا للاستحقاق من جهة كونه كاشفا عن الارادة الشديدة فيدور الاستحقاق وعدمه مدار كشفه عنها وعدم كشفه .

( واعلم ) ان كشف الصيغ التى ينشأ بها الطلب عن وجود الارادة ، ودلالتها عليها ليسا من قبيل دلالة الالفاظ على معاينها بالوضع لا انشاء ولا من باب الحكاية .

( اما الاول ) فلما عرفت في مبحث الطلب والارادة : من ان الارادة من الصفات النفسانية ، والصفات النفسانية غير قابلة للانشاء ، وليس لنا وراء الارادة النفسانية ما يسمى بالارادة الانشائية .

( واما الثاني ) فلان الارادة علة للانشاء ، ومن الواضح ان دلالة المعلول على علته دلالة عقلية لا وضعية .

وبذلك يظهر لك الاشكال فيما ذكره شيخنا الاستاد المحقق الخراساني ( قدس سره ) في مبحث الطلب والارادة : ( من عدم المضايقة عن دلالة الصيغ الانشائية الموضوعة لان يوجد بها معانيها في عالم الاعتبار ، على ثبوت الصفات النفسانية كالارادة والترجى والتمنى الحقيقيين ونحوهما من جهة وضعها لايقاعها فيما إذا كان الداعي إليه ثبوت هذه الصفات ) ووجه الاشكال فيه ان الارادة وغيرها من الصفات


93

النفسانية في مرتبة العلة للطلب وغيره من الامور الانشائية ، وقد عرفت ان دلالة المعلول على ثبوت علته دلالة عقلية غير مربوطة بالوضع ، وجعل العلة من قيود المعلول ووضع اللفظ للمعلول المقيد بها يستلزم تجافى العلة عن مرتبتها ، بداهة ان القيد يجب ان يكون في مرتبة المقيد ، ورتبة العلة بتمام ذاتها قبل رتبة المعلول بتمام ذاته ، فتقييده بها يستلزم التجافي ( تبصرة ) قال في المعالم : ( فائدة يستفاد من تضاعيف احاديثنا المروية عن الائمة ( عليهم السلام ) ان استعمال صيغة الامر في الندب كان شائعا في عرفهم بحيث صار من المجازات الراجحة المساوى احتمالها من اللفظ لاحتمال الحقيقة عند انتفاء المرجح الخارجي فيشكل التعلق في اثبات وجوب امر بمجرد ورود الامر به منهم عليهم السلام ) ومحصل كلامه ( قده ) ان كون الصيغة موضوعة للوجوب وان كان مرجحا لحملها عليه عند انتفاءالقرينة ، ولكن يعارض ذلك ويكافئه كون استعمالها في الندب اكثر وقال في الكفاية في مقام رده ( ما حاصله ) : ان كثرة استعمالها في الكتاب والسنة في الاستحباب لا توجب حملها عليه ( اما اولا ) فلكثرة استعمالها في الوجوب ايضا فتعادلا من هذه الجهة ، ويقدم الوجوب من جهة كونها موضوعة له .

( واما ثانيا ) فلان استعماله في الندب وان كان كثيرا ولكنه كان مع القرينة المصحوبة ، وهذا لا يوجب انس اللفظ بالاستحباب بحيث يعادل الوجوب في الاحتمال ، كيف ! وقد كثر استعمال العام في الخاص حتى قيل ما من عام الا وقد خص ولم ينثلم به ظهوره في العموم ، بل يحمل عليه ما لم تقم قرينة على الخصوص ( انتهى كلامه ) .

( ونحن نقول اما اولا ) فما ادعاه في المعالم مغاير لما في الكفاية ، فان صاحب المعالم انما ادعى كثرة استعمال الصيغة في الندب في اخبار الائمة عليهم السلام ، لا في الكتاب والسنة كما في الكفاية ، واخبار الائمة ليست من السنة ، لاطلاقها ( بحسب الاصطلاح ) على الاخبار النبوية فقط .

( واما ثانيا ) فما ذكره من ان كثرة الاستعمال مع القرينة المصحوبة لا توجب انس اللفظ بالمعنى المجازى ، في غير محله ، إذ اللفظ والقرينة لو استعملا معا في المعنى المجازى فما ذكره صحيح ، واما إذا استعمل نفس اللفظ في المعنى المجازى كثيرا غاية الامر انه قد صاحبه القرينة حين الاستعمال ، فلا نسلم ( ح )


94

عدم انس اللفظ بالمعنى المجازى .

( واما ثالثا ) ففى ما ذكره من تنظير ما نحن فيه بمسألة العموم والخصوص نظر من وجهين ( الاول ) ان هذا مخالف لما سيذكره في العموم والخصوص : من ان لفظ العام عند ارادة الخاص لا يستعمل في الخاص ، بل يستعمل في نفس ما وضع له ، غاية الامر ان قرينة الخصوص تدل على كون الارادة الجدية مخالفة للارادة الاستعمالية ، وهذا بخلاف ما نحن فيه فان صيغة الامر بنفسها تستعمل في الندب .

( الثاني ) انه فرق بين ما نحن فيه وبين مسألة العموم والخصوص من جهة اخرى ايضا ، وهى ان المعنى المجازى فيما نحن فيه امر واحد شخصي وهو الندب وقد كثر استعمال الصيغة فيه فيوجب انس اللفظ به ، و هذا بخلاف مسألة العموم والخصوص ، فان كل لفظ من الفاظ العموم له معنى حقيقي وهو جميع الافراد ، ومعان كثيرة مجازية بعدد ما يتصور له من المعاني الخاصة ، فقولك ( اكرم ) العلماء ) مريدا به جميع العلماء غير زيد استعمال في معنى مجازى ، وإذا اردت به جميعهم غير بكر فقد استعملته في معنى مجازى آخر ، وهكذا إذا اردت به جميعهم غير خالد ، و كذا إذا اردت به جميعهم غير اثنين أو ثلث ، فان المقصود من قولهم : ان العام مجاز فيما بقى ، ليس مفهوم ما بقى ، لعدم استعماله فيه ، بل مصاديق ما بقى ، وهى في غاية الكثرة ، ولا يقاس مجموع المجازات بالنسبة إلى المعنى الحقيقي لان المعنى المجازى انما يعادل المعنى الحقيقي ويكافئه من جهة انس اللفظ به ، واللفظ لا يستعمل في عنوان مجموع المجازات ، بل يستعمل في كل واحد من المجازات بخصوصه ، وإذا وازنا كل واحد من المعاني المجازية بالنسبة إلى المعنى الحقيقي وجدنا استعماله في المعنى الحقيقي اكثر من استعماله في كل واحد من المعاني المجازية بمراتب فانس اللفظ بالمعنى الحقيقي ايضا اكثر من انسه بكل منها بدرجات .

( هذا كله ) بناء على ما اختاره صاحب المعالم من كون صيغة الامر موضوعة للطلب الوجوبى ، واما بناء على ما حققناه فلا يرد اشكال صاحب المعالم ، فان الصيغة على ما قلناه قد وضعت لانشاء نفس الطلب المطلق من غير تقيد بالوجوب أو الاستحباب ، غاية الامر ان الطلب ان لم يقارنه شئ أو قارنه المقارنات الشديدة كان منشئا لانتزاع الوجوب ، وان قارنه الاذن في الترك كان منشئا لانتزاع


95

الندب ، وكيف كان فالطلب في الوجوب والاستحباب شئ واحد وحقيقة فاردة ، واللفظ كلما استعمل فقد استعمل في نفس معناه الحقيقي اعني نفس الطلب الانشائى لا في الطلب بقيد كونه وجوبا أو ندبا ، وعلي هذا فقول صاحب المعالم : انه شاع استعمال الامر في الندبغير تام ، فان اللفظ في الاوامر الندبية ايضا يستعمل في نفس الطلب ، والحكم بالاستحباب وعدم استحقاق العقاب على مخالفته انما هو من جهة اقتران الطلب بالاذن في الترك لا من جهة كونه مفادا لصيغة الامر ، و ( ح ) ففى أي مورد احرزنا الاذن في الترك حكمنا بالاستحباب شاع أو ندر ، واما إذا لم نحرز ذلك واحرزنا وجود صرف الطلب فالعقل يحكم بان من خالفه يستحقق العقاب ، وليس معنى هذا الحكم الا حكمه بوجوب الفعل ، وقد ذكرنا ان الملاك في تحصل الطلب ايجابا ليس الاعدم اقترانه بالاذن في الترك .

ثم هذا كله بناء على كون الطلب بما هو طلب وبعث من قبل المولى موضوعا لحكم العقل باستحقاق العقاب كما قويناه ، واما بناء على كونه موضوعا له بما انه كاشف عن الارادة الاكيدة فالامر ايضا كذلك ، إذ اللفظ على هذا ايضا لا يستعمل الا في نفس الطلب و ( ح ) فكثرة حمله على الاستحباب من جهة كونه في اكثر الموارد مقرونا بالاذن في الترك الكاشف عن ضعف الارادة ، لا تضر بحمله على الوجوب فيما لم يقترن بشئ فتأمل .

( ايقاظ )

قد نرى بالوجدان ثبوت الفرق بين قول الطالب اضرب أو اكرم ( مثلا ) وبين قوله اطلب منك الضرب أو آمرك بالضرب مع كون الجميع مشتركة في انشاء الطلب بها ، والذى يؤدى إليه النظر في الفرق بينهما ان مفهومي الطلب والامر متصوران في الثاني بالاستقلال بحيث وقع عليهما لحاظ استقلالي وان لم يكن نفس وجودهما مطلوبا نفسيا بل كان الفرض منهما وجود المطلوب من المطلوب منه ، وهذا بخلاف الصيغ الانشائية مثل اضرب فان الملحوظ فيها على نحو الاستقلال ليس الاخصوص المطلوب النفسي اعني صدور المطلوب عن المطلوب منه ، واما الطلب والانبعاث فلم يلحظا الا بنحو الغيرية والاندكاك من دون ان يتصورا بمفهوميهما ، كساير المعاني الحرفية التى لا يتعلق بها لحاظ استقلالي .


96

( ولنذكر لذلك مثلا ) وهو انك إذا كنت قادما من دارك إلى المسجد قاصدا اياه فكلما تضعه من الاقدام مطلوب غيرى للوصول إلى المسجد ، ولكنك قد تكون ملتفتا في حال مشيك إلى كل قدم قدم كما تكون ملتفتا إلى المسجد الذى هو المطلوب النفسي ، وقد لا تكون كذلك بل الذى يكون بمد نظرك هو الكون في المسجد فقط ، ولم يتعلق بالاقدام لحاظ استقلالي بل كانت ملحوظة بنحو المعنى الحرفى ، ففيما نحن فيه ايضا المطلوب النفسي هو صدور الضرب ( مثلا ) عن المطلوب منه ، والبعث مطلوب غيرى يتوصل به إلى المطلوب النفسي ، ولكن في مقام اللحاظ قد يلحظ البعث ايضا بنحو الاستقلال كما يلحظ المطلوب النفسي ، وقد لا يلحظ الا بنحو الاندكاك ، فعلى الاول يكون انشائه بمثل آمرك أو أطلب منك ، وعلى الثاني يكون انشائه بمثل اضرب ونحوه ، هذه خلاصة الفرق بين الامر بصيغته والامر بمادته ، ( وكان بعض مشايخنا ) ( قدس سره ) يقول في الفرق بينهما : ان صيغة افعل قد وضعت للدلالة على النسبة الموجودة بين الحدث وفاعله نظير النسب الموجودة في سائر الافعال ، والطلب يستفاد من الخارج ، وهذا بخلاف مثل آمر وأطلب فانهما موضوعان للطلب .

( وفيه ) ان النسبة اما تصورية قصد بالقائها إلى المخاطب تصوره لها ، واما تصديقية قصد بالقائها إليه تصديقه لها ، والموجودة في قولنا ( اضرب ) ليست من احديهما لوضوح انه ليس المقصود من قولك ( اضرب ) تصور المخاطب صدور الضرب عن نفسه ولا التصديق بوقوعه منه ، ( اللهم الا ان يقال ) : ان مراده ( قده ) كون حيثية الطلب ايضا من انحاء الاستعمال في قبال التصورية والتصديقية بان يقال : انه كما قد يوضع اللفظ للدلالة على نسبة خاصة بدلالة تصورية كقولنا ( ثبوت القيام لزيد ) ، وقد يوضع للدلالة عليها بدلالة تصديقية كقولنا ( قام زيد ) فكذلك قد يوضع للدلالة على نسبة خاصة بنحو يطلب تحققها من قبل المسند إليه فيكون استعمال اللفظ الدال على هذه النسبة استعمال من يطلب تحققها من قبل المسند إليه في قبال الاستعمال الذى يكون بداعي التصور أو التصديق ، وعلي هذا يكون الموضوع له في الصيغ الانشائية الطلبية هو نفس انتساب المبدأ إلى المخاطب ، ويكونحيثية الطلبية من انحاء الاستعمال في قبال حيثية التصورية أو التصديقية ، وان شئت تفص


97

انحاء الاستعمال فراجع ما ذكرناه في ذيل المعاني الحرفية .

( تنبيه ) هل الجمل الخبرية الواردة في مقام الطلب ظاهرة في الوجوب اولا ؟ الظاهر كونها ظاهرة فيه بعد كونها دالة على الطلب على حذو ما ذكرناه في الصيغ الانشائية ، فالضابط ان كل ما دل على انشاء الطلب والبعث يجب ان يحمل على الوجوب ما لم تقم هناك قرينة على الاستحباب ( وهيهنا نكتة لطيفة ) يعجبنا ذكرها وهى ان الاوامر والنواهي الصادرة عن النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام على قسمين ( القسم الاول ) الاوامر والنواهي الصادرة عنهم في مقام اظهار السلطنة واعمال المولوية نظير الاوامر الصادرة عن الموالى العرفية بالنسبة إلى عبيدهم ، ( مثال هذا ) جميع ما صدر عنهم عليهم السلام في الجهاد و ميادين القتال بل كل ما امروا به عبيدهم واصحابهم في الامور الدنيوية ونحوها كبيع شئ لهم وعمارة بناء ومبارزة زيد مثلا ( القسم الثاني ) الاوامر والنواهي الصادرة عنهم عليهم السلام في مقام التبليغ والارشاد إلى احكام الله ( تعالى ) كقولهم : صل أو اغتسل للجمعة والجنابة أو نحوهما مما لم يكن المقصود منها اعمال المولوية بل كان الغرض منها بيان ما حكم الله به ، نظير اوامر الفقيه في الاحكام الشرعية بالنسبة إلى مقلديه .

( اما القسم الاول ) فهو وان كان ظاهرا في الوجوب كما فصلناه ولكنه نادر جدا بالنسبة إلى القسم الثاني الذى هو العمدة في اوامرهم ونواهيهم وهو محل الابتلاء ايضا ( واما القسم الثاني ) فلما لم يكن صدورها عنهم لاعمال المولوية بل كان لغرض الارشاد إلى ما حكم الله به على عباده كانت في الوجوب والندب تابعة للمرشد إليه اعني ما حكم الله بها ، وليس لاستظهار الوجوب أو الندب من هذا السنخ من الاوامر وجه لعدم كون الطلب فيها مولويا فتأمل جيدا .

المبحث الخامس في التعبدى والتوصلى ولما كان هذا المبحث من المباحث المهمة كان اللازم ان يعقد له مبحث مستقل ثم يذكرمسألة الشك في التعبدية والتوصلية بنحو التفريع ، ولكن المحقق الخراساني جعل البحث عن صوره الشك مبحثا مستقلا ، وعد البحث عن بيان ماهيتهما واحوالهما من مقدماته ، وكيف كان فنحن نشرع في بيان ماهيتهما واحوالهما ، ( فنقول ) الواجب


98

والندب التعبديان عبارتان عما لا يحصل الغرض منهما الا باتيانهما بداع الهى وبنحو يرتبطان إلى الله ( تعالى ) متقربا بهما إليه ولا يشترط في عبادية العبادة تعلق الامر بها من قبل المولى ، فتعظيم المولى ومدحه وثنائه إذا اتى بها بقصد التقرب إليه من العبادات وان لم يتعلق بها امر ، لكن لابد من ان يكون التعظيم أو المدح أو الثناء بنحو يليق بجنابه ( تعالى ) ، والكاشف عما يليق به تعالى هو الامر الصادر من قبله ، ولكن بعد تعلق الامر واحراز لياقته بجنابه ( تعالى ) لا يشترط في عبادية العمل اتيانه بداعي الامر بل يكفى في تحققه عبادة اتيانه بداعي التعظيم ونحوه ، ( واما التوصلى ) فهو عبارة عمالا يحتاج في حصول الغرض منه إلى قصد الامر أو القربة أو نحوهما من الدواعى الالهية ، بل يكفى في حصوله صرف الاتيان بالفعل باى داع كان ، بل لا يحتاج في حصوله إلى القصد والالتفات ايضا ، فنفس تحققه ولو في حال النوم أو الغفلة مسقط للامر به لحصول الغرض منه .

( فان قلت ) كيف يكون تحقق الفعل في حال النوم أو الغفلة امتثالا للامر التوصلى و موجبا لسقوطه ، مع ان الامتثال لا يتحقق الا باتيان ما تعلق به الامر ، وما تعلق به الامر لابد من ان يكون امرا اختياريا موجدا بالارادة لعدم جواز تعلق الامر بامر غير ارادي ؟ ! ( قلت ) الامر مطلقا وان كان لايجاد الداعي إلى ايجاد متعلقه ، ولا محالة يختص داعويته قهرا بصورة الالتفات والارادة ، ولكن متعلقه مطلقا عبارة عن نفس ذات الفعل سواء في ذلك التعبديات والتوصليات ، ولا يتعلق في شئ من الواجبات بالفعل بما انه مراد بحيث يكون معنى ( صل ) مثلا اردوا وجد الصلوة غاية الامر انه قد يكون لتسبيب الداعي الالهى والانبعاث من قبله دخل في حصول الغرض كما في التعبديات ، وقد لا يكون له دخالة اصلا بل الغرض يحصل بنفس تحقق الفعل باى نحو اتفق ، وكيف كان فمتعلقالامر هو نفس طبيعة الفعل لا الفعل المقيد بصدوره عن الارادة فإذا اتى به في حال الغفلة ايضا كان كان مصداقا للمأمور به وترتب عليه سقوط الامر قهرا .

( 1 ) اقول : وببيان اوضح صدق عنوان الامتثال يتوقف على كون الامر داعيا ومحركا كما لا يخفى ، ولكن متعلق الامر ليس مقيدا بالارادة ونحوها فتحققه باى نحو كان موجب لسقوطه قهرا ، إذ متعلقة عبارة عن نفس الطبيعة المهملة الجامعة بين المرادة وغيرها من غير ان يلحظ الآمر سريانها إلى القسمين حتى يقال ان الامر بالنسبة إلى ما لا يوجد بالارادة تعل

99

( ثم اعلم ) ان القدماء من علمائنا إلى زمن الشيخ الانصاري ( قده ) كانوا يعدون قصد القربة في العبادات في عداد سائر شرائط المأمور واجزائه من غير تعرض لورود اشكال في المقام ، ولكن الشيخ ( قده ) استشكل في امكان ان يؤخذ قصد القربة ببعض معانيه في المأمور به ( وحاصل ما ذكره ) : ان القيود والحالات الطارية على المأمور به على نحوين ، ( فبعضها ) مما يمكن ان يتصف به المأمور به مع قطع النظر عن وقوعه تحت الامر ككونه صادرا عن سبب خاص أو في زمان خاص أو في مكان خاص ونحو ذلك ، فهذه القيود مما يمكن ان يتعلق بها الامر ، ( وبعضها ) مما لا يتصف به المأمور به الا بعد وقوعه تحت الامر و صيرورته مأمورا به ككونه واجبا ومستحبا أو صادرا بقصد امره ونحو ذلك .

وهذه القيود مما لا يمكن اخذها في المأمور به لتأخرها عن الامر به فكيف تصير تحت امر ( انتهى ) ( وقد ارسل ) تلامذة الشيخ ومن بعدهم عدم جواز اخذ القربة ( بمعنى الامتثال وقصد الامر ) في المأمور به ارسال المسلمات وتصدى كل واحد منهم للاستدلال على هذا الامر المسلم عندهم .

( والوجوه ) التى ذكروها يرجع مفاد بعضها إلى الامتناع في مقام الامر والتكليف ، ومفاد بعضها إلى الامتناع في مقام الامتثال ( اما القسم الاول فمنها ) ان الامر يتوقف على تحقق موضوعه بتمام اجزائه توقف العرض على معروضه ، فلو كان قصد الامر ماخوذا في الموضوع لزم الدور لعدم تحقق الموضوع بتمام اجزائه ( التى منها قصد الامر ) الا بعد ثبوت الامر ، فالامر يتوقفعلى الموضوع ، والموضوع على الامر .

( ومنها ) ان الامر يتوقف على كون متعلقه مقدورا للمكلف ، والقدرة على العمل المقيد بقصد الامر تتوقف على ثبوت الامر ، فالامر يتوقف على القدرة ، والقدرة على الامر ، وهذا دور واضح .

( ومنها ) ان الآمر حين امره يتصور المأمور به استقلالا والامر المتعلق به آلة كما مر في الايقاظ السابق فلو كان قصد الامر مأخوذا في المأمور به لزم بالنسبة إلى هذا الجزء اجتماع اللحاظ الالى والاستقلالي .

‌ بامر غير اختياري ، ومقدورية الطبيعة بما هي هي تتوقف على امكان ايجادها بالارادة لا على تعلق الارادة بها فعلا .


100

( والجواب اما عن الاول ) فبان الموضوع اعني المتعلق بوجوده الذهنى متقدم على الامر ، ولا ينافى ذلك كونه بوجوده الخارجي متاخرا عن الامر ومتوقفا عليه ، ولا يعقل ان يكون المتعلق بوجوده الخارجي متقدما عليه والا لكان الامر به طلبا للحاصل ، وبالجملة المتوقف على الامر غير ما يتوقف الامر عليه .

( واما عن الثاني ) فبان القدرة التى هي من الشرائط العقلية لا يجب ان تكون سابقة على الامر حتى يدور ، بل الذى يحكم العقل بلزومه انما هي القدرة على الفعل حين الامتثال وان كان حصولها بنفس الامر كما فيما نحن فيه إذ يمكن ان يأمر المولى ليقدر العبد على المتعلق فيوجده .

( واما عن الثالث ) فبان اللحاظ الواحد لا يعقل ان يكون آليا واستقلاليا ، واما لحاظ الشئ مرة آليا واخرى استقلاليا فلا مانع منه ، ففيما نحن فيه يمكن ان يلحظ الامر بما هو دخيل في المأمور به استقلالا ثم يلحظ بلحاظ آخر آلة .

( واما القسم الثاني ) اعني الاشكال في مقام الامتثال فيمكن ان يقرب ايضا بوجوه ( الاول ) لزوم الدور في هذا المقام ( وتقريره ) ان داعوية الامر ( في مقام الامتثال ) نحوالعمل متوقفه على كون المدعو إليه منطبقا للعنوان الواقع تحت الامر ومن مصاديقه ، و كونه منطبقا لهذا العنوان متوقف على داعوية الامر إليه ، إذ المفروض ان المأمور به هو العمل الواقع بداعي الامر لا مطلق العمل ( لثاني ) ما ذكره في الكفاية وحاصله عدم القدرة على المأمور به في مقام الامتثال ، وتقريبه ان اتيان ذات الصلوة بداعي امرها يتوقف على كون الذات مأمورا بها حتى يتمكن المكلف من اتيانها بداعي امرها ، و المفروض ان الامر لم يتعلق بالذات بل بالصلوة المقيدة بداعي الامر فلا يتمكن المكلف من الامتثال في ظرفه .

وبالجملة اتيان العمل بداعي امره مع عدم كون ذات العمل مأمورا بها غير مقدور للمكلف .

( الثالث ) لزوم التسلسل في مقام الامتثال ، وتقريبه : ان الامر لا يدعو الا إلى متعلقه والمفروض ان متعلقه فيما نحن فيه ليس ذات الصلوة بل الصلوة بداعي الامر فلا محالة يكون هي المدعو إليها ، فيقال حينئذ ( بطريق الاستفهام ) : ان المدعو إليه للامر هو الصلوة بداعي الامر المتعلق باى شئ ؟ ، فان قلت انه الصلوة بداعي الامر المتعلق بذات الصلوة فهو خلاف الفرض ، وان قلت انه الصلوة بداعي الامر المتعلق بالصلوة


101

بداعي الامر ، فهذا الامر الثاني ايضا يحتاج إلى متعلق يكون مدعوا إليه ، فان كان متعلقه عبارة عن ذات الصلوة فهذا ايضا خلاف الفرض ، وان كان عبارة عن الصلوة بداعي الامر فهذا الامر الثالث ايضا يحتاج في مقام الامتثال إلى متعلق يكون مدعوا إليه ، والفرض انه ليس عبارة عن ذات الصلوة فلا محالة من ان يكون هو الصلوة بداعي الامر فننقل الكلام إلى الامر الرابع فيتسلسل ، هذا .

( 1 ) ( ويمكن ان يقال ) : ان اللازم في مقام الامتثال ليس هو الدور بل ملاكه وهو تقدم الشئ على نفسه من غير وساطة شيئ حتى يكون دورا بحسب الاصطلاح ، وتقريبه انه على فرض تعلق الامر بالفعل المقيد بداعوية الامر إليه لا يكون ذا الفعل مدعوا إليها بل المدعو إليه هو الفعل المقيد بداعوية الامر إليه والمدعو إليه بقيده متقدم رتبة على الداعي فيلزم تقدم داعوية الامر على نفسها ولا شكفي بطلان تقدم الشئ على نفسه وان لم يكن دورا بحسب الاصطلاح فتدبر .

( واعلم ) انهم خصصوا اشكال الباب بصورة اخذ داعى الامر في المأمور به ، ولكن الظاهر ان الاشكالات الواردة في مقام الامتثال لا تختص به بل تجرى في اخذ سائر الدواعى ايضا فكما يرد الاشكالات فيما إذا تعلق الامر بالصلوة بداعي الامر ترد ايضا فيما إذا تعلق بالصلوة بداعي حسنها أو محبوبيتها أو كونها ذات مصلحة ، إذ الامر بعد تعلقه بالفعل المقيد باتيانه بداعي الحسن أو المحبوبية أو كونه ذا مصلحة ، يستكشف منه ان الحسن والمحبوبية والمصلحة انما هي للفعل المقيد لا لذات الفعل لعدم جواز تعلق الامر الا بما يشتمل على المصلحة ويكون حسنا ومحبوبا ، ولا يجوز تعلقه باعم من ذلك و ( ح ) فيرد الاشكالات بعينها ، ( اما الدور ) فلان داعوية حسن الفعل مثلا تتوقف على كونه حسنا ، وكونه حسنا يتوقف على داعوية الحسن فيدور ، ( واما عدم القدرة في مقام الامتثال ) فلان اتيان الصلوة مثلا بداعي حسنها يتوقف على كون الذات حسنة والمفروض ان الحسن انما هو للفعل المقيد

( 1 ) اقول : الاولى تقرير التسلسل في طرف الداعي لا المدعو إليه فيقال ان الصلوة بداعي الامر ( التى هي الواجبة حسب الفرض ) يؤتى بها بداعي أي امر ؟ فان قيل بداعي الامر بذات الصلوة فهو خلاف الفرض ، وان قيل بداعي الامر بالصلوة بداعي الامر فيقال بداعي الامر بالصلوة بداعي الامر باى شئ ، فان قيل بداعي الامر بالذات لزم الخروج من الفرض وان قيل بداعي الامر بالمقيد لزم التسلسل .


102

وبذلك يظهر تقرير التسلسل ايضا : ( بل يمكن ان يقال ) : ان المحذور في مثل داعى الحسن ونظائره اشد من المحذور في داعى الامر ، فان الاشكال في باب داعى الامر كان ممكن الدفع عندهم بالالتزام بوجود امرين ، تعلق احدهما بذات الفعل والاخر باتيان الفعل بداعي الامر الاول كما سيأتي بيانه ، واما اشكال داعى الحسن وامثاله فلا يدفع بذلك ، وذلك لان الامر لما كان منالافعال الاختيارية للآمر كان لاحد ان يقول بصدور امرين عنه ، تعلق احدهما باعم مما يحصل الغرض اعني ذات الفعل ، والاخر بما يساويه اعني المقيد بداعي الامر ، ولكن الحسن والمحبوبية انما يتحققان فيما يحصل الغرض ولا يعقل تحققهما في اعم منه .

( وقد تلخص مما ذكرنا ) ان الوجوه التى ذكروها لامتناع اخذ قصد الامر في المأمور به يرجع بعضها إلى الامتناع في مقام الامر وبعضها إلى الامتناع في مقام الامتثال ، وقد ظهر الجواب عن القسم الاول فعمدة الاشكال في الباب هي الاشكال في مرحلة الامتثال وهو الحقيق بان يتصدى للجواب عنه .

( وقد تفصى ) بعضهم عن الاشكال بالالتزام بوجود أمرين تعلق احدهما بذات الفعل ، والآخر باتيانه بداعي الامر الاول .

( وفيه ) ان المفروض ان ذات الفعل لا تشتمل على المصلحة والغرض ، فالامر المتعلق بها امر صوري لا جدى و ( ح ) فكيف يتقرب بامتثاله مع العلم بعدم كون متعلقه محبوبا للمولى .

( وقد تصدى في الدرر ) لدفع الاشكال بوجهين آخرين ( الاول ) ( ما حاصله ) ان المعتبر في العبادات ليس قصد اطاعة الامر ، وانما المعتبر فهيا وقوع الفعل بنحو يصير مقربا وهذا لا يتوقف على الامر ، ( بيان ذلك ) ان الافعال على قسمين ( احدهما ) ما ليس للقصد دخل في تحققه وصدقه عنوانه عليه بل لو صدر عن الغافل ايضا لصدق عليه عنوانه ( وثانيهما ) ما يكون قوامه بالقصد كالتعظيم والاهانة وامثالهما .

ثم انه لا اشكال في ان تعظيم المولى بما هو اهل له وكذلك مدحه بما يليق به حسنان عقلا ومقربان إليه بالذات من غير احتياج في مقربيتهما إلى الامر بهما ، ولا اشكال ايضا في ان اختلاف خصوصيات المعظم والمعظم والمادح والممدوح موجب لاختلافهما ، فقد يكون تعظيم شخص بالسلام عليه ، وقد يكون بتقبيل


103

يده ، وقد يكون بغير ذلك ، وقد يشك بالنسبة إلى بعض الموالى في ان التعظيم اللائق بجنابه والمدح المناسب لشانه ماذا ، و ( ح ) فنقول ان علم العبد بان التعظيم والمدح اللائقين بجناب مولاه ماذا ، فلا محالة ياتيهما ويصيران مقربين له من غير احتياج إلى الامر بهما ، واما إذا شك في ان أي فرد من افراد التعظيم يناسب مقامه فلابد ( ح ) من الاعلام من قبل المولى والامر بما يحصل به التعظيم والمدح ، ولكن الامر انما هو لتشخيص ما يحصل به التعظيم فقط لا لكون قصده دخيلا في حصول القرب بل القرب يحصل بصرف ايجاد الفعل مع قصد عنوانه ، فالصلوة مثلا وان لم تكن ذوات افعالها واقوالها من دون اضافة قصد إليها بمحبوبة ولا مجزية ، ولكن من الممكن كون صدور هذه الهيئة المركبة من الحمد والثناء والتهليل والتسبيح والخضوع والخشوع مقرونة بقصد نفس هذه العناوين محبوبا للآمر ومناسبا لمقامه ، غاية الامر قصور فهم الانسان عن ادراك ذلك احوجه إلى امر المولى بها بحيث لو كان عقله كاملا لم يحتج إلى الامر ابدا ، وعلى هذا ففى عباديتها ومقربيتها لا نحتاج إلى قصد الامر حتى يلزم المحذور .

( الوجه الثاني ) ( ما حاصله ) ان ذوات الافعال مقيدة بعدم صدورها عن الدواعى النفسانية محبوبة عند المولى ، وتوضيح ذلك يتوقف على مقدمات : ( الاولى ) انه يمكن ان يكون المعتبر في العبادة اتيان الفعل خاليا عن سائر الدواعى ومستندا إلى داعى الامر بحيث يكون المطلوب هو المركب منهما .

( الثانية ) ان الامر الملحوظ فيه حال الغير تارة يكون للغير واخرى يكون غيريا ، فالاول كالامر بالغسل قبل الفجر بلحاظ الصوم ، والثانى كالاوامر الغيرية المترشحة من الاوامر النفسية .

( الثالثة ) انه لا اشكال في ان القدرة شرط في التكليف ولكنه يكفى حصولها بنفس الامر ولا يشترط ثبوتها سابقة عليه .

( إذا عرفت هذا فنقول ) : الفعل المقيد بعدم الدواعى النفسانية وثبوت الداعي الالهى ( الذى يكون موردا للمصلحة الواقعية ) وان لم يكن قابلا لتعلق الامر به بملاحظة جزئه الاخير لكن من دون ضم القيد الاخير فلا مانع منه .

( ولا يرد ) ان الفعل بدون ملاحظة تمام قيوده لا يتصف بالمطلوبية ( لانا نقول ) عرفت انه قد يتعلق الطلب بمالا يكون مطلوبا في حد ذاته بل يكون تعلق الطلب به لاجل ملاحظة الغير ، والفعل المقيد بعدم الدواعى النفسانية وان لم يكن تم


104

المطلوب لكن لما لم يوجد في الخارج الا بداعي الامر ، لعدم امكان خلو الفاعل المختار عن كل داع ، يصح تعلق الطلب به لاتحاده خارجا مع المطلوب الحقيقي ، وليس هذا الامر صوريا بل هو امر حقيقي ، لما عرفت من اتحاد متعلقه في الخارج مع المطلوب الاصلى ، نعم يبقى اشكال عدم القدرة وقد عرفت انه يكفى حصول القدرة بنفس الامر .

( انتهى الوجهان المذكوران في الدرر ) .

( وفي كليهما نظر اما الاول ) فلان قصد عنوان الفعل ان كان كافيا بلا احتياج إلى قصد حصول القربة كان حاصل ذلك عدم اشتراط قصد القربة في حصول العبادة وهذا مخالف لضرورة الدين واجماع المسلمين ، وان لم يكن كافيا عاد محذور الدور .

( واما الثاني ) فلان ما ذكر صرف تصوير في مقام الثبوت ، ضرورة انه ليس لنا في واحد من العبادات ما يستفاد منه اعتبار قيدين بحسب الواقع بنحو التركيب وتعلق الطلب ظاهرا بالمقيد بعدم الدواعى النفسانية ، بل الذى دل عليه الادلة الشرعية هو لزوم صدور الفعل عن داع الهى .

( وبالجملة ) ما ذكروه في مقام الجواب لا يغنى عن جوع فالاولى ان نتعرض لما هو الحق في الجواب ويتوقف بيانه على ذكر مقدمات ( المقدمة الاولى ) ما هو الداعي حقيقة إلى طاعة المولى واتيان ما امر به ، امر قلبى راسخ في نفس العبد يختلف بحسب تفاوت درجات العبيد واختلاف حالاتهم وملكاتهم ، فمنهم من رسخ في قلبه محبة المولى والعشق إليه وباعتبار ذلك يصدر عنه وعن جوارحه جميع ما احبه المولى وجميع ما أمر به .

وبعضهم ممن وجد في قلبه ملكة الشكر وصار بحسب ذاته عبدا شكورا وباعتبار هذه الملكة يصدر عنه اطاعة اوامر المولى لاجل كونها من مصاديق الشكر ، ومنهم من وجد في قلبه ملكة الخوف من عقاب المولى ، أو ملكة الشوق إلى ثوابه ورضوانه ، أو رسخ في نفسه عظمة المولى وجلاله وكبريائه فصار مقهورا في جنب عظمته وباعتبار هذه الملكة القلبية صار مطيعا لاوامر مولاه .

( وبالجلمة ) ما يصير داعيا للعبد ومحركا اياه نحو اطاعة المولى هو احدى هذه الملكات الخمسة النفسانية وغيرها من الملكات الراسخة ، وعلى هذا فما اشتهر من تسمية الامر الصادر عن المولى داعيا فاسد جدا ، ضرورة ان صرف الامر لا يصير داعيا ومحركا للعبد


105

ما لم يوجد في نفسه احدى الدواعى الخمسة المذكورة أو غيرها من الدواعى القلبية المقتضية للاطاعة كما يشاهد ذلك في الكفار والعصاة .

( نعم ) هنا شئ آخر وهو انه بعد ان ثبت للعبد احدى الملكات القلبية المقتضية لاطاعة المولى وصار نفسه باعتبار ذلك منتظرا لصدور الامر عن المولى حتى يوافقه ويمتثله ، يكون لصدور الامر عن المولى ايضا دخالة في تحقق الاطاعة والموافقة ، فانه المحقق لموضوع الطاعة ويصير بمنزلة الصغرى لتلك الكبريات فالداعي حالة بسيطة موجودة في النفس مقتضية للاطاعة بنحو الاجمال والامر محقق لموضوعها وموجب لتحريك الداعي القلبى وتاثيره في تحقق متعلقه ، وما هو الملاك في عبادية العمل ومقربيته إلى ساحة المولى هو صدوره عن احدى هذه الدواعى والملكات الحسنة ، وليس للامر بما هو امر تأثير في مقربية العمل اصلا فان المحقق لعبادية العمل هو صدوره عن داع الهى قد عرفت ان ما هو الداعي حقيقة عبارة عن الملكة القلبية ، نعم يمكن بنحو المسامحة تسمية الامر ايضا داعيا من جهة دخالته في تحقق الطاعة عمن وجد في نفسه احدى الملكات القلبية وما ذكرنا واضح لمن له ادنى تأمل .

( 1 ) ( المقدمة الثانية ) لا اشكال في ان الامر المتعلق بشئ كما يكون داعيا إلى ايجاد نفس ذلك الشئ كذلك يكون داعيا إلى ايجاد اجزائه الخارجية والعقلية ومقدماته الخارجية فان العبد الذى وجد في نفسه احدى الدواعى القلبية التى اشرنا إليها وصار باعتبار ذلك

( 1 ) اقول الظاهر ان داعى الفعل عبارة عن علته الغائية سواء كانت غاية نهائية محبوبة بالذات أو كانت غاية متوسطة واقعة في سلسلة العلل لما هو محبوب بالذات ، وبعبارة اخرى الداعي عبارة عما يتأخر عن الفعل بحسب الوجود ويتقدم عليه بحسب التصور بحيثيتولد من ارادته ارادة الفعل ولا فرق في ذلك بين ان يكون الغاية موجودة بوجود مستقل ممتاز من ذى الغاية أو تكون امرا انتزاعيا موجودا بنفس وجوده ، وعلى الاول فلا فرق ايضا بين ان تكون من المسببات التوليدية التى لا تتوسط الارادة بينها وبين اسبابها وبين ان لا تكون كذلك ( ومما ذكرنا يظهر ) ان في عد الملكات النفسانية دواعى للافعال نحو مسامحة فان حب المولى أو الشوق إلى ثوابه أو الخوف من عقابه مثلا ليس علة غائية بل الذى يترتب على العمل هو حصول محبوب المولى أو حصول ثوابه أو التخلص من عقابه ونحو ذلك ، غاية الامران الاول امر ينتزع عن نفس العمل وقد عرفت انه لا فرق في الداعي بين كونه موجودا بوجود مستقل وبين غيره وما اشتهر بينهم من عد الامر داعيا فلعل مرادهم من ذلك جعل عنوان موافقة الامر داعيا وهى عنوان ينتزع عن الفعل الخارجي ويصح عدها غاية له .

ح ع


106

بصدد اطاعة اوامر المولى ، كما يوجد متعلق الامر بداعي الامر المتعلق به بالمعنى الذى يتصور لداعوية الامر ، كذلك يوجد مقدماته بنفس هذا الداعي من دون ان ينتظر في ذلك تعلق امر بها عليحدة ، ويكفى في عباديتها ومقربيتها ايضا قصد اطاعة الامر المتعلق بذيها لكونها في طريق اطاعة الامر المتعلق به ، ولا نحتاج في عبادية الاجزاء والمقدمات إلى تعلق امر نفسي أو غيرى بها ، فان لم نقل بوجوب المقدمة تبعا لذيها ولم يتعلق بها امر نفسي ايضا ، لكفى في عباديتها قصد الامر المتعلق بذيها ، بل لو قلنا بوجوب المقدمة وتعلق امر غيرى بها امكن ان يقال ايضا بعدم كفاية قصده في عبادية متعلقه لعدم كونه امرا حقيقيا بل هو نحو من الامر يساوق وجوده العدم .

( والحاصل ) ان ما اشتهر من ان الامر لا يدعو الا إلى متعلقه فاسد فان الامر كما يدعو إلى متعلقه يدعو إلى جميع ما يتوقف عليه المتعلق ايضا ، والمحقق لعباديتها و مقربيتها ايضا نفس الامر المتعلق بذيها ، والسر في ذلك ان الداعي الحقيقي على ما عرفت ليس عبارة عن الامر ، بل هو عبارة عن الملكة الراسخة النفسانية الداعية إلى الطاعةبنحو الاجمال ، والامر محقق لموضوعها من جهة انها تتوقف على وجود الامر خارجا ، ( وح ) فإذا صدر الامر عن المولى متعلقا بشئ له مقدمات فذلك الداعي القلبى بوحدته وبساطته يوجب تحرك عضلات العبد نحو ايجاد متعلق الامر بجميع ما يتوقف عليه ، و كل ما صدر عن احدى هذه الملكات الحسنة فهو مما يقرب العبد إلى ساحة المولى من غير فرق في ذلك بين نفس متعلق الامر وبين اجزائه ومقدماته الوجودية والعلمية ، ( المقدمة الثالثة ) ان دخالة شيئ في المأمور به على انحاء ، ( فتارة ) من جهة انه اخذ فيه بنحو الجزئية ، ( واخرى ) من جهة اخذه بنحو القيدية بحيث يكون التقيد داخلا والقيد خارجا ، ( وثالثة ) من جهة دخالته في انطباق عنوان المأمور به على معنونه بان يكون المأمور به عنوانا بسيطا ينطبق على مجموع امور متشتتة ، ويكون هذا الشيئ دخيلا في انطباق هذا العنوان البسيط على هذه الامور بحيث لولاه لم ينطبق عليها ، وبعبارة اخرى يكون هذا الشئ من مقدماته الوجودية ، ( إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم ) انا نذكر في المقام جملة من كلام شيخنا الاستاد صاحب الكفاية ( طاب ثراه ) ثم نذيله بما هو الحق المحق


107

في المسألة ( قال " قده " ) في المقام ما هذا لفظه ، وتوهم امكان تعلق الامر بفعل الصلوة بداعي الامر ، وامكان الاتيان بها بهذا الداعي ضرورة امكان تصور الامر بها مقيدة والتمكن من اتيانها كذلك بعد تعلق الامر بها ، والمعتبر من القدرة المعتبرة عقلا في صحة الامر انما هو في حال الامتثال لا حال الامر ، واضح الفساد ضرورة انه وان كان تصورها كذلك بمكان من الامكان الا انه لا يكاد يمكن الاتيان بها بداعي امرها العدم الامر بها فان الامر حسب الفرض تعلق بها مقيدة بداعي الامر ولا يكاد يدعو الامر الا إلى ما تعلق به لا إلى غيره .

( ان قلت ) نعم ولكن نفس الصلوة ايضا صارت مأمورا بها بالامر بها مقيدة .

( قلت ) كلا لان ذات المقيد لا يكون مأمورا بها فان الجزء التحليلي العقلي لا يتصف بالوجوب اصلا فانه ليس الا وجود واحد واجب بالوجوب النفسي كما ربما يأتي في باب المقدمة .

( ان قلت ) نعم لكنه إذا اخذ قصد الامتثال شرطا ، واما إذا اخذ شطرا فلا محالة نفس الفعل الذى تعلق الوجوب به معهذا القصد يكون متعلقا للوجوب إذ المركب ليس الا نفس الاجزاء بالاسر ويكون تعلقه بكل ، بعين تعلقه بالكل ويصح ان يؤتى به بداعي ذلك الوجوب ضرورة صحة الاتيان باجزاء الواجب بداعي وجوبه ( قلت ) مع امتناع اعتباره كذلك فانه يوجب تعلق الوجوب بامر غير اختياري فان الفعل وان كان بالارادة اختياريا الا ان ارادته حيث لا تكون بارادة اخرى والا لتسلسلت ليست باختيارية كما لا يخفى ، انما يصح الاتيان بجزء الواجب بداعي وجوبه في ضمن اتيانه بهذا الداعي ، ولا يكاد يمكن الاتيان بالمركب عن قصد الامتثال بداعي امتثال امره ، ( انتهى ما اردنا نقله من كلامه قده ) .

( اقول ) : نحن لا نحتاج في ايجاد الصلوة بداعي الامر إلى تعلق امر بذات الصلوة كما هو محط نظره ( قده ) بل نفس الامر بالمقيد يدعوا إليها ايضا ، ويكفى ايضا في مقربيتها وعباديتها اتيانها بداعي هذا الامر ، وذلك لما عرفت في المقدمة الثانية من انه يكفى في عبادية الاجزاء التحليلية والخارجية والمقدمات الوجودية والعلمية ، اتيانها بداعي الامر المتعلق بالكل وبذي المقدمة وقوله لا يكاد يدعو الامر الا إلى ما تعلق به لا إلى غيره واضح الفساد ، فان الامر كما يكون داعيا إلى نفس متعلقه كذلك يكون داعيا إلى كل ماله دخل في تحققه من غير احتياج في مدعويتها للامر إلى تعلق امر بها عليحدة ، ففيما نحن فيه بعد ما وجد في نفس المكلف احدى


108

الدواعى القلبية التى اشرنا إليها وصار باعتبار ذلك بصدد موافقة اوامر المولى واطاعتها باى نحو كان إذا حصل له العلم بان مطلوب المولى وما امر به عبارة عن طبيعة الصلوة المقيدة بداعي الامر مثلا فلا محالة يصير بصدد تحصليها في الخارج باى نحو اتفق ، وحينئذ فإذا لاحظ ان اتيان ذات الصلوة بداعي الامر ( المتعلق بها مقيدة بداعي الامر ) ، يلازم في الخارج حصول هذا القيد الذى لا يعقل داعوية الامر إليه ايضا ، فلا محالة ينقدح في نفسه ارادة اتيان ذات الصلوة ويتحقق بذلك المأمور به بجميع اجزائه وشرائطه إذ الفرض تحقق الصلوةبداعوية الامر وتحقق قيدها اعني الداعوية قهرا ( فان قلت ) اتيان الاجزاء بداعي الامر المتعلق بالكل انما يتمشى فيما إذا كان المكلف بصدد اتيان الكل وكان دعوة الامر إليها في ضمن دعوته إليه ، وفيما نحن فيه ليس كذلك فان داعوية الامر ايضا احد من الاجزاء ولا يعقل كون الامر داعيا إلى داعوية نفسه ( قلت ) هذا إذا لم يكن بعض الاجزاء حاصلا بنفسه وكان حصول كل منها متوقفا على دعوة الامر إليه ، واما إذا كان بعضها حاصلا بنفسه ولم نحتج في حصوله إلى دعوة الامر بل كان دعوته إليه من قبيل الدعوة إلى تحصيل الحاصل فلا محالة يختص داعوية الامر بساير الاجزاء ويتحقق الواجب بجميع ما يعتبر فيه ، مثلا ان تعلق الامر بالصلوة المقيدة ، بكون المصلى مستترا ومتطهرا ومتوجها إلى القبلة فدعوته إلى ايجاد هذه القيود تتوقف على عدم حصولها للمكلف بأنفسها ، واما إذا كانت حاصلة له من غير جهة الامر فلا يبقى مورد لدعوة الامر بالنسبة إليها ، ولا محالة ينحصر دعوته فيما لم يحصل بعد من الاجزاء والشرائط ، ففيما نحن فيه ايضا قيد التقرب وداعوية الامر يحصل بنفس اتيان الذات بداعي الامر فلا نحتاج في تحققه إلى دعوة الامر إليه حتى يلزم الاشكال ( والحاصل ) ان كل ما كان من الاجزاء والشرائط حاصلا قبل داعوية الامر إليه أو يحصل بنفس داعويته إلى سائر الاجزاء فهو مما لا يحتاج في حصوله إلى دعوة الامر إليه ولا محالة ينحصر دعوته في غيره .

( ان قلت ) بعد اللتيا واللتى فاشكال الدور الوارد في مقام الامتثال بحاله ، فان داعوية الامر تتوقف على كون المدعو إليه منطبقا لعنوان المأمور به ومصداقا له ، والمفروض فيما نحن فيه ان مصداقيته للمأمور به ايضا تتوقف على داعوية الامر إليه ( قلت اما اولا ) فلا يعتبر في داعوية الامر كون المدعو إليه قبل الداعوية منطبقا لعنوان


109

المأمور به ، وانما المعتبر فيها هو كونه منطبقا له ولو بعد داعوية الامر ، وهيهنا كذلك اما بناء على قيدية داعوية الامر فواضح ، فان وجود المقيد بعين وجود المطلق الذى في ضمنه ، وعلى هذا فنفس المدعو إليه يصير منطبقا لعنوان المأمور به ، واما بناء على جزئيتها فلا اشكالايضا فان المدعو إليه ( ح ) وان لم يكن عين المأمور به وجودا ، ولكنه يلازمه في الوجود كما عرفت ( واما ثانيا ) فانا لا نسلم كون داعوية الامر متوقفة على كون المدعو إليه منطبقا لعنوان المأمور به ولو بعد الداعوية ايضا لما عرفت من ان الامر كما يدعو إلى المتعلق يدعو ايضا إلى كل ما له دخل في وجوده وتحققه ، وإذا كان المأمور به شيئا لا يمكن دعوة الامر إليه بجميع اجزائه وقيوده كما فيما نحن فيه ولكن كان دعوة الامر إلى بعض اجزائه واتيانه بهذا الداعي ملازما لتحصل المأمور به بجميع ما يعتبر فيه ، فلا محالة يصير الامر المتعلق بالكل داعيا إلى ما يمكن دعوته إليه من الاجزاء .

( والحاصل ) ان كل واحد من المكلفين بعد ما وجد ى نفسه احدى الدواعى و الملكات القلبية المقتضية لا طاعة المولى وموافقته وصار باعتبار ذلك متهيئا منتظر الصدور امر من قبل مولاه حتى يمتثله ، إذا عثر على أمر المولى بالصلوة بداعي الامر مثلا فلا محالة يصير بصدد ايجاد متعلقة في الخارج باى نحو كان ، و ( ح ) فإذا رأى ان ايجاد الاجزاء التى يمكن دعوة الامر إليها في الخارج بداعوية الامر المتعلق بالكل يلازم وجود المأمور به بجميع اجزائه وشرائطه قهرا ، فلا محالة ينقدح في نفسه ارادة اتيان هذه الاجزاء ويصير الامر بالكل داعيا إليها ، وباتيانها يتحقق الامتثال والقرب إلى المولى ايضا فان الملاك في المقربية على ما عرفت هو استناد الفعل إلى الملكات والدواعي القلبية التى اشرنا إليها في المقدمة الاولى ، والمفروض فيما نحن فيه اتيان الاجزاء بارادة متولدة من ارادة موافقة المولى المتولدة من احدى الدواعى القلبية التى اشرنا إليها فتدبر .

( وقد ظهر لك مما ذكرنا ) ما هو الحق في الجواب عن اشكال الباب بناء على كون قصد الامر جزء للمأمور به أو قيدا له ، وتبين لك ايضا فساد كلام المحقق الخراساني .

( ثم ان ) فيما ذكره اخيرا من عدم اختيارية الارادة لايجابها التسلسل ، ايضا ما لا يخفى ، فان اختيارية


110

كل فعل بالارادة واختيارية الارادة بنفسها ، ( 1 ) ( مضافا ) إلى ان الارادة لو كانت غير اختيارية وكان هذا مانعا من جعلها جزء وشطرا كان مانعا من شرطيتها ايضا فلم خص الاشكال بصورة جزئيتها ، بل يرد عليه ان الاشكال بعينه وارد ايضا بناء على تعلق الامر بنفس الصلوة وعدم سقوط الغرض الا باتيانها بقصد الامتثال كما هو مبناه ( قده ) فان قصد الامتثال إذا كان غير اختياري ، لا يمكن ان يكون تحصيل الغرض المتوقف عليه واجبا للزوم اناطة الامتثال بامر غير اختياري .

( ثم ان ) الجواب المذكور كما عرفت انما هو بناء على جزئية قصد الامر أو قيديته .

( ويمكن ان يجاب عن الاشكال ايضا ) ببيان آخر وعليه لا يكون قصد الامتثال جزء ولا قيدا ، وذلك بناء على عدم كون مثل الصلوة ونحوها امورا مركبة ( توضيح ذلك انه يمكن ان يقال ) ان الصلوة مثلا اسم لمجموع الاجزاء المتشتتة الملحوظة بلحاظ واحد ، وقد امر بها الشارع متقيدة بقيود معينة مثل الطهارة ونحوها ، وعليه فيكون الجواب عن الاشكال بتقريب مر بيانه ( ويمكن ان يقال ) ايضا كما هو الاظهر : ان الصلوة مثلا عنوان انتزاعي بسيط ينتزع عن الامور المتشتتة التى اولها الكبير وآخرها التسليم ويكون انطباق هذا العنوان البسيط على معنونه ( اعني هذه المتشتتات ) متوقفا بحسب الواقع على وجود امور نسميها بالشرائط وفقد امور نسميها بالموانع ، غاية الامر ان الشارع قد كشف عن هذا المعنى وامر بايجاد هذا الامر البسيط وعلي هذا فليس مثل التكبير مثلا جزء لنفس الصلوة إذا المفروض بساطتها فهو جزء للمعنون لا للعنوان الذى امر به الشارع ، وليس ايضا مثل الطهارة قيدا شرعيا بان يكون المأمور به عبارة عن الصلوة المقيدة بها إذا المفروض كونها دخيلة في انطباق عنوان الصلوة على معنونها فهى من مقدماتها الوجودية الواقعية التى كشف عنها الشارع لا من القيود المأخوذة في الواجب ، وعلى هذا الفرض فمن جمله شروط الصلوة ايضا قصد القربة فهو ليس جزء للواجب إذا الفروض بساطته ولا شرطا شرعيا بمعنى كونه قيدا للواجب ، بل هو شرط لانطباق العنوان المأمور به

( 1 ) اقول لا معنى لاختيارية الارادة وكون اراديتها بنفسها ، فان معنى اختيارية الفعل كوناختيار الفاعل وارادته علة لحصوله ولا يعقل كون الارادة علة لنفسها ( نعم ) هي ارادة بالحمل الاول ولكن لا يكفى ذاتها في تحققها والا لكانت واجبة الوجود .


111

على معنونه ، وبعبارة اخرى من المقدمات العقلية الواقعية لوجود المأمور به غاية الامر انه كشف عنها الشارع بحيث لو كان العقل محيطا بالواقعيات لم يكن احتياج إلى بيان الشارع ، بل كان العقل يرى بنفسه توقف المأمور به في تحققه على هذا الشرط العقلي ، وعلى هذا فعنوان الصلوة ينطبق على ذوات الاجزاء التى اولها التكبير وآخرها التسليم وليس قصد القربة جزء من المعنون اصلا ، والامر انما يدعو إلى ايجاد هذا الامر البسيط الانتزاعي الذى يكون متعلقا له غاية الامر ان دعوته إلى ايجاد هذا الامر البسيط بعينها دعوة الى ايجاد معنونه ومصداقه ، فينقدح في نفس الفاعل ارادة ايجاد المعنون بداعي حصول المأمور به وبهذه الدعوة يتحقق شرط الانطباق ايضا فتدبر .

( وقد تلخص مما ذكرناه ) امكان اخذ قصد القربة في المأمور به ، ( ح ) فإذا شك في التعبدية والتوصلية فمقتضى الاطلاق هو التوصيلة وحكمه في الاصل العملي ايضا حكم سائر موارد الاقل والاكثر والحق جريان البرائة فيها كما ياتي في محله .

( المبحث السادس

في المرة والتكرار )

الحق ان صيغة الامر لا تدل على المرة ولا التكرار سواء فسرا بالفرد والافراد أو بالدفعة والدفعات وقد ذكر صاحب الفصول احتمالات في تفسيرهما لا مجال لذكرها فراجع ، ووجه عدم الدلالة على واحد منهما ظاهر فان الطلب الذى هو مدلول الامر يتعلق بنفس الطبيعة اللا بشرط بالنسبة إلى جميع القيود وهى تجتمع مع الف شرط ، نعم الافراد الطولية لا تقع باجمعها مصاديق للامتثال لحصول الطبيعة بالاول منها فيسقط الامر قهرا ، واما الافراد العرضية فهل تصير بمجموعها امتثالا واحدا ، أو يكون كل منها فراد مستقلا للامتثال أو هو تابع لقصد الممتثل ؟ فيه اقوال ثلثة .

وما يمكن ان يوجه به القول الاول هو ان الامر يتعلق بنفس الطبيعة ، والخصوصيات الفردية وجهات الامتياز الموجودة في الافراد كلها خارجة من متعلق التكليف ، فما هو المصداق للامتثال فيما نحن فيه هو الطبيعة الجامعة للفراد المعراة عن جميع الخصوصيات الفردية وهى امر واحد ، وفيه ان الطبيعة الموجودة في الخارج تتكثر بتكثر افرادها


112

لكونها امرا لا يابى الوحده ولا الكثرة ، والقول بكون الطبيعة الموجودة في الخارج موجودة بوجود وحداني وان تكثرت افرادها ضعيف في الغاية ( واما القول الثالث ) فقد اختاره شيخنا الاستاد المحقق الخراساني ولكنه بحسب الظاهر لا وجه له فاظهر الاقوال هو القول الثاني .

( ثم ان ) الفور والتراخى ايضا مثل المرة والتكرار في عدم دلالة الامر على واحد منهما فافهم .

( ( الفصل الثاني

في الاجزاء )

وقد عنونوا المسألة بوجوه ثلث ( الاول ) ما في كلام بعضهم وهو ان لامر يقتضى الاجزاء ام لا ؟ ( الثاني ) ما ذكره بعض آخر وهو ان الاتيان بالمأمور به يقتضى الاجزاء ام لا ؟ ( الثالث ) ما في الكفاية وهو ان الاتيان بالمأمور به على وجهه يقتضى الاجزاء .

( والمراد ) بلفظ الاجزاء معناه اللغوى اعني الكفاية كما في الكفاية ، ولازمها اسقاط التعبد والقضاء .

( والمقصود ) من الاقتضاء في العنوان الاول هو الدلالة والكشف لا العلية لعدم كون الامر بنفسه علة للاجزاء كما هو واضح .

والمقصود منه في العنوانين الاخيرين هو العلية ، إذ الاتيان علة السقوط الامر بل نفسه .

واما قيد ( على وجهه ) فقذ ذكر في الكفاية ان ذكره انما يكون لشموله الكيفيات المعتبرة في المأمور به شرعا أو عقلا مثل قصد القربة على ما اختاره من عدم امكان اخذه في المأمور به ، لا خصوص الكيفيات المعتبرة شرعا فقط والا لكان القيد توضيحا .

( وفيه ) ان ما ذكرت من عدم امكان اخذ قصد القربة في المأمور به كلام حدث منزمن الشيخ الانصاري ( قدس سره ) ، وزيادة قيد على وجهه في العنوان سابقة على زمنه ، فليس ازدياده في العنوان لشمول مثل القربة ونحوها .

ولعل ازدياده فيه انما هو لرد عبد الجبار ( قاضى القضاة في الرى من قبل الديالمة ) ، حيث استشكل على الاجزاء بما إذا صلى مع الطهارة المستصحبة ثم انكشف كونه محدثا فان صلوته باطلة غير مجزية مع امتثاله الامر استصحابى .

( ووجه رده بذلك ) ان المأمور به في هذا المثال لم يؤت به على

( 1 ) لعله ( قده ) اختار هذا القول في اثناء درسه والا فلم نجده في الكفاية ح

113

وجهه ، من جهة ان الطهارة الحدثية بوجودها الواقعي شرط .

( ثم انه ) ذكر في الكفاية ( ما حاصله ) ان الفرق بين هذه المسألة ومسألة المرة والتكرار هو ان البحث في هذه المسألة في ان اتيان المأمور به بعد ثبوت كونه مأمورا به يجزى عقلا ام لا ؟ وفي تلك المسألة في تعيين ما هو المأمور به شرعا حتى يترتب عليه الاجزاء عقلا ( وان الفرق ) بينها وبين مسألة تبعية القضاء للاداء هو ان البحث في مسألة التبعية في دلالة الصيغة على التبعية وعدمها وفيما نحن فيه في كون اتيان المأمور به مجزيا عقلا ام لا ( انتهى ) .

( اقول ) : لا ينقضى تعجبي من مقايسة مسألة التبعية مع ما نحن فيه ، إذ بينهما بون بعيد ( 1 ) حيث ان النزاع في مسألة التبعية انما هو فيما إذا لم يات المكلف ما هو مامور به ، وفيما نحن فيه فيما إذا اتاه فينازع في اسقاطه التعبد به ثانيا في الوقت أو في خارجه .

( ثم انه ) ( قدس سره ) ذكر ( ما حاصله بتوضيح منا ) : ان البحث في المسألة في موضعين ( الموضع الاول ) ان امتثال كل امر يجزى عن التعبد بهذا الامر ثانيا ، فامتثال الامر الواقعي يجزى عن نفسه ، وكذلك امتثال الامر الاضطراري يجزى عن نفسه ، وكذا الظاهرى ايضا ، لاستقلال العقل بانه لا يبقى مجال لموافقة الامر واتيان المأمور به بعد موافقته واتيانه .

( نعم ) لا يبعد ان يقال ان للعبد تبديل الامتثال ( 2 ) فيما لم يكن امتثاله علة تامة

( 1 ) يمكن ان يقال ، ان عمدة النظر في بحث الاجزاء ، هو اثبات اجزاء امتثال الامر الاضطراري أو الظاهرى عن الامر الواقعي فينازع في سقوط الامر الواقعي وعدم سقوطه .

مع ان المكلف لم يات ما هو المأمور به بهذا الامر فليس بين المسئلتين بون بعيد ح - ع ( 2 ) اقول : تبديل الامتثال بعد حصوله امر غير معقول ، إذ الاتيان بفرد الطبيعة المأمور بها موجب لسقوطه قهرا ، وفيما ذكره من المثال لم يحصل الامتثال حتى يبدله على فرض ، ولم يمكن تبديله على فرض آخر ، فان امر المولى عبده باتيان الماء اما ان يكون الغرض منه هو التمكن من الشرب فقد حصل بنفس الاتيان فلا يعقل تبديل الامتثال ، نعم اراقة الماء موجبة لتفويت الغرض الذى قد حصل بالامتثال الاول و مولدة لامر اخر .

واما ان يكون الغرض منه رفع عطش المولى فالامتثال لم يحصل بصرف اتيان الماء حتى يبدله ، إذ المأمور به حينئذ ليس نفس الاتيان بالماء بل ايجاد كل ما هو في اختيار الع


114

لحصول الغرض ، كما لو اتى بماء امر به مولاه ليشربه فلم يشربه بعد .

( الموضع الثاني ) في اجزاء امتثال امر عن امر آخر ، وفيه مقامان .

( المقام الاول ) في ان اتيان المأمور به بالامر الاضطراري يجزى عن اتيان المأمور به بالامر الواقعي الاولى بعد رفع الاضطرار في الوقت أو في خارجه أو لا يجزى ؟ ( المقام الثاني ) في ان اتيان المأمور به بالامر الظاهرى يجزى عن اتيان المأمور به بالامر الواقعي بعد كشف الخلاف أو لا يجزى ؟ ( اما المقام الاول ) فالبحث فيه تارة في مقام الثبوت واخرى في مقام الاثبات ، اما في مقام الثبوت فالفروض المتصورة اربعة ، إذ التكليف الاضطراري اما ان يكون وافيا بتمام المصلحة والغرض من الامر الاولى أو لا يكون وافيا بها بل يبقى منها شئ امكن استيفائه أو لم يمكن وما امكن كان بمقدار يجب استيفائه أو بمقدار يستحب .

ولازم الجميع هو الاجزاء الا في الصورة الثالثة ، ومقتضى الصورة الثانية عدم جواز تسويغ البدار لما فيه من نقض الغرض وتفويت مقدار من المصلحة ، كما انه لا مانع من تسويغه في الصورتين الاخيرتين .

واما الصورة الاولى فتسويغ البدار فيها يدور مدار كون العمل الاضطراري بمجرد طرو الاضطرار وافيا بغرض الامر الاولى أو بشرط الانتظار أو مع اليأس من طرو الاختيار .

( واما في مقام الاثبات ) فان كان لدليل الامر الاضطراري اطلاق يدل على ان مطلق الاضطرار ولو في بعض الوقت يكفى لتعلق التكليف الاضطراري مثل قوله تعالى ( فان لم تجدوا ماء الاية ) فالظاهر هو الاجزاء وان لم يكن هنا اطلاق فالاصل يقتضى البرائة من ايجاب الاعادة لكونه شكا في اصل التكليف ( انتهى ) .

( اقول ) : مراجعة التكاليف الاضطرارية الثابتة في شريعتنا ترشدك إلى ان ما ذكره ( طاب ثراه ) لا يرتبط اصلا بما هو الثابت من التكاليف الاضطرارية ، لكون ما ذكره مبتنيا على ان يكون لنا امران مستقلان : احدهما واقعى اولى والاخر اضطرارى

‌ من مقدمات رفع عطش المولى اعني اتيان الماء ، وابقائه إلى زمن شرب المولى اياه فما لم يشربه المولى لم يحصل الامتثال وكان للعبد اراقة الماء وتبديله ، ولكن ليس هذا تبديلا للامتثال .


115

ثانوى ، فينازع حينئذ في كفاية امتثال احدهما عن امتثال الاخر ، مع ان الامر في التكاليف الاضطرارية ليس كذلك ، على انه لو كان الامر كذلك لم يكن معنى لكفاية امتثال امر عن امر آخر ، إذ كل امر وتكليف يقتضى امتثالا عليحدة ، وانما المتحقق في التكاليف الاضطرارية الثابتة في شرعنا ان يتوجه امر واحد من الشارع متعلقا بطبيعة واحدة مثل الصلوة متوجها إلى جميع المكلفين غاية الامر ان الادلة الشرعية دلت على اختلاف افراد هذه الطبيعة باختلاف الحالات الطارية على المكلفين ، وان كل واحد منهم قد وجب عليه ايجاد هذه الطبيعة في ضمن ما هو فرد لها بحسب حاله ، مثلا الادلة الشرعية دلت على انالناس كلهم من القادر والعاجز والصحيح والسقيم وواجد الماء وفاقده مكلفون باتيان الصلوات الخمس في اوقاتها ومندرجون تحت قوله تعالى ( اقيموا الصلوة ) ، وما وجب على كل واحد منهم في هذا المقام هو ايجاد طبيعة الصلوة لا غير .

غاية الامر دلالة الادلة الاخر على ان الصلوة في حق واجد الماء مثلا عبارة عن الافعال المخصوصة مقرونة بالطهارة المائية ، وان الصلوة في حق فاقده عبارة عن هذه الافعال مقرونة بالطهارة الترابية ، وكذلك الصلوة في حق القادر على القيام مشروطة بالقيام وفي حق العاجز عنه مشروطة بالعقود مثلا .

وبالجملة المستفاد من الادلة ان فاقد الماء ايضا مثل واجده في ان المتوجه إليه امر واحد ، وهو قوله ( اقيموا الصلوة ) ولم يتوجه إليه امران ( واقعى اولى وواقعى ثانوى ) حتى ينازع في كفاية امتثال احدهما عن الاخر ، ولم يكلف ايضا بايجاد فردين من طبيعة واحدة حتى نبحث في كفاية الفرد الاضطراري عن الفرد الاختياري ، بل الذى وجب عليه هو ايجاد طبيعة الصلوة المأمور بها بايجاد فرد منها .

غاية ما في الباب ان فرد الصلوة بالنسبة إلى الفاقد هو الصلوة مع التيمم كما ان الصلوة في حال العقود أو الاضطجاع أو المشى أو الركوب ايضا فرد للطبيعة المأمور بها بقوله : ( اقيموا الصلوة ) ولكن بالنسبة إلى العاجز عن القيام أو عنه وعن القعود أو عن الاستقرار .

وعلي هذا فإذا اتى كل واحد من المكلفين ما هو مقتضى وظيفته فقد اوجد الطبيعة المأمور بها وامتثل قوله ( تعالى ) ( اقيموا الصلوة ) ولازم ذلك هو الاجزاء وسقوط الامر قهرا


116

إذ لا يعقل بقاء الامر بعد اتيان متعلقه .

وما توهم من كون لفظ الصلوة مثلا موضوعا في الشرع لصلوة الكامل المختار ، و كون صلوات المضطرين ابدالا لها جعلها الله ابدا لا مادام الاضطرار ، ولازم ذلك وجوب قضاء ما فات بعد زوال الاضطرار ، واضح البطلان لمن راجع الاخبار والقرآن ، لظهورهابل صراحتها في ان ما كلف به المضطر ايضا فرد من الصلوة المأمور بها بقوله ( اقيموا الصلوة ) لا انه ليس فردا منها وجعل بدلا منها ، فانظر إلى قوله ( تعالى ) في سورة المائدة ( آية 8 و 9 ) حتى يظهر لك صحة ما قلناه قال ( تبارك اسمه ) يا ايها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق ( إلى ان قال ) فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ( الاية ) .

فالاية سبقت لبيان ما به يحصل الطهارة التى هي من شرائط طبيعة الصلوة التى امر بها كل واحد من افراد الناس ، وقد بين فيها اختلاف ما هو المحصل لها باختلاف حالات المكلفين .

فصلوة واجد الماء وفاقده كلتاهما من افراد طبيعة الصلوة الا انها بالنسبة إلى الاول مشروطة بالطهارة المائية ، وبالنسبة إلى الثاني مشروطة بالطهارة الترابية ( واللام ) في قوله ( إذا قمتم إلى الصلوة ) قد اشير بها إلى تلك الطبيعة المعدة من ضروريات الدين المكلف بها كل واحد من افراد الناس .

( ونظير ) هذه الاية ( آية 239 و 240 من سورة البقرة ) قال عز من قائل : حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى وقوموا لله قانتين فان خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون .

( والحاصل ) ان كل واحد من المكلفين من المختار والمضطر باقسامه لم يكلف الا بايجاد طبيعة الصلوة وإذا اوجدها سقط الامر المتعلق بها قهرا ، الا ان الطبيعة المأمور بها طبيعة مجهولة لا تتعين الا بتعيين شارعها ، وقد قامت الادلة الشرعية على ان صلوة المختار هكذا وصلوة المضطر هكذا ، وما وجب على كل مكلف انما هو اتيان ما هو فرد للصلوة بحسب حاله وباتيانه يسقط الامر بالصلوة قهرا ولم يتوجه إلى المضطر امران حتى يقع البحث في كفاية امتثال احدهما عن الاخر ( 1 ) ولو فرض ان المتوجه إليه امران

( 1 ) ربما يقال : ان الادلة الدالة على التكاليف الاضطرارية لا تقيد الادلة الدالة ع

117

فالاجزاء غير متصور لاقتضاء كل امر امتثالا عليحدة .

( نعم ) يمكن ان يكون الموضوع لفردية الصلوة الاضطرارية هو الاضطرار في جميع الوقت ، فلا يجزى حينئذ الصلوة المأتى بها مع التيمم مثلا في اول الوقت ان زال الاضطرار في آخره ، ولكن لا من جهه عدم اجزاء امتثال الامر الاضطراري بل من جهة عدم اتيان المأمور به ، إذ الفرض توقف فردية الصلوة مع التيمم لطبيعة الصلوة المأمور بها على الاضطرار في جميع الوقت لا مطلق الاضطرار .

( وبالجملة ) ما هو الموضوع لوجوب الصلوة مع التيمم مثلا اما ان يكون مطلق الاضطرار ، واما ان يكون الاضطرار في جميع الوقت ، فان كان مطلق الاضطرار فالمأتى به في اول الوقت ايضا فرد للطبيعة وقد اتى به فسقط امرها ولا معنى لامتثاله ثانيا ، وان كان الاضطرار في جميع الوقت فالماتى به في اوله ليس فردا للصلوة لعدم تحقق موضوعه ، لا انه فرد من افرادها ومع ذلك لا يجزى ، وعدم جواز البدار في هذه الصورة مع احتمال بقاء الاضطرار إلى اخر الوقت انما هو من جهة عدم العلم بتحقق الموضوع .

( فاللازم ) على الفقيه تتبع ادلة الاحكام الاضطرارية حتى يعلم انه في أي مورد يكون الموضوع هو مطلق الاضطرار ، وفي أي مورد يكون الموضوع هو الاضطرار في جميع الوقت أو مع اليأس من طرو الاختيار .

فتحصل مما ذكرنا ان التكليف الاضطراري ان اتى بمتعلقه يجزى عن الامر بالطبيعة الشاملة له وللفرد الاختياري ، لكونه فردا لها مثل الفرد الاختياري فلا اعادة ولا قضاء ، ( اما الاول ) فواضح إذ الاعادة بالامر الاول وقد سقط باتيان متعلقة .

( واما الثاني ) فواضح ايضا ان قلنا بكون القضاء بالامر الاول ، وكذلك ان قلنا انه بامر جديد إذ هو فيما لو فات العمل في وقته ، وفيما نحن فيه لم يفت لاتيانه على حسب

‌ التكاليف الاولية بان تخصها بصورة الاختيار لعدم المنافات بينهما لامكان ان يكون المضطر مكلفا بتكليفين وان كانا متعلقين بفردين من طبيعة واحدة .

غاية الامر انه لما كانت القدرة من الشرائط العقلية لفعلية التكاليف ، كان التكليف الاولىبالنسبة إلى المضطر في زمن اضطراره غير فعلى ، فإذا ارتفع الاضطرار ارتفع مانع الفعلية فاثر التكليف الاولى اثره .


118

ما هو وظيفة المكلف بحسب حاله .

( فان قلت ) يمكن ان يكون الفرد الاختياري من الصلوة اتم مصلحة من الفرد الاضطراري فباعتبار المقدار الباقي من المصلحة يجب الاعادة أو القضاء .

( قلت ) ما يجب على المكلف انما هو امتثال اوامر الشرع لا تحصيل المصالح ، إذ لا احاطة لعقولنا بالمصالح النفس الامرية حتى يجب علينا تحصيلها .

نعم لو كان الفرد الاضطراري انقص مصلحة من الفرد الاختياري بمقدار لازم الاستيفاء لم يكن للشارع حينئذ ( بمقتضى قواعد العدلية ) تشريع الفرد الاضطراري وجعله في عرض الفرد الاختياري ، حتى يكون مقتضاه تخير المكلف عقلا بين هذا الفرد الاضطراري وبين الفرد الاختياري الذى يتمكن منه في آخر الوقت في الواجب الموسع ، ولكن لا ربط لذلك بوظيفة الفقيه فان الفقيه لا يبحث الا فيما هو مقتضى الادلة الشرعية ، فإذا اقتضى الدليل فردية الصلوة مع التيمم مثلا لطبيعة الصلوة في حال الاضطرار اخذ الفقيه بمقتضاه ، وجعله دليلا على كونها في عرض ساير الافراد من كل جهة ، حتى ان للمكلف ان يجعل نفسه موضوعا لهذا الفرد الاضطراري ، بان يوجد الاضطرار لنفسه اختيارا نظير الحاضر الذى يسافر في حال الاختيار .

( فان قلت ) : إذا كان الفرد الاضطراري في عرض الفرد الاختياري ، فلم لا يجوز في باب الصلوة اقتداء الكامل بالمضطر ؟ ( قلت ) ليس هذا من جهة كون الفرد الاضطراري انقص مصلحة ، بل من جهة كون الكمال شرطا في الامامة للكاملين ، حيث ان الانسب كون الامام اكمل من المأموم .

( فان قلت ) إذا كان الصلوة مع التيمم في عرض الصلوة مع الطهارة المائية ، فلم وجبعلى فاقد الماء ان يطلبه في الجوانب الاربعة ؟ ( قلت ) فردية الصلوة مع التيمم للطبيعة المأمور بها موقوفة على فاقدية الماء .

والطلب انما هو لاحراز هذا الموضوع اعني الفاقدية .

( واعلم ) انه قد اشار إلى ما ذكرناه ( في التكاليف الاضطرارية ) المحقق في المعتبر في مسألة جواز اراقة الماء في اول الوقت وقد نقل عنه ذلك بنحو التلخيص المحقق الهمداني ( قده )


119

في طهارته في مسألة وجوب طلب الماء على من كان فاقدا له قال ( قده ) : ( انه مخاطب في تمام الوقت بصلوة واحدة مخيرا في أي جزء منه بلا ترتيب ففى أي جزء يلاحظ حالته ويعمل بموجب حالته من كونه مسافرا مثلا فيقصر أو حاضرا فيتم ، ومن الحالات إذا كان واجدا للماء فبالطهارة المائية أو غير واجد له فبالترابية ، ولا يجب في جزء من الزمان المتقدم حفظ حالته للزمان المتأخر ) ( واعلم ) ايضا ان ما ذكره صاحب الكفاية في مقام الاثبات ايضا لا يخلو عن شيئ بيان ذلك انه قد ظهر لك انه ليس لنا في باب التكاليف امران : اختياري واضطراري حتى نبحث في اجزاء احدهما عن الاخر ، وانه لو سلم وجود امرين فلا معنى لاجزاء احدهما عن الاخر ، وحينئذ فلو تنزلنا وسلمنا ما ذكره من ان لنا امرين وان امتثال الثاني يجزى عن الاول ، فما ذكره اخيرا ( من انه إذا لم يكن هناك اطلاق يدل على ان الموضوع للامر الاضطراري هو مطلق الاضطرار ولو في بعض الوقت فالمرجع هو البرائة ) فاسد جدا ، إذ المكلف قد علم باشتغال ذمته بالامر الواقعي ، ولكنه لا يعلم انه هل صار موضوعا للامر الاضطراري حتى يكون امتثاله مسقطا للامر الواقعي ايضا ، أو لم يصر موضوعا له لاحتمال ان يكون الموضوع للامر الاضطراري هو الاضطرار في جميع الوقت ؟ وحينئذ فاشتغال ذمته بالامر الواقعي يقتضى تحصيل البرائة اليقينية فكيف حكم ( قده ) باصالة البرائة .

( 1 )

( 1 ) اقول يمكن ان يقال ، ان مراده " قده " من الاطلاق ليس هو اطلاق الاضطرار كما فيكلام سيدنا الاستاد العلامة " مد ظله العالي " بل المراد اطلاق البدلية فيكون حاصل مراده ان المكلف لما لم يقدر على امتثال التكاليف الاولية جعل الشارع التكاليف الاضطرارية ابدالا لها ، فحين الاضطرار لا تكون التكاليف الاولية فعلية بل الفعلية لابدا لها .

وحينئذ فلو كان لنا اطلاق يدل على ان ما جعله الشارع بدلا بدل إلى الابد اخذنا بالاطلاق وحكمنا بالاجزاء عن التكليف الاولى لكفاية البدل عن المبدل منه ، ولو لم يكن هناك اطلاق ، فشككنا في ان بدلية الفرد الاضطراري عن الاولى هل هي إلى الابد حتى مع ارتفاع الاضطرار ، أو كانت بدليته منه في زمن الاضطرار فقط بان يكون وافيا بما يفوت من مصلحة الفرد الاولى في زمن الاضطرار من دون ان يكون وافيا بما يمكن تحصيله بعد ارتفاع الاضطرار بالاعادة أو القضاء ؟ فحينئذ تحكم بالبرائة ، إذ التكليف الاولى لم يكن في زمن الاضطرار فعليا وبعد ارتفاعه يشك في صيرورته فعليا لاحتمال ان يكون بدلية الفرد الاضطراري منه إلى الابد ، وهذا واضح لا سيما إذا كان طرو الاضطرار من اول الوقت ح


120

( المقام الثاني ) في اجزاء امتثال الامر الظاهرى عن الامر الواقعي ، ( وحيث ) ينجر الكلام في آخر المسألة إلى كيفية الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري ، فالاولى قبل الورود في تحقيقها ان نشير اشارة اجمالية إلى بعض وجوه الجمع بين الحكمين مما يناسب المقام .

فنقول : من الوجوه المذكورة في مقام الجمع بينهما ما ذكره شيخنا الاستاذ المحقق الخراساني في حاشيته على الرسائل ، ومحصله ان للحكم مراتب اربعة ، الاقتضاء ، والانشاء ، والفعلية ، والتنجز ، ولا يخفى ان التضاد بين الاحكام انما يكون بعد فعليتها و وصولها إلى المرتبة الثالثة اعني مرتبة البعث والزجر .

( إذا عرفت هذا فنقول ) : ان المحاذير المتوهمة في الباب انما تلزم لو قلنا بفعلية الحكمين معا ، واما إذا قلنا ببقاء الحكم الواقعي بالنسبة إلى الجاهلين في مرتبة الانشاء ، وكون البعث أو الزجر الفعلى على طبق ما أدت إليه الامارة اعني الحكم الظاهرى فيرتفع المنافات بالكلية .

( ثم شرع ) ( قده ) في سد ثغور هذا الجواب بما لا حاجة لنا إلى بيانه فراجع ( ومن الوجوه ) المذكورة في مقام الجمع بينهما ايضا ما ذكره المحقق المذكور في الحاشية بنحو الاجمال والاشارة ، وفي الكفاية بنحو التفصيل .

( وحاصله ) ان معنى التعبد بخبر الواحد مثلا ليس انشاء احكام تكليفية على وفق المؤديات بان ينحل ( صدق العادل ) مثلا بعدد ما يؤدى إليها الامارة من الاحكام ، فيكون النتيجة ثبوت الوجوب ظاهرا فيما إذا أدت إلى وجوب شئ ، وثبوت الحرمة ظاهرا فيما إذا أدت إلى حرمة شئ ، وهكذا ، بل التعبد به انما يكون بجعل الحجية له ، والحجية بنفسها حكم وضعي تنالها يد الجعل من دون ان يكون جعلها مستتبعا لانشاء احكام تكليفية بحسب ما ادى إليه الامارة ، واثر الحجية المجعولة ( كالحجية المنجعلة في القطع ) هو تنجيز الواقع على فرض الاصابة وصحة الاعتذار على فرض الخطاء ، وعلي هذا فليس هنا حكم تكليفي وراء الواقعيات فلا يلزم المحاذير ( نعم ) لو قيل باستتباع جعل الحجية لاحكام


121

تكليفية أو قيل بانه لا معنى لجعلها الا جعل احكام تكليفية طريقية مماثلة للمؤديات من جهة انها من الوضعيات المنتزعة عن التكليفيات ولا تنالها يد الجعل مستقلا ، فاجتماع حكمين تكليفيين وان كان يلزم حينئذ ولكنهما ليس بمثلين أو ضدين فان الحكم الظاهرى حكم طريقي عن مصلحة في نفسه بلا ارادة متعلقة بمتعلقه ولا مصلحة في متعلقه وراء مصلحة الواقع ، والحكم الواقعي حكم نفسي عن مصلحة في متعلقه ويكون على طبقه الارادة .

( هذه خلاصة ما ذكره في الكفاية ) وكان يبنى عليه اخيرا .

ولا يخفى عليك ان ما ذكره المحقق المذكور في حاشيته يناقض ظاهرا ما ذكره في الكفاية اخيرا حيث صرح في الحاشية بان الحكم الواقعي انشائي محض ، والحكم الظاهرى فعلى ، وصرح في الكفاية بان الحكم الواقعي هو الفعلى الذى يكون على طبقهارادة البعث والزجر ، والحكم الظاهرى حكم طريقي ليس على وفقه الارادة والكراهة اصلا .

ومعنى كونه طريقيا انه ليس حكما حقيقيا في قبال الحكم الواقعي بل ان طابق الواقع فهو عينه ، وان خالفه كان حكما صوريا ليس على طبقه ارادة .

( ويمكن الجمع ) بين كلاميه بنحو يرتفع التهافت من البين بتقريب ان يقال : ان ما هو حقيقة الحكم وروحه عبارة عن ارادة المولى صدور الفعل عن العبد ، فانه الذى يتعلق به شوق المولى اولا ، غاية الامر انه لما كان الفعل من الافعال الارادية للعبد وكان تحققه منوطا بتحرك عضلاته نحوه ، تولد في نفس المولى من اردة الفعل ارادة تحرك عضلات العبد ، وحيث ان تحرك عضلاته متوقف على وجود الداعي في نفسه حتى ينبعث منه ( لو كان بحسب ملكاته ممن ينبعث من الدواعى الالهية ) فلا محالة يتولد في نفس المولى ارادة بعثه وانشاء الحكم بالنسبة إليه حتى يعلم به فينبعث منه نحو المقصود ، فما هو المراد اولا وبالذات ويكون متعلقا للشوق هو نفس صدور الفعل عن العبد ، واما البعث وانبعاثه منه فمرادان بالتبع من جهة انه يتسبب بهما إلى ما هو المقصود بالذات .

ولا يخفى ان ارادة الفعل وان كانت مطلقة ولكن ارادة انبعاث العبد من الخطاب والبعث مقصورة على صورة علم العبد بالخطاب من جهة انه لا يعقل داعوية البعث ما لم يتعلق به العلم ، حيث انه بوجوده العلمي يصير داعيا ومحركا ، وعلي هذا تصير ارادة الفعل الثابتة بنحو


122

الاطلاق داعية للمولى إلى ايجاد خطاب آخر في طول الخطاب الواقعي حتى يصير هو الداعي للعبد نحو الفعل المقصود بعد ان لم يطلع على الخطاب الواقعي ولم يمكنه الانبعاث منه ( وبالجملة ) بعد جهل العبد بالخطاب الواقعي وعدم امكان تأثيره في نفسه لو كان روح الحكم وحقيقته اعني ارادة الفعل باقية ، لتولدت منها ارادة خطاب آخر لا لمصلحة في نفس متعلقه بل لعين ما وجد بلحاظه الخطاب الواقعي ، وحينئذ فان كان الواقع بمثابة لا يرضى المولى بتركه ابدا كان الحكم المجعول ظاهرا عبارة عنوجوب الاحتياط ، وان لم يكن كذلك أو كان في ايجاب الاحتياط مشقة ومفسدة ، كان الحكم الظاهرى عبارة عن جعل الطرق والامارات فكل من الخطاب الواقعي والظاهري مجعول بلحاظ ما تعلق به الشوق اولا وارادة هذا صارت منشئا لتولد ارادة اخرى متعلقة بالخطاب الواقعي وارادة ثالثة متعلقة بالخطاب الظاهرى .

غاية الامر ان موارد اصابة الامارة لما لم تكن متميزة من موارد خطأها صار المجعول فيها حكما كليا يعم موارد الاصابة والخطأ ، ولكن ما هو المقصود من جعلها هو صور الاصابة فقط .

وصور الخطأ صارت مجعولة بالعرض نظير القصود الضرورية المتحققة بتبع المقصود الاصلى ، فان طابق الحكم الظاهرى للواقع كان عين الواقع حيث ان المقصود من كليهما وما هو روحهما امر واحد ، لما عرفت من ان نفس ارادة الفعل والشوق إليه صارت داعية للبعث الواقعي اولا والبعث الظاهرى ثانيا حتى يتسبب بهما إليه .

وان خالف الحكم الظاهرى للواقع كان صورة حكم لا حقيقة لها ، من جهة عدم وجود الارادة على طبقه وعدم كون متعلقه محبوبا للمولى ومتعلقا لشوقه وانما تعلق به القصد قهرا من جهة عدم تميز صورة المخالفة من صورة الاصابة .

( والحاصل ) ان ما هو المشتاق إليه اولا للمولى وما هو العلة الغائية للبعث هو نفس الفعل المشتمل على المصلحة ، وارادته روح الحكم وحقيقته ، غاية الامر انه تتولد من هذه الارادة ارادة متعلقة بسببه اعني البعث والخطاب ، فان له نحو سببية في النفوس التى لها ملكة الانبعاث من اوامر المولى ، وارادة لفعل ثابتة بنحو الاطلاق ولذلك اثرت في ايجاد خطاب مطلق غير مرهون بالعلم والجهل ، ولكن لما كان ايجاده لغرض الانبعاث


123

وكان الانبعاث منه متوقفا على العلم به ، فلا محالة تصير ارادة الانبعاث منه مقصورة على صورة العلم به بمعنى ان المولى بعد علمه بعدم قابلية الخطاب للتأثير في نفس العبد من جهة جهله به لا يعقل ان ينقدح في نفسه ارادة انبعاثه من هذا الخطاب الخاص ، ولكن لا يضر ذلك باطلاق ارادة الفعل والشوق إليه بما هو هو لا بما انه متسبب إليه بهذا الخطاب ، وحينئذ فان كان جعل خطاب آخر طريقي مستلزما للمشقة الشديدة مثلا ، لزمه رفع اليد عن واقعه ، وان لم يكن كذلك أو كان الواقع بمثابة من الاهمية بحيث لا يمكنه رفع اليد عنه لزمه جعل حكم ظاهري طريقي ليصير هو الباعث للعبد بعد خيبة الخطاب الاول فالعلة الغائية لكلا الحكمين وما هو روحهما امر واحد ، وهو نفس ارادة الفعل وهى ثابتة في حال الجهل بالخطاب الواقعي ايضا ، ولذا أثرت في ايجاد الخطاب الظاهرى ( نعم ) ارادة الانبعاث من الخطاب الواقعي نحو الفعل غير ثابتة في حال الجهل ، و انما الثابت حينئذ ارادة الانبعاث من الخطاب الظاهرى نحوه ، وعلي هذا فان اريد بالحكم الواقعي نفس ارادة الفعل قلنا انه فعلى في حال الجهل ايضا ، والخطاب الظاهرى ايضا عينه ان طابقه وصوري ان خالفه ، وان اريد به ارادة الفعل ولكن لا مطلقا بل الفعل الذى يحصل خارجا بسبب داعوية الخطاب الواقعي ، وبعبارة اخرى ارادة الانبعاث من الخطاب الواقعي نحوه ، قلنا انه شأني في حال الجهل لما عرفت من ان ارادة الانبعاث قاصرة عن شمول مورد الجهل ، والفعلى حينئذ عبارة عن الخطاب الظاهرى ، فانه الذى اريد الانبعاث منه فعلا نحو الفعل .

( إذا عرفت هذا فنقول ) : لعل كلام الحاشية مبنى على المشى الثاني في تفسير الحكم الواقعي ، وكلام الكفاية مبنى على المشى الاول فارتفع التهافت من البين .

( ولا يخفى ) ان المشى الاول امتن ، فان تفسير الحكم الواقعي بارادة الفعل بشرط حصوله بسبب داعوية خصوص الخطاب الواقعي ، انما هو من قصور النظر والا فالنظر الدقيق يقتضى خلاف ذلك ، فان ما ثبت اولا هو نفس ارادة الفعل والشوق إليه بنحو الاطلاق ، والانبعاث نحوه من خصوص خطاب خاص لا خصوصية له في مطلوبية الفعل وانما صار مطلوبا و مرادا بتبع ارادة نفس الفعل ومطلوبيته من جهة كون ارادة المسبب ارادة لاسبابه بالتبع


124

فنفس الفعل مطلوب مطلقا ولو في حال الجهل ، ولذا اثرت هذه المطلوبية في ايجاد خطاب آخر ليتسبب به إلى المقصود بعد عدم وفاء السبب الاول ( اعني الخطاب الواقعي ) بهذا المقصد ، وقد عرفت ان هذه المطلوبية هو روح الحكم وحقيقته ، ( فتلخص مما ذكرنا ) ان ما هو روح الحكم فعلى مطلقا فافهم .

( نعم ) ان خالف الحكم الظاهرى للواقع ، أو جهل العبد بكلا الخطابين فلا محالة يجب على المولى رفع اليد عن مراده بمعنى انه لا يمكن ان يريد انبعاث العبد نحو العمل مع كونه بهذا الوضع الفعلى من عدم الاطلاع على مراد المولى لا بسبب الخطاب الواقعي ولا بسبب البعث الطريقي فتصير الارادة شأنية حينئذ ، فما ذكرناه من فعلية الحكم الواقعي بروحه في حال الجهل انما هو فيما إذا جهل العبد بالبعث الواقعي ولكن وصل إليه الواقع بوسيلة الخطاب الظاهرى فتدبر .

( إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم ) ان ما بيناه ( من فعلية الحكم الواقعي ، وكون الحكم الظاهرى عينا له في صورة الموافقة ، وصورة حكم لا حقيقة لها في صورة المخالفة ) انما يصح فيما إذا كان المجعول الظاهرى حكما مستقلا غير ناظر إلى توسعة الواقع ، كما إذا قامت الامارة على حرمة شئ أو عدم وجوبه وكان بحسب الواقع واجبا ، أو قامت على وجوبه وكان بحسب الواقع حراما أو غير واجب ، ونحو ذلك من الامثلة ، واما إذا كان المجعول الظاهرى ناظرا إلى الواقع من دون ان يكون مفاده ثبوت حكم مستقل في عرضه بل كان بلسان تبيين ما هو وظيفة الشاك في اجزاء الواجب الواقعي المعلوم وشرائطه وموانعه ، فلا مجال حينئذ لفعلية الواقع بل الحكم الظاهرى يكون فعليا في ظرف الشك ويكون العمل على طبقه مجزيا .

( ولنذكر ) في المقام جملة من كلام شيخنا الاستاذ في الكفاية ، ثم نذيله بما يقتضيه التحقيق ( قال ) ( قده ) ما هذا لفظه : المقام الثاني في اجزاء الاتيان بالمأمور به بالامرالظاهرى وعدمه ، والتحقيق ان ما كان منه يجرى في تنقيح ما هو موضوع التكليف وتحقيق متعلقه وكان بلسان تحقق ما هو شرطه أو شطره كقاعدة الطهارة أو الحلية بل واستصحابهما في وجه قوى ونحوها بالنسبة إلى كلما اشترط بالطهارة أو الحلية يجزى ، فان دليله


125

يكون حاكما على دليل الاشتراط ومبينا لدائرة الشرط وانه اعم من الطهارة الواقعية والظاهرية ، فانكشاف الخلاف فيه لا يكون موجبا لانكشاف فقدان العمل لشرطه ، بل بالنسبة إليه يكون من قبيل ارتفاعه من حين ارتفاع الجهل ، وهذا بخلاف ما كان منها بلسان انه ما هو الشرط واقعا كما هو لسان الامارات فلا يجزى ( انتهى ) .

( اقول ) : تحقيق المقام ( على نحو يظهر منه مراد صاحب الكفاية ايضا مع ما فيه ) هو ان التكاليف الظاهرية على قسمين : ( القسم الاول منها ) ما ليست بنفسها تكاليف مستقلة ، بل كان لها النظر إلى التكاليف الواقعية ولها اصطكاك معها بان كانت بلسان تبيين ما هو وظيفة الشاك في اجزاء الواجب الواقعي المعلوم وشرائطه وموانعه ، وهذا انما يتصور فيما إذا صدر عن الشارع امر واحد متعلق بطبيعة مثل الصلوة وكان لهذه الطبيعة اجزاء وشرائط وموانع معينة بينها الشارع ثم صدر عنه تكاليف اخر ناظرة إلى بيان الوظيفة لمن شك في اجزاء هذه الطبيعة وشرائطها وموانعها ، فهذه التكاليف ليست تكاليف مستقلة في قبال الواجبات الواقعية المستقلة بل لها اصطكاك معها ونظر إليها ، سواء كانت في الشبهات الموضوعية ، كقاعدة الفراغ مثلا بالنسبة إلى من شك في اتيان جزء أو شرط أو مانع ، وكاستصحاب العدم لمن شك في اتيان جزء في محله ، وكالبينة القائمة على اتيان جزء أو عدم اتيانه مثلا .

( أو كانت ) في الشبهات الحكمية كحديث الرفع الدال على رفع جزئية السورة أو الاستعاذة ، وكقاعدة الطهارة الدالة على طهارة الحيوان المتولد من طاهر ونجس مثلا المقتضية لجواز الصلوة مع ملاقاة البدن له ، وكالخبر الموثق الدال على جزئيةالسورة أو عدم جزئيتها .

( وبالجملة ) القسم الاول من التكاليف الظاهرية ما كان بلسان تعيين الوظيفة بالنسبة إلى من شك في خصوصيات التكليف الواقعي المعلوم من الشرائط والاجزاء والموانع ، سواء كان هذا التكليف الظاهرى مفاد اصل أو امارة ، وسواء كان عدميا أو وجوديا ، وسواء كانت الشبهة موضوعية أو حكمية .

( القسم الثاني ) من التكاليف الظاهرية ما لا يكون لها اصطكاك مع التكاليف الواقعية ،


126

بل كانت هي بنفسها تكاليف مستقلة كما إذا كان مفاد الامارة أو الاصل وجوب صلوة الجمعة أو عدم وجوب الدعاء عند رؤية الهلال أو حرمة شئ أو عدم حرمته .

( إذا ظهر لك القسمان فاعلم ) ان القوم حين ما اراد واطرح النزاع في مبحث الاجزاء قالوا ان امتثال كل امر يكون مجزيا بالنسبة إلى نفسه ، واما اجزاء امتثال الامر الاضطراري أو الظاهرى عن الامر الواقعي الاولى ففيه بحث .

وعنوان المسألة بهذا الوجه غير صحيح وهو الذى اوجب استبعاد الاجزاء ، إذ لو فرض لنا امران مستقلان فلا وجه لاجزاء امتثال احدهما عن الاخر إذ سقوط كل امر متوقف على تحقق متعلق نفسه .

وما كان عند الاصحاب ايضا في مسألة الاجزاء مطرحا للبحث وموردا للنفي والاثبات ، ليس هو صورة فرض امرين لا يرتبط احدهما بالاخر ، وانما كان بحثهم ونزاعهم فيما إذا كان لنا امر واقعى معلوم متعلق بطبيعة ذات اجزاء وشرائط وموانع ثم شككنا في وجود جزء منها أو شرط أو مانع فقام الاصل أو الامارة على تحقق الاولين أو عدم الثالث ، أو شككنا في جزئية شيئ أو شرطيته أو مانعيته لها فقام الاصل أو الامارة على عدم الجزئية أو الشرطية أو المانعية مثلا ، وفي جميع هذه الصور ليس لنا الا امر واحد واقعى معلوم ، ومفاد الاصل أو الامارة توسعة دائرة ما هو المأمور به بهذا الامر .

( فتلخص لك مما ذكرنا ) ان مورد البحث ( في مسألة الاجزاء ) في التكاليف الظاهريةهو القسم الاول منها .

( إذا عرفت هذا فنقول ) ان الحق في هذا القسم بجميع شقوقه هو الاجزاء ، واللازم علينا اولا هو الرجوع إلى مقام الاثبات والادلة المتكفلة لبيان الاحكام الظاهرية فننظر في انها تكون ظاهرة في الاجزاء ام لا ؟ فان كانت ظاهرة فيه نبحث ثانيا في انه هل يلزم محذور عقلي من الاخذ بهذا الظهور أو لا يلزم ؟ فان لزم منه ذلك تركناه ، والا عملنا على طبق ما يقتضيه ظواهر الادلة .

( وعلي هذا فنقول ) : ان الشارع الذى اوجب على المكلفين اتيان الصلوة مثلا وجعلها عمودا للدين وبين اجزائها وشرائطها وموانعها ، إذا حكم لمن شك في اتيان بعض الاجزاء بوجوب المضى وعدم الاعتناء ، أو حكم لمن شك في طهارة بدنه أو لباسه الذى يصلى فيه


127

بانه نظيف حتى يعلم انه قذر ، أو حكم برفع جزئية السورة مثلا عمن نسيها أو شك في جزئيتها ، أو حكم بوجوب العمل بخبر الثقة مثلا فاخبر بطهارة شيئ أو عدم جزئية شيئ للصلوة أو غيرها من الواجبات المركبة ، فهل يكون مفاد هذه الاحكام الظاهرية وجوب العمل على وفق هذه الامور من دون تصرف في الواقع المأمور به أو يكون المستفاد من ظواهر هذه الادلة كون الصلوة أو الحج أو نحوهما بالنسبة إلى هذا المكلف عبارة عن نفس ما يقتضيه وظيفته الظاهرية ؟ لاريب في ان المستفاد منها هو الثاني ، فقوله مثلا : ( كل شيئ نظيف حتى تعلم انه قذر ) ظاهر في انه يجوز للمكلف ترتيب جميع آثار الطهارة على الشيئ المشكوك فيه ، ومن جملتها شرطيتها للصلوة ، فيكون مفاده جواز اتيان الصلوة في الثوب المشكوك في طهارته .

( وبعبارة اخرى ) ليس هذا الكلام اخبارا بالواقع المشكوك فيه ، والا لزم الكذب في بعض مصاديقه ، فيكون المراد منه وجوب ترتيب آثار الطاهر الواقعي على الشيئ المشكوك فيه ، ولاجل ذلك ترى انه يتوقف صحة هذا الكلام على كون الطهارة ذات آثار بحسب الواقع ، ومن جملة آثارها توقف الصلوة عليها ، وحينئذ فهل يكون المتبادر من هذاالكلام ان المكلف بعد اتيانه الصلوة في الثوب المشكوك فيه قد أدى وظيفته الصلوتية و امتثل قوله تعالى ( اقيموا الصلوة ) ، أو انه عمل عملا يمكن ان يكون صلوة وان يكون لغوا ويكون الصلوة باقية في ذمته ؟ لا اشكال في ان المتبادر هو ان الصلوة في حق هذا الشخص عبارة عما اتى به وانه قد عمل وظيفته الصلوتيه واوجد الفرد المأمور به ، فقوله عليه السلام ( لا ابالى ابول اصابني ام ماء ) لا يتبادر منه انى لا ابالى وقع الصلوة منى ام لا ، بل المتبادر منه كون المشكوك فيه طاهرا بالنسبة إلى الشاك ، وان العمل المشروط بالطهارة إذا فعله مع هذه الطهارة الظاهرية يكون منطبقا للعنوان المأمور به ، وان المصلى فيه يكون من المصلين لا انه يمكن ان لا يكون مصليا غاية الامر كونه معذورا في المخالفة .

( ومن الاحكام الظاهرية ) ايضا مفاد قاعدة التجاوز والفراغ ، فحكم الشارع لمن شك في اتيان جزء من الصلوة بوجوب المضى وعدم الاعتناء ، ظاهر في ان المكلف الذى كان يصدد امتثال امره ( تعالى ) بالصلوة التى امر بها جميع المسلمين وشك في


128

اثناء عمله أو بعده في اتيان جزء منها ، صلوته عبارة عن الاجزاء التى اتى بها وان كانت فاقدة للجزء المشكوك في اتيانه ، فهذا العمل الفاقد لجزء من الاجزاء صلوة في حق هذا المكلف ، لا انه عمل لغو وهذا المكلف تارك للصلوة بحيث ان استمر شكه إلى حين وفاته كان تاركا لهذه الصلوة الخاصة اداء وقضاء ، فكما يستبعد جدا الحكم بكونه تاركا لهذه الصلوة الخاصة ان استمر شكه إلى الابد ، فكذلك يستبعد الحكم بعدم كون هذا العمل صلوة ان زال شكه ولو في الوقت .

( وتوهم ) ان الموضوع لصحة العمل الفاقد للجزء المشكوك فيه يمكن ان يكون عبارة عن الشك المستمر ، وعلى هذا فزوال الشك يكون كاشفا عن عدم وجود الموضوع للتكليف الظاهرى ( فاسد جدا ) ، فان قاعدة التجاوز مثلا انما هي بصدد بيان الوظيفة لمن شك في اثناء الصلوة في اتيان جزء من اجزائها ، فلا يمكن ان يكون الموضوع لهذا التكليف هوالشك المستمر فان المكلف لا يعلم في اثناء صلوته استمرار شكه إلى آخر الوقت أو إلى الابد .

( وبالجملة ) ما هو المتبادر من حكم الشارع في قاعدة التجاوز ونظائرها كقاعدة الفراغ وساير احكام الشكوك ، هو ان المكلف الذى اشتغل بما هو المأمور به وكان بصدد امتثال امر الشارع بالصلوة مثلا ثم شك في شيئ من خصوصياتها من الركعات والافعال والاجزاء والشرائط ، ان عمل هذا المكلف ما هو مقتضى تكليفه الظاهرى من البناء على الاقل أو الاكثر أو الاتيان أو عدم الاتيان ، كان ممتثلا لما هو بصدد امتثاله وكان عمله منطبقا لعنوان المأمور به ، لا أنه عمل لغوا ان خالف الواقع بحيث ان استمر شكه كان تاركا لهذا العمل الخاص .

( ومن الاحكام الظاهرية ايضا ) مفاد حديث الرفع الدال على رفع كل ما لا يعلم حتى الاحكام الوضعية من الجزئية والشرطية والمانعية ، فمن شك في جزئية السورة مثلا كان مقتضى حديث الرفع عدم جزئيتها ، وحينئذ فان شك احد في جزئيتها وتركها بمقتضى الحديث وصلى مدة عمره من غير سورة وكانت بحسب الواقع جزء فهل يلتزم احد بكونه تاركا للصلوة مدة عمره ، أو يقال : ان ظاهر حكم الشارع هو ان الصلوة في حق


129

هذا الشاك عبارة عن ساير الاجزاء غير السورة ؟ وان كان هذا الشاك مجتهدا وقلده كافة المسلمين فهل لاحد ان يلتزم بكونهم باجمعهم تاركين مدة عمرهم للصلوة التى هي عمود الدين ؟ ! ( ومن الاحكام الظاهرية ايضا ) حكم الشارع بوجوب البناء على خبر الثقة وترتيب الاثار عليه ، فمن صلى أو توضأ أو صام أو اغتسل أو حج بكيفية دل عليها خبر الثقة ، اعتمادا على ما ورد من الشرع من وجوب ترتيب الاثار على ما اخبر به ، فهل يكون ممتثلا لما امر به الشارع من الصلوة ونظائرها ، أو يكون ممتثلا على فرض المطابقة ولاغيا تاركا لاوامرالمولى على فرض المخالفة ؟ ( وبالجملة ) الرجوع إلى ادلة الاصول والامارات المتعرضة لاجزاء المأمور به و شرائطه ، يوجب العلم بظهورها في توسعة المأمور به بالنسبة إلى الشاك ، والحكم بحكومتها على الادلة الواقعية المحددة للاجزاء والشرائط .

ولازم ذلك سقوط الجزء أو الشرط الواقعي عن جزئيته أو شرطيته بالنسبة إلى هذا الشاك وان كان لولاها لوجب الحكم بانحفاظ الواقع على ما هو عليه ، ولزم احراز الاجزاء والشرائط الواقعية بعد تنجز التكليف الصلوتى مثلا .

( وحيث ظهر لك ) ان المتبادر من ادلة حجية الامارات والاصول الحاكمة بوجوب ترتيب آثار الواقع على المشكوك فيه ، هو اجزاء ما يؤتى به على طبق الوظيفة الظاهرية وكون الجزء أو الشرط أعم من الواقع والظاهر ، فيجب الدقة في ان الاخذ بظواهر هذه الادلة هل يلزم منه محذور عقلي اولا ؟ والظاهر تسالم الفقهاء إلى زمن الشيخ ( قدس سره ) على ثبوت الاجزاء ، وانما وقع الخلاف فيه من زمنه حتى ان بعضهم قد افرط فادعى استحالته والظاهر عدم لزوم محذور عقلي ولا شرعى من القول به فيجب الاخذ بما يقتضيه ظواهر الادلة ( وقد استشكل ) بعض اعاظم العصر على ما اختاره المحقق الخراساني من الاجزاء في الاصول دون الامارات ( بوجوه ) لا باس بذكر حاصلها والاشارة إلى ما فيها : ( الاول ) أن الحكومة ( عند هذا القائل ) لا بد من ان تكون بمثل كلمة اعني واشباهها ، ولذا انكر حكومة مثل ادلة الضرر على الاحكام الاولية ، وبعبارة اخرى يعتبر في الحكومة ( عند هذا القائل ) كون الدليل الحاكم بلسانه ناظرا إلى الدليل المحكوم ومفسرا له


130

ولا يكفى فيها نظر مدلول الحاكم إلى مدلول المحكوم .

( وفيه ) ان هذه مناقشة لفظية ، فان مثل قوله : ( كل شئ نظيف ) ناظر إلى الاحكام الواقعية ويكون موسعا لدائرة متعلقاتها سواء اطلق على هذا المعنى لفظ الحكومة ام لا .

( الثاني ) ان مثل قوله ( كل شئ نظيف ) متكفل لاثبات النظافة الظاهرية ، واما كون الشرط للصلوة مثلا هو الاعم من النظافة الواقعية والظاهرية حتى يكون اتيانها مع النظافة الظاهرية ايضا موجبا للاجزاء فلا دليل عليه .

( وفيه ) ما عرفت : من ان نفس دليل الحكم الظاهرى الذى يجوز للمكلف اتيان الصلوة مثلا مع الطهارة الظاهرية ، ظاهر ايضا في ان عمله بعد تحققه يصير منطبقا لعنوان المأمور به اعني الصلوة ، وانه قد أدى وظيفته الصلوتية بعد اتيانها فيما حكم الشارع بطهارته ، ولازم ذلك كون الشرط اعم من الواقع والظاهر .

( الثالث ) ان الحكومة في المقام ان كانت واقعية لزم ترتيب جميع آثار الواقع على الطهارة الظاهرية ، فلابد ان لا يحكم بنجاسة الملاقى ايضا ولو انكشف الخلاف بعد ذلك ( 1 )

( 1 ) اقول : لا يخفى ان المهم في اثبات الاجزاء في الاحكام الظاهرية هو الجواب عن النقوض الواردة عليه ، ( فمنها ) هذا المثال ، ( ومنها ) ان مقتضى ذلك حصول الطهارة الثوب النجس إذا غسل بالماء المشكوك الطهارة ، ( ومنها ) انتقال الثمن حقيقة إلى البايع إذا اخذه في مقابل المشكوك فيه الذى حكم بطهارته ظاهرا وكان مما يفسد بيعه نجسا إلى غير ذلك من النقوض ، والظاهر ان جواب سيدنا الاستاذ العلامة ( مد ظله العالي ) لا يكفى لرفع الاشكالات ، فان الملاقاة في المثال الاول مثلا قد وقعت في حال كون الملاقى ( بالفتح ) محكوما بالطهارة ، وبعد انكشاف الخلاف ، وان تبدل الموضوع ، ولكن المفروض عدم حدوث ملاقاة اخرى بعد تبدله ، فالحكم بنجاسة الملاقى لا يصح الا بناء على كون الحكومة ظاهرية .

( نعم ) يمكن ان يجاب عن النقض الاول بوجه آخر وهو ان يقال : ان الاثر الشرعي عبارة عما يثبت للشئ بجعل الشارع ، وفي باب الملاقاة ليس لنا مجعولان شرعيان : احدهما كون ملاقي النجس نجسا ، وثانيهما كون ملاقي الطاهر طاهرا ، بل المجعول ، الشرعي هو الاول فقط ، بداهة ان طهارة الملاقى ( بالكسر ) ليست حاصلة بسبب طهارة الملاقى ( بالفتح ) بل كانت حاصلة قبل الملاقاة ايضا .

( وبالجملة ) ليس طهارة الملاقى ( بالكسر ) من الاثار الشرعية لطهارة الملاقى


131

( وفيه ) ان الحكم الظاهرى انما يثبت مع انحفاظ الشك واما بعد زواله فينقلب الموضوع ، فالملاقي ايضا يحكم بطهارته مادام الشك واما بعد زواله فيحكم بنجاسة كل من الملاقى والملاقى .

( الرابع ) انه لا وجه لتخصيص الاجزاء بالاصول ، بل يجرى على فرض تسليمه في الامارات الواردة في باب الاجزاء والشرائط والموانع ايضا بل الامارة اولى بذلك من الاصل ، فان المجعول في الامارات انما هو نفس صفة الاحراز وكون الامارة علما تعبديا ، واما الاصول فالمجعول فيها هو الجرى العملي وترتيب آثار احراز الواقع في ظرف الشك .

‌ يقال : ان مقتضى كون الحكومة واقعية هو بقاء هذا الاثر بعد انكشاف الخلاف ايضا .

( اللهم الا ان يقال ) ان الطهارة ليست الا عبارة عن عدم النجاسة والقذارة كما يساعد عليه العرف ايضا ، وحينئذ فيكون المراد من كون طهارة الملاقى ( بالكسر ) بسبب طهارة الملاقى كون عدم نجاسته مستندا إلى عدم نجاسته استناد عدم المعلول إلى عدم علته ، فتأمل فان ذلك ايضا لا يفيد ثبوت المجعولين .

( ثم انه يمكن ان يجاب ) بما ذكر عن الاشكال الذى اورده بعض الاعاظم في مسألة ملاقي احد طرفي العلم الاجمالي فان المعروف عندهم كون الملاقى طاهرا وحلالا لتعارض الاصلين في الطرفين فيبقى الاصل في الملاقى سالما عن المعارض .

( واستشكل هذا البعض على ذلك ) بان استصحابى الطهارة في الطرفين يتعارضان ويتساقطان ، فتصل النوبة في الرتبة اللاحقة إلى قاعدة الطهارة في الطرفين واستصحابها في الملاقى ، ثم تتعارض الاصول الثلثة وتتساقط ، وتصل النوبة بعدها إلى استصحاب الحلية في الطرفين وقاعدة الطهارة في الملاقى في عرض واحد ، فتتعارض ايضا وتصل النوبة إلى قاعدة الحلية في الطرفين واستصحابها في الملاقى فتتساقط ايضا ، فيبقى الطرفان بلا اصل ويبقىقاعدة الحلية في الملاقى بلا معارض ، ومقتضى ذلك حلية الملاقى دون طهارته .

( والجواب ) عن هذا الاشكال يظهر مما ذكرنا ، فانا لا نسلم كون طهارة الملاقى أو حليته متأخرة بحسب الرتبة عن طهارة الملاقى ( بالفتح ) أو حليته حتى يكون جريان استصحاب الطهارة أو الحلية أو قاعدتهما في الملاقى متاخرا عن جريانها في الملاقى ( بالفتح ) ، وذلك لبداهة ان حلية الملاقى ( بالكسر ) أو طهارته ليست اثرا شرعيا لحلية الملاقى ( بالفتح ) أو طهارته ، وفي الاصل السببي والمسببي يعتبر ترتب الاثرين لا الشكين فقط ، فان تقدم الاصل السببي على المسببى انما يكون من جهة ان جريانه في السبب يوجب تحقق ما هو الموضوع للاثر في طرف المسبب .

فيعتبر في ذلك كون المستصحب مثلا في طرف المسبب من الاحكام الشرعية للمستصحب في طرف السبب كما إذا غسل يده النجس بالماء المستصحب الطهارة ، فان هذا الاستصحاب يرفع الشك عن ناحية السبب قهرا


132

( اقول ) : مراد المحقق الخراساني هو ان مثل قوله : ( كل شيئ نظيف ) جعل للطهارة ، وبمقتضاه يوسع دائرة الاشتراط ، فالعمل ( وان انكشف الخلاف ) قد وجد واجدا لشرائطه فيجزى .

واما الامارة فلا تحكى الا الواقع من دون ان يكون في البين جعل لمؤديها ، فإذا حكت الطهارة ثم انكشف الخلاف ينكشف عدم الطهارة واقعا ، والمفروض عدم جعلها ظاهرا أيضا فلا مجال للاجزاء .

وعلي هذا فكلام بعض الاعاظم لا يغنى عن جوع ، ولا يثبت به كون الامارة كالاصل فضلا عن الاولوية .

( نعم ) اصل الاشكال وارد على المحقق الخراساني ولذا عممنا البحث ، فان الدليل الحاكم بوجوب الاخذ بخبر الثقة الذى قام على عدم جزئية شئ أو شرطيته للصلوة ، أو قام على تحقق الجزء أو الشرط ، يتبادر من هذا الدليل ان المكلف إذا اقتصر في امتثال الامر الصلوتى على ما اقتضاه ودل عليه خبر الثقة فقد عمل وظيفته وصار عمله منطبقا لعنوان المأمور به وخرج بذلك من كونه تاركا للصلوة ، ولازم ذلك هو الاجزاء .

( واما ما ذكره شيخنا الاستاد ) المحقق الخراساني ، من الفرق بين مفاد الاصل و الامارة ( ففيه ) ان الامارات كخبر الواحد والبينة وامثالهما وان كانت بلسان حكاية الواقع ، ولكنها بأنفسها ليست احكاما ظاهرية بل الحكم الظاهرى عبارة عن مفاد دليل حجية الامارة الحاكمة بوجوب البناء عليها ، ولسان ادلتها هي بعينها لسان ادلة الاصول ( وبعبارة اخرى ) فرق بين نفس ما تؤدى عنه الامارة وتحكيه وبين ما هو المستفاد من دليل حجيتها فان البينة مثلا إذا قامت على طهارة شيئ كانت هذه البينة بنفسها حاكية للواقع ، جعلها الشارع حجة ام لا ، ولكن الحكم الظاهرى في المقام ليس هو ما يحكيه البينة ( من الطهارة ) بل الحكم الظاهرى عبارة عن حكم الشارع بوجوب العمل على طبقها وترتيب اثار الوقع على مؤديها ، وظاهر مادل على هذا الحكم هو قناعة الشارع في امتثال امره الصلوتى مثلا باتيانها فيما قامت البينة على طهارته ، ولازم ذلك سقوط الطهارة الواقعية من الشرطية في هذه الصورة .

وكذلك إذا دل خبر زرارة مثلا على عدم وجوب السورة كان قول زرارة حاكيا للواقع جعله الشارع حجة ام لا ، ولكن الحكم الظاهرى ليس عبارة عن مقول زرارة بل هو عبارة عن مفاد ادلة حجية الخبر اعني حكم الشارع


133

( ولو امضاء ) بوجوب ترتيب الاثار على ما اخبر به الثقة ، فلو انحل قوله : ( صدق العادل ) مثلا بعدد الموضوعات كان معناه فيما قام خبر على عدم وجوب السورة ( يا ايها الملكلف الذى صرت بصدد امتثال الامر الصلوتى ، ابن على عدم وجوب السورة ) وظاهر هذا هو انك إذا صليت بغير سورة فقد امتثلت الامر بالصلوة وكان عملك مصداقا للمأمور به .

( وبالجملة ) الفرق بين الامارة والاصل بكون الاولى بلسان الحكاية دون الثاني ، انما يصح إذ كان النظر إلى نفس مؤدى الامارة التى هي امر تكويني ، واما إذا كان النظر إلى دليل حجيتها فلا فرق بينهما ، لظهور دليل كل منهما في الاجزاء ورفع اليد عن الواقع .

( 1 ) ( فان قلت ) : عليهذا لا يبقى فرق بين الامارة والاصل ، إذ مقتضى ما ذكرت هو انالمجعول شرعا في كليهما عبارة عن وجوب البناء عملا ولزم ترتيب الاثار ، وحينئذ فلا يبقى وجه لحكومة الامارات على الاصول .

( 1 ) اقول : لا يخفى ان ما ذكره سيدنا الاستاد العلامة ( مد ظله العالي ) : من ثبوت الاجزاء في الامارات يتوقف على ثبوت جعل في الامارات حتى يقال بكون ادلة حجيتها ناظرة إلى الادلة الواقعية الواردة في تحديد الاجزاء والشرائط والموانع وموجبة لتوسعة المأمور به ، مع انه ( مد ظله ) ايضا ينكر ثبوت الجعل في الامارات الا بنحو الامضاء ، وليس معنى الامضاء ان يقول الشارع ( امضيت ) مثلا ، فان هذا مقطوع العدم ، بل معناه عمل العقلاء بها واعتمادهم عليها في مقام اثبات الواقعيات ، أو مقام الاحتجاج واللجاج بمرأى الشارع ومسمعه من دون ان يردع عنها ، بل هو ايضا كأحدهم في ذلك وكذا في غيرها من العاديات ما لم يترتب عليها مفسدة ، ولا ريب ان العقلاء لا يرون العمل بالكاشف أو الحجة مجزيا عن الواقع ، ولو في صورة انكشاف الخلاف ، بل يرون انفسهم موظفين بتأدية الواقع ، فاثبات الاجزاء في باب الامارات مشكل ، والسر في ذلك عدم كون دليل حجيتها ذا لسان .

( نعم ) ربما يقرب الحكومة في المقام وفي باب حكومة ادلة الامارات على الاصول بان دليل حجيتها ( من السيرة وبناء العقلاء ) وان لم يكن ذا لسان ولكنه يكون بحيث لو صيغ في قالب اللفظ كان لفظه شارحا ومفسرا ، ويكفى مثل ذلك في الحكومة ، ففى باب حجية الخبر وان كان عمدة دليلها السيرة الممضاة بعدم الردع ولكن لو جعل ذلك في قالب اللفظ كان لفظه عبارة عن مثل ( الق احتمال الخلاف ) فان نظر العقلاء بها في الاعتماد عليها بحيث يلقون بقيامها احتمال الخلاف ويرون الواقع منكشفا بها ، ولاجل هذا تقدم على الاصول ويقال : انه من باب الحكومة ، وهذا اللسان ايضا حاكم على ادلة الاجزاء والشرائط والموانع فيترتب عليه الاجزاء .


134

( قلت ) : مع ان الحكم الظاهرى والمجعول الشرعي في كليهما عبارة عما هو مفاد ادلة حجيتهما ( من وجوب البناء والجرى العملي ) يكون لسان دليل حجية الامارة شارحا ومفسرا لما هو موضوع جريان الاصل ، فان المستفاد من قوله : ( كل شئ نظيف ) ليس الا ان الشاك في الطهارة والنجاسة يجب عليه في مقام العمل ان يبنى على احد طرفي الشك ( اعني الطهارة ) من دون نظر إلى احراز الواقع ، وهذا بخلاف ( مثل صدق العادل ) ، فان مفاده وجوب البناء على ان ما يحكيه هو الواقع ، ووجوب ان يفرض الشخص نفسه رائيا للواقع وهذا اللسان رافع حكما لما هو موضوع الاصول ( اعني الشك ) فان رائى الواقع لا يبقى له شك .

( الخامس ) ان حكومة الاحكام الظاهرية على الاحكام الواقعية حكومة ظاهرية يترتب عليها جواز ترتيب آثار الواقع في زمن الشك ما لم ينكشف الخلاف ، من دون ان تمس كرامة الواقعيات ، ولا يعقل كونها حكومة واقعية موجبة لتعميم الواقع أو تضييقه حقيقة ، ( بيان ذلك ) ان الحكومة وان كانت بلسان نفى الموضوع أو اثباته ولكنها في الحقيقة تصرف في نفس الحكم بتعميمه لبعض الموارد التى لم يشملها الدليل المحكوم أو بتخصيص الدليل المحكوم أو تقييده ، والتعميم والتخصيص والتقييد لا تتصور الا فيما إذا كان الحاكم في مرتبة المحكوم حتى يمكن تصرفه فيه ، واما إذا كانا في رتبتين فلا يعقل تصرف احدهما في الاخر الا بتجافي احدهما عن مرتبته وهو امر غير معقول .

ولا يخفى ان الحكم الظاهرى متأخر عن الحكم الواقعي بمرتبتين لتأخره عن موضوعه ( اعني الشك ) والشك متأخر عن متعلقه ( اعني الحكم الواقعي ) ، ولازم ذلك انحفاظ الواقع في جميع المراتب باطلاقه الذاتي ، وليس للحكم الظاهرى ان يتصرف في اطلاقه أو عمومه ، وإذا لم يمكن تصرفه في الواقع حتى يكون حكومته حكومة واقعية ، فلا محالة يكون الحكومة بلحاظ الظاهر وبحسب مقام الاثبات ، ولازم ذلك جواز ترتيب آثار الواقع على المؤدى ما لم ينكشف الخلاف وإذا انكشف الواقع ينكشف عدم واجدية العمل لما شرط فيه واعتبر ، إذ الفرض بقاء الواقع بحسب مقام الثبوت على ما هو عليه ( انتهى ) .

( اقول ) : عمدة الاشكال في باب الاجزاء عبارة عن هذا الاشكال ، ولكن الظاهر عدم وروده ايضا ، فان الخطاب الواقعي ( اعني مادل على شرطية الطهارة مثلا للصلوة ) وا


135

كان مطلقا غير مقيد بالعلم والجهل ومقتضاه بطلان الصلوة المأتى بها في النجاسة الواقعية ، ولكن بعد ورود قوله : ( كل شئ نظيف ) الناظر إلى وجوب ترتيب آثار الطهارة ( التى من جملتها جواز الصلوة ) على المشكوك فيه وظهوره في ان العمل الذى يؤتى به في المشكوك فيه يصير منطبقا للعنوان المأمور به ، يجب رفع اليد عن اطلاق الحكم الواقعي وحمله على الانشائية المحضة والحكم بسقوط الطهارة من الشرطية في صورة الجهل و الشك وان كان فيها اقتضاء الشرطية .

( والوجه ) في ذلك ( مضافا إلى ان ظهور مثل قوله ( كل شئ نظيف ) فيما ذكرنا اقوى من ظهور ما دل على الشرطية المطلقة للطهارة الواقعية ، ولازم ذلك تحكيمه عليه وحمله على الانشائية المحضة ) ، ان القول بكون الحكومة في المقام حكومة واقعية مما لا بد منه والالزم رفع اليد عن الحكم الظاهرى رأسا ، فان المفروض ( فيما نحن فيه ) علم المكلف بوجوب الصلوة عليه مشروطة بالطهارة ، ولولا جعل الشارع للطهارة الظاهرية كان ملزما باتيان الصلوة بشرطها و ( ح ) فاما ان يقال : بعدم جعل الشارع للطهارة الظاهرية بالنسبة إلى هذا الشخص العالم بوجوب الصلوة عليه ، واما ان يقال : بجعله لها بالنسبة إلى هذا الشخص ايضا ، لا مجال للاحتمال الاول للزوم الخروج من الفرض ، وعلى الثاني يجب القول بالاجزاء وقناعة الشارع ( في امتثال امره المعلوم ) باتيان متعلقه في المشكوك فيه ايضا ، فان لا معنى لجعل الطهارة الظاهرية لهذا الشخص الا جواز اتيانه ما امر به مع هذه الطهارة وصيرورة عمله منطبقا للعنوان المأمور به .

ولا يمكن ان يكون جعل الحكم الظاهرى بالنسبة إلى هذا الشخص لغرض المنجزية أو المعذرية كما في سائر المقامات ، بداهة ان التنجيز انما يعقل فيما إذا لم يكن الواقع منجزا لولا هذا الجعل والمفروض ( فيما نحن فيه ) تنجز الواقع مع قطع النظر عن الحكم الظاهرى لعلم المكلف بوجوب الصلوة المشروطة بالطهارة عليه .

واما المعذرية فهى ايضا لا مجال لها في المقام ،إذ المكلف الاتى بصلوته في الثوب الذى شك في طهارته ان انكشف له النجاسة في الوقت فلا معنى لجعل المعذر بالنسبة إليه ، إذ لم يصدر عنه بعدما هو خلاف الواقع من جهة بقاء وقت الواجب وتمكنه من اتيانه ولم يتعين عليه اتيانه في اول الوقت حتى يحتاج إلى


136

معذر في تركه .

وان فرض عدم انكشاف النجاسة إلى ان خرج الوقت فتفويت الواقع جاء من قبل ترخيص الشارع والا كان المكلف يأتي به لعلمه به وتنجزه عليه .

( وبعبارة اخرى ) اذنه في اتيان الصلوة في المشكوك فيه اوجب تفويت الواقع فلا مجال للقول : بكون الغرض من هذا الاذن هو المعذرية بعد ما كان المكلف يأتي الواقع على ما هو عليه لولا ترخيص الشارع .

( 1 ) ( وبالجملة ) اثر الحكم الظاهرى وان كان في سائر المقامات عبارة عن تنجيز الواقع في صورة الموافقة ، وكونه معذرا ( بالنسبة إليه ) في صورة المخالفة ، ولكن هذا فيما إذا لم يكن الواقع منجزا لو لا الجعل الظاهرى ، واما في هذه الصورة فأثر الجعل الظاهرى توسعة المأمور به و اسقاط الشرطية الواقعية وجعل فرد طولى لما هو المأمور به ، ولازم ذلك حمل الواقع على الانشائية المحضة .

( وبهذا البيان يظهر ) ان كيفية الجمع بين الحكمين في المقام تخالف كيفيته في سائر المقامات .

( توضيح ذلك ) انك قد عرفت ( في صدر المبحث ) ان المحقق الخراساني ( قدس سره ) جمع بين الحكم الواقعي والظاهري ( في الحاشية ) بحمل الواقعي على الانشائية ، والظاهري على الفعلية ، وفى الكفاية بحمل الواقعي على الفعلية ، وحمل الظاهرى على كونه عينا له

( 1 ) اقول : لا يخفى ان المعذرية ليست اثرا للحكم الظاهرى بنحو يكون جعله بلحاظها إذ في موارد الجهل بالواقع وعدم تمامية الحجة عليه يكون المعذورية مستندة إلى عدم انكشاف الواقع وعدم تمامية الحجة بالنسبة إليه لا إلى انكشاف الخلاف وقيام الحجة على خلاف الواقع ، فلو فرض عدم قيام الحجة على الخلاف ايضا كان المكلف معذورا لاجل الجهل بالواقع ، وفيموارد انكشاف الواقع وتمامية الحجة بالنسبة إليه كما في ما نحن فيه وان كان جعل الحكم الظاهرى المؤدى إلى خلاف ما قام عليه الحجة معذرا للعبد ، ولكن لا مجال لجعله بلحاظ هذا الاثر ، لاستلزام ذلك تفويت الغرض والواقع بلا جهة ملزمة ، هذا .

ولكن جعل الحكم الظاهرى في القسم الثاني بعد تحقق المصحح لجعله ( من التسهيل ونحوه ) يترتب عليه المعذرية ايضا ، وهذا بخلاف جعله في القسم الاول اعني صورة عدم تمامية الحجة بالنسبة إلى الواقع .

فما ذكره سيدنا الاستاذ الاكبر " مد ظله العالي " من عدم كون المعذرية اثرا للحكم الظاهرى " في هذا القسم " لعله اراد بذلك عدم كونها اثرا مصححا لجعله وهو كذلك ، الا انه يمكن ان يورد عليه ان المعذرية ليست اثرا مصححا في سائر الموارد ايضا ، بل ليست اثرا للحكم الظاهرى اصلا كما عرفت .


137

في صورة الموافقة وصورة حكم لا حقيقة لها في صورة المخالفة ، وعرفت أيضا أنه يمكن الجمع بين المشيين ( وان كان ثانيهما أمتن ) بتقريب ان المراد بالحكم الواقعي ان كان ما هو روحه وحقيقته ( اعني ارادة صدور الفعل عن العبد ) فهو فعلى ، وبلحاظه ايضا قد جعل البعث الظاهرى ، وان كان المراد منه هو البعث الواقعي والخطاب الاولى فهو شأني ، بداهة ان البعث انما يكون لغرض الانبعاث ، وحيث ان الانبعاث من الخطاب المجهول غير معقول فلا محالة يصير منعزلا عن التأثير وساقطا من الفعلية بمعنى عدم ارادة الانبعاث منه في هذه الصورة من جهة تعذر ترتب هذا الاثر عليه .

( إذا عرفت هذا فنقول ) : ان الجمع بين الحكمين فيما نحن فيه ( أي في الاحكام الظاهرية الواردة في باب أجزاء المأمور به وشرائطه وموانعه ) لا يمكن ان يكون بالطريق الذى سلكه في الكفاية ، لما عرفت من ان أثر جعل الطهارة الظاهرية في باب الصلوة مثلا ليس الا كفايتها في صيرورة العمل المأتى به معها منطبقا لعنوان المأمور به من دون ان يترتب عليه المنجزية أو المعذرية ، ولازم ذلك عدم فعلية ما دل على اشتراط الصلوة بالطهارةالواقعية وكونه انشائيا صرفا .

( ولا يخفى ) ان الانشائية في المقام ايضا تخالف الانشائية في المقامات الاخر ، فان المراد بالانشائى في سائر المقامات هو الانشائى الذى ليس لفعليته حالة منتظرة سوى علم المكلف ، لما عرفت من ان المانع عن فعلية الخطاب الواقعي هو جهل المكلف به وعدم امكان انبعاثه من قبله ، لا لقصور في الخطاب بل لقصور في المكلف من جهة كونه جاهلا ولازم ذلك انه إذا زال هذا المانع صار فعليا منجزا .

( واما في المقام ) فليس المراد بالانشائى فيه هذا المعنى ، إذ المفروض ( فيما نحن فيه ) علم المكلف بوظيفته من الصلوة المشروطة بالطهارة الواقعية بحيث لولا قوله ( كل شيئ نظيف ) كان ينبعث من الخطاب الواقعي ويأتى ما هو المكلف به بجميع حدوده واجزائه وشرائطه التى منها الطهارة الواقعية ، فحمل ما دل على اشتراط الطهارة بوجودها الواقعي على الانشائية ليس من جهة جهل المكلف به وعدم امكان تأثيره في نفسه وانبعاثه من قبله ، فلابد من ان يكون لجهة اخرى غير تعذر الانبعاث ، ولعل هذه الجهة ( فيما نحن فيه )


138

عبارة عن تعسر الانبعاث " بتقريب ان يقال " ان الصلوة مع الطهارة الواقعية وان كانت واجدة للملاك وصار هذا سببا لتعلق الامر به مطلقا ، ولكن لما كان تحصيل هذا الشرط مطلقا وفي جميع الموارد موجبا للعسر على المكلفين زائدا على ما يقتضيه طباع العمل صار هذا سببا لجعل الطهارة الظاهرية ورفع اليد عن ملاك الواقع لوقوع المزاحمة بينه وبين مفسدة العسر ، وبعد جعلها ( الظاهر في قناعة الشارع بها ) يخرج الواقع من الفعلية ، فما هو الموجب لحمل الواقع على الانشائية في ساير المقامات هو تعذر انبعاث المكلف من قبله ، وما هو الموجب لحمله عليها في المقام هو تعسر انبعاثه من قبله فتدبر .

( فان قلت ) : إذا كان اتيان الصلوة في المشكوك فيه ايضا موجبا لانطباق عنوانالواجب عليها ومقتضيا للاجزاء ، فما الموجب لجعل حكمين طوليين بان يجعل الطهارة شرطا مطلقا ، ثم تنعزل عن الشرطية في حال الشك ؟ ( وبعبارة اخرى ) لم يلتزم بحكمين طوليين : ( واقعى وظاهرى ) ؟ بل الواجب على المولى حينئذ جعل حكم واحد بان يجعل العلم بالنجاسة مانعا حتى يصح الصلوة المأتى بها فيما طهر واقعا وفي المشكوك فيه .

( قلت ) : قد عرفت آنفا انه يمكن في مقام الثبوت كون الصلوة الماتى بها مع الطهارة الواقعية واجدة للملاك ، بحيث يكون للطهارة ايضا دخل فيه ، فلابد من ان ينشأ الحكم اولا وبالذات على العمل المقيد بالطهارة ، غاية الامر انه لما كان هذا الملاك مزاحما بمفسدة العسر ( في بعض الاحوال ) فلا محالة اوجب هذا سقوطها من الشرطية في تلك الحال والقناعة بملاك اصل الواجب .

( فان قلت ) بعد اللتيا واللتى فلا يرتفع الاشكال ، فانه لو سلم كون الطهارة شرطا للصلوة كما هو المفروض ، فبعد انكشاف الخلاف ينكشف عدم واجدية الصلوة لشرطها ، والمشروط عدم بعدم شرطه .

( قلت ) قد عرفت ان مقتضى تحكيم مثل قوله ( كل شئ نظيف ) على الدليل الدال على شرطية الطهارة هو سقوطها من الشرطية ورفع اليد عنها في حال الشك ، فبانكشاف


139

نجاسة المشكوك فيه ينكشف عدم طهارته لا عدم واجدية العمل لاجزائه وشرائطه ، إذ مقتضى ما ذكرناه ( في تقريب الاجزاء ) صيرورة العمل في هذا الحال منطبقا لعنوان المأمور به وان لم يكن الطهارة موجودة بحسب الواقع ، فللصلوة مثلا فردان طوليان يكون كل منهما مصداقا لها ، وانطباقها على احدهما مشروط بالطهارة دون الاخر ، فإذا أتى الشاك في الطهارة ما هو وظيفته في هذا الحال وصار عمله مصداقا للمأمور به فلا مجال لبقاء الامر حتى يحتاج إلى اعادة المأمور به .

( فان قلت ) : الطهارة الواقعية اما ان تكون دخيلة في انطباق عنوان الصلوة على الافعال المخصوصه وفي حصول الملاك المترقب من الصلوة ، واما ان لا تكون دخيلة فيه فان لم تكن دخيلة كان اشتراطها جزافا وان كانت دخيلة فبانكشاف خلاف ينكشف فوت الملاك الملزم ، ولازم ذلك وجوب الاعادة أو القضاء .

( قلت ) : يحتمل ( بحسب مقام الثبوت ) ان يكون المقصود الاصلى من الامر بالصلوة مثلا حصول الاطاعة والانقياد من العبد في مقابل المولى ، غاية الامر ان تحقق الاطاعة لما كان متوقفا على توجه الامر ( من قبل المولى ) إلى العبد متعلقا بعمل خاص حتى يصير الامر داعيا للعبد نحو العمل ويصير عمله منطبقا لعنوان الاطاعة ، فلا محالة وجب على المولى ايجاد الامر متعلقا بعمل خاص حتى يتحقق بذلك موضوع الاطاعة المطلوبة بالذات ، وجميع الاعمال في الوفاء بهذا المقصود على نحو واحد سواء كان العمل بنفسه وبحسب ذاته مشتملا على الملاك ام لا ، ففى مقام ايجاد الموضوع ( للاطاعة ) يكفى ايجاد الامر متعلقا بعمل خاص أي عمل كان ، غاية الامر انه إذا فرض كون بعض الاعمال بحسب ذاته ايضا مشتملا على ملاك ملزم أو غير ملزم ، فاختيار هذا العمل من بين الاعمال والامر به دون غيره يكون اولى بل يكون متعينا ، لقبح ترجيح المرجوح ، ولكنه في الوفاء بالغرض الاصلى من الامر ( من تحقيق موضوع الاطاعة ) يكون كغيره من الاعمال ، إذ لا يعتبر في ذلك الا تعلق الامر بعمل خاص أي عمل كان ولا يعتبر في ذلك اشتمال المتعلق على الملاك فضلا عن الملاك الملزم وعلي هذا فيحتمل ( بحسب مقام الثبوت ) ان يكون الصلوة مع الطهارة مثلا مشتملة على ملاك غير ملزم ويكون المقصود من الامر بها حصول عنوان الاطاعة لا حصول ملاكها


140

والا لكان الامر المتعلق بها ندبيا ، ثم لما رأى المولى ان تحصيل الطهارة في بعض الاوقات موجب للعسر ، وان مقصوده الاصلى ( اعني انطباق عنوان الاطاعة ) يترتب على اتيان الصلوة الفاقدة للطهارة ايضا إذا اتى بها بداعي الامر ، صار هذا سببا لرفع اليد عن الطهارةلحصول لغرض الملزم بدونها ، والفرض ان ذات العمل ايضا لا تشتمل على ملاك ملزم ، و هذا المعنى وان كان صرف احتمال في مقام الثبوت ولكنه يكفى في رفع احتمال استحالة الاجزاء ، وإذا امكن في مقام الثبوت ، والمفروض دلالة ادلة الاحكام الظاهرية عليه في مقام الاثبات ايضا فلا مناص عن القول به فتدبر جيدا .

( تذنيبان )

( الاول ) لا يتوهم في المقام ثبوت الفرق بين صورة كشف الخلاف وعدمه ، إذ لو فرض وجود مانع عقلي عن القول بالاجزاء في التكاليف الظاهرية وألجأنا هذا إلى رفع اليد عما هو ظاهر ادلتها ( من الاجزاء ) فلا يبقى فرق بين المقامين .

فلو فرض ان المصلى اعتمد مدة عمره ( في اتيان أجزاء صلوته وشرائطها ) على ما اقتضاه وظيفته الظاهرية ولم ينكشف له الخلاف ابدا وكان صلواته بحسب الواقع فاقدة لبعض الاجزاء والشرائط الواقعية ، كان مقتضى القول بعدم الاجزاء بطلان صلواته باجمعها ، والالتزام بهذا المعنى مشكل جدا ، فالقول بالاجزاء في هذه الصورة متعين ، ومقتضى القول به سقوط الاجزاء والشرائط من الدخالة في المأمور به ( بالنسبة إلى هذا الشخص ) وحينئذ فيقال انه إذا امكن ذلك في مقام الثبوت فما الوجه في تخصيصه بصورة عدم انكشاف الخلاف مع ظهور ادلة الاحكام الظاهرية في الاجزاء مطلقا .

( الثاني ) ربما يتوهم ان القول بالاجزاء مستلزم للتصويب المجمع على بطلانه .

( اقول ) : قد اشتهر بين الفقهاء والاصوليين ان بطلان التصويب اجماعي ، ولكن لا يغرنك هذه الشهرة بل عليك بمراجعة تاريخ مسألة التخطئة والتصويب حتى يتبين لك انها مسألة عقلية لا شرعية تعبدية يستند فيها إلى الاجماع ، وان الاجماع المدعى فيها هو اجماع المتكلمين من الامامية بما هم متكلمون ، لا اجماع الفقهاء والمحدثين ، الذى هو


141

حجة من الحجج الفقهية ، ومنشأ النزاع في هذه المسألة هو النزاع في احوال صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانهم هل يكونون بأجمعم مبرئين من الخطأ والفسق أو لا ؟ ( فذهب بعض المتكلمين ) ( من اهل السنة ) إلى ان من يطلق عليه اسم الصحابي كائنا من كان لا يكاد يخطئ فضلا عن ان يصدر عنه الفسق ، ولو كانت الصحابة في آرائهم و عقائدهم متناقضين فلا يكشف ذلك عن خطأ بعضهم حتى ان معاوية مثلا كان مصيبا في مبارزته لعلى عليه السلام وكذلك على عليه السلام في مبارزته لمعاوية .

( وقال بعضهم ) : ان المصيب من الصحابة من كان رأيه مطابقا للواقع ، والباقون مخطئون ولكنهم معذورون ، لكونهم عاملين على وفق ما يقتضيه اجتهادهم .

( وقال بعضهم ) : ان الصحابي يمكن ان يصدر عنه الفسق ايضا فضلا عن الخطأ ، والقائل بهذا القول فيهم قليل حتى انه يقال لهذا المذهب ( في عرفهم ) : مذهب اصحاب البدع ، هذه اقول العامة .

( وقال شيخنا ) ابو جعفر الطوسى في كتاب العدة ما حاصله : " ان المتكلمين من الفرقة الحقة من المتقدمين والمتأخرين كلهم اجمعوا على ان اصحاب الصواب فرقة واحدة والباقون مخطئون " وهذا الكلام منه ( قده ) شاهد على ما قلناه من ان الاجماع على بطلان التصويب ليس هو اجماع الفقهاء والمحدثين ، بل اجماع المتكلمين بما هم متكلمون لكون المسألة من المسائل العقلية التى يبحث فيها المتكلم بما هو متلكم وليست من المسائل الشرعية المتلقاة من المعصومين ( عليهم السلام ) يدا بيد حتى يكون الاجماع فيها اجماع اهل الحديث فيكون حجة .

والحمد لله رب العالمين .

( الفصل الثالث

في مقدمة الواجب )

اختلفوا في وجود الملازمة بين وجوب الشيئ ووجوب مقدماته على اقوال ، ولا يخفى ان المراد بالمقدمة هنا ليس مطلق ما لا بدمنه في وجود الشيئ ، حتى تشمل عدم الاضداد المقارن لوجود الشيئ المطلوب ، بل المراد منها ما وقع في طريق وجود الشيى وما كان متقدما عليه ، سواء كان علة تامة أو ناقصة بتمام اقسامها من الشرط ، وعدم المانع ، وغيرهم


142

وقبل الخوض في المقصود نذكر امورا مهمة ، ( الامر الاول ) قد ذكر في الكفاية ما حاصله : ( ان المسألة اصولية ، لكون البحث فيها عن الملازمة لا عن وجود اللازم اعني وجوب المقدمة حتى تكون المسألة فرعية .

) ( اقول ) : قد اتضح لك مما ذكرناه ( في موضوع علم الاصول ) عدم كون المسألة اصولية وانما هي من المبادى الاحكامية للفقه ، حيث انه كان للقدماء مباحث يبحث فيها عن معاندات الاحكام وملازماتها يسمونها بالمبادئ الاحكامية ، ومنها هذه المسألة ( فان قلت ) : إذا كان موضوع علم الاصول عبارة عن عنوان ( الحجة في الفقه ) وكان البحث في العلم عن تعيناتها وتشخصاتها ( كما مر شرح ذلك في مبحث الموضوع ) فلم لا يكون المسألة اصولية ، مع ان البحث فيها عن تعين من تعيناتها إذ يبحث فيها عن ان وجوب الشيئ حجة على وجوب مقدماته ام لا ؟ ( قلت ) : ليس البحث في المسألة عن الحجية ، بل عن الملازمة بين الوجوبين إذ مع عدم الملازمة لا معنى لحجيه وجوب شئ على وجوب شئ آخر ، وبعد ثبوت الملازمة لا مورد للبحث عن الحجية فان وجود احد المتلازمين حجة على الاخر بالضرورة ، ولا مجال للبحث عنها ، وبالجملة محط النظر في المسألة هو اثبات الملازمة لا الحجية .

الامر الثاني

في تقسيمات المقدمة

( فمنها ) ان المقدمة قد تكون داخلية ، وقد تكون خارجية ، والمراد بالخارجية ما كانت مغايرة لذيها ماهية ووجودا ، ولكن كانت في طريق وجوده كالوضوء بالنسبة إلى الصلوة ، وبالداخلية ما كانت من اجزائه ومقوماته .

( ثم انه ) قد وقع البحث في المقدمة الداخلية من جهتين .

( الجهة الاولى ) في تصوير مقدمية الاجزاء فقد يستشكل فيها بتقريب ان المقدمية عبارة عن كون احدا لشيئين محتاجا إليه في وجود الاخر والاحتياج اضافة بينشيئين ولا يمكن ان يعتبر بين الشيئ ونفسه ، واجزاء الشيئ ليست الا نفسه ( وبتقريب آخر ) مقدمة الشيئ عبارة عما يقع في طريق وجوده ، والشيئ لا ي


143

في طريق وجود نفسه .

ونظير هذا الاشكال الاشكال الوارد على عد المادة والصورة من اجزاء العلة التامة ، مع كون المعلول ايضا عبارة عن مجموع المادة والصورة .

واجاب عن الاشكال ( في الكفاية ) بان المقدمة هي نفس الاجزاء بالاسر ، وذو المقدمة هو الاجزاء بشرط الاجتماع ، ( ثم قال ) : وبذلك ظهر انه لابد في اعتبار الجزئية من اخذ الشيئ بلا شرط ، كما لابد في اعتبار الكلية من اعتبار اشتراط الاجتماع .

( اقول ) : لا يخفى عليك ان المقدمة الداخلية ليست عبارة عن الاجزاء بالاسر ، بل هي عبارة عن كل واحد من الاجزاء بحياله واستقلاله .

فالركوع مثلا مقدمة للصلوة ، والسجود مقدمة اخرى لها ، وهكذا ، والاجزاء مقدمات للكل لا مقدمة له ، إذ المقدمة كما قلنا عبارة عن موجود يحتاج إليه شيئ آخر في وجوده ، والاجزاء بما هي اجزاء ليست بموقوف عليها ، وانما الموقوف عليه هو كل واحد منها ، فكما ان طبيعة الانسان تصدق على زيد مستقلا وعلى عمرو مستقلا وعلى بكر كذلك ولا يمكن ان يقال ( ان زيدا وعمروا وبكرا مصداق للانسان ) بل كل واحد منهم مصداق بشخصه لما تقرر في محله من ان الطبيعي يتكثر بتكثر افراده ، فكذلك عنوان المقدمة تصدق على كل واحد من الركوع والسجود والقرائة وهكذا ، لا على الركوع والسجود والقرائة ، فانها مقدمات لا مقدمة ولا دليل على اعتبار التغاير بين مجموع المقدمات وذى المقدمة ، وانما يعتبر التغاير بين كل مقدمة وذيها ، فالركوع مقدمة للصلوة ومغاير لها ، والسجود ايضا مقدمة ومغاير لها وهكذا ، ولكن مجموع الركوع والسجود والقرائة وساير الاجزاء مقدمات وهى عين الصلوة .

وبتقرير آخر الجزء فيما هو كثير حقيقة وواحد بالاعتبار كالصلوة مثلا ، نظير البعضفيما هو واحد حقيقة وكثير بالاعتبار فالماء الموجود في الحوض مثلا موجود واحد ممتد حقيقة ولكن يمكن ان يعتبر له ابعاض يختلف كل منها مع الكل ومع ساير الابعاض ، فالبعض الموجود منه في جانب المشرق إذا لوحظ بحياله وبحدوده مغاير للكل وللبعض الموجود منه في جانب المغرب مثلا ، وكذلك البعض الموجود منه في طرف الجنوب إذا لو حظ بحياله مغاير للكل وللابعاض الاخر .


144

وقد عرفت في مبحث المشتق ان كلما يتصور له أجزاء أو ابعاض فكل جزء أو بعض منه يمكن ان يلحظ بنحو الابهام في التحصل فلا يكون في هذا اللحاظ مغايرا للكل ولسائر الاجزاء أو الابعاض ، ويمكن ان يلحظ تام التحصل فيختلف في هذا اللحاظ مع الكل ومع سائر الاجزاء والابعاض .

( وبالجملة ) ماء الحوض ( مع وحدته وبساطته ) يمكن ان يعتبر له ابعاض يغاير كل منها مع الكل ومع ساير الابعاض وان كان المجموع عين الكل ، فإذا عرفت حال الواحد الحقيقي فقس عليه الواحد الاعتباري كالصلوة مثلا ، فانها وان كانت عبارة عن متكثرات في الوجود بحيث يمتاز كمل منها من غيره ولكنه قد لوحظت هذه المتكثرات بنظر الوحدة و اعتبرها الآمر موجودا واحدا من جهة اشتمالها على غرض واحد ، وكل واحد من هذه المتكثرات جزء وبعض له ، ويخالف وجود الكل إذا لوحظ هذا الجزء موجودا بحياله ، ويكون وجود هذا الواحد الاعتباري محتاجا إلى وجود هذا الجزء ، فيكون الجزء مقدمة من مقدماته .

( والحاصل ) ان الجزء الذى يطلق عليه المقدمة هو الذى تألف منه ومن غيره الكل فالكل محتاج والجزء محتاج إليه فتميز المحتاج من المحتاج إليه .

( 1 ) ( الجهة الثانية ) هل المقدمة الداخلية واجبة بالوجوب النفسي الضمنى الانبساطي ، أو بالوجوب الغيرى ، أو بهما معا ؟ في المسألة اقوال ، اجودها الاول لما مر ( في مبحثالصحيح والاعم ) من ان الوجوب وان كان واحدا حقيقة ، ولكنه يتبعض بتبعض متعلقه ، وينبسط على اجزائه : ومرتبة الوجوب النفسي متقدمة على الوجوب الغيرى ، لكونه من ترشحاته ، وعلى هذا فلا يبقى موضوع للوجوب الغيرى .

( وارادء الاقوال ثانيها ) ، إذ الكل ليس الانفس الاجزاء ، فلو فرض كون كل واحد من الاجزاء واجبا بالوجوب الغيرى فقط لم يبق موضوع للوجوب النفسي حتى يترشح

( 1 ) اقول : يمكن ان يقال : ان الغائلة بعد باقية ، فان التكبير مثلا ( على هذا ) مقدمة و محتاج إليه ، وكذا القرائة والركوع وساير الاجزاء إلى التسليم وحينئذ فاين المحتاج ؟ وبعبارة اخرى المصلى من اول صلوته إلى آخرها مشغول بايجاد المقدمات ، فمتى اشتغل بايجاد ذيها ؟ ح

145

منه الواجبات الغيرية .

( ومن التقسيمات ) ( التى ذكروها ايضا للمقدمة ) انها اما عقلية ان امتنع وجود ذى المقدمة بدونها عقلا كالعلة بالنسبة إلى المعلول ، واما شرعية ان امتنع وجوده بدونها شرعا كالطهارة بالنسبة إلى الصلوة ، واما عادية ان امتنع وجوده بدونها عادة كنصب السلم بالنسبة إلى الصعود .

( اقول ) : الظاهر رجوع الاخيرين ايضا إلى الاول ، ( اما الشرعية ) فلان امتناع وجود شئ بدون شئ آخر ( الذى هو ملاك المقدمية ) ليس امرا قابلا للجعل ، بان يكون الصلوة مثلا بما لها من الاثار والغايات في نفس الامر امرا يتحقق بحسب الواقع بدون الطهارة ايضا ومع ذلك يحكم الشارع تعبدا بامتناع وجودها بدونها ، وعلى هذا فحكم الشارع بامتناع الصلوة بدون الطهارة مثلا اما من جهة انه اخذها قيدا للصلوة حين الامر بها ، لدخالة لها في المصلحة المترقبة منها ، واما من جهة ان عنوان الصلوة كانت بحسب الواقع عنوانا بسيطا تنتزع عن الافعال المخصوصة ، وكان انطباقها عليها في نفس الامر متوقفا على الطهارةفكشف الشارع عن ذلك ، وعلى كلا الوجهين تكون دخالة الطهارة عقلية ، اما على الثاني فواضح ، واما على الاول فلان استحالة وجود المقيد بدون قيده تكون عقلية .

( واما ) رجوع المقدمة العادية إلى المقدمات العقلية فلان نصب السلم مثلا من المقدمات العقلية للصعود بالنسبة إلى من لا يقدر على الطيران وامثاله ، لامتناع وجوده بدونه بالنسبة إلى هذا الشخص ، ولا مقدمية له اصلا بالنسبة إلى من يقدر على الطيران أو غيره ( ومن التقسيمات ايضا ) تقسيمها إلى مقدمة الوجود ، ومقدمة الصحة ، ومقدمة الوجوب ، ومقدمة العلم .

( ولا يخفى ) رجوع مقدمة الصحة إلى مقدمة الوجود ، اما على الصحيحى فواضح ، واما على القول بكون الاسامي موضوعة للاعم فلان الكلام في مقدمات ما هو الواجب والمأمور به وهو اخص من الموضوع له .

( ولا اشكال ) ايضا في خروج مقدمة الوجوب من محل النزاع ، إذ المقدمة التى يتوقف عليها الوجوب ، قبل وجودها لا وجوب لذيها حتى يترشح منه إليها ، وبعد وجودها لا معنى لوجوبها .

( واما مقدمة العلم ) فهى ايضا خارجة من محل النزاع ، لعدم كونها ذيها ( اعني العلم


146

واجبا شرعيا حتى يترشح الوجوب منه إليها ، فالوجوب فيها وجوب عقلي من باب حكمه بوجوب الاطاعة .

( ومن التقسيمات ايضا ) تقسيمها إلى ما تكون متقدمة بحسب الزمان على ذيها ، وما تكون متأخرة عنه ، وما تكون مقارنة له .

فمن امثلة المتقدمة العقد في الوصية والصرف والسلم ، بل غالب الاجزاء من كل عقد .

ومن امثلة المتأخرة اغسال الليلة اللاحقة المعتبرة ( عند بعض ) في صحة صوم المستحاضة في اليوم السابق ، ومثلها الاجازة المتأخرة في عقد الفضولي ( بناء على الكشف ) ، وهكذا قدرة المكلفين التى هي من الشرائط العامة لصحة التكليف ، فان ما يكون شرطا للتكليف انما هي القدرة حين العمل وهى متأخرة عن التكليف ، لا القدرة حين التكليف ، ضرورة عدم جواز تكليف من يقدر حين التكليفويعجز وقت العمل وجواز العكس .

( ثم انه ) ربما يستشكل في المقدمة المتأخرة بتقريب ان المقدمة من اجزاء العلة ، ولابد من تقدمها بجميع اجزائها على المعلول ، وعلى هذا فكيف يتصور مقدمية الامر المتأخر ؟ بل قال ( في الكفاية ) : بورود الاشكال في الشرط والمقتضى المتقدمين زمانا المتصرمين حين الاثر ايضا ، كالعقد في الوصية وامثالها بل غالب الاجزاء في كل عقد .

( ثم قال " ره " ) في مقام الجواب عن الاشكال ( ما حاصله ) : ان الموارد التى توهم فيها انخرام القاعدة العقلية لا تخلو من اقسام ثلث فان المتقدم أو المتأخر اما ان يكون شرطا للتكليف كالقدرة مثلا ، أو لامر وضعي كالاجازة في الفضولي ، أو للمأمور به كالاغسال الليلية في صوم المتسحاضه .

( اما في شرائط التكليف ) فالمتقدم أو المتأخر ليس بوجوده الخارجي شرطا لصحة التكليف ، وانما الشرط ( في صحته ) لحاظ ، كالشرط المقارن بعينه .

( وبالجملة ) معنى شرطية شئ للتكليف مقارنا كان أو غير مقارن ليس الا ان للحاظه و وجوده الذهنى دخلا في حصول الداعي إلى الامر أو النهى ، واللحاظ مقارن للتكليف وان كان الملحوظ غير مقارن .

( وكذا الحال ) في شرايط الوضع ، فان الامور الوضعية كالملكية مثلا لما كانت امورا


147

اعتبارية وانتزاعية فلا محالة يمكن دخالة امور متأخرة في اعتبارها وانتزاعها ، وليس معنى ذلك الا ان للحاظ هذه الامور دخلا في اعتبارها ، فالملكية مثلا انما يعتبرها الشارع والعقلاء بعد لحاظهم تحقق الاجازة ولو في زمان متأخر .

( واما شرائط المأمور به ) فمعنى كون شئ شرطا له ليس الا كونه دخيلا في صيرورة المأمور به معنونا بعنوان ، به يكون حسنا ومتعلقا للارادة ، وكما يمكن ان يصير الشئ بسبب اضافته إلى امر مقارن معنونا بعنوان حسن ، فكذلك يمكن ان يصير بسبب اضافتهإلى امر متقدم أو متأخر معنونا فعلا بعنوان حسن موجب لارادته والامر به ، فمن يمشى بقصد استقبال زيد مثلا انما ينطبق على مشيه عنوان الاستقبال فعلا إذا كان بحسب الواقع يتحقق مجئ زيد في الغد .

واختلاف العناوين باختلاف الاضافات كاختلاف الحسن والقبح باختلاف العناوين مما لا شك فيه ولا شبهة تعتريه .

( انتهى ) ( اقول ) : الاولى ان نذكر لتنقيح المقام مقدمة لا تخلو بنفسها من الفائدة ، وهى ان الاصوليين قسموا المقدمة بتقسيم آخر إلى السبب والشرط والمعد وعدم المانع ، و قالوا في تعاريفها : ان السبب ما يلزم عن عدمه العدم ومن وجوده الوجود ، والشرط ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده الوجود ، والمعد ما يلزم من عدمه ووجوده الوجود ، والمانع ما يلزم من وجوده العدم .

( وبعبارة اخرى ) ما توقف عليه الشئ اما ان يكون مؤثرا في وجود المتوقف و يكون منه وجوده ، واما ان يكون مؤثرا في قابلية المتوقف للوجود لا في اصل وجوده فالاول هو السبب ، والثانى اما ان يكون امرا وجوديا فهو الشرط ، أو عدميا فعدم المانع ، أو مركبا منهما فهو المعد ، هذا ما قالوه .

( والظاهر ) وجود التنافى بين تعريفي السبب ، فان ما منه الوجود ( كما في التعريف الثاني ) هو المقتضى ، وهو لا يلزم من وجوده الوجود وان كان يلزم من عدمه العدم ، وما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم ( كما في التعريف الاول ) هو العلة التامة ، وهى ليست بجميع اجزائها مؤثرة في الوجود وفاعلة له وانما المؤثر هو المقتضى فقط .

اللهم الا ان يراد من السبب المقتضى فقط ولكن لا مطلقا ، بل في ظرف وجود الشرط وعدم المانع فينطبق عليه التعريفا


148

وهيهنا امور يجب ان ينبه عليها ( الاول ) ان في عد عدم المانع من المقدمات نحو مسامحة ، ومثله العدم الذى هو جزء من المعد ، فان العدم بما هو عدم لا يؤثر ولا يتأثر ، ولكنهم لما رأوا ان وجودبعض الاشياء يدفع تأثير المقتضى سامحوا فعدوا عدمه من المقدمات ، وكذلك العدم في المعد فانهم حيث رأوا ان الجزء الاول من الحركة ما لم ينعدم لم يوجد الجزء الاخر الموصل إلى المقصود ، فلا محالة ألجأهم ذلك إلى عد عدمه من المقدمات .

( الثاني ) لا يبعد ان يقال بكون المعد من اقسام الشرط ، فان الشئ الوجودى المؤثر في قابلية شئ آخر للوجود اما ان يكون من الامور المتصرمة واما ان لا يكون كذلك ، فاصطلحوا على تسمية القسم الاول معدا وذلك كالحركة ( أي نحو منها كانت ) ، فان حركة الثمرات مثلا من اول كونها في الاكمام إلى زمن ايناعها بالحركة الكمية أو الكيفية أو نحوهما ايضا من المعدات للمرتبة الاخيرة .

( الثالث ) ان تقسيمهم للمقدمة لما كان في مبحث اثبات الوجوب لها ، فمن اجل ذلك مثلوا للمقدمة السببية بالفعل الاختياري الذى يتولد منه قهرا فعل آخر مثل حركة اليد المولدة لحركة المفتاح ، فان الفعل الغير الاختياري لا معنى للبحث عن وجوبه .

( الرابع ) ان الصادر عن الفاعل في الافعال التوليدية هل هو فعل واحدا وفعلان ؟ ( يمكن ان يقال ) : انه فعل واحد لصدور السبب والمسبب عن ارادة واحدة سواء تعلقت بالسبب كما إذا اراد تحريك يده من غير التفات إلى كون المفتاح في يده فتحرك بتبعها ، أو تعلقت بالمسبب كما إذا اراد تحريك المفتاح من غير التفات تفصيلي إلى حركة اليد ، وعلى هذا فلا مجال للبحث عن الوجوب المقدمى في الافعال التوليدية ، لتوقفه على كون المقدمة وذيها فعلين حتى يترشح الوجوب من الثاني إلى الاول .

( ويمكن ان يقال ايضا ) : ان الصادر عنه فعلان ، فان الحركة القائمة باليد امر موجود مغاير للحركة القائمة بالمفتاح ، وتعدد الوجود مساوق لتعدد الايجاد والاصدار ، لكون الايجاد عين الوجود ، وتغايرهما بالاعتبار ، فان الوجود الواحد إذا نسب إلى القابل سمى وجودا ، وإذا نسب إلى الفاعل سمى ايجادا ، وذلك لوضوح انه ليس سوى وجود العلة


149

ووجود المعلول وجود ثالث بينهما يسمى بالايجاد ، هذا .

( والاحتمال الثاني ) اقوى من الاول كما لا يخفى .

( الخامس ) انه وقع بين الاصوليين نزاع في انه هل يجوز ان يؤمر المكلف بالمسببات أو لا يجوز بل الواجب تعلق الامر باسبابها حتى انه إذا فرض تعلقه بحسب الظاهر بالمسبب فهو بحسب الحقيقة متعلق بالسبب ؟ ( ولا يخفى ) ان النزاع في ترشح الوجوب من ذى المقدمة إلى المقدمة ( في المقدمات السببية ) انما هو على الاول دون الثاني .

( واستدل ) لعدم الجواز بوجهين : ( الاول ) ان المسبب غير مقدور للمكلف ، ولا يجوز التكليف بغير المقدور .

( الثاني ) ان المكلف به يجب ان يكون فعلا من افعال المكلف ، وحركة المفتاح مثلا ليست من افعاله ، وما هو فعل له عبارة عن السبب ( اعني حركة اليد ) .

( والجواب ) اما عن الاول فبان المقدور بالواسطة ايضا مقدور ، إذ كل واحد من وجوده وعدمه باختيار المكلف ( واما عن الثاني ) فبانا لا نعنى بالفعل الا ما يكون صادرا عن المكلف بحيث لولا اصداره له لما وجد ، فلو لم يحرك المكلف يده مثلا لما تحرك المفتاح ولا انفتح الباب ، فحركة المفتاح وانفتاح الباب كلاهما فعلان اختياريان للمكلف ، غاية الامر كونهما مع الواسطة ، هذا ، ( مضافا ) إلى انه لم يرد آية ولا رواية على ان المأمور به يجب ان ينطبق عليه عنوان الفعل ، وانما الذى يجب ( بحكم العقل ) هو ان يكون وجود المأمور به مستندا إلى ارادة المكلف واختياره بحيث ان اراد ايجاده وجد وان اراد تركه لم يوجد ، وهيهنا كذلك ( وربما يفصل ) في المسألة بين ما إذا توسط ارادة من الغير بين وجود السبب ووجود المسبب وبين ما لم تتوسط ، ففى الاول ان ورد أمر بالمسبب فهو أمر بالسبب حقيقة بخلاف الثاني ، مثال الاول ما إذا كلف زيد من طرف مولاه بالقاء عمرو في المسبعة أو بتسليمه إلى ظالم ليقتله ، فان ارادة السبع أو الظالم تتوسط في هلاك عمرو فان تعلق الامر ظاهرا بهلاك عمرو بهذه الكيفية فهو متعلق بالسبب حقيقة ، وهو الالقاء أو التسليم ، ومثال الثاني حركة اليد وحركة المفتاح .

( وهذا التفصيل ) ايضا خلاف التحقيق ، فالاقوى ان المسببات يجوز ان تكون مامورا بها مطلقا .


150

( فتخلص مما ذكرنا ) ان المسبب في الافعال التوليدية فعل للمكلف ، وانه يمكن تعلق الوجوب به ، وانه يترشح الوجوب منه إلى السبب ان قلنا بوجوب مقدمة الواجب .

( ولا فرق ) في ذلك بين ان يكون المسبب صادرا عن المكلف بواسطة واحدة أو يكون صادرا عنه بوسائط ، بل وان صار المكلف حين وصول اثره إلى الهدف ميتا ، كما إذا رمى زيد سهما من القوس بقصد قتل عمرو ثم مات زيد قبل وصول سهمه إلى الهدف ، فحركة اليد فعل لزيد بلا واسطة ، وخروج السهم من القوس ، وحركته في الجو ، ووصوله إلى عمرو ، وزهاق روح عمرو ، كلها افعال اختيارية له مع الواسطة ، فان كان ازهاق روح عمرو واجبا عليه كان تحريك اليد وساير الوسائط مقدمات سببية لذلك الواجب ، وترشح الوجوب عليها ان قلنا بوجوب المقدمة ( وقد ظهر ) لك ايضا ان مراد الاصوليين من المقدمات السببية هذا القسم من الاسباب ( اعني الاسباب للافعال التوليدية ) .

( السادس ) ان من احكام العلة التامة واجزائها تقدمها على المعلول رتبة ، وملاك التقدم ( في العلة التامة ) هو وجوب الوجود بمعنى ان العقل لا يحكم بضرورة وجود المعلول الا وهو يحكم في هذه الرتبة بضرورة وجود العلة ايضا فيقال وجبت العلة فوجب المعلول ولكنه يحكم بضرورة وجود العلة في رتبة من دون ان يحكم ( في هذه الرتبة ) بضرورة وجود المعلول ، وملاك التقدم ( في اجزاء العلة ) هو نفس الوجود بمعنى انه لا يحكم بوجود المعلول الا انه يحكم ( في هذه الرتبة ) بوجود المقتضى أو الشرط مثلا ( وبالجملة ) ما هو مقتضى العلية هو تقدم العلة التامة واجزائها على المعلول تقدما طبعيا و رتبيا ، وهذا من غير فرق بين الموجودات الزمانية والموجودات الخارجة من وعاء الزمان واما اقتضاء العلية لكون العلة واجزائها متقدمة بالزمان على المعلول فغير معلوم ، نعم لما كانت العلةالتامة ماعنه يفيض المعلول وهو فيض لها كان انفكاكه منها غير جايز فهى مقارنة لمعلولها زمانا ( واما الشرط ) مثلا فاى دليل على عدم جواز تقدمه أو تأخره زمانا .

( 1 )

( 1 ) لقائل ان يقول : ان الشرط لما كان مؤثرا في القابلية كان هو بالنسبة إلى وجود القابلية كالعلة التامة ، فيجب تقارنهما زمانا ، وعلي هذا فلا يمكن كون الشرط الذى هو جزء من اجزاء العلة التامة متأخرا في الوجود عن معلولها ، إذ القابلية ما لم تتحق لم يؤثر العلة في وجود المعلول ، بداهة تقدم القابلية على الفعلية .


151

( وقد تبين لك ) آنفا ان الاسباب في الافعال التوليدية يجوز تقدمها على المسببات ، كما في مثال رمى السهم الواصل إلى الهدف ( الذى اريد قتله به ) بعد مدة من الزمان .

( والحاصل ) ان اقتضاء العلية لكون جزء العلة مقارنا للمعلول بحسب الزمان غير معلوم ، ومن اين ثبت عدم جواز تقدمه أو تأخره ؟ الا ترى ( في العلة الغائية ) انها متأخرة عن معلولها ، ومع ذلك لم تخرج من كونها علة .

( فان قلت ) ليست العلة الغائية بوجودها الخارجي علة ، بل بوجودها العلمي ، ولذا لو تخيل احد ترتب غاية على فعله لاثر هذا الخيال في صدور الفعل عنه ، وان انكشف بعد حصوله ان الغاية المتخيلة لا تترتب عليه .

( قلت ) : ليس العلم بالغاية بما هو علم بها مؤثرا في وجود الفعل ، بل بما هو طريق إليها ومرآة لها ( 1 ) والشاهد على ذلك ان المؤثر في فعل الحكيم العالم بالعواقب الذى لا يتصور في علمه مخالفة الواقع هو نفس الغاية لا علمه بها بما هو علم وصفة كمال لذاته .

( والحاصل ) انه قد ظهر لك مما ذكرناه عدم ورود اشكال في الشرط المتقدم أو المتأخر بحسب الزمان ، فان الذى يعتبر فيه هو التقدم الرتبى لا غير .

( نعم ) يعتبر في العلة التامة فقط تقارنها مع المعلول زمانا كما عرفت .

( ولو سلم ) لزوم التقارن في الشروط ايضا فنحن ايضا في مخلص من اشكال الشرطالمتقدم أو المتأخر ، ( وتفصيل ذلك ) هو ان يقال : " اما في شرائط التكليف " فالحق في كل ما توهم شرطيتها له انها ليست بشرائط وجوده بان يكون التكليف معلولا وهذه من اجزاء العلة لوجوده ، بل الحق فيها انها

( 1 ) يمكن ان يقال : ان العلم قد يكون تمام الموضوع لشيئ أو لحكم ، ولكن لا بما انه صفة لذات العالم في قبال ساير الصفات النفسانية ، بل بما انه طريق إلى الواقع .

مثال ذلك ان العلم بوجود السبع تمام الموضوع للخوف والوحشة ، فانه يؤثر في الخوف وان كان الواقع عدم وجود السبع ، ولكن تأثير هذا العلم في نفس الخائف ليس بما انه علم وصفة كمال من صفات النفس ، بل بما انه مرآة للواقع وهو وجود السبع .

وعلي هذا فيمكن القول بان العلم في العلة الغائية ايضا من هذا القبيل ، لكفايته في وجود المعلول وان ظهر بعد ذلك عدم ترتبها على الفعل .


152

من قيود الموضوع في قضية من احكام العقل ، يكون موضوعها التكليف ، ومحمولها الامكان بمعنى ان العقل يحكم بان التكليف الصادر عن المولى متعلقا بالمكلف المميز القادر ممكن ، وغير هذا القسم من التلكيف غير ممكن ، فالقدرة والتميز ليسا من شرائط وجود التكليف ، بل هما قيدان له بما انه يكون موضوعا لحكم العقل عليه بالامكان ، وكما يجوز ان يكون قيد الموضوع في قضية مقارنا له بحسب الوجود يجوز ايضا ان يكون متأخرا عنه أو متقدما عليه ، إذ الفرض انه ليس من اجزاء العلة لوجود الموضوع حتى يجب تقارنه له ، بل من قيوده بما هو موضوع لما حكم عليه في القضية .

( والحاصل ) ان هذه الشروط ليست بشرائط لوجود التكليف ، بل لامكانه الذى هو من الاعتبارات العقلية ، ( 1 ) وحينئذ فاين انخرام القاعدة العقلية مع ان موردها على فرض تسلمها اجزاء علة الوجود ؟ هذا في شرائط التكليف .

( واما شرائط المكلف به ) فهى على قسمين ( الاول ) ما يكون قيدا للمأمور به بما هو مأموربه بنحو يكون التقيد داخلا والقيد خارجا ، وهذا انما يتصور فيما إذا كان ذات المأمور به شيئا يحصل ويتحقق بدون هذا القيد ايضا ، ولكن لم يكن باطلاقه مأمورا به بل امر به مقيدا بهذا القيد ، سواء كان مقارنا له أو متقدما عليه أو متأخرا عنه وذلك كالصلوة مثلا

( 1 ) لقائل ان يقول : انا لا نتعقل دخالة مثل القدرة وامثالها في امكان التكليف فان التكليف بذاته موضوع لحكم العقل عليه بالامكان الذاتي ، لا انه يكون ممتنعا ذاتا الا في حال تحقق الشرايط المذكورة .

" نعم " يمكن ان يقال : بعدم تمشى ارادة البعث من الآمر العاقل فيما إذا لم يوجد شرايط التكليف ، ولكن اين هذا من الامتناع الذاتي ، فان المجنون مثلا يمكن ان يأمر جدا مع عدم قدرة المكلف .

اللهم الا ان يقال : ان المجنون ايضا يتخيل قدرة المكلف ويأمره ، لا انه يلتفت إلى عدم القدرة ومع ذلك يأمر .

والاولى ان يبدل كلمة الامكان بالحسن ، بان يقال : ان العقل لا يحكم بحسن التكليف الا إذا كان المكلف قادرا مثلا ، فمثل القدرة قيد للموضوع في قضية من محكومات العقل ، يكون موضوعها التكليف ومحمولها الحسن .

" ثم اعلم " ان ما ذكره سيدنا الاستاد الاكبر " مد ظله " انما هو في الشرائط العقلية للتكليف ، لعدم جريانه في الشرائط الشرعية الثابتة له ، كالاستطاعة في الحج مثلا ، فانها ليست دخيلة في امكان التكليف بالحج .


153

ان قلنا بانها شيئ يتحقق ويوجد بنفس اجزائها ، ولو كانت فاقدة لشرائطها : من الوضوء والغسل ونحوهما ، ولكن الشارع لم يأمر بها باطلاقها بل حالكونها مقيدة باشياء : من الوضوء والغسل وامثالهما ( فالمراد بالشرط ) حينئذ ليس هو الشرط الذى يكون من اجزاء علة الوجود إذ المفروض تحقق ذات الصلوة مثلا بدون الشرط ايضا ، بل المراد بالشرط هنا ما اخذ قيداللمأمور به ، فذات المأمور به توجد بدون القيد ايضا ، ولكنه لا يتحقق بما انه مأمور به الا باتيان قيده ، إذ المفروض ان التقيد به داخل في المأمور به وان كان نفس القيد خارجا ( ثم اعلم ) ان وجود التقيد الذى هو جزء تحليلي للمأمور به لما كان بعين وجود القيد ، من جهة انه ليس شيئا مستقلا في قبال القيد ، بل هو امر ينتزع عنه ، ومن البديهى ان وجود الامر الانتزاعي بوجود منشأ انتزاعه ، ( امكن ان يقال ) : بكون القيود مامورا بها بنفس الامر المتعلق بالمأمور به ، لا بامر غيرى ترشحي كما في ساير اجزاء المأمور به ، حيث ذكرنا سابقا انها تكون مأمورا بها بالامر الضمنى الانبساطي لا الغيرى الترشحى ( وبالجملة ) وجود القيد بعينه وجود للتقيد الذى هو جزء تحليلي للمأمور به ، فلا محالة يصير القيد بما انه وجود للتقيد واجبا بالوجوب النفسي الضمنى .

( القسم الثاني ) ما يكون دخيلا في انطباق عنوان المأمور به على معنونه ، و ذلك انما يتصور فيما إذا كان المأمور به من العناوين الانتزاعية التى يكون وجودها بوجود منشأ انتزاعها ، فانه يمكن حينئذ ( بحسب مقام الثبوت ) ان يكون لوجود بعض الاشياء في ظرف وجوده دخالة في انتزاع هذا العنوان المأمور به عن منشأه وانطباقه عليه ، وذلك كالصلوة ايضا ، فانه من الجايز ان يكون الصلوة المأمور بها امرا بسيطا ينتزع عن الافعال والاقوال المخصوصة من التكبير إلى التسليم ، ولكن يكون للوضوء المتقدم مثلا ايضا دخل في انتزاع هذا العنوان البسيط عن هذه الافعال والاقوال .

وحينئذ كما يمكن ان يكون لبعض الامور المقارنة دخل في انتزاع العنوان عن معنونه ، كذلك يمكن دخالة بعض الامور المتقدمة أو المتأخرة كالاستقبال مثلا ، فان قدوم المسافر المستقبل دخيل في انطباق عنوان الاستقبال على مشي من اراده ، مع كون هذا القدوم متاخرا عن هذا المشي .


154

( والسر في ذلك ) ان الوجود المتأخر مثلا ليس من اجزاء علة الوجود المتقدم حتى لا يجوز تأخره عنه ، بل غاية ما يكون ان له نحو دخالة في انطباق عنوان خاص على ذلكالوجود المتقدم ( وكيف كان ) ففى كلا القسمين ( الذين ذكرنا لشرائط المأمور به ) لا يلزم انخرام القاعدة العقلية ، لعدم كون الشرائط شرائط لوجوده .

( وبعبارة اخرى ) ليس المراد بالشرط في المقام الشرط الذى هو احد من اجزاء علة الوجود ، بل المراد به قيد المأمور به أو ما يكون دخيلا في انتزاع عنوانه عن معنونه .

( نعم ) لا ينكر انه يمكن ان يكون بعض الامور المسماة بالشروط من اجزاء علة الوجود للمأمور به ، ولكن ليس لنا في هذا القسم من الشروط شرط يكون متأخرا في الوجود ، هذا .

( مضافا ) إلى ما ذكرناه من ان حكم العقل بلزوم التقارن منحصر في العلة التامة ، و في غيرها لا دليل عليه فتدبر .

( الامر الثالث في تقسيمات الواجب ) ( فمنها ) ان الواجب اما مطلق أو مشروط وقد عرفا بتعاريف لا يهمنا ذكرها والنقض والابرام فيها ، ( والاحسن ) ما ذكره شيخنا الاستاد في الكفاية ( وتوضيحه ) ان وصفى الاطلاق والاشتراط وصفان اضافيان فلا يتواردان على موضوع واحد من جهة واحدة فانه مقتضى تقابل المتضائفين ولكن يجوز صدقهما معا على موضوع واحد بجهتين .

وعلى هذا فكل واجب إذا لوحظ بالاضافة إلى شيئ آخر فاما ان يكون وجوبه مشروطا بوجود ذلك الشيئ بحيث يتوقف وجوبه على وجوده ، واما ان لا يكون كذلك بان لا يكون لوجود ذلك الشيئ دخل في وجوبه وان كان دخيلا في وجوده ( فعلى الاول ) يكون الواجب بالاضافة إلى هذا الشيئ مشروطا وان كان بالاضافة إلى شيئ آخر مطلقا ، ( وعلى الثاني ) يكون الواجب بالاضافة إلى هذا الشيى مطلقا وان كان بالاضافة إلى شئ آخر مشروطا ، فكل واجب مشروط بالنسبة إلى بعض الاشياء ولا اقل من الشرائط العامة ، ومطلق بالنسبة إلى اشياء اخر ، فالاطلاق والاشتراط نظير الابوة والبنوة لا يجتمعان في شئ


155

واحد من جهة واحدة ولكن يجتمعان من جهتين .

( واعلم ) ان الشرط في الواجب المشروط يمكن ان يكون من المقدمات الوجودية للواجب ايضا كالقدرة ، ويمكن ان لا يكون منها كالاستطاعة الشرعية في الحج .

( واما ما تراه ) في كلام بعضهم من تعريف الواجب المشروط بما يتوقف وجوبه على ما يتوقف عليه وجوده فليس مرادهم من ذلك حصر مقدمة الوجوب في المقدمات الوجودية بل لما كان محط كلامهم مسألة وجوب المقدمة ( ولا محالة يكون هذا البحث في المقدمات الوجودية للواجب ) ارادوا ان ينبهوا على ان النزاع في وجوب المقدمات الوجودية انما هو في غير ما يكون منها مقدمة للوجوب ايضا ، فان ما كان منها كذلك لا يمكن ترشح الوجوب من ذى المقدمة إليها ، إذ قبل وجودها لا وجوب لذيها ، وبعده لا معنى لترشح الوجوب إليها لاستلزامه تحصيل الحاصل ، وبالجملة تعريفهم هنا للواجب المشروط ليس لغرض التعريف حتى يجب كونه جامعا ومانعا ، بل كان غرضهم استثناء بعض المقدمات الوجودية من محل النزاع في مسألة وجوب المقدمة .

( إذا عرفت ما ذكرنا فنقول ) إذا ورد جملة شرطية وكان جزائها امرا أو نهيا أو نحوهما مما يدل على طلب وجود الفعل أو تركه مثل ان يقول المولى : ( ان جائك زيد فأكرمه ) ففيها بالنظر البدوى احتمالان ( الاول ) ان يكون الشرط قيدا لمفاد هيئة الامر أو النهى وهو الطلب أو الزجر الحتمى بان يكون الطلب والوجوب مثلا مقيدا ، والمتعلق اعني الاكرام مطلقا ، فيكون حاصل معنى الكلام انه يجب عليك عند مجيئ زيد الاكرام ، ولازم ذلك ان الشرط ان كان لا يتحقق ابدا فلا وجوب اصلا ، وعلى فرض تحققه في زمان فلا وجوب قبل تحققه بل الوجوب يتحقق بعد تحققه الا إذا اعتبر على نحو الشرط المتأخر .

( الثاني ) ان يكون قيدا لمفاد مادة الامر أو النهى اعني الاكرام مثلا ويكون مفاد الهيئة مطلقا ، فيكون مفاد الكلام المذكور انه يجب عليك الاكرام المقيد بكونه عند مجيئ زيد ، فالوجوب مطلق غير مقيد بمجيئ زيد ولكنه تعلق بالاكرام المقيد ،فالوجوب يتحقق بنفس الانشاء جاء زيد أو لم يجئ هذا بحسب مقام الثبوت .

( واما في مقام الاثبات ) فاختار المشهور رجوع القيد إلى الهيئة وصيرورة الوجوب


156

في امثال ذلك مشروطا بحصول الشرط ، ( وقال شيخنا الانصاري قده ) على ما في تقريرات بعض الاعاظم المقرر لبحثه : ان مقتضى القواعد العربية وان كان رجوع القيد إلى الهيئة كما اختاره المشهور ولكن مقتضى الدقة والتحقيق ارجاعه إلى المادة ( وحاصل ) ما يوجد في كلامه من الاستدلال عليه وما يمكن ان يستدل ، لمرامه امور ( الاول ) الدليل اللبى وقد استدل به هو ( قده ) ( وحاصله ) ان كل من توجه إلى فعل من الافعال ولحظه بحدوده واطرافه فاما ان يتعلق غرضه به مطلقا باى وجه حصل وفى أي زمان وجد واما ان لا يتعلق غرضه به على اطلاقه بل يتعلق به مقيدا بكونه في زمان خاص أو مكان خاص ، أو بكون حصوله على وجه خاص ، فالاطلاق والتقييد انما يقعان ( بحسب مقام الثبوت ) فيما يتوجه إليه النفس ويتعلق به الغرض وهو نفس الفعل المأمور به ( الثاني ) ان الانشاء عبارة عن الايجاد ولا يعقل وقوع التعليق في الايجاد .

( الثالث ) ان هيئة الامر والنهى موضوعان ( بالوضع العام والموضوع له الخاص ) لخصوصيات الطلب وجزئياته لا لمفهوم الطلب ، وإذا كان الموضوع له للهيئة معنى جزئيا فكيف يتصور تقييدها إذ الاطلاق والتقييد انما يجريان في المفاهيم الكلية .

( الرابع ) ان مفاد الهيئة ( وهو الطلب ) معنى حرفي غير ملحوظ استقلالا كما عرفت ذلك سابقا وانما يتعلق به اللحاظ الاندكاكى في ضمن لحاظ متعلقه كسائر المعاني الحرفية ، والشيئ ما لم يتوجه إليه النفس ولم يلحظه مستقلا لم يعقل تقييده ، إذ التقييد متوقف على لحاظ المطلق اولا ، هذا .

( ثم انه " قده " ) توجه إلى اشكال في المقام وهو ان الطلب المطلق إذا تعلق بفعل مقيد بقيد اختياري كان مقتضى اطلاق الطلب ايجاد المقيد ولو بايجاد قيده ، وعلي هذا فيلزم على ما ذكره " قده " ( من ارجاع القيد مطلقا إلى المادة وابقاء الطلب باطلاقه ) وجوب تحصيل الاستطاعة في باب الحج مثلا مع كونه مخالفا لضرورة الدين .

وحيث توجه إلى ورود هذا الاشكال تصدى لدفعه ( وحاصل ما ذكره في دفعه ) ان الاحكام الشرعية لما كانت على مذاق العدلية تابعة للمصالح والمفاسد الكامنة في المتعلقات وكانت المصالح والمفاسد مما تختلف بالوجوه والاعتبارات ( فتارة ) يكون الفعل المقيد بقيد خاص ذا مصلحة سواء كان قيده متعلقا للتكليف و اتى على وجه الامتثال أو لم يكن متعلقا له ولم يؤت كذلك ( واخرى ) يكون الفعل


157

المقيد بقيد خاص ذا مصلحة بشرط ان يكون قيده مكلفا به ومأتيا على وجه الامتثال بحيث يكون وقوع القيد تحت الامر واتيانه على وجه الامتثال ايضا دخيلا في حسن الفعل المقيد وصيرورته ذا مصلحة نظير الصلوة المقيدة بالطهارات الثلث العبادية .

( وثالثة ) يكون الفعل المقيد بقيد خاص ذا مصلحة بشرط ان لا يكون قيده واقعا تحت الامر بحيث يكون لكون القيد غير مكلف به دخل في كون المقيد حسنا وذا مصلحة ، فلا محالة يجب على المولى في الصورة الثالثة الامر بالمقيد بنحو لا يسرى إلى قيده ولا يصير تحصيله واجبا ، وعلى هذا فيمكن ان يكون مثال الحج ونظائره من هذا القبيل فالقيد فيها على طريق المعاكسة مع الواجبات التعبدية وقيودها التعبدية ، فكما ان للامر والتكليف دخلا في صيرورتها ذات حسن ومصلحة فكذلك يكون لعدم تعلق التكليف بالقيد دخل ( فيما نحن فيه ) في صيرورة المقيد بهذا القيد ذا مصلحة ( وح ) فيجب على المولى الامر بالمقيد المشتمل على المصلحة ولكن بنحو لا يسرى امره إلى القيد ( انتهى ) .

( اقول ) : وفي بيانه ( قده ) نظر إذ كون شيئ مأمورا به يمكن ان يكون دخيلا في حسنه وصيرورته ذا مصلحة لجواز ان يكون تعلق الامر به موجبا لطرو عنوان ، به يصير حسنا وذا مصلحة كعنوان الامتثال مثلا حيث انه لا ينطبق على فعل الابعد كونه مأمورا به واتيانه بداعي هذا الامر ، وهذا بخلاف ما نحن فيه فان عدم تعلق الامر لا يعقل ان يكون دخيلا في اشتمال الفعل على المصلحة وهل يقبل وجدانك ان يكون فعل منالافعال ذا مصلحة ويكون تعلق الامر به موجبا لخروجه من كونه كذلك ؟ " وبالجملة " فنحن لا نتعقل ان يكون لعدم التكليف بشيئ دخل في كونه ذا مصلحة ، هذا .

وقد حررنا فيما علقناه سابقا على كفاية شيخنا الاستاد العلامة ( قده ) بعض ما يناسب المقام فالانسب نقله بالفاظه قوله ( دام علوه ) فانه جعل الشيئ واجبا على تقدير حصول ذاك الشرط ( الخ ) ( اقول ) : لا يخفى ان هذا التعليل لا يلائم القول باطلاق الهيئة ورجوع القيد إلى المادة فان معناه عدم الوجوب على تقدير عدم حصول الشرط ، ومقتضى عدم تقييد الهيئة هو ثبوت الوجوب وجد هذا القيد ام لم يوجد .

( وبعبارة اخرى ) مقتضى التعليل عدم استحقاق العقوبة على تقدير عدم الواجب بترك القي


158

المذكور إذا كان اختياريا ، ومقتضى اطلاق الوجوب وتقييد الواجب انه واجب سواء وجد ام لم يوجد ( نعم ) إذا كان غير اختياري لا يستحق عقوبة على تقدير عدمه ، ( هذا ) مضافا إلى ان تقييد الواجب بأمر اختياري مع اطلاق الوجوب يستلزم سراية الوجوب إليه على القول بالملازمة بل وعلى القول بعدمها بناء على ما تقدم من كون القيد كالجزء في كونه واجبا بنفس وجوب المقيد فكيف يمكن عدم وجوب القيد مع وجوب المقيد وهذا واضح ( نعم ) يستفاد من تقريرات بعض افاضل تلامذة الشيخ ( ره ) وجه آخر لعدم سراية الوجوب إليه وهو انه كما يمكن ان يكون فعل ذا مصلحة مطلقا ، ويمكن ان يكون ذا مصلحة إذا وجد متعلقا للتكليف كالعبادات ، كذا يمكن ان يكون ذا مصلحة إذا وجد غير متعلق للتكليف اما بتمامه أو ببعض قيوده ومقدماته ( وح ) لابد من عدم الامر به مطلقا ان كان عدم التكليف به بقول مطلق دخيلا في ترتب المصلحة عليه ، أو الامر به مع عدم اسراء الايجاب إلى القيد ان كان عدم التكليف بالقيد معتبرا في ترتبها ، و ( ح ) لابد من عدم سراية الوجوب إلى القيد لكونه نقضا لغرضه ، ( وهو ) ايضا لا يخلو عن الاشكال لانه ان فرض كون الغرض والمصلحة مترتبا على الفعل المقيد بالقيد الذى يوجد قيده غير متعلق للتكليف ، لزم عدمالامر بالمقيد إذ تعلقه به مستلزم لكون القيد متعلقا له بناء على كونه كالجزء ( نعم ) بناء على كونه كالمقدمات العقلية الخارجية وارجاع المقيد إلى عنوان بسيط موقوف على وجود القيد توقف المعلول على علته ، امكن دعوى عدم السراية بدعوى ان الملازمة انما تكون بين وجوب الشيئ ووجوب مقدماته إذا كانت قابلة له ، وفيما نحن فيه ليست المقدمة قابلة له لكونها مقيدة بعدم الامر فيلزم من وجوبها اجتماع النقيضين ، لكن لا يخفى ان الامر بالمقيد وان لم يسر إلى القيد بأحد الوجهين لكن العقل يحكم بلزوم اتيانه لاطاعة ايجاب ذى المقدمة والتخلص من تبعة مخالفته ( 1 )

( 1 ) والحاصل انه بعد ما فرض كون الفعل المقيد بالقيد الذى لم يتعلق به التلكيف مشتملا على مصلحة ، وقد فرض ايضا عدم سراية الوجوب إلى القيد كان شرط القيد وهو عدم تعلق التكليف به حاصلا قهرا فالعبد يتمكن فعلا من اتيان الفعل الواجد للمصلحة الذى امر به المولى ، ولا يلزم ان يكون مقدمته واجبة بالوجوب الشرعي بل اللابدية العقلية كافية في كون المكلف ملزما باتيانها ليتمكن بها من ذيها الواجب على نحو الاطلاق .


159

لان الفرض انه مطلق فيحكم ارشادا بلزوم تحصيله لتنجز الامر المطلق بما يتوقف عليه واستلزام تركه لامتناع الواجب المطلق المتوقف عليه وهذا لا يرتفع الا بدعوى تقييد الوجوب بوجود هذا القيد ولو بنحو الشرط المتأخر ( انتهى ما اردنا نقله عن التعليقة ) .

هذه خلاصة ما قيل في المقام وان شئت تحقيق المسألة ( فاعلم ) ان اللازم اولا هو الرجوع إلى مقام الثبوت وبيان ما هو الملاك في تقييد المادة وما هو الملاك في تقييد الهيئة ، والتأمل في انه هل يتصور ( بحسب مقام الثبوت ) كون مفاد الهيئة مقيدا أو لا يتصور ؟ ( فنقول وعليه التكلان ) : ان الاوامر الشرعية المتعلقة بافعال المكلفين ليست جزافية بضرورة من مذهب العدلية ، بل كل واحد من الاوامر الشرعية قد صدر عن الشارع اما من جهة كون متعلقه مشتملا على مصلحة ملزمة اريد ايصالها إلى العبد ، أو من جهةكون المتعلق رافعا للمفسدة الحاصلة للعبد أو دافعا للمفسدة المتوجهة إليه و ( ح ) ( فقد يرى المولى ) ان الفعل الكذائي على اطلاقه وبأى وجه حصل مشتمل على المصلحة أو رافع لمفسدة موجودة أو دافع لمفسدة متوجهة فحينئذ يامر به مطلقا غير مقيد بشئ من القيود ( وقد يرى ) ان الفعل الكذائي حالكونه مقيدا بقيد خاص مشتمل على المصلحة أو رافع أو دافع للمفسدة فلا محالة يأمر به ( ح ) مقيدا بالقيد الذى يكون دخيلا في اشتماله على المصلحة أو رفعه أو دفعه للمفسدة ، فملاك تقييد المادة في مقام الثبوت هوان يكون المشتمل على المصلحة أو الرافع أو الدافع للمفسدة عبارة عن الفعل المقيد بقيد خاص لا نفس الفعل على اطلاقه .

( واما تقييد الهيئة ) فانما يتصور بملاكه في موضعين ( الاول ) ان يكون الغرض من الامر دفع المفسدة المتوجهة أو رفع المفسدة الموجودة ولكن كانت المفسدة أمر يوجد على تقدير خاص ، اما لان هذا التقدير الخاص بنفسه جالب للمفسدة ، واما لكونه ملازما لما يوجب المفسدة فحينئذ يجب ان يكون طلب المولى وبعثه نحو العمل ( الذى اريد به دفع المفسدة ) مقيدا بتحقق هذا التقدير إذ في غير هذا التقدير لا ملاك لبعثه ، ومثال ذلك في الاوامر الشرعية في غاية الكثرة كقوله : ان ظاهرت فاعتق رقبة أو ان اصبت الصيد في الحرم فعليك كذا مثلا ، فان الشارع لما رأى ان الظهار مثلا امر جالب للمفسدة أو ملازم لما


160

يجلبها ، وكان غرضه انجاء العبد من المفسدة المتوجهة إليه اما بتمام مراتبها أو ببعضها فلا محالة تعلق طلبه بما هو دخيل في انجاء العبد وتخليصه من المفسدة كالعتق مثلا ، ولكن لما كان توجه المفسدة على تقدير الظهار دون غيره كان عليه تقييد طلبه المتعلق بالعتق بصورة وجود الظهار إذ في غيرها لا مفسدة حتى يريد دفعها أو رفعها ، ولا مورد في هذا المقام لارجاع القيد إلى المادة اعني العتق لما ذكرناه من ان تقييد المطلوب انما يصح فيما إذا كان القيد دخيلا في كون المطلوب ذا مصلحة أو رافعا أو دافعا للمفسدة ، وفيما نحن فيه ليس كذلك فانالرافع للمفسدة التى تتوجه على تقدير الظهار انما هو نفس العتق لا العتق المقيد بالظهار لان الظهار كان جالبا للمفسدة فلا يعقل دخالته في رفع اثر نفسه .

( وان شئت ) وضوح ذلك فانظر إلى المثال المعروف في هذا المقام ، فإذا قال الطبيب إذا زاد الصفراء فعليك بالسقمونيا مثلا فهل يكون الرافع لمرض المريض المبتلى بكثرة الصفراء هو السقمونيا المقيد بازدياد الصفراء بحيث يكون جالب المفسدة ايضا دخيلا في رفعه ، أو يكون الرافع له هو نفس السقمونيا على اطلاقه غاية الامر ان امر المريض باستعماله لما كان لغرض انجائه من المرض المتوجه إليه كان اللازم على الطبيب أمر المريض باستعماله على تقدير ازدياد الصفراء بحيث يكون البعث في هذا التقدير فقط ، لعدم وجود الملاك ( اعني توجه المفسدة ) في غير هذا التقدير حتى يبعث المريض إلى ما يدفعها ؟ ( وبالجملة ) القيد في تلك المقامات لابد من ان يرجع إلى الهيئة .

( الموضع الثاني ) ان يكون الغرض من الامر ايصال العبد إلى مصلحة اشتمل عليها الفعل باطلاقه ولكن كان هناك مانع عن البعث نحو ذلك الفعل الا على تقدير خاص ، ففى هذا المقام ايضا يجب في مقام الثبوت تقييد الهيئة لا المادة ، إذ المفروض ان مفاد المادة اعني المطلوب باطلاقه مشتمل على المصلحة الموجبة للامر ، ( غاية الامر ) ان البعث إليه لما كان مبتلى بالمانع على بعض التقادير فلا محالة وجب على المولى تقييد مفاد الهيئة اعني البعث والطلب وتخصيصه بصورة عدم وجود المانع المخصوص ، ومثال هذا القسم جميع التكاليف الشرعية بالنسبة إلى الشرائط العامة اعني البلوغ والعقل والقدرة ، فما اشتمل على المصلحة انما هو نفس الصلوة مثلا لا الصلوة المقيدة ببلوغ المكلف أو قدرته فلا مجال لتقييد المادة ( ح ) بل الواجب


161

على المولى حينئذ تقييد مفاد الهيئة اعني البعث لوجود المانع عن اطلاقه وهو قصور المكلف عن الانبعاث .

( ومن امثلة هذا القسم ايضا ) الحج المشروط بالاستطاعة فان المشتمل على المصلحة انماهو نفس الحج عن أي شخص صدر ولو من المنسكع ، لا الحج المشروط بالاستطاعة ولكنه لما كان البعث إليه مطلقا موجبا للعسر الشديد بل كان موجبا لخروج اكثر المكلفين من ربقة الاطاعة فلا جرم كان على المولى من باب المطف تخصيص بعثه بمن لا يعسر عليه .

( ومثل ذلك ايضا ) الزكوة المشروطة بالنصاب مثلا إذ المشتمل على المصلحة ايضا هو نفس الزكوة لا الزكوة المقيدة بالنصاب ، ولكن لما كان البعث إليها مطلقا موجبا للعسر كان على المولى تخصيصه بصورة مالكية النصاب ، وهكذا .

( وبالجملة ) في هذين الموضعين لا مجال لتقييد مفاد المادة إذ الفرض انه باطلاقه مشتمل على المصلحة أو دافع أو رافع للمفسدة .

( إذا عرفت ) ما ذكرناه في مقام الثبوت ( من صور تقييد الهيئة ) فنحن في مقام الاثبات في غنى وكفاية عن الاستدلال ، لظهور الجمل الشرطية في تقييد الهيئة كما لا يخفى على من له دراية بالقواعد العربية والاستظهارات العرفية ، بل قد عرفت اعتراف الشيخ ( ره ) ايضا بان مقتضى القواعد العربية ارجاع القيد إلى الهيئة ، ووجهه ظاهر ، فان الظاهر من قوله : ( ان جائك زيد فأكرمه ) تعليق مفاد جملة الجزاء ( اعني وجوب اكرام زيد ) على مجيئه ، وهذا المعنى مما يفهمه اهل العرف من الجمل الشرطية وعليه مدار مخاطباتهم فانهم كما يحتاجون في مكالماتهم في بعض الاوقات إلى تقييد المادة فقد يحتاجون ايضا إلى تقييد الهيئة لعدم تمكنهم من البعث الفعلى في بعض المقامات .

وما ذكر من الاستدلال على عدم جواز تقييد الهيئة شبهات في قبال البداهة ، فان المرجع في تشخيص المرادات من الالفاظ المستعملة هو فهم اهل العرف المستعملين لها وهم يفهمون من الجمل الشرطية بالبداهة رجوع القيد فيها إلى الهيئة ، ( هذا ) مضافا إلى ان ما ذكر ( من ان الهيئة لا تقبل التقييد من جهة انها وضعت للانشاء وهو امر لا يقبل التقييد ) يمكن ان يذب عنه بان الانشاء وان كان لا يقبل ذلك الا ان المراد من ارجاع القيد إلى الهيئة ليس تقييد الانشاء بل تقييد المنشأ


162

فالمنشأ هو الطلب على تقدير ، واما الانشاء فلا تقييد فيه اصلا .

كما يمكن ان يذب عن القول باستحالة تقييد مفاد الهيئة ( من جهة كونه جزئيا ) بان ما ذكرت مسلم ان اريد ايجاده اولا غير مقيد ثم تقييده بعد الايجاد ، واما إذا انشأ من اول الامر مقيدا فلا اشكال فيه لعدم منافات ذلك لجزئيته وخصوصيته .

( نعم يمكن ان يقال ) : ان نظر الشيخ ( قده ) في القول بكون القيود باجمعها راجعة إلى المادة كان إلى ما ذكرناه سابقا من الفرق بين انشاء الطلب بمثل اضرب وبين انشائه بمثل أطلب وآمر ونحوهما حيث ان مفهوم الطلب ملحوظ في الثاني استقلالا لانه الموضوع له للفظ بخلاف الاول فانه لم يوضع لمفهوم الطلب ، بل وضع لنسبة الفعل إلى فاعله ، والطلب فيه من انحاء الاستعمال وقد تعلق به اللحاظ آليا ، ( وبعبارة اخرى ) قد وضعت الصيغة لنسبة صدور الفعل إلى لفاعل ، ولكن المستعمل يلحظ هذا المعنى ويتوجه إليه توجه من يريد شيئا ويطلبه ، فالطلب مغفول عنه والملتفت إليه عبارة عما هو الموضوع له ، والصيغة لم تستعمل لانشاء الطلب بل هي مستعملة في النسبة الخاصة ويصير طلبا بالحمل الشائع من دون ان يكون الطلب بمفهومه ملحوظا حين الاستعمال ( وح ) فلا يعقل تقييده لتوقفه على لحاظ كل من القيد والمقيد فتدبر .

( تكميل اعلم ) ان الواجب المشروط على قسمين : ( الاول ) ان يكون شرط الوجوب متقدما بالنسبة إلى مشروطه اعني الوجوب بمعنى عدم ثبوت الوجوب قبل وجود شرطه مثل وجوب الحج المتأخر ثبوتا عن الاستطاعة .

( الثاني ) ان يكون شرط الوجوب امرا متأخرا بالنسبة إلى مشروطه وذلك بان يكون الوجوب متوقفا على امر استقبالي متأخر ، مثال ذلك قدرة المكلف التى هي من الشرائط العامة لجميع التكاليف فان القدرة المعتبرة في التكليف ليست هي القدرة حين التكليف لجواز تعلق التكليف بالعاجز حين التكليف القادر حين العمل ، بل المراد بالقدرة التى هي من الشرائط العامة هي القدرة حين العمل ، ولازم ذلك كون التكليف مشروطا بأمرمتأخر بمعنى ان المكلف ان كان يقدر في متن الواقع على العمل في ظرفه فالتكليف ثابت له من أول الامر وان كان لا يقدر حين العمل فليس بثابت له من أول الامر فافهم هذا


163

وكن منه على ذكر حتى يتبين لك عدم الاحتياج إلى تصوير الواجب المعلق بمعنى ذكره صاحب الفصول ( قال ره ) بعد ما قسم الواجب إلى المطلق والمشروط ( ما حاصله بتوضيح منا ) : انه ينقسم الواجب باعتبار آخر إلى ما يتعلق وجوبه بالمكلف ولا يتوقف حصوله على أمر غير مقدور له كالمعرفة وليسم منجزا ، وإلى ما يتعلق وجوبه به ويتوقف حصوله على امر غير مقدور له وليسم معلقا كالحج ، فان وجوبه يتعلق بالمكلف من اول زمن الاستطاعة أو خروج الرفقة ولكن يتوقف فعله على مجئ وقته وهو امر غير مقدور للمكلف ( والحاصل ) ان الواجب المعلق ما كان حصوله متوقفا على أمر غير مقدور للمكلف كالوقت من غير ان يكون الوجوب مشروطا به ، فالوجوب بالنسبة إلى هذا الامر مطلق والواجب مقيد .

( فان قلت ) : الفعل المقيد بوقت استقبالي كيف يكون واجبا مطلقا قبل حصول وقته مع كونه تكليفا بما لا يطاق فان الفعل المقيد بوقت استقبالي لا يمكن تحصيله قبل ذلك الوقت فكيف يتعلق الوجوب به قبله ( قلت ) : ليس مرادنا من ثبوت الوجوب قبل الوقت كون الزمان القبل ظرفا للوجوب والفعل كليهما ، بل المراد كونه ظرفا للوجوب فقط فالوجوب حالى والواجب استقبالي .

( فان قلت ) : إذا كان الوجوب متعلقا بأمر مقيد بوقت استقبالي فان كان الوجوب مشروطا بحصول الوقت وادراك المكلف اياه جامعا لشرائط التكليف فهذا معنى كون الوجوب مشروطا بالوقت بحيث لا يكون وجوب قبله وهذا خلاف ما فرضتموه من كون الوجوب حاصلا قبل الوقت ، وان كان الوجوب مطلقا ثابتا على أي حال من دون ان يكون مشروطا بالوقت غاية الامر كون متعلقه امرا استقباليا كان لازم ذلك ثبوت الوجوب حتى بالنسبة إلى من لا يدرك الوقت أو يدركه غير قادر على الفعل .

( قلت ) : الوجوب بالنسبة إلى نفس الوقت مطلق غير مشروط به فهو حاصل قبله ، ولكنه مشروط بأمر انتزاعي ينتزع عن ادراك المكلف الوقت واجدا لشرائط التكليف ، وهذا الامر الانتزاعي مقارن للوجوب وان كان المنتزع عنه متأخرا عنه ( وبعبارة اخرى ) ما هو شرط للوجوب ليس هو الوقت بل هو عبارة عن كون المكلف بحيث يدرك الوقت قادرا على العمل فمن لا يدرك الوقت أو يدركه عاجزا عن العمل لم يتوجه إليه الوجوب


164

من اول الامر ، ومن يدركه قادرا على العمل كان الوجوب ثابتا له من اول الامر قبل حصول الوقت لحصول شرطه ( اعني الامر الانتزاعي المشار إليه ) .

( وبالجملة ) الوجوب في الواجب المعلق مطلق بالنسبة إلى نفس الوقت ومشروط بالنسبة إلى الامر الانتزاعي ، ( ثم قال " قده " ) ما حاصله : انه من هذا القبيل كل واجب مطلق توقف تحصيله على اتيان مقدمات يحتاج تحصيلها إلى مرور زمان كالصلوة المشروطة بالطهارة ، فمن ادرك الوقت غير متطهر ثبت عليه وجوب الصلوة من اول الوقت ان كان بحيث يثبت له القدرة في زمان يمكن فيه تحصيل الطهارة والصلوة بشرائطها ، وان لم يكن كذلك في متن الواقع فليس الوجوب ثابتا له من اول الامر .

( ومن هذا القبيل ايضا ) الواجب الذى توقف حصوله على أمر مقدور للمكلف ولكن لم يمكن تعلق التكليف بهذا الامر المقدور من جهة كونه محرما شرعيا ( 1 ) ( وبعبارة اخرى ) الواجب الذى توقف حصوله على امر غير مقدور شرعا وان كان مقدورا عقلا كالوضوء من الماء المباح الكائن في الانية المغصوبة مع الانحصار فانه واجب على المكلف من اول الامر ان كان المكلف ( في متن الواقع ) ممن يقدم على المعصية والاغتراف من الآنية المغصوبة ( انتهى كلامه " قده " في الواجب المعلق ملخصا ) ( اقول ) والقسم الاخير الذى ذكره " قده " عبارة عن مسألة الترتب المعروفة ، وقد اتضح لك من كلامه ان الوجوب في الواجب المعلق ليس مطلقا ( بنحو الاطلاق ) بل هو مطلق بالنسبة إلى الامر الاستقبالي ومشروطبالنسبة إلى الامر الانتزاعي المنتزع عن ادراك المكلف هذا الامر الاستقبالي واجدا لشرائط التكليف وعلي هذا فعد الواجب المعلق ( على نحو الاطلاق ) من اقسام الواجب المطلق امر واضح الفساد ، وليس في كلامه ( قده ) ايضا ما يدل على انه عده من اقسامه ، فالتقسيم إلى المنجز والمعلق في عرض التقسيم إلى المطلق والمشروط ، وكأن بعض افاضل العصر لم يلحظ

( 1 ) اقول : تخصيص هذا القسم بالمقدمات المحرمة بلا وجه لامكان ان يكون الوجوب الحالى متعلقا بأمر توقف حصوله عن امر مقدور للمكلف ولكن اخذ على نحو لا يتعلق التكليف بهذه المقدمة فالوجوب في هذه القسم ايضا مشروط بامر انتزاعي حالى وهو كون المكلف بحيث يتحقق له هذه المقدمة حالكونه واجدا لشرائط التكليف حين تحققها له ، وهذا مثل ان يقول المولى للعبد ان كنت ممن يحصل له الاستطاعة في المستقبل فالان يجب عليك الحج ( وح ) يجب تحصيل المقدمات الوجودية غير المعلق عليه ان كان يعلم بحصوله في ظرفه .


165

كلام صاحب الفصول من الصدر إلى الذيل ( فتخيل بعضهم ) ان صاحب الفصول قسم الواجب إلى المطلق والمشروط ثم قسم المطلق إلى المنجز والمعلق .

( وتوهم آخر ) ان صاحب الفصول قسم الواجب ( ثلاثيا ) إلى المطلق والمشروط والمعلق ، وقد تبين لك انه ليس هنا تقسيم واحد بل تقسيمان في عرض واحد لا يرتبط احدهما بالاخر ( نعم ) الواجب المعلق على تفسيره ( قده ) مشروط دائما لاشتراطه بالامر الانتزاعي المنتزع عن ادراك المكلف الوقت جامعا لشرائط التكليف ، ولكن هذا غير تثليث الاقسام أو كون احد التقسيمين في طول الاخر ، ( وبالجملة ) المعلق عنده مشروط من جهة ومطلق من جهة اخرى فلا يمكن عده ( بالضرس القاطع ) من احدهما فقط .

والداعى له على تصوير الواجب المعلق ( بنحو ذكره ) هو ما رآه من كون الوجوب ( في هذه الامثلة التى ذكرها ونظائرها ) مرتبطا بالامر الاستقبالي مع كونه ثابتا قبله ، وعدم تصويره للشرط المتأخر ايضا ، والدليل على ثبوت الوجوب قبلا وجوب تحصيل المقدماتالوجودية للواجب ان كان المكلف يعلم بكونه واجدا لشرائط التكليف حين حصول المعلق عليه .

( واما نحن ) ففى غنى عن تصوير الواجب المعلق بعد تصوير الشرط المتأخر فكل ما هو واجب معلق بنظر صاحب الفصول ( ره ) فهو عندنا واجب مشروط بشرط متأخر ، بحيث يكون الوجوب ثابتا قبل الشرط ان كان الشرط ( في متن الواقع ) يتحقق في ظرفه .

( وان ابى " قده " ) جواز كون الشرط متأخرا عن المشروط ، فما ذكره ايضا ( من اشتراط الوجوب في الواجب المعلق بأمر انتزاعي منتزع عن ادراك المكلف الوقت واجدا لشرائط التكليف ) امر لا يغنى عن جوع فان الشرط بوجوده يؤثر في المشروط ، ووجود الامر الانتزاعي بوجود منشأ انتزاعه ، والمفروض انه أمر متأخر وهو ادراك المكلف الوقت واجدا لشرائط التكليف فلزم تأثير المتأخر في المتقدم فهو ( ره ) قدر كر على ما فرمنه .

( ثم انه ) يمكن ان يستشكل على صاحب الفصول بان وجوب تحصيل المقدمات في الواجب المعلق قبل حصول المعلق عليه مع علم المكلف بكونه واجدا لشرائط التكليف حين حصوله ، امر مسلم ولكنه لا اثر لذلك في الاغلب فان الاغلب عدم علم المكلفين بكونهم واجدين للشرائط عند حصوله ( ويمكن ان يذب عنه ) بانه مع الشك ايضا يجب تحصيل المقدمات ان كان المكلف


166

حين شكه واجدا للشرائط لاستصحاب الحالة الموجودة إلى زمن حصول المعلق عليه ، وتأخر زمان المشكوك فيه عن زمن اجراء الاستصحاب لا يضر بعد كون الشك حاليا ( تذنيب ) اعلم ان المقصود من تصوير الواجب المعلق تصحيح وجوب مقدمات ثبت وجوبها مع عدم وصول زمان الاتيان بذيها كالحكم بوجوب الغسل في ليالى شهر رمضان قبل طلوع الفجر مع كون زمان الصوم من الفجر إلى الليل ، وكوجوب طى المسافة للحج قبل وصول ذى الحجة ، وكوجوب شراء الزاد والراحلة قبله ، وقد صارت هذه الموارد ونظائرها موجبة للتحير والاشكال ( بتقريب ) انه كيف يجب المقدمة مع عدم وجوب ذيها من جهة عدم وصول وقته ، فتفصى صاحب الفصول عن هذا الاشكال بتصوير الواجبالمعلق ، فالوجوب عنده في هذه الموارد حالى والواجب استقبالي ، وقد عرفت منا عدم الاحتياج إلى تصوير الواجب المعلق بل يمكن ان يقال ان الوجوب مشروط بنفس الامر الاستقبالي ولكن بنحو الشرط المتأخر ، والشرط المتأخر متصور لما عرفت من عدم الدليل على اعتبار المقارنة في غير العلة التامة ، وقد عرفت ايضا ان من امثلة الشرط المتأخر قدرة المكلف على الفعل فانه شرط متأخر للتكليف حيث ان المراد منها هي القدرة حين العمل لاحين الامر .

( ويمكن ) ان يجاب عن الاشكال ايضا بالالتزام بكون المقدمة في هذه الموارد واجبة بالوجوب النفسي التهيئى وقد أمر بها الشارع لئلا يفوت الواجب حين وصول وقته ، ويسمى هذا الوجوب بالوجوب المغير ويفترق عن الوجوب الغيرى كما لا يخفى .

( ومن التقسيمات التى ذكروها ايضا للواجب ) انه اما نفسي أو غيرى ، وقد عرفوهما بما حاصله ان الواجب النفسي ما تعلق به الوجوب والبعث لذاته ولما هو هو ، والواجب الغيرى ما تعلق به البعث لا لذاته بل للتوصل به إلى واجب آخر كالواجبات المقدمية .

( واستشكل على التعريفين بما ملخصه ) ان الواجبات النفسية على قسمين : ( قسم منها ) ما هو المحبوب ذاتا وصار حبه الذاتي داعيا إلى البعث نحوه كوجوب المعرفة مثلا ، وقسم منها ما ليس محبوبا بذاته بل من جهة ترتب فوائد عليها بها صارت واجبة مثل الصلوة والصوم بل وغالب الواجبات الشرعية المبعوثة إليها لما فيها من الخواص والاثار ، ( اما القسم الاول ) فهو مما ينطبق عليه تعريف النفسي بلا اشكال ،


167

( واما القسم الثاني ) فالتعريف لا ينطبق عليه بل ينطبق عليه تعريف الغيرى ، فانه ان لم تكن غاياتها لازمة الحصول لم تجب ، إذ ما هو المحبوب والمقصود ذاتا من البعث نحو المحصلات وان كان يتأخر في الوجود عن جميعها ، ولكنه لابد من ان يتقدم في سلسلة الارادة على جميع الارادات المتعلقة بمحصلاته ، فالحب والارادة يتعلقان اولا بمحبوب ذاتي فيتولد منهما ارادة البعث نحوه ، ثم يتولد من الارادة المتعلقة بهذا المحبوبالذاتي ارادة متعلقة بمحصله فيتولد منها ارادة البعث نحوه ، وهكذا إلى آخر سلسلة المحصلات ، فايجابها والبعث نحوها انما يكون للتوصل بها إلى فوائدها اللازمة فانطبق عليها تعريف الغيرى .

( وقال شيخنا الاستاد ) ( قدس سره ) في الكفاية بعد الاشارة إلى هذا الاشكال ما حاصله : ( فان قلت ) : محبوبية هذه الفوائد لزوما مما لا ريب فيها ولكنها لما كانت من الخواص المترتبة على الافعال قهرا ، لم يمكن تعلق الوجوب بها لكونها غير مقدورة للمكلفين ( قلت ) : المقدور بالواسطة مقدور ايضا ، وهذه الخواص وان لم تكن بنفسها مقدورة ولكنها مقدورة من جهة ان اسبابها اعني الافعال الموصلة إليها داخلة تحت القدرة ، الا ترى انه يصح التكليف بالتطهير والتزويج والتمليك ونحوها من المسببات التى لا يقدر عليها احد الا بايجاد اسبابها : من الغسل والعقد ونحوهما ( انتهى ) .

( واجاب في الكفاية ) عن اصل الاشكال بما حاصله : ان هذا القسم من الواجبات وان كان يترتب عليه آثار لازمة ، ولكن وجوبه و البعث نحوه ليس باعتبار ترتب هذه الاثار عليه بل باعتبار ان كل واحد منها بنفسه معنون بعنوان حسن يستقل العقل بمدح فاعله و ذم تاركه ففى كل واحد من هذه الواجبات اجتمع ملاك النفسية والغيرية ، ولكن البعث نحوه انما يكون بملاكه النفسي اعني كونه معنونا بعنوان حسن فلذا سمى واجبا نفسيا ، كما ان الواجب الغيرى هو ما كان الداعي إلى البعث نحوه ملاك المقدمية ، وهذا لا ينافى وجود الملاك النفسي فيه ايضا إذا لم يكن له دخل في وجوبه ( هذه خلاصة ما ذكره في الكفاية ) .

( وفيه اما اولا ) فلان ما ذكره في جواب ان قلت ( من ان الفوائد والخواص وان لم تكن بأنفسها مقدورة ولكنها مقدورة من جهة القدرة على اسبابها ) لا يفى بالجواب فيما نحن فيه ،


168

فان المراد بالفوائد المترتبة على الواجبات ( اما ان يكون ) عبارة عن امور لا تنفك من الواجبات بان تكون من المسببات التوليدية نظير حركة المفتاح التى لا تنفك من حركة اليد ، فالقدرة على الاسباب فيها وان كانت قدرة على المسببات ، ولكن ذلك لا يناسب ما نحن فيه ، فان ما نحن فيه عبارة عما إذا تحقق فعلان اختياريان توقف احدهما على الاخر وقد تعلق باحدهما وجوب نفسي وبالاخر وجوب غيرى ، والمسببات في الافعال التوليدية وان كان وجوداتها مغايرة لوجودات الاسباب ، ولكن لما كان صدورها عن المكلف بعين ارادة الاسباب واصدارها ، فلا محالة لا يتصور فيها وجوبان ، مثلا حركة المفتاح وان كانت مغايرة لحركة اليد في الوجود ولكن لما كان صدورهما عن الفاعل بايجاد واحد لم يكن مورد لتعلق امرين حتى يكون احدهما نفسيا والاخر ترشحيا ( 1 ) ( واما ان يكون المراد بالفوائد المترتبة على الواجبات ) الغايات التى تترتب عليها ولكن لا مطلقا بل مع وجود مقتضيات اخر خارجة من قدرة المكلف وفقد الموانع الواقعية بحيث يكون فعل الواجب احد الامور الدخيلة في ترتب الفائدة المترقبة ، ( وبعبارة اخرى ) كان الغرض من ايجاب الواجب ايجاد الموقعية لترتب الفائدة .

( فيرد عليه ) حينئذ ان القدرة على الواجب في هذا الفرض ليست قدرة على فائدته لعدم كونها بتمام علتها تحت قدرته واختياره ( واما ثانيا ) فلان ما ذكره ( قده ) في مقام الجواب عن اصل الاشكال : من ان الواجب في هذا القسم من الواجبات لتعنونه بعنوان حسن صار واجبا نفسيا .

( يرد عليه ) ان تعنونه بعنوان حسن يستقل العقل بمدح فاعله ، هل يكون من جهة ان الفائدة تترتب عليه بحيث صار ترتب الفائدة علة لتعنونه بالعنوان الحسن ، أو لا يكون من هذه الجهة بل الواجب في هذا القسم من الواجبات ( الذى هو اكثرها أو جميعها الا ماندر )

( 1 ) اقول : هذا مخالف لما ذكره سيدنا الاستاد العلامة " مد ظله " سابقا من ان تعدد وجود حركة اليد والمفتاح يستلزم تعدد الايجاد ايضا ، إذ الوجود عين الايجاد غاية الامر انه ان نسب إلى الفاعل سمى ايجادا وان نسب إلى القابل سمى وجودا .

ثم انه لو سلم امكان وجود فعلين باصدار واحد فيمكن ان يقال : انه لا باس بان يكون كل من السبب والمسبب متعلقا لوجوب يخصه غاية الامر ان المكلف لا يقدر على تفكيكهما بل اما ان يختار امتثالهما أويختار مخالفتهما ، ولا يشترط في اختيارية العمل ان يتعلق به ارادة مستقلة بل الملاك في اختياريته ان يكون المكلف قادرا على كل من الفعل والترك وهيهنا كذلك فتأمل ح


169

بنفسه معنون بعنوان حسن من دون ان يكون لترتب الفائدة دخل في حسنه ؟ فان كان المراد هو الاول نعترض عليه بان هذا الامر يجرى في جميع الواجبات الغيرية ايضا ، فان كل واحد منها ايضا يتعنون بالعنوان الحسن من جهة اشتماله على المصلحة المترتبة عليه ، و ان كان المراد الثاني نعترض عليه بان هذا يوجب خلاف الفرض فان الفرض انما يكون في الواجبات النفسية التى وجبت لا لذاتها بل من جهة ترتب الفوائد عليها ( هذا ) مضافا إلى ان هذا خلاف البداهة للزوم ان يكون جميع الواجبات النفسية من المحسنات الذاتية ، وهذا واضح الفساد .

( إذا عرفت ما في الكفاية مع ما فيه فنقول ) : مقتضى التحقيق في الفرق بين الواجب النفسي والغيري هو ان يقال : ان المولى قد يلاحظ الفعل بحدوده واطرافه فيرى انه محبوب له اما لذاته أو من جهة الفوائد التى تترتب عليه ثم يشتاق لاجل ذلك إلى صدوره عن العبد فيتوجه نظره إلى بعث العبد نحوه ويلاحظ ان البعث نحوه مفيد والمانع عنه مفقود فيحصل له من جميع ذلك شوق مؤكد إلى بعث العبد وتحريكه نحو الفعل فيأمره به حقيقة ، فهذا الواجب يسمى بالواجب النفسي ، فالواجب النفسي عبارة عما توجه إليه نظر المولى ولاحظه بحدوده واطرافه ثم بعث العبد نحوه ببعث مستقل .

( واما الواجب الغيرى ) ( بناء على ثبوته ) فهو عبارة عما لم يتوجه إليه بما هو هو بعث مستقل بل المولى لما توجه نظره البعثي إلى ذى المقدمة ورأى ان صدوره عن العبد يتوقف على شيئ ، صار هذا سببا لتعلق بعث اندكاكى بهذا الشئ بما هو طريق إلى ذي المقدمة و موجب للتمكن من امتثاله ، فالبعث نحو المقدمة بعث ظلى يكون بنظر كلابعث ، وبنظر آخر تأكيدا للبعث المتوجه إلى ذيها .

( وبعبارة اخرى ) التحريك نحو الشئ ( بما هوطريق ) تحريك نحو ذي الطريق حقيقة بحيث لا يكون نفس الطريق مبعوثا إليه بنظر العقلاء بل المحرك إليه والمبعوث نحوه امر واحد وهو عبارة عن ذي الطريق الواجب بالوجوب النفسي ، وهذا من غير فرق بين ان يؤدي بخطاب مستقل أو لا فقول المولى لعبده مثلا ادخل السوق واشتر اللحم لا يرى عند العقلاء الا بعثا واحدا نحو امر واحد وهو اشتراء اللحم ، ولنذكر لذلك مثالا وهو انك إذا اردت من عبدك الكون في مكان مخصوص ولو لغرض من


170

الاغراض ، فما هو محط نظرك وارادتك من العبد انما هو نفس كونه في المكان المخصوص ولكنك لما رأيته متوقفا على حركته إلى هذا المكان صار كل واحد من الاقدام الموضوعة والمرفوعة مرادا لك بارادة تبعية يراها النظر العميق متعلقة بنفس الكون في المكان المخصوص مثل ما إذا كنت مريدا لكونك بنفسك في هذا المكان فان الاقدام ليست مرادة لك بارادة مستقلة لعدم كونها محطا لنظرك ، فإذا عرفت حال الارادة فقس عليها البعث و التحريك ( الذين هما من مظاهرها ) فتأمل .

( ثم انه ) إذا شك في واجب انه نفسي أو غيرى فالظاهر حمله على النفسية ، فان الصيغ الانشائية وما هو بمفادها قد وضعت للبعث والتحريك نحو متعلقاتها ، والبعث الغيرى المتعلق بالمقدمات ليس في الحقيقة بعثا نحو المتعلق كما عرفت وانما هو تأكيد للبعث المتعلق بذيها ، فالكلام يحمل على ظاهره وهو البعث الحقيقي نحو ما تعلق به ( هذا ) .

وشيخنا الاستاد المحقق الخراساني ( قدس سره ) كان يلتزم بظهورها في الوجوب النفسي وحملها عليه بوجهين : ( احدهما ) الانصراف بمعنى ان البعث ينصرف إلى النفسية ما لم يثبت غيريته .

( وفيه ) ان مراده من الانصراف ان كان ما ذكرناه ( من ان مفاد الصيغ هو البعث والتحريك نحو المتعلق حقيقة والبعث الغيرى كلا بعث بحسب الحقيقة فلذلك تنصرف إلى النفسية ) فقد سلمنا الانصراف ، وان كان مراده ان البعث الغيرى ايضا بعث حقيقة مثل النفسي بعينه ولكن الصيغ مع ذلك تنصرف إلى البعث النفسي فنحننمنع هذا الانصراف .

( الوجه الثاني ) الاطلاق بتقريب ان ثبوت الوجوب في الواجب الغيرى متوقف على وجوب غيره فهو مقيد ومشروط بوجوب الغير بخلاف النفسي فانه واجب مطلقا ، وحينئذ فإذا ثبت اصل الوجوب وشك في اشتراطه بكون الغير واجبا كان مقتضى الاطلاق نفى الاشتراط .

( وفيه ) انا وان سلمنا ان البعث في الواجب الغيرى ايضا بعث حقيقة كما هو مفاد كلامه ( قدس سره ) ولكنه من الواضح انه بعث مطلق لا بعث مقيد بكون غيره واجبا وكونه مترشحا من قبل هذا الغير ، فان وجوب الغير علة لوجوب المقدمة ولا يعقل كونه العلة التى هي في الرتبة السابقة على معلولها من قيود المعلول وموجبا لتضييق دائرته


171

( ولنا ان نقول ) : ان الواجب الذى شك في انه نفسي أو غيرى على قسمين : ( الاول ) ان يكون هنا واجب نفسي مقيدا بزمان خاص ، أو مكان خاص ، أو حالة مخصوصة ، ويكون واجب آخر شك في انه نفسي ثابت بنحو الاطلاق أو غيرى ثابت في ظرف ثبوت الواجب الاول ، فمرجع الشك في نفسيته وغيريته إلى الشك في انه يكون ثابتا في جميع الحالات والازمنة أو يكون ثابتا في بعض الحالات ( اعني حين ما ثبت الوجوب للواجب الاول كما هو مقتضى ارتباطه به وترشحه منه ) ففى هذه الصورة يمكن القول : بان اطلاق الوجوب وعدم تقيده بزمان خاص ، أو مكان خاص يقتضى كونه ثابتا في جميع الازمنة والحالات ، ولازم ذلك كونه نفسيا إذ لو كان غيريا لكان مشروطا بكل ما اشترط به الواجب الاول .

( الثاني ) ان يكون هنا واجب نفسي غير مشروط بحالة مخصوصة بل كان ثابتا في جميع الحالات والازمنة ، ويكون واجب آخر شك في انه نفسي أو غيرى مرتبط بالاول ، وفي هذه الصورة لا مجرى للاطلاق حتى يقال باقتضائه النفسية ، والمحقق الخراساني كان يقول بجريان الاطلاق في هذه الصورة ايضا بتقريب ذكرناه وحاصله : ان اشتراط وجوب هذا الشيئ بكون غيره واجبا ( الذى هو ملاك غيرية الوجوب ) قيدزائد منفى باصالة الاطلاق .

( وفيه ) ما مر من ان الوجوب النفسي الثابت لذي المقدمة علة للوجوب الغيرى المترشح إلى المقدمة فلا يعقل ان يكون من قيوده لكون العلة في المرتبة المتقدمة على المعلول ، فما يترشح من وجوب ذي المقدمة عبارة عن ذات الوجوب الثابت للمقدمة لا الوجوب المقيد بكونه مترشحا من وجوب ذي المقدمة ( 1 ) .

( تذنيب ) لا ريب في ان العقل يستقل باستحقاق العبد للعقاب عند مخالفته للاوامر النفسية الصادرة عن المولى بمعنى انه لا يرى عقاب المولى اياه ظلما .

( واما حكمه ) باستحقاق العبد للثواب والاجر عند موافقته لها بحيث يعد عدم اعطائه الاجر ظلما في حق العبد ( ففيه تأمل واشكال ) ، بل العقل السليم يشهد بعدمه ، وذلك لحكم

( 1 ) وقد حقق في محله ان المعلول بالنسبة إلى علته لا مطلق ولا مقيد ولكنه لا ينطبق الا على المقيد ، فان اثر النار مثلا انما هي الحرارة الخاصة اعني الحرارة الحاصلة بها لا الحرارة المطلقة .

وبعبارة اخرى ليس في المعلول اطلاق ولا تقييد لحاظي بالنسبة إلى علته ولكنه بحسب الذات مقيد ح


172

العقل والعقلاء بان المولى بمولويته مالك للعبد بجميع شئونه وافعاله فله امر العبد بفعل من غير ان يعطيه اجرا ، وهذا من لوازم المولوية والعبودية الملازمتين للمالكية والمملوكية بجميع الشئون ، وكلما كانت العبودية اشد كان عدم الاستحقاق اظهر ، ففى الموالى و والعبيد العرفية التى لا ملاك فيها للمولوية الا اعتبار العقلاء لانحكم بثبوت استحقاق الاجر فكيف نحكم بثبوته للعبد من مولى الموالى الذى هو معط لوجوده وحيوته وقدرته و مالك له بالملكية الحقة الحقيقية لا الاعتبارية العرفية ( هذا ) ، مضافا إلى انه كلما امر به وبعث نحوه فهو مما لا يعود نفعه إليه بل لوحظ فيه مصلحة العبد وانجائه من المهالك الروحية وسوقه إلى المراتب الكمالية ، فمثله كمثل طبيب أمر المريض بشرب دواء ينفعه فهل للمريض بعد امتثاله اوامر الطبيب ونجاته من المرض ان يطلب من الطبيب المشفق اجرالامتثال ؟ لا والله بل لو طالبه ذلك لعده العقلاء من السفهاء : ( وبالجملة ) العقل السليم لا يحكم باستحقاق العبد للمثوبة حتى في الاوامر النفسية ( نعم ) يحكم بلياقته واستعداده للتفضل ، وهذا غير الاستحقاق .

( ومما ذكرنا ظهر لك ) ضعف ما ذكره المتكلمون : من كون ثواب الله لعبيده بالاستحقاق مستدلين على ذلك بان تحميل الغير المشقة بلا اجر قبيح ، ضرورة ان تحميل الموالى بالنسبة إلى عبيدهم لا يستلزم اجرا بالوجدان ( فان قلت ) : إذا لم يكن ثواب الله ( تعالى ) لعبيده بالاستحقاق فلم عبر عنه في الايات والروايات بالاجر ؟ ( قلت ) : هذا التعبير ايضا من كمال تفضل الله على عبيده حيث سمى الثواب التفضلى اجرا ، اعلاء لدرجة الممتثل ، الا ترى انه تعالى استقرض من عبيده مع ان له ملك السموات والارض وما بينهما ، تفضلا عليهم واشعارا بانه يعاملهم معاملة مالك مع مثله .

ثم لو فرضنا حكم العقل بان تحميل الغير المشقة ولو كان عبدا يوجب استحقاق الاجر ، فلا فرق بين الواجب النفسي والغيري المأتى بداعي الامتثال لاشتراكهما في كون كل منهما مشقة تحملها العبد لتحصيل رضاية المولى ، وهل يرى العقلاء في اصل تحمل المشقة فرقا بين من توضأ وصلى لامتثال امر المولى ، وبين من توضأ بقصد التوصل به إلى ما وجب من قبل المولى ثم مات قبل اتيان الصلوة ؟ وكيف يحكم العقل باستحقاق الاول للثواب وعدم استحقاق الثاني


173

شيئا ! مع انه ايضا بالنسبة إلى وضوئه قد تحمل المشقة التى حملها المولى .

( ثم اعلم ) ان

المقدمات

لا تحتاج في عباديتها ومقربيتها إلى تعلق امر غيرى بها حتى يكون هو الداعي نحوها بل يكفى في مقربيتها قصد الامر النفسي المتعلق بذيها ، وذلك لبداهة ان من توجه إلى ان مولاه امره بفعل لا يرضى بتركه ورأى ان هذا الفعل لا يمكن اتيانه الا باتيان مقدمات يتوقف عليها وكان هذا العبد بصدد امتثال اوامر مولاه ، فلا محالة ينقدح في نفسه ارادة اتيان المقدمات من دون ان ينتظر في اتيانها تعلق امر بها عليحدة ، ومادعاه إلى اتيان المقدمات الا الامر المتعلق بذيها ، وعد هذا الشخص عند اشتغاله بالمقدمات بنظر العقلاء شارعا في امتثال امر مولاه .

( وبالجملة ) في عبادية المقدمات لا نحتاج إلى تعلق امر غيرى بها ، فان قلنا في باب المقدمات بعدم ترشح الاوامر الغيرية إليها ، ولم تكن ايضا بأنفسها متعلقات لاوامر نفسية ، كان لنا تصحيح عباديتها بان تؤتى بداعي وقوعها في طريق ذيها الذى تعلق به امر نفسي .

( بل يمكن ان يقال ) : ان الامر الغيرى الترشحى وان قلنا بثبوته للمقدمة بناء على القول بالملازمة ولكنه لا يكفى في عبادية متعلقه إذ لا اطاعة له بما هو هو ولا قرب .

( والسر في ذلك ) ما قدمناه لك مفصلا من ان الوجوب الغيرى وجوب ظلى واندكاكى لا يراه النظر العميق وجوبا حتى انه لو دل عليه الامر بسبب خطاب مستقل ايضا كان هذا الخطاب بنظر العقلاء بعثا وتحريكا نحو ذي المقدمة وان كان بحسب الظاهر متعلقا بالمقدمة هذا .

( ومما ذكرنا لك إلى هنا ) تبين الجواب عن الاشكالين اللذين اورد هما المحقق الخراساني في باب الطهارات الثلث ( بعد ما عد من البديهيات ان موافقة الامر الغيرى بما هو هو لا توجب قربا ولا مثوبة كما ان مخالفته بما هو هو لا توجب بعدا ولا عقوبة ) ونحن نذكر الاشكالين مشيرا إلى جوابهما من غير ان نتعرض لما ذكروه من الجواب .

( الاشكال الاول ) انه إذا كان موافقة الامر الغيرى لا توجب قربا ولا مثوبة فكيف حال بعض المقدمات اللتي لا شبهة في مقربيتها وترتب المثوبة عليها بل عدم صحتها لو لم تؤت بقصد


174

الامر كالطهارات الثلث فانه لا خلاف بين علماء الاسلام غير ابى حنيفة في اشتراطها بقصد الامر .

( الاشكال الثاني ) هو الاشكال الوارد في جميع التعبديات ( ومحصله ) عدم امكان اخذ قصد الامر في المأمور به ، وقد قرر الاشكال بوجوه ذكرناها في مبحث التعبدى والتوصلىوكان اهمها الدور الوارد في مقام الامتثال ( وحاصله ) ان المأمور به لو كان عبارة عن الطهارة مثلا مقيدة بداعوية امرها إليها لم يمكن امتثال هذا الامر ، فان داعوية الامر في مقام الامتثال متوقفة على كون المدعو إليه فردا من افراد المأمور به ومنطبقا للعنوان الواقع تحت الامر ، وكونه كذلك موقوف على داعوية الامر إذ الفرض ان المأمور به هو العمل الواقع بداعي الامر لا مطلق العمل .

ولو قررنا من الاشكال في الواجبات النفسية ( بما محصله ) ان قصد الامر لم يؤخذ في المأمور به بل العقل يحكم بوجوبه من باب تحصيل الغرض فالامر يتعلق بالاعم مما يحصل الغرض اعني ذات العمل ، والعقل يحكم بوجوب اتيانه بداعي الامر حتى يصير محصلا لغرض المولى ، ففيما نحن فيه اعني الواجبات الغيرية التعبدية لا مفر منه بهذا الوجه ، فان الوجوب الغيرى لا يعقل تعلقه الا بما فيه ملاك المقدمية وما هو بالحمل الشايع مقدمة ، ولا يمكن تعلقه بالاعم من ذلك ، والمفروض ان المقدمة في باب الطهارات الثلث هو العمل مقيدا بقصد الامر لا ذات العمل ، فيجب تعلق الامر بالمقيد الذى فيه ملاك المقدمية لا بالمطلق الذى هو اعم من ذلك .

هذا ما ذكر في المقام من الاشكال ، وقد اشار في الكفاية إلى الاشكال الثاني بقوله : " هذا مضافا إلى ان الامر الغيرى لا شبهة في كونه توصليا " .

( ونحن نقول ) : مجمل القول في الطهارات الثلث هو ان التيمم لم يتعلق به امر نفسي ، ولكن الطهارة المائية من الوضوء أو الغسل فمع كونها مقدمة لبعض الغايات قد جعلت بنفسها ايضا من المستحبات الشرعية التى تعلق بها امر نفسي عبادي ، وحينئذ فاتيان المكلف اياها انما هو باحد نحوين ( الاول ) ان يأتي بها بقصد امرها النفسي الاستحبابى كما إذا لم يكن المكلف مريدا للامور المشروطة بها وكلنه كان قاصدا للتطهر فيدعوه إلى ايجاده الامر النفسي المتعلق به .

( الثاني ) ان يأتي بها بقصد التوصل بها إلى احدى غاياتها ، وحينئذ يكون داعيه إلى ايجادها الامر النفسي المتعلق بالغاية المطلوبة من الصلوة والقرائة ونحوهما ؟


175

إذ قد عرفت ان المحقق لعبادية المقدمات هو قصد الامر المتعلق بذيها من غير احتياج إلى قصد الامر النفسي أو الغيرى المتعلق بأنفسها ، بل الامر الغيرى على فرض ثبوته كلا امر فلا يكفى بنفسه في عبادية متعلقه ما لم يقصد باتيان المتعلق التوصل به إلى ما جعل مقدمة له ، وعلي هذا فإذا دل الدليل الشرعي على ان ماهى المقدمة للصلوة هي الطهارة بقصد الامر مثلا فللمكلف اتيانها بقصد الامر الصلوتى من غير توجه إلى أمرها النفسي كما انه ان لم يكن قاصدا للصلوة كان له اتيانها بقصد الامر النفسي المتعلق بنفسها ، ويجوز له بعد تحققها ان يأتي الصلوة معها ويثاب عليها في الصورتين من غير محذور .

ولا نقول ان المحقق لعباديتها إذا لم يؤت بها بقصد امرها النفسي هو اتيانها بقصد امرها الغيرى حتى يرد علينا الاعتراض ( اولا ) بان الامر الغيرى لا قرب في موافقته بما هو امر غيرى .

( وثانيا ) بان الامر الغيرى لما كان بملاك المقدمية فلا محالة وجب تعلقه بما هي مقدمة بالحمل الشايع ولا يجوز تعلقه باوسع من الغرض ، وحينئذ فكيف يتعلق بذات الوضوء أو الغسل أو التيمم مع ان المقدمة حسب الفرض هي الوضوء أو الغسل أو التيمم مقيدا باتيانه بداعي الامر حتى يصير عبادة ، والعجب من شيخنا الاستاد المحقق الخراساني حيث اورد الاعتراض الثاني مع ان جوابه من اوضح الواضحات ، فانه من الواضحات ان القائل بوجوب المقدمة وترشح الامر الغيرى إليها انما يقول بوجوب كل ما يتوقف عليه الواجب من المقدمات واجزائها واجزاء اجزائها ، إذ كل جزء من اجزاء ما هو مقدمة لشيئ يصدق عليه انه من مقدمات هذا الشيئ ولا محالة يترشح إليه الوجوب الغيرى ، فالصلوة مثلا إذا توقفت على الوضوء بداعي الامر فلا محالة تتوقف على ذات الوضوء ايضا لكونها جزء تحليليا للوضوء المقيد بداعوية الامر فتكون ذات الوضوء ايضا واجبة بالوجوب الغيرى فالامر في باب الطهارات اسهل من التعبديات الاخر لا اشكل على ما زعمه ( قدس سره ) فافهم .

( ثم ان هيهنا نكتة فقهية ) يجب ان ينبه عليها وهى انا ان قلنا بان الطهارات إذا لم يؤت بهابقصد امرها النفسي كان المعتبر في عباديتها اتيانها بقصد الامر الغيرى المتعلق بها ، فلا محالة كان اللازم ان يؤتى بها بعد دخول اوقات الغايات ، إذ قبله لا وجوب


176

للغايات حتى يترشح من قبل وجوبها وجوب غيرى ، واما إذا قلنا بعدم الاحتياج إلى الامر الغيرى وانه يكفى في عباديتها اتيانها بقصد التوصل بها إلى غاياتها و بداعي الامر النفسي المتعلق بذيها فهل يجوز اتيانها بهذا الداعي قبل دخول اوقات الغايات أو لا يجوز ؟ ( فيه وجهان ) لا يبعد الجواز والصحة ، لان المكلف إذا علم ان بعد الوقت يتوجه إليه التكليف بالصلوة مثلا ورأى أنها متوقفه على الطهارة وكان قاصدا لامتثال هذا التكليف في وقته ، فلا محالة يتولد من ارادة اتيان الصلوة في وقتها ارادة تحصيل الطهارة ليكون متمكنا من الصلوة مع الطهارة بمجرد دخول الوقت ، وليس ايجاده لهذه الطهارة بداع نفساني بل الداعي له إلى ايجادها وقوعها في طريق امتثال الامر الذى يعلم بتحققه بعد دخول الوقت ، وقد تبين لك انه يكفى في عبادية المقدمات اتيانها بداعي التوصل بها إلى ذيها وكونها في طريقه ، ولعل هذا هو المبنى للقول بصحة الوضوء التهيئى .

( واما وجه البطلان ) فهو ان يقال : سلمنا انه يكفى في عبادية المقدمات اتيانها بداعي الامر المتعلق بذيها ( من جهة انه كما يدعو إلى اتيان نفس المتعلق فكذلك يدعو إلى اتيان مقدماته ) ولكن المفروض فيما نحن فيه عدم تحقق الامر النفسي بعد ، فكيف يصير الامر المعدوم داعيا ، وليس للامر المعدوم امتثال حتى يقال : ان المقدمة واقعة في طريقه فتدبر ! .

( الامر الرابع )

مما استدل به على كون الامر بالشئ مقتضيا للنهى عن ضده الخاص هو ان ترك الضد مما يتوقف عليه فعل الواجب توقف الشئ على عدم مانعه فيجب بالوجوب المقدمى فيكون نفس الضد حراما .

" قال صاحب المعالم " في مقام الجواب عن هذا الاستدلال : " وايضا فحجة القول بوجوب المقدمة على تقدير تسليمها انما تنهض دليلا على الوجوب في حالكون المكلف مريدا للفعل المتوقف عليها كما لا يخفى على من اعطاها حق النظر " .

فظاهر كلامه ( قدس سره ) ان وجوب المقدمة مشروط بارادة ذيها بحيث لا وجوب لها عند عدم ارادته .

( وفساد هذا الكلام من اوضح الواضحات ) فانه ان كان مراده ان وجوب ذي المقدمة ايضا مشروط بارادته ، ( ورد عليه ) بان الغرض من الامر انما هو ايجاد الداعي والارادة


177

في نفس المكلف فلا يعقل ان يكون مشروطا بهما ، ( وان كان مراده ) ان وجوب ذي المقدمة مطلق غير مشروط بارادته ولكن وجوب المقدمة مشروط ، ( استشكل عليه ) بان وجوب المقدمة ( بناء على الملازمة ) وجوب ظلى ترشحي لا ينفك من وجوب ذيها بل يكون ثابتا أينما ثبت فهو في الاطلاق والاشتراط تابع لوجوب ذيها .

وهذا في البداهة بحيث لا يحتاج إلى البيان .

( ثم انه ) بعد ما ثبت ان وجوب المقدمة غير مشروط بارادة ذيها بل هو في الاطلاق والاشتراط تابع لوجوبه ، فهل الواجب مطلق المقدمة ، أو خصوص ما قصد به التوصل إلى ذي المقدمة بحيث يكون هو الداعي إلى اتيانها سواء اوصلت إليه ام لا ، أو خصوص ما اوصلت إليه سواء اتى بها بهذا الداعي ام لا ، أو خصوص ما قصد بها التوصل واوصلت ؟ في المسألة وجوه ، وقد نسب الثاني إلى الشيخ ( قدس سره ) واختار الثالث صاحب الفصول ( ره ) .

وليس مرادهما ان قصد التوصل أو نفس الايصال شرط للوجوب كما كان صاحب المعالم يقول باشتراط الوجوب بارادة ذي المقدمة ، بل مرادهما ان الوجوب مطلق ولكن الواجب مقيد ، فالواجب على قول الشيخ هو المقدمة التى اتى بها بداعي التوصل بها إلى ذيها ، وعلى قول صاحب الفصول هو المقدمة التى اوصلت إلى ذيها ، وعلى قول المشهور لا يكون الوجوب ولا الواجب مشروطا بشئ .

( وليعلم ) ان مقصود الشيخ وصاحبى المعالم والفصول من هذه التفاصيل التى احدثوها في هذا المقام انما هو تصحيح العبادة التى تكون ضدا لواجب اهم كالصلوة التى تكون ضداللازالة ، فانه قد اشكل عليهم الامر في ذلك من جهة توهم ان ترك الضد العبادي مقدمة للواجب الاهم فيكون واجبا ولازم هذا كون فعله حراما وحينئذ فكيف يقع عبادة ، فصاحب المعالم حيث اختار اشتراط وجوب المقدمة بارادة ذيها يقول بصحة الصلوة لوجود الصارف عن الازالة وعدم ارادتها فلا يكون ترك الصلوة واجبا حتى يحرم فعله وينهى عنه ، ( هذا ) وسيتضح لك في مبحث الضد كلام الشيخ وصاحب الفصول ايضا في تصحيحها فانتظر .

" ولنرجع إلى اصل المطلب فنقول " : القول بكون الواجب عبارة عن المقدمة


178

المأتى بها بقصد التوصل فقط وان نسب إلى الشيخ ويوهمه كلام مقرر بحثه في بادى النظر الا ان الدقة في مجموع كلام المقرر من الصدر إلى الذيل لعلها ترشد إلى ان مقصوده ليس تخصيص الوجوب بالمقدمة المأتى بها بقصد التوصل ، بل مقصوده تنقيح ما ذكرناه سابقا في مسألة الطهارات الثلث من ان عبادية المقدمات ووقوعها امتثالا انما تتحق باتيانها بداعي الامر النفسي المتعلق بذيها وبقصد التوصل بها إليه لا بقصد امرها الغيرى الترشحى ( وبالجملة ) ليس مقصوده دخالة قصد التوصل في وقوع المقدمة على صفة الوجوب ، وانما المقصود دخالة ذلك في وقوعها امتثالا للامر ومقربا إلى ساحة المولى كما في الطهارات الثلث فراجع كلامه حتى تطلع على مرامه ( نعم ) ان كان مراده تخصيص الوجوب بما اتى بها بقصد التوصل فقط يرد عليه ما اورده المحقق الخراساني : من ان الملاك لوجوب المقدمة هو المقدمية وكونها في طريق ذى المقدمة لا غير ، وعدم دخل قصد التوصل فيه واضح والا لما صح الاكتفاء بما لم يقصد به التوصل مع انه ( قدس سره ) اعترف بالاجتزاء به فيما لم تكن المقدمة عبادية ( انتهى ) هذا ما اردنا ذكره في باب قصد التوصل .

( 1 )

( 1 ) اقول : ولبعض اعاظم المحققين في هذا المقام بيان في اثبات اعتبار قصد التوصل في وقوع المقدمة على صفة الوجوب ولا باس بالاشارة إليه مع ما فيه فنقول : قد اسس المحققالمزبور بنيان كلامه على مقدمتين : ( الاولى ) ان الجهات التعليلية في الاحكام العقلية كلها راجعة إلى الحيثيات التقييدية ، فالواجب في باب المقدمات بحسب الحقيقة هو التوصل إلى ذى المقدمة لانه الملاك لوجوب المقدمة وقد قلنا : ان الوجوب في الوجوبات العقلية للجهات بحسب الحقيقة .

( الثانية ) ان كل حكم من الاحكام انما يتعلق في الحقيقة بما يقع من الطبيعة معلولا للارادة لا بمطلق الطبيعة إذ هو جامع لما يقع منها بالارادة ولما ليس كذلك ، والتكليف بالنسبة إلى ما لا يقع منها بالارادة تكليف بامر غير اختياري .

ففيما نحن فيه بعد ما ثبت في المقدمة الاولى ان الوجوب بحسب الحقيقة يتعلق بالتوصل ، نضيف إليه هنا انه يتعلق بالتوصل المعلول للارادة والقصد فثبت المطلوب .

هذا ملحض كلامه .

( اقول ) : وفي المقدمة الثانية نظر ، إذ الميزان في اختيارية الفعل ومقدوريته كون الفاعل بحيث ان ارادة فعله وان لم يرده لم يفعله ، وصدق الشرطية لا يستلزم صدق الطرفين والا لما كان عدم الممكنات مقدورا للحق تعالى ، هذا مضافا إلى ان التكليف انما يتعلق بالطبيعة المهملة لجامعة لما يوجد منها بالارادة ولما ليس كذلك ، والجامع بين الاختياري وغير الاختياري اختياري بالضرورة كما هو واضح .

ثم ان ما ذكره ( من ان الملاك لوجوب المقدمة هو التوصل ب


179

( واما القدمة الموصلة ) التى صارت معركة للاراء فقد عرفت ان القول بوجوبها مما اختاره صاحب الفصول ( ره ) ولنذكر بعض كلامه في الفصول ، ( قال ) في هذا الباب ما ما حاصله : انه هل يعتبر في وقوع المقدمة على صفة الوجوب ان يترتب عليها فعل الغير وان لم يقصد بها ذلك ، أو يعتبر قصد التوصل بها إلى الغير وان لم يترتب ، أو يعتبر الامران كلاهما ، أو لا يعتبر شئ منهما ؟ وجوه ، والتحقيق هو الوجه الاول لان مطلوبية المقدمة انما تكون للغير ، وكون مطلوبية الشئ للغير يقتضى مطلوبية ما يترتب ذلك الغير عليه دون غيره ( إلى ان قال ) ما حاصله : انه يظهر الثمرة فيما لو وجب عليه الدخول في ملك الغير بغير اذنه لانقاذ غريق يتوقف عليه ، فبناء على ما قلناه من اعتبار الترتب لو دخله وانقذ الغريق وقعالمقدمة على صفة الوجوب سواء كان حين الدخول قاصدا للانقاذ ام لا ، غاية الامر انه يكون في الفرض الثاني متجريا ، ولو دخله ولم ينقذ الغريق لم تقع المقدمة على صفة الوجوب بل وقعت حراما سواء كان حين الدخول قاصدا للانقاذ أو لم يكن قاصدا له غاية الامر انه يكون على فرض القصد معذورا في فعل الحرام بخلاف الثاني .

واما بناء على كون الواجب مطلق المقدمة فلازمه كون الدخول مطلقا واقعا على صفة الوجوب وهو امر لا يمكن تصديقه .

( انتهى ما اردنا نقله من كلامه ) ( اقول ) : القول بوجوب المقدمة الموصلة يتصور على وجهين : ( الاول ) ان يكون المتعلق للوجوب ذات ما يوجد من المقدمات في الخارج مصداقا للموصل لا بوصف الموصلية بمعنى ان الشارع مثلا رأى ان المقدمات التى تحصل في الخارج على قسمين : بعض منها مما توصل إلى ذيها ويترتب هو عليها واقعا ، وبعض منها مما لا توصل فخص الوجوب بالقسم الاول اعني ما يكون بالحمل الشايع مصداقا للموصل ، فعلى هذا لا يكون عنوان الموصلية قيدا مأخوذا في الواجب بنحو يجب تحصيله بل تكون عنوانا مشيرا إلى ما هو واجب في الواقع .

( الثاني ) ان يكون المتعلق للوجوب عبارة عن المقدمة الموصلة مع وصف الايصال بحيث يكون قيد ايصال ايضا مأخوذا في الواجب بنحو

( 1 ) ‌ إلى ذى المقدمة " امر قد اختاره في قبال المحقق الخراساني فانه قال في كفايته : ان الملاك لوجوب كل مقدمة والغرض منه هو التمكن من ذى المقدمة بالنسبة إلى هذه المقدمة ، وقد رد عليه هذا المحقق بان التمكن من ذى المقدمة ليس معلولا لوجود المقدمة بل معلول للتمكن منها ولنا في هذا الامر ايضا اشكال لا مجال لذكره فتدبر .


180

يجب تحصيله ، فان كان مراد القائلين بوجوب المقدمة الموصلة فقط المعنى الاول ، فيرد عليه ان هذا ليس تفصيلا جديدا في مسألة وجوب المقدمة بل هو نفس التفصيل الذى ذكره بعضهم اعني اختصاص الوجوب بالمقدمة السببية ، فان المقدمة التى تكون موصلة في متن الواقع ويترتب عليها ذو المقدمة لا تنطبق الا على المقدمة السببية .

( 1 ) وان كان مرادهمالمعنى الثاني بان يكون الواجب عبارة عن المقدمة المقيدة بوصف الايصال ، ففيه انه يلزم على هذا ان يترشح من هذا الوجوب المقدمى وجوب مقدمى متعلق بذى المقدمة ( 2 ) فان تحصيل قيد الايصال لا يمكن الا باتيان ذى المقدمة ، والالتزام بهذا المعنى مشكل جدا فتدبر .

الامر الخامس

في تأسيس الاصل في المسألة

( اعلم ) ان نفس الملازمة بين وجوب الشيئ ووجوب مقدماته مما لا تجرى فيها الاصول لعدم كونها حكما شرعيا حتى تجرى فيها البرائة ، وعدم وجود حالة سابقة معلومة لوجودها أو عدمها حتى يجرى فيها الاستصحاب .

( واما نفس وجوب المقدمة ) فقد يتوهم جريان الاستصحاب فيه من جهة ان المقدمة قبل وجوب ذيها لم تكن واجبة وبعده يشك في وجوبها فينفي باستصحاب العدم .

( وفيه اما اولا ) فلان جريان الاصول العملية ( التى منها الاستصحاب ) يتوقف على ترتب اثر عملي عليها فانها اصول وضعت لتعيين وظيفة من شك فيما يتعلق بعمله ، ومفاد ادلتها هو وجوب البناء عملا على وفقها كما ربما يأتي في محله ، ووجوب المقدمة اولا وجوبها لا يترتب عليه اثر عملي إذ العقل يحكم جزما بوجوب اتيان المقدمة وان ثبت عدم وجوبها

( 1 ) يمكن ان يقال ان المقدمة التى يترتب عليها ذو المقدمة لا تنحصر في السبب إذ الترتب لا يستلزم ان يكون المترتب عليه علة تامة للمترتب ، بل الترتب عبارة عن وقوع شئ عقيب شئ آخر ، فالمقدمة التى يترتب عليها ذوالمقدمة كما يمكن ان تكون سببا يمكن ايضا ان تكون شرطا أو معدا وجد بعده ذو المقدمة ولو بمعونة ساير المقدمات ، فان الشروط مثلا بحسب الواقع على قسمين : بعضها مما يوجد بعده المشروط ، وبعضها مالا يوجد المشروط بعده ، ومن عبر بالمقدمة الموصلة فقد اراد مطلق الترتب لا خصوص العلة التامة .

ح .

ع ( 2 ) " اقول " : بل يلزم ترشح وجوبين غيريين تعلق احدهما بذى المقدمة والاخر بذات المقدمة ، فان المطلق اعني الذات جزء للواجب الذى هو الذات المقيدة بالايصال حسب الفرض .


181

شرعا فبوجوبها لا يتحقق تكليف زائد حتى ينفى بالاصل .

" فان قلت " : الملاك في جريان الاستصحاب هو كون المستصحب بنفسه اثرا شرعيا أو كونه ذا اثر شرعى ، وما نحن فيه من قبيل الاول ، فان وجوب المقدمة بنفسه اثر شرعى لكونه حكما من الاحكام الشرعية فيجرى فيه الاستصحاب وان لم يترتب على هذا الاثر الشرعي اثر آخر .

( قلت ) : هذا ممنوع لما عرفت من ان المجعول في باب الاصول هو وجوب العمل على طبق مؤدياتها والجرى على وفقها ، وتعيين الوظيفة فيما لا يرتبط بالعمل امر لغو لا يصدر عن الشارع ، فصرف كون المستصحب حكما من الاحكام الشرعية لا يكفى في جريان الاستصحاب ما لم يترتب على جريانه اثر عملي .

" واما ثانيا " فلان وجوب المقدمة بناء على الملازمة امر لا يعقل انكفاكه من وجوب ذيها ، فان القائل بالملازمة يدعى ان المولى إذا بعث بعثا مولويا نحو شئ فلا محالة يترشح منه وجوبات تبعية ظلية بعدد المقدمات بحيث يستحيل صدور البعث عنه من دون ترشح هذه الوجوبات والتحريكات التبعية فالامر المتعلق بذى المقدمة مستتبع لهذه الاوامر الغيرية من دون ان يكون لارادة المولى دخل في ذلك ، وهذا من غير تفاوت في مراتب الحكم من الانشائية و الفعلية والتنجز فان هذا القائل يدعى ان وجوب المقدمة كالفئ لوجوب ذيها ، والفئ من لوازم الشئ لا ينفك منه ابدا .

( وبعبارة اخرى ) وجوب المقدمة على فرض ثبوته ليس وجوبا مستقلا بملاك مستقل حتى يكون تابعا لملاك نفسه ، بل هو من اللوازم الغير المنفكة لوجوب ذيها ، وعلي هذا فتفكيكهما غير ممكن لا في الفعلية ولا في غيرها من المراتب فإذا كان وجوب ذى المقدمة فعليا منجزا فلا محالة كان وجوبها ايضا فعليا منجزا بناء على الملازمة ، غاية الامر ان الشاك في اصل الملازمة شاك في فعلية وجوبها من جهة الشك في اصل الملازمة ولكن هذا الشك لا يضر بفعليته على فرض ثبوت الملازمة واقعا ، فالشاك في الملازمة ايضا عالم بكون المقدمة واجبا فعليا على فرض ، وغير واجب على فرض آخر ، وعلي هذا فلا مجاللجريان استصحاب العدم في وجوب المقدمة التى علم بوجوب ذيها ، فان الاستصحاب بعد جريانه يوجب القطع بفعلية مؤداه وعدم فعلية الحكم الواقعي المشكوك فيه على فرض


182

ثبوته فلا يجرى في الموارد التى لا ينفك الحكم الواقعي على فرض ثبوته من الفعلية بل اللازم على الشارع حينئذ ايجاب الاحتياط كما في باب الاموال والاعراض والنفوس ، فانا نعلم ان الحكم الواقعي في هذه الموارد ( على فرض ثبوته ) فعلى لا يابى فعليته شئ لاهمية ملاكه فنستكشف ايجاب الاحتياط من قبل الشارع في تلك الموارد ففيما نحن فيه بعد العلم بوجوب ذى المقدمة نعلم بفعلية وجوب مقدمته على فرض ثبوت الملازمة واقعا فكيف يحكم بجريان استصحاب العدم بالنسبة إليه ! مع استلزام جريانه للقطع بعدم فعلية وجوبها على فرض ثبوت الملازمة ايضا .

( وبالجملة ) المرفوع بالاستصحاب اما نفس الحكم الواقعي أو فعليته ، والاول غير ممكن والثانى غير جائز فيما نحن فيه من جهة كونه فعليا على فرض ثبوته واقعا وليس رفع فعليته باختيار المولى فتأمل .

" إذا عرفت المقدمات " فلنشرع في تحقيق اصل المسألة ، وقبل الشروع في ذكر الادلة ينبغى ان ينبه على امور ( الاول ) قد ذكروا لوجوب المقدمة ثمرات فقهية ولكنها لا تخلو عن مناقشة ، ومن الثمرات ايضا ما ذكروه في مبحث الضد وسيأتى تحقيقه .

( الثاني ) ليس النزاع في المسألة في وجوب المقدمة عقلا بمعنى اللابدية العقلية ، و ذلك لبداهة ان العقل يحكم بلزوم الاتيان بالمقدمة للتمكن بها من ذيها ، وليس هذا المعنى امرا قابلا للنزاع ، بل المتنازع فيه في المسألة هو الوجوب الشرعي بمعنى ان المولى إذا امر بشئ له مقدمات وجودية فهل يترشح من هذا البعث النفسي اوامر عديدة متعلقة بكل واحدة من مقدماته بحيث يكون كل منها مطلوبة وواجبة شرعا بتبع وجوب ذى المقدمة أو لا تترشح ؟ ( الثالث ) المراد بالوجوب التبعى هيهنا ليس ما ذكره المحقق القمى ( قدسسره ) ، إذ مراده بالتبعية هو التبعية في مقام الاثبات والدلالة حيث قال ما حاصله : " ان الوجوب التبعى هو الذى يستفاد من خطاب المولى الذى سيق لاجل افادة شئ آخر ، من دون ان يكون افادة هذا الوجوب ايضا مرادة من هذا الخطاب ، بل يكون من قبيل لوازم الخطاب كاستفادة اقل الحمل من الايتين الواردتين في تعيين مدة الارضاع ومدة مجموع الحمل والفصال .

" بل المراد من التبعية هنا هو التبعية في مقام الارادة بمعنى ان الآمر


183

لا يلزم ان يكون ملتفتا إلى مقدمات المأمور به ولكنها بحيث لو التفت إليها الآمر ورأى انها مما يتوقف عليها الواجب لارادها ووجد في نفسه حالة بعثية بالنسبة إليها .

( الرابع ) المشهور بين المتأخرين وان كان وجوب المقدمة ولكن المسألة ليست من المسائل المتلقاة من المعصومين ( عليهم السلام ) يدا بيد حتى تكون الشهرة حجة فيها بل هي مسألة استنباطية فلا يكون الاجماع ايضا حجة فيها فضلا عن الشهرة .

( الخامس ) الاقوال في المسألة كثيرة فالمشهور كثيرة فالمشهور بين المتأخرين هو الوجوب مطلقا وقال بعضهم بعدم الوجوب مطلقا وهو نادر ، وفصل بعضهم بين السبب وغيره فاختار الوجوب في السبب فقط ، وآخر بين الشرط الشرعي وغيره فاختار الوجوب في الاول .

( واعلم ) ان كلا من التفصيلين لعله نشأ من شبهة سنحت للقائل به ، ( اما القائل بالتفصيل الاول ) فلعل نظره فيه إلى ان الافعال التوليدية كحركة المفتاح المتولدة من حركة اليد ( مثلا ) لما لم يكن ايجادها بارادة مستقلة متعلقة بأنفسها بل كانت توجد بنفس الارادة المتعلقة باسبابها ، فلا محالة يجب كون الاسباب مأمورا بها لانها الصادرة عن المكلف بتوسيط الارادة دون المسببات ، ( وبعبارة اخرى ) وجود المسبب في الافعال التوليدية وان كان مغايرا لوجود السبب بل الايجاد فيها ايضا متعدد بعدد الوجودات لما مر من ان الوجود عين الايجاد حقيقة ، ولكن لما كان صدور جميع هذه الوجودات عن المكلف بارادة واحدة متعلقة بالسبب فلا محاله يجب تعلق الامر بالسبب لانه المقدور للمكلف والصادر عنه بتوسيط الارادة ، حتى انه لوكان بحسب ظاهر الدليل متعلقا بالمسبب فهو بحسب الحقيقة امر بالسبب .

( اقول ) : وفي هذا البيان نظر ( اما اولا ) فلكونه خارجا من محل النزاع ، فان المتنازع فيه هو ان تعلق الامر بشئ هل يوجب ترشح امر ظلى منه متعلقا بمقدمته أو لا ؟ وهذا القائل انما يدعى تعلق الامر النفسي بالسبب حقيقة ( واما ثانيا ) فلما عرفت من ان المسبب ايضا مقدور بواسطة القدرة على سببه ، إذ المقدور بالواسطة مقدور ايضا ، فالامر المتعلق بالمسبب متعلق بنفسه حقيقة غاية الامر انه يترشح منه امر غيرى ايضا متعلقا بالسبب بناء على الملازمة .

( واما التفصيل ) بين الشروط الشرعية وغيرها فغاية ما يمكن ان يقال في توجيهه


184

ان الشرط الشرعي لما لم تكن مقدميته معلومة الا ببيان الشارع فلا محالة يجب عليه بيان ذلك بان يجعله قيدا للمأمور به عند تعلق الامر به بنحو يكون التقيد داخلا والقيد خارجا ، ولازم ذلك كون التقيد جزء للمأمور به وواجبا بالوجوب النفسي الضمنى ، ومن الواضحات ان الامر لا يتعلق بمفهوم التقيد بل المطلوب انما هو وجوده ، وليس التقيد موجودا مستقلا بحياله في قبال وجود القيد بل يكون موجودا بعين وجود القيد ، وعلي هذا فاللازم كون نفس القيد واجبا بالوجوب الضمنى الانبساطي ، والا يلزم تعلق الوجوب بالمطلق دون قيده .

( اقول : وفيه اما اولا ) فلان هذا ايضا يوجب الخروج من محل النزاع ، إذ الكلام انما هو

في وجوب المقدمة

بالوجوب التبعى الغيرى ، وهذا التقريب يقتضى كون الشرط الشرعي واجبا بالوجوب النفسي الضمنى .

( واما ثانيا ) فلامكان ارجاع الشروط الشرعية ايضا إلى الشروط العقلية بان يقال : ان المأمور به كالصلوة مثلا عنوان بسيط ينطبق على مجموع الافعال الخارجية من التكبير إلى التسليم ، ولكن يكون انطباق هذا العنوان على هذه الافعال والاقوال ( بحسب الواقع ) مشروطا بالطهارة ونحوها فهى شروط واقعيةالمأمور به ، غاية الامر ان الشارع قد كشف عنها من دون احتياج إلى تعلق الامر بها فتدبر .

( إذا عرفت هذه الامور فنقول ) : قد صار وجوب المقدمة من المسلمات بين المتأخرين واستدلوا عليه بوجوه كثيرة ( الاول ) ما اشتهر نقله عن ابى الحسين البصري وهو كالاصل لا كثر الادلة ( وحاصله ) انه لو لم يجب المقدمة لجاز تركها ، ( وح ) فان بقى الواجب على وجوبه لزم التكليف بما لا يطاق ، والاخرج الواجب المطلق من كونه واجبا مطلقا .

( اقول ) : هذا الدليل يتألف من قياسين : احدهما اقترانى شرطى ، والاخر استثنائي ( اما الاول ) فصورته هكذا لو لم تجب المقدمة لجاز تركها وحين جاز تركها لزم احد المحذورين : اما التكليف بما لا يطاق أو خروج الواجب المطلق من كونه كذلك ، ينتج لو لم تجب المقدمة لزم احد المحذورين من التكليف بما لا يطاق وخروج الواجب المطلق من كونه كذلك ، فقوله ( ح ) بمنزلة تكرار الاوسط اعني ما هو الجزاء للشرطية الاولى ( واما الثاني ) اعني القياس الاستثنائى فبان يجعل النتيجة جزء اولا ويجعل جزئه الثان


185

قضية حملية مشتملة على رفع التالى لينتج رفع المقدم ، وصورته ان يقال : لو لم تجب المقدمة لزم احد المحذورين من التكليف بما لا يطاق وخروج الواجب المطلق من اطلاقه المساوق لاجتماع النقيضين لكن التكليف بما لا يطاق وخروج الواجب المطلق من اطلاقه باطلان ، ينتج ان عدم وجوب المقدمة باطل ، فيثبت وجوبه ، هذا تقريب الاستدلال .

( وفيه ) ان المراد من قوله ( ح ) ان كان حين إذ جاز تركها ، فالاوسط وان تكرر لكن الملازمة في الشرطية الثانية ( التى هي كبرى القياس ) ممنوعة ، إذ جواز ترك المقدمة شرعا لا يستلزم تركها حتى يلزم احد المحذورين بل هي باقية على وجوبها العقلي بمعنى اللابدية التى يحكم بها العقل ، وان كان المراد من قوله ( ح ) حين إذ تركت فالشرطية الثانية وان صحت ولكن الاوسط لم يتكرر .

( الثاني ) مما استدل به لوجوب المقدمة انه يشاهد في بعض الموارد ان بعض الموالى يأمر بالمقدمة كقول المولى لعبده مثلا : ادخل السوق واشتر اللحم ، فيستفاد من ذلكان جميع المقدمات في جميع الواجبات مأمور بها ولو تبعا ، ( بيان ذلك ) ان الامر المتعلق بالمقدمة في هذا المثال امر وتحريك حقيقة مثل الامر المتعلق بذيها من غير فرق بينهما من جهة البعث والتحريك ، ولا ملاك لهذا الامر المتعلق بالمقدمة الا مقدميتها لذيها الواجب ووقوعها في طريقه من دون ان يكون له ملاك آخر ، فيستفاد من ذلك ان المقدمية للواجب ايضا من الملاكات المقتضية للامر والايجاب ومن العلل الموجبة لهما ، ونتيجة ذلك وجوب كل ما وجد فيه هذا الملاك ولو بالوجوب التبعى بمعنى ان المولى لو التفت إليه لاراده ولا نقدح في نفسه ارادة البعث نحوه ( انتهى ) .

( وفيه ) ان الامر المتعلق بدخول السوق في هذا المثال ليس بحسب الحقيقة متعلقا بدخول السوق بان يكون هو المبعوث إليه في قبال اشتراء اللحم ، بل هو ايضا في الحقيقة امر باشتراء اللحم ( توضيح ذلك ) ان دخول السوق ( بما هو طريق إلى اشتراء اللحم ) مأمور به ومبعوث إليه لا بما هو هو ، فهذا البعث بالنظر الدقيق تأكيد للبعث المتعلق باشتراء اللحم وليس بعثا مستقلا في قباله ، بداهة أن المبعوث إليه في قول المولى : ( ادخل السوق واشتر اللحم ) عند العقلاء امر واحد وهو اشتراء اللحم لا امران .

( الثالث ) من الادلة ما ذكره بعض اعاظم العصر ( وحاصله ) ان الارادة التشريعية وزانها وزان الارادة التكوينية ، فكما ان الارادة التكوينية إذا تعلقت بفعل تتولد منها ارادات


186

اخر متعلقة بمقدماته كما إذا اراد الانسان الكون في مكان مخصوص فانه يتولد من هذه الارادة ارادات متعددة متعلقة بمقدماته : من وضع الاقدام ورفعها ونحو ذلك مما له دخل في وصوله إلى المقصد ، فكذلك الارادة التشريعية المتعلقة بصدور الفعل عن الغير يتولد منها ارادات اخر تشريعية متعلقة بمقدماته ومباديه ( انتهى ) .

( وفيه ) ان الارادة التشريعية ليست عبارة عن ارادة صدور الفعل عن الغير بلا توسط ارادة منه ، فان هذا عين الارادة التكوينية ، بل هي عبارة عن ارادة بعث المكلف نحو الفعل المطلوب حتى يحدث في نفسه الداعي فيوجده بارادته ، ولما كان نفس البعثنحو ذى المقدمة كافيا في حصول الداعي بالنسبة إلى ايجاد المقدمات فلا يبقى احتياج إلى ارادة البعث نحو المقدمات .

( توضيح ذلك ) ان المولى إذا اراد صدور فعل عن عبده فاما ان يريد صدوره عنه بلا توسط ارادة من العبد متعلقة بالفعل ، واما ان يريد صدوره عنه بارادته واختياره ، ( اما الاول ) فمرجعها الارادة التكوينية ، ( واما الثاني ) فلابد فيه من ان يتولد من ارادة المولى صدور الفعل عن عبده على النحو المزبور ارادة اخرى منه متعلقة ببعث المكلف وتحريكه حتى يحدث له الداعي نحو الفعل بعد العلم به ويوجد في نفسه مبادى الاختيار فيوجده امتثالا أو طلبا لجنانه أو فرارا من عقابه أو لنحو ذلك من الدواعى الالهية ، فارادة صدور الفعل عن العبد بتوسط ارادته علة لان يصير المولى في مقام احداث الداعي في نفس المكلف وان يريد بعثه وتحريكه نحو العمل ليمتثله المكلف بعد العلم به ، ولا يكفى نفس ارادة الفعل منه على النحو المزبور ( 1 ) في صدوره عن العبد بارادته ، ما لم يتولد منها الارادة الثانية

( 1 ) اقول : لا يخفى ان تسمية اشتياق المولى صدور الفعل عن عبده بتوسيط ارادته بالارادة لا تخلو عن مسامحة ، لما هو المحقق في محله من الفرق البين بين الشوق " وان كان مؤكدا " وبين الارادة ، فان الارادة حالة اجماعية للنفس لا تنفك من الفعل ابدا ، بخلاف الشوق المؤكد فانه مع كمال تأكده قد ينفك منه الفعل لوجود بعض الموانع .

وما ينقدح في نفس المولى بالنسبة إلى فعل العبد هو الشوق المؤكد ثم ارادة البعث دون ارادة الفعل ، وانما تنقدح ارادة الفعل في نفس الفاعل وهى العلة لصدور الفعل عنه دون الشوق المؤكد المنقدح في نفسه أو نفس المولى فانه قد ينفك منه الفعل ، وانفكاك المعلول من العله محال .

وما قد يتعلق بامر استقبالي فيظن كونه ارادة فانما هو مصداق للشوق المؤكد والمحبة ، لا الارادة ، إذ الارادة انما هي الحال


187

متعلقة بانشاء البعث والتحريك ، فاللازم على المولى بعد ارادة الفعل ارادة البعث ثم انشائه حتى يصير داعيا للمكلف ، والارادة التشريعية ليست عبارة عن ارادة صدور الفعل عن المكلف بل هي عبارة عن الارادة الثانية المتولدة منها اعني ارادة البعث والتحريك لايجاد الداعي في نفس المكلف ، وما يكون وزانها وزان الارادة التكوينية انما هي الارادة الاولى ( اعني ارادة الفعل ) لا الارادة الثانية ( اعني ارادة البعث ) ، فان البعث ليس الا لايجاد الداعي في نفس المكلف وهذا الغرض يحصل بانشاء بعث واحد متعلق بالفعل المطلوب من دون احتياج إلى تحريكات متعددة بعدد المقدمات لما عرفت سابقا من ان نفس الامر المتعلق بذي المقدمة كاف في ايجاد الداعي بالنسبة إلى المقدمات ايضا فتأمل .

( الرابع ) من الادلة الوجدان ، وتقريبه انا إذا راجعنا وجداننا نرى ان المولى إذا أمر بشئ له مقدمات ، تكون هذه المقدمات ايضا مطلوبة له بمعنى ان له حالة بعثية بالنسبة إليها بحيث لو التفت إليها لارادها وامر بها فهى واجبة ومرادة بوجوب تبعى وارادة تبعية وان لم تكن ملتفتا إليها فعلا ، ولذلك قد تراه يجعلها في قالب الطلب مستقلا فيقول مثلا : ادخل السوق واشتر اللحم ، ( وفيه ) انا لا نسلم شهادة الوجدان على وجوب المقدمة بل هو من أقوى الشواهد على عدمه ، بداهة أنه بعد مراجعة الوجدان لا نرى فيما ذكرت من المثال الا بعثا واحدا ، ولو سئل المولى ( بعد ما امر بشئ له مقدمات ) هل لك في هذا الموضوع امر واحد أو اوامر متعددة ؟ فهل تراه يقول ان لى اوامر متعددة ؟ ! لا بل يجيب بأن لى بعثا واحدا وطلبا فاردا متعلقا بالفعل المطلوب .

( نعم ) لا ننكر ان العقل يحكم بوجوب اتيان المقدمات حفظا لغرض المولى وتمكنا من اتيانه ، ولكن أين هذا من الوجوب الشرعي والطلب المولوي .

( وبالجملة ) الوجدان من اقوى الشواهد على عدم تعدد البعث من قبل المولى بتعدد المقدمات ، ولذا لو التزم المولى بان يعطى بازاء كل امر امتثله العبد دينارا فامتثل العبد امرا صادرا عنه متعلقا بفعل له الف مقدمة مثلا ، فهل ترى للعبد ان يطالب المولى باكثر

‌ المستعقبة للفعل بلا فصل بينهما ، وعليك بالتأمل التام حتى لا يختلط عليك الامر وتميز بين المحبة والشوق وبين الارادة .

وليعلم ايضا انه من الاشتباهات الجارية على الالسنة جعلالكراهة في قبال الارادة مع انها في قبال الشوق والمحبة .


188

من دينار واحد ؟ ولو طالبه فهل يجب على المولى اعطائه ؟ لا ، ولا يرى العبد نفسه مستحقا الا لدينار واحد ، وليس ذلك الا لعدم وجود البعث بالنسبة إلى المقدمات ، بل الموجود بعث واحد متعلق بالفعل المطلوب حتى في صورة جعل المقدمة في قالب الطلب ايضا ، لما عرفت من ان البعث نحو المقدمة بما هي مقدمة عين البعث نحو ذيها بالنظر الدقيق ( هذا ) ، مضافا إلى ان الوجوب الذى لا امتثال له ولا عقاب على مخالفته ولا يحصل بموافقته ومخالفته قرب ولا بعد يكون كالعدم ولا يستحق لان يطلق عليه اسم الامر والبعث ونحوهما .

( فتحصل مما ذكرنا ) ان الصادر عن المولى بعث واحد وطلب فارد متعلق بالمطلوب بالاصالة وبقدماته بالعرض .

ونظير البعث الانشائى البعث العملي ، فان المولى إذا أخذ بيد العبد وجره نحو المطلوب فلا يعد هذا البعث الا بعثا واحدا متعلقا بالمطلوب النفسي ولا يكون هذا البعث متعددا عند العقلاء بعدد المقدمات بحيث يرى كل واحدة منها مبعوثا إليها بالاستقلال ، هذا كله فيما يتعلق بمقدمة الواجب .

( واما مقدمة المستحب ) فيعرف الكلام فيه مما سبق في مقدمة الواجب وقد عرفت ان مقدمة الواجب ليست مبعوثا إليها بنحو يستحق ان يطلق عليه اسم البعث والامر ، فقس عليها مقدمة المستحب فلا تستحق ان يقال : انها من المستحبات الشرعية في قبال سائر المستحبات .

( واما مقدمة الحرام ) فالتحقيق فيها ان يقال : انه قد اختلف في معنى النهى ( فقد يقال ) انه عبارة عن طلب الترك بمعنى انه يشترك مع الامر في كون كليهما من مقولة الطلب والبعث ، غاية الامر ان المتعلق في النهى هو الترك ، وفي الامر هو الفعل .

( وقد يقال ) : ان النهى ليس من مقولة الطلب والبعث بل هو عبارة عن الزجر عن الفعل ، فالمتعلق في كل من الامر و النهى واحد وهو الفعل ، والفرق بينهما انما هو في اصل الحقيقة ، فالامر عبارة عن البعث ، و النهى عبارة عن الزجر ، فان قلنا : ان النهى عبارة عن طلب الترك فالترك فيه مبعوث إليه فيصيرواجبا من الواجبات الشرعية ويكون مقدماته ( اعني التروك المتوقف عليها هذا الترك ) ايضا واجبة بناء على الملازمة ، وبعبارة اخرى يصير الكلام فيه عين الكلام في مقدمة الواجب ، و اما إذا قلنا بكونه عبارة عن الزجر عن الفعل فلو كان وجود هذا الفعل في الخارج متوقفا على وجودات اخر فلا يستلزم الزجر عنه الزجر عن هذه الوجودات


189

نعم ان كانت المقدمة مقدمة سببية للحرام بان كان وجودها علة تامة لوجوده ، كانت محرمة ايضا ، اما على القول بان المسببات في الافعال التوليدية غير مقدورة فظاهر إذ النهى يتعلق حقيقة بالسبب وان تعلق بحسب الظاهر بالمسبب ، واما على القول المرضى من ان النهى يمكن تعلقه بالمسبب لكونه مقدورا بالواسطة ، فالنهى يتعلق بالسبب ايضا ولكن بالعرض والمجاز بحيث يكون الزجر عن المسبب عين الزجر عن السبب ايضا كما عرفت بيان ذلك في البعث والطلب .

( الفصل الرابع )

اختلفوا في ان الامر بالشئ يقتضى النهى عن ضده بحيث يصير حراما شرعيا أو لا ؟ وقد قسموا الضد إلى العام والخاص ، ومرادهم بالضد الخاص احد الاضداد الوجودية على نحو التعيين كالصلوة بالنسبة إلى الازالة ، وذكروا للضد العام معنيين : احدهما ( وهو المشهور ) الترك ، وثانيهما احد الاضداد الوجودية لا بعينه .

( والاقوال ) في المسألة كثيرة ( فقال بعضهم ) : ان الامر بالشئ عين النهى عن ضده ، ( وآخرون ) ان دلالته عليه بالتضمن ، ( ومنهم من قال ) : ان دلالته عليه بالالتزام ، ثم اختلفوا في ان اللازم هنا بين أو غير بين بالمعنى الاخص أو الاعم .

( ثم ان بعضا منهم ) قد اطلق في مقام طرح النزاع ، ( وبعضهم قال ) : ان النزاع في الضد العام واما الخاص فلا نزاع في عدم اقتضاء الامر للنهى عنه ، ( وقال آخرون ) : ان النزاع في الخاص واما العام بمعنى الترك فلا نزاع في دلالة الامر على النهى عنه .

( ثم ان الظاهر ) كون المسألة من المبادى الاحكامية ، وقد كانت القدماء من الاصوليين يذكرون في كتبهم الاصولية نبذا من المبادى اللغوية ، ونبذا من المبادى العقلية كالبحث عن الحسن والقبح ، ونبذا من المبادى الاحكامية .

والمراد بالمبادئ الاحكامية لوازم الاحكام وملزوماتها وملازماتها ، وحيث ان الموضوع في علم الاصول عبارة عما هو الحجة على الاحكام الشرعية احتاج الاصولي من جهة زيادة البصيرة إلى البحث عن اقسام الاحكام الشرعية والبحث عن لوازمها وملازماتها وملزوماتها .


190

( واعلم ) ان ارباب المعقول قسموا المتغايرين إلى المثلين والخلافين والمتقابلين ، ثم قسموا المتقابلين إلى النقيضين والضدين والمتضائفين والعدم والملكة ، إذ التقابل اما ان يكون بين وجوديين أو بين وجودي وعدمي ، اما الثاني فهو على قسمين : ايجاب وسلب ان كان العدم عدما مطلقا ، وعدم وملكة ان كان العدم عدم ما من شأنه الوجود ، واما الاول فان كان كل من الوجوديين في مقام التعقل محتاجا إلى الاخر فهما متضائفان والا فمتضادان ، وقد عرفوا الضدين بانهما امران وجوديان يتعاقبان على موضوع واحد وبينهما غاية الخلاف ويشتركان في جنس قريب .

والضد عند الاصوليين اعم مما ذكره اهل المعقول لما عرفت من انهم يطلقون الضد على الترك ايضا .

( 1 ) ( إذا اتضح لك هذه الامور ) فلنشرع في البحث عن اصل المسألة ( فنقول ) : الظاهر ان القائلين بكون الامر بالشئ عين النهى عن ضده أو كون النهى عن الضد جزء له ارادوا بالضد الضد العام والا فادعاء العينية أو الجزئية في الضد الخاص في غاية البعد ( اما القائلون بالجزئية ) في الضد العام فقد دعاهم إلى هذا القول توهم ان الوجوب ( الذى هو مدلول الامر ) عبارة عن طلب الشئ مع المنع من الترك بحيث يكون الطلب جنسا والمنع من الترك فصلا له .

( وهذا توهم فاسد ) لما عرفت سابقا من ان الوجوب عبارة عن مرتبة أكيدة من الطلب الانشائى وهو امر بسيط ، غاية الامر ان القدماء كانوا يعبرون عنه في مقام التعليموالتفهيم بذلك المركب ، فليس هو امرا مركبا من الجنس والفصل .

( واما القائلون بالعينية ) في الضد العام فعمدة نظرهم إلى ما زعموه ( من كون حقيقة النهى عبارة عن طلب ترك متعلقه ) فإذا كان المتعلق له تركا صار معناه طلب ترك الترك وهو عين طلب الفعل ، فان عدم العدم وان كان يغاير الوجود مفهوما ولكنهما متحدان في نفس الامر فكل ما هو مصداق للوجود فهو بعينه مصداق لعدم العدم ، ( لا نقول ) انه مصداق له حقيقة فان الامر الوجودى بما هو كذلك يستحيل ان يكون مصداقا حقيقيا للعدم ( بل نقول ) انه ان قطعنا النظر عن مفهومي الوجود وعدم العدم وحاولنا لحاظ ما هو الوجود في نفس

( 1 ) بل الصلوة والازالة ايضا مع كونهما وجوديتين ليستا بضدين عند ارباب المعقول كما يظهر وجهه بمراجعة تعريف الضدين .


191

الامر وما هو عدم العدم في نفس الامر وجدنا نفس أمريتهما واحدة .

( وبالجملة ) الامر بالفعل عبارة عن طلب الفعل الذى هو عين طلب ترك ترك الفعل في نفس الامر وهو بعينه مفاد النهى عن الترك ، فان النهى على زعم هذا القائل بمعنى طلب الترك فإذا تعلق بالترك صار معناه طلب ترك الترك ، فالامر بالشئ على هذا عين النهى عن الترك بحسب نفس الامر وان تغايرا مفهوما ، هذا ما ذكروه في المقام .

( اقول ) : قد عرفت ابتناء ذلك على كون مفاد النهى عبارة عن طلب الترك وسيتحقق لك في محله فساد هذا المبنى وان النهى ليس من سنخ الطلب الذى هو البعث نحو الشئ بل هو من سنخ الزجر الذى هو عبارة عن منع الشئ ، فليس اختلاف الامر والنهى في المتعلق فقط بان يتوافقا في كونهما بمعنى الطلب ويختلفا في متعلق الطلب ، بل المتعلق في كليهما امر واحد وهو الفعل ، غاية الامر ان الامر لطلب الفعل والنهى للزجر عنه .

( ولقائل ان يقول ) : ان الامر بالشئ ملازم للنهى عن ضده العام وان قلنا بكون النهىمن مقولة الزجر لا الطلب ، لا بمعنى ان يكون في كل واقعة تكليفان : وجوب تعلق بالفعل وحرمة شرعية تعلقت بالترك ، بل بمعنى ان البعث نحو الفعل هو بعينه عبارة عن الزجر عن تركه بحسب نفس الامر وان اختلفا مفهوما ، فان الآمر بالفعل يصح ان يقال في حقه : انه غير راض بالترك وانه زاجر عنه بنحو من المسامحة ، كما ان الامر في النهى بعكس ذلك ، فانه كما عرفت حقيقة في الزجر عن متعلقه ، ولكنه يمكن ان يقال بملازمته في نفس الامر لطلب ترك متعلقه لا بمعنى ان يكون هنا وجوب شرعى تعلق بالترك في قبال الزجر المتعلق بالفعل ، بل بمعنى ان الزجر عن الفعل هو بعينه عبارة عن البعث نحو الترك في نفس الامر لا مفهوما ، فمن قال ( لا تزن ) مثلا وان كان الصادر عنه حقيقة هو الزجر عن الزنا ولكن يمكن ان ينسب إليه انه طالب لترك الزنا وباعث عبده نحوه ، وعلي هذا فيمكن ان يقال : ان من فسر النهى بطلب ترك المتعلق كان ناظرا إلى هذا المعنى لا انه اراد كون النهى من سنخ الطلب حقيقة فانه واضح البطلان كما عرفت .

هذا بعض الكلام في الضد العام اعني النقيض باصطلاح اهل المعقول .


192

( واما الضد الخاص ) بمعنى احد الاضداد الوجودية بعينه ( الذى هو ضد باصطلاح الفلسفي ايضا ) فهو العمدة في هذه المسألة وقد اشتهر النزاع فيه بين الاصوليين ( ويظهر عندهم ثمرة المسألة ) فيما إذا كان الضد الخاص للواجب عبادة ، فان الامر بالواجب لو اقتضى النهى عنها كان اللازم بطلانها إذا أتى بها العبد تاركا للواجب ، مثال ذلك اداء الدين الواجب من فور وازالة النجاسة عن المسجد فان فعل الصلوة ضدلهما بمعنى انه لا يمكن اجتماعها معهما في الوجود في آن واحد فلو كان الامر باداء الدين أو ازالة النجاسة عن المسجد مقتضيا للنهى عن ضده كان اللازم بطلان صلوة المكلف ان اتى بها حين الامر بهما .

( ثم ان ) القائلين بحرمة الضد الخاص كانوا في الاعصار المتقدمة يستدلون على الحرمة بوجهين :( الاول ) ان اتيان الضد كالصلوة مثلا مستلزم للمحرم ، ومستلزم المحرم محرم ، ( اما الصغرى ) فلان اتيان الضد كالصلوة مستلزم لترك الواجب اعني الازالة مثلا ، وترك الواجب محرم لكونه ضدا عاما للواجب ، والامر بالشئ يدل على حرمة ضده العام قطعا فاتيان الضد مستلزم للمحرم .

( واما الكبرى ) فلان المراد بالاستلزام فهيا هو المقدمية للحرام بنحو لا ينفك وجود الحرام من المقدمة ، وحرمة المقدمة السببية للحرام مما لا ريب فيها .

( الثاني ) ان اتيان الواجب اعني الازالة مثلا متوقف على ترك ضده اعني الصلوة فيجب ترك الصلوة من باب المقدمية للواجب ، ولازم ذلك حرمة الصلوة من جهة كونها ضدا عاما لترك الصلوة ، إذ الضد العام للترك هو الفعل كما ان الضد العام للفعل هو الترك ( وان شئت قلت ) : ان الضد العام للترك ترك الترك وهو يتحد مع الفعل في نفس الامر وان اختلفا مفهوما .

هذا ما ذكروه من الوجهين ، وانت ترى توقف الاول منهما على كون الامر بالشئ مقتضيا للنهى عن ضده العام ، وكون مقدمة الحرام حراما ، كما ان الثاني منهما يتوقف على حرمة الضد العام ايضا ، وكون مقدمة الواجب واجبة ، وكون ترك احد الضدين مقدمة لوجود الضد الاخر ، والفرق بين الوجهين واضح ، فان الاول منهما يبتنى على كون فعل الضد مقدمة لترك الواجب المحرم فيكون حراما ، والثانى منهما يبتنى على كون


193

ترك الضد مقدمة لفعل الواجب فيكون واجبا من جهة المقدمية للواجب ( واعلم ) ان التضاد من النسب المتشابهة الاطراف كالاخوة مثلا فاى حكم ثبت لاحد

الطرفين من جهة التضاد فلا محالة يثبت للطرف الاخر

ايضا ، فلو كان فعل احد الضدين مقدمة لترك الاخر كان فعل الاخر ايضا مقدمة لترك هذا ، كما ان ترك احدهما لو كان مقدمة لفعل الاخر كان ترك الاخر ايضا مقدمة لفعله .

( عليهذا ) فمقتضى الجمع بين الدليلين الالتزام بدور واضح ، إذ المصرح به في الدليل الاول هو ان فعل الصلوة مثلا مقدمة لترك الازالة ، ولازمه ( على ما ذكرنا ) هو كون فعل الازالة ايضا مقدمة لترك الصلوة ، والمصرح بهفي الدليل الثاني هو كون ترك الصلوة مقدمة لفعل الازالة ( التى هي الواجب ) ولازمه ايضا كون ترك الازالة مقدمة لفعل الصلوة ، و ( الحاصل ) ان لازم الدليل الاول هو كون فعل الازالة مقدمة لترك الصلوة ، والمصرح به في الدليل الثاني هو كون ترك الصلوة مقدمة لفعل الازالة هذا دور واضح .

" وحيث انجر الكلام " إلى البحث عن وجود المقدمية بين وجود احد الضدين وعدم الاخر ، فالاولى ان نشرع في تحقيق المسألة بنحو التفصيل ( فنقول ) : اختلفوا في المسألة على اقوال ( الاول ) عدم المقدمية من الطرفين فلا وجود احد الضدين مقدمة لعدم الاخر ولا عدم احدهما مقدمة لوجود الاخر ، وهذا القول هو الموافق للتحقيق .

( الثاني ) المقدمية من طرف العدم دون الوجود ، فعدم كل منهما مقدمة لوجود الاخر من دون عكس ، ( وبعبارة اخرى ) وجود كل منهما يتوقف على عدم الاخر لعدم امكان اجتماع الضدين ، واما عدم كل منهما فلا يتوقف على وجود الاخر لجواز ارتفاع الضدين .

" الثالث " تسليم المقدمية من الطرفين فيكون وجود كل منهما مقدمة لعدم الاخر وعدم كل منهما ايضا مقدمة لوجود الاخر ، ويستفاد الالتزام بهذا القول من كلام الحاجبى والعضدي حيث اجابا ( عن استدلال القائلين بحرمة الضد من جهة توهم مقدمية عدمه للواجب ، وعن استدلال الكعبي على انتفاء المباح من جهة توهم توقف ترك المحرمات على اشتغال الانسان بفعل من الافعال فيكون واجبا من باب المقدمية ) بما حاصله انكار وجوب المقدمة ، فيستفاد من هذا الجواب تسليمهما لاصل المقدمية في كلا الطرفين .


194

( الرابع ) التفصيل المستفاد من المحقق الخونسارى في كون عدم احدهما مقدمة لوجود الاخر فقال ما حاصله : ان احد الضدين ان كان موجودا فرفعه مقدمة لوجود الاخر بخلاف ما إذا لم يكن واحد منهما موجودا فانه لا مقدمية حينئذ في البين .

( والاقوى ) في المسألة كما عرفت هو القول الاول .

( وليعلم اولا ) ان النزاع انما هو في ان نفس التضاد بين الشيئينيوجب مقدمية وجود احدهما لعدم الاخر أو مقدمية عدم احدهما لوجود الاخر أو لا يوجب فلا ينافى منع المقدمية من جهة التضاد وجود ملاكها اتفاقا من جهة اخرى في بعض الموارد ، فاللازم علينا فيما نحن فيه هو اثبات ان نفس التضاد بما هو تضاد لا يوجب المقدمية لا من طرف الوجود ولا من طرف العدم .

وحيث تصورت محل البحث تيسر لك التصديق بما اخترناه وكنت على بينة من ربك على ان التضاد لا يستلزم المقدمية ( بيان ذلك ) ان مقتضى التضاد بين شيئين هو استحالة اجتماعهما في الوجود وعدم امكان وجود احدهما في ظرف وجود الاخر في موضوع واحد ، فهذا الاجتماع من المحالات ، وارتفاع هذا المحال انما هو بارتفاع موضوعه اعني الاجتماع ، وارتفاعه انما هو بارتفاع كلا الوجودين أو بارتفاع احدهما وانقلاب وجوده إلى العدم ، فما هو مقتضى التضاد بين الوجودين انما هو عدم اجتماعهما في الوجود لا تقدم عدم احدهما على وجود الاخر أو تقدم وجود احدهما على عدم الاخر ولو طبعا ، فان التقدم يحتاج إلى ملاك آخر غير نفس التضاد .

( وبالجملة ) انقلاب موضوع الاستحالة اعني الاجتماع إلى موضوع الامكان انما هو بارتفاع الضدين أو باجتماع وجود احدهما مع عدم الاخر ، لا بوجود الترتب بين وجود احدهما وعدم الاخر ، فان هذا خارج مما يقتضيه نفس التضاديين الوجودين ، فانقدح بذلك عدم التمانع بين الضدين من جهة الضدية ( نعم ) يمكن ان يكون وجود العلة التامة لاحد الضدين مانعا عن وجود الاخر كما إذا كان هنا شئ واحدا فاراد رجل سكونه والاخر تحريكه فتأمل .

( 1 ) ولا يتوهم ان عدم احدهما عند وجود العلة التامة للاخر يكون مستندا إلى وجود الاخر لا إلى وجود علته ، ضرورة بطلان ذلك من جهة انه يكفى في هذا العدم وجود العلة للضد الاخر سواء وجد نفس الضد ام لم يوجد بان صارت علته مزاحمة بعلة الاخر وكانتا متكافئتين .


195

( ثم ان ما ذكرناه ) في وجه عدم التمانع بين الضدين أولى مما ذكره بعض الاعاظم ، وحاصل ما ذكره انه يتحقق الترتب بين اجزاء العلة في استناد المعلول إليها وجودا وعدما ، فكما ان في طرف الوجود رتبة المقتضى قبل الشرط ورتبة الشرط قبل عدم المانع ، فكذلك في طرف العدم فعدم المعلول عند عدم المقتضى لا يستند الا إليه ، واستناده إلى عدم الشرط انما هو بعد وجود المقتضى كما ان استناده إلى وجود المانع انما هو بعد وجود المقتضى والشرط كليهما ، فمانعية الشئ متوقفة على وجود المقتضى والشرط للمعلول ، وعلى هذا فلا تمانع بين الضدين إذ لا يمكن وجود المقتضى لكليهما فان وجد احدهما يكون الاخر معدوما ، ولكن لا لوجود المانع بل لعدم المقتضى .

( وبالجملة ) لا يكون وجود احد الضدين مقدمة لعدم الاخر ولا عدم احدهما مقدمة لوجود الاخر لابتناء كليهما على مانعية احد الضدين للاخر وقد عرفت عدم المانعية ( انتهى ) .

" وفي هذا البيان نظر " لان الترتب الثابت بين اجزاء العلة انما هو بالنسبة إلى حال التأثير واما بالنسبة إلى توقف المعلول عليها فهى بأسرها في عرض واحد ، فإذا قيل لك : ان وجود الشئ المعهود على أي شئ يبتنى ؟ قلت : انه يبتنى ويتوقف على ثلثة اشياء : المقتضى ، و الشرط ، وعدم المانع ، من دون ان يكون من الترتب اسم في البين وهذا واضح .

( 1 ) ( ثم انك قد عرفت ) ان ثمرة المسألة ( اعني حرمة الضد الخاص ) هي بطلانه إذا كان امرا عباديا كالصلوة التى هي ضد للازالة المأمور بها ، وقد نقل عن الشيخ البهائي ( قده ) انكار هذه الثمرة ، ( بتقريب ) ان الامر بالازالة التى هي اهم من الصلوة وان لم يكن مقتضيا للنهى عن الصلوة ولكنه يقتضى عدم الامر بها ، ويشترط في صحة العبادة كونها مأمورا بها ، ( والوجه في ذلك ) ان الامر انما يصدر عن المولى بداعي البعث والتحريك ولا يوجد في نفسه هذا الداعي الا إذ رأى العبد متمكنا من الانبعاث عن امره ، ولما كان انبعاثه نحو الضدين في زمان واحد من المحالات فلا محالة يكون بعث المولى الملتفت نحوهما ايضا من المحالات لعدم انقداح الداعي لهذا البعث في نفسه ( وبالجملة ) الامر بالضدين

( 1 ) وان شئت قلت : ان الترتب انما هو في طرف الوجود ، واما في طرف العدم فلا تأثيرولا تأثر حتى يتحقق الترتب في الاستناد .


196

في زمان واحد بداعي البعث بنفسه محال لا انه تكليف بالمحال ، وحينئذ فلو كانت الازالة مأمورا بها في زمان ، لم يمكن كون الصلوة مأمورا بها ايضا ، وإذا لم تكن مأمورا بها وقعت غير صحيحة سواء كان الامر بالازالة مقتضيا للنهى عنها ام لا - هذا .

( وقد اجابوا ) عن هذا الاشكال بوجوه ثلثة : ( الاول ) ان صحة العبادة لا تتوقف على كونها مأمورا بها ، بل يكفى فيها وجود الملاك لها وعدم النهى عنها ، والصلوة المزاحمة بالازالة وان لم تكن مأمورا بها من جهة الاستحالة كما ذكر ، ولكن نقطع بعدم تفاوتها مع الافراد الغير المزاحمة في الملاك والمصلحة الموجبة لايجابها والامر بها .

( الثاني ) ان يقال ان الصلوة ايضا مأمور بها بنحو الترتب كما سيجئ تحقيقه .

( الثالث ) ان يقال بصحة الامر باحد الضدين على نحو التضيق ، وبالاخر بنحو التوسعة بحيث يكون زمان الاول ايضا جزء من زمان الثاني ، وهذا الجواب لا يجرى فيما إذا كان الضدان مضيقين بخلاف الاولين .

( إذا عرفت الاجوبة الثلثة ) بنحو الاجمال فلنشرع في تفصيلها ، ( فنقول ) : اما الوجه الثالث فقد اختلف في صحته وسقمه ، ( واستدل القائلون بعدم الصحة ) بأنه لا معنى لا يجاب الفعل في زمان أوسع مما يحتاج إليه عقلا الا كون المكلف مخيرا في ايجاده في أي جزء منه أراد ، فمعنى قوله : ( صل من الظهر إلى الغروب ) مثلا انك مخير في ايجاد الصلوة في أي جزء من هذا الزمان ، فهو مساوق لقوله : صل في الان الاول ، أو الثاني ، أو الثالث ، وهكذا ، وعلي هذا فلو أمر بالازالة في اول وقت الظهر مثلا تعيينا وبالصلوة من اوله إلى الغروب تخييرا لزم بالنسبة إلى الان الاول اجتماع بعثين نحو ضدين وان كان احدهما تخييريا وهذا محال لاستلزامه تخيير المكلف بين امر محال وامر ممكن ، والامر بالمحال تخييرا كالامر به تعيينا امر بالمحال بل هو بنفسه محال كما مر بيانه .

( لا يقال ) : ان التخيير هنا ليس بشرعي بل عقلي ، فان الشارع بنفسه لم يخير بيناجزاء الزمان ، بل أمر بايجاد الفعل في ساعة كلية موجودة بين الحدين منطبقة على كل واحدة من الساعات الموجودة بينهما انطباق الكلى على افراده نظير الكلى في المعين .

( فانه يقال ) : ان اردت بالساعة التى جعلتها ظرفا للفعل مفهوم الساعة ، ( ففيه ) انها وان كانت كلية ولكنه من الواضحات عدم كونها ظرفا للفعل بداهة عدم ايجاب ايجاد


197

الفعل في مفهوم الزمان .

( وان اردت بها ) الساعة الخارجية التى تكون جزء من مجموع الزمان المجعول ظرفا ، ( ففيه ) ان نسبة الساعة إلى مجموع الزمان المحدود بالحدين نسبة الجزء إلى الكل ، لا الكلى إلى افراده ، وعلي هذا فيرجع جعله ظرفا للفعل ( مع كونه ) اوسع مما يحتاج إليه ) إلى التخيير الشرعي بين اجزائه : اعني الساعات المتحققة بين الحدين ، هذه غاية ما يمكن ان يقال في تقريب المنع .

( وتحقيق الجواب ) عن ذلك هو ان يقال : ان الزمان المجعول ظرفا للواجب الموسع وان لم يكن كليا بل هو كل ذو اجزاء ، ولكن المتعلق للتكليف في الواجبات الموسعة كلى ذو افراد ، ولازم ذلك عدم سراية الحكم إلى الخصوصيات الفردية .

( بيان ذلك ) ان الشارع إذا قال مثلا : ( صل من الظهر إلى الغروب ) بنحو التوسعة في الوقت ، فما هو المتعلق للوجوب عبارة عن طبيعة الصلوة الكلية المقيدة بوقوعها في هذا الزمان الوسيع المحدود بالحدين ، فالزمان وان لم يكن كليا بل هو كل ذو اجزاء ، ولكن المتعلق للوجوب هو طبيعة الصلوة المقيدة بوقوعها بين الحدين ، وهذه الطبيعة المقيدة امر كلى قابل للانطباق على كثيرين ، فمن افرادها الصلوة التى تقع في الان الاول من الزمان الوسيع ، ومن افرادها الصلوة الواقعة في الان الثاني منه ، وهكذا إلى آخره .

" وبعبارة اخرى " الزمان المجعول ظرفا وان لم يكن كليا ، ولكن المظروف الذى هو المتعلق للامر كلى قابل للانطباق على كل فرد من الصلوات التى توجد بين الحدين ، ( ونظير ذلك ) المكان الوسيع إذا جعل ظرفا للفعل الواجب ، فإذا قال المولى : يجبعليك الوقوف بعرفات ، فنفس عرفات ليست كلية وانما هي ارض ذات اجزاء خارجية ، ولكن الواجب على المكلف عبارة عن طبيعة الوقوف المقيد بعدم خروجه من حدود عرفات ، فإذا وقف المكلف في أي جزء من عرفات صدق عليه انه وقوف بعرفات صدق الكلى على افراده ، وان كان نسبة نفس عرفات إلى هذا الجزء نسبة الكلى إلى اجزائه ، ( وحيث ) تبين لك حال ظرف المكان فقس عليه ظرف الزمان ، فالواجب من الظهر إلى الغروب هو طبيعة الصلوة المقيدة بعدم خروجها من بين الحدين وتصدق هي على كل فرد من الصلوات الواقعة بين الحدين صدق الكلى على افراده وان كان نفس الزمان كلا بالنسبة إلى كل واحد من اجزائه .


198

" إذا عرفت هذا فنقول " : ان الحكم إذا تعلق بطبيعة مهملة قابلة للانطباق على كثيرين فما هو المتعلق للحكم عبارة عن نفس حيثية الطبيعة ولا يسرى إلى واحدة من الخصوصيات الفردية ، بداهة عدم دخالتها في الغرض الباعث على الحكم ، " وبالجملة " متعلق الحكم امر وحداني لا تكثر له في ذاته بوجه من الوجوه ، غاية الامر ان امتثال المكلف لهذا الحكم انما هو باتيان فرد من هذه الطبيعة المأمور بها ، والفرد عبارة عن الطبيعة المتخصصة بالخصوصيات ، ولكن الاتيان به محقق للامتثال لا بما انه اتيان بالفرد المتخصص ، بل بما انه اتيان بأصل الطبيعة المأمور بها بحيث لو امكنه ( على فرض المحال ) اتيانها مجردة من جميع الخصوصيات الفردية لوقعت مصداقا للامتثال .

" وبعبارة اخرى " متعلق الامر نفس حيثية الطبيعة الكلية ، ويستحيل سرايته إلى ما لا دخل له في الغرض من الخصوصيات الفردية ، وامتثال هذا الامر انما هو باتيان نفس الطبيعة ، غاية الامر ان اتيانها باتيان واحد من الافراد ولكن الفرد المأتى به لا يقع مصداقا للامتثال بجميع خصوصياته بل بجهة اصل حيثية الطبيعة المتحققة به .

" ففيما نحن فيه " قد تعلق الامر الموسع اعني الامر الصلوتى مثلا بنفس طبيعة الصلوة المقيدة بوجودها بين الحدين من دون ان يلاحظ المولى واحدة من الخصوصيات المفردة( من الوقوع في الآن الاول أو الآن الثاني مثلا ) أو يلاحظ اطلاقها بالنسبة إلى جميع الافراد المتصورة لها من جهة سعة وقتها ، وان أتى بها العبد في الآن الاول مثلا فقد امتثل أمر المولى ويكون اتيانها اتيانا بالطبيعة المأمور بها ، لا بما انه اتيان بالصلوة في هذا الآن ، بل بما انه اتيان بما هو المأمور به اعني الصلوة الواقعة بين الحدين ، وكذلك ان اتى بها في الآن الثاني أو الثالث إلى آخر الوقت ، وليس الامر متعلقا بالصلوة الواقعة في الآن الاول مثلا حتى يقال بمزاحمته للامر المتعلق في هذا الزمان بالازالة ، بل الامر قد تعلق بنفس الطبيعة الكلية المقيدة بوقوعها بين الحدين اعني من الظهر إلى الغروب ، وهذا الامر لا يطارد الامر المتعلق بالازالة بوجه من الوجوه لقدرة المكلف على امتثال كليهما ، ولا يشترط القدرة على اتيان الفرد الاول لانه ليس مأمورا به وانما يشترط القدرة على ما هو المأمور به اعني الطبيعة المقيدة بوقوعها بين الحدين وهى مقدورة بالقدرة على بعض مصاديقها


199

( وبتقرير آخر ) الاوامر الشرعية ليست جزا فيه حتى تتعلق باى شيئ ، وانما تتعلق هي بما يكون مشتملا على المصالح المنظورة والاغراض الملحوظة ، ولا تتعلق ابدا بما لا دخالة له في الغرض الباعث على الامر ، و ( ح ) فقد يكون المشتمل على المصلحة عبارة عن نفس حيثية الطبيعة فيجب لا محالة ان يتعلق الامر بنفس الطبيعة المطلقة ، لا بقيد اطلاقها بحيث يكون الاطلاق ايضا ملحوظا بل بنفس حيثية الطبيعة التى لها اطلاق وسريان ذاتي ، وقد يكون المشتمل على المصلحة عبارة عن الطبيعة المقيدة بقيد واحد أو اكثر فحينئذ لا بد من ان يتعلق الامر بهذه الطبيعة المشتملة على المصلحة ( اعني المقيدة بالقيد الواحد أو الاكثر ) ، ولا يجوز في صورة عدم دخالة خصوصية من الخصوصيات في اشتمال الطبيعة على المصلحة ان تعتبر هذه الخصوصية في متعلق الامر للزوم الجزاف .

( وعلى هذا ) ففى ما نحن فيه ما هو المشتمل على الملاك والمصلحة عبارة عن طبيعة الصلوة المقيدة بوقوعها بين الحدين ، فتقييدها عند الامر بها بالوقوع في غير الان الاول مثلا تقييد لها بما لا دخالةله في اشتمالها على المصلحة فلا يجوز للمولى هذا التقييد بل يجب عليه ان لا يلاحظ الا ما له دخل في المصلحة الباعثة على الامر ، فالمتعلق للامر الصلوتى ليس الا طبيعة الصلوة المقيدة بوقوعها بين الحدين ، وهذه الطبيعة مقدورة بواسطة القدرة على فرد منها ، وإذا أتى المكلف واحدة من افرادها فقد تحقق منه الامتثال سواء كان هو الفرد الاول أو الثاني أو غيرهما ، فان ترك المكلف اتيانها في ضمن الفرد الاول صار الفرد الاول غير مقدور من جهة مضى وقته ولكن الطبيعة المأمور بها باقية على مقدوريتها ، وكذا ان ترك اتيانها في ضمن الفرد الثاني ، وكذلك الفرد الثالث ، وهكذا ، بل لو ترك اتيانها في ضمن جميع الافراد الطولية المتصورة لها سوى الفرد الاخير فالافراد كلها سوى الفرد الاخير صارت غير مقدورة ، ولكن الطبيعة المأمور بها باقية على المقدورية من جهة القدرة على اتيانها في ضمن الفرد الاخير ، وان أتى المكلف بهذا الفرد صار فعله مصداقا للامتثال لا بما انه اتيان بالطبيعة في هذا الزمان القصير ، بل بما انه ايجاد لما هو المشتمل على المصلحة اعني الطبيعة الواقعة بين الحدين .

( نعم ) بعد تضيق وقتها وانحصارها في فرد واحد ليس للمولى الامر المطلق بشيئ


200

آخر مضاد له ، ولكن لا من جهة ان هذا الفرد يصير غير مقدور على فرض اتيان ضده بل من جهة ان نفس الطبيعة تصير غير مقدورة ، ولا يقاس على ذلك ما إذا امر المولى بالضد الاخر في اول الوقت فانه انما يزاحم الفرد الاول لا نفس الطبيعة ، والقدرة على نفس الطبيعة موجودة فيصح الامر الفعلى بها ، وان اتى بها المكلف في ضمن الفرد الاول ايضا كان ممتثلا من جهة انه أتى بنفس ما هو المأمور به اعني الطبيعة .

" ومن هنا يظهر لك " ما هو الحق في مسألة الاجتماع اعني جوازه عند تعدد العنوان والجهة .

( فان قلت ) فرق بين ما نحن فيه وبين مسألة الاجتماع ، إذ الافراد في مسألة الاجتماع عرضية فالقدرة على بعضها تكفى في القدرة على أصل الطبيعة ، وهذا بخلاف ما نحن فيه ، فان الافراد فيهطولية ومن الواضح ان القدرة على بعضها لا تستلزم القدرة على اصل الطبيعة في الزمان الممتد المعين لها ، إذ من اجزائه الزمان الاول ، ونفس الطبيعة غير مقدورة في الزمان الاول ، من جهة كونه ظرفا للضد الاخر المأمور به ، ( وبالجملة ) نحن لا نقول : ان الخصوصية الفردية متعلقة للامر ، بل نسلم ان تعلق الامر هو نفس طبيعة الصلوة المقيدة بوقوعها بين الحدين ، ولكن نقول : ان هذه الطبيعة المأمور بها غير مقدورة في الآن الاول من جهة كونه ظرفا للضد المضيق .

( قلت ) المأمور به عبارة عن الصلوة بين الحدين ( اعني الطبيعة الكلية ) وهي مقدورة بالقدرة على واحدة من افرادها ( 1 ) وليس المأمور به هي الطبيعة المقيدة بالآن الاول حتى يقال : انها غير مقدورة من جهة مزاحمتها بالامر المتعلق بالاهم .

" وبعبارة اخرى " في الآن الاول ايضا انما يأمر المولى بايجاد الطبيعة المقيدة بوقوعها بين الحدين لا بالطبيعة في هذا الان ، والطبيعة المقيدة بالوقوع بين الحدين مقدورة وان انحصر مصداقها في الواحد ، من جهة كون غيره غير مقدور .

( وبما ذكرنا ) انقدح فساد ما في تقريرات بعض اعاظم العصر ، حيث قال : ان الآن الاول ظرف للاهم فيجب اشغاله به ( وح ) يصير ايجاد المهم فيه غير مقدور من جهة ان الممنوع شرعا كالممتنع عقلا .

( وجه الفساد ) ان المولى لم يأمر بايجاد المهم في الظرف الاول ، بل امر بايجاده بين

( 1 ) وببيان اخصر الامر قد تعلق بنفس الطبيعة الجامعة ، والجامع بين المقدور وغير المقدور مقدور لامكان ايجاده في الفرد المقدور .


201

الحدين فلا مزاحمة في البين ، ( هذا كله ) فيما يرجع إلى الوجه الثالث .

" واما الوجه الثاني " اعني تصحيح الامر بالمهم بنحو الترتب على عصيان الاهم فقد صار معركة لآراء المتأخرين ، واول من نسب إليه تصحيحه المحقق الثاني ، وشيد بنيانه السيد السند الميرزا الشيرازي ، وبالغ في تشييده وتوضيحه تلامذته وتلامذة تلامذته سوى المحقق الخراساني فانه يظهر منه انه كان مخالفا لذلك من اول الامر .

( والحق ) هو الصحة ، ولنذكر لبيان ذلك مقدمة لها كمال المقدمية للمطلب وان غفل عنها ساير من قال بالصحة ( فنقول ) : لا اشكال في عدم جواز ان يصدر من قبل المولى طلب واحد بداعي البعث متعلقا بالضدين ، فان الجمع بين الضدين محال والتكليف بالمحال بنفسه محال ، لما مر من ان المولى الملتفت بعد كونه بصدد البعث والتحريك لا تنقدح في نفسه ارادة المحال ، فكما ان الارادة التكوينية لا تنقدح في النفس بالنسبة إلى امر محال فكذلك الارادة التشريعية .

" وبالجملة " إذا رأى المولى ان العبد لا يتمكن من الانبعاث فكيف تنقدح في نفسه ارادة بعثه حقيقة ، هذا في التكليف الواحد المتعلق بامر محال كجمع الضدين مثلا ، " واما إذا فرض هنا " تكليفان تعلق احدهما باحد الضدين والاخر بالضد الاخر فاما ان يكونا في عرض واحد بان يكونا مجتمعين ويكون لهما المعية في رتبة واحدة اولا ، اما الاول فلا اشكال ايضا في استحاله سواء كان التكليفان مطلقين ، أو مشروطين بشرط واحد ، أو كان كل منهما مشروطا بشرط خاص ولكن كان الآمر عالما بوجود الشرطين في عرض واحد ، لو كان احدهما مطلقا والاخر مشروطا بشرط يتحقق في عرض التلكيف الاخر ، وسواء كان الشرط امرا اختياريا للمكلف ام لا ، " والحاصل " ان وجود البعثين المتعلقين بالضدين مع كونهما في عرض واحد ايضا محال بجميع انحائه ولكن الاستحالة هنا ليست من جهة تعلق الطلب بالمحال حتى يقال ان طلب المحال محال ، إذ ليس هنا طلب واحد متعلق بأمر محال ، بل طلبان تعلق كل منهما بأمر ممكن مقدور ، فان هذا الضد بنفسه ممكن وذاك ايضا ممكن ، والمحال انما هو اجتماعهما وليس هو متعلقا للطلب ، ولا يمكن ان يطلق على الطلبين اللذين تعلق كل منهما بأمر ممكن


202

طلب المحال ، بداهة ان الطلبين بما هما طلبان ليسا مصداقا واحدا للطلب ، وانما المصداق له هو هذا الطلب بحياله وذاك الطلب ايضا باستقلاله ، كما انه يصدق على زيد انه انسان وعلى عمرو ايضا كذلك ، ولا يصدق عليهما معا انهما انسان بل انسانان .

( وبالجملة ) استحالة البعثين اللذين تعلق كل منهما بأحد الضدين ليست من جهة كونهما طلبا للمحال وتكليفا بمالا يطاق كما قد يترائى من بعض عبائر المنكرين للترتب ، بل الوجه في استحالتهما ان طلب المولى لما كان بداعي انبعاث المكلف نحو المكلف به وكان انبعاثه نحو هذا الضد مستقلا وذاك الضد ايضا مستقلا في رتبة واحدة وعرض واحد من المحالات ، فلا محالة كان تحقق هذا النحو من الطلبين مستحيلا ، وذلك لبداهة امتناع ان ينقدح في نفس الطالب الملتفت ( في عرض واحد ) ارادتان تشريعيتان تعلق كل واحد منهما باحد الضدين ، كما يمتنع ان ينقدح في نفسه ارادتان تكوينيتان كذلك ( والحاصل ) ان طلب المحال كجمع الضدين مثلا محال ولكن ما نحن فيه ليس من باب طلب المحال فان البعثين تعلق كل منهما بأمر ممكن ، وليس لنا بعث متعلق بجمع الضدين ، ( غاية الامر ) ان العقل بالتعمل والتدقيق يحكم بامتناع هذا النحو من البعثين والطلبين ايضا ، ( هذا كله ) فيما إذا كان البعثان في عرض واحد بحيث كان كل منهما باعثا ومحركا في رتبة تحريك الاخر ولو في بعض الاحوال ، واما إذا لم يكن الارادتان والطلبان في عرض واحد بل كان احدهما موجودا في رتبة عدم تأثير الاخر وعدم تحريكه نحو ما تعلق به كان وجود الاخر في هذه الرتبة والظرف بلا مزاحم إذ الفرض ان هذه الرتبة رتبة عدم تأثير الاول ورتبة خيبته عما قصد منه اعني داعويته للمكلف وانبعاثه بذلك نحو العمل ، وفي هذه الرتبة يكون المكلف فارغا قادرا على ايجاد متعلق الامر الثاني كما يقدر على غيره من الافعال فلا محالة ينقدح في نفس المولى في هذه الرتبة ارادة البعث بالنسبة إلى متعلق الامر الثاني إذا كان امرا ذا مصلحة ليشتغل العبد به دون غيره من الافعال الغير المفيدة ( والحاصل ) ان استحالة تحقق الطلبين في عرض واحد مع ثبوت القدرة على متعلق كل منهما قد نشأت من جهة عدم امكان تأثيرهما في عرض واحد في نفس العبد و ( ح ) فلو فرض اشتراط أحدهما بصورة عدم تأثير الاخر في نفس العبد وصورة خيبته وعدم


203

وصوله إلى هدفه كصورة العصيان مثلا ارتفع وجه الاستحالة وخرجا من كونهما في عرض واحد ( إذا عرفت هذه المقدمة فنقول ) : صحة الترتب المصطلح ( على هذا البيان ) من أو ضح الواضحات ، فان الامر بالاهم وان كان مطلقا غير مشروط بشيئ ولكن الامر ليس علة تامة لوجود متعلقه ، وانما هو لايجاد الداعي في نفس المكلف وتحريكه نحو المأمور به حتى يوجده باختياره ، و ( ح ) فإذا توجه الآمر ( بعد ان صدر عنه الامر بالاهم ) إلى ان المكلف يمكن ان يمتثله ويمكن ان يعصيه ، وان ظرف الفعل في رتبة عصيانه للاهم يكون فارغا خاليا عن الفعل ، بحيث لو لم يشغله المهم لكان خاليا من الاهم والمهم كليهما ، فلا محالة ينقدح في نفسه ارادة البعث نحو المهم في هذه الرتبة حتى لا يكون الظرف خاليا عن الواجب المشتمل على المصلحة ، ولا مانع من انقداح هذه الارادة ( في هذه الرتبة ) في نفسه ، لان هذه الرتبة رتبة خيبة الامر بالاهم ورتبة عدم وصوله إلى هدفه ، وفي هذه الرتبة لا مانع من تأثير الامر بالمهم بأن يوجد الداعي في نفس المكان نحو ما تعلق به ، وقد عرفت ان استحالة البعث ليست الا من جهة استحالة الانبعاث ، فإذا فرض امكان الانبعات انقدح في نفس المولى ارادة البعث قهرا ، ( مثلا ) لو القى ابن المولى واخوه في البحر ولم يكن العبد قادرا على انقاذ كليهما ، فحينئذ يستحيل ان يصدر عن المولى طلبان بداعي البعث ( في عرض واحد ) يتعلق احدهما بانقاذ الابن ، والاخر بانقاذ الاخ ، بل الذى يصدر عنه أو لا انما هو الامر بانقاذ الابن مطلقا غير مشروط بشيئ بحيث لا يزاحمه ( في رتبته ) شيئ ، ثم ان المولى بعد ان صدر عنه هذا الامر ربما يتوجه إلى ان أمره ليس علة تامة لانبعاث المكلف بل المكلف يمكن ان ينبعث من قبل هذا الامر ، ويمكن ان لا ينبعث ، وينظر إلى ان ظرف الاهم ( اعني انقاذ الابن ) عند عدم تأثير أمره وعدم انبعاث المكلف من قبله خال من الفعل ، بحيث لو لم يشغله المهم ( اعني انقاذ الاخ ) لكان خاليا من الاهم والمهم كليهما ، فحينئذ ينقدح في نفسه ارادة الامر بانقاذ الاخ في هذه الرتبة التى هي رتبة عدم تأثير الامر بانقاذ الابن وعدم وصولهإلى هدفه .

( والحاصل ) ان كلا من الاهم والمهم فعل مقدور للمكلف فيمكن ان ينقدح في نفس المولى ارادة اتيانه ، وانقداح كلتا الارادتين في نفسه ليس انقداحا لارادة واحدة متعلقة بالجمع بينهما ، فكان اللازم ( بالنظر البدوى ) جواز انقداحهما في نفسه ، ولكن


204

العقل بالتحليل والتعمل يحكم باستحالة انقداحهما في عرض واحد ، من جهة انه يرى ان العبد لا يقدر على الانبعاث نحو الفعلين في عرض واحد ، فاستحالتهما انما نشأت من استحالة انبعاث العبد منهما معا واستحالة تأثير هما في عرض واحد في نفسه ، فإذا علق أحدهما بصورة عدم تأثير الاخر وصورة عصيان العبد له كان وجودهما بهذا الترتيب ممكنا ، إذ الزمان في هذا الفرض فارغ من الفعل فيمكن للعبد اشغاله بالفعل الاخر الذى هو ضد له .

( وبالجملة ) وجود البعثين المتعلق كل واحد منهما بواحد من الضدين في عرض واحد من المحالات ، واما وجودهما لا في عرض واحد فلا استحالة فيه ، لعدم المزاحمة في مقام التأثير ، وهذا مثل الامر بالاهم مطلقا والامر بالمهم في رتبة عصيان الاهم وعدم تأثيره في نفس المكلف ، إذ الامر بالاهم لا اطلاق له بالنسبة إلى حال عصيانه لتاخر رتبة العصيان عن رتبة الامر ، فالامر بالاهم رتبته قبل العصيان ، والامر بالمهم رتبته متأخرة عنه لكونه موضوعا له ، ورتبة الحكم متأخرة عن رتبة الموضوع بالضرورة ، و ( ح ) فلا يوجد بينهما مزاحمة اصلا كما هو واضح لا سترة عليه ( 1 )

( 1 ) اقول : ليس المصحح للامر بالمهم في ظرف عصيان الاهم ما ذكروه من اختلاف لرتبة ، فان الامر بالاهم وان لم يكن له اطلاق لحاظي بالنسبة إلى حال عصيانه ( كما لا اطلاق له بالنسبة إلى حال اطاعته ) ، ولكن الاطلاق الذاتي موجود بمعنى ان الامر بالاهم موجود للمكلف سواء كان مطيعا أو عاصيا في متن الواقع ، بداهة عدم تعقل الاهمال الثبوتي ، كيف ! ولو كان ما ذكروه من اختلاف الرتبة كافيا في تصحيح الامر بالمهم ( مشروطا بعصيان الاهم ) لكان اللازم جواز الامر بالمهم مشروطا باطاعة الاهم ايضا ، ضرورة اشتراك العصيان والاطاعة في ان الامر ليس له اطلاق لحاظي بالنسبة اليهما ، وله اطلاق ذاتي بالنسبة إلى كليهما .

( فان قلت ) : الامر ثابت للمكلف بما هوانسان اجتمع فيه شرائط التكليف لا بما هو مطيع أو عاص أو بما هو مطيع وعاص ، ( وبعبارة اخرى ) الامر وان كان ثابتا للمكلف سواء كان مطيعا أو عاصيا ولكنه ليس بما هو مطيع أو عاص و ( ح ) فليس للامر بالنسبة إلى عنواني الاطاعة والعصيان اطلاق ولا تقييد .

( قلت ) : ليس معنى اطلاق الحكم بالنسبة إلى عنوان ، سراية الحكم إلى هذا العنوان بحيث يصير هذا العنوان جزء لموضوع الحكم والا فلا نجد نحن مثالا للمطلق ضرورة ان قوله ( اعتق رقبة ) مثلا من امثلة المطلقات من جهة اطلاق الرقبة بالنسبة إلى المؤمنة والكافرة مع انه ليس معنى الاطلاق فيها ان عنوان الكفر أو الايمان له دخالة في الحكم بحيث يصير المؤمنة بما هي مؤمنة ، أو الكافرة بما هي كافرة موضوعا للحكم ، بل معنى الاطلاق فيها هو ان الرقبة بما هي رقبة تمام الموضوع ، ولازم ذلك سريان الحكم بسريانها الذاتي ، وسياتى تفصيل ذلك في مبحث المطلق والمقيد ( وبالجملة ) ليس الملاك في تصحيح الامر بالمهم ما ذكروه من اختلاف الرتبة ، بل الملاك فيه هو وجود الامري


205

( فان قلت ) : كما ان رتبة العصيان متأخرة عن رتبة الامر فكذلك رتبة الاطاعة و ( ح ) فلو كان اختلاف الرتبة كافيا في رفع المزاحمة لكان اللازم جواز الامر بالاهم بنحو الاطلاق والامر بالمهم مشروطا باطاعة الاهم ايضا بحيث يكون المهم مبعوثا إليه في رتبة اطاعة الاهم مع كون زمان الفعلين واحدا كما هو المفروض في الترتب .

( قلت ) : رتبة العصيان رتبة عدم تأثير الامر بالاهم ورتبة خيبته وعدم وصوله إلى هدفه ، وفى هذه الرتبة يكون ظرف الفعل خاليا بحيث يمكن اشغاله بالمهم بلا مزاحم فلا محالة ينقدح في نفس المولى ارادة البعث نحوه في هذه الرتبة ، وهذا بخلاف رتبة الاطاعة فانها رتبة تأثير الامر بالاهم ورتبة اشغال الاهم للزمان فلا يقدر المكلف في هذه الرتبة على اتيان المهم فكيف يمكن ان ينقدح في نفس المولى ارادة البعث والتحريك نحو المهم في هذه الرتبة فتدبر جيدا .

‌ بنحو لا يتزاحمان في مقام التأثير ، وبيان ذلك هو ما ذكره سيدنا العلامة الاستاد الاكبر " مد ظله العالي " وقد صرح بما ذكرنا هو ( مد ظله ) في مبحث الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري( ثم ان ) الانسب ان نعيد ما ذكره " مد ظله " في تصحيح الترتب ببيان آخر لعلك تطلع على ما هو الحق ( فنقول ) : لا اشكال في ان التكليف بالمحال بنفسه محال ، فان التكليف الحقيقي انما يصدر عن المولى بداعي انبعاث المكلف وتحركه نحو متعلقه ، فإذا كان المتعلق امرا محالا لا يتمكن المكلف من ايجاده فكيف ينقدح في نفس المولى الملتفت ارادة البعث والتحريك نحوه ، والمراد من التكليف بالمحال هو ان يكون المتعلق للتكليف امرا يستحيل صدوره عن المكلف ، وذلك مثل ان يأمر المولى عبده بالطيران إلى السماء بلا وسيلة أو بالجمع بين الضدين مثلا ، ( هذا إذا كان ) نفس ما تعلق به التكليف من المحالات .

( واما ) إذا كان لنا امران مستقلان تعلق أحدهما بأحد الضدين والاخر بالضد الاخر مع عدم سعة الزمان المقدر لهما الا لاحدهما فصدور هذين التكلفين عن المولى ايضا من المحالات ولكن لا من جهة لزوم التكليف بالمحال إذ المتعلق لكل واحد من التكليفين امر ممكن ، والجمع بين المتعلقين وان كان محالا ولكن التكليف لم يتعلق به ، ومجموع التكليفين ليس مصداقا للتكليف حتى يقال بتعلقه بالجمع بين الضدين إذ كل فرد مصداق للطبيعة مستقلا وليس الفردان بما هما فردان مصداقا واحدا ( وبالجملة ) استحالة هذين التكليفين ليست من هذه الجهة ، بل من جهة تزاحمهما في مقام التأثير ومقام ايجاد الداعي في نفس المكلف ، فان كل واحد من الضدين وان كان بحياله امرا ممكنا يمكن ان ينبعث المكلف نحوه ولكن انبعاثه نحو هذا الضد مستقلا ونحو ذلك الضد ايضا مستقلا في زمان لا يسع الا واحدا منهما لما كان من المحالات ، كان صدور الطلب من قبل المولى متعلقا بهذا الضد بداعي الانبعاث ومتعلقا بذاك الضد ايضا بداعي الانبعاث من المحالات ، وذلك من جهة امتناع ان ينقدح في نفسه الارادة بالنسبة إلى كلا البعثين مع التفاته إلى ان العبد لا يتمكن الا من الانبعاث من واحد م


206

تتمة حاشية الصفحة السابقة ( والحاصل ) أن استحالة صدور هذين البعثين ، انما هي من جهة انهما يصدران بداعيالانبعاث ، ولما كان الانبعاث من كليهما محالا كان وجودهما أيضا من قبل المولى محالا ، ( هذا ) إذا فرض البعثان متزاحمين في مقام التأثير والداعوية ، وأما إذا لم يكونا متزاحمين في مقام التأثير بان لم يكونا في عرض واحد بل كان احدهما ثابتا في رتبة عدم تأثير الاخر و رتبة خلو الظرف عن المزاحم ، فلا وجه ( ح ) لاستحالتهما ، فان المكلف في رتبة عصيانه للامر المتعلق بالاهم ورتبة عدم تأثيره في نفسه يكون متمكنا من ايجاد المهم فلا محالة ينقدح في نفس المولى في هذه الرتبة ارادة البعث نحوه ، إذ الفعل مقدور للمكلف ، والزمان ايضا في هذه الرتبة خال من الفعل ، بحيث لو لم يشغله المهم لكان خاليا من الاهم والمهم كليهما ، و ( ح ) فاى مانع من انقداح الارادة في نفس المولى في هذه الرتبة ؟ لا والله لا مانع في البين ، والمقتضى ايضا موجود من جهة تمامية الملاك في المهم فتدبر .

ولعمري صحة الترتب ( بالبيان الذى ذكره سيدنا الاستاد " مد ظله العالي " وقررناه ثانيا بهذا البيان ) في غاية الوضوح والبداهة فاغتنم ولا تكن من الجاهلين .

( هذا كله ) بناء على كون القدرة شرطا للفعلية واما بناء على كونها شرطا للتنجز فقط فكلا التكليفين فعليان في عرض واحد بلا ترتب في البين غاية الامر ان تنجز المهم عقلا مترتب على عصيان الاهم ، وهذا هو الاقوى ، وعليه فيكون الترتب بين التكليفين في مرحلة التنجز ، وبيانه يحتاج إلى تفصيل لا يسعه المقام .

ح ع


207

( ثم ان ) المناسب في المقام ان نذكر ما قاله شيخنا الاستاد المحقق الخراساني في وجه الامتناع مع الاشارة إلى جوابه ( قال قده ) ما حاصله : ان ما هو ملاك استحالة طلب الضدين في عرض واحد آت في طلبهما بنحو الترتب ايضا ، فانه وان لم يكن في مرتبة طلب الاهم اجتماع الطلبين الا انه في مرتبة طلب المهم يثبت طلب الاهم ايضا فيجتمعان ( لا يقال : ) ( نعم ) ولكنه بسوء اختيار المكلف فلو لا سوء اختياره لما كان متوجها إليه الا طلب الاهم .

( فانه يقال ) استحالة طلب الضدين انما هي من جهة استحالة طلب المحال وهى لا تختص بحال دون حال ، فان الحكيم الملتفت إلى محاليته لا ينقدح في نفسه ارادته بلا اشكال والا لصح فيما علق على امر اختياري في عرض واحد بلا احتياج في تصحيحه إلى الترتب مع انه محال .

( ان قلت ) : فرق بين الاجتماع في عرض واحد والاجتماع بنحو الترتب فان كلا من الطلبين في الاول يطارد الاخر ، بخلاف الثاني فان المطاردة فيه انما هي من جانب الاهم فقط .

( قلت : اما اولا ) فان المطاردة في الثاني ايضا من الطرفين ، فان المهم بعد وجود شرطه يصير فعليا ، والمفروض فعلية الاهم ايضا في هذه الرتبة ، فيطاردان ، ( واما ثانيا ) فلانا وان سلمنا عدم طرد المهم للاهم ولكن الاهم يطارد المهم لوجوده في رتبته ( فان قلت ) : فما الحيلة فيما وقع في العرفيات من طلب الضدين على نحو الترتب .

( قلت ) : لا يخلو اما ان يكون الامر بالمهم بعد التجاوز عن الاهم حقيقة واما ان يكون الامر به للارشاد إلى بقائه على ما هو عليه ( من المصلحة والمحبوبية لولا المزاحمة ) ( ثم انه ) يستشكل على القائلين بالترتب بلزوم استحقاق المكلف لعقابين على فرض مخالفة الامرين ، مع بداهة بطلانه ضرورة قبح العقاب على ما لا يقدر عليه المكلف ( انتهى ) .

( اقول ) اما ما يظهر من كلامه ( قده ) من كون مسألة الترتب من باب طلب الضدين فقد عرفت فساده ، فان الطلبين ( الذين تعلق كل منهما بواحد من الضدين ) لا يصدق عليهما طلب الضدين كما عرفت تفصيله ، ( واما ما ذكره ) من ان ما وقع في العرفيات من طلب المهم بشرط عصيان الاهم انما يكون بعد التجاوز عن الاهم ( ففيه ) انه ان كان المراد بالتجاوز عن الاهم اعراضه عنه بالكلية بحيث لا يكون له بعث إليه حقيقة ويكون وجوبه منسوخا فهو بديهى البطلان فانه لا معنى للاعراض عما هو تام المصلحة مع كونه اهم مما زاحمه


208

وان كان المراد بالتجاوز عن الاهم تجاوزه عنه من جهة أنه يرى الامر به خائبا غير مؤثر ، لا بمعنى نسخه للوجوب بل بمعنى قطع الرجاء عنه من جهة عدم وصوله إلى هدفه فهذا ما ذكرناه من أن رتبةالعصيان رتبة عدم تأثير الامر ، ولا مانع في هذه الرتبة من وجود الامر بالمهم فانه يمكن ان ينقدح في نفس الآمر ارادة البعث نحوه في هذه الرتبة التى لا تأثير فيها للامر بالاهم .

( واما ما ذكره اخيرا ) من لزوم تعدد العقاب ، فنحن نلتزم به من جهة ان المفروض فيما نحن فيه ( كما عرفت ) وجود أمرين مستقلين تعلق كل واحد منهما بأمر ممكن مقدور للمكلف ، ومخالفة كل منهما توجب العقاب بلا شك وارتياب ، اما مقدورية الاهم فواضحة ، واما مقدورية المهم فمن جهة فرضه في رتبة عدم اشغال الاهم للظرف وكون الزمان خاليا منه ، وفي هذه الرتبة يكون المهم مقدورا بالوجدان .

( تذنيب ) قال الشيخ ( قده ) ما حاصله : انه لو قيل بالسببية في باب حجية الخبر لكان الخبران المتعارضان من قبيل المتزاحمين ، ولازم ذلك عدم سقوطهما رأس ، بل يتقيد اطلاق كل منهما بعدم الاخر .

( وأورد عليه ) بعض اعاظم العصر ( على ما في تقريرات بحثه ) بان هذا التزام بترتبين مع أن الشيخ ممن ينكر الترتب .

( اقول ) : ليس مراد الشيخ تقييد كل من الخطابين بعصيان الاخر بما هو عصيان حتى يلزم الترتب ، ( 1 ) بل مراده ان التعارض في المقام يرجع إلى التزاحم ، ولازمه ثبوت كل منهما على فرض عدم اتيان الاخر ، وهو عبارة اخرى عن التخيير العقلي ، فمحصل كلامه ( قده ) ان الحكم في المتزاحمين هو التخيير لا التساقط .

( وبالجملة ) مراده تعين كل منهما في ظرف عدم الاخر بما انه عدم ، لافى ظرف عصيان الاخر بما انه عصيان فلا ربط لكلامه ( قده ) بباب الترتب أصلا فتدبر .

( 1 ) اقول : ولا يخفى ان ترتب كل منهما على عصيان الاخر بما هو عصيان مستلزم للدور المضمر من الطرفين ، فان عنوان العصيان يتوقف على ثبوت الامر فثبوت الامر ب‍ " ا " مثلا يتوقف ( على هذا الفرض ) على عصيان " ب " المتوقف على الامر به المتوقف على عصيان الامر ب‍ " ا " المتوقف على ثبوته ، وكذا العكس ، وهذا بخلاف العدم بما انه عدم لعدم توقفه على الامر حتى يدور فافهم

209

( الفصل الخامس )

هل يجوز أن

يأمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه

اولا ؟ ، قد صارت هذه المسألة معركة لآراء المتأخرين ، وهذا العنوان بظاهره غير قابل للنزاع ، إذ المراد بالشرط كما صرحوا به شرط الامر والوجوب فيصير محصل النزاع ( على هذا ) أنه هل يجوز وجود المشروط بدون وجود شرطه ، وهذا امر لا يبحث فيه عاقل .

( والظاهر ) أن المسألة انحرفت من اصلها ، وقد كان النزاع ( في الاصل ) في ان الشيئ المستقبل إذا كان في ظرف وجوده فاقدا لشرط الوجوب فهل يمكن ان يؤمر به قبل وقته مع العلم بكونه في ظرف وجوده فاقدا لشرط الوجوب اولا ؟ " وبعبارة اخرى " هل يجوز أن يأمر المولى بالشيئ المستقبل الذى يصير في ظرف وجوده فاقدا لشرط الوجوب مع علمه بذلك ؟ وذلك بان يأمر به قبل حضور وقت العمل ثم ينسخه عند حضور وقته من جهة كون شرط الوجوب مفقودا عنده .

( ويدلك على ما ذكرناه ) ان القائلين بالجواز استدلوا بامر الله ( تعالى ) ابراهيم عليه السلام بذبح ولده مع نسخه قبل العمل .

( والقائلون بالجواز ) هم الاشاعرة ، وبالامتناع المعتزلة ، والمسألة مبتنية على اثبات الكلام النفسي أو ابطاله ، ( فالاشاعرة ) لما اثبتوا صفة نفسانية في قبال العلم و الارادة والكراهة ، مسماة بالكلام النفسي في الاخبارات ، وبالطلب الحقيقي أو الزجر الحقيقي في الاوامر والنواهي ، التزموا فيما نحن فيه بالجواز ، بتوهم ان الفعل الذى انتفى شرط وجوبه وان لم يعقل تعلق الارادة به مع العلم بذلك ، ولكنه لا مانع من ان يتعلق به الطلب النفسي قبل حضور وقته .

( واما المعتزلة ) فلمالم يفرضوا في النفس صفة اخرى وراء العلم والارادة والكراهة ، فلذلك التزموا ( فيما نحن فيه ) بالامتناع بداهة أن الارادة لا يمكن ان تتعلق بما يعلم بانتفاء شرط وجوبه في ظرف وجوده .

الفصل السادس في الواجب الكفائي ( اعلم ) ان من اقسام الواجب ما يسمى ( في اصطلاحهم ) بالواجب الكفائي ، وله اح


210

متفق عليها بين القوم : ( منها ) انه لو تركه الجميع لكانوا معاقبين بأجمعهم ، ( ومنها ) انه يمتثل بفعل واحد منهم .

( والحاصل ) ان الواجب الكفائي عبارة عما وجب على جماعة بحيث ان أتى به واحد منهم سقط من غيره ، وان تركه الجميع عوقبوا بأجمعهم ، وقد صار تصويره من المشكلات عندهم حيث ارادوا تصويره بنحو ينطبق عليه التعريف الذى ذكروه لمطلق الواجب أعنى ما يكون في فعله الثواب وفي تركه العقاب ، ( فقال بعضهم ) : ان المكلف

في الواجب الكفائي

عبارة عن المجموع من حيث المجموع لا كل واحد مستقلا ، وعلي هذا فيتحقق فعل المجموع بفعل واحد منهم وتركه بترك الجميع ، ( وقال بعضهم ) : ان المكلف عبارة عن أحد المكلفين لا على التعيين ، ( وقال آخرون ) : ان المكلف عبارة عن كل واحد واحد مستقلا ولكن اتيان البعض يوجب سقوطه من الجميع ، هذا ما ذكروه في تصوير الواجب الكفائي ( ويرد على الاول ) ان المجموع من حيث المجموع أمر اعتباري لا حقيقة له وراء الاحاد فلا يمكن ان يتوجه إليه الطلب ، إذ الطلب انما يتوجه إلى الانسان العاقل القادر المختار ، ولا يصدق على المجموع من حيث المجموع هذه العناوين .

( ويرد على الثاني ) ان المراد من الاحدان كان مفهوم الاحد ، ( ففيه ) ان المفهوم غير قابل لان يتوجه إليه التكليف ، وان كان المراد به الفرد المردد بحيث يكون توجه التكليف إلى المكلفين توجها ترديديا بالتردد الواقعي نظير ما ذكر في الواجب التخييري : من أن البعث يتعلق بكلا الامرين على نحو التردد الواقعي ( ففيه ) ان البعث لا يعقل ان يتوجه إلى الفرد المردد ، إذ الغرض من البعث هو الانبعاث ولا بد في تحققه من تعين المبعوث .

( ويرد على الثالث ) ان الغرض من الواجب ان كان يحصل بفعل الواحد فلا وجه لتوجه التكليف إلى الجميع ، وان كان لا يحصل الا بفعل الجميع فكيف يسقط بفعل الواحد .

" والتحقيق ان يقال في تصويره " : ان الوجوب ( مطلقا ) له اضافة إلى من يصدرعنه ( اعني الطالب ) ، واضافة اخرى إلى من يتوجه إليه ( اعني المطلوب منه ) ، واضافة ثالثة إلى ما يتعلق به ( اعني المطلوب ) ، والفرق بين العينى والكفائي ليس في المطلوب منه كما هو مقتضى التصويرات الثلثة بل الفرق بينهما في المطلوب ، فالمطلوب في الوجوب الكفائي هو نفس الطبيعة المطلقة الغير المقيدة بصدورها عن هذا الشخص


211

بخلافه في الوجوب العينى فانه عبارة عن الفعل المقيد بصدوره عن هذا الفاعل الخاص ( وتفصيل ذلك ) هو انه قد تكون المصلحة في صدور الفعل عن كل واحد من المكلفين فحينئذ يؤمر كل واحد منهم بايجاد الطبيعة المقيدة بصدورها عن نفسه ، ففى قوله : ( اقيموا الصلوة ) مثلا يكون كل واحد من المكلفين مأمورا بايجاد طبيعة الصلوة المقيدة بصدورها عن نفسه ، وقد تكون المصلحة في صدور طبيعة الفعل وتحققه في الخارج من غير تقيد بصدوره عن شخص خاص ، فحينئذ يؤمر كل واحد من المكلفين بايجاد هذه الطبيعة المطلقة حتى عن قيد صدورها عن نفسه ، ( والحاصل ) ان مطلوب المولى في الوجوب الكفائي هو وجود الطبيعة المطلقة الغير المقيدة بصدورها عمن كلف بها ، ( غاية الامر ) انه لما كان مطلوب المولى تحقق اصل الطبيعة من غير ان يكون لصدورها عن هذا الفاعل أو عن ذلك دخالة في الغرض وكان كل واحد من المكلفين قادرا على ايجاد هذه الطبيعة ، فلا محالة يتوجه طلبه إلى كان واحد واحد منهم لعدم خصوصية موجبة للتخصيص بواحد منهم ، ومعه يكون التخصيص ترجيحا بلا مرجح ( وبالجملة ) التكليف يتوجه إلى كل واحد منهم مستقلا ، ولكن ما كلف به كل واحد منهم عبارة عن اصل الطبيعة الغير المقيدة بصدورها عن نفسه ، فالمكلفون متعددون وكل واحد منهم توجه إليه التكليف مستقلا ولكن المطلوب والمكلف به في جميع هذه التكاليف امر واحد اعني به الطبيعة المطلقة ، ففى مسألة تجهيز الميت مثلا كان واحد من الناس مكلف مستقلا ولكن المكلف به في الجميع امر وحداني ، فزيد مكلف بايجاد طبيعة الدفن مثلا من غير ان تكون هذه الطبيعة مقيدة بصدورها عن نفسه ، وكذلكعمرو وبكر وغيرهما ، ولازم هذا النوع من الوجوب هو سقوط جميع التكاليف بامتثال الواحد من جهة حصول ما هو تمام المطلوب في جميع هذه التكاليف ، وهذا بخلاف الوجوب العينى فان كل واحد من المكلفين مكلف في هذا النوع من الوجوب بايجاد الطبيعة المقيدة بصدورها عن نفسه فتدبر .

" وينبغى التنبيه على امرين " : ( الاول ) قال في الكفاية في المباحث المتعلقة بالامر ( ما حاصله ) : انه لو شك في واجب انه عينى أو كفائى فمقتضى الاطلاق حمله على العينية ( بتقريب ) ان كل واحد من المكلفين مكلف ( في الواجب العينى ) بايجاد الطبيعة مطلقا


212

سواء اوجدها غيره ام لا ، بخلاف الواجب الكفائي فان كل واحد منهم مكلف فيه بايجاد الطبيعة إذا لم يوجدها غيره ( انتهى ) .

( اقول ) : وقد ظهر بما حققناه في الواجب الكفائي ان الامر بالعكس بمعنى ان مقتضى الاطلاق هو الحمل على الكفائية ، وذلك لما عرفت من ان الفرق بين العينى والكفائي هو ان المطلوب والمتعلق للتكليف في الواجب الكفائي هو نفس الطبيعة المطلقة الغير المقيدة بصدورها عمن كلف بها ، بخلاف الواجب العينى فان المكلف به فيه عبارة عن الطبيعة المقيدة بصدورها عن خصوص من كلف بها ، و ( ح ) فمقتضى اطلاق المتعلق حمل الوجوب على الكفائية لاحتياج العينية إلى اعتبار قيد زائد ( نعم ) لا ننكر ان ظهور الامر المتوجه إلى المكلف يقتضى مطلوبية صدور الفعل على نفسه ( وبعبارة اخرى ) نحن نسلم ظهور الامر في العينية ولكن لا من جهة الاطلاق فان مقتضى اطلاق الحمل على الكفائية ، بل من جهة ان المتبادر من الامر المتوجه إلى المكلف ان المطلوب هو صدور الفعل عن نفسه .

( التنبيه الثاني ) إذا اتى بالطبيعة ( المأمور بها كفاية ) اكثر من واحد في عرض واحد فهل يكون فعل كل واحد منهم امتثالا مستقلا أو يكون المجموع امتثالا واحدا ؟ ( الاقوى ) هو الاول ، وذلك لما عرفت من ان كل واحد من المكلفين مأمور مستقلا بايجاد الطبيعة المطلقة ، والمفروضفيما نحن فيه ان كل واحد منهم أتى بهذه الطبيعة المأمور بها ، فلا محالة يكون ممتثلا من جهة اتيانه بما امر به ، وقد مر في مسألة المرة والتكرار ايضا انه ان اتى المكلف في عرض واحد باكثر من فرد واحد من الطبيعة المأمور بها يكون كل واحد من الافراد امتثالا عليحدة لان كل واحد منها يكون وجودا مستقلا للطبيعة المأمور بها فلا وجه لعد الجميع امتثالا واحدا ، بل الامر في هذه المسألة اوضح من مسألة المرة والتكرار ، فانه لاحدان يقول في تلك المسألة بان الصادر عن المولى ليس الا امر واحد فكيف يتعقل له امتثالات متعددة ، و اما فيما نحن فيه فالصادر عنه اوامر متعددة بعدد المكلفين ، والمفروض ان كل واحد منهم اتى بما كلف به اعني الطبيعة المطلقة التى تعلق بها الامر المتوجه إليه ، و ( ح ) فلا وجه لان يعد جميع الافعال الصادرة عنهم امتثالا واحد فتدبر .


213

( الفصل السابع )

قد قسموا الواجب ايضا إلى المطلق والموقت ، ( فالمطلق ) عبارة عن الواجب الذى لم يؤخذ فيه الزمان قيدا ، وهذا كقول المولى لعبده : ( اعط درهما ) فان الامر قد تعلق بنفس الاعطاء من غير ان يقيد بصدوره في زمان خاص من جهة عدم دخالته في الغرض الباعث على الامر ، وهذا لا ينافى احتياج الفعل إلى الزمان ، لوضوح الفرق بين ملازمة الفعل للزمان وجودا وبين اخذه فيه قيدا من جهة دخالته في الغرض الموجب للامر به ، فظرف الزمان في الواجب المطلق كسائر الخصوصيات الفردية الملازمة للطبيعة المأمور بها وجودا من غير ان يكون لها دخل فيه .

( واما الموقت ) فهو عبارة عن الواجب الذى اخذ فيه الزمان قيدا من جهة دخالته في الغرض .

" ثم ان الموقت ايضا " على قسمين فان الزمان المأخوذ قيدا اما ان يكون بقدر ما يحتاج إليه الفعل عقلا من غير زيادة ونقصان بحيث يكون الزمان كاللباس المخيط على قدر قامة الفعل ، واما ان يكون اوسع مما يحتاج إليه عقلا ، ( فالاول ) يسمى بالمضيق كقوله :( صم من الفجر إلى المغرب ) ، ( والثانى ) يسمى بالموسع كقوله : اقم الصلوة لدلوك الشمس إلى غسق الليل .

( ثم انك ) قد عرفت ( في مبحث الضد ) ان التخيير بين الافراد التدريجية في الواجب الموسع ليس تخييرا شرعيا بل هو تخيير عقلي ، فقوله مثلا : اقم الصلوة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ليس مساوقا لان يقول : صل في الآن الاول أو في الآن الثاني أو في الآن الثالث إلى آخر آنات الزمان حتى يكون ذكر الزمان الوسيع بمنزلة التخيير الشرعي بين الافراد التدريجية التى يمكن وقوعها فيه وان كان قد يتوهم ذلك ، بل معنى قوله : اقم الصلوة ( الاية ) انه يجب عليك ايجاد طبيعة الصلوة المقيدة بوقوعها بين الحدين ( اعني من الظهر إلى الغروب ) وهذه الطبيعة المقيدة كما ان لها افرادا دفعية ، كذلك لها افراد تدريجية ولكن المولى لم يلاحظ هذه الافراد بل لاحظ امرا وحدانيا يكون تمام المحصل لغرضه وجعل هذا الامر الوحداني متعلقا لطلبه ، وهذا الامر عبارة عن طبيعة الصلوة المقيدة


214

بوقوعها بين الحدين ، وما يوجده المكلف في الآن الاول مثلا يكون فردا لهذه الطبيعة المقيدة ويكون محققا للامتثال لا بما هي طبيعة موجودة في هذا الآن بل بما هي طبيعة موجودة بين الحدين ، وهكذا حال ما يوجده في الآن الثاني أو الثالث ، ( وبالجملة ) المأمور به في الواجبات الموسعة هو الطبيعة الكلية المقيدة بوقوعها بين الحدين .

( وبهذا البيان يظهر لك ) ان مضى بعض الوقت في الموسع لا يوجب تضيقه شرعا وان كان قد يتوهم في بادى النظر ان الموسع كلما مضى بعض من وقته صار وقته اضيق شرعا إلى ان يبقى من الوقت بمقدار اتيان الواجب فيصير ( ح ) مضيقا شرعيا ، ( والسر في ذلك ) هو ما ذكرناه من ان التخيير بين اجزاء الوقت ليس تخييرا شرعيا بل هو تخيير عقلي ، وما تعلق به الامر عبارة عن الطبيعة المقيدة بوقوعها بين الحدين ، وعلى المكلف ايجاد هذه الطبيعة المأمور بها ، فالفرد الذى يوجده المكلف في آخر الوقت ايضا امتثال لهذا الامر ، ولكن لا بما هو موجود في هذا الزمان المضيق ، بل بما هو موجود بين الحدين ( اعني منالظهر إلى الغروب مثلا الذى جعل ظرفا للواجب في لسان الدليل ) ( وبعبارة اخرى ) الواجب على المكلف في آخر الوقت ليس هو ايجاد الصلوة في هذا الوقت المضيق بل الواجب عليه ( ح ) ايضا ايجاد طبيعة الصلوة الكلية المقيدة بوقوعها بين الحدين ، وما يوجده المكلف في آخر الوقت انما يقع امتثالا من جهة كونه فردا لهذه الطبيعة ، كما ان ما يوجده في اول الوقت أو وسطه ايضا كذلك ، وعدم جواز تأخيره من آخر الوقت ليس من جهة كونه واجبا مضيقا بل من جهة ان التأخير منه يوجب فوات الطبيعة الكلية المأمور بها .

" ثم ان الامر " في الموقتات هل يقتضى بنفسه اتيان المأمور به في خارج الوقت إذا عصى في وقته أو لا يقتضى ذلك ؟ ( فيه وجهان ) وهذا هو النزاع المشهور بينهم الذى عبرواعنه تارة بان

القضاء بالامر الاول أو بأمر جديد

، واخرى بان الموقت هل يفوت بفوات وقته اولا .

( والظاهر ) انه لا وجه ( يعتنى به ) للقول بالاقتضاء إذ الامر لا يقتضى الا اتيان متعلقه ، و المفروض ان متعلقه عبارة عن الطبيعة المقيدة بالوقت ، و ( ح ) فلا معنى لاقتضائه اتيان الفعل بعد مضى وقته ( وبعبارة اخرى ) الامر لا يدعو الا إلى متعلقه سواء كان طبيعة مطلقة أو مقيد


215

بقيد خاص ، ومن القيود ايضا قيد الوقت فكما انه إذا امر المولى عبده باتيان طبيعة مقيدة بغير الوقت من القيود فعصاه العبد لا يمكن ان يقال باقتضاء هذا الامر لاتيان الطبيعة المطلقة بدون القيد ، فكذلك الامر في الموقتات لما عرفت من عدم الفرق بين قيد الوقت وبين سائر القيود التى تؤخذ في متعلق الامر من جهة دخالتها في غرض المولى .

" وبعبارة ثالثة " تشخص الامر وتحصله انما يكون بتحصل متعلقه ، وامتياز الاوامر ليس الا بامتياز متعلقاتها ، وما هو المتعلق في الموقتات عبارة عن الطبيعة المقيدة بصدورها في الوقت المعين ، فبعد انقضاء الوقت لا يعقل ثبوت الطلب الاول ، إذ ما ادعى بقائه بعد الوقت ان كان عبارة عن الطلب المتعلق بالطبيعة المطلقة .

( ففيه ) ان الطلب لم يكن متعلقا بأصل الطبيعة حتى يبقى بعد الوقت ، وان كان عبارة عن الطلب المتعلق بالطبيعة المقيدة بالوقت ( ففيه ) ان بقائه مستلزم للتكليف بما لا يطاق إذ الطبيعة بقيد كونها في الوقت المعين لا يمكن ايجادها في غير هذا الوقت .

( فان قلت ) : هذا إذا كان التقييد بالوقت بدليل متصل ، واما إذا كان بدليل منفصل بان كان هنا امران تعلق احدهما باصل الطبيعة والاخر بايجادها في الوقت المعين بنحو تعدد المطلوب فحينئذ يقتضى الامر الاول اتيان الطبيعة بعد الوقت ايضا ( قلت ) : ان كان المدعى ( ح ) بقاء الامر الاول كما ذكرت ( ففيه ) انه خارج من محل النزاع إذ النزاع فيما نحن فيه انما هو في ما لو عصى الواجب الموقت في وقته ، والامر الاول بناء على تعدد المطلوب وكونه امرا مستقلا في قبال الامر الثاني لا وقت له حتى يعصى بانقضاء وقته ، وان كان المدعى بقاء الامر الثاني .

( ففيه ) ما عرفت آنفا من كونه مستلزما للتكليف بما لا يطاق ، إذ الزمان الماضي يستحيل اعادته ( هذا ) وشيخنا الاستاد صاحب الكفاية بعد تسليمه ما ذكرناه من عدم الاقتضاء استثنى في آخر كلامه قسما من الموقتات فاختار الاقتضاء في هذا القسم وهو عبارة عما إذا كان التوقيت بدليل منفصل ولم يكن له اطلاق في التقييد بالوقت وكان لدليل الواجب اطلاق ( قال " قده " ) ما حاصله : انه يؤخذ ( ح ) باطلاق دليل الواجب ويحمل دليل التوقيت على كونه بنحو تعدد المطلوب ( انتهى ) .

وفيما ذكره نظر ، فانه ( قده ) قد جعل هذا القسم ايضا من الموقتات ، والتوقيت عبارة عن تقييد الطبيعة المطلوبة بقيد الوقت


216

وهذا المعنى لا يلائم تعدد المطلوب ، فان التقييد عبارة اخرى عن حمل ، المطلق على المقيد ، وذلك انما يتصور فيما إذا احرز وحدة الطلب والحكم فلا يعقل ان يجتمع مع تعدد المطلوب ( توضيح ذلك ) انه إذا كان لنا دليلان : احدهما مطلق والاخر مقيد فهو على نحوين ( الاول ) ان يحرز كونهما بصدد بيان حكم واحد ، غاية الامر تعارضهما من جهة المتعلق كما إذا قال المولى : ان ظاهرت فاعتق رقبة ، وقال ايضا ان ظاهرت فاعتق رقبةمؤمنة فانه من الواضحات ان الثابت على تقدير الظهار حكم واحد غاية الامر ان مقتضى ظاهر الدليل الاول هو كون عتق الرقبة باطلاقه متعلقا للوجوب ، ومقتضى الدليل الثاني هو كون المتعلق وما هو تمام المطلوب عبارة عن عتق الرقبة المقيدة بالايمان فحينئذ يحمل المطلق على المقيد من جهة ان ظهور المقيد في دخالة القيد اقوى من ظهور المطلق فيرفع اليد عن ظاهره .

( الثاني ) ان لا يحرز وحدة الحكم بل يعلم أو يحتمل تعدده و ( ح ) لا مجال لحمل المطلق على المقيد إذ لا تعارض بينهما حتى يحمل احدهما على الاخر ، فيؤخذ بظهور كل واحد منهما فيثبت حكمان تعلق احدهما بالطبيعة المطلقة والاخر بالمقيدة ، ومن هذا الباب ما ورد في المستحبات من المطلقات والمقيدات إذ لا سبيل إلى احراز وحدة الحكم في الاحكام الندبية فلا يحمل المطلق فيها على المقيد بل يحمل الاول على مرتبة ضعيفة من الندب والثانى على مرتبة قوية منه ، ولاجل ذلك اشتهر بينهم ان حمل المطلق على المقيد لا يتمشى في ادلة السنن ، ( وبالجملة ) حمل المطلق على المقيد اما يتمشى فيما إذا احرز وحدة الطلب والمطلوب ، ففرض تعدد المطلوب يوجب الخروج مما نحن فيه ، إذ الكلام انما هو في الموقت الذى هو قسم من المقيدات .

( فان قلت ) : يمكن ان يكون دليل المطلق ناظرا إلى بيان مطلوبية اصل الطبيعة ، ودليل المقيد ناظرا إلى تقييد المرتبة القوية ، ومقتضى ذلك هو كون اصل الطبيعة مطلوبة مطلقا سواء اتى بها في الوقت اوفى خارجه ، غاية الامر ان ايجادها في الوقت يوجب شدة المطلوبية ( قلت ) : نعم ولكنه ايضا خارج مما نحن فيه فان الدليلين عليهذا لا تعارض بينهما ولا يحمل المطلق منهما على المقيد ( والحاصل ) ان محل النزاع فيما نحن فيه هو الموقت الذى هو قسم من المقيدات فما ذكرت من بقاء المطلق على اطلاقه خارج مما نحن فيه فافهم وتأمل جيدا .


217

( الفصل الثامن )

اختلفوا

في ان الاوامر تتعلق بالطبائع أو بالافراد

، " ولا يخفى " ان النزاع ليس لفظيالغويا ، بل النزاع انما هو في ان متعلق الحكم هو الطبيعة أو الافراد .

( والظاهر ) ان مراد القائلين بتعلقها بالافراد ان الطبيعة التى توجد في الخارج مع جميع مشخصاتها تكون مطلوبة للمولى بحيث تكون الخصوصيات المفردة ايضا دخيلة في متعلق الطلب ، ومراد القائلين بتعلقها بالطبائع ان ما هو تمام المتعلق لارادة المولى وطلبه عبارة عن الحيثية التى هي ملاك صدق الطبيعة بحيث لو وضعنا الفرد الذى يوجده المكلف تحت الميكرسكب العقلي وجزيناه وفككنا الحيثية التى هي ملاك صدق الطبيعة الواقعة تحت الامر من سائر الحيثيات المجتمعة معها وجودا كان المصداق للامتثال هو تلك الحيثية دون سائر الحيثيات بل كانت هي كالحجر الموضوع بجنب الانسان بحيث لو قدر المكلف على ايجاد هذه الحيثية منفكة من كافة الحيثيات المشخصة والخصوصيات المفردة كان ممتثلا وآتيا بما هو متعلق لطلب المولى .

( إذا عرفت هذا فنقول ) : ان كان مراد المتخاصمين ما ذكرنا فالحق مع الطائفة الثانية القائلين بتعلقها بالطبائع " بيان ذلك " ان للطلب الصادر عن المولى ثلاث اضافات : اضافة إلى من يصدر عنه ( اعني الطالب ) من جهة صدوره عنه وكونه فعلا من افعاله ، واضافة إلى من يتوجه إليه ( اعني المطلوب منه ) ، واضافة ثالثة إلى ما يتعلق به ( اعني المطلوب الذى هو عبارة عن فعل المكلف ) ، واحتياج الطلب في تحققه إلى تلك الاضافات الثلثة مما لا شك فيه .

" ثم ان " المتعلق للطلب لابد من ان يكون امرا موجودا ولكن لا بالوجود الخارجي والا لزم طلب الحاصل بل بالوجود الذهنى .

( وبعبارة اخرى ) متعلق الطلب يشتمل على واجدية وفاقدية : واجدية للتحصل الذهنى وفاقدية للتحصل الخارجي ، فطلب المولى يتعلق بامر موجود في الذهن ولكن لا بقيد وجوده فيه ، إذ الطلب انما يكون بداعي ايجاده في الخارج ، والمقيد بالوجود الذهن


218

يستحيل أن يوجد في الخارج ، بل المتعلق للطلب نفس الحقيقة الموجودة في الذهن ، بحيث يكون وجودها فيه مغفولا عنه ( ثم ان ) النظر إلى هذه الطبيعة ليس بلحاظها من حيث هي هي ، بل من حيث كونها مرآتا للحاظ وجوداتها الخارجية ، ولكن بما هي وجودات لها لا بما هي مشخصات بالعوارض المشخصة والحيثيات المفردة ، بداهة تباين تلك الحيثيات لحيثية اصل الطبيعة الملحوظة في الذهن ، والشيئ لا يحكى ما يباينه بالضرورة .

" فتلخص مما ذكرنا " ان متعلق الطلب هي الطبيعة التى توجد في الذهن بما هي حاكية ومرآة للحيثية الخارجية التى هي ملاك صدق الطبيعة ، بل هي عين تلك الحيثية الخارجية ، إذ الفرض أن وجودها الذهنى مغفول عنه وليست هي بما انها موجودة في الذهن متعلقة للطلب وإذا كان المتعلق للطلب عبارة عن نفس حيثية الطبيعة فلا مجال للقول بكون الحيثيات المفردة ايضا دخيلة في المطلوب ، وعلى هذا فما يوجده المكلف انما يقع مصداقا للامتثال لا بجميع خصوصياته وتشخصاته بل بحيثيته التى هي ملاك كونه منطبقا لعنوان الطبيعة الواقعة تحت الامر ، وسائر الحيثيات من قبيل الحجر الموضوع بجنب الانسان فتدبر .

" ثم ان المحقق الخراساني " قال في الكفاية ( ما حاصله بتقريب منا ) : ان الامر عبارة عن طلب الوجود ، وهذا الوجود مضاف إلى نفس الطبيعة فالامر يتعلق بنفس الطبيعة ومفاده طلب وجودها ، فما هو المتعلق للطلب ليس عبارة عن نفس الطبيعة بل هو عبارة عن وجودها ، وذلك لما تقرر في محله من ان الطبيعة من حيث هي ليست الا هي ، ولا تستحقق لان يحمل عليها شيئ الا ذاتها وذاتياتها ، فهى في رتبة الذات وبالنظر إلى ذاتها لا موجودة ولا معدومة ، لا مطلوبة ولا غير مطلوبة ، حتى قالوا بجواز ارتفاع النقيضين في رتبة الذات " وبالجملة " هي في مرتبة ذاتها لا يتعلق بها الطلب إذ لا تستحقق في هذه المرتبة لان يحمل عليها المطلوبية ، كما لا تستحق لان يحمل عليها نقيضها ، فلابد في تعلق الطلب بها من اشراب معنى الوجود الذى هو الموجب لتحققها بحيث لولاه لما كان لها اثر وخبر ، ومن هنا نقول باصالة الوجود لما نرى من ان ضمه إلى الماهية هو الذى يوجب تحققها ، وقبله كانت هباء منثورا .

ثم انه ليس مرادنا من تعلق الطلببالوجود تعلقه بالوجود الخارجي الحاصل ، للزوم تحصيل الحاصل وهو باطل ، ولا تعلقه


219

بالطبيعة لتوجد بان يجعل الوجود غاية له ، بل المراد انه يتعلق بنفس ايجاد الطبيعة ، و المطلوب هو جعل وجودها بنحو الهلية البسيطة ، هذا بناء على اصالة الوجود ، واما بناء على اصالة المهية فالمطلوب ايضا جعلها من الخارجيات لا هي من حيث هي لما ذكرنا من انها في مرتبة ذاتها لا تستحق لان يحمل عليها الا ذاتها وذاتياتها فلا يجوز ان يحمل عليها المطلوبية ( انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه ) .

( اقول ) يمكن : ان يقال ان متعلق الطلب عبارة عن نفس حيثية الطبيعة من غير احتياج إلى اشراب معنى الوجود فيها ، إذ مقتضى المداقة العقلية والتحقيق الفلسفي وان كان تركب الممكن من حيثيتين : احديهما ما نفس حقيقته التحقق ( وهو الوجود ، ) وثانيتهما امر اعتباري لا بشرط بالنسبة إلى التحقق وعدمه بحيث يحتاج في تحققه إلى حيثية تقييدية ( وهو الماهية ) ، ولكن الذى يلاحظ الطالب حين طلبه هو نفس الطبيعة من جهة حكايتها لما يوجد في الخارج من دون ان يلاحظ ماهية ووجودا ثم يضيف الوجود إليها ، وذلك من جهة انه لا يرى الطبيعة حاكية الا للوجودات فانها المصاديق لها دون المعدومات ، إذ لا يعقل ان يتصف المعدوم بكونه مصداقا للطبيعة ، وهذا لا ينافى كون الطبيعة بحسب الدقة الفلسفية لا بشرط بالنسبة إلى الوجود والعدم .

( ثم ان ما ذكره " قده " ) من ان الطبيعة من حيث هي ليست الا هي امر متين ولكنه انما يصح إذا كان النظر مقصورا على مرتبة ذاتها ( 1 ) واما إذا لو حظت باعتبار اضافة شيئ إليها فلا مانع من ان يحمل عليها سوى الذات والذاتيات ، ففيما نحن فيه بعد ملاحظة كون الطبيعة مضافا إليها للطلب لا مانع من ان يحمل عليها المطلوبية ( ولا يتوهم ) عدم صحة كون الذات مضافا إليها قياسا على عدم صحة كونها محمولا عليها لغير الذات والذاتيات ، وذلك لبداهة ان قياس الاضافة بالحمل قياس مع الفارق فلا مانع من اضافة شيئ إلى نفسحيثية الطبيعة كالطلب فيما نحن فيه ، وبعد اضافته إليها يحمل عليها المطلوبية .

( 1 ) ( وبعبارة اخرى ) قولهم : الطبيعة من حيث " الخ " ناظر إلى الحمل الاولى الذاتي لا الشائع الصناعي فهى بالحمل الاولى ليست الا هي ولا يحمل عليها بهذا الحمل سوى الذات والذاتيات واما بالحمل الشايع فيحمل عليها جميع العناوين المنتزعة عنها باعتبار اضافة شئ إليها .


220

المقصد الثاني في النواهي وفيه فصول ( الفصل الاول ) في بيان مفاد النهى ، قال في الكفاية ما حاصله : ان الامر والنهى يشتركان في كونهما للطلب غاية الامر ان المتعلق للطلب في الاوامر هو وجود الطبيعة وفي النواهي عدمها ، فاختلافهما انما يكون بحسب المتعلق لا بحسب الحقيقة لكون كليهما بحسب الحقيقة من مقولة الطلب ( ثم قال ) : ان متعلق الوجود في الاوامر و متعلق العدم في النواهي ايضا امر واحد وهو الطبيعة الواقعة بعدهما ، غاية ما في الباب انه انه لما كان وجود الطبيعة بوجود فرد ما وانعدامها بانعدام جميع الافراد ، فلا محالة كان تحقق الامتثال في الاوامر باتيان فرد ما وفي النواهي بترك جميع الافراد ( انتهى ) .

( اقول ) يترتب على كلامه " قده " لوازم فاسدة لا يلتزم بها احد : ( منها ) ان مقتضى ما ذكره ان يكون للنهى المتعلق بالطبيعة عصيان واحد وهو الاتيان بأول فرد من افرادها من دون ان يكون الفرد الثاني أو الثالث وهكذا محققا لعصيان آخر ، والالتزام بذلك مما يعد عند العقلاء مستنكرا ( بيان ذلك ) ان النهى ان كان عبارة عن طلب ترك الطبيعة كان المتعلق للطلب اعني ترك الطبيعة امرا وحدانيا إذ العدم غير قابل للكثرة فانه عبارة عن نفس اللاشيئية التي هي خيال محض ، وما هو المتكثر انما هو وجود الطبيعة فانها موجودة في الخارج بنعت الكثرة .

( وبالجملة ) ترك الطبيعة امر واحد ويكون نفس أمريته بانعدام جميع الافراد ومخالفته بايجاد فرد ما ، فلو كان النهى عبارة عن طلب ترك الطبيعة لزم ان يكون له مخالفة واحدة وعصيان واحد وهو الاتيان باول فرد من افراد الطبيعة من دون ان يقع الاتيان بالفرد الثاني أو الثالث عصيانا له ، وهذا امر مخالف لما يحكم به العقلاء في باب النواهي فانهم يرون الاتيان بكل فرد من افراد الطبيعة المنهى عنها عصيانا عليحدة .

( ومنها ) ان مقتضى ما ذكره ان يكون للنهى المتعلق بالطبيعة امتثال واحد وهو ترك جميع الافراد ، وهذا ايضا مخالف لحكم العقلاء فان المكلف ان اقتضى شهو


221

في الان الاول ان يأتي بالطبيعة المنهى عنها ولكنه تركها لاجل نهى المولى عد ممتثلا وان اتى بها في الان الثاني أو الثالث ، ولم لم يأت بها في الان الثاني ايضا لمكان نهى المولى لعد هذا امتثالا آخر في قبال الامتثال الاول ( والحاصل ) ان القول بكون النهى عبارة عن طلب ترك الطبيعة مستلزم لان لا يتصور له ازيد من عصيان واحد واطاعة واحدة ، إذ ترك الطبيعة امر وحداني غير قابل للتكثر ويكون خارجيته ونفس أمريته بانعدام جميع الافراد و مخالفته بوجود فردما .

( فان قلت ) : كما ان للطبيعة وجودات متعددة بعدد وجودات افرادها ( لما حقق في محله من ان الطبيعي يوجد في الخارج بنعت الكثرة ) فليكن لها اعدام ايضا إذ لكل وجود عدم بديل ، فعدم كل واحد من الافراد عدم للطبيعي الموجود فيه ايضا ، و ( ح ) فيصير الطلب المتعلق بعدم الطبيعة الذى هو مفاد النهى منحلا إلى افراد عديدة من الطلب تعلق كل واحد منها بفرد من الاعدام ويكون لكل منها امتثال عليحدة وعصيان مستقل ( 1 ) .

( قلت ) : فرق بين الوجود والعدم من هذه الجهة فان الوجود حقيقته التحصل وهو عين التشخص والتميز ، وهذا بخلاف العدم الذى لا يتصور فيه ميز من حيث العدم ، والعدم المضاف إلى هذا الفرد من الطبيعة وان كان ممتازا من العدم المضاف إلى ذاك الفرد ولكنه خارج مما نحن فيه ، فان المتعلق للطلب على مذاقه ( قده ) ليس عبارة عن العدم المضاف إلى كل فرد فرد حتى يتكثر بتكثر المضاف إليه ، بل هو عبارة عن العدم المضاف إلى اصل الطبيعة وهوامر واحد فافهم .

( وبالجملة ) القول بكون النهى من مقولة الطلب مستلزم لتوال فاسدة عند جميع العقلاء .

( 1 ) اقول : ربما يقرر الاشكال بان الطبيعة ان اخذت مبهمة فكما ان وجودها بوجود فرد ما فعدمها ايضا بعدم فرد ما ، وان اخذت مرسلة فوجودها بوجود الجميع وانتفائها ايضا بانتفاء الجميع .

" ولاحد ان يجيب عن ذلك " بان الطبيعي حيث انه لا بشرط من الوحدة والكثرة فلذا يوجد في الخارج بنعت الكثرة ونسبته إلى الافراد نسبة الاباء إلى الاولاد كما بين في محله ، وهو بعينه يوجد في الذهن بنعت الوحدة فهو في حد ذاته لا واحد ولا كثير وانما يكون تعدده وكثرته بخارجيته أي بتبع الوجود الخارجي ، والعدم لا خارجية له حتى يتكثر ويتكثر بتبعه الطبيعة ( نعم ) قد يتكثر العدم ذهنا بتكثر المضاف إليه وتعدده ولكن المضاف إليه فيما نحن فيه واحد وهو نفس الطبيعة إذ الكلام في عدم نفس الطبيعة لا الافراد فلا مكثر للطبيعة لا خارجا ولا ذهنا .


222

( فالتحقيق ان يقال ) ان النهى بحقيقته ومباديه وآثاره يختلف مع الامر ، وما زعمه المحقق الخراساني تبعا للمشهور : من اشتراكهما في كونهما للطلب فاسد جدا ( بيان ذلك ) ان مفاد الامر كما مر سابقا عبارة عن البعث الانشائى والتحريك القولى نحو العمل المطلوب بازاء البعث الخارجي والتحريك العملي نحوه ، فكما ان الطالب للشئ ء قد يأخذ بيد المطلوب منه ويجره نحو المقصود أو يحركه ويبعثه بوسيلة الجارحة نحوه فكذلك قد يقول له بدلا من ذلك : ( افعل كذا ) فمفاده عبارة عن البعث والتحريك ويكون اعتباره اعتبار التحريك العملي .

( ومبادي البعث ) عبارة عن تصور المبعوث إليه والتصديق بمصالحه وفوائده ثم اشتياق النفس إليه فإذا تحقق الشوق في نفس المولى وتأكد ، بعث العبد نحوه ليوجده .

( ومتعلق الامر ) عبارة عن ايجاد الطبيعة أو نفسها على التقريب الذى تقدم في المسألة السابقة ، فان أتى العبد بها كان ممتثلا وان تركها كان عاصيا ، فالامر يتعلق بما يكون تحققه ونفس أمريته محققا لا متثالهوهو وجود الطبيعة ، وحيث ان متعلقه نفس وجود الطبيعة فبوجودها يسقط الامر من جهة حصول الغرض فلا يقع الفرد الثاني والثالث وغيرهما مصاديق للامتثال ( نعم ) ان اوجد المكلف في عرض واحدا زيد من فرد واحد وقع كل منها امتثالا برأسه إذ يصدق على كل واحد منها انه وجود للطبيعة المأمور بها ، وقد مر بيان ذلك في مسألة المرة والتكرار ، هذا كله مما يتعلق بالامر .

( واما النهى ) فحقيقته عبارة عن الزجر الانشائى عن الوجود بازاء الزجر الخارجي ، فكما ان المبغض .

للشيئ قد يأخذ بيد العبد وينحيه ويزجره عن الفعل المبغوض عملا ، فكذلك قد يزجره انشاء بصيغة النهى ، فوزان صيغة النهى وزان الزجر العملي ، ( ومبادي الزجر ) عبارة عن تصور الشيئ والتصديق بمفاسده ثم الكراهية والمبغوضية ، ( ومتعلقه ) مثل متعلق الامر اعني وجود الطبيعة المبغوضة ( والحاصل ) ان الامر والنهى يشتركان بحسب المتعلق بمعنى ان المتعلق في كليهما عبارة عن وجود الطبيعة ولكنهما مختلفان بحسب الحقيقة والمبادى والاثار فحقيقة الامر هو البعث والتحريك نحو المتعلق ويعبر عنه بالفارسية ( واداشتن ) ، وحقيقة النهى عبارة عن الزجر والمنع عن المتعلق ، ويعبر عنه بالفارسية ( بازداشتن ) ، وما هو المتعلق للامر اعني وجود الطبيعة نفس أمريته امتثال له ، وما هو المتعلق للنهى


223

نفس أمريته عصيان له ، ومقتضى البعث نحو وجود الطبيعة تحقق الامتثال بايجاد فردما فيسقط الامر بذلك كما مر ، ومقتضى الزجر عن وجودها كون الاتيان بكل فرد عصيانا عليحدة ، إذ كل فرد من الافراد وجود للطبيعة وقد زجر عنه المولى من جهة كون الوجود مشتملا على مفسدة نشأ من قبلها المبغوضية ، فالمتعلق بوجود الطبيعة وان كان نهيا واحدا ولكنه ينحل إلى نواه متعددة بعدد ما يتصور للطبيعة من الافراد ، وبعددها يتصور له الامتثال والعصيان فكل فرداوجده العبد صار عصيانا برأسه ، وكل فرد انزجر عنه وتركه بداعي نهى المولى تحقق بالانزجار عنه امتثال لنهيه .

( فان قلت ) : إذا أتى العبد بفرد من الطبيعة المنهى عنها وبسببه تحققالعصيان فكيف يتصور له عصيان آخر مع ان العصيان مثل الامتثال موجب للسقوط ؟ ( قلت ) : لا نسلم كون العصيان من المسقطات للتكاليف وان اشتهر ذلك بينهم .

( وما تراه ) من سقوط الموقتات بمضي اوقاتها إذا تركها العبيد في اوقاتها فانما هو من جهة ان العبد لا يقدر على اتيانها بعد مضى الوقت فيسقط التكليف بخروج متعلقه من تحت القدرة إذ الصلوة المقيدة بالوقت الكذائي مثلا لا يمكن ايجادها بعد مضى هذا الوقت .

( وبالجملة ) سقوط الوجوب ( في الواجب الموقت ) بمضي وقته انما هو من جهة خروجه من تحت القدرة ، لا من جهة عصيانه ، إذ العصيان بما هو عصيان ليس فيه ملاك الاسقاط ، ففيما نحن فيه لا مانع من تحقق العصيان للنهى بايجاد فرد من الطبيعة المنهى عنها ، ومع ذلك يقع الفرد الثاني والثالث وغيرهما ايضا مصاديق للعصيان لو اتى بها ، ويقع ترك كل واحد منها امتثالا عليحدة لو تركت بداعي نهى المولى فتدبر .

" وقد تلخص من جميع ما ذكرنا " ان القول بكون النهى من مقولة الطلب وكونه مشتركا مع الامر في المفاد ومختلفا معه بحسب المتعلق فاسد جدا ، بل الامر بالعكس ، ( نعم ) لا ننكران العقل ينتزع عن الزجر المتعلق بالوجود بعثا متعلقا بالعدم ، كما انه ينتزع عن البعث المتعلق بالوجود في باب الاوامر زجرا متعلقا بعدمه ، ولكن لا بنحو يرى الصادر عن المولى شيئين بل الصادر عنه في كل تكليف شيئ واحد و هو البعث في الاوامر والزجر في النواهي ، غاية الامر انه يعتبر نفس الزجر عن الوجود بنظر آخر بعثا نحو عدمه من جهة ان الوجود والعدم متناقضان ، والتحريك نحو احد النقيضين عين الزجر عن الاخر بنظر العقل ، كما ان الزجر عن احدهما بعث نحو الاخر .


224

( تذنيبات )

( الاول ) قد عرفت ان حقيقة الامر هو البعث نحو متعلقه باعتبار اشتماله على المصلحة ، وحقيقة النهى الزجر عن المتعلق باعتبار اشتماله على المفسدة ، ( فحينئذ نقول ) : انه من الممكن ان يصير عدم خاص باعتبار مقارناته معنونا بعنوان حسن ذى مصلحة ، فيكونالمقام مقام الامر بهذا العدم والبعث نحوه ، وذلك كالصوم الذى حقيقته الامساك وهو امر عدمي ، فتدبر حتى لا يختلط عليك الامر وتميز هذا السنخ من الواجبات من المنهيات .

( الثاني ) قد ظهر لك مما ذكرنا سقوط النزاع في كون النهى متعلقا بالترك أو الكف من اصله واساسه ، إذ النهى ( كما حققنا ) عبارة عن الزجر ، ومتعلقه نفس الوجود ، والعقل وان كان ينتزع عن هذا الزجر عن الوجود بعثا متعلقا بنقيضه ، ولكن النقيض للوجود هو العدم المطلق لا العدم المقيد بكونه ملازما للميل إلى الوجود كما هو مفاد الكف .

( الثالث ) قد يتوهم ان النهى مثل الامر ينقسم إلى تعبدي وتوصلى وهو توهم فاسد ، إذ النهى انما يتعلق بوجود الطبيعة ، وقد عرفت ان نفس أمريته عصيان له ، ولا يعقل ان يقع متعلقه مصداقا لامتثاله ، وحقيقة التعبدية هي كون المتعلق للتكليف مقيدا بصدوره بداعي هذا التلكيف المتعلق به ، فيشترط في تحققها كون المتعلق بتحققه مصداقا للامتثال كما في الاوامر لا للعصيان كما

في النواهي .

فصل في اجتماع الامر والنهى

قد عرفت ان مفاد الامر هو البعث نحو وجود الطبيعة المحبوبة ، ومفاد النهى هو الزجر عن وجود الطبيعة المبغوضة ، والامر يحتاج في تحققه إلى ثلثة اشياء : الطالب ، والمطلوب ، والمطلوب منه ، كما ان النهى ايضا يتقوم بثلث اضافات : اضافة إلى الزاجر ، واضافة إلى إلى الطبيعة المزجور عنها ، واضافة ثالثة إلى المكلف المزجور .

( إذا عرفت هذا فنقول ) : من الواضحات عند العقل والعقلاء انه يمتنع ان يصدر


225

عن المولى الواحد بالنسبة إلى المكلف الواحد بعث وزجر حال كونهما متعلقين بطبيعة واحدة في زمان واحد ، فهذا حكم يصدقه العقل بعدم تصور اطرافه ولكن لا من جهة كونه تكليفا بالمحال الذى يجوزه الاشعري ، بداهة انهما تكليفان لا تكليف واحد متعلق بأمر محال ، بل الوجه في ذلك انه يمتنع ان ينقدح في نفس المولى الارادة والكراهة معا متعلقتين بطبيعة واحدة بالنسبة إلى شخص واحد في زمان واحد .

" وبالجملة " من المحالات تحقق البعث والزجر معا بعد كون كل واحد من المكلف والمكلف والمكلف به وزمان الامتثال واحدا ، ( نعم ) ان تعدد واحدة من هذه الجهات الاربع ارتفع الاستحالة ، وما ذكرناه من الكبريات المتسالم عليها بين جميع العقلاء .

( إذا تبين ذلك فنقول ) : ان النزاع في مسألة الاجتماع يرجع إلى ان المتنازع فيه من صغريات هذه الكبرى ام لا .

( بيان ذلك ) ان الاصوليين اختلفوا في انه إذا كان هناك حيثيتان مختلفتان اشتركتا في بعض المصاديق مثلا ( كما هو المتيقن من محل النزاع ) فهل يجوزان يزجر المولى عن واحدة منهما باطلاقها ويبعث نحو الاخرى كذلك أو لا يجوز بل يشترط في تحقق البعث والزجر كون المتعلقين متباينين ؟ ( فالاجتماعي ) يمنع كون هذا الفرض من صغريات الكبرى السابقة من جهة كون البعث متعلقا بحيثية سوى الحيثية التى تعلق بها الزجر ، ( والامتناعي ) قائل بكونه من صغرياتها من جهة ان العبد وان كان يقدر على التفريق بين الحيثيتين ولكن مقتضى اطلاقهما جواز جمعهما في فرد واحد ايضا و ( ح ) فيلزم من تعلق البعث باحديهما والزجر بالاخرى اجتماع البعث والزجر في شيئ واحد بالنسبة إلى هذا الفرداى المجمع ، والمفروض ان كلا من المكلف والمكلف والزمان ايضا واحد فيصير المقام من صغريات الكبرى المتقدمة ، وعلي هذا فيجب على المولى في مقام البعث والزجر لحاظ الحيثيتين المتصادقتين بنحو لا تتصادقان ولو في فرد ما .

( والحاصل ) ان النزاع بين الفريقين يرجع إلى ان هذا الفرض من صغريات تلك الكبرى ام لا ، فالاجتماعي ينكر كونه منها من جهة اختلاف الحيثيتين ، والامتناعي قائل بكونه منها من جهة اشتراك الحيثيتين في المصداق ، هذا .

وكان القدماء يسمون الاجتماع في صورة توجه الامر والنهى إلى مكلف واحد حالكونهما صادرين عن مولى واحد ومتعلقين


226

بحيثية واحدة ) بالاجتماع الآمرى ، والاجتماع في صورة تعلقهما بحيثيتين متصادقتين بالاجتماع المأمورى ، والوجه في التسميتين واضح .

( ثم اعلم ) ان الاصوليين قد اطنبوا الكلام في هذه المسألة وذكروا لها مقدمات عديدة ، وكانوا يشرحون بنحو التفصيل كل واحد من الالفاظ المذكورة في عنوان المسألة فكانوا يذكرون معنى الجواز والاجتماع والعنوان والواحد واقسام الوحدة ونحو ذلك .

( وشيخنا الاستاد المحقق الخراساني " قده " ) ايضا ذكر في المقام مقدمات فلنشر إلى بعضها ( قال " قده " ) في المقدمة الاولى ( ما حاصله ) : ان المراد بالواحد في عنوان المسألة ليس هو الواحد الشخصي فقط ، بل اعم منه ومن الواحد النوعى والجنسى ، فان الصلوة في الدار المغصوبة عنوان كلى ينطبق عليه عنوانان تعلق بأحدهما الامر وبالاخر النهى فيجرى فيها النزاع ايضا ( انتهى ) .

( وفيما ذكره نظر ) فان ضم عنوان كلى إلى عنوان آخر لا يوجب الوحدة ، إذ المهيات والعناوين بأسرها متباينة بالعزلة ، فمفهوم الصلوة يباين مفهوم الغصب وان ضممنا احدهما إلى الاخر ، وما هو الجامع للشتات عبارة عن حقيقة الوجود التى هي عين التشخص والوحدة ( وقال " قده " ) في المقدمة السابعة ما حاصله : انه قد يتوهم ان النزاع في المسألة يبتنى على القول بتعلق الاحكام بالطبايع واما على القول بتعلقها بالافراد فلا يتمشى النزاع بل لابد عليه من اختيار الامتناع ضرورة استلزام القول بالاجتماع تعلق الحكمين بواحد شخصي ، ( وقد يتوهم ايضا ) ان القول بالجواز يبتنى على القول بتعلق الاحكام بالطبايع ، والقول بالامتناع يبتنى على القول بتعلقها بالافراد فالقولان في هذه المسألة يبتنيان على القولين في تلك المسألة .

( وانت خبير ) بفساد كلا التوهمين فان تعدد الوجه ان كان مجديا في رفع الغائلة فيجدى ولو على القول بتعلق الاحكام بالافراد ، وان لم يكن مجديا فلا يجدى ولو قيل بتعلقها بالطبايع ، والوجه في ذلك انه وان قلنا بتعلقها بالافراد ولكن الفرد الموجود في الخارج الموجه بالوجهين يكون مجمعا للفردين فيمكن كونه مأمورا به بما هو فرد للصلوة مثلا ومنهيا عنه بما هو


227

فرد للغصب ( انتهى ) .

( 1 ) ( اقول ) : وفيه ايضا نظر ، إذ المراد بتعلق الحكم بالفرد صيرورة كل واحد من وجودات الطبيعة بخصوصياته المفردة وعوارضه المشخصة متعلقا للحكم ، والفرد بهذا المعنى ( الذى ذكرناه تبعا له ) امر وحداني فلا يعقل تعلق الامر والنهى به معا لكونه من مصاديق ما بينا في صدر المبحث استحالته ، فالنزاع في المسألة انما هو على القول بتعلق الاحكام بالطبايع .

( وقال قده ) في المقدمة الثامنة ما حاصله : " ان المعتبر في المسألة كون كل من متعلقي الايجاب والتحريم واجدا للملاك حتى في مورد التصادق ليصير المسألة من اقسام التزاحم .

" ( اقول ) : وفيه ايضا نظر ، إذ البحث في المسألة انما هو في انه هل يمكن عقلا تعلق البعث والزجر بحيثيتين متصادقتين أو لا يمكن بل يجب لحاظهما بنحو لا يبقى لاحديهما اصطكاك مع الاخرى ، فمورد البحث هو الامكان لا الوقوع ، ولا يعتبر الملاك في الامكان بل يعتبر في الوقوع من الحكيم وفي ثمرة المسألة ، بمعنى ان المولى الحكيم لا يصدر عنه و لا يقع منه البعث والزجر المتعلقان بالحيثيتين المتصادقتين الا إذا كانتا واجدتين للملاك حتى في مورد التصادق ، وحصول الثمرة بين القول بالجواز والقول بالامتناع ايضا انما هو فيما إذا كان مورد التصادق واجدا للملاكين فتدبر ، هذا وكان الانسب جعل المقدمة الثامنة والتاسعة والعاشرة من تنبيهات المسألة لارتباطها بثمرة المسألة وسنشير إليها في آخر المبحث .

" ثم انه " لما استدل القائلون بالامتناع بان تعلق الامر والنهى بما يكون مصداقا للحيثيتين يوجب اجتماع الضدين ، واجاب عنه المجوزون ( تارة ) بأن المجمع له حيثيتان تعلق باحديهما الامر وبالاخرى النهى فلم يجتمع الضدان ، ( واخرى ) بان هذا الاستدلال يتم بناء على اصالة الوجود ، واما بناء على اصالة المهية فلا يتم ، إذ الوجود في المجمع وان كان واحدا ولكن المتعلق للامر والنهى ( اعني الماهيتين ) مختلفان ، ( صار المحقق الخراساني ) بصدد تشييد اركان الامتناع

( 1 ) لا يخفى ان القائل بتعلق الحكم بالفرد لا يريد تعلقه بعنوان الفردية وبمفهومها ، بل بما هو فرد بالحمل الشائع الصناعي ، وعلي هذا فكونه فردا لهذا وفردا لذاك لا يوجب تعنونه بعنوانين تعلق بأحدهما الامر وبالاخر النهى .

228

بنحو لا يرد عليه اشكال ، ومهد لبيان مرامه اربع مقدمات ، ذكر في الاولى مسألة تضاد الاحكام بعد وصولها إلى مرتبة الفعلية ، وجعله من الواضحات ، ( وفي الثانية ) ان متعلق الحكم عبارة عن فعل المكلف وما يصدر عنه في الخارج اعني المعنونات لا العناوين والاسماء ، ( وفي الثالثة ) ان تعدد العنوان لا يوجب تعدد المعنون كما ان مفاهيم الصفات الجلالية والجمالية تصدق على ذات الباري ( تعالى ) مع انحفاظ وحدته وبساطته ، وكأن ما ذكره في هذه المقدمة انما هو لدفع ما يمكن ان يقال : ان المجمع باعتبار كونه ذا عنوانين يكون متحيثا بحيثيتين انضماميتين تقييديتين احديهما متعلق للامر والاخرى للنهى فلا يلزم اجتماع الضدين ، فدفعه هو ( قده ) بان تعدد العنوان لا يوجب كون المعنون متحيثا بحيثيتين انضماميتين ، ( وذكر في المقدمة الرابعة ) ان الوجود الواحد لا يتصور له مهتيان مستقلتان ، بل الواحد وجودا واحد مهية وان كانت العناوين الصادقة عليه لا تعد ولا تحصى كثرة ، ( ثم استنتج ) من هذه المقدمات امتناع الاجتماع ، بدعى ان المجمع حيث كان واحدا بحسب المهية والوجود كان تعلق الامر والنهى به معا محالا للزوم اجتماع الضدين في موضوع واحد ولو كان تعلقهما به بعنوانين لما عرفت من ان فعل المكلف بحقيقته متعلق للحكم لا بعنوانه واسمه ( انتهى كلامه ) .

( اقول ) : تضاد الاحكام من الامور المشهورة بينهم ، وملاحظة كلماتهم تشهد بكونه من المسلمات عندهم ، ولذلك ترى المجوزين يحومون حول تكثير متعلق الامر والنهى حتى يرتفع به غائلة التضاد ، والمانعون قد جعلوا تمام همهم مصروفا في اثبات توحيد المتعلق بالنسبة إلى المجمع حتى يلزم فيه اجتماع الضدين ( وبالجملة ) تضاد الاحكام الخمسةمن المسلمات عندهم .

" ولكن التحقيق خلافه " فان الوجوب والحرمة وغيرهما من الاحكام ليست من العوارض العارضة لفعل المكلف ( بالفتح ) بل هي بحسب الحقيقة من عواض المكلف ( بالكسر ) لقيامها به قياما صدوريا ، غاية الامر ان لها نحو اضافة ايضا إلى المتعلق ولكن ليس كل اضافة مساوقا للعروض .

( توضيح ذلك ) انك قد عرفت سابقا ان كلا من البعث والزجر يتقوم بثلث اضافات ولا يعق


229

تحققهما بدونها : اضافة إلى المكلف ( بالكسر ) ، واضافة إلى المكلف ( بالفتح ) ، واضافة ثالثة إلى المكلف به ( اعني الفعل ) ، فباعتبار اضافتهما إلى المكلف ( بالكسر ) يحمل عليه الآمر والناهي والباعث والزاجر وامثال هذه العناوين المنتزعة عنه باعتبار صدور البعث أو الزجر عنه ، وباعتبار اضافتهما إلى المكلف ( بالفتح ) يحمل عليه المأمور والمبعوث أو المنهى والمزجور ، وباعتبار اضافتهما إلى المكلف به يحمل عليه الواجب والمأمور به أو الحرام والمنهى عنه ونحو ذلك ، وانحاء هذه الاضافات مختلفة ، فان اضافتهما إلى المكلف ( بالكسر ) انما هي بصدورهما عنه وقيامهما به قيام العرض بمعروضه كسائر الافعال القائمة بفواعلها ، واما اضافتهما إلى المكلف ( بالفتح ) وإلى المكلف به فليست من هذا القبيل لعدم كونهما مما يعرض عليهما خارجا وعدم كونهما موضوعين لهما ، بداهة ان العرض الواحد ليس له الا موضوع واحد ، فاضافة البعث أو الزجر إلى المكلف به مثلا وان كانت مصححة لانتزاع مفهوم الواجب أو الحرام عنه ، ولكنه ليس من جهة كون الوجوب أو الحرمة عرضا للمكلف به ، إذ ليس المصحح لانتزاع العناوين منحصرا في العروض ، الا ترى ان العلم الذى هو من الصفات النفسانية ، له نحو اضافة إلى المعلوم بالعرض الذى هو امر خارجي مع انه ليس من عوارضه بالبداهة ، إذ المعلوم ، بالعرض قد يكون امرا مستقبلا معدوما حين العلم ، ولا يصح قيام الموجود بالمعدوم ، فالبعث والزجر ايضا مثل العلم في ان لهما ايضا نحو اضافة إلى فعلالمكلف وباعتبارها ينتزع عنه العناوين ولكنهما ليسا من عوارضه ، كيف ! ولو كانا من عوارضه لم يعقل تحقق العصيان ابدا ، فانه متوقف على ثبوت البعث والزجر ، ولو كان البعث والزجر من عوارض الفعل الخارجي توقف تحققهما على ثبوت الفعل في الخارج ولو في ظرفه ( لو سلم كفاية ذلك في تحقق العروض ) و ( ح ) فكيف يعقل العصيان إذ وجود المأمور به امتثال للامر لا عصيان ، فمن هنا يعلم انهما ليسا من عوارض الفعل بل من عوارض المكلف ( بالكسر ) وقد صدرا عنه متوجهين إلى الجميع حتى العصاة ، غاية الامران لهما نحو اضافة إلى الفعل الخارجي ايضا ، اضافة العلم إلى المعلوم بالعرض ( 1 ) .

( 1 ) يمكن ان يقال : ان الحكم وان كان لا بد في تحققه من اضافة ما إلى المكلف به ، ولكن المراد بذلك هو المكلف به بوجوده الذهنى لا الخارجي فان خارجيته موجبة لسقوط الحكم كما سيصرح به ، فبيان نحو تعلقه بالموجود الخارجي اجنبي عما نحن فيه من بيان مقومات الحكم .


230

( فتخلص مما ذكرنا ) انه لا يكون الوجوب ولا الحرمة عرضا للمتعلق حتى يلزم بالنسبة إلى المجمع اجتماع الضدين ، إذ التضاد انما يكون بين الامور الحقيقية ، وما يكون في ناحية المتعلق هو صرف الاضافة دون العروض ، والعروض انما يكون في ناحية المكلف ( بالكسر ) فيجب صرف النظر عن ناحية المتعلق و الرجوع إلى ناحية المكلف ( بالكسر ) التى هي ناحية وجود البعث والزجر وناحية تحققهما وعروضهما ، وبعد الرجوع إلى هذه الناحية نرى بالوجدان ان اصل البعث و الزجر ليسا بضدين بل قد يكونان متلازمين كما في الامر بالشيئ مع النهى عن ضده ، فلا محالة يكون التضاد ( على فرض تحققه ) بين نوع خاص من البعث ونوع خاص من الزجر ، والقدر المسلم منه هو صورة كون كل من المكلف والمكلف والحيثية المكلف بها وزمان الامتثال واحدا لما عرفت من بداهة استحالة ذلك ، واما في غير هذه الصورة كما إذا كان هنا حيثيتان متصادقتان في بعض الافراد تعلق باحديهما البعث وبالاخرى الزجر فلا نسلم امتناع صدورهماعن المكلف وقيامهما به ، وعلى القائل بالامتناع ان يثبت امتناع ان ينقدح في نفس المولى ارادة البعث بالنسبة إلى حيثية ، وارادة الزجر بالنسبة إلى حيثية اخرى متصادقة مع الاولى في بعض الافراد ، وانى له باثبات ذلك ( والحاصل ) ان مفروض الكلام في مبحث الاجتماع هو ما إذا كان هنا حيثيتان متصادقتان يمكن في مقام الايجاد تفكيكهما ايضا ، ( فالاجتماعي ) يقول : انه يمكن ان يصدر عن المولى بعث متعلق باحديهما وزجر متعلق بالاخرى ، إذ لا يلزم منه محذور في جانب المولى ، والعبد ايضا قادر على امتثالهما .

( والامتناعي ) يدعى امتناع ذلك فعليه ان يثبت وجه الامتناع في ناحيه المولى كما في صورة وحدة الحيثية حيث اثبتنا فيها امتناع ان ينقدح في نفسه ارادة البعث والزجر معا بالنسبة إليها ، واما ناحية المتعلق فلا يلزم فيها محذور اصلا ، إذ المحذور المتوهم فيها هو التضاد ، وقد عرفت ان الاحكام ليست من عوارض متعلقاتها حتى يلزم في ناحيتها التضاد ، بل هي من عوارض المكلف بالكسر لقيامها به قياما صدوريا ، وبعد قطع النظر عن ناحية المتعلق والرجوع إلى ناحية المولى وجهة إنتسابها إليه يظهر لنا الفرق الواضح بين صدور البعث والزجر عنه معا متعلقين بحيثية واحدة وبين


231

صدورهما عنه متعلقين بحيثيتين يمكن تفكيكهما خارجا وان امكن تصادقهما ايضا ، والعقل يحكم باستحالة الاول بالبداهة ولا يرى وجها لامتناع الثاني .

( فان قلت ) : المجمع من حيث كونه مصداقا للحيثية المأمور بها متعلق للامر ، ومن حيث كونه مصداقا للحيثية المنهى عنها متعلق للنهى فيلزم على القول بالجواز كونه بوحدته متعلقا للامر والنهى معا وهذا عين ما سلمت استحالته ( اعني توجه البعث والزجر معا مع وحدة المكلف والمكلف والمكلف به وزمان الامتثال .

) ( قلت ) : الامر انما يكون لتحريك الداعي نحو ايجاد متعلقه والنهى لتحريك الداعي نحو تركه والانزجار عنه فلا يعقل تعلقهما بالوجود الخارجي بل الخارجية موجبة لسقوطهما من جهة حصول الامتثال أو العصيان ، ( ولو سلم ) فلا نسلم كون الوجود الخارجيبشرا شره مبعوثا إليه ومزجورا عنه ، بل المبعوث إليه نفس الحيثية الصلوتية مثلا ، والمزجور عنه نفس الحيثية الغصبية من دون ان يكون للبعث سراية إلى متعلق الزجر أو بالعكس .

والسر في ذلك ان الامر والنهى تابعان للارادة والكراهة التابعتين للحب والبغض التابعين لادراك المصلحة والمفسدة ، فمتعلق الحب مثلا نفس الحيثية التى ادرك العقل مصلحتها ، ومتعلق الارادة وكذا البعث نفس الحيثية المحبوبة ، ولا سراية لهما إلى الحيثية المبغوضة ولا إلى سائر الحيثيات المتحدة مع ما تعلق به الحب واشتمل على المصلحة ، كيف ! والحيثيات المتحدة معها لا دخالة لها في الغرض الداعي إلى الامر فيلزم من اسراء البعث والوجوب إليها الجزاف الذى لا يرتكبه الموالى المجازية فضلا عن مولى الموالى جل جلاله ، هذا حال الامر ، وكذلك الكلام في طرف النهى فان المتعلق للزجر والكراهة والبغض نفس الحيثية التى ادرك مفسدتها .

( وبعبارة اخرى ) الامر انما يكون للتسبب به إلى ايجاد ذى المصلحة ، والنهى انما يكون للتسبب به إلى ترك ذى المفسدة فلا يعقل تعلقهما بغير ما اشتمل على المصلحة أو المفسدة من الحيثيات المتحدة معه .

( فان قلت ) : كيف لا يسرى البعث مثلا إلى الحيثيات المفردة مع ان مقتضى اطلاق المتعلق سرايته إليها ، إذ ليس معنى اطلاقه الا كون جميع افراده موردا للحكم ، والفرد ليس الا عبارة عن مجموع الحيثيات المتحدة في الوجود .


232

( قلت ) : لا نسلم ان معنى الاطلاق ما ذكرت بل معنى اطلاق المتعلق هو كون نفس حيثية الطبيعة تمام المتعلق من دون ان يكون لتقيدها بشئ من القيود دخالة في المطلوبية ، وليس معناه دخالة العناوين المتحدة مع الحيثية المأمور بها في المطلوبية بحيث تصير هي ايضا متعلقة للحكم ، وسيأتى تفصيل ذلك في مبحث المطلق والمقيد .

( وقد تحصل ) من جميع ما ذكرنا انه يمكن ان يصدر عن المولى الواحد بالنسبة إلى عبد واحد بعث وزجر متعلقين بحيثيتين متصادقتين يمكن تفكيكهما في مقام الامتثال ، من دون ان يتوقف ذلك على لحاظهما بنحو تصيران متباينتين ، ولا يلزم من ذلك اجتماع الضدين بالنسبة إلى المجمع لما عرفت من ان البعث والزجر ليسا من عوارض المكلف به بل المكلف بالكسر .

( ونظير هذا المعنى ) تعلق العلم والجهل معا بالحيثيتين المتصادقتين فانه ايضا ممكن ولا يلزم منه محذور اجتماع الضدين ، مثال ذلك ما إذا تعلق العلم بمجئ عالم غدا والجهل بمجئ عادل فاتفق مجيئ عالم عادل ، فوجود هذا المجئ من حيث انه مجئ العالم معلوم ومن حيث انه مجئ العادل مجهول ، ومن المعلوم ان المعلومية والمجهولية ليستا الا كالمحبوبية والمبغوضية والوجوب والحرمة ، فلو كان اجتماع عنواني الواجب والحرام في مجمع الحيثيتين موجبا لاجتماع الضدين كان اجتماع عنواني المعلومية والمجهولية في مجئ العالم العادل ايضا كذلك فتدبر ( 1 )

( 1 ) " والحاصل " ان وزان ما هو المتعلق بحسب الحقيقة للارادة والبعث أو الكراهة والزجر وزان المعلوم بالذات ، ووزان مصداق المتعلق ووجوده الخارجي وزان المعلوم بالعرض ، وفي الاول لا يتوجه اشكال اصلا إذ المتعلق بالذات هو نفس الحيثية الملحوظة والفرض ان الحيثية المتعلقة للبعث غير الحيثية المتعلقة للزجر ، وفي الثاني ايضا لا اشكال فان اضافة البعث والزجر أو العلم والجهل إلى الخارج ليست بنحو العروض بل هي نحو اضافة تعتبر بتبع تعلق هذه الامور بالمتعلق بالذات ( فان قلت ) : فرق بين باب العلم والجهل وبين ما نحن فيه ، فان البعث والزجر انما يصدران عن المولى بداعي انبعاث العبد وانزجاره ، فإذا اطلع المولى على كون الحيثيتين متصادقتين فكيف يعقل ان ينقدح في نفسه الارادة والكراهة بالنسبة اليهما باطلاقهما ، فعلى هذا يجب عليه تقييد متعلق الامر ليجمع بين الغرضي

233

( ثم انك ) إذا راجعت الوجدان رأيت جواز الاجتماع من ابده البديهيات ، فإذا أمرت عبدك بخياطة ثوبك ونهيته عن التصرف في فضاء دار الغير فخاط العبد ثوبك في فضاء الغير فهل يكون لك ان تقول له : انت لا تستحق الاجرة لعدم اتيانك بما امرتك ؟ ولو قلت هذا فهل لا تكون مذموما عند العقلاء ؟ لا والله بل تراه ممتثلا من جهة الخياطة وعاصيا من جهه التصرف في فضاء الغير ويكون هذا العبد عند العقلاء مستحقا لاجر العبودية والاطاعة و عقاب التمرد والعصيان .

( وينبغى التنبيه على امور )

( الاول ) لو فرضنا حصول الشك في المسألة فلا وجه لترتيب آثار الامتناع وتقييد اطلاقات متعلقات الاوامر أو النواهي الواردة في الشريعة بنحو يصير الحيثيتان متباينتين ، فان التقييد خلاف الاصل فلا يصار إليه الا بدليل ملزم .

( الثاني ) لا فرق

في جواز الاجتماع

بين التعبديات والتوصليات بمعنى انه لا يجب على المولى في مقام البعث والزجر لحاظ الحيثيتين بنحو تصيران متباينتين .

( نعم ) في التعبديات كلام آخر وهو ان قصد القربة لما كان معتبرا فيها ، اما من جهة دخالته في انطباق العنوان المأمور به على الاجزاء المأتى بها ، أو من جهة دخالته في حصول الغرض الباعث على الامر ، امكن ان يقال ببطلان المجمع إذا كان عبادة وان قلنا بالجواز ، من جهة انه وجود واحد اتى به العبد مبغوضا ومتمردا به وخارجا باتيانه من رسوم العبودية ، فلا يصلح لان يتقرب به إلى ساحة المولى إذ المبعد لا يكون مقربا .

( فان قلت ) فكيف تعلق الامر به مع كونه مبغوضا .

( قلت ) قد عرفت سابقا ان متعلق الامر ليس هو الوجود الخارجي .

( وتفصيل ذلك )

‌ ( قلت ) : بعد كون المشتمل على المصلحة عبارة عن نفس الحيثية الصلوتية مثلا يصير تقييدها جزافا إذ الفرض عدم دخالة القيد في المصلحة .

( وبالجملة ) ليس للبعث أو الزجر التخطي عن دائرة ما اشتمل على المصلحة أو المفسدة" نعم " ان لم يكن ايجاد المحبوب مقدورا للعبد لم يكن للمولى الامر به ولكن الفرض كونه مقدورا لوجود المندوحة .


234

ان مقام تعلق الامر غير مقام الامتثال ، فان المولى حين ارادة البعث أو الزجر لا ينظر إلى الوجود الخاص بل يتوجه إلى نفس الحيثية الواجدة للمصلحة فيبعث نحوها .

ويتوجه إلى نفس الحيثية الواجدة للمفسدة فيزجر عنها من دون ان يسرى البعث أو الزجر إلى الخصوصيات المفردة وسائر الحيثيات المتحدة مع المتعلق ، ففى مقام تعلق الامر والنهى لا اصطكاك لواحد منهما مع الاخر وان كانت الحيثيتان متصادقتين ، إذ الخصوصيات الفردية ليست ملحوظة حين الامر والنهى لعدم دخالتها في الغرض الباعث اليهما ، و معه يكون لحاظها جزافا كما مر ، وهذا بخلاف مقام الامتثال الذى هو مقام اسقاط الامر والنهى ، فان ما يريده العبد ويتوجه إليه حين الامتثال هو الوجود الخاص الذى هو امر وحداني فان كان هذا الوجود مبغوضا للمولى ومتمردا به لما امكن قصد التقرب به إلى ساحة المولى .

( وبعبارة اخرى ) مقام الارادة التشريعية غير مقام الارادة التكوينية الحاصلة للعبد إذ المتعلق لها في الاولى عبارة عن نفس الحيثية الواجدة للمصلحة ، بخلاف الثانية فان المتعلق لها ليس الا الوجود الخاص الذى هو امر وحداني جزئي ، وبعد وقوعه مبغوضا من جهة كونه مصداقا للحيثية المنهى عنها لا يصلح لان يتقرب به ، ويشترط في العبادة مضافا إلى قصد القربة ان يكون المأتى به صالحا لان يتقرب به ، وكونه مبعدا يرفع هذه الصلاحية .

( ولاجل ذلك ) حكم الاصحاب ببطلان الصلوة في الدار المغصوبة ، ولا يكشف حكمهم بالبطلان عن كونهم قائلين بالامتناع .

لما عرفت من ان القول بالجواز في مقام توجيه الامر والنهى ( كما هو الحق ) لا يستلزم القول بالصحة في مقام الامتثال إذا كان المأموربه امرا عباديا بل المختار هنا البطلان وان كان المختار في المسألة الاصولية هو الجواز .

وليس في كلمات القدماء من اصحابنا اختيار الامتناع في المسألة الاصولية ، بل الموجود في كتبهم ليس الا الفتوى ببطلان الصلوة في الدار المغصوبة من جهة وقوعها مبغوضة فراجع كلام الشيخ في العدة وكذا السيد وامثالهما .

( ومما ذكرنا ظهر ) ان نسبة الامتناع إلى المشهور من جهة افتائهم ببطلان الصلوة


235

في المسألة الفقهية في غير محلها .

( التنبيه الثالث )

قد اتضح بما ذكر فساد ما ذكره شيخنا الاستاد المحقق الخراساني ( طاب ثراه ) في المقدمة العاشرة : من صحة الصلوة في الدار المغصوبة على القول بالجواز .

( قال " قده " ما حاصله ) : انه لا ريب في حصول الامتثال باتيان المجمع بداعي الامر على القول بالجواز ولو في العبادات ، وكذلك على القول بالامتناع وتقديم جانب الامر واما عليه وتقديم جانب النهى ففى التوصليات يسقط الامر من جهة حصول الغرض باتيان المجمع ايضا ، واما في التعبديات فلا يسقط الامر باتيانه مع الالتفات إلى الحرمة أو الجهل بها عن تقصير ، واما مع الجهل بها قصورا فيسقط ايضا باتيانه إذا أتى به على وجه القربة من جهة اشتماله على المصلحة ( انتهى ) .

( اقول ) : اما ما ذكره من صحة المجمع ولو كان عبادة على القول بالجواز فقد عرفت فساده ، ( ونزيدك هنا ) ان دخالة قصد القربة في حصول الغرض بحسب مقام الثبوت على نحوين : ( الاول ) ان يكون المأمور به والمحصل للغرض في باب الصلوة مثلا عنوانا بسيطا منطبقا على الاجزاء ويكون لفظ الصلوة اسما لهذا الامر البسيط الانتزاعي ، غاية الامر انه يشترط في انطباق هذا العنوان البسيط على هذه الامور ( التى أولها التكبير وآخرها التسليم ) ان يؤتى بها بداع قربى ، فعلى هذا لا يكون نفس هذه الامور ولا قصد القربة بمأموربها بل الامر تعلق بنفس العنوان البسيط ، ومجموع هذه الامور منطبق له ومنشأ لانتزاعه ، وقصد القربة مقدمة وجودية لتحققه من جهة دخالته في انطباق هذا العنوان على هذه الامور .

( الثاني ) ان يكون المأمور به عبارة عن نفس الامور المتكثرة ( التى اولها التكبير وآخرها التسليم ) ويكون قصد القربة ايضا مأخوذا في المأمور به جزء أو قيدا .

( إذا عرفت هذا فنقول ) : ان كان دخالة قصد القربة في المأمور به على النحو الاول فلا يتصور ( ولو على القول بالجواز ) مجمع للعنوانين ، إذ الفرد الذى هو مصداق للغصب مثلا بعد كونه مبعدا عن ساحة المولى لا يمكن ان يتقرب به إليه فلا ينطبق عليه عنوان المأمور به


236

ولا يصير من مصاديقه ، إذ الفرض دخالة قصد القربة وصلاحيته للتقرب به في صيرورته من مصاديقه وانطباق عنوانه عليه .

( واما إذا كان ) دخالته على النحو الثاني : بان كان المأمور به عبارة عن نفس الحركات والاقوال ، وكان قصد القربة ايضا جزءا أو شرطا شرعيا فتصوير المجمع للعنوانين وان كان بمكان من الامكان الا ان صحته ووقوعه عبادة مشكل ولو على القول بالجواز ، لما عرفت من عدم صلاحية المبعد لان يتقرب به فافهم .

( واما ما ذكره ) من حصول الامتثال باتيان المجمع بناء على القول بالامتناع وتقديم جانب الامر ، ( ففيه ) ان تقديم جانب الامر غير جائز وان كانت المصلحة الباعثة على الامر اقوى من المفسدة الباعثة على النهى ، بل الواجب على القول بالامتناع تقديم جانب النهى مطلقا بالنسبة إلى المجمع .

( والسر ) في ذلك ان مقتضى الامر بطبيعة حصول الامتثال باتيان فرد منها أي فرد كان وهذا بخلاف النهى ، فان امتثاله انما هو بترك جميع افراد الطبيعة لما مر من انحلاله إلى نواه متعددة بعدد ما يتصور لمتعلقه من الافراد ، وذلك من جهة ان الامر انما هو لتحصيل المصلحة الموجودة في متعلقه فبأصل حصول المتعلق ولو في ضمن فرد ما يحصل الغرض ، والنهى انما يكون للزجر عن متعلقه من جهة اشتماله على المفسدة ، والانزجار عن الطبيعة المشتملة علىالمفسدة لا يتحقق الا بالانزجار عن جميع افرادها ، وعلى هذا فإذا تعلق الامر بحيثية مشتملة على المصلحة وتعلق النهى بحيثية مشتملة على المفسدة ، وكانت الحيثيتان متصادقتين في بعض الافراد فعلى القول بالجواز لا تقيد في واحدة من الحيثيتين ، بل هما باقيتان على اطلاقهما بلا محذور في البين .

غاية الامر انه يجب على العبد في مقام الامتثال تفكيك الحيثيتين ، وانه ان اتى بالمجمع مع كونه عباديا يقع باطلا كما عرفت ، وعلى القول بالامتناع لابد من تقييد احدى الحيثيتين في مقام الجعل بنحو تصيران متباينتين ، ولكن التقييد يجب ان يكون في جانب الامر مطلقا ، إذ المصلحة الباعثة على الامر وان كانت اقوى من المفسدة الباعثة على النهى ولكنها تحصل باتيان فرد ما ، بخلاف المفسدة فان التحرز منها انما يتحقق بالتحرز من جميع الافراد المشتملة عليها ، فيمكن الجمع بين الغرضين ، بالنهي عن جميع الافراد المشتملة على المفسدة ، والامر بالطبيعة المشتملة على


237

المصلحة مقيدة بعدم اجتماعها مع الطبيعة المنهى عنها .

( وبالجملة ) بعد امكان الجمع بين احراز المصلحة القوية والفرار من المفسدة الملزمة ( وان كانت أضعف منها ) يجب ذلك بتخصيص الامر بالافراد التى لا تزاحم فيها ، فلا وجه اصلا لترجيح جانب الامر في مجمع العنوانين ، بل يتعين دائما ترجيح جانب النهى وان كانت المفسدة الموجودة فيه اضعف بالنسبة إلى مصلحته .

( التنبيه الرابع )

قد تبين لك من جميع ما ذكرناه أنه لا تزاحم بين الامر والنهى ( المتعلقين بحيثيتين بينهما عموم من وجه ) في ناحية المولى اعني ناحية تصور الحيثيتين ، ففى هذه الناحية يتصور المولى احديهما فيرى اشتمالها على المصلحة وقدرة العبد على ايجادها فيأمر بها ، ويتصور الاخرى فيرى اشتمالها على المفسدة فيزجر عنها من دون ان يلاحظ سائر الحيثيات المتحدة مع المتعلق لعدم دخالتها في الغرض الباعث على الامر أو النهى ، فالتزاحم ليسفي ناحية المولى وفي مقام الجعل وانما التزاحم في مقام الامتثال ومقام انشعاب كل من الحيثيتين بالشعب المختلفة .

( هذا كله ) إذا كان بين الحيثيتين عموم من وجه ، وكذلك الحال إذا كان بينهما عموم مطلق وكان النهى متعلقا بالاخص ، والكلام فيه عين الكلام في سابقه .

( بل قد تبين ) مما ذكرنا في التنبية الثالث رجوع الاول إلى الثاني ايضا ، إذ الصلوة والغصب مثلا وان كان بينهما عموم من وجه وقد تعلق باحدهما الامر وبالاخر النهى ، ولكن الامر لا ينحل إلى اوامر متعددة إذ المطلوب في جانبه نفس وجود الطبيعة وهو يتحقق بايجاد فرد ما ، واما النهى فينحل إلى نواه متعددة بعدد ما يفرض للطبيعة من الوجودات لما عرفت وجهه ، فمجمع عنواني الصلوة والغصب كأنه تفرد بنهي مستقل ولكنه لم يتفرد بأمر مستقل بل الامر تعلق باصل الحيثية الصلوتية الجامعة بينه وبين غيره ، وعلي هذا فيجب ان يلاحظ النسبة بين هذا الفرد بخصوصه وبين طبيعة الصلوة ، ومعلوم ان النسبة بينهما عموم مطلق ، فالنسبة بين متعلق الامر ومتعلق النهى دائما عموم مطلق ويكون الاعم موردا للامر والاخص موردا للنهى فتدبر .


238

( التنبيه الخامس )

جميع ما ذكرنا كان في صوره اختلاف الحيثيتين بحسب المفهوم سواء كان بينهما عموم مطلق أو من وجه .

( واما إذا كان ) هنا حيثية واحدة وكانت هذه الحيثية بنفسها مشتملة على المصلحة و باعتبار اجتماعها مع حيثية اخرى مشتملة على المفسدة ، لا بنحو يكون المفسدة للحيثية المنضمة فقط ، بل بان يكون المفسدة لمجموع الحيثيتين بحيث يكون كل منهما جزء من الموضوع ، فهل يمكن ان يأمر المولى بالحيثية الاولى بلا تقييد وينهى عن هذه الحيثية مقيدة بالحيثية الاخرى أو لا يمكن ؟ ( فيه وجهان ) ( مثال ذلك ) ما إذا فرض كون الخياطة بنفسها ذات مصلحة ، والخياطة بقيد وقوعهافي دار زيد ذات مفسدة ، لا بأن يكون المفسدة للكون في دار زيد ، بل بأن يكون المفسدة في اجتماعهما بحيث لا يكون نفس الكون في دار زيد بوحدتها ولا نفس الخياطة بانفرادها مشتملة على المفسدة ، فبين الحيثية الواجدة للمصلحة وما يشتمل على المفسدة لا محالة عموم مطلق ، ( فيقع الكلام ) في انه هل يمكن للمولى في هذا المثال ان يأمر بالخياطة بنحو الاطلاق وينهى عن الخياطة المقيدة أو يجب عليه في مقام التشريع تقييد متعلق الامر بعدم كونه في دار زيد ؟ ( وبعبارة اخرى ) نزاع الاجتماع والامتناع هل يجرى في هذا الموارد ايضا أو يختص بما إذا كانت هنا حيثيتان متغايرتان بحسب المفهوم كالصلوة والغصب ؟ ( الظاهر ) جريان النزاع في هذه الصورة ايضا ، والحق فيه ايضا الجواز .

إذ المفروض ان المشتمل على المصلحة في المثال هو نفس الخياطة لا الخياطة المقيدة بعدم كونها في دار زيد ، فتقييدها في مقام الامر بها بهذا القيد العدمي جزاف فان الحكيم لا يأمر الا بنفس الحيثية المشتملة على المصلحة .

( لا يقال ) : ان العنوان الواحد إذا كان مشتملا على المصلحة من جهة ، وعلى المفسدة من جهة اخرى كان اللازم متابعة الحكم لاقواهما ، والمفروض ( فيما نحن فيه ) ان الخياطة حين


239

اجتماعها مع عنوان الكون في دار زيد تصير مشتملة على المفسدة ، وقد فرض اشتمالها على المصلحة أيضا ، فيجب ملاحظة الاقوى أو مراعاة جانب المفسدة ( ح ) وتخصيص الوجوب بصورة اشتمالها على المصلحة فقط .

( فانه يقال ) : نفس حيثية الخياطة دائما موضوعة للمصلحة ، وما هو الموضوع للمفسدة ليس نفس حيثيتها بل بانضمام الحيثية الاخرى فافهم .

( فذلكة ) قد ظهر لك من مطاوى ما ذكرناه ان صدور الامر والنهى معا عن مولى واحد متوجهين إلى عبد واحد متعلقين بحيثية واحدة مع وحدة زمان الامتثال محال ،ولكن لا من جهة كون ذلك تكليفا بالمحال ، إذ مجموع الامر والنهى ليس بتكليف واحد حتى يصدق عليه التكليف بالمحال ، بل من جهة ان صدورهما عن المولى يوجب اجتماع الضدين ( اعني البعث والزجر والارادة والكراهة ) في موضوع واحد ( اعني به شخص المولى ) ، فانه الموضوع الذى يتقوم به التكليف ويقوم به قياما صدوريا ، وقد مر ان مطلق الارادة ومطلق الكراهة لا تضاد بينهما ، وانما يكونان ضدين مع فرض وحدة المكلف والمكلف والمكلف به وزمان الامتثال .

( ومثل هذه الصورة ) في الاستحالة صدور الامر والنهى معا عن المولى الواحد بالنسبة إلى عبد واحد حالكونهما متعلقين بحيثيتين متساويتين بحسب الصدق ، أو بحسب الوجود : بان لم تصدقا على وجود واحد ولكن تلازمتا في مقام التحقق .

( وكذلك ) يستحيل صدورهما عنه مع تعلق الامر بالاخص المطلق والنهى بالاعم بحسب الصدق ، أو بحسب الوجود ، ففى هذه الصور الخمس يستحيل صدور الامر والنهى معا عن المولى لاستحالة انقداح الارادة والكراهة معا في نفسه .

( واما ) تعلق الامر والنهى بالحيثيتين اللتين بينهما عموم من وجه ، أو عموم مطلق بحسب الصدق ، أو بحسب الوجود بشرط تعلق الامر بالاعم ، وكذلك تعلق الامر بحيثية بنحو الاطلاق والنهى بهذه الحيثية مقيدة بحيثية اخرى فلا مانع عنه ، ولا يستحيل صدور هذا النحو من البعث والزجر عن المولى ، فمجموع الصور عشرة ، خمسة منها مستحيلة ، وخمسة منها ممكنة .


240

( هذا كله ) فيما إذا كان الامر والنهى الزاميين .

( ومثله ) في صور الاستحالة وصور الامكان صورة كون الامر ندبيا والنهى تحريميا ، وكذلك صورة كون الامر وجوبيا أو ندبيا مع كون النهى تنزيهيا موجبا لكراهة متعلقه ، ( نعم ) بين كون النهى تحريميا وبين كونه تنزيهيا فرق من جهة اخرى وهو صحة المجمع في التنزيهى إذا كان الامر عباديا على القول بالجواز( بيان ذلك ) انك قد عرفت في النواهي التحريمية ان الظاهر بطلان المجمع للعنوانين إذا كان متعلق الامر عباديا مأخوذا فيه قصد القربة ولو قلنا بالجواز ، من جهة ان الوجود الواحد بعد كونه مبعدا عن ساحة المولى لا يصلح لان يتقرب به ، فحينئذ نقول ان ما ذكر كان في النواهي التحريمية .

" واما التنزيهية " فهى وان اوجبت حزازة في متعلقاتها ولكن المأتى به لا يصير مصداقا للتمرد والعصيان فبعد كونه واجدا للمصلحة وكونه مصداقا للمأمور به على القول بالجواز لا مانع من وقوعه عبادة للمولى ومقربا إلى ساحته .

( بقى في المسألة أمران آخران يجب أن ينبه عليهما ) " الامر الاول " القائلون بالجواز ربما استدلوا له بالعبادات المكروهة التى اجتمع فيها الوجوب أو الندب مع الكراهة كصوم يوم العاشوراء أو النوافل المبتدئة في الاوقات المخصوصة والصلوة في الحمام وفي مواضع التهمة ، وكدا بالواجبات التى اجتمع فيها الوجوب مع الندب أو الاباحة كالصلوة في المسجد أو الدار ( تقريب الاستدلال ) ان التضاد ليس بين الوجوب والحرمة فقط بل الاحكام الخمسة بأسرها متضادة ، فان كان التضاد مانعا من الاجتماع ولم يكن تعدد الجهة مجديا في رفع الغائلة لما وقع الاجتماع في غير الوجوب والحرمة من سائر الاحكام ايضا ، وقد وقع ذلك كما

في العبادات المكروهة

ونحوها ( هذا ) .

( وقد اجاب ) عن ذلك في الكفاية تارة بنحو الاجمال واخرى بنحو التفصيل .

( اما الجواب الاجمالي ) فهو ان النقض لا يصادم البرهان العقلي خصوصا مع كون بعض الموارد المذكورة مما تعلق فيه الامر والنهى بحيثية واحدة ، وهذا مما يحتا


241

إلى تأويله القائل بالامتناع ايضا ، هذا حاصل كلامه ( طاب ثراه ) .

( اقول ) : ولنا ايضا ان نجيب عن الاستدلال ( اجمالا ) بان المحقق انما هو صحة العبادات المكروهة ، واما كونها متعلقة للامر والنهى معا فغير مصرح به في كلام الاصحاب ، فلعل صحتها من جهة واجديتها للملاك وعدم مانعية النهى التنزيهى عن مقربيتها ، من دون ان تكون ( بالفعل ) مأمورا بها .

( وبالجملة ) يمكن ان تكون متعلقة للنهى فقط ويكون صحتها من جهة الملاك لا الامر ، والنهى التنزيهى غير مانع عن صحتها لعدم كونه موجبا للبعد عن ساحة المولى .

( واما الجواب التفصيلي ) الذى ذكره ( قده ) فسيظهر قسمة منه في مطاوى كلماتنا ( ونحن نقول ) : ان العبادات المكروهة على ثلثة : اقسام : ( القسم الاول ) ما تعلق الامر فيه بحيثية ، والنهى بحيثية اخرى سواء كان بينهما عموم مطلق أو من وجه كالامر بالصلوة والنهى عن الكون في مواضع التهمة .

( القسم الثاني ) ما تعلق الامر فيه بحيثية بنحو الاطلاق ، والنهى بهذه الحيثية مقيدة بحيثية اخرى كالامر بالصلوة والنهى عنها مقيدة بكونها في الحمام .

( القسم الثالث ) ما تعلق الامر فيه ( على فرض تعلقه ) بعين الحيثية التى تعلق بها النهى بحيث لا مندوحة في البين كما في صوم عاشوراء والنوافل المبتدئة في الاوقات المخصوصة .

" اما القسم الاول والثانى " فنحن في فسحة عن الاشكال فيهما حيث قلنا بجواز الاجتماع في مقام الجعل والتشريع ، وعدم مانعية النهى التنزيهى عن المقربية في مقام الامتثال ، وقد عرفت سابقا ان نزاع مسألة الاجتماع لا ينحصر فيما إذا كان المتعلق للحكمين حيثيتين بل يجزى ايضا فيما إذا تعلق الامر بحيثية مطلقة والنهى بهذه الحيثية مقيدة بحيثية اخرى .

( واما القسم الثالث ) فهو مما يجب على كل من الاجتماعي والامتناعي تأويله بنحو يرتفع به غائلة تعلق الحكمين بحيثية واحدة .

( قال شيخنا الاستاد المحقق الخراساني ) في مقام الجواب عنه ( ما حاصله ) : ان النهى فيه ليس من جهة وجود حزارة ومفسدة في الفعل بل من جهة كون الترك منطبقا لعنوا


242

ذى مصلحة أو ملازما لعنوان كذلك مثل الفعل ، غاية الامر كون مصلحة هذا العنوان المنطبق على الترك أو الملازم له اهم من مصلحة الفعل ، ولاجل ذلك كان الائمة عليهم السلام في مقام العمل يختارون الترك ، فالمقام من قبيل المستحبين المتزاحمين الذين ثبت اهمية الملاك في احدهما ، فان الحكم الفعلى وان كان تابعا للاهم ولكن الاخر ايضا يقع صحيحا لوجود الملاك والمحبوبية فيه من دون ان يكون فيه حزازة ، وهذا بخلاف ما إذا كان النهى عن الفعل عن جهة وجود الحزازة والمفسدة فيه فانه يوجب بطلانه وعدم صحته عبادة ( انتهى ) .

( اقول : ويرد عليه اولا ) ان ما ذكره ( قده ) مبنى على كون مفاد النهى ايضا مثل الامر في كونه من مقولة الطلب ، غاية الامران المتعلق للطلب في احدهما الفعل وفي الاخر الترك ، وقد عرفت سابقا فساد هذا المبنى ، فان مفاد النهى ليس عبارة عن طلب الترك بل هو عبارة عن الزجر عن الفعل ، وعلي هذا فيجب ان يكون في متعلقه اعني الفعل حزازة و مفسدة ملزمة أو غير ملزمة .

( وثانيا ) سلمنا كون مفاد النهى عبارة عن طلب الترك ، ولكن المتعلق للطلب ( على هذا ) نفس الترك ، ولا وجه لفرض عنوان منطبق عليه أو ملازم له حتى يكون هو المتعلق للطلب .

( فان قلت ) : وجه فرضه ان الترك بنفسه امر عدمي فلا يتصور كونه مؤثرا في المصلحة .

( قلت ) : العنوان المنطبق على الترك ايضا امر عدمي ، إذ لا يعقل انطباق عنوان وجودي على امر عدمي .

( وثالثا ) ان الترك وكذا العنوان المنطبق عليه عدمي ، والعدم لا يعقل ان يؤثر في المصلحة .

" ورابعا " ان ما فرضه مخالف لمفاد الاخبار ، فان المستفاد منها كون صوم العاشوراء أو النوافل المبتدئة في الاوقات المخصوصة ونحوها ذات حزازة ومفسدة ، لا كونها مستحبة ومحبوبة وكون ترك كل منها ايضا من المستحبات التى يثاب عليها بحيث يقاللكل من فاعل الصوم وتاركه في يوم العاشوراء : انه فعل مستحبا شرعيا ، وهل لفقيه ان يلتزم بان تارك صوم العاشوراء صدر عنه مستحب شرعى ، لا بل الذى يحكم به الفقهاء هو ان الصائم في يوم العاشوراء صدر عنه ما لا يناسب فعله .


243

( وبالجملة ) الظاهر عدم اقناع ما ذكره ( قده ) في مقام الجواب .

فالاولى ان يقال ) : ان النهى التنزيهى عن هذا القسم من العبادات انما هو من جهة انه ينطبق على فعلها عنوان ذو حزازة ، كما ينطبق على صوم العاشوراء عنوان الموافقة لبنى امية ، وعلى النوافل المبتدئة المأتية حين طلوع الشمس وغروبها عنوان الموافقة لعابدي الشمس مثلا ، وهكذا ، فالفعل لكونه منطبقا لعنوان ذى حزازة ( اقوى من المصلحة الكائنة فيه ) صار متعلقا للزجر التنزيهى ، ولم يتعلق به امر فعلى ولكنه مع ذلك يقع صحيحا ان اتاه بقصد القربة من جهة كونه واجدا للملاك والمصلحة التى كانت تؤثر في الامر الفعلى لولا عروض هذا العنوان ، وتعلق النهى التنزيهى به لا يمنع عن قصد التقرب به وعن صلاحيته لان يتقرب به لعدم كون مخالفته تمردا على المولى بخلاف النهى التحريمي فتدبر جيدا .

( الامر الثاني )

( اعلم ) ان الغرض في هذا المقام بيان حكم المحرم الذى انحصر فيه طريق التخلص من حرام اشد كالخروج من الدار المغصوبة بعد توسطها على وجه محرم ، وكشرب الخمر الذى انحصر فيه طريق التخلص من الهلكة بعدما ارتكب بسوء الاختيار ما يؤدي إليها ونحو ذلك .

( ولكن المحقق ) صاحب الكفاية لما ذكر في صدر المبحث مطالب من باب المقدمة ناسب ان نذكرها على وجه الاختصار ( قال " قده " ما حاصله ) : ان الاضطرار إلى الحرام و ان كان موجبا لرفع حرمته وعقوبته وبقاء ملاك وجوبه مؤثرا له ( لو كان فيه ملاك الوجوب ) ولكنه إذا كان الاضطرار لا بسوء الاختيار ، واما إذا كان بسوء الاختيار فالحرمة الفعلية وان كانت مرفوعة ايضا ، ولكنه حيث يصدر عن المكلف مبغوضا وعصيانا للنهى السابق الساقط لا يصلح لان يتعلق به الايجاب وان كان فيه ملاكه ( انتهى ) .

( اقول ) : اما ما ذكره من ان الاضطرار إلى الحرام يوجب ارتفاع حرمته فمسلم ، غاية الامر ان الحاكم بارتفاعها في الاضطرار العقلي هو العقل ، وفي الاضطرار العرفي مثل حديث الرفع ونحوه .


244

( واما ما ذكره ) من تأثير ملاك الوجوب بعد ارتفاع الحرمة الفعلية بالاضطرار فغير مسلم ، إذ المانع عن تحقق الوجوب ليس هو الحرمة الفعلية حتى يصير ارتفاعها سببا لتحققه ، بل المانع عن تحققه وتأثير ملاكه فيه هو اقوائية ملاك الحرمة ( اعني المفسدة الداعية إلى جعلها ) من ملاك الوجوب ( اعني المصلحة الباعثة نحو الايجاب ) ، فما دامت المفسدة باقية على قوتها لا مجال لتأثير ملاك الوجوب وان كان هنا مانع عن فعلية الحرمة ايضا ، فان البعث نحو ما يشتمل على مفسدة ( تكون اقوى من مصلحته ) قبيح بلا ريب واشكال .

( نعم ) يمكن ان يوجد في الفعل المحرم ( بعد الاضطرار إليه ) مصلحة اقوى من مفسدته فلا مانع ( ح ) من تعلق الوجوب به لكنها غير المصلحة الاولية المغلوبة بالنسبة إلى المفسدة فانها لا يمكن ان تؤثر في الايجاب وان لم يؤثر المفسدة ايضا من جهة المانع كالاضطرار ونحوه ، ( الا ترى ) ان شرب الخمر المحرم من جهة اقوائية ملاك الحرمة فيه لا يصير واجبا أو مستحبا بمجرد رفع حرمته الفعلية لمانع ، مع انه يشتمل على المصلحة ايضا كما يدل عليه قوله ( تعالى ) : قل فيهما اثم كبير ومنافع للناس واثمهما اكبر من نفعهما .

( نعم ) ان توقف عليه حفظ النفس المحترمة صار واجبا من جهة اقوائية ملاك حفظ النفس من المفسدة الكامنة فيه فتأمل .

( ثم اعلم ) ان الاضطرار ان كان إلى المعين فلا اشكال في ارتفاع حرمته به ، وان كان إلى غير المعين كاحد الامرين مثلا ، فان كان احدهما اهم وجب رفع الاضطرار بالاخر ، فان رفعه بالاهم عصى واستحق عليه العقاب اما على تمامه أو على المقدار الذى صار سببا لاهميته ، وان لم يكن احدهما اهم تخير في رفع اضطراره ، هذا إذا لم يكن الاضطرار بسبب اختياره امرا اختياريا يؤدي إلى الاضطرار إلى الحرام ، واما إذا كان اضطراره إليه بسبب اختيار امر يؤدي إليه لا محالة فاما ان يكون الفعل الذى يختاره مباحا ذاتا ، واما ان يكون محرما من غير سنخ الحرام المضطر إليه ، واما ان يكون محرما من سنخه ،


245

وعلى الثالث فاما ان يكون المضطر إليه من تتمة ما يختاره ، واما ان يكون فردا آخر في قباله ، فالصور اربعة ، ( فالاولى ) كأكل الطعام المباح الذى يؤدي إلى المرض والاضطرار إلى شرب الخمر لدفعه .

( والثانية ) كقتل النفس المحترمة المؤدى إلى اخذه وحبسه في المحبس الغصبى ( والثالثة ) كالدخول في الدار المغصوبة بالاختيار المؤدى إلى الاضطرار إلى التصرف الخروجى .

( والرابعة ) كالتصرف في مال الغير المؤدى إلى اخذه وحبسه في المحبس الغصبى .

( وفي جميع هذه الصور ) اما ان يكون حين ارتكابه للفعل الاختياري ملتفتا إلى ادائه إلى الاضطرار إلى الحرام ، واما ان يكون مترددا فيه ، واما ان يكون غافلا عنه ، فان كان غافلا عن ادائه إليه فلا اشكال في عدم وقوع المضطر إليه محرما فعليا وكون الاضطرار رافعا لحرمته سواء كان الفعل الاختياري المؤدى إليه محرما أو مباحا ، إذ في صورة الحرمة ايضا لم يقدم المكلف الاعلى ارتكاب هذا الحرام دون ما يتعقبه .

وان كان ملتفتا إلى ادائه إليه ( 1 ) فالاضطرار وان كان رافعا للزجر الفعلى بالنسبة إلى المضطر إليه الا انه لما كان بسوء الاختيار كان العصيان والمبغوضية باقيين بلا ريب ، فانالعقل الحاكم بقبح تكليف المضطر وعقابه لا يحكم به في هذا المقام ، وحديث الرفع ايضا منصرف عن هذا المقام الذى اقدم العبد باختياره على ما يتعقبه العصيان .

( ولا فرق ) في هذه الصورة ايضا بين كون الفعل الاختياري مباحا أو حراما ( هذا كله ) مما لا اشكال فيه .

( انما الاشكال ) فيما إذا كان المحرم المضطر إليه بسوء الاختيار ، مما انحصر فيه التخلص من الحرام كالخروج من الدار المغصوبة ، فهل يصير ( ح ) مأمورا به فقط كما اختاره الشيخ ، أو مع جريان حكم المعصية عليه ، أو منهيا عنه فقط ، أو مأمورا به ومنهيا عنه ، أو لا يكون مأمورا به ولا منهيا عنه ولكنه يجرى عليه حكم المعصية كما اختاره في الكفاية ،

( 1 ) اقول : لابد من ان يكون مراده ( مد ظله العالي ) من الالتفات خصوص صورة العلم بالاداء وعلي هذا فلم يعلم من كلامه حكم صورة التردد .


246

( فيه وجوه بل اقوال ) واختيار احدها في غاية الاشكال ، فان القول بكون مثل الخروج منهيا عنه لا يخلو عن محذور ، إذ العبد ان اراد امتثال هذا النهى وترك الخروج لوقع في المحذور الاشد وهو البقاء في دار الغير .

( والقول ) بكونه مأمورا به ايضا في غاية الاشكال ، إذ الخروج مصداق للتصرف في ملك الغير ، وهل يمكن الالتزام بكون الداخل في ملك الغير للتفريح مثلا والخارج منه بعد قضاء الحاجة من دون ندامة على فعله ممتثلا لامر المولى مطيعا له حين الخروج بحيث تكون حركاته الخروجية الواقعة عن تفريح ايضا محبوبة للمولى و امتثالا لامره مع كونها تصرفا في ملك الغير بغير اذنه ، ( واشكل منهما ) هو الالتزام بكونه مأمورا به ومنهيا عنه معا حتى يصير من مصاديق مبحث الاجتماع كما اختاره ابو هاشم وتبعه المحقق القمى ، فان الاجتماع انما يجوز فيما إذا كان هنا عنوانان وكان في البين مندوحة ، وما نحن فيه ليس كذلك ، فهو اسوء حالا من باب الاجتماع ، وحكمه اشكل من حكمه .

" وهنا احتمال سادس " وهو الالتزام بالترتب ( بتقريب ) ان الغصب بجميع انحائهمن الدخول والبقاء والخروج محرم ، لا بهذه العناوين بل بما هو غصب وتصرف في مال الغير ، ولكن التصرف الخروجى لما صار في رتبة عصيان النهى ذا مصلحة ومعنونا بعنوان حسن صار مأمورا به في هذه الرتبة فهو منهى عنه بنحو الاطلاق ، ومأمور به في رتبة عصيان النهى وعدم تأثيره في نفس المكلف ( هذا ) .

" ولكن يرد على ذلك " ان الالتزام بالترتب انما هو فيما إذا كان هنا حكمان متزاحمان وكان احدهما ( من حيث الملاك ) اهم فيصير الاهم ( من جهة اهمية ملاكه ) فعليا بنحو الاطلاق ، والمهم فعليا في ظرف عصيان الاهم كما في الصلوة والازالة فان لكل منهما ملاكا موجبا لحكم عليحدة ، غاية الامران اهمية ملاك الازالة اوجبت اهمية حكمها فصار فعلية حكم الصلوة مشروطة بعصيان حكم الازالة .

" وفيما نحن فيه " ليس كذلك ، إذ الموجود في باب الغصب والتصرف في مال الغير حكم واحد بملاك واحد وهو الحرمة ، واما وجوب الخروج والتخلص من الغصب فليس حكما آخر في قبال حرمة الغصب ، بل هو عبارة اخرى عنها ، إذ التخلص ليس الا عبارة عن ترك الغصب الذى هو ضد عام للغصب ، وقد عرفت ( في مبحث الضد ) ان في الضد العام لا يكون كل من الضدين متصفا بحكم مستقل في قبال حكم الاخر ، بل الامر باحدهما عبارة اخرى


247

عن النهى عن الاخر ، كما ان النهى عن احدهما عبارة اخرى عن الامر بالاخر بحيث يكون المتحقق بحسب الواقع حكما واحدا ناشئا من ملاك واحد ، وعلي هذا ففى باب الغصب ايضا لم يصدر عن الشارع الاحكم واحد وهو الحرمة ، وليس وجوب التخلص منه حكما مستقلا في قبالها حتى يصير فعليا في رتبة عصيان الحرمة بل هو عبارة اخرى عنها ودائر مدارها .

( ومما يشهد لذلك ) ان المكلف ان عصى ولم يخرج من الدار المغصوبة لا يقال : انه صدر عنه عصيانان احدهما ارتكاب مقدار التصرف الخروجى والاخر ترك التخلص ، بل الصادر عنه انما هو ارتكاب الحرام فقط .

( وهذا ) بخلاف مسألة الصلوة والازالة فان التارك لهما ( على القول بالترتب ) قد صدر عنه عصيانان لتفويته ملاكين مستقلين كان كل منهما منشئا لحكم مستقل ، ( وبالجملة ) الموجود في مثل الصلوة والازالة حكمان شرعيان مستقلان ، وهذا بخلاف باب الغصب فان الموجود فيه حكم واحد وهو الحرمة ، واما وجوب التخلص منه فليس حكما آخر في قباله ( نعم ) يحكم العقل بلزوم اختيار التصرف الخروجى لكونه بالنسبة إلى التصرف البقائى اقل محذورا .

" ومما ذكرنا يعرف ايضا " بطلان ما ذكره بعض الفقهاء في باب الغصب من ان الموجود فيه حكمان : احدهما حرمته والاخر وجوب الرد ، فان وجوب الرد ليس حكما مستقلا ذا ملاك مستقل في قبال حرمة الغصب ، ( نعم ) كما يحرم الغصب حدوثا يحرم بقاء ، ووجوب الرد عبارة اخرى عن الحرمة البقائية وان شئت قلت هو حكم عقلي حكم به العقل للتخلص من الحرمة البقائية ( ثم اعلم ) ان الشيخ ( قده ) قال في تقريب ما اختاره من كون الخروج مأمورا به ليس الا ( ما حاصله ) : ان التصرف في ارض الغير بالدخول والبقاء حرام بلا اشكال ، واما التصرف الخروجى فليس بحرام لا قبل الدخول ولا بعده ، اما قبله فلعدم التمكن منه بل هو منتف بانتفاء الموضوع ، واما بعده فلكونه مصداقا للتخلص أو سببا له فيكون مأمورا به ،


248

ولا حرمة في البين لكونه مضطرا إليه ، فحال الخروج فيما نحن فيه حال شرب الخمر المتوقف عليه النجاة من الهلكة ( انتهى ) .

( واجاب ) عنه شيخنا الاستاد العلامة المحقق الخراساني ( اولا ) بالنقض بالبقاء فانه ايضا مثل الخروج في عدم التمكن منه قبل الدخول مع كونه حراما بلا اشكال .

( وثانيا ) بالحل بان المقدور بالواسطة مقدور ، فترك البقاء والخروج كلاهما مقدورانمن جهة القدرة على ترك الدخول ، وهذان العنوانان وان كانا قبل الدخول منتفيين بانتفاء ما هو كالموضوع لهما ، ولكن لا يضر هذا بصحة التكليف المشروط عقلا بالتسلط على المأمور به والمنهى عنه فعلا وتركا وان كان بالواسطة ( انتهى ) .

( والتحقيق ان يقال ) : ان عناوين الدخول والبقاء والخروج لا عين لها ولا اثر في الادلة الشرعية كى يبحث في انها مقدورة أو غير مقدورة ، بل الوارد في الادلة الشرعية هو عنوان التصرف في ارض الغير ، فالداخل في ارض الغير مادام فيها ولم يخرج منها ( بوضع قدمه في خارجها ) يكون متصرفا فيها ويكون جميع حركاته من الدخول والبقاء والخروج تصرفا واحدا ممتدا في هذه الارض ناشئا من اختياره ، وليس الوارد في الادلة عناوين الدخول والبقاء والخروج حتى يقال انه يصدق على ترك الدخول ترك الخروج أو لا يصدق الا بنحو السالبة بانتفاء الموضوع ، وعلي هذا فمجموع الدخول والبقاء والخروج تصرف واحد و يقع من المكلف على الوجه المنهى عنه بسوء اختياره .

( ثم ان ) تنظير الخروج بمثل شرب الخمر ايضا في غير محله ، فان شرب الخمر بعد ان توقف عليه حفظ النفس صار ذا مصلحة اقوى من المفسدة الكامنة فيه الموجبة لتحريمه ، وهذا بخلاف الخروج فانه امر ذو مفسدة من جهة كونه تصرفا في ملك الغير من دون ان يكون واجدا لمصلحة مستعقبة للوجوب الشرعي لما عرفت من ان الموجود في باب الغصب و التصرف في مال الغير حكم واحد وهو الحرمة ليس الا .

" فتلخص مما ذكرنا " ان الالتزام بكون الخروج مامورا به في غاية الاشكال ، كالالتزام بعدم كونه منهيا عنه وعدم صدوره مبغوضا للمولى ( نعم ) يمكن ان يقال : بعدم وجود الزجر فعلا من جهة اضطرار المكلف إلى قدر خاص


249

من التصرف اما بالبقاء أو الخروج ، ولكن لا ينافى هذا ثبوت العصيان والعقاب من جهة صدوره من اول الامر باختياره .

( فالظاهر ) في مسألة الخروج ما اختاره المحقق الخراساني من عدم كونه مأمورا به ولا منهيا عنه بالنهي الفعلى : مع ثبوت العقاب بملاحظة النهى السابق الساقط ولزوم اختياره عقلا من جهة كونه اقل المحذورين .

( نعم ) لاحد ان يقول : ان الداخل في ارض الغير المتوسط فيها بسوء اختياره ان ندم على عمله وتاب واستغفر ربه التواب خرج خروجه منها من كونه مبغوضا ومعاقبا عليه ، فان التائب من الذنب كمن لا ذنب له كما هو مقتضى اطلاقات ادلة التوبة فلا يقع الخروج منه تمردا وعصيانا لمولاه ( توضيح ذلك ) ان المكلف بعد ان دخل في ملك الغير صار مضطرا إلى مقدار الخروج من اقصر الطرق في اقصر الساعات ، فهذا المقدار من التصرف مضطر إليه سواء صرفه في البقاء أو الخروج ، غاية الامر ان الاضطرار إليه لما كان بسوء اختياره لم يترتب عليه ارتفاع المبغوضية فصار هو من تبعات الدخول المحرم وكان حكمه حكمه في المبغوضية ، فإذا تاب العبد بعد توسطه في الارض واضطراره إلى الحركات الخروجية صارت توبته رافعة للعصيان الصادر عنه اعني الدخول وتوابعه ، فان التوبة توجب محو السيئة السابقة ، فبعد التوبة يصير كمن لم يدخل في ارض الغير على الوجه المحرم ويصير الدخول الصادر عنه ( عصيانا ) المؤدى إلى التوابع المحرمة بمنزلة ما لو لم يصدر عنه عصيانا وتمردا بل صدر عنه على الوجه الشرعي فيصير الخروج ايضا غير مبغوض ، إذ الفرض انه في حال ارتكابه مضطر إليه وانما كان تحققه عصيانا بنفس تحقق الدخول كذلك ، فيكون رفعه بالتوبة رفعا للعصيان الخروجى ايضا ، ويترتب على ذلك انه ان اتحدت حركاته الخروجية الواقعة بعد التوبة مع افعال الصلوة وقعت الصلوة صحيحة لعدم كونها ( ح ) مبعدة عن ساحة المولى حتى يقال ان المبعد لا يكون مقربا ، وقد اشار إلى هذا المعنى صاحب الجواهر ( قده ) فراجع .

( تذنيب )

قد اورد بعض الاعاظم على ما افاده الشيخ ( قده ) من وجوب الخروج لكونه مقدمة


250

للتخلص ( بما حاصله ) : ان ذلك ينافى ما حقق في محله ( ويسلمه الشيخ ايضا ) من انه لا يتوقف عدم احد الضدين على وجود الاخر ولا وجود احدهما على عدم الاخر بل يكونان متلازمين .

( وجه التنافى ) ان البقاء والخروج ضدان فلو كان ترك البقاء موقوفا على الخروج لزم من ذلك توقف عدم احد الضدين على وجود الاخر ( انتهى ) .

وانت خبير بان قياس ما نحن فيه بمسألة الضدين قياس مع الفارق ، فان الضدين لما كانا في مرتبة واحدة وكان لوجود احدهما مع عدم الاخر معية في التحقق كان لازم ذلك انكار المقدمية من الطرفين ، ( واما فيما نحن فيه ) فلو وازنا الخروج مع البقاء البديل له كان الكلام فيهما هو الكلام في الضدين ، ولكنه لا يقاس معه بل يقاس مع الغصب الزائد الذى يتحقق على فرض البقاء و يكون الخروج موجبا للتخلص منه .

" بيان ذلك " انه بعد ان توسط الانسان دار غيره مثلا يضطر إلى مقدار خاص من التصرف فيها ، فهذا المقدار مما لا مفر منه سواء صرف في البقاء أو الخروج ، ولكنه ان اختار البقاء اضطر إلى تصرف زائد على هذا المقدار وان اختار الخروج تخلص من هذا المقدار الزائد المتأخر عنه زمانا ، فالمتوسط فيها بعد اختياره للخروج يكون وضع قدمه الاول مقدمة لكونه في مكان اقرب إلى باب الدار ووضع قدمه الثاني مقدمة للكون في مكان اقرب منه إليه وهكذا حتى ينتهى إلى وضع القدم الاخير فانه مقدمة لكونه في خارج الدار ، فتلك الاقدام مقدمات للكون في خارج الدار والتخلص من التصرف الزائد المتأخرين عن تلك الاقدام زمانا ، فلا ربط لذلك بمسألة الضدين الملازم وجود احدهما لعدم الاخر رتبة وزمانا .

( نعم ) يرد على ما ذكره الشيخ ( اولا ) ما ذكره المحقق الخراساني من ان الخروج ليس مقدمة للتخلص الذى هو امر عدمي بل هو مقدمة للكون في خارج الدار وهو امر وجودي ليس فيه ملاك الوجوب حتى يجب مقدمته .

( وثانيا ) ما ذكرناه آنفا من ان التخلص عبارة عن ترك التصرف ، وليس فيه ملاك الوجوب إذ الموجود في باب الغصب والتصرف في مال الغير حكم واحد وهو الحرمة لا غير فراجع ، ( وربما يقال ) : ان وجوب الخروج ليس من جهة المقدمية ، بل هو من باب


251

وجوب رد مال الغير إليه ، وهو وجوب نفسي .

( وفيه اولا ) ما ذكرناه سابقا : من ان وجوب الرد ايضا ليس حكما شرعيا مستقلا في قبال حرمة التصرف ، بل هو حكم عقلي يحكم به العقل للتخلص من التصرف البقائى ، فان التصرف في مال الغير كما يحرم حدوثا يحرم بقاء .

( وثانيا ) ان وجوب الرد على فرض ثبوته شرعا انما يثبت في باب الغصب ( أعنى به الاستيلاء على مال الغير عدوانا ) ، وما نحن فيه لا يرتبط بباب الغصب ، إذ التوسط في ارض الغير ليس دائما ملازما للغصب ، بل هو من افراد التصرف في مال الغير ، وبين الغصب والتصرف في مال الغير عموم من وجه ، إذ قد يكون صاحب المال مقتدرا بحيث لا يمكن الاستيلاء على ماله واخذ زمام ماله فلا يتحقق الغصب ، ولكن يمكن مع ذلك التصرف في ماله خفاء أو التصرف فيه من الخارج بالقاء الاحجار فيه مثلا ، وقد يتحقق الغصب بدون التصرف كما إذا استولى الانسان على مال غيره بحيث صار زمام اختاره بيده ومع ذلك لم يتصرف فيه بالدخول ونحوه .

( وقد يجتمعان ) كما إذا استولى على مال غيره ودخل فيه ايضا فتدبر ( 1 )

( 1 ) اقول : يظهر من مجموع كلام سيدنا الاستاد " مد ظله العالي " انه في اصل الكبرى موافق للشيخ ( قده ) ، ومخالفته معه في الصغرى فقط ( بيان ذلك ) ان المسألة المبحوث عنها هو حكم المحرم المضطر إليه بسوء الاختيار إذا كان مقدمة لواجب اهم ، فاختار الشيخ كونه مأمورا به فقط ، واختار المحقق الخراساني عدم كونه مأمورا به ولا منهيا عنه مع جريان حكم المعصية عليه ، ويظهر من كلام سيدنا الاستاد " مد ظله " انه يوافق الشيخ في ذلك وانمايخالفه في مثال الخروج من جهة عدم كونه من صغريات المسألة كما يظهر ذلك من قوله " مد ظله " في جواب كلام الشيخ : " ان قياس الخروج على شرب الخمر قياس مع الفارق ، فان شرب الخمر مقدمة لواجب اهم ( اعني حفظ النفس ) ، والخروج ليس مقدمة لواجب من جهة ان الموجود في باب التصرف في ملك الغير حكم واحد وهو الحرمة .

" ( ثم اعلم ) انه على فرض مقدمية الخروج للواجب ربما يقرب إلى الذهن قول صاحب الفصول ، فان المكلف قبل دخوله في ارض الغير كان متمكنا من ترك التصرف بأنحائه كما كان متمكنا في اول الامر من فعله كذلك بأن يدخل فيها فانه بدخوله فيها يتحقق منه جميع أنحائه ، غاية الامر كونه بالنسبة إلى نفس الدخول بلا واسطة وبالنسبة إلى ما يستتبعه من مقدار الخروج أو البقاء توليديا مختارا بنفس اختيار سببه ، فلما كان قبل الدخول ، متمكنا من انحاء التصرف فعلا وتركا توجه إليه النهى عن الجميع ، ولكن لا بعنوان الدخول أو البقاء أو الخروج ب


252

فصل

اختلفوا في ان النهى المتعلق بالعبادات أو المعاملات يدل على فسادها ( كما عبر به بعض ) ، أو يقتضى فسادها ( كما عبر به بعض آخر ) اولا ؟ " وقد اطنب المتأخرون " في المسألة بتكثير مقدماتها من دون ان ينقحوا محط النظر فيها ونحن نكتفي بذكر مقدمة واحدة ثم نشرع في تحقيق اصل المقصود .

( اما المقدمة ) ففى بيان معنى الصحة والفساد ، ( فنقول ) : الصحة ( كما عرفت في مبحث الصحيح والاعم ) عبارة عن كون الموجود بحيث ينطبق عليه العنوان المترقب منه ، والفساد عبارة عن كونه بحيث لا ينطبق عليه ذلك ، فهما وصفان للموجودات لا للعناوين ، ولكن اتصاف الموجودات بهما انما هو باضافتها إلى العناوين التى اوجدت هذه الموجودات بترقب انطباقها عليها .

" بيان ذلك " انه يظهر باستقراء موارد اطلاق هذين اللفظين ان بعض الموجوداتيتصف عرفا بالصحة ، وبعضها يتصف بالفساد ، كما ان بعضها لا يتصف بشئ منهما ، سواء في ذلك الموجودات الخارجية الحقيقية والموجودات المتحققة في وعاء الاعتبار ، فالادوية المستعملة لعلاج الامراض مثلا ، وكذا العقود المسببية الموجدة في عالم الاعتبار قد تتصف عرفا بالصحة وقد تتصف بالفساد ، وكذلك العمل الخارجي الصادر عن المكلف بترقب كونه مصداقا للصلوة أو الحج أو نحوهما ، قد يتصف بهذا وقد يتصف بذاك ، فإذا تأملنا في احراز ما هو الموصوف بهما وجدنا ان الموصوف بهما نفس الموجود والمصداق ، لا للعنوان المنطبق عليه ، فنفس العمل الخارجي الصادر عن المكلف بترقب كونه منطبقا لعنوان الصلوة المأمور بها قد يتصف بالصحة وقد يتصف بمقابلها ، وكذلك نفس ما يوجده الانسان في عالم الاعتبار بترقب كونه بيعا ذا اثر ، وذات الفرد الخارجي من الفاكهة أو

‌ ‌ بعنوان التصرف في مال الغير ، وقد وقع العصيان بالنسبة إلى الجميع بصرف الدخول ، واما بعده فلما كان يمكنه البقاء كما يمكنه الخروج صار الخروج بعنوانه في مقابل عنوان البقاء ذا مصلحة فيأمر المولى بصرف المقدار المضطر إليه في الخروج لا في البقاء ويخرج النهى ( ح ) من الفعلية من جهة الاضطرار فتدبر .


253

الدواء تتصف بهما ، غاية الامران اتصاف الموجود والفرد بهذين الوصفين ليس بلحاظه في نفسه ، بل باضافته إلى العنوان الذى يترقب انطباقه عليه ليترتب عليه آثار هذا العنوان ، فان وجد بنحو ينطبق عليه اتصف بالصحة ، وان وجد بنحو لا ينطبق عليه اتصف بالفساد بعد اشتراكهما في كون الايجاد بترقب هذا الانطباق .

( وقد اتضح ) بما ذكرناه في معناهما وما يتصف بهما امور نشير إليها : ( الاول ) ان توصيف العناوين بهما فاسد ، فانها لا تتصف ( بما هي عناوين ) بالفساد إذ كل عنوان هو هو ، ويحمل على نفسه ( بالحمل الاولى ) ، واتصافه في عالم المفهومية بالفساد و عدم التمامية انما هو بان لا يكون هذا العنوان هذا العنوان ، وهو مساوق لسلب الشيئ عن نفسه ، فالموصوف بهما انما هو نفس الذوات والوجودات ، ولكن باضافتها إلى العناوين .

( الثاني ) ان الصحة والفساد وصفان اضافيان ، فرب موجود يتصف بالصحة بالاضافة إلى عنوان ويتصف بالفساد بالاضافة إلى عنوان آخر ، فالاقوال والحركات والسكنات الخارجية التى يوجدها المكلف بترقب كونها منطبقة لعنوان الصلوة حتى يترتب عليها آثارها : من المقربية واسقاط الامر والاعادة والقضاء ونحو ذلك ، ان وجدت بحيث ينطبق عليها هذا العنوان اتصفت بالصحة بالاضافة إلى هذا العنوان ، وان وجدت بحيث لا ينطبق عليها اتصفت بالفساد كذلك ، وان كانت حالها بالاضافة إلى العناوين الاخر بالعكس فالحركة الخارجية مثلا ( بما هي حركة أو موجود ) امر تام ينطبق عليها عنوان الحركة والوجود ويترتب عليها آثارهما ، ولكنها بما هي ركوع أو صلوة يمكن ان تكون تامة صحيحة بنحو ينطبق عليها عنوان الركوع أو الصلوة ، ويمكن ان تكون غير تامة فلا ينطبق عليها عنوانهما ولا يترتب عليها آثارهما ، فالموصوف بالفساد نفس الحركة الخارجية ، ولكن اتصافها به ليس باعتبار عنوان الحركة ، ولا باعتبار ذاتها الخارجية التى هي من سنخ الوجود ، بل هو باعتبار اضافتها إلى العنوان الذى يترقب انطباقه عليها كعنوان الركوع مثلا .

" الثالث " ان تقسيم عنوان الصلوة وغيرها من عناوين العبادات والمعاملات بالصحيح والفاسد فاسد ، فان نفس العنوان لا يتصف بهما ، وانما الموصوف بهما هو نفس العمل الخارجي الذى يوجده العبد بترقب انطباق عنوان الصلوة عليه ، فان وجد بنحو انطبقت عليه وصار من مصاديقها اتصفت بالصحة ، وان وجد بنحو لا تنطبق عليه ولم يصر من مصاديقها


254

وافرادها اتصف بالفساد ويكون اطلاق الصلوة عليه من باب المسامحة ، من جهة ان ايجاده كان بترقب صيرورته فردا لها .

( الرابع ) ان توصيف الشيئ بالصحة والتمامية انما هو باضافته إلى العناوين المترقبة ( التى يترتب عليها آثارها قهرا بعد تحققها ) ، لا باضافته ( اولا ) إلى نفس هذه الاثار ، إذ الاثر اثر للعنوان وهو موضوع له فهو يتوسط بحسب القصد بين الفعل الخارجي وبين الاثر ،فالحركات والسكنات الخارجية تتصف بالصحة باعتبار انطباق عنوان الصلوة عليها وكونها مصداقا لها فإذا انطبقت عليها ترتب عليها آثارها ( من موافقة الامر واسقاط الاعادة و القضاء ) قهرا ، فما في الكفاية من اضافة الشيئ في اتصافه بالصحة إلى نفس الآثار لا يخلو عن مسامحة ، ( الخامس ) قد ظهر بما ذكرنا في تعريفهما ان بعض الاشياء لا يتصف بالصحة ولا بالفساد ، فان اتصاف الشيئ بهما انما هو باضافته إلى العناوين المترقبة التى يمكن ان تنطبق عليه ويمكن ان لا تنطبق وتكون موضوعات لاثار مخصوصة ، فلو فرض انه لم يكن لشيئ اثر اصلا أو كان له آثار ربما تترتب عليه وربما لا تترتب ولكن لم يكن ايجاده بترقب ترتبها عليه لم يتصف بالصحة ولا بالفساد ، فمثل الاتلاف والجناية وملاقاة النجاسة ونحوها لا تتصف بهما مع ان لها آثارا شرعية : ( من الضمان وجواز القصاص ونجاسة الملاقى ) ربما تترتب عليها وربما تتخلف ، فلو تحقق الاتلاف بنحو لم يترتب عليه الضمان ، أو الجناية بنحو لم توجب القصاص كما إذا اتلف أو جنى بحق ، أو وجد الملاقاة بنحو لم يترتب عليها نجاسة الملاقى لم يتصف الاتلاف والجناية والملاقاة ( ح ) بالفساد ، والسر في ذلك عدم كون ايجادها بترقب ترتب هذه الاثار عليها ، فالموصوف بالصحة و الفساد عبارة عن الاشياء التى توجد بترقب ان ينطبق عليها عناوين ذوات آثار شرعية أو عقلائية أو خارجية ، بحيث يكون ايجادها غالبا بترقب ترتب هذه الاثار عليها ولو بتوسيط العناوين في القصد ، سواء كان النظر إلى العنوان المتوسط نظرا آليا دائما كما في عناوين العقود المسببية التى لا تعتبر الا لترتب الاثار عليها ، أو كان له بنفسه نحو استقلال ولكن يوجد غالبا بترقب الاثار المترتبة عليه ، وذلك كالصلوة مثلا فانها وان كانت بنظر الاوحدي معراجا للمؤمن ومحبوبة


255

بذاتها ، ولكن اكثر الناس لا يعقلون فيأتون بها لاسقاط الاعادة والقضاء أو الفرار من النار والدخول في الجنة أو نحو ذلك ، ( وقد ظهر بما ذكرنا ) ان الاتلاف والجنايات ونحوها لا تتصف بالصحة ولا بالفساد ، ( نعم ) يتصف بهما العبادات بالمعنى الاخص وبالمعنى الاعم والمعاملات .

( السادس ) ان التقابل بينهما يشبه تقابل العدم والملكة ، فان الصحة كما عرفت عبارة عن كون الموجود الخارجي بحيث ينطبق عليه العنوان المترقب ، والفساد عبارة عن كونه بحيث لا ينطبق عليه ذلك ، وانطباق العنوان المترقب وان لم يكن من الشئون الواقعية للموجود الخارجي ولكن لما كان وجوده بترقب هذا الانطباق صار هذا الترقب منه بمنزلة كونه من شئونه ، فالفساد عبارة عن عدم الانطباق فيما يكون من شأنه الانطباق .

( إذا عرفت هذه المقدمة فنقول ) : قد ذكروا لدلالة النهى على الفساد وجهين : " الاول " ان النهى يقتضى الحرمة والمبغوضية ، وهما تنافيان الصحة .

" الثاني " ان علماء الامصار في جميع الاعصار كانوا يستدلون بالنهي الوارد في العبادات والمعاملات على الفساد .

( والظاهر ) تباين هذين المسلكين وعدم الجامع بين مقتضى الدليلين ، ( وتوضيح ذلك ) يتوقف على بيان نكتة ، وهى ان صحة الشيئ ( كما عرفت ) عبارة عن كونه بحيث ينطبق عليه العنوان المترقب منه ، وفساده عبارة عن كونه بحيث لا ينطبق عليه ذلك .

( ثم ان ) العناوين مختلفة ، فبعضها بحيث يكون انطباقها وعدم انطباقها واضحا عند الجميع ولا يختص علمه ببعض دون بعض ، ولكن كثيرا منها مما يجهلها الاكثر ويختص العلم بانطباقها ومنطبقاتها وما يشترط في انطباقها عليها ببعض الناس ( وذلك ) كالمعاجين التى يختص العلم باجزائها وشرائطها وموانعها بالاطباء فقد يكون معجون خاص مركبا من امور ويكون لشروط وجودية وعدمية دخل في انطباق عنوانه على هذه الامور ولكن العلم بذلك يختص بطائفة خاصة ، ( ومن هذا القبيل ) اكثر العبادات والمعاملات الواردة في الشريعة فانا امور مركبة من اجزاء خاصة ، ويكون لشروط وجودية وعدمية دخل في انطباق عناوينها على هذه الاجزاء ، ولكن العلم بذلك يختص بمخترعها وهو الشارع ، وبناء العرف والعقلاء في هذا السنخ من الامور على الرجوع إلى اهل فنها فإذا رجعوا إليهم وورد من


256

في ذلك امرا ونهى يكون هذا الامر أو النهى عندهم ظاهرا في الارشاد إلى الجزئية أو الشرطية أو المانعية ، فإذا قال الطبيب مثلا للمريض اجعل السقمونيا بمقدار خاص في المعجون الذى عالجتك به لا يكون هذا الامر ظاهرا في الوجوب المولوي ، بل يكون ظاهرا في الارشاد إلى الجزئية ، وكذا لو قال : ( لا تجعل فيه السقمونيا ) لا يتبادر من هذا النهى التحريم المولوي بل يكون ظاهرا في الارشاد إلى مانعية السقمونيا عن تحققه بنحو ينطبق عليه العنوان المترقب ، وان قال الامام عليه السلام أو النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو نائبهما : لا تصل في جلد ما لا يؤكل لحمه مثلا كان نهيه هذا ظاهرا في الارشاد إلى مانعية جلد ما لا يؤكل لحمه ودخالة عدمه في انطباق عنوان الصلوة على الاجزاء التى يؤتى بها بترقب انطباقه عليها ، وإذا قال : صل مع الطهارة كان امره هذا ظاهرا في الارشاد إلى الشرطية ، ( والسر في ذلك ) ان عنوان الصلوة مثلا من العناوين التى لا يعلم اجزائها وشرائطها وموانعها الا من قبل الشارع نظير المعجون الذى يختص العلم بخصوصياته بالطبيب ، والاوامر والنواهي الواردة في خصوصيات هذا السنخ من العناوين من قبل اهل فنها ظاهرة في الارشاد إلى الجزئية أو الشرطية أو المانعية ، وهذا ظهور عرفى عقلائي يشهد به كل من راجع سيرة العقلاء ، واحتمال المولوية في هذه الموارد احتمال مرجوح لا يقبله الاذهان السليمة .

( إذا عرفت ما ذكرنا فنقول ) : قد ظهر بذلك سر استدلال علماء الامصار في جميع الاعصار بالنواهي ( الواردة في ابواب العبادات والمعاملات بانواعها من البيوع والانكحة وغيرها ) على الفساد ، فان استدلالهم بها لم يكن بتوسيط الحرمة المولوية بان يستفيدوا منها الحرمة المولوية ويستدلون بالحرمة على الفساد ، بل كان ذلك من جهة ظهور النواهي الواردة في هذه الابواب في الارشاد إلى المانعية المستلزمة للفساد قهرا ، ( نعم ) لو فرض ظهور النهى في التحريم المولوي أو احرز الحرمة والمبغوضية بطريق آخر يجرى نزاع آخر في ان الحرمة تقتضي الفساد أو لا ؟ ولكن هذا غير النزاع الاول ، فان النزاع علىالاول في الدلالة والبحث لفظي ، وعلى الثاني في الاقتضاء والملازمة ، والبحث عقلي .

( وبما ذكرنا ظهر ) اختلاف اساس الاستدلالين ، فان بناء الاستدلال الاول على ادعاء الملازمة بين الحرمة المولوية والفساد من دون نظر إلى ظهور النهى حتى لو فرض


257

استفادة الحرمة والمبغوضية من غير اللفظ ايضا جرى النزاع ، وبناء الاستدلال الثاني على ادعاء ظهور قسم خاص من النواهي ( وهى الواردة في باب المركبات المخترعات ) في الارشاد إلى المانعية المقتضية للفساد قهرا ، كظهور الاوامر الواردة فيها في الارشاد إلى الجزئية أو الشرطية .

( وبالجملة ) هنا مسلكان مختلفان لا جامع بينهما ، والبحث على الاول بحث عقلي وعلى الثاني بحث لفظي ، فلاحد أن يلتزم بالفساد على الثاني دون الاول ، واللازم ( على المسلك الاول ) ان يعبر في عنوان المسألة بالاقتضاء ، ( وعلى المسلك الثاني ) بالدلالة .

( وإذا ظهر لك ما ذكرنا فنقول ) : بناء على ظهور هذا السنخ من النواهي في الارشاد ( كما هو الظاهر ) فدلالتها على الفساد واضحة سواء في ذلك العبادات والمعاملات ، واما بناء على انكار ذلك وادعاء ظهورها في الحرمة المولوية فهل تلازم الحرمة للفساد أو لا تلازم أو يفصل بين العبادات والمعاملات ؟ الظاهر هو التفصيل ففى العبادات تلازم الحرمة للفساد لاحتياجها إلى قصد القربة ، والحرمة تلازم المبغوضية فيكون اتيان المحرم مصداقا للتمرد والعصيان ومبعدا عن ساحة المولى ، والمبعد لا يكون مقربا وقد فصلنا ذلك في مبحث الاجتماع .

( واما في المعاملات ) فلا تلازم الحرمة الفساد لعدم اشتراطها بالقربة وعدم التنافى بين المبغوضية وبين ان يتحقق مضامينها ، والفرض عدم كون النهى ايضا ظاهرا في الارشاد إلى مانعية شيئ لتحققها ، فلا وجه لفسادها من غير فرق بين المعاملات بالمعنى الاخص وبين غيرها كالغسل والتطهير ونحو ذلك من الموضوعات الشرعية التى يترتب عليها آثارها قهرا وان صدرت مبغوضة .

( تذنيبان )

( الاول ) قد قسم الشيخ " قده " ( على ما في تقريرات بحثه ) النهى المتعلق بالعبادة إلى قسمين : الارشادي ، والتحريمي المولوي ، فقال بدلالة الاول على الفساد قطعا ، ودلالة الثاني ايضا في الجملة .

وقسم النهى المتعلق بالمعاملة إلى أربعة اقسام : ( احدها ) الارشادي ، والثلثة الاخر مولوية تحريمية ، ( فاولها ) ان يتعلق النهى بالمعاملة


258

بما هي فعل مباشري ( وبعبارة اخرى ) بالسبب اعني نفس الايجاب والقبول كالنهي المتعلق بالبيع وقت النداء .

( الثاني ) ان يتعلق بها بما هي فعل تسبيبى ( وبعبارة اخرى ) بنفس المسبب ، وذلك كالنهي عن بيع المصحف أو العبد المسلم للكافر ، فان المبغوض انما هو مالكية الكافر لهما التى هي نوع من السلطنة والسبيل .

( الثالث ) ان يتعلق بالاثر الذى لا ينفك من المعاملة بحيث لو لم تكن المعاملة فاسدة لم يمكن تحريم هذا الاثر ، من جهة انه لا معنى لصحتها عرفا وشرعا الا ترتب هذا السنخ من الاثر كالنهي عن أكل ثمن الكلب أو العذرة ، فان صحة المعاملة وحصول الملكية يستلزمان حلية الثمن للبايع ( انتهى ) .

( وزاد في الكفاية قسما آخر ) وهو ان يكون المتعلق للنهى التسبب بهذا السبب إلى هذا المسبب من دون ان يتعلق النهى بنفس السبب أو المسبب ( 1 ) ( ثم قال ) : ان النهى عنها بما هو فعل مباشري أو تسبيبى لا يقتضى الفساد ، ومثله ما إذا وقع النهى عن التسبب ، واما النهى عن الاثر الغير المنفك فيقتضى الفساد ( انتهى ) .

( اقول ) : قد مثلوا لصورة تعلق النهى بنفس السبب بالنهي عن البيع وقت النداء ، والظاهر فساد ذلك ، فان معنى حرمة السبب كون نفس الايجاب والقبول بما هما لفظان محرمين ، وليس في المثال نفس التلفظ بالايجاب والقبول محرما لعدم اشتماله على المفسدة ،وانما المحرم في وقت النداء هو الاشتغال بالاشتغال الدنيوية المانعة عن الصلوة ، ومنها الاشتغال بالتجارات التى اهمها البيع ، ولا خصوصية لنفس البيع ، وانما ذكر من باب المثال أو الكناية ، فالمنهى عنه هو الاعمال المزاحمة للصلوة ، والبيع ايضا محرم بهذا العنوان لا بما هو لفظ خاص ، ثم ان هذا النهى ليس نهيا نفسيا ناشئا من مفسدة في متعلقه ، بل هو من باب تعلق النهى بضد المأمور به الذى لا ملاك له سوى نفس مصلحة المأمور به ، وقد عرفت في مبحث الضد ان الامر بالشيئى والنهى عن ضده ليسا بتكليفين مستقلين واجدين لملاكين ، بل الامر

( 1 ) يمكن ان يمثل له بالنهي عن تملك الزيادة بالبيع الربوي فان نفس الانشاء وكذا تملك الزيادة بمثل الهبة ونحوها لا محذور فيه ، وانما المحرم هو التسبب بالبيع لتملك الزيادة .


259

والنهى متحدان بحسب الحقيقة ، ففيما نحن فيه النهى عن البيع وقت النداء تأكيد للامر بصلوة الجمعة ، فان النهى عنه انما هو من جهة كونه ضدا لها فلا نهى حقيقي في البين فتدبر .

( التذنيب الثاني )

قد عرفت ان للقوم في المسألة مسلكين : ( الاول ) ان الحرمة تلازم الفساد ام لا ، وعلي هذا فالمسألة عقلية .

( الثاني ) ان علماء الامصار في جميع الاعصار كانوا يستدلون بالنواهي الواردة في خصوصيات العبادات والمعاملات على الفساد ، وقد عرفت ايضا ان استدلالهم لم يكن بتوسيط الحرمة من جهة ظهور النهى عندهم في الارشاد .

( ونزيدك هنا ايضاحا فنقول ) : ان استدلالهم بهذا السنخ من النواهي على الفساد و ارسالهم ذلك ارسال المسلمات ليس من جهة كون النهى موضوعا للفساد شرعا بعد عدم كونه كذلك لغة ، للقطع بعدم وضع من الشارع في هذا المقام وانه ليس وظيفته الا بيان الاحكام بلسان قومه ، بل ما يحتمل ان يكون وجها لذلك امور : ( الاول ) ما سبق منا من انه إذا امر من له مزيد اختصاص في العلم بشيئ بهذا الشيئ ثم أمر ببعض الخصوصيات المتعلقة به أو نهى عنهيتبادر من هذا السنخ من الاوامر والنواهي الارشاد إلى الجزئية أو الشرطية أو المانعية ، وليس للنهى ( ح ) ظهور في المولوية حتى نحتاج في اثبات الفساد إلى توسيط الحرمة وادعاء الملازمة بينها وبين الفساد وقد فصلنا ذلك فراجع .

( الثاني ) ما ذكره الشيخ " قده " وحاصله ان الظاهر من النهى المتعلق بعبادة خاصة أو معاملة خاصة كونه ناظرا إلى العمومات المشرعة لها تأسيسا أو امضاء ، فيكون بمنزلة المقيد أو المخصص لها فإذا قال الله ( تعالى ) : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم أو ورد في الخبر النهى عن بيع الغرر أو نحو ذلك علم منه ارادة التخصيص للعمومات الدالة على صحة النكاح والبيع ونحوهما من المعاملات ، وهكذا الامر في العبادات ، ( هذا ) ولكن يجب ان يعلم ان ما ذكره " قده " ليس وجها في قبال ساير الوجوه ، فان النهى ان كان تحريميا مولويا فلا وجه لاستفادة الفساد منه في المعاملات كما عرفت ، وان كان ارشاديا رجع إلى ما ذكرناه في الوجه الاول .

( الثالث ) ان يقال في خصوص المعاملات : ان حصول المسببات عقيب الاسباب انما هو بجعل الشارع اياها عقيبها واعتباره لها ، أو بجعل السببية للاسباب بداهة ان السببية


260

فيها ليست تكوينية فهى قابلة للجعل التشريعي ، و ( ح ) فمن المستبعد اعتبار الشارع و امضائه لما هو مبغوض له ، فبالنهى الدال على الحرمة والمبغوضية يستكشف عدم اعتبار الشارع للمسبب الذى يكون تحققه بيده .

( الرابع ) ما ذكره بعض المعاصرين من ان النهى يدل على المحجورية الشرعية ، و من شرائط الصحة في المعاملات عدم الحجر .

( والخامس ) ان يقال : ان الظاهر من النواهي المتعلقة بالمعاملات هو المنع عن ترتيب آثارها عليها ، فيرجع جميع النواهي المتعلقة بالمعاملات إلى القسم الثالث الذى نقلناه عن الشيخ وهو صورة تعلق النهى بالاثار التى لا تنفك من المعاملة بحيث لو صحت المعاملة لم يعقل حرمة هذه الاثار ، وقد توافق الشيخ وشيخنا الاستاد المحقق الخراسانيعلى كون النهى في هذه الصورة دالا على الفساد ، ووجهه واضح ، ووجه ارجاع جميع النواهي الواردة في المعاملات إلى هذه الصورة هو ان يقال : ان للمعاملات ثلاث مراتب : ( الاولى ) مرتبة الاسباب اعني نفس الايجاب والقبول ( الثانية ) مرتبة المسببات التى توجد بها في عالم الاعتبار من الملكية والزوجية ونحوهما ( الثالثة ) مرتبة الاثار الشرعية والعقلائية المترتبة على المسببات من جواز التصرف في الثمن مثلا للبايع وفي المثمن للمشترى ، وجواز الوطى ونحوه في النكاح ، ونحو ذلك ، ولا يخفى ان نفس الاسباب لا نفسية لها عند العرف والعقلاء وليست مقصودة بالذات بل هي آلات لايجاد مسبباتها ومندكات فيها بنظرهم ، وكذلك المسببات بأنفسها امور اعتبارية محضة وليست مقصودة بالاصالة ، فان نفس الملكية مجردة من جميع آثارها لا تغنى عن جوع احد فهى ايضا فانية في الاثار ، فالمطلوب بالذات وما هو المقصود عند العقلاء في المعاملات انما هو ترتيب الاثار من التصرف في الثمن والمثمن وقضاء الحوائج بهما ونحو ذلك .

فإذا كان نظر العرف والعقلاء إلى الاسباب والمسببات نظرا آليا وكانتا عندهم في الحسن والقبح تابعيتين للاثار المطلوبة فلا محالة لا يتبادر إلى اذهانهم من النواهي المتعلقة بهما الا النهى عن ترتيب الاثار ، إذ لا نفسية لهما عندهم ولا يتصفان في أنفسهما بحسن ولا قبح ، ونظير ذلك ما ذكرناه في مبحث المقدمة من ان الامر بالمقدمة عين الامر بذيها .


261

( وبالجملة ) الامر والنهى في الامور الالية يتعلقان حقيقة بما هي فانية فيه فلا يتبادر إلى الاذهان من النهى عن نكاح الام مثلا الا حرمة ترتيب آثار الزوجية فانها المقصودة بالذات من النكاح لا نفس الايجاب والقبول ولا الزوجية المجردة منها ، وعلي هذا فيدل النهى على الفساد فتدبر .

المقصد الثالث

في المنطوق والمفهوم

( اعلم ) ان الظاهر من كلمات القوم كونهما وصفين للمدلول بما هو مدلول لا للدلالة وان كانت كيفية الدلالة منشئا لاتصافه بهما ( وبعبارة اخرى ) ينقسم المدلول من اللفظ إلى منطوق ومفهوم باعتبار انقسام الدلالة إلى نحوين ، فنحو خاص منها يسمى مدلوله بالمنطوق ، و نحو آخر منها يسمى مدلوله بالمفهوم .

( والقول ) بكونهما وصفين لنفس الدلالة في غاية السخافة ، ولا نظن تفوه احد من القدماء بذلك ، ولعل نظر من جعلهما وصفا لها إلى ما ذكرناه من ان كونهما وصفين للمدلول ليس بلحاظه بذاته بل باعتبار كونه مدلولا لنحوين من الدلالة .

( انما الاشكال في المقام ) في تشخيص نحوى الدلالة ( المنقسم باعتبارهما المدلول إلى المنطوق والمفهوم ) ( قال الشيخ ) على ما في تقريرات بحثه ما حاصله : ان دلالة المفردات على معانيها ( باقسامها من المطابقة والتضمن والالتزام ) خارجة من المقسم فلا يتصف مداليلها بالمنطوق ولا بالمفهوم .

( واما دلالة المركبات ) على معانيها التركيبية فان كانت بالمطابقة فهى داخلة في المنطوقية بلا اشكال ، وان كانت بالتضمن فالظاهر منهم وان كان دخولها في المنطوقية ايضا ولكن يمكن الاستشكال فيه ( بناء على تفسير المفهوم بما يفهم من اللفظ تبعا ) فان المعنى التضمنى وان كانت بالذات مقدما على المطابقى ولكنه متأخر عنه في الاستفادة من اللفظ ، بل قد يتصور الكل اجمالا من دون ان يتصور الجزء ، مثال ذلك ما لو اثبت القيا


262

( الذى هو وضع خاص ) لزيد فانه يفهم منه ضمنا ثبوت بعض هذا الوضع لرأسه مثلا ولكن الذهن ربما يغفل عنه .

( هذا كله ) في دلالة المركبات على معانيها المطابقية والتضمنية .

( واما دلالتها ) على معانيها الالتزامية فهى ايضا على قسمين ، إذ المدلول الالتزامى اما ان يكون بحيث يقصد المتكلم دلالة اللفظ عليه ، واما ان يكون مما يستفاد منه تبعا بلاقصد لافهامه ، والقسم الثاني خارج من المنطوقية والمفهومية معا ، واما القسم الاول فان كان مفاده مفاد ( لا غير ) كما في جميع مفاهيم المخالفة ، أو كان الحكم فيه ثابتا للغير على وجه الترقي كما في مفهوم الموافقة فهو المفهوم بقسميه ، والا فهو ايضا من المنطوق ، فاستقر اصطلاحهم على تسمية هذين النوعين من المداليل الالتزامية المركبة بالمفهوم ( وقد فصل " قده " ) الكلام في هذا المقام ونقل في ضمن كلامه تعريف الحاجبى للمنطوق بانه ما دل عليه اللفظ في محل النطق ، وللمفهوم بانه ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق ، وتفسير العضدي لتعريف المنطوق بقوله : ( أي يكون حكما لمذكور وحالا من احواله سواء ذكر الحكم ونطق به ام لا ، ولتعريف المفهوم بقوله : ( أي يكون حكما لغير المذكور ( انتهى ) .

( اقول ) : لم يأت هو " قده " مع تفصيله بما يكون معتمدا عليه في امتياز المنطوق من المفهوم ، فان الظاهر من القدماء كون المداليل في حد ذاتها على قسمين ، وليس تقسيم المدلول اليهما بحسب جعل الاصطلاح فقط بان يصطلحوا بلا جهة على تسمية بعض المداليل الالتزامية بالمفهوم وادخال غيره في المنطوق ، ولذلك تريهم يختلفون في ان دلالة الغاية أو الاستثناء على الانتفاء عند الانتفاء مفهومية أو منطوقية ، فيعلم من ذلك كونهما ممتازين بحسب الواقع .

والمتأخرون عن الشيخ ايضا لم يذكروا في الباب ميزانا صحيحا يعتمد عليه ، فالواجب علينا تفصيل الكلام بنحو يتضح الامتياز بين نحوى الدلالة ( المنقسم باعتبارهما المدلول إلى المنطوق والمفهوم ) ( فنقول ) : ما يفهم من كلام المتكلم قد يكون بحيث يمكن ان يقال : ( انه تنطق به )


263

بنحو لو قيل للمتكلم : ( انت قلت هذا ) لم يكن له انكاره ، وقد يكون بحيث لا يمكن ذلك بل يكون للمتكلم مفرمنه ، وان انكر قوله اياه لم يمكن الزامه ، مثلا إذا قال المتكلم : ( ان جائك زيد فأكرمه ) فمد اليله المطابقية والتضمنية والالتزامية كلها مما لا يمكن للمتكلم ان ينكر تنطقه بها ، واما عدم ثبوت الوجوب عند عدم المجئ فيفهم من اللفظ ، ولكن لو قيل للمتكلم : ( أنت قلت هذا ) مكنه انكار ذلك بان يقول : ما قلت ذلك وانما الذى قلته و وتنطقت به هو وجوب الاكرام عند المجئ ، وليس الانتفاء عند الانتفاء من لوازم الثبوت عند الثبوت حتى يقال : ان دلالة اللفظ عليه بالالتزام ، لوضوح ان وجوب الاكرام عند المجيئ لا يستلزم بحسب الواقع عدم وجوبه عند عدمه ، ومع ذلك نرى بالوجدان انه يفهم من الكلام ، ولكنه ليس بحيث يمكن ان ينسب إلى المتكلم انه تنطق به ، واما الثبوت عند الثبوت وجميع لوازمه العقلية والعرفية فمما يمكن ان تنسب إلى المتكلم ويقال انه تنطق بها وليس له انكاره ، وكذا الكلام في مفهوم الموافقة فان النهى عن الاف يفهم منه النهى عن مثل الضرب ولكنه لا تلازم بين المعنيين والمدلولين بحسب متن الواقع لعدم الارتباط و العلاقة بين الحرمة المتعلقة بالاف وبين الحرمة المتعلقة بالضرب حتى يقال باستلزام الاول للثاني .

" وبالجملة " المداليل المطابقية والتضمنية والالتزامية جميعها مما لا يمكن للمتكلم ان ينكر القول بها بعد اقراره بتنطقه بالكلام ، ولكن هيهنا مداليل اخر تفهم من الكلام من جهة اعمال خصوصية فيه ، ومع ذلك يكون للمتكلم ( مع اقراره بالتنطق بالكلام ) ان يقول : ما قلت ذلك ، لعدم كونها من مداليلها المطابقية والتضمنية والالتزامية .

( والمراد ) بالمدلول الالتزامى ما فهم من اللفظ من جهة كونه لازما ذهنيا لما وضع له اللفظ سواء كان بحسب الخارج ايضا من لوازمه كالجود للحاتم أو من معانداته كالبصر للعمى ، فما قد يتوهم في بيان الضابط لدلالة الالتزام ( من انها عبارة عن الدلالة الثابتة بالنسبة إلى اللوازم البينة بالمعنى الاخص ) في غير محله ، فان دلالة الالتزام تتوقف على اللزوم الذهنى لا الخارجي ، والمقسم للبين وغيره بقسميه هو اللازم الخارجي .

( 1 )

( 1 ) اقول : ينافى ذلك تمثيلهم للبين بالمعنى الاخص بمثل العمى وا

264

( وكيف كان ) فهنا مداليل اخر للكلام سوى المداليل المطابقية والتضمنية والالتزامية يكون دلالة اللفظ عليها دلالة مفهومية ، كما يكون دلالته على المعنى المطابقى والتضمني والالتزامي دلالة منطوقية ، فالدلالة المفهومية خارجة من الاقسام الثلثة ، فانها بأجمعها مما يمكن ان يقال : ان المتكلم تنطق بها ، غاية الامر ان تنطقه بالنسبة إلى المدلول التضمنى والالتزامي بالواسطة ، والمفهوم عبارة عما لم يتنطق به المتكلم ولو بالواسطة .

وبيان حقيقة الدلالة المفهومية يتوقف على ذكر مقدمة " فنقول " : لا ريب في ان استفادة المعنى من اللفظ بحيث يمكن الاحتجاج على المتكلم بارادته له تتوقف على اربعة امور مترتبة حسب ما نذكرها .

" الاول " عدم كون المتكلم لاغيا في كلامه وكونه مريدا للافادة .

" الثاني " كونه مريدا لافادة ما هو ظاهر اللفظ بحيث يكون ظاهر اللفظ مرادا له ، إذ من الممكن ( بحسب مقام الثبوت ) عدم كونه لاغيا في كلامه ولكن لا يكون مع ذلك مريدا لظاهر اللفظ بان القاه تقية أو لجهات اخر .

" الثالث " عدم اجمال اللفظ وكونه ظاهرا في المعنى .

" الرابع " حجية الظهور ، والمتكفل لاثبات الامر الاول والثانى ليس هو اللفظ بل بناء العقلاء إذ قد استقر بنائهم على حمل فعل الغير على كونه صادرا عنه لغايته الطبيعية التى تقصد منه عادة ولا يعتنون باحتمال صدوره لغوا وجزافا ولا باحتمال صدوره لغير ما هو غاية له نوعا ، واللفظ الصادر عن المتكلم ايضا من جمله افعاله ، فيحمل بحسب بناء العقلاء على كونه صادرا عنه لغاية ، وكون المقصود منه غايته الطبيعية العادية ، وحيث ان الغاية العادية للتلفظ افادة المعنى فلا محالة يحكم المستمع للفظ ( قبل اطلاعه على المعنى المقصود منه ) بكون التكلم به لغاية وفائدة وكون الغاية المنظورة منها افادة معناه ( أي شيئ كان ) ، وليس هذا مربوطا بباب دلالة الالفاظ على معانيها ، بل هو من باب بناء العقلاء على حمل فعل الغير على كونه صادرا عنه لغايتهالطبيعية ، وهذا مقدم بحسب الرتبة على الدلالة الثابتة للفظ ( بما هو لفظ موضوع ) على معناه المطابقى أو التضمنى أو الالتزامى لانه من باب دلالة الفعل لا اللفظ بما هو لفظ موضوع ويحكم به العقلاء قبل الاطلاع على المعنى الموضوع له .


265

( ثم ان ) هذا البناء من العقلاء كما يكون ثابتا في مجموع الكلام كذلك يكون ثابتا في ابعاضه وخصوصياته ، فكما ان نفس تكلمه ( بما انه فعل من الافعال الاختيارية ) يحمل على كونه لغايته الطبيعية العادية ، فكذلك الخصوصيات المذكورة في الجملة من الشرط أو الوصف أو غيرهما تحمل ( بما هي من الافعال الصادرة عنه ) على كونها لغرض الافادة والدخالة في المطلوب ، فانها غايتها العادية ، وكما لم يكن دلالة نفس الجملة على كونها لغرض افادة المعنى دلالة لفظية وضعية بل كانت من جهة بناء العقلاء ( المتقدم بحسب الرتبة على الدلالة اللفظية المنطوقية ) ، فكذلك دلالة الخصوصية المذكورة في الكلام على كونها للدخالة في المطلوب ليست من باب دلالة اللفظ بما هو لفظ موضوع بل هي من باب بناء العقلاء ومن باب دلالة الفعل بما هو فعل سواء كان من مقولة اللفظ أو من غيره .

( إذا عرفت هذه المقدمة ) ظهر لك سرما قلناه من ان الدلالة المفهومية خارجة من الانحاء الثلثة اعني المطابقة والتضمن والالتزام ، فان مقسمها دلالة اللفظ ( بما هو لفظ موضوع ) ، فان دل على تمام ما وضع له سميت الدلالة بالمطابقة وان دل على جزء منه سميت بالتضمن وان دل على لازمه سميت بالالتزام ، واما دلالة اللفظ على المفهوم فليست ثابتة له بما هو لفظ موضوع بل هو من باب دلالة الفعل بحسب بناء العقلاء .

( والحاصل ) ان دلالة الخصوصية المذكورة في الكلام من الشرط أو الوصف أو الغاية أو اللقب أو نحوهما على الانتفاء عند الانتفاء ليست دلالة لفظية بل هي من باب بناء العقلاء على حمل الفعل الصادر عن الغير على كونه صادرا عنه لغاية وكون الغاية المنظورة منه غايته النوعية العادية ، والغاية المنظورة ( عند العقلاء ) من نفس الكلام حكايته لمعناه ،والغاية المنظورة من خصوصياته دخالتها في المطلوب ، ومن هنا يثبت المفهوم ، فإذا قال المولى : ( ان جائك زيد فأكرمه ) مثلا حكم العقلاء بدخالة مجئ زيد في وجوب اكرامه ، ( بتقريب ) انه لو لم يكن دخيلا فيه لما ذكره المولى ، وكذلك ان ذكر وصف في كلامه يحكمون بدخالته في الحكم بهذا التقريب ، وهكذا سائر الخصوصيات التى تذكر في الكلام .

( وبالجملة ) فائدة ذكر القيد ( أي قيد كان ) بحسب طبعه عبارة عن دخالته في الحكم


266

فيحكم العقلاء بان تعليق الحكم عليه ليس الا لدخالته والا كان ذكره لغوا ، ولا ربط لهذا الحكم العقلائي بباب الدلالات اللفظية ، بل هو من جهة بنائهم على عدم حمل فعل الغير على اللغوية ، بل على فائدته المتعارفة المنظورة منه نوعا ، فباب المفاهيم بأقسامها غير مربوط بباب الدلالات اللفظية باقسامها .

( وقد ظهر بما ذكرنا ) ان استفادة المفهوم في جميع القيود : من الشرط والوصف وغيرهما بملاك واحد ، وهو ظهور الفعل الصادر عن الغير في كونه صادرا عنه لغايته الطبيعية العادية فلا يجب البحث عن كل واحد من القيود في فصل مستقل .

( وينبغى التنبيه على امور )

( الاول ) قد ظهر لك أن استفاده المفهوم من باب بناء العقلاء ، ولا ريب انه قد استقر بنائهم على حمل كلام المتكلم وحمل خصوصياته على كونها صادرة عنه بداعي غايتها النوعية ، وان الغاية النوعية للقيود هي دخالتها في المطلوب والمقصود الذى سيق لاجله الكلام ، وهذا البناء من العقلاء موجود قطعا ، وانما الاشكال في حجيته ، فما تراه في كلام المتأخرين ( من ان النزاع في حجية المفاهيم نزاع صغروى ، إذ النزاع في اصل ثبوته لافى حجيته ) فاسد على ما ذكرناه من المبنى ، ولذلك ترى القدماء كانوا ينازعون في حجية المفاهيم لا في اصل ثبوتها ( نعم ) بناء على ما اسسه المتأخرون في باب المفاهيم من ارجاعهاإلى الدلالات اللفظية الالتزامية كما قالوا في مفهوم الشرط مثلا : انه ثابت بناء على استفادة العلية المنحصرة من الشرط ، يكون النزاع صغرويا كما افادوه ولكن هذا الاساس ينهدم بما ذكرنا .

( الامر الثاني ) مفهوم الموافقة بعكس مفهوم المخالفة ، فكما ان العقلاء يحكمون في بعض الموارد بدخالة الخصوصية المذكورة في الكلام حذرا من حمل كلام الغير على اللغوية ، فكذلك يحكمون في بعض الموارد بعدم دخالة الخصوصية وشمول الحكم للاعم من واجدها ، وليس مفهوم الموافقة الا عبارة عن القاء الخصوصية والحكم بعدم دخالتها ، سواء وجد في البين اولوية كما في النهى عن الاف الذى يفهم منه حرمة الضرب


267

مثلا ام لم توجد كما إذا سئل الامام عليه السلام عن حكم الرجل الشاك مثلا فأجاب ، فان العرف يلقى خصوصية الرجولية ويحكم بعدم دخالتها في الحكم ، وليس مفهوم الموافقة منحصرا في ما إذا كان الفرع اولى من الاصل وان كان يوهمه بعض الكلمات ، ولذلك ترى في كلام بعض القدماء الاقوال في حجيته ثلثة ، ثالثها التفصيل بين صورة الاولوية وبين غيرها .

( الامر الثالث ) مفهوم المخالفة عند المتأخرين ينتج انتفاء الحكم عند انتفاء القيد ، واما على ما اسسناه فلا يفيد ذلك ، إذ قد عرفت ان ثبوته عندنا من باب بناء العقلاء ، وغاية ما يحكم به العقلاء في مثل قوله : ( الماء إذا بلغ قدر كر لم ينجسه شيئ ) انما هو دخالة الكرية في الحكم بعدم التنجس وعدم كون ذات الماء تمام الموضوع له ( بتقريب ) انه لو كان ثابتا لذاته مع قطع النظر عن تخصصه بخصوصية الكرية لكان ذكرها لغوا ، واما كون هذه الخصوصية دخيلة ليس الا بمعنى عدم جواز ان يخلفها خصوصية اخرى مثل الجريان والمطرية ونحوهما فلا يحكم به العقلاء فان مبنى حكمهم هو الفرار من محذور اللغوية ، ولا يخفى ان كون قيد الكرية ذا فائدة وعدم كونه لغوا يتوقف على عدم كون ذات الماء بما هي هي تمام الموضوع ، لا على كون الكرية علة تامة منحصرة لعدم التنجس بحيث لايخلفها مثل الجريان والمطرية ، فهذه الرواية كافية في رد مثل ابن ابى عقيل القائل بعدم انفعال الماء مطلقا ، ولا تدل على عدم جواز ان يخلف قيد الكرية قيد آخر ، فانه من الممكن ان لا يكون الحكم ثابتا لذات الموضوع بما هي هي بل يكون لخصوصية اخرى دخالة في الحكم ، ولكن هذه الخصوصية قد تكون منحصرة وقد تكون متعددة يكفى انضمام كل منها إلى ذات الموضوع في ثبوت الحكم كما في ما نحن فيه ، فان انضمام كل واحدة من الكرية والمطرية والجريان مثلا إلى حيثية المائية يكفى في الحكم بعدم التنجس .

( وبما ذكرنا ) ينهدم اساس المفهوم بمعنى الانتفاء عند الانتفاء سواء كان القيد المذكور في الكلام شرطا أو وصفا أو غيرهما .

وهذا الذى ذكرناه هو مراد السيد " قده " حيث قال ما حاصله : ان قوله ( تعالى ) فاستشهدوا شهيدين من رجالكم يدل على توقف قبول شهادة الرجل على انضمام شاهد آخر ، ثم دل دليل آخر على ان الامرأتين ايضا قد تقومان مقام الرجل وهكذا ، إلى


268

آخر ما ذكره " قده " في بيان عدم حجية المفهوم ، فانه ( قده ) يسلم دخالة الشرط المذكور في الحكم ، وانما ينكر دلالته على الانتفاء عند الانتفاء ، فكلامه " قده " جيد على ما ذكرناه وان لم يعتن به المتأخرون وجعلوه واضح الفساد .

( نعم ) يمكن ان يستفاد الانتفاء عند الانتفاء في بعض الموارد كما إذا كان المولى في مقام بيان جميع ما يمكن ان يكون دخيلا في الحكم ، و ( ح ) فمثل مفهوم اللقب ايضا حجة فضلا عن الشرط ونحوه ( وقد تلخص مما ذكرنا ) ان ذكر القيد الزائد ( أي قيد كان ) يكفى في نفى كون الحيثية المقيدة به تمام الموضوع ولا يكفى بنفسه للدلالة على الانتفاء عند الانتفاء .

( الرابع ) القضية الشرطية على قسمين : ( الاول ) ما كان مقدمها بمنزلة الموضوع و تاليها بمنزلة المحمول فكأنها قضية حملية ذكرت بصورة الشرطية ،وذلك كقول الطبيب مثلا للمريض : ان شربت الدواء الفلاني انقطع مرضك ، فانه بمنزلة ان يقول شرب الدواء الفلاني قاطع لمرضك ، وكقول المنجم : ان كان زحل في الدرجة الكذائية رخصت الاسعار مثلا ونحو ذلك ، وهذا القسم من الشرطيات التى مفادها مفاد الحمليات لا مفهوم لها ، إذ الشرط بمنزلة الموضوع والجزاء بمنزلة المحمول فلا قيد زائد حتى يستفاد منه المفهوم .

( القسم الثاني ) من الشرطيات المستعملة ما كان المقصود فيها اثبات محمول التالى لموضوعه ويكون المقدم بمنزلة القيد الزائد الخارج من الثابت والمثبت له كقوله : الماء إذا بلغ قدر كر لم ينجسه شيئ ، فان محط النظر في هذه القضية بيان حكم الماء من النجاسة أو الطهارة ، فقوله : إذا بلغ قدر كربمنزلة القيد الزائد ، وهذا القسم من الشرطيات يستفاد منها المفهوم ، إذ يجب ان يفرض للقيد الزائد فائدة ، والفائدة النوعية للقيد كما عرفت انما هو الدخالة في موضوع الحكم فتدبر .

هذا ما عندنا في بيان ما هو الملاك في المفاهيم .

( واما المتأخرون ) فذهب كل منهم في بيانها مذهبا ولم يستوفوا حقها .

( قال بعض اعاظم العصر ما حاصله ) : " ان المدلول الالتزامى للكلام ان كان من اللوازم البينة بالمعنى الاخص سميناه بالمفهوم ، وان كان من اللوازم البينة بالمعنى الاعم سميناه


269

بالمدلول السياقى ، وان كان من اللوازم الغير البينة كان مدلولا التزاميا فقط ، ولا يسمى باسم آخر .

" ولازم كلامه ( قده ) ثبوت الواسطة بين المنطوق والمفهوم ، فان المدلول السياقى واللوازم الغير البينة خارجتان ( بنظره ) منهما ، واما بناء على ما ذكرناه فلا يثبت الواسطة ، فان المداليل الالتزامية بينة كانت أو غير بينة داخلة عندنا في المنطوق كما عرفت .

ولعل ما ذكره في الكفاية في باب المفاهيم امتن ما ذكره المتأخرون فلنشر إليه ، قال " قده " في تعريف المفهوم : " انه عبارة عن حكم انشائي أو اخباري تستتبعه خصوصية المعنى الذى اريد من اللفظ بتلك الخصوصية .

"( اقول ) : وفيه نظر إذ الخصوصية ان كانت مما دل عليه اللفظ كانت داخلة في المعنى فاستتباع الخصوصية للمفهوم عبارة اخرى عن استتباع نفس المعنى له ، وهو عبارة اخرى عن الدلالة الالتزامية ، فيبقى السؤال عن وجه تعبيره " قده " عن الدلالة الالتزامية بهذا التعبير ، وان لم تكن الخصوصية مما دل عليه اللفظ ولم تكن داخلة في المعنى فيبقى السؤال عن وجه تخصص المعنى بها مع عدم دلالة اللفظ عليها ، ( مثلا ) في قوله : ( ان جائك زيد فأكرمه ) لفظة ان تدل على العلية ، ثم ان خصوصية الانحصار ان كانت من لوازم هذا المعنى فالدلالة على المفهوم اعني الانتفاء عند الانتفاء دلالة التزامية منطوقية ، وان لم تكن من لوازمه فاى جهة لتخصصه بها .

( ثم شرع قده ) في بيان مفهوم الشرط فقال ان ثبوته يتوقف على دلالة الجملة الشرطية على اللزوم وترتب الجزاء على الشرط بنحو العلية المنحصرة .

( ثم قال ) : ان دلالتها على اصل اللزوم مسلمة ، واما الدلالة على الترتب فضلا عن العلية والانحصار فللمنع عنه مجال ، ( ثم ذكر ) للدلالة على العلية المنحصرة خمسة تقاريب ورد جميعها فاختار عدم ثبوت المفهوم في الجمل الشرطية .

والتقاريب الخمسة عبارة عن دعوى التبادر ، ودعوى الانصراف ، ودعوى جريان مقدمات الحكمة بثلثة انحاء ، وقد ذكرنا حين ما نحضر درسه " قده " تقريبا سادسا ، ( وحاصله ) ان قوله : ( ان جائك زيد فأكرمه ) ظاهر في كون خصوصية المجئ دخيلة في ثبوت الجزاء فيكون لازم ذلك كون المجئ علة منحصرة ، إذ لو كان هنا علة اخرى كان العلة هو الجا


270

بينهما لا خصوص كل منهما لعدم امكان صدور الواحد ( بما هو واحد ) عن الاثنين ( بما هما اثنان ) ( وبعبارة اخرى ) التعليق على المجئ ظاهر في كون المجئ بما هو مجئ بخصوصه علة لا بما انه مصداق للجامع بينه وبين امر آخر ، ولازم ذلك هو الانحصار ( وقد اجاب " قده " عن ذلك ) بان عدم صدور الواحد عن الاثنين وكون العلةبحسب الحقيقة عبارة عن الجامع امر يقتضيه الدقة العقلية والعرف غافل عنه ، والمرجع لفهم المعاني هو العرف ( 1 ) ( اقول ) : يمكن ان يقرب ما ذكرناه هنا بالتقريب الذى ذكرناه في اصل المفهوم ( بان يقال ) : ان بناء العرف والعقلاء على حمل كلام الغير وجميع خصوصياته على كونها صادرة للفائدة حذرا من اللغوية ، فإذا علق الحكم على المجئ فكما يفهم العرف من اصل تعليق الحكم على القيد كون القيد دخيلا ( بتقريب ) انه لو لم يكن دخيلا لما ذكره المولى ، فكذلك يفهم من خصوصية القيد ايضا كون الخصوصية ايضا دخيلة والا لما صح ذكره بخصوصه بل وجب ذكر الجامع بين الواجد لها والواجد لغيرها من الخصوصيات ، وبهذا البيان يستحكم اساس المفهوم بمعنى الانتفاء عند الانتفاء وان استشكلنا فيه اولا فتدبر .

( وقد تلخص مما ذكرناه في باب المفاهيم ) ان مسلك القدماء فيها يخالف مسلك المتأخرين ، فالمتأخرون قد اسسوا بناء مفهوم الشرط مثلا على استفادة العلية المنحصرة ، واما القدماء فقد اسسوا بناء جميع المفاهيم على امر عقلائي وهو ظهور الفعل الصادر عن الغير ( و منه التكلم بالخصوصيات ) في كونه صادرا عنه لغايته النوعية ، والغاية النوعية للقيد هي الدخالة .

( تذنيب )

إذا قال : وقفت مالى على أولادي الفقراء أو ان كانوا فقرأ ، فلا شبهة في عدم ثبوت الوقف

( 1 ) لا يخفى ان دليل امتناع صدور الواحد عن الكثير لو جرى في هذه المقامات فلا يمكن الجواب عنه بعدم فهم العرف ، لعدم امكان الالتزام بالمحذور العقلي تمسكا بعدم فهم العرف ، اللهم الا ان ينكر ظهور هذا النحو من الخصوصية ( التى لا يحتاج في بيانها إلى مؤنة زائدة ) في كونها دخيلة لعدم جريان دليل اللغوية بعد ما لم يكن بيان ذى الخصوصية اكثر مؤنة من بيان الجامع .


271

لغير الفقراء ، ولكن ليس ذلك من جهة حجية المفهوم ، بل من جهة أن الوقف قد انشأ بهذا اللفظ ، وصار موجودا بنفس هذا الانشاء ، والمفروض ان المنشأ به هو الوقف على الفقراء خاصة فلا مجال لثبوته لغيرهم .

( توضيح ذلك ) ان مفاد القضية الشرطية مثلا هو ثبوت محمول التالى لموضوعه على تقدير ثبوت المقدم ، ( وبعبارة اخرى ) ثبوت الحكم في التالى معلق على ثبوت المقدم ، ومقتضى دلالتها على المفهوم ( على مذاق القوم ) هو انتفاء ما هو المعلق عند انتفاء المعلق عليه ، فان ما يقتضيه التعليق هو انتفاء نفس ما علق على المقدم عند انتفاء المقدم لا انتفاء امر آخر ( ثم ان المعلق ) ان كان مما يمكن تحققه عند انتفاء المعلق عليه ايضا جرى فيه النزاع في حجية المفهوم وعدمها ، واما إذا كان امرا لا يعقل تحققه عند انتفائه فلا مجال فيه للبحث عن المفهوم ، فان انتفائه ( ح ) عند انتفاء المعلق عليه عقلي لا يستند إلى ظهور الشرط في العلية المنحصرة ( كما هو مسلك المتأخرين في باب المفاهيم ) أو إلى ظهور القيد في الدخالة ( كما نسبناه إلى قدماء اصحابنا ) وان ناقشنا فيه اولا وفاقا للسيد بان الدخالة لا تستلزم الانتفاء عند الانتفاء ( إذا عرفت هذا فنقول ) : ان المعلق ان كان له نحو تحقق وخارجية مع قطع النظر عن هذا الكلام المشتمل على التعليق كان من القسم الاول فيجرى فيه النزاع ، مثال ذلك ما إذا كان الجزاء جملة خبرية حاكية لتحقق مضمونها في الخارج كما إذا قال المولى : ان جائك زيد يجب اكرامه ، إذا لم يكن غرضه من هذا الكلام انشاء الوجوب فعلا بل كان غرضه حكاية الوجوب الثابت في ظرفه بانشائه قبلا أو بعدا ، فان المعلق على الشرط ( ح ) ( اعني به المحكى بالجملة الجزائية وهو الوجوب الثابت في ظرفه ) يمكن ان يكون في متن الواقع ثابتا لزيد الجائى فقط ، ويمكن ان يكون ثابتا له ولغير الجائى بان يكون قد انشأ لكليهما فحينئذ يقع النزاع في ان التعليق على الشرط يدل على الانتفاء عند انتفائه ام لا .

( ومن هذا القبيل ) الاوامر والنواهي الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والائمة عليهم السلام في مقام بيان احكام الله ( تعالى ) فانها كما حققناه في مبحث الاوامر ليست مولوية صادرة عنهم بقصدانشاء الحكم ، بداهة انهم لم يقصدوا بها اعمال المولوية بل صدرت عنهم للارشاد إلى


272

احكام الله الواقعية ، نظير اوامر الفقيه عند الافتاء فهى حاكيات لاحكام الله الثابتة المنشئة في متن الواقع ، فوزانها وزان الجمل الخبرية .

( هذا كله ) فيما إذا كان المعلق على الشرط موجودا متحققا في ظرفه مع قطع النظر عن هذا الكلام .

واما إذا كان تحققه وخارجيته بنفس هذا الكلام المشتمل على التعليق بحيث لم يكن له خارجية قبله ولا بعده بل كان هو آلة لايجاده وخارجيته كان من القسم الثاني ، ولا مجال فيه للبحث عن المفهوم بل ينتفى المعلق بانتفاء المعلق عليه عقلا ، إذ المفروض ان خارجيته بنفس هذا الكلام ، والمفروض انه علق في هذا الكلام على الشرط فيكون المنشأ شخص ما علق فينتفى بانتفائه عقلا ، مثال ذلك جميع الانشائات كقوله : وقفت على اولادي ان كانوا فقراء ، وقوله : ان جائك زيد فأكرمه إذا كان الغرض انشاء الوقف أو الوجوب بنفس هذا الكلام .

( وقد اتضح بما ذكرنا ) ان ثبوت المفهوم في الجمل الانشائية المولوية محل اشكال ، ولا يختص الاشكال بباب الاوقاف والوصايا ونحوهما .

( نعم ) قد عرفت ان الاوامر والنواهي الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والائمة ( ع ) وزانها وزان الجمل الخبرية فيثبت فيها المفهوم ، هذا .

( واما المحقق الخراساني ) فقال ان الاوامر والنواهي المولوية ايضا مشتملة على المفهوم ، وقال في بيان ذلك : " ان المفهوم هو انتفاء سنخ الحكم المعلق على الشرط عند انتفائه لا انتفاء شخصه ضرورة انتفائه عقلا بانتفاء موضوعه ولو ببعض قيوده .

" والقول بكون النزاع في السنخ يستفاد من تقريرات بحث الشيخ ( قده ) ايضا ، واستدل على ذلك بأن انتفاء الشخص قطعي لا يقبل الانكار بعد ارتفاع الكلام الدال على الانشاء ،ومن لوازم تشخصه عدم سراية ذلك الحكم الثابت به إلى غيره .

( اقول ) : القول بكون المراد في باب المفاهيم انتفاء السنخ وان اشتهر بين المتأخرين وارسلوه ارسال المسلمات ، ولكن لا نجد له معنى محصلا ، لوضوح ان المتعلق في قولنا : ( ان جائك زيد فأكرمه ) مثلا هو الوجوب المحمول على اكرام زيد ، والتعليق انما يدل


273

على انتفاء نفس المعلق عند انتفاء المعلق عليه كما عرفت ، وما تفرضه سنخا ان كان متحدا مع هذا المعلق موضوعا ومحمولا فهو شخصه لا سنخه ، إذ لا تكرر في وجوب اكرام زيد بما هو هو ( 1 ) وان كان مختلفا معه موضوعا أو محمولا كوجوب اكرام عمرو مثلا أو استحباب اكرام زيد فلا معنى للنزاع في ان قوله : ان جائك زيد يدل على انتفائه أو لا يدل فافهم .

( واما ما ذكره في التقريرات ) من انتفاء الشخص بانتفاء العبارة ( ففيه ) ان المعلق على الشرط ان كان جملة خبرية فالمعلق ثبوت النسبة في الخارج اعني المحكى ، لا الحكاية ، والمحكى ثابت في ظرفه وان انتفى الحكاية بانتفاء اللفظ والعبارة ، وان كان حكما انشائيا يوجد بنفس هذا الكلام فهو وان لم يكن من الحقائق المتأصلة الخارجية ولكنه يبقى بعد فناء اللفظ ايضا في وعاء الاعتبار فيرى المكلف شخص الوجوب المنشأ امرا باقيا يحركه نحو العمل ولا يفنى بفناء الانشاء والعبارة .

( 1 ) ( اقول ) : وجوب اكرام زيد على تقدير مجيئه يغاير وجوب اكرامه على تقدير عدم المجئ بحسب التشخص مع اتحادهما موضوعا ومحمولا ، ولا نعنى بالسنخ الا ذلك ، والمعلق على الشرط ليس هو الانشاء ولا المنشأ بقيد تعليقه على الشرط حتى يقال بانتفائه بانتفاء الشرط عقلا ولا يكون معه مجال للبحث عن المفهوم ، بل المعلق على الشرط هو ذات المنشأ وهو وجوب اكرام زيد ، وهذا المعنى كما يمكن ان يتحقق على تقدير تحقق الشرط يمكن ان يتحقق على تقدير عدمه بأن يوجد بانشاء آخر ، ففائدة المفهوم نفى تحققه ( على تقدير عدم الشرط ) بانشاء آخر " وبعبارة اخرى " خارجية وجوب اكرام زيد وان كان بالانشاء ولكنهيمكن ان يوجد له فردان بانشائين يكون المنشأ في احدهما وجوب الاكرام على تقدير المجئ وفي الاخر وجوب الاكرام على تقدير عدم المجئ ، والتعليق وان كان يفيد انتفاء نفس المعلق ( بانتفاء المعلق عليه ) لا انتفاء شيئ آخر ، ولكن المعلق ليس هذا الانشاء ولا المنشأ بقيد التعليق بل ذات المنشأ وهو وجوب الاكرام الذى يمكن ان يتحقق عند انتفاء الشرط ايضا بانشاء آخر .

( فالظاهر ) ان المفهوم " على القول به " يثبت في الانشائيات المولوية ايضا ( نعم ) في مثل الاوقاف والوصايا لا يجرى المفهوم لعدم قابلية مال واحد الا لوقف واحد .


274

فصل

إذا تعدد الشرط واتحد الجزاء كما إذا قال : إذا خفى الاذان فقصر ، وقال ايضا : إذا خفى الجدران فقصر فبناء على القول بالمفهوم يكون في المسألة اربعة وجوه .

( الاول ) انتفاء المفهوم ( ح ) ، فيكون كل من الشرطين سببا مستقلا للجزاء ولا ينفيان الثالث .

" الثاني " ثبوت المفهوم في كليهما وتقييد مفهوم كل منهما بمنطوق الاخر ، فكل منهما سبب مستقل ايضا ولكن يترتب عليهما نفى الثالث .

( الثالث ) تقييد كل من المنطوقين بمنطوق الاخر فيكون السبب مجموعهما ولا يكفى احدهما في حصول المسبب فإذا انتفى المجموع من حيث المجموع لم يتحقق الجزاء .

( الرابع ) كون السبب هو الجامع بينهما بمعنى عدم دخالة الخصوصية في واحد منهما بل يكون سببية كل منهما من جهة كونه مصداقا لهذا الجامع .

( ثم انه ) ليس لاحدان يلتزم في المثال المذكور بالوجه الاول إذ قوله : إذ اخفى الاذان فقصر و قوله : إذا خفى الجدران فقصر قد وردا في مقام تحديدما يتحقق به القصر ، وظهور الشرط الواقع في مقام التحديد في المفهوم مما لا يكاد ينكر فتدبر ( 1 ) .

" واما الوجه الثاني " ففيه ان المفهوم ( بناء على ثبوته ) امر تبعى يستفاد من فحوى الكلام ، وليس له ظهور اطلاقي نظير ظهورات الالفاظ حتى يخصص أو يقيد .

( فيبقى الوجهان الاخيران ) والاقرب اخيرهما في المثال ، إذ الظاهران المعتبر في تحقق القصر هو البعد عن البلد عرفا بحيث يخفى عليه آثاره ويتحقق هذا بطريقين : ( احدهما ) طريق يدرك بالبصر ، والاخر طريق يدرك بالسمع ، فهما امارتان لامر يكون هو المعيار في ثبوت القصر وهو تحقق البعد المخصوص عن البلد .

( 1 ) بناء على عدم موضوعية لخفاء الاذان ولا لخفاء الجدران وكونهما امارتين لحد واقعى يجب عنده القصر لا يرد هذا الاشكال ، إذ من الممكن ان يكون لشيئ واحد عشر امارات مثلا فيقتصر في مقام الذكر على احدها أو الاثنين منها ولا مفهوم في البين .


275

فصل

إذا تعدد الشرط واتحد الجزاء كقوله : إذ بلت فتوضأ وقوله ايضا : إذا نمت فتوضأ ( 1 ) فهل يتداخل السببان : بمعنى انهما عند اجتماعهما يستعقبان وجوبا واحدا متعلقا بطبيعة الوضوء ، أو لا يتداخلان بل يستعقب كل منهما وجوبا مستقلا ، وعلى الثاني فهل يتداخل المسببان اعني الوجوبين في مقام الامتثال بمعنى كفاية الاتيان بالطبيعة مرة واحدة لامتثالهما اولا يتداخلان ؟ وهذا ما اشتهر بينهم من ان الاصل تداخل الاسباب أو المسببات أو عدم التداخل ، ومرادهم بالاصل ما يقتضيه القاعدة لولا ظهور الخلاف ، فاختار جماعة منهم المحقق الخونسارى التداخل ، واختار المشهور عدمه ، وفصل الحلى بين اتحاد جنس الشرط وتعدده .

( وليعلم ) ان المسألة غير مبتنية على دلالة القضية على المفهوم وعدمها ، فان النزاع هما انما هو في تداخل المنطوقين ، وهذا بخلاف المسألة السابقة فانها كانت مبتنية على ثبوت المفهوم ، ولا ربط لاحدى المسئلتين بالاخرى ، فتفريع شيخنا الاستاد صاحبالكفاية النزاع في هذه المسألة على عدم اختيار الوجه الثالث في المسألة السابقة في غير محله ( 2 ) .

( وكيف كان فنقول ) : استدل العلامة في المختلف على عدم التداخل بانه ان توارد السببان أو تعاقبا فاما ان يؤثرا في مسببين ، أو في مسبب واحد ، أو لا يؤثران اصلا ، أو يؤثر احدهما دون الاخر ،

( 1 ) يمكن المناقشة في المثال بان وجوب الوضوء وجوب مقدمى للصلوة وغيرها من الغايات فلا يجب الا وضوء واحد قطعا وليس واجبا نفسيا عند حصول سببه .

ح - ع ( 2 ) لا يخفى صحة ما ذكره المحقق الخراساني من عدم المورد لهذا النزاع بعد اختيار الوجه الثالث في المسألة السابقة إذ بعد تقييد المنطوقين وارجاع الشرطين إلى شرط واحد مركب لا يبقى مورد للبحث عن التداخل " ثم انه يمكن ان يقال " في الفرق بين المسئلتين ان الاولى لفظية ينازع فيها في ثبوت المفهوم وعدمه للقضية الشرطية ، والثانى عقلية حيث يبحث فيها عن حكم توارد السببين وان ثبت سببيتهما بغير اللفظ ايضا فتدبر .


276

والثلثة الاخيرة كلها باطلة فتعين الاول ، وجه بطلانها ان الاول منها ينافى تمامية كل من السببين ، والثانى ينافى اصل السببية ، والثالث ترجيح بلا مرجح ( انتهى ) .

" ويمكن ان يناقش فيه " بان لنا ان نختار الوجه الثاني ونقول باشتراكهما في التأثير نظير توارد العلل التامة العقلية ، أو نختار الوجه الرابع ونقول في صورة التعاقب باستناد الاثر إلى اولهما حيث انه إذا أثر لم يبق محل لتأثير الثاني .

( وبالجملة ) هذا الاستدلال لا يغنى عن جوع .

( واستدل ) الشيخ الانصاري " قده " على عدم التداخل بما ملخصه بتوضيح منا ان الظاهر من الجملة الشرطية كون شرطها علة تامة فعلية لجزائها مطلقا سواء وجد حينه أو بعده امر آخر ام لا ، ومقتضى ذلك تعدد المسبب ( فان قلت ) : متعلق الوجوبين في الجزائين طبيعة واحدة وهى التوضأ مثلا ، والظاهر كونها باطلاقها متعلقة للامر ، والطبيعة الواحدة التى لم يلحظ فيها جهة الكثرة يستحيل انيتعلق بها وجوبان مستقلان إذ كثرة التكليف اما بكثرة المكلف أو المكلف أو المكلف به ، فان صرف الشيئ لا يتثنى ولا يتكرر ، وانما يتكرر بسبب ماله اضافة إليه ، والتكليف ثلث اضافات ، ( كما عرفت في محله ) والمفروض فيما نحن فيه وحدة المكلف والمكلف و المكلف به فيستحيل كثرة التكليف مع وحدتها ، ( وبالجملة ) مقتضى اطلاق المتعلق تداخل الاسباب ووحدة التكليف .

( قلت ) : اطلاق المتعلق انما هو بمقدمات الحكمة ، ومنها عدم البيان ، وظهور الشرط في السببية التامة يكفى بيانا لرفع اليد عن اطلاق المتعلق ( وبعبارة اخرى ) ظهور كل من الشرطين في كونه سببا مستقلا فعليا يكون واردا على اطلاق المتعلق ، ويصير دليلا على عدم تعلق الوجوب بنفس الطبيعة ، بل يكون متعلقا في احدى القضيتين بفرد منها ، وفي الاخرى بفرد آخر ، فظهور الشرط دليل على تقييد المتعلق ( 1 ) ( انتهى ) .

( 1 ) ( فان قلت ) : ظهور كل من الشرطين في السببية التامة الفعلية ايضا بالاطلاق ، فان مقتضى الاطلاق سببيته بهذا النحو ، سواء وجد معه أو بعده شرط آخر أم لا ، فلم يحكم اطلاق الشرط على اطلاق المتعلق ولا يعكس ؟ ( قلت ) : إذا قال الشارع إذا بلت فتوضأ مثلا فللجملة الشرطية المذكورة ظهوران : ( احدهما ) ظهور اطلاقي وهو ظهورها في سببية البول للوجوب بالسببية التامة الفعلية سواء وجد معه النوم مثلا ام لا

277

( ويقرب من ذلك ) ما ذكره في الكفاية ، الا انه قال ( ما حاصله ) : ان ظاهر الجملة الشرطية هو الحدوث عند الحدوث ، ومقتضى ذلك عدم التداخل ، إذ على التداخل يلزم ( على فرض تعاقب الشروط ) رفع اليد عن ظهور ما سوى الشرط الاول والقول بدلالتها على مطلق الثبوت عند الثبوت .

( ثم تعرض هو " قده " ) لما تعرض له الشيخ : من كون ظهور الشرط بيانا لرفع اليد عن اطلاق المتعلق .

( أقول ) : تقريب الشيخ " ره " أبعد عن الاشكال من تقريبه " قده " فان تقريبه يجرى في الشروط المتواردة والمتعاقبة معا ، بخلاف تقريب صاحب الكفاية فانه لا يجرى في الشروط المتواردة في زمان واحد ، فان ظهور الشرطين في الحدوث عند الحدوث ( ح ) محفوظ وان قلنا بالتداخل .

‌ ( وثانيهما ) ظهور عرفى غير مستند إلى الاطلاق وهو ظهور قوله : " إذا بلت " في كون كل فرد من البول سببا مستقلا لوجوب الوضوء في قبال الابوال الاخر ، وهذا ظهور عرفى يفهمه العقلاء عند ملاحظتهم الاسباب العقلية والعادية الخارجية ، حيث يكون كل فرد منها سببا لوجود فرد من المسبب غير ما وجد بسبب الفرد الاخر ، وليس هذا الظهور مستندا إلى الاطلاق حتى يعارض باطلاق المتعلق ، فهو القرينة على تقييد المتعلق ، وبذلك يفرق بين الاوامر المعلقة على الاسباب وبين الاوامر الابتدائية المتكررة ، حيث لا يوجد فيها قرينة لتقييد المتعلق ، و بذلك يستشكل على تقديم التأسيس فيها على التأكيد .

وجه الاشكال ان التأسيس : يستلزم تقييد المتعلق والاصل عدمه .

هذا ما يستفاد من كلام الشيخ " قده " عند جوابه عما منع به الفاضل النراقى للمقدمة الثانية من المقدمات الثلث التى بنى عليها اساس استدلال العلامة ، ولكن يظهر منه عند عنوانه لمسألة التداخل في مبحث اجتماع الامر والنهى ان ظهور قوله إذا بلت في كون كل فرد من افراد البول سببا مستقلا ايضا ظهور اطلاقي فراجع التقرات ثم ان ما ذكر من الظهور العرفي لا يوجد فيما إذا تعدد الشرط واختلفا في الجنس كالبول والنوم مثلا بل الثابت " ح " هو الظهور الاطلاقى كما صرح به ، فيعارض " ح " ظهور الشرط لظهور المتعلق ، ولا مرجح لاحدهما ، اللهم الا ان ينكر كون ظهور الشرط في السببية التامة الفعلية ظهورا اطلاقيا وهو كما ترى .

كما ان اشكال سيدنا الاستاد " مد ظله " بعدم ناظرية احد الشرطين إلى الاخر ايضا يجرى في مختلفى الجنس دون متحده لتسليمه امكان الامر بفردين من طبيعة واحد بخطاب واحد ثبوتا وان كان وجوب كل منهما استقلاليا فإذا امكن ذلك ثبوتا حكمنا بتحققه لاستدعاء كل سبب مستقل مسببا مستقلا ، وعلي هذا فمقتضى كلام الشيخ " قده " وكلام السيد الاستاد " مد ظله العالي " عدم التداخل في متحدي الجنسدون غيره عكس تفصيل الحلى " قده " .


278

" ثم اعلم " ان كلمات الشيخ ( على ما في تقريرات بحثه ) مضطربة ، فمن بعضها يستفاد انه جعل المسبب في المثال المذكور عبارة عن الوجوب ، ومن بعضها يستفاد انه جعله عبارة عن متعلقه اعني التوضأ ، ولا يخفى بطلان الثاني .

( 1 ) ومن ذلك يظهر ايضا بطلان ما عن بعض اعاظم العصر : من ان كلا من السببين يقتضى وضوء فيتعدد ، ( وجه البطلان ) ان السبب يقتضى وجوب الوضوء لا نفسه فتأمل .

هذه كلماتهم في المقام .

( ونحن نقول ) : ان ما ذكره الشيخ وصاحب الكفاية : من جعل ظهور الشرطين دليلا على تقييد المتعلق مما لا ينحل به اشكال المسألة فان عمدة الاشكال انما هي في كيفية تقييد المتعلق وما يقيد به .

( توضيح ذلك ) انه لا اشكال في امكان ان يتعلق بفردين من طبيعة واحدة وجوب واحد بنحو الارتباط : وكذا لا اشكال في امكان ان يتعلق بهما وجوبان مستقلان في عرض واحد بخطاب واحد : بان يقول مثلا : ( توضأ وضوئين ) ويصرح باستقلال كل من الوجوبين بحيث يكون لكل منهما على حياله اطاعة وعصيان ، ولا يخفى ان متعلق الوجوبين ( ح ) لا يتمايزان ، فلا تمايز في مقام الامتثال ايضا : بمعنى ان العبدان اتى بوضوء واحد فقد امتثل واحدا من الامرين من دون ان يتميز الامر الممتثل من غيره واقعا ، ولا خصوصية لاحدهما حتى يقصد حين الامتثال امتثال الوجوب المتخصص بالخصوصية الكذائية .

( وكيف كان ) فالامر بفردين أو افراد من طبيعة واحدة على نحو يستقل كل منهما بوجوب عليحدة ايضا مما لا اشكال في صحته إذا كان الامر بالفردين أو الافراد بخطاب واحد .

" واما إذا كان هنا " خطابان أو اكثر كما إذا ورد في خطاب ( إذا بلت فتوضأ ) ، وفى خطاب آخر ( إذا نمت فتوضأ ) ، فاما ان يقال : ان متعلق الوجوب في كليهما نفس الحيثية المطلقةاعني طبيعة الوضوء واما ان يقال : انه في كليهما مقيد ، واما ان يقال : انه مطلق في احدهما ومقيد في الاخر ، اما الاول فقد عرفت استحالته على فرض تعدد الوجوب إذ الفرض

( 1 ) يستفاد من كلامه " قده " لجعل المسبب نفس الوضوء توجيه متين وقد ذكر في الدرر ايضا فراجع .


279

وحدة المكلف والمكلف والمكلف بها ، فلا يبقى ملاك لتعدد الوجوب وتكثره ، وصرف الشئ لا يتكرر ، فلا بد للقائل بعدم التداخل من الالتزام باحد الاخيرين ، و ( ح ) فيسئل عما يقيد به الطبيعة في احدهما أو كليهما ، وليس لك ان تقول : ان متعلق الوجوب في احدهما فرد من الوضوء وفي الاخر فرد آخر منه ، فان ذلك انما يصح إذا كان كل من الخطابين ناظرا إلى الاخر بان يقول المولى مثلا : إذا بلت فتوضأ وضوء غير ما يجب عليك بسبب النوم ، ثم يقول : إذا نمت فتوضأ وضوء غير ما وجب عليك بسبب البول ، بحيث يكون الغيرية مأخوذة في متعلق احدهما أو كليهما ، والالتزام بذلك مشكل ، بداهة عدم كون واحد من الخطابين في الاسباب المتعددة ناظرا إلى الاخر .

( والحاصل ) ان نظر القوم إلى بيان ما يكون قرينة على تقييد المتعلق ، مع ان عمدة الاشكال انما هو في قابلية المتعلق للتقييد إذ لا مقيد في البين بالبداهة الا ما يتوهم من قيد الغيرية ، بان يكون المتعلق للوجوب في كل من الخطابين عبارة عن طبيعة الوضوء المقيدة بكونها غير ما هو المتعلق في الخطاب الاخر ، وذلك يستلزم نظر كل منهما إلى الاخر ، ولا يمكن الالتزام به .

" وبالجملة " العمدة تصوير المقيد لاحد من المتعلقين أو لكليهما حتى يتعدد بذلك المتعلق ويمكن القول بعدم التداخل ، فان امكن تصويره بدون ان يكون احدهما ناظرا إلى الاخر وصلت النوبة إلى مقام الاستظهار وبيان ان ظهور الشرط اقدم أو ظهور المتعلق واطلاقه فتدبر .

فصل

" لا اشكال في ان المفهوم ( بناء على ثبوته ) عبارة عن انتفاء عين الحكم الذى ثبت لموضوع خاص عند انتفاء المعلق عليه .

" وبعبارة اوضح " لا بد فيه من ان يطابق المنطوق في جميع القيود والخصوصيات المأخوذة في الموضوع والمحمول والمعلق عليه ، فمفهوم ( ان جائك زيد يوم الجمعة


280

فأكرمه ) ، قولنا : ان لم يجئك زيد يوم الجمعة فلا يجب اكرامه ، ومفهوم ( ان جائك زيد فأكرمه يوم الجمعة ) قولنا ان لم يجئك فلا يجب اكرامه يوم الجمعة ، وهكذا ، وهذا مما لا اشكال فيه ، انما الاشكال فيما إذا كان الموضوع في الجزاء عاما استغراقيا سواء كان الحكم فيه ثبوتيا : بان كانت القضية موجبة كلية ، أو سلبيا : بان كانت سالبة كلية ، فوقع النزاع فيه بين صاحب الحاشية ( على المعالم ) الشيخ محمد تقى الاصفهانى وبين شيخنا المرتضى ( قدس سرهما ) فقال صاحب الحاشية : ان المفهوم فيه على طبق النقيض المنطقي ، فمفهوم الايجاب الكلى السلب الجزئي وسلب العموم ، ومفهوم السلب الكلى الايجاب الجزئي .

( وقال الشيخ ) : ان مفهوم الايجاب الكلى السلب الكلى وبالعكس ، وقد جرى النزاع بينهما في مفهوم قوله عليه السلام : الماء إذا بلغ قدر كر لم ينجسه شيئ ، فقال صاحب الحاشية : ان مفهومه ان الماء إذا لم يكن بقدر الكر ليس بان لا ينجسه شيئ من النجاسات بل ينجسه شيئ منها ، وهذا لا ينافى عدم تنجسه بملاقاة بعض الاشياء .

( ومقتضى كلام الشيخ ) تنجسه بملاقاة أي شيئ لاقاه .

( ولا يخفى ) ان نزاعهما انما هو في كلمة الشئ الواقعة بعد النفى المفيد للعموم ، واما كلمة الماء فلا نزاع فيها فان عمومها محفوظة في المفهوم ايضا بلا ريب ، هذا .

( والظاهر ) ان الحق في المسألة مع صاحب الحاشية ، فانه المتبادر من موارد استعمال هذه الجمل فلا يستفاد من قوله : الماء إذا بلغ ( الخ ) الا ان الكرية تكون بحيث توجد في الماء قوة لا يقاومها ولا يؤثر مع تحققها شيئمن النجاسات ، فمفهومه انه إذا لم يكن بقدر الكر ليس بهذه المثابة من القوة الدافعة لجميع النجاسات ، فلا ينافى ذلك عدم تنجسه ( ح ) ايضا بملاقاة بعض النجاسات .

( فان قلت ) : لو كان استفادة المفهوم مبتنية على استفادة العلية المنحصرة من الشرط ( كما هو مسلك المتأخرين ) لزم تطابق المفهوم والمنطوق في الشمول ايضا ، فان الحكم في الجزاء ينحل إلى احكام عديدة كما هو مقتضى العموم الاستغراقي ، والمفروض انحصار علة الجميع في الشرط فبانتفائه ينتفى علة جميع هذه الاحكام فتنقلب باجمعها من الايجاب إلى السلب أو بالعكس .

( قلت ) علية الشرط بنحو الانحصار انما هي بالنسبة إلى حكم الجميع لا كل فرد فرد


281

بالاستقلال ، فعلة الموجبة الكلية مثلا تنحصر في الشرط ، وهذا لا ينافى امكان استناد الحكم في بعض الافراد إلى علة اخرى عند عدم ثبوت الحكم للجميع .

" فان قلت " : الحكم في العام الاستغراقي ليس ثابتا للمجموع بل لكل فرد فرد ، فان العام يلحظ فيه مرآتا للحاظ الافراد التى هي الموضوعات حقيقة ، ولا دخالة لوصف العموم والاجتماع .

( قلت ) : لا نسلم عدم لحاظ وصف العموم في مقام الحكم بل الحكم حكم واحد ، و موضوعه امر وحداني وهو العام ، وليس هنا موضات متعددة واحكام متكثرة مستقلة ، ( 1 ) ولذا قالو ان نقيض السلب الكلى الايجاب الجزئي ونقيض الايجاب الكلى السلب الجزئي فافهم .

( 1 ) اقول : ربما يقال في جواب الاشكال : ان العام وان لوحظ مرآتا للحاظ الافراد ، ولكنه لا منافاة بين لحاظه كذلك في مقام الحكم وبين لحاظه امرا وحدانيا في مقام التعليق ، فالحكم ثابت للافراد ، والتعليق انما هو بلحاظ المجموع ( وبالجملة ) التفكيك بين مقام الموضوعية للحكم وبين مقام التعليق ممكن ثبوتا فيكون التبادر دليلا عليه في مقامالاثبات كما يظهر ذلك بالتأمل في مفهوم قولهم : لو كان معك الامير فلا تخف احدا ونحو ذلك من الامثلة " انتهى " .

( ويرد عليه ) ان المعلق ليس هو الموضوع حتى يقال بلحاظه في مقام التعليق امرا واحدنيا بل المعلق في جميع التعليقات هو الحكم الثابت للموضوع ، والفرض انه يسلم انحلال الحكم وكثرته ، ولم يصدر عن المولى حكمان احدهما على الافراد والثانى على العام بما هو عام حتى يقال بكون التعليق بلحاظ الثاني فافهم .

( فالحق ) في الجواب ما ذكره سيدنا الاستاد العلامة " مد ظله العالي " إذ ما اشتهر بينهم من ان العام في العمومات الاستغراقية ليس موضوعا حقيقة بل يكون مرآتا للحاظ الافراد ( التى هي الموضوعات حقيقة ) كلام خال عن التحصيل ، لاستلزامه صدور احكام غير متناهية وتحقق ارادات غير متناهية أو غير محصورة فيما إذا حكم المولى بنحو القضية المحصورة ، أو صدور اخبارات غير محصورة فيما إذا اخبر كذلك ، ويلزم عليه ايضا عدم كون الموجبة الجزئية نقضيا للسالبة الكلية وبالعكس وهو كما ترى ، وقد حقق في محله ان القضية المحصورة برزخ بين الطبيعية وبين القضايا الشخصية ، وان الحكم فيها يصدر بنحو الوحدة على موضوع وحداني من غير فرق بين الحكم الانشائى والاخباري والتكثر يحصل بتحليل العق


282

( فصل )

لا يخفى ان القيود في الدلالة على الدخالة في الحكم وثبوت المفهوم مختلفة حتى كاد دلالة بعضها ( من شدة الظهور ) تدخل في الدلالة المنطوقية ، ولذا اختلفوا

في دلالة الغاية والاستثناء

( خصوصا في الكلام المنفى ) في انها منطوقية أو مفهومية ، فمن قال انها منطوقية استدل عليه بان اداة الغاية وضعت لتعيين انتهاء الحكم وبيان عدم محكومية ما بعدها بما حكم على ما قبلها ، وان اداة الاستثناء وضعت لبيان مخالفة ما بعدها لما قبلها في الحكم ، ومن انكر كونها منطوقية بل انكر دلالتهما رأسا قال : انهما لا تدلان الاعلى ان المولىيكون فعلا بصدد بيان الحكم وجعله لما قبلهما فقط ، كما ان التقييد بهما في الاخبارات ايضا لا يدل على حكم المخبر بمخالفة ما بعدهما لما قبلهما ، بل يدل على ان المحكى فعلا هو حكم ما قبلهما ، وهذا يجامع كون ما بعدهما ايضا محكوما بهذا الحكم ، غاية الامر ان المخبر شاك في حكم ذلك أو لا يرى صلاحا في اظهاره ، ونحو ذلك من الاحتمالات .

" وبعبارة اخرى " يمكن ان يكون التقييد بهما من جهة ارادة تحديد الموضوع الذى اريد فعلا الاخبار بحكمه أو انشاء الحكم له .

( تنبيه )

قال في الكفاية ما حاصله انه ربما يستشكل في دلالة كلمة الاخلاص على التوحيد ( بتقريب ) ان خبر " لا " محذوف وهو اما ( موجود ) أو ( ممكن ) ، وايا ما كان فلا دلالة لها على المقصود اعني نفى الامكان عن الشريك واثبات الوجود له ( تعالى ) ( اما على الاول ) فلانها وان دلت على اثبات الوجود له تعالى ولكنها لا تنفى امكان الشريك بل تنفى وجوده فقط ( واما على الثاني ) فلانها تدل على نفى امكان الشريك واثبات الامكان له ( تعالى ) وهو اعم من الوجود .

( ثم اجاب عنه ) بما حاصله ان لفظة اله بمعنى واجب الوجود و ( ح ) فنفى الوجود من جميع افراده الا الله يدل على نفى الامكان عن غيره ايضا ، إذ لو امكن وجودها لوجدت إذ المفروض كونها من افراد الواجب .


283

( ويرد عليه ) أن تفسير كلمة ( اله ) بمفهوم واجب الوجود مما ينافى المتفاهم العرفي ، فان مفهوم الواجب من المفاهيم المصطلحة في العلوم العقلية وليس مما ينساق إلى اذهان الاعراب الجهال الذين امروا بذكر كلمة الاخلاص في صدر الاسلام .

" فالتحقيق أن يقال " : ان العرب في صدر الاسلام لم يكونوا مشركين في اصل واجب الوجود بحيث يعتقدون وجود آلهة متعددة في عرض واحد ، بل كانت صفات الالوهية ثابتة عندهم لذات واحدة ، وانما كانوا مشركين في العبادة حيث كانوا يعبدونبعض التماثيل التى ظنوا انها وسائط بينهم وبين الله ، وكانوا يعتقدون استحقاقها للعبودية ايضا كما يشهد بذلك قوله تعالى ( حكاية عنهم ) : ما نعبدهم الا ليقربونا إلى الله ، فكلمة الاخلاص وردت لردعهم عن ذلك ، فمعناها نفى استحقاق العبودية عما سواه كما يشهد بذلك معنى كلمة اله فانها بمعنى المعبود .

" وبالجملة " كلمة الاخلاص لاثبات التوحيد في العبادة لا في الالوهية ، إذ التوحيد في اصل الالوهية كان ثابتا عندهم قبل الاسلام ايضا فافهم .

المقصد الرابع في العموم والخصوص ( قال في الكفاية ما حاصله ) : ان العام قد عرف بتعاريف ، وقد وقع فيها النقض تارة بعدم الاطراد واخرى بعدم الانعكاس ولكنه غير وارد ، فانها تعاريف لفظية لشرح الاسم لا لشرح الحقيقة ، كيف ! والمعنى المركوز منه في الاذهان اوضح مما عرفوه به مفهوما و مصداقا ولذا يجعل صدق ذاك المعنى على فرد وعدم صدقه على فرد آخر مقياسا في الاشكال على التعاريف .

( ثم عرف " قده " ) في ضمن كلامه العموم بانه شمول المفهوم لجميع ما يصلح ان ينطبق عليه ( انتهى ) .

( أقول ) : قد ذكر في محله ان كل ما صدق عليه المعرف ( بالكسر ) يجب ان يصدق عليه المعرف ( بالفتح ) وبالعكس .


284

فهنا قضيتان موجبتان كليتان ، وحيث ان ما اعتبروه أو لا هو القضية الاولى وكان مفادها منع الاغيار سموا مفادها بالاطراد من الطرد بمعنى المنع ، ثم سموا مفاد عكسها ( اعني القضية الثانية ) بالانعكاس ولكنهما معتبران في التعاريف الحقيقية كما لا يخفى .

" ثم انه " يرد على ما ذكره تعريفا للعموم ( اولا ) ان العموم وكذا الخصوص ليسا من صفات المفهوم والمعنى ، بل هما من صفات اللفظ ولكن باعتبار المعنى ولحاظه .

( وثانيا ) ان هذا التعريف لا يشمل العمومات التى هي بصيغ الجمع أو ما في معناه ، فان لفظ العلماء مثلا يشمل زيدا وعمرا وبكرا إلى آخر الافراد ، ولكنه لا يصلح لان ينطبق على كل واحد منها كما لا يخفى ، ( فالاجود ان يقال ) : انه عبارة عن كون اللفظ بحيث يشمل مفهومه لجميع ما يصلح ان ينطبق عليه مفهوم الواحد ، فلفظة العلماء تتصف بالعموم من جهة كونها بحيث يشمل مفهومها لجميع ما يصلح أن ينطبق عليه مفهوم واحدها اعني العالم فتدبر ، ( وقال في الكفاية ايضا ما حاصله ) : ان العموم بمعنى الشمول ليس في نفسه منقسما إلى الافرادى والمجموعي والبدلى ، وانما ينقسم إلى هذه الاقسام باعتبار تعلق الحكم بالعام واختلاف كيفية تعلقه به ، ( فتارة ) يتعلق به الحكم بنحو يكون كل فرد موضوعا عليحدة ، ( واخرى ) بنحو يكون المجموع موضوعا واحدا ، ( وثالثة ) بنحو يكون كل واحد موضوعا ولكن على البدل ( انتهى ) .

( اقول ) : ما ذكره ( قده ) في غاية الفساد ، فان الموضوع اعني العام قبل ان يلحقه الحكم بل وقبل ان يتصور الحكم ينقسم إلى الاقسام الثلثة بذاته .

( 1 ) ( توضيح ذلك ) ان المفهوم المتصور في الذهن اما جزئي واما كلى ، ثم الكلى اما ان لا يجعل مرآتا لافراده بل ينظر في نفسه فهو العام المنطقي ، واما ان يجعل مرآتا لها ووسيلة للحاظها وهو على ثلثة اقسام ، فان الوجودات الملحوظة ( بوسيلة هذه المرآت ) متكثرة بذواتها

( 1 ) ( وان شئت قلت ) : ان رتبة الموضوع متقدمة على رتبة الحكم فيجب ان يكون في الرتبة السابقة ملحوظا بخصوصياته الدخيلة في موضوعيته التى منها كونه بنحو الوحدة أو الكثرة ونحوهما ، ( نعم ) يمكن ان يوجه كلام صاحب الكفاية ( قده ) بان احدا من العقلاء لا يتصور العام ولا يجعله مرآتا للافراد باحد الانحاء الا إذا اراد اثبات حكم له ، والا كان تصوره لغوا .


285

يستقل كل واحد منها في متن الواقع و ( ح ) فقد يكون النظر إليها ( بوسيلة هذه المرآت ) بما هي متكثرات ومستقلات كما هي كذلك بذواتها قبل النظر إليها ، فالعام اصولي استغراقي وقد يكون النظر إلى هذه المتكثرات مع اعتبار وحدة لها فالعام مجموعي ، وقد يكون النظر إليها لا بنحو يقع في عرض واحد بل بنحو يلحظ كل فرد منها ولا يقف اللحاظ والنظر عنده بل ينتقل منه إلى فرد آخر وهكذا ، فيكون المنظور إليه بهذه المرآت هذا أو ذاك أو ذلك إلى اخر الافراد فيسمى العام بدليا .

" وبالجملة " جعل المفهوم مرآتا للحاظ افراده بنحو من هذه الانحاء الثلثة لا يتوقف على لحاظ كونه موضوعا لحكم بل بعد لحاظه بنحو منها قد يجعل موضوعا لحكم وقد لا يجعل فافهم .

( تذنيبات )

( الاول ) الاصل في العموم كونه بنحو الاستغراق فانه لا يحتاج إلى تصور امر زائد ومؤنة زائدة وراء جعل المفهوم مرآتا للحاظ الافراد فانها بالذات متكثرات و مستقلات ومقتضى ذلك هو الاستيعاب ، وهذا بخلاف المجموعى فانه يحتاج مع ذلك إلى اعتبار قيد الوحدة في المتكثرات بالذات ، وبخلاف البدلى فانه يحتاج إلى اعتبار التردد بينها .

" الثاني " ان القدماء من الاصوليين كانوا يقصدون بالعام المجموعى كل مركب ذى اجزاء ولذا كانوا يمثلون له بمثل الدار ونحوها فتنبه .

" الثالث " الخاص عند القوم لم يكن امرا مقابلا للعام حتى يكون بينهما تقابل ويكون له لفظ يخصه كالعام بحيث ينقسم الالفاظ إلى قسمين ممتازين : قسم منها يسمى بالعام وقسم آخر يسمى بالخاص ، بل كانوا يريدون بالعام العام الغير المخصص ، وبالخاص العام المخصص بوصف أو استثناء أو نحوهما فراجع كلماتهم .

" ( فصل ) "

مما يدل عقلا على العموم النكرة الواقعة في سياق النفى أو النهى فان ثبوت الطبيعة بثبوت فرد ما وانتفائها بانتفاء جميع الافراد وهذا واضح .

والطبيعة الواقعة في سياقهما مرسلة


286

لا مبهمة فلا نحتاج إلى اجراء مقدمات الحكمة فيها ، وسيأتى تحقيقه في مبحث المطلق والمقيد .

( ثم ان الاظهر ) في " لا " التى لنفى الجنس عدم الاحتياج إلى الخبر كما افاده سيبويه ، فان المتبادر من نحو ( لا رجل ) انما هو نفى طبيعة الرجل لا نفى الوجود عنها ، ويعلم ذلك بملاحظة مراد فها في الفارسية حيث يعبرون عنها بقولهم ( نيست مرد ) ولا يقولون ( نيست مرد موجود ) .

( فان قلت ) : الطبيعة من حيث هي ليست الاهى ، لا موجودة ولا معدومة .

( قلت ) : مرادهم بهذا الكلام ان الوجود والعدم ليسا في مرتبة ذات الطبيعة بحيث يحملان عليها بالحمل الاولى ، والا فهى بالحمل الشائع اما موجودة أو معدومة .

( فان قلت ) : كلمة لا من الحروف ، والحروف وضعت للارتباطات ، والربط لا يتحقق الا بين شيئين ، فنحتاج في نحو لا رجل إلى تقدير خبر .

( قلت ) يمكن ان يقال : ان مفاد لا في هذه المقامات هو النفى بالمعنى الاسمى فانه المتبادر منها .

فصل )

هل العام المخصص حجة فيما بقى اولا

؟ ( فيه اقوال ) ، ( منها ) الحجية مطلقا ، ( ومنها ) التفصيل بين التخصيص بالمتصل والتخصيص بالمنفصل فيقال : بالحجية في الاول دون الثاني ، إلى غير ذلك من الاقوال .

( واحتج من نفى الحجية ) بان اللفظ إذا كان له مجازات متعددة واقيمت قرينة تصرف عن المعنى الحقيقي احتجنا في حمله على احديها إلى قرينة معينة ، ولو لاها صار اللفظ مجملا إذ حمله على احديها ( من دون قرينة تعينها ) ترجيح بلا مرجح ، فالعام المخصص إذا لم يقم قرينة على المراد منه كان حمله على تمام الباقي بلا معين فانه احد المجازات لتعددها حسب مراتب التخصيص ( انتهى ) .

( واجيب عنه بوجوه : الاول ) ان تمام الباقي اقرب المجازات فيقدم على غيره .

( واورد عليه في الكفاية ) بانه لا اعتبار بالاقربية بحسب المقدار ، وانما المدار في باب المجازات على الاقربية بحسب زيادة الانس الناشئة من كثرة الاستعمال


287

( الثاني ) ما في التقريرات ( وحاصله ) ان ما ذكرت انما يصح إذا كان التفاوت بين المعنى الحقيقي والمعاني المجازية بالتباين ، واما إذا كان بنحو الاقل والاكثر كما في العام والخاص فلا مورد لما ذكرت ، فان دلالة العام ( ح ) على كل فرد من افراده غير منوطة بدلالته على سائر الافراد ، والمجازية على فرض تسليمها انما هي بواسطة عدم شموله للافراد المخصوصة لا بواسطة دخول غيرها في مدلوله .

( وبالجملة ) القرينة انما هي لاخراج بعض الافراد ، واما غير هذا البعض فهو باق كما كان ، إذ الفرض انه كان قبل التخصيص داخلا ، ولم يوجد بالنسبة إليه قرينة صارفة ، فالمقتضى للحمل على الباقي موجود والمانع مفقود ( انتهى ) .

( وأورد عليه ) في الكفاية ( بما حاصله ) ان دلالة العام على كل فرد انما كانت بتبع دلالته على العموم والشمول ، فإذا لم يستعمل في العموم واستعمل في الخصوص مجازا كما هو المفروض ، والمفروض ايضا ان كل واحد من مراتب الخصوصيات مما جاز استعمال اللفظ فيه مجازا كان تعيين بعضها بلا معين ترجيحا بلا مرجح ، ولا مقتضى لظهوره في خصوص تمام الباقي .

إذ الظهور اما بالوضع أو بالقرينة والفرض انتفاء كليهما بالنسبة إليه : ( الثالث ) ما اختاره في الكفاية ( وحاصله ) ان العام لا يصير بالتخصيص مجازا ( اما في المتصل ) فلانه لا تخصيص فيه اصلا ، فان ادوات العموم تستعمل في العموم دائما ، غاية الامران دائرة العموم تختلف سعة وضيقا باختلاف المدخول ، فلفظة كل ( في كل رجل عالم ) قد استعملت في العموم كما في قولنا : كل رجل بلا تفاوت بينهما ، ( واما في المنفصل ) فلان ارادة الخصوص واقعا لا تستلزم استعمال اللفظ فيه ، إذ من الممكن استعماله في العموم قاعدة حتى يتمسك به عند الشك ، ويكون الخاص مانعا عن حجية ظهوره لكونه نصا أو أظهر لا مصادما لاصل ظهوره .

( والحاصل ) انه بعدما استقر ظهوره في العموم لا يرفع اليد عن اصله بسبب الخاص .

فان الثابت من مزاحمته له انما هو بحسب الحجية لا بحسب اصل الظهور ، فالعموم مراد من اللفظ بالارادة الاستعمالية وان كان المراد الجدى هو الخصوص ( انتهى ) .

( اقول ) : ويمكن ان يورد عليه ايضا بان الارادة الاستعمالية على ما ذكرت ارادة


288

تصورية اعني بها ارادة افناء اللفظ في المعنى المخصوص وجعله قالبا له موجبا لتصوره عند تصوره ، وتمسك العقلاء بالعام عند الشك ليس اثرا لصرف هذه الارادة وان انكشف عدم مطابقتها للارادة الجدية ، بل يكون اثرا لها بما هي كاشفة عن الارادة الجدية التصديقية ( وبالجملة ) التمسك بالعام عند الشك انما هو من جهة استقرار بناء العقلاء على حمل كلام الغير ( بما هو فعل اختياري صدر عنه ) على كونه صادرا عنه لغايته الطبيعية العادية كما مر تفصيله في مبحث المفاهيم ، وحيث ان الغاية الطبيعية للتلفظ بالكلام ارادة افهام ما هو ظاهر فيه فلاجل ذلك يحكمون في العام مثلا بان المراد الجدى فيه هو العموم .

( وعلي هذا ) فبورود التخصيص على العام يستكشف عدم كون ظاهر اللفظ مرادا جديا وينهدم أساس اصالة التطابق بين الارادتين ، فلا مجال ( ح ) لان يتمسك بالعام بالنسبة إلى الافراد المشكوك فيها وان ثبت كون العموم مرادا بحسب الاستعمال ، ( هذا ) .

مضافا إلى ان ما ذكره في المتصل لا يجرى في الاستثناء فهو بحكم المنفصل كما لا يخفى ، وحيث لم يكن فيما ذكروه غنى وجب علينا صرف عنان الكلام إلى بيان ما هو الحق المسألة مع الاشارة إلى امكان ان يرجع كلام الشيخ وصاحب الكفاية ايضا إلى ما نحققه .

وتوضيح المطلب يتوقف على بيان كيفية استعمال الالفاظ في المعاني الحقيقية والمجازية بنحو الاختصار حيث ان لتفصيله محلا آخر .

" فنقول " : لا يخفى ان المصحح لاستعمال اللفظ في المعنى هو الوضع لا غير ، فاللفظ لا يستعمل دائما الا فيما وضع له ، غاية الامر انه ( تارة ) يستعمل في معناه ويكون مراد المتكلم منه ايجاد المعنى الموضوع له في ذهن المخاطب ليثبت في ذهنه ويحكم عليه أو بهمن دون ان يريد صيرورة هذا المعنى معبرا إلى غيره ، ( واخرى ) يستعمل فيما وضع له ويكون المراد من استعماله فيه انتقال ذهن السامع من اللفظ إلى معناه الموضوع له ثم منه إلى معنى آخر يكون هو المقصود الاصلى ، ففى الحقيقة يستعمل اللفظ في معناه ثم يستمل معناه في معنى آخر من جهة ادعاء المتكلم نحو اتحاد بينهما ففى هذه الصورة ايضا لم يستعمل اللفظ الا فيما وضع له ولكنه جعل هذا المعنى مجازا ومعبرا يعبره ذهن السامع إلى المعنى الثاني الذى هو المقصود الاصلى من اللفظ ، ويسمى اللفظ في الصورة الاولى حقيقة وفي الثاني


289

مجازا ووجه التسمية ظاهر فان الحقيقة من حق بمعنى ثبت والمجاز بمعنى المعبر .

( وعلى ما ذكرنا ) يبتنى اساس جميع المجازات فليس لنا فيها مورد يستعمل اللفظ في غير ما وضع له بل هو يستعمل دائما في نفس ما وضع له ولكنه يراد في الاستعمالات الحقيقية تقرر الموضوع له وثباته في ذهن السامع حتى يحكم عليه أو به ، وفي الاستعمالات المجازية صيرورته معبرا يعبره الذهن إلى ما ادعى اتحاده مع الموضوع له ويكون هو المقصود الاصلى بالحكم عليه أو به أو نحوهما فالفرق بين الحقيقة والمجاز بعد اشتراكهما في كون اللفظ مستعملا في نفس ما وضع له ان الموضوع له في الاول مراد استعمالا وجدا ، وفي الثاني اريد بحسب الاستعمال فقط ثم جعل معبرا للذهن إلى المعنى الثاني الذى هو المراد جدا بسبب ادعاء الاتحاد بينهما ، فالجملة المشتملة على استعمال مجازى تنحل إلى قضيتين يستفاد من احديهما ادعاء اتحاد المعنى الثاني مع الموضوع له ، ومن الاخرى ثبوت المحكوم به للمعنى الثاني ، ومن هنا تحق اللطافة في المجاز زائدة على الحقيقة بحيث قد يبلغ في اللطافة حد الاعجاز فقولنا : ( جاء زيد ) يشتمل على حكم واحد بخلاف قولنا : ( جاء أسد ) مع القرينة ، فانه يشتمل اولا على الحكم بكون زيد بالغا في الشجاعة حدا يصحح جعله من افراد الاسد واطلاق لفظ الاسد عليه ، وثانيا بانه ثبت له المجئ ( وبالجملة ) نحن ندعى في جميع المجازات ماادعاه السكاكى في خصوص الاستعارة ، ولطافة الاستعمال المجازى من هذه الجهة ، والا فصرف ايجاد المعنى المقصود في ذهن السامع بلفظ آخر غير ما وضع له لا يوجب اللطافة ما لم يتوسط في البين ادعاء اتحاد المعنيين ، فقوله ( تعالى ) في مقام بيان تحير بنى اسرائيل : ولما سقط في ايديهم قد اوجب مزية ولطافة حيث استعمل هذه الجملة فيما وضع له بعد ادعاء اتحاد هذا المعنى مع ما كانوا عليه من حالة التحير من جهة ان سقوط شيئ في اليد دفعة من دون التفات ، من اشد ما يوجب التحير فادعى اتحادهما ، وقد مر تفصيل ذلك في محله ( ثم لا يخفى ان ما ذكرناه ) سار في جميع اقسام المجاز الا في استعمال العام وارادة الخاص ، واما هو فعلى نحوين : ( الاول ) ان يستعمل العام ويراد به جدا بعض افراده من جهة ادعاء كون هذا البعض هو الجميع نظير ان يقال : جائنى جميع العلماء ويراد به فرد


290

كامل منهم ، فهذا النحو ( من استعمال العام وارادة الخاص ) داخل في عداد سائر المجازات ، والكلام فيه هو الكلام فيها .

( الثاني ) ان يستعمل ويراد به جدا بعض افراده ولكن لا بحيث يدعى كون هذا البعض هو الجميع ، وهذا كما في جميع العمومات المخصصة .

( والتحقيق فيها ) كونها قسما متوسطا بين الحقيقة والمجاز ، فان المقصود من الاستعمال في الحقايق كما عرفت ايجاد المعنى الموضوع له في ذهن السامع ليتقرر فيه ويثبت ، والمقصود منه في المجازات ايجاده في ذهنه ليعبره إلى معنى آخر .

( واما في العام ) فحيث كان لمعناه الموضوع له وحدة جمعية وكثرة لوحظت بنظر الوحدة كان المقصود من استعمال العام ( الذى اريد تخصيصه ) ايجاد هذا المعنى الوحداني المتكثر في ذهن السامع ليتقرر بعضه في ذهنه فيحكم عليه ويخرج بعضه الاخر بواسطة المخصص ، فمن قال اكرم العلماء ثم قال الا زيدا كان مقصوده ايجاد جميع العماء غير زيد في ذهن المخاطب حتى يحكم عليهم بوجوب الاكرام وحيث لم يكن لهذا المعنى لفظ موضوعمسقلا استعمل لفظة العلماء حتى ينتقل ذهن السامع إلى جميع العلماء الذى هو الموضوع له ثم أتى بالمخصص حتى يبقى في ذهنه ما هو المراد جدا ويخرج منه بسببه بعضه الاخر .

" فتلخص مما ذكرنا " انه في الاستعمالات الحقيقية يراد بقاء المعنى وثباته في ذهن السامع بتمامه ، وفي الاستعمالات المجازية يراد انتقال ذهنه من تمامه إلى معنى آخر ، وفي العمومات المخصصة يراد بقاء بعضه في ذهنه ليحكم عليه وخروج بعضه منه ، فهى امر متوسط بين الحقيقة والمجاز إذ لم يرد فيها ثبوت المعنى بتمامه ولا جعله معبرا ينتقل منه ، ويشترك الاقسام الثلثة في ان اللفظ لا يستعمل فيها الا فيما وضع له .

" ثم انه " يمكن ان يقال : بثبوت ما ذكرناه في العمومات المخصصة ، في جميع المعاني التى لها جهة وحدة وجهة كثرة إذا اريد جدا بعض المعنى كما في الكل والجزء فإذا استعمل اللفظ الموضوع للكل واريد به جدا جزء منه بدلالة القرينة يمكن ان يقال : ان اللفظ قد استعمل في معناه حتى ينسبق إلى ذهن السامع نفس المعنى بجميع اجزائه ثم يؤتى بالقرينة حتى يخرج بعض الاجزاء من ذهنه ويبقى المراد جدا ، مثال ذالك ما إذا


291

قال مثلا بعتك الدار الا هذا البيت أو الا العشر منها فهذا النحو من الاستعمالات متوسطة بين الحقيقة والمجاز بالمعنى الذى ذكرنا لهما .

" وهذا الذى ذكرناه " في العمومات المخصصة يمكن ان يكون مرادا للشيخ " قده " حيث قال ان القرينة لاخراج غير المراد لا للدلالة على المراد فانها باقية كما كانت ، و تعبيره ( قده ) بالمجازية من جهة ان هذا الامر المتوسط يمكن ان يعبر عنه بالمجاز حيث لم يرد فيه ثبوت المعنى وتقرره بتمامه في ذهن المخاطب ، كما يمكن ان يعبر عنه بالحقيقة لعدم كون المعنى فيه معبرا لغيره ، وان كان الحق كما ذكرنا عدم كونه حقيقة ولا مجازا ( وبما ذكرنا ) يتضح فساد ما ذكره شيخنا الاستاد المحقق الخراساني في مقام الجواب عن الشيخ حيث قال في الكفاية ما حاصله : ان الظهور اما بالوضع أو بالقرينةوكلاهما منتفيان في العام المخصص بالنسبة إلى تمام الباقي ، ( توضيح الفساد ) ان ما ذكره من كون الظهور اما بالوضع أو بالقرينة ان كان على سبيل منع الجمع فممنوع لما عرفت من ان اللفظ في الاستعمالات المجازية يكون مستعملا في نفس ما وضع له ولكن بمعونة القرينة ، وان كان على سبيل منع الخلو فمسلم ولكن نمنع انتفائهما في العام المخصص بل نحتاج فيه إلى كليهما فان دلالته على البعض المقصود بسبب وضعه لما هو في ضمنه واستعماله في الموضوع له ، واما عدم ارادة غيره فيستفاد بالقرينة ( هذا كله ) انما هو في بيان المسألة بالتقريب العلمي والا فلو رجعت إلى العرف والعقلاء رأيتهم لا يشكون في حجية العام المخصص بالنسبة إلى الباقي ، ولا يعذرون العبد لو ترك الباقي معتذرا بعدم كون القرينة الصارفة معينة وكون المجازات متعددة بحسب تعدد مراتب التخصيص ، إلى غير ذلك من المفاهيم المسرودة في حجرات المدارس .

( فان قلت ) على ما ذكرت في بيان المجازات ( من كونها مستعملة في نفس الموضوع له ) ما هو المسند إليه في مثل جاء اسد إذا اريد به الرجل الشجاع ؟ فان اسناد المجئ إلى المعنى الحقيقي كذب ، وإلى المجازى وان لم يكن كذبا ولكنه غير مذكور في اللفظ على ما ذكرت .

( قلت ) : ان المسند إليه هو المراد الجدى اعني المشبه في المثال ، والدال عليه هو القرينة ولا يلزم ذكره في اللفظ بلا واسطة فافهم ،


292

فصل

تخصيص العام بمخصص متصل مشتبه يخرجه من الحجية بالنسبة إلى الافراد المشتبهة سواء كانت الشبهة مفهومية : بان اشتبه مفهوم المخصص ، أو مصداقية : بان اشتبه شموله لفرد بعد العلم بشمول العام له ، وسواء كان التردد بين المتباينين أو بين الاقل والاكثر ( ووجه ذلك ) ان الظهور لا ينعقد للعام الابعد تمامية الكلام فلا مجال للتمسك به ( ح ) .

( وكذا لا اشكال ) في عدم جواز التمسك بالعام فيما إذا خصص بمخصص منفصل وترددامره بين المتباينين فلا يجوز التمسك به في واحد منهما بخصوصه .

( نعم ) يجوز ان يتمسك به لنفى الثالث إذ عدم حجيته في هذا بخصوصه وفي ذاك بخصوصه لا ينافى حجيته في احدهما المردد ، ويترتب على ذلك عدم جواز اجراء الاصل المخالف في كليهما ( ولا فرق ) فيما ذكرنا بين ان يكون المفهومان المتباينان متساويين بحسب المصداق وبين ان يكون احدهما اكثر مصداقا من الاخر إذا لم يتداخلا بحسب المصداق كما إذا تردد المخصص بين مفهوم له عشرة افراد وبين مفهوم له عشرون فردا مغائرة بتمامها لهذه العشرة ( وبالجملة ) التردد بين المتباينين بقسميه يوجب الاجمال في العام حكما كما لا يخفى .

" وان تردد المخصص المنفصل " بين الاقل والاكثر بحيث كان الاول داخلا في ضمن الثاني فاما ان يكون الشبهة مفهومية واما ان تكون مصداقية ( اما في الاولى ) فيجوز التمسك بالعام في غير ما يكون الخاص حجة فيه فعلا ( اعني الاقل ) ، فانه من باب مزاحمة الحجة باللاحجة ، مثال ذلك ما إذا قال اكرم العلماء ، ثم قال لا تكرم الفساق منهم وتردد الفساق مفهوما بين مرتكبي الكبيرة فقط وبين مرتكبي الصغيرة والكبيرة " واما في الثانية " فهل يجوز التمسك بالعام في الافراد المشكوك فيها اولا ؟ فيه خلاف بين الاعلام ، مثالها ما إذا قال اكرم العلماء ثم قال لا تكرم الفساق منهم وكان زيد عالما مشكوك الفسق .

( واستدل ) القائل بالجواز ( بما حاصله ) ان الحجة من قبل المولى لا تتم الا بعد ثبوت الكبرى والصغرى معا ، والموجود فيما نحن فيه كبريان معلومتان :


293

احديهما قوله اكرم كل عالم ، والثانية قوله لا تكرم الفساق من العلماء ، والظهور وان انعقد لكل من العمومين ولكن فردية زيد مثلا للاول معلومة وللثاني مشكوك فيها فينضم هذه الصغرى المعلومة إلى الكبرى الاولى فينتج وجوب اكرام زيد ، ولى في البين حجة تزاحمها ، إذ الفرض ان فردية زيد لموضوع الكبرى الثانية مشكوك فيها ، وصرفالكبرى لا تكون حجة ما لم ينضم إليها صغرى معلومة ، ففى ناحية العام قد علم الكبرى و الصغرى معا ، وفي جانب المخصص قد علم الكبرى فقط ، فالعام حجة في الفرد المشكوك فيه ولا يزاحمه حجة .

( ونظير ذلك ) ما ذكره الشيخ ( قده ) في اجراء اصل البرائة في الشبهات الموضوعية حيث قال : ان قوله لا تشرب الخمر لا يكون حجة الا على من ثبت عنده الكبرى والصغرى معا حتى ينضم احديهما إلى الاخرى ، فان صرف الصغرى أو الكبرى ممالا يمكن الاحتجاج بها ما لم تنضم إلى الاخرى .

هذه غاية ما يمكن ان يستدل به للجواز .

( وفيه ) ان حكم المخصص لا يختص بافراده المعلومة بل هو حكم صدر عن المولى ويكون دالا على ان كل ما هو فرد للفاسق واقعا فهو مما لم يتعلق الارادة الجدية بوجوب اكرامه وان كان مرادا بحسب الاستعمال ، فيصير حجية العام مقصورة على غير من هو من افراد المخصص واقعا .

( لا نقول ) ان التخصيص يوجب تعنون العام بحيث يصير الموضوع لوجوب الاكرام عبارة عن العالم الغير الفاسق بما هو كذلك .

" بل نقول " ان من وجب اكرامه فانما يثبت له الوجوب بما هو عالم ، ولكن العلماء الفساق قد خرجوا بحسب نفس الامر بحيث لم يبق بالنسبة إليهم ارادة جدية بوجوب الاكرام وخالف فيها الجد للاستعمال ، فمصداقية كل واحد منهم للعام بما هو عام وان كانت معلومة ولكن مصداقيته له بما هو حجة غير معلومة لكون حجيته مقصورة على غير من هو فاسق في متن الواقع " وان شئت " توضيح المطلب فنقول : ان ما ذكره المستدل من عدم حجية الكبرى بنفسها ممنوع باطلاقه ، فان الكبرى حجة بنفسها في مقام تشخيص الحكم الشرعي الكلى ولا نحتاج في ذلك إلى وجود الموضوع خارجا .


294

( نعم ) حجيتها بالنسبة إلى الخارجيات لا تتصور الا بعد تشخيص الصغرى ، فهيهنا مقامان : مقام حجية العام بنفسه ، ومقام حجيته بالنسبة إلى الخارجيات ، والمحتاج إلى الصغرى هو الثاني دون الاول ، فقول المولى : اكرم العلماء مثلا حجة على العبد ويجب عليه ان يتصدى لامتثاله وان لم يعلم وجود عالم في الخارج فيجب عليه ان يتفحص عن وجودهم و عن حال من شك في كونه منهم .

( ومما يدل على ذلك ) تمسكهم في عدم وجود نفس الكبرى بالاستصحاب ونحوه ، فيعلم من ذلك كونها ذوات آثار فيستصحب عدمها لنفيها ، ولو كانت الحجية مقصورة على صورة ثبوت الصغرى كان صرف الشك فيها كافيا ولم نحتج إلى اثبات عدمها بالاستصحاب .

كيف ! وهل يعذر العبد إذا سمع من المولى اكرم العلماء وشك في عالمية زيد أو في اصل وجود العالم فترك الاكرام من غير فحص عن حال زيد أو عن وجود الموضوع معتذرا بعدم ثبوت الصغرى عنده ، لا والله ( والسر في ذلك ) ان وظيفة المولى انما هي بيان الاحكام الكلية لا تعريف الصغريات وتشخيصها ، فبعد وصول الكبرى إليه قد حصل كل ما هو من قبل المولى .

( ولذلك ) بعينه نستشكل على ما ذكره الشيخ ( قده ) لاجراء البرائة العقلية في الشبهات الموضوعية ، فان الظاهر عدم جريانها فيها ، نعم يجرى فيها البرائة الشرعية .

( والحاصل ) ان الكبرى الواصلة من قبل المولى حجة على العبد ويجب عليه التصدى لامتثالها والفحص عن وجود موضوعها من دون ان يحتاج في حجيتها إلى العلم بوجود الصغرى ( نعم ) في تشخيص حكم الموجود الخارجي نحتاج إلى العلم بمصداقيته لما هو عنوان الموضوع .

( إذا عرفت ما ذكرنا فنقول ) : ان قوله لا تكرم الفساق من العلماء وان كان كليا ولم يثبت فردية مشكوك الحكم لموضوعه ، ولكنه حجة صدرت عن المولى ويكون مفاده عدم وجوب الاكرام في جميع الافراد الواقعية للفاسق فيضيق بهذه الحجة الاقوى دائرة الموضوع الجدى في حكم العام وينحصر في غير من صدق عليه عنوان المخصص واقعا فكما يكون فردية مشكوك الحكم للمخصص مشكوكا فيها يكون فرديته لما هو المراد جد


295

من العام ايضا مشكوكا فيها ، فلا يتمسك بواحد منهما لاثبات حكمه وان كان كل منهما في اثبات الحكم الكلى حجة .

( فان قلت ) : بعد ما كان الفرد المشكوك فيه مرادا في ضمن العام بالارادة الاستعمالية نتمسك بالقاعدة العقلائية لاثبات حكمه فانهم يحكمون بتطابق الارادة الجدية للاستعمالية ما لم يظهر الخلاف .

( قلت ) : ان اردت بما ذكرت اثبات الحكم للفرد المشكوك فيه بما هو مشكوك الحكم حتى يصير حكما ظاهريا ( ففيه ) ان الحكم الظاهرى متأخر عن الحكم الواقعي بمرتبتين فلا يمكن ان يتكفل قوله اكرم العلماء بوحدته لحكمين طوليين .

" وان اردت بما ذكرت " اثبات الحكم للفرد المشكوك فيه لا بما هو مشكوك فيه بل بما انه فرد من افراد العام حتى يكون حكما واقعيا ( ففيه ) ان المفروض خروج افراد المخصص رأسا من حكم العام لكونه حجة اقوى بالنسبة إلى كل ما هو فرد واقعى للفاسق مثلا ، وبعدما حصل العلم بمخالفة الارادة الجدية للاستعمالية في كل ما هو فرد واقعى للمخصص كيف يمكن التمسك باصالة التطابق في الفرد المشكوك فيه لاثبات حكمه الواقعي فتدبر .

" ثم انه ربما يستدل " لجواز التمسك بالعمومات في الشبهات المصداقية بوجه آخر ، ( وحاصله ) ان لقوله اكرم العلماء مثلا عموما افراديا يشمل به كل فرد من افراد العالم ، واطلاقا احواليا بالنسبة إلى جميع الحالات الطارية للموضوع ، فيشمل بسببه معلوم العدالة ومعلوم الفسق ومشكوكهما ويكون حجة في جميعها لولا المخصص ، واما المخصص فهو حجة اقوى على خلاف العام في خصوص معلوم الفسق فيبقى معلوم العدالة ومشكوكهما باقيين تحته لعدم حجية الخاص بالنسبة اليهما ( انتهى ) .

( اقول ) : قد وقع الخلط من هذا المستدل من جهة عدم احاطته بمعنى الاطلاق ، و سيأتي تفصيله في مبحث المطلق والمقيد .

( واجماله ) ان الاطلاق عبارة عن كون حيثية الطبيعة تمام الموضوع للحكم وعدم دخالة حيثية اخرى فيه ( وبعبارة اخرى ) الاطلاق عبارة عن لحاظ حيثية الطبيعة بوحدتها موضوعة للحكم بحيث يكون النظر مقصورا على ذاتها وتكون مرسلة


296

بالحمل الشائع عن جميع القيود كما يدل على ذلك معناه اللغوى .

( وبعبارة ثالثة ) الاطلاق عبارة عن لحاظ الطبيعة بذاتها ورفض القيود والغائها باجمعها ، وليس معناه اعتبار القيود والحيثيات المتحدة ودخالتها في الموضوع حتى يصير الطبيعة في كل مورد بضميمة القيود المنضمة إليها موضوعا للحكم فيكون الموضوع مركبا من حيثيات متعددة بعدد العناوين الطارية .

( إذا عرفت هذا فنقول ) : معنى الاطلاق في قوله : اكرم العلماء كون حيثية العالم تمام الموضوع للحكم بحيث لا يكون لحيثية العدالة أو الفسق أو غيرهما من الحيثيات المتحدة معه دخالة في الحكم اصلا ، وليس معناه وجود موضوعات متعددة كما يظهر من كلام المستدل .

( وقد تلخص مما ذكرنا ) عدم جواز التمسك بالعام في الشبهات المصداقية للمخصص ، وان ما يتوهم من اثبات الحكم للمشكوك فيه باصالة التطابق بين الارادتين أو بالاطلاق الاحوالي فاسد جدا ، إذ مقتضى الاول تكفل العموم بوحدته لبيان حكمين طوليين : واقعى وظاهرى ، ومقتضى الثاني كون معنى الاطلاق لحاظ القيود واعتبارها في الموضوع ، وفسادهما اظهر من الشمس وابين من الامس ( 1 ) هذا .

( 1 ) لقائل ان يقول ان اصالة الجدو التطابق بين الارادة الاستعمالية والجدية ليست من الاصول العملية حتى يكون الحكم المستفاد بسببها حكما ظاهريا محمولا على الشك ، بل هي من الامارات ، فان اصالة الجد في العمومات عبارة اخرى عن اصالة العموم كما لا يخفى ، وهى من الامارات قطعا " نعم " بعد تحكيم الخاص على العام ورفع اليد عنه بسببه من جهة اظهريته لا يبقى مجال للتمسك بالعام فيما احتمل خروجه منه ، فان المفروض تحكيم الخاص عليه ،وليس معنى التحكيم الا تقديمه في الحجية في كل ما هو فرد له فيصير النتيجة قصر حجية العام على ما بقى ، وليس مفاد اصالة التطابق الا حجية العام كما عرفت ، فقصر حجية العام على ما بقى مساوق لقصر اصالة التطابق عليه فيكون الفرد المشتبه شبهة مصداقية لمجرى اصالة التطابق فلا يجوز التمسك بها " وبعبارة اخرى " اصالة التطابق من الاحكام العقلائية ، فحجتيها تدور مدار اعتبارهم ، و الفرض انهم يحكمون الخاص في مقام الحجية على العام فيصير النتيجة تضييق مجرى اصالة التطابق في طرف العام ، فالشبهة المصداقية للمخصص شبهة مصداقية لمجراها ايضا فافهم .

" فاتضح بذلك " عدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية .


297

وكان بعض مشايخنا ( طاب ثراه ) يستدل لعدم جواز التمسك بان التمسك باصالة العموم وعدم التخصيص انما يصح فيما إذا شك في تخصيص العام أو علم بتخصيصه وشك في تخصيص زائد ، وما نحن فيه ليس كذلك ، إذ على فرض عدم التمسك بالعام في الفرد المشكوك فيه لا يلزم تخصيص زائد ، فان اخراج جميع افراد الفاسق في المثال السابق بتخصيص واحد لوقوعه بكلمة واحدة وليس اخراج كل منها بتخصيص مستقل .

( وذكر الشيخ " قده " ) ( على ما في تقريرات بحثه ) لعدم جواز التمسك وجها آخر ( وحاصله ) ان التمسك بالعموم انما يصح في الشكوك التى يكون المرجع لرفعها هو الشارع كما إذا شك في تخصيص زائدا وفى اصل التخصيص ، ( واما ) الشبهة المصداقية فليس رفعها من وظائف الشارع ، إذ ما هو على الشارع انما هو بيان كلى المخصص ، والمفروض انه بينه ، واما ان زيدا مثلا داخل في عنوان المخصص اولا فلا يرتبط بالشارع فلا يجوز فيه التمسك بعموم كلامه .

( وينبغى التنبيه على امور )

( الاول ) قال الشيخ ( على ما في تقريرات بحثه ) ما حاصله : ان المخصص اما ان يكون له عنوان واما ان لا يكون له عنوان : بان ثبت خروج بعض الافراد من تحت العام بلا توسطعنوان جامع بينها يكون هو الخارج حقيقة ، وما لا يجوز فيه التمسك بالعام في الشبهات المصداقية هو القسم الاول دون الثاني ، " ثم قال " : والاكثر تحقق القسم الاول في المخصصات اللفظية والقسم الثاني في المخصصات اللبية ( انتهى ) .

‌ ويمكن ان يقرر الدليل عليه بوجه اخر وهو ان اصالة التطابق اصل عقلائي وليس حجيتها الا من جهة السيرة فحيث اعتبروها عملنا بها وحيث ردوها أو شككنا في اعتبارهم لها رددناها ، وبذلك يظهر الفرق بين المخصص اللفظى واللبى ما ذكر في الكفاية ، فالاقوى هو الفرق بينهما كيف ، ولو لم يجز التمسك بها حتى في اللبيات لم يبق لنا عام جائز العمل ، فان كل عام مخصوص عقلا بما إذا لم يزاحم ملاك حكمه بملاك اقوى واقعا ، ولا حكم من الاحكام الشرعية الا ويحتمل فيه عروض ملاك اقوى يرفع به الحكم التابع للملاك الاول فافهم .


298

( وفي الكفاية ) لم يجعل الميزان ما له عنوان وما ليس له عنوان ، بل قال ما حاصله : ان ما ذكرناه من عدم جواز التمسك بالعام انما هو في المخصصات اللفظية ، واما اللبية فان كان المخصص من الاحكام البديهية للعقل بحيث يكون كالمتصل بالعام كان حكمه حكم المخصصات المتصلة في عدم جواز التمسك ، وان لم يكن كذلك فالحق فيه جواز التمسك ( والوجه في ذلك ) ان في اللفظيات قد القى المولى بنفسه حجتين ، وبعد تحكيم الخاص وتقديمه في الحجية بالنسبة إلى ما يشمله واقعا يصير العام كأنه كان مقصور الحجية من اول الامر و كأنه لم يكن بعام ، وهذا بخلاف المخصصات اللبيه فان الملقى فيها من قبل المولى حجة واحدة وهى العام فيجب العمل به ما لم يقم حجة اقوى ، الا ترى انه إذا قال المولى اكرم جيراني وترك المكلف اكرام واحد منهم باحتمال عداوته للمولى صح للمولى مؤاخذته وعقوبته كما لا يخفى على من راجع السيرة والطريقة المألوفة بين العقلاء التى هي ملاك حجية اصالة الظهور ( انتهى ) .

فقد ظهر لك ان الشيخ ( قده ) لم يفرق بين اللفظى واللبى بما هما كذلك ، بل فرق بينما إذا كان للمخصص عنوان وبين غيره ، واما في الكفاية فجعل ملاك الفرق كون المخصص لفظيا أو لبيا ، وغاية ما تمسك به للفرق بالاخرة هي السيرة .

( اقول ) : وفي كلامهما نظر ( اما كلام الشيخ ) فلان المخصص إذا لم يكن له عنوان فكيف يتصور له شبهة مصداقية ، بل الامر يدور ( ح ) بين قلة التخصيص وكثرته فيخرج من محل الكلام ( واما كلام صاحب الكفاية ) فلانا لا نتصور الفرق بين كون المخصص لفظيا وبين كونه لبيا بعد كون اللبى ايضا حجة ، لان رفع اليد عن العام بسبب المخصص اللبى ليس الا لكونه حجة اقوى من العام ، و ( ح ) فيصير العام بسببه مقصور الحجية على ما بقى مثل ما ذكر في المخصص اللفظى طابق النعل بالنعل ( وبالجملة ) أي فرق بين ان يصدر نحو لا تكرم اعداء المولى عن نفس المولى وبين ان يحكم به العقل ، بعد فرض حجيته على التقديرين ، واقوائيته من العام ، وكون المراد من المخصص ( كيف ما كان ) افراده الواقعية لا العلمية فقط - هذا .

" ولقائل ان يقول " : ان للحجية ( كما ذكرنا سابقا ) مرتبتين : ( الاولى ) حجية نفس


299

الكبريات والعمومات ، وفي هذا المقام لا نحتاج إلى احراز الصغريات .

( الثانية ) حجيتها بالنسبة إلى المصاديق ، وفي هذا المقام نحتاج إلى احراز المصاديق والصغريات فلا يكون قوله : ( لا تشرب الخمر ) مثلا حجة بالنسبة إلى هذا الفرد الخارجي الا بعد احراز خمريته وان كان نفس الكبرى في حجيتها لا تحتاج إلى احرازها ، وعلي هذا فالحكم العقلي ايضا على قسمين : ( الاول ) حكم كلى لا يحتاج العقل في حكمه به إلى احراز الصغرى كحكمه بحرمة اكرام اعداء المولى ( الثاني ) حكم جزئي يحتاج في حكمه به إلى العلم بالصغرى والكبرى معا كحكمه بحرمة اكرام زيد مثلا فانه يحتاج في حكمه به إلى احراز عداوة زيد حتى تجعل هذه صغرى لحكمه الاول فينتج حرمة اكرامه .

( إذا عرفت هذا فنقول ) : بعد ان صدر عن المولى قوله ( اكرم جيراني ) يحتمل ان يكون قد اعتمد في تخصيصحكمه هذا على الحكم الثاني للعقل دون الاول ، ونتيجة ذلك حجية كلامه في غير ما اخرجه العقل بحكمه الثاني المتوقف على احراز الصغرى فتصير المصاديق المشتبهة محكومة بحكم العام قهرا ( وبعبارة اخرى ) يمكن ان يكون اكرام الجيران في نظر المولى بمثابة من الاهمية بحيث تقتضي اكرام الافراد التى يحتمل عداوتهم له ايضا احتياطا لتحصيل الواقع ، وانما الذى لا يجب هو اكرام خصوص من ثبت عداوته ، فاعتمد في اخراجهم على الحكم الثاني للعقل ، ولا دليل على اعتماده على الحكم الاول له حتى يصير موجبا لاجمال العام .

ولا يخفى عدم جريان هذا البيان في المخصصات اللفظية ، إذ الفرض ان المولى بنفسه قد القى المخصص فلا يمكن عدم اعتماده عليه بل يصير حجة اقوى في قبال العام موجبا لقصر حجيته على ما بقى تحته واقعا ( الامر الثاني ) إذا قال اكرم العلماء ثم قال لا تكرم زيدا فانه عدولى ، واستفدنا من التعليل العموم فهل هو كالمخصص اللفظى أو يكون وزانه وزان المخصص اللبى ؟ فيه وجهان ، ولعل السيرة هنا على جواز التمسك كالعقلي .

( الامر الثالث ) كل ما ذكرنا إلى هنا انما هو فيما إذا لم يكن كل واحد من الدليلين تام الاقتضاء متكفلا لاثبات حكم فعلى على العنوان المذكور فيه بحيث يكون هذا العنوان تمام الموضوع له ، إذ في هذه الصورة يصير الحكمان متزاحمين فيجب الاخذ بكل منهما


300

ما لم يثبت له مزاحم اقوى ، ولا يجوز رفع اليد عن الحكم الفعلى باحتمال المزاحم ، فإذا قال اكرم العلماء ثم قال لا تكرم الفساق واحرز كون كل من الموضوعين تمام الموضوع لحكمه لزم في الفرد المشتبه الاخذ بحكم العام فافهم وتدبر جيدا ( 1 ) .

( الامر الرابع ) كل ما ذكرناه انما هو فيما إذا لم يحرز عنوان المخصص اثباتا أو نفيا باصل موضوعي ، والا كان المصداق المشتبه محكوما بحكم المخصص على الاول وبحكم العام على الثاني ، ففى المثال السابق ان كان لفسق زيد أو عدم فسقه حالة سابقة صح استصحابهوحكم على زيد بحكم المخصص أو العام ( هذا ) إذا كان المتيقن في السابق اتصاف زيد في حال وجوده بصفة الفسق أو عدمه ، واما إذا لم يكن كذلك فهل يجرى استصحاب العدم الثابت قبل وجود زيد ؟ فيه كلام بين الاعلام ويعبرون عن ذلك باستصحاب العدم الازلي ( وتقريره ) بوجهين : ( الاول ) ان يكون المستصحب هو العدم المحمولي اعني به مفاد ليس التامة ( الثاني ) ان يكون عبارة عن العدم الربطى اعني به مفاد ليس الناقصة ، ومرادنا بالعدم الربطى ما هو الرابط في القضايا السالبة ، فان التحقيق عندنا ان الرابط فيها هو نفس العدم فكما يعتبر في الموجبات وجود رابط يعبر عنه بكون الشيئ شيئا فكذلك يعتبر في السوالب عدم رابط أي عدم الشيئ شيئا ( 2 )

( 1 ) ربما يقال بعدم صحة فرض التزاحم في امثال المقام مما كان العموم فيه استغراقيا لعدم وجود المندوحة في مورد الاجتماع من اول الامر فيكون التنافى في مقام الجعل ولا بدفيه من الكسر والانكسار في مقام الجعل وانشاء حكم واحد لما هو الاقوى منهما ملاكا ( نعم ) إذا كان العموم في احدهما بدليا كان من باب التزاحم لكون التصادم في مقام الامتثال ، ولتحقيق المطلب محل آخر فتدبر .

ح - ع ( 2 ) اقول : هذا ما اختاره بعض المتأخرين ، وذهب القدماء من القوم إلى ان القضية السالبة لا تشتمل على النسبة بل يكون مفادها سلب النسبة وقطعها لا بان تعتبر اولا بين الطرفين نسبة ثبوتية ثم ترفع وتسلب ، بل السلب عندهم يتوجه اولا إلى نفس المحمول ، ولكن سلب المحمول عن الموضوع عبارة اخرى عن سلب الانتساب بينهما كما ان الموجبة لا يعتبر فيها أو لا نسبة ثبوتية ثم تثبت للموضوع بل يثبت فيها اولا نفس المحمول للموضوع ، ومع ذلك يقال ان فيها ايجاب النسبة وايجادها ( والسر في ذلك ) ان النسبة معنى حرفي آلى فلا يتعلق بها لحاظ استقلالي الا بنظر ثانوى مساوق لخروجها من كونها نسبة بالحمل الشائع ، فالذ


301

( وما قد يتوهم ) من كون مدخول السلب في السوالب عبارة عن الوجود الرابط فاسد جدا ، فان المدخول له هو نفس المحمول ، والعدم هو الرابط ، بداهة انه لا يعتبر في القضية السالبة ازيد من تصور الموضوع والمحمول والنسبة السلبية اعني بها سلب المحمول عن الموضوع ، ولا يجب ان يتصور وجود المحمول للموضوع اولا ثم يجعل مدخولا للسلب حتى يصير اجزائها اربعة : الموضوع ، والمحمول ، والوجود الرابط ، والسلب ، ويعلم ذلك بملاحظة مراد فها في الفارسية فيقال : ( زيد نيست قائم ) ولا يقال : ( زيد نيست هست قائم ) .

( والحاصل ) ان وزان العدم وزان الوجود ، فكما ان الوجود قد يكون محموليا كما في الهليات البسيطة ، وقد يكون ربطيا كما في الهليات المركبة ، فكذلك العدم قد يكون محموليا وقد يكون ربطيا ، والاول في السالبة البسيطة ، والثانى في السالبة المركبة ( إذا عرفت هذا فنقول ) : استصحاب العدم الازلي ( بناء على صحته ) انما يجرى في كلا قسمي العدم ، مثال ذلك ان الشارع حكم بان المرئة تحيض إلى خمسين ثم استثنى من ذلك القرشية فحكم بتحيضها إلى ستين ، فالعام هو عنوان المرأة والمخصص هو عنوان

‌ ‌ يتوجه إليه الذهن اولا ويراه مفادا للقضية انما هو اثبات شيئ لشيئ أو سلبه عنه ، ثم بالنظر الثانوي يرى ان الموجبة تشتمل على نسبة وارتباط بين الموضوع والمحمول والسالبة لا تشتمل الا على سلب النسبة والارتباط ، لا على ارتباط يكون بنفسه امرا عدميا .

هذا بعض ما قيل في المقام وتحقيق المطلب خارج من عهدة فن الاصول .

وربما يستشكل على مبنى سيدنا الاستاد ( مد ظله العالي ) بان المراد بالعدم الرابط ان كان صورته الذهنية المتحققة في القضية الذهنية ، ففيه انها ليست عدما بالحمل الشائع بل هو امر موجود في الذهن ، وان كان المراد به ما به يرتبط الموضوع والمحمول في الخارج نظير الكون الرابط في الموجبات المركبة ( ففيه ) ان مقتضى ذلك هو ان يتحقق في الخارج امر يكون حقيقة ذاته العدم والبطلان ويكون مع ذلك رابطا بين الموضوع والمحمول ، وهذا واضح الفساد ، مع انه من الممكن ان لا يكون شيئ من الطرفين موجودا في الخارج كما في السالبة بانتفاء الموضوع ، فيلزم عليهذا ان يتحقق في الخارجعدم رابط بين عدمين ، وفساد هذا اوضح من السابق .

( لا يقال ) : مقتضى ما ذكرت ان لا تكون السالبة مشتملة على النسبة مع ان تقوم القضية بالنسبة ( فانا نقول ) لا نسلم توقفها مطلقا على النسبة بل هي امر يتقوم ويتحقق اما بالنسبة أو بسلبها فمفاد الموجبة تحقق الارتباط بين الطرفين ، ومفاد السالبة عدم تحققه بينهما .


302

القرشية ، و ( ح ) فقد يجعل المستصحب عبارة عن مفاد الهلية البسيطة اعني به العدم المحمولي فيقال : انتساب هذه المرئة إلى قريش لم يكن فيستصحب ، فالمستصحب ( ح ) هو عدم الانتساب المتحقق قبل وجود المرئة ، وقد يجعل المستصحب عبارة عن مفاد الهلية المركبة اعني به العدم الربطى والنعتى ، فيقال : هذه المرئة لم تكن منتسبة إلى قريش فيستصحب ، والمستصحب ( ح ) ايضا هو العدم الثابت قبل وجود المرئة ، فالقضية المتيقنة هي السالبة بانتفاء الموضوع .

والمشكوكة هي السالبة بانتفاء المحمول ، ولا يضر ذلك بالاستصحاب بعد اتحاد مفادهما عرفا ( لا يقال ) : موضوع الحكم الشرعي هو السالبة بانتفاء المحمول فاثباتها باستصحاب اصل السلب الجامع اعتماد على الاصل المثبت ( فانا نقول ) : لا نسلم ذلك إذ ما ذكرت موقوف على لحاظ الوجود في موضوع القضية الشرعية ، ولا دليل على ذلك ، بل الموضوع فيها ظاهرا هو نفس الماهية .

( نعم ) هنا شيئ آخر وهو ان اثبات السلب الناقص باستصحاب السلب التام يوجب العمل بالاصل المثبت ، فلابد فيما إذا كان الاثر مترتبا على السلب الناقص من ان يستصحب نفسه ، هذا ما ذكروه في المقام .

( والظاهر ) عدم صحة استصحاب العدم الازلي بكلا قسميه وانصراف لا تنقض عن مثل هذا الاستصحاب ( 1 ) فان الذى يراد استصحابه في المقام ليس نفس عدم الانتساب بل عدم انتساب هذه المرئة ، والهذية انما تعتبر عند وجود المشار إليه ، ولا هذية للمرئة المعدومة فلا عرفية لهذا الاستصحاب ويكون الادلة منصرفة عنه .

وان شئت قلت : ان عدم المحمول في حال وجود الموضوع يعتبر بنظر العرف مغايرا للعدم الذى يفرض في حال عدم الموضوع ، فان الموضوعللاول امر يمكن ان يشار إليه بهذا ، دون الثاني ، ففى الحقيقة ليس لنا متيقن مشكوك البقاء حتى يستصحب ( فتبين مما ذكرنا ) ان استصحاب العدم الازلي من الامور المخترعة في المدرسة ، ولا اساس له عند العرف والعقلاء فافهم .

( ثم اعلم ) انه قال شيخنا الاستاد ( طاب ثراه ) في هذا المبحث من الكفاية ما هذا لفظه :

( 1 ) لا يخفى ان سيدنا الاستاد " مد ظله العالي " لا يريد انكار الاستصحاب العدمي مطلقا كما قد يتوهم من منعه استصحاب العدم المحمولي ايضا في المقام ، بل مراده انكاره فيما إذا كان العدم مضافا إلى مفهوم لا يعتبر الا عند الوجود كمفهوم الهذية فلا عرفية للاستصحاب " ح " سواء في ذلك العدم الربطى والمحمولي .


303

( ايقاظ ) لا يخفى ان الباقي تحت العام بعد تخصيصه بالمنفصل أو كالاستثناء من المتصل لما كان غير معنون بعنوان خاص ، بل بكل عنوان لم يكن ذاك بعنوان الخاص كان احراز المشتبه منه بالاصل الموضوعي في غالب الموارد الا ما شذ ممكنا فبذلك يحكم عليه بحكم العام ( انتهى ) .

ثم ذكر مسألة تحيض المرئة إلى خمسين واستثناء القرشية منها .

( وذكر بعض اعاظم العصر ) في بيان عدم تعنون العام ان المخصص انما يكون لاخراج الافراد الغير المرادة ، واما الافراد الباقية تحت العام فهى محكومة بالحكم بما انها من افراد العام ، فيكون عنوان العام بالنسبة إلى حكم الباقي تمام الموضوع من غير دخل للمخصص وجودا أو عدما في ثبوت الحكم له ، فالتخصيص بمنزلة موت بعض الافراد فكما ان الموت لا يوجب تعنون الموضوع ، وانما يوجب التقليل في افراده فكذلك التخصيص ، ( اقول ) : عبارة المحقق الخراساني قد توهم ما يبعد جدا ارادته من مثله ، فان الظاهر منها في بادى النظر ان العام إذا اتحد مع كل عنوان سوى عنوان الخاص صار ( مقيدا بهذا العنوان ) موضوعا للحكم الثابت للباقى فيصير كل عنوان طار دخيلا في الموضوع فيلزم وجود موضوعات غير متناهية واحكام متعددة بعددها ، وهذا واضح الفساد لا يصدر القول به عنمثله ، فيجب حمل كلامه على ما حكيناه عن بعض المعاصرين ، فيكون مراده ان الموضوع للحكم هو حيثية المرئة فقط في المثال ، والخارج منها هو القرشية ، وبعد نفى عنوانها باستصحاب العدم الازلي يكون حكم العام متبعا ، ومراده " قده " باستصحاب العدم هنا استصحاب العدم المحمولي .

( ثم انه ) يرد على القول بعدم التعنون وكون عنوان العام تمام الموضوع ان معنى تمامية العنوان في الموضوعية دوران الحكم مداره وجودا وعدما ، والمفروض فيما نحن فيه خلاف ذلك ، فان عنوان العام متحقق في ضمن افراد المخصص ايضا وليست مع ذلك محكومة بحكمه ( وبعبارة اوضح ) ففى مقام الثبوت والارادة الجدية اما ان يكون تمام الملاك في وجوب الاكرام مثلا هو حيثية العالمية فقط ، واما ان لا يكون كذلك بل يشترط في ثبوت الحكم للعالم عدم كونه فاسقا ، فعلى الاول لا معنى للتخصيص ، وعلى الثاني لا يكون عنوان العام بنفسه تمام الموضوع بل يشترط في ثبوت الحكم له عدم عنوان المخصص بالعدم النعتى أو المحمولي ، فعدم المخصص ( اجمالا ) بأحد النحوين دخيل ثبوتا ،


304

وهذا معنى التعنون وعدم كونه تمام الموضوع ( ثم ان الظاهر ) دخالة العدم بنحو النعتية والربطية ، فان حكم المخصص ثابت لوجوده الربطى ، وانتفاء الوجود الربطى بالعدم الربطى ، فالتحيض إلى ستين مثلا ثابت للمرئة الموصوفة بالقرشية ، وبازاء هذا الوجود الربطى العدم الربطى ، فبضم المخصص إلى العام يستظهران التحيض إلى خمسين انما يكون للمرئة الموصوفة بعدم الانتساب إلى قريش فيتعنون الموضوع بالعدم الربطى والنعتى ، وقد عرفت انه لا مجال للاستصحاب في ذلك الا إذا كان بنحو الربطية متيقنا في السابق مع وجود الموضوع .

( واما تنظير بعض الاعاظم ) التخصيص بموت بعض الافراد فعجيب ، فان انعدام بعض الافراد لا يوجب تقيدا في موضوع الحكم ولا يخرجه من كونه تمام الموضوع ، وهذا بخلاف التخصيص فانه يخرجه من التمامية كما عرفت ، وكيف كان فلا يعقل كون عنوان العامتمام الموضوع ثبوتا بعد ورود التخصيص عليه ( نعم ) لا يوجب التخصيص تقيده في مقام الاثبات ، وهذا بخلاف المطلق والمقيد فان ورود المقيد يوجب تقيد المطلق في مقام الاثبات ايضا .

( الامر الخامس ) قال في الكفاية ( ما هذا لفظه ) : ربما يظهر عن بعضهم التمسك بالعمومات فيما إذا شك في فرد لا من جهة احتمال التخصيص بل من جهة اخرى كما إذا شك في صحة الوضوء أو الغسل بمايع مضاف فيكشف صحته بعموم مثل اوفوا بالنذور فيما إذا وقع متعلقا للنذر بان يقال : وجب الاتيان بهذا الوضوء وفاء للنذر للعموم وكلما يجب الوفاء به لا محالة يكون صحيحا للقطع بأنه لو لا صحته لما وجب الوفاء به ، وربما يؤيد ذلك بما ورد من صحة الاحرام والصيام قبل الميقات وفي السفر إذا تعلق بهما النذر كذلك ، ( والتحقيق ان يقال ) : انه لا مجال لتوهم الاستدلال بالعمومات المتكفلة لاحكام العناوين الثانوية فيما شك من غير جهة تخصيصها إذا اخذ في موضوعاتها احد الاحكام المتعلقة بالافعال بعناوينها الاولية كما هو الحال في وجوب اطاعة الوالد والوفاء بالنذر وشبهه في الامور المباحة أو الراجحة ، ضرورة انه معه لا يكاد يتوهم عاقل انه إذا شك في رجحان شيى أو حليته جاز التمسك بعموم دليل وجوب الاطاعة أو الوفاء في رجحانه أو حليته .

( نعم ) لا باس بالتمسك به في جوازه بعد احراز التمكن منه والقدرة عليه فيما لم يؤخذ


305

في موضوعاتها حكم اصلا ( انتهى ) .

( 1 ) ( اقول ) : ليت شعرى على أي شئ حمل المحقق الخراساني كلام هذا البعض حيث استوحش منه وقال انه لا يكاد يتوهم عاقل ذلك ، مع ان ما ذكره هذا البعض ليس الا تمسكا بالعام في الشبهات المصداقية للمخصص المنفصل وقد التزم جم غفير بجوازه ، فليس الالتزام به موجبا للوحشة ، ولذلك اهتم المتأخرون حتى نفسه " قده " بالمسألة كما مر .

( ووجه ) كون ما نحن فيه من جزئيات تلك المسألة ظاهر ، فان قوله اوفوا بالنذور عام ، وقد خص ( بسبب قوله لا نذر الا في طاعة الله ) بما إذا كان متعلقه راجحا فيكونالتمسك بالعام والحكم بوجوب الوفاء فيما شك في رجحانه تمسكا بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص ( نعم ) كأن غرض هذا البعض مضافا إلى الحكم بوجوب الوفاء اثبات رجحان

( 1 ) ربما يقرر مقصود صاحب الكفاية ( قده ) بان المنذور في المثال ليس هو صرف الغسلات بل ما يكون وضوء شرعيا ، والقدرة عليه انما هو بعد تشريع الشارع اياه ، والمفروض انه مشكوك فيه ، فالشك انما يكون في القدرة وهى مما لا يمكن اثباتها بالعموم وان قلنا بجواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص ( انتهى ) : ( اقول ) : هذا صحيح لو لم يكن جعل القدرة بيد الشارع ، واما إذا كان بيده كما فيما نحن فيه امكن التمسك بعموم اوفوا بالنذور واستكشاف تشريعه له بدلالة الاقتضاء ( نعم ) لا يجوز التمسك نظرا إلى ورود المخصص فليس الاشكال في المسألة زائدا على اشكال التمسك بالعام في الشبهة المصداقية ، هذا .

" والظاهر ان " نظر صاحب الكفاية " قده " في المقام إلى امر آخر وهو ان جواز التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية " بناء على القول به " انما هو فيما إذا ثبت الحكم لنفس عنوان العام ثم طرء عليه تخصيص فحينئذ يمكن ان يقال بجواز التمسك به في الافراد المشكوك فيها نظرا إلى ان شمول عنوان العام لها قطعي وشمول عنوان المخصص مشكوك فيه فرفع إليه عنه بسببه من قبيل رفع اليد عن الحجة باللاحجة ، واما إذا لم يكن الحكم من اول الامر ثابتا لنفس عنوان العام بل اخذ " ولو بدليل منفصل " مع بعض الخصوصيات و معنونا بعنوان خاص ثبوتى موضوعا للحكم وكان تحقق هذا العنوان الخاص مشكوكا فيه فاثباته بعموم الحكم غير معقول ، إذ الفرض ثبوت الحكم لعنوان خاص ، وهو في العموم والخصوص تابع لموضوعه ، ومثال النذر من هذا القبيل ، فان قوله اوفوا بالنذور وان كان بحسب الصورة عاما ولكنه اخذ في موضوعه بدليل منفصل خصوصية رجحان المتعلق فوجوب الوفاء ثابت لخصوص ما كان راجحا ، فاثبات الرجحان بعموم الوفاء من قبيل اثبات الموضوع بحكم نفسه وهو محال كما لا يخفى .


306

العمل وصحته في غير مورد النذر ايضا ولكن هذا امر آخر يمكن ان يلتزم به من يعمل بلوازم العموم ومثبتاته ، وكيف كان فالمسألة من جزئيات المسألة السابقة وليس الاشكال فيها من جهة كون عنوان اوليا أو ثانويا أو غير ذلك .

اللهم الا ان يقال : ان وجوب الوفاء بالنذر عبارة عن وجوب الاتيان بالمنذور ، و المنذور فيما نحن فيه ليس هو اتيان صورة العمل فقط ، بل الوضوء الشرعي بالماء المضاف ، والمفروض ان مشروعية الوضوء به وكونه وضوء شرعيا مشكوك فيه ، فاثباته بعموم وجوب الوفاء بالنذور تمسك بالعام فيما شك في كونه من افراده وهو مما يجب ان يستوحش منه .

( ثم قال في الكفاية ما حاصله ) : ان صحة الصوم في السفر بنذره فيه وكذا الاحرام قبل الميقات فانما هي من جهة الدليل الدال على صحتهما ، هذا في مقام الاثبات ، واما في مقام الثبوت فيمكن ان يكون صحتهما من جهة رجحانهما ذاتا في السفر وقبل الميقات ، غاية الامر انه كان للامر بهما ندبا أو وجوبا مانع يرتفع بالنذر ، كما يمكن ان يكون صحتهما من جهة صيرورتهما راجحين بسبب تعلق النذر بهما بعد ما لم يكونا كذلك .

ويدل على قوة الثاني ما ورد من ان الاحرام قبل الميقات كالصلوة قبل الوقت .

( 1 ) " لا يقال " : لا يجدى صيرورتهما راجحين بذلك في عباديتهما فان وجوب الوفاء بالنذر توصلي ولا شك ان الصوم والاحرام تعبديان ( فانه يقال ) : عباديتهما ليست بالامر النذرى بل من جهة كشف دليل صحتهما عن عروض عنوان راجح عليهما ملازما لتعلق النذر بهما ، هذا بناء على اعتبار الرجحان في متعلق النذر مع قطع النظر عن نفس الرجحان النذرى ، ولكنه يمكن ان يقال بكفاية الرجحان الطارى عليهما من قبل النذر في عباديتهما بعد تعلق النذر باتيانهما عباديا ، وعدم تمكن المكلف من اتيانهما كذلك قبل النذر لا يضر بعد تمكنه منه بعده فانه لا يعتبر في صحة النذر الا التمكن من الوفاء ولو بسببه ( انتهى ) .

( اقول ) : لا يخفى ان الاحرام قبل الميقات صحيح عند العامة بل يجعلونه افضل من

( 1 ) ويضعف الاول ايضا بانه يلزم عليه كونهما مشروعين قبل تعلق النذر بهما ايضا لوجود الملاك .


307

الميقات ولكنه فاسد عندنا بالاخبار الواردة فيه ، واما إذا تعلق به النذر فقد دلت الاخبار على صحته .

( ثم ان ) في جعل مسئلتي الاحرام قبل الميقات والصوم في السفر مؤيدين لما نحن فيه نظر ، فان الصوم في السفر والاحرام قبل الميقات فاسدان قطعا ، وانما يصحان في حال النذر فقط فكيف يصير صحتهما في هذه الحالة مؤيدة لصحة الوضوء ، بالماء المضاف مثلا عند عدم تعلق النذر به ، ( نعم ) يمكن ان يؤيد بها صحته في حال النذر فقط .

( وليعلم ايضا ) ان ما التزمه في الكفاية اخيرا من تعلق النذر باتيان الصوم والاحرام عباديا وكفاية نفس الامر النذرى في اتيانهما كذلك يجرى فيه اشكالات باب التعبدى والتوصلى وهو " قده " مع ايراده الاشكالات في ذلك الباب ( من الدور وغيره ) التزم هنا بما تجرى فيه الاشكالات بعينها فتدبر .

" الامر السادس " ما ذكرناه سابقا من جواز التمسك بالعام أو عدم جوازه انما كان فيما إذا احرز فردية زيد مثلا للعام وشك في حكمه من جهة احتمال كونه من افراد المخصص .

واما إذا كان هنا عام ذو حكم وعلمنا بعدم كون زيد محكوما بحكمه ، ولكن شك في كونه من افراده حتى يكون خروجه بالتخصيص ، أو عدم كونه كذلك حتى يكون خروجه بالتخصص ، فهل يثبت باصالة العموم عدم كونه من افراده ويترتب عليه آثار ذلك اولا ؟ فيه كلام ، ( قال في الكفاية ) ما حاصله بتوضيح منا : ان مثبتات الاصول اللفظية وان كانت حجة ولكن حجية اصالة العموم انما هي من باب بناء العقلاء ، والمتيقن من بنائهم على العمل بها انما هو فيما إذا شك في المراد من جهة الشك في ارادة العموم ، لا فيما إذا علم بالمراد وشك في كيفيتها وانها بنحو التخصيص أو التخصص ( انتهى ) .

( اقول ) : قد عرفت سابقا ان استعمال اللفظ على ثلثة انحاء : ( الاول ) ان يستعمل في معناه الموضوع له ليتقرر بنفسه في ذهن السامع من جهة كونه مرادا جديا ، ( الثاني ) ان يستعمل فيه ليجعل معبرا يعبره ذهن السامع إلى معنى آخر يكون هو المراد جدا ( الثالث ) ان يستعمل في معناه ويكون المقصود تقرر بعض المعنى في ذهن السامع ليحكم عليه وخروج بعضه الاخر من جهة عدم ارادته جدا ، وهذا القسم انما يتصور فيما إذا كان


308

للمعنى وحدة جمعية وكانت متكثرة في عين الوحدة كالعام الافرادى أو المجموعى ، والاستعمال على النحو الاول حقيقي ، وعلى الثاني مجازى ، وعلى الثالث لا هذا ولا ذاك وقد عرفت تفصيل الانحاء الثلثة سابقا فراجع .

( وكيف كان ) فالعام المخصص من القسم الثالث فهو ايضا يستعمل في نفس معناه الموضوع له اعني به جميع الافراد ، غاية الامر انه لما كان المقصود بالحكم عليه بعض افراده اتى بالمخصص حتى يخرج بسببه الافراد الغير المرادة ويبقى الباقي فالتخصيص ليس عبارة عن تضييق المستعمل فيه ، بل هو عبارة عن تضييق المراد الجدى ، والمستعمل فيه ليس الا جميع الافراد ، وهو وان كان معنى وحدانيا ولكنه لما كان عين الكثير خارجا كان المستعمل فيه بحسب الحقيقة هو المتكثرات ، وعلي هذا فان علمنا بكون الجميع مرادا جديا ايضا فهو ، والاجرى بالنسبة إلى كل فرد شك في حكمه اصالة تطابق الارادة الجدية مع الاستعمالية حتى انه لو علم بخروج بعض الافراد وشك في بعضها الاخر جرى بالنسبة إلى هذا المشكوك فيه ذلك الاصل العقلائي ، فليس في العام اصل عقلائي وحداني ، بل يجرى فيه اصول عقلائية متعددة بعدد افراده ( وبالجملة ) حجية العام تتقوم بأمرين : ( احدهما ) وضعه للعموم وكونه مستعملا في العموم دائما ، ( والثانى ) جريان الاصل العقلائي المذكور في كل فرد فرد منه بمعنى ان كل فرد علم ارادته جدا فهو ، وكل ما علم عدم ارادته فلا اشكال فيه ايضا ، واما كل فرد شك في حكمه فيجرى فيه اصالة التطابق ، فيكون محكوما بحكم العام ، فاصالة العموم اصل عقلائي مرجعه إلى استقرار سيرة العقلاء على الحكم بتطابقالارادتين وكون ما هو المراد بحسب الاستعمال مرادا جديا .

( إذا عرفت هذا ) تبين لك عدم جواز التمسك باصالة العموم لنفى فردية شيئ للعام إذ لم يرد في آية أو رواية لفظ اصالة العموم حتى ينازع في انها تشمل لما نحن فيه أو تختص بصورة الشك في المراد ، بل الثابت ليس الابناء العقلاء على اجراء اصالة التطابق بين الارادتين في كل فرد ، ولا محالة يختص ذلك بما إذا احرز فردية شئ للمستعمل فيه وشك في كونه مرادا بحسب الجد .

واما إذا شك في فردية شيئ للعام مع العلم بعدم كونه محكوما بحكمه فلا مجال للتمسك بلفظ العام ولا بالاصل العقلائي لاثبات فرديته أو نفيها ، فان لفظ العلماء مثلا


309

قد استعمل في جميع افراد العالم ، واما ان زيدا من جعلة افراده أو لا فمما لا يتكفل له لفظ العلماء ، واما الاصل العقلائي فانما يجرى بعد احراز كونه من افراد المستعمل فيه ، والمفروض كون ذلك مشكوكا فيه ، مضافا إلى ان مفاد الاصل العقلائي كما عرفت تطابق الارادة الجدية للاستعمالية وكون الفرد محكوما بحكم العام ، فلا مجال لان يتمسك به لنفى فرديته له ، ( فتلخص مما ذكرنا ) ان المتحقق في العمومات امران : ( احدهما ) صيغة العموم المستعمل في العموم دائما ، ( والثانى ) الاصل العقلائي الحاكم بتطابق الارادتين وهو معنى اصالة العموم ، ولا يتكفل واحد من الامرين لنفى فردية شيئ أو اثباتها فافهم وتأمل جيدا .

( الامر السابع ) إذا قال : ( اكرم العلماء ) ثم قال : ( لا يجب اكرام زيد ) فتردد ذلك بين شخصين مسميين بزيد : احدهما عالم ، والاخر جاهل ، فالظاهر انه يجب العمل بعموم العام واكرام زيد العالم ، إذ العام حجة ما لم ينهض في قباله حجة اقوى ، والمفروض ان الفرد المرخص فيه مجمل مردد بين زيد العالم وغيره فلا حجة في البين في قبال العام .

( هذا ) إذا كان الحكم الثاني ترخيصيا ، واما إذا كان الزاميا كما إذا قال : لا تكرم زيدا فيقع فيه الاشكال من جهتين : " الاولى " انه هل يجب اجراء حكم العام على زيد العالمأو يكون العلم الاجمالي بحرمة اكرام احد الشخصين موجبا لاجمال العام ايضا ؟ " الثانية " انه بناء على العمل بالعموم بالنسبة إلى زيد العالم هل ينحل العلم الاجمالي بسبب عموم العام ويحكم بكون المراد من زيد الذى حرم اكرامه هو الفرد الجاهل حتى يترتب عليه آثار العلم بحرمة الاكرام تفصيلا أو لا ينحل ؟ " يمكن ان يقال " : بحجية العام في الفرد العالم لعدم وجود حجة اقوى على خلافه ، ولا عذر للعبد في رفع اليد عن عموم العام ، هذا بالنسبة إلى الجهة الاولى ، واما بحسب الجهة الثانية ففى جواز الحكم بانحلال العلم الاجمالي نظر ، لما عرفت من ان الثابت من بناء العقلاء انما هو الحكم بتطابق الارادتين فيما ثبت فيه الارادة الاستعمالية ، واما تكفله لنفى فردية شيى أو اثبات حكم آخر فليس ثابتا عند العقلاء ، وكون الاصول اللفظية من الامارات لا يقتضى ترتيب جميع لوازمها العقلية بعد عدم بناء العقلاء على ترتيبها ، هذا .


310

( وقال بعض أعاظم العصر ما حاصله ) : انه ربما يقال : ان العلم الاجمالي بحرمة اكرام زيد العالم أو الجاهل موجب لترك اكرامهما معا ، ولا يكون عموم العام موجبا لانحاله ، فان دليل العموم بمنزلة الكبرى الكلية فلا يتكفل لحال الفرد ، وليس حاله حال البينة القائمة على وجوب اكرام زيد العالم الموجبة لانحلال العلم ، فالعلم الاجمالي موجب لسقوط العام من الحجية بالنسبة إلى زيد العالم .

( وفيه ) ان العام وان لم يتكفل لحكم الفرد ابتداء ولكنه يثبت حكمه بعد انضمام الصغرى المعلومة إلى الكبرى المستفادة من دليل العام ، وإذا ثبت له الحكم الوجوبى بالعموم ارتفع عنه الحكم التحريمي بالملازمة فتتعين الحرمة في الطرف الاخر لكون المثبتات من الاصول اللفظية حجة ، فينحل العلم ايضا ببركة العام إذ الانحلال يتحقق اما باثبات الحكم المعلوم بالاجمال في طرف أو بنفيه عنه انتهى .

( اقول ) هذا المعاصر لم يعنون الامر السابق فكأنه كان مبناه فيه ايضا جواز التمسك بالعام لنفى فردية ما شك في فرديته له لما ذكره من حجية مثبتات الاصول اللفظية ، وقد عرفت الجوابعن ذلك وان حجيتها من باب بناء العقلاء ، ولم يستقر بنائهم على العمل باصالة العموم الا فيما إذا شك في تطابق الارادتين فتدبر .

( الامر الثامن ) إذا وقع الاختلاف في كون يد امينة أو عادية فالمشهور على ان القول قول مدعى الضمان وان البينة على مدعى الامانة ، وحيث ان ذلك بحسب الظاهر على خلاف القواعد ، إذ القاعدة تقتضي تقديم قول مدعى الامانة من جهة ان الاصل عدم الضمان ، تصدى بعضهم لتصحيح فتوى المشهور ، فاستدل لذلك بعموم على اليد ، ونحن ايضا تمسكنا به في حواشينا على العروة ، ولكنه لا يخفى فساده ، فان عمومه مخصص باليد الامينة ، فالتمسك به في اليد المشكوك فيها تمسك بالعام في الشبهات المصداقية ، وليس فتوى المشهور في هذه المسألة دليلا على اجازتهم لهذا النحو من التمسك لعدم استنادهم في هذه الفتوى إلى ذلك ، ( والظاهر ) ان مستندهم في هذه الفتوى الروايات الواردة في المسألة وحيث لم يظفر عليها بعض المتأخرين ذكر وجوها غير مغنية ، ومن الروايات رواية ابن ابى نصر عن اسحق بن عمار عن ابى الحسن الاول عليه السلام فراجع .


311

( فصل )

هل يجوز التمسك بالعام قبل الفحص عن المخصص أو لا ؟ فيه خلاف ، واول من عنون المسألة ابو العباس بن سريج ( المتوفى في اوائل المأة الرابعة من الهجرة ) وكان هو يقول بعدم الجواز ، واستشكل عليه تلميذه ابو بكر الصيرفى بأنه لو لم يجز ذلك لما جاز التمسك باصالة الحقيقة ايضا قبل الفحص عن قرينة المجاز ( انتهى ) .

ولابد قبل الشروع في تحقيق المسألة من ذكر امور : ( الاول ) ان القدماء من الاصوليين كانوا يعنونون في كتبهم مسألة اخرى بهذا العنوان : هل يجوز اسماع العام المخصص بدون ذكر مخصصاته أو لا ؟ ( والظاهر ) ان النزاع في المسألة الاولى كان مرتبطا بالنزاع في المسألة الثانية ، فمن كان يقول في المسألة الثانية بجواز اسماع العام بدون اسماع مخصصه كان يقولفي المسألة الاولى بوجوب الفحص ، ومن كان يقول في المسألة الاولى بعدم وجوب الفحص كان يقول في المسألة الثانية

بعدم جواز اسماعه بدون اسماع المخصص

، ( ولعل ) نظر من ادعى الاجماع على وجوب الفحص إلى ان وجوبه على فرض جواز اسماع العام بدون اسماع المخصص مجمع عليه ( الثاني ) ان النزاع في المسألة كما في الكفاية انما هو بعد الفراغ من كون اصالة العموم حجة من باب الظن النوعى لا الشخصي ، وكونها معتبرة من باب الظن الخاص لا من باب الظن المطلق ، وبعد عدم وجود علم تفصيلي أو اجمالي بالتخصيص ، ووجه اعتبار القيود الثلثة واضح .

( الثالث ) ان النزاع لا ينحصر في العمل بالعام قبل الفحص ، بل يجرى في العمل بكل دليل لفظي قبل الفحص عما يعارضه ويزاحم ظهوره ، بل يمكن ان يقال بجريانه في كل اصل لفظي أو عملي فلا يجوز العمل به قبل الفحص عن مزاحماته ، ولا خصوصية لباب العمومات ، وما نذكره دليلا لوجوب الفحص يجرى في جميع الاصول اللفظية والعملية ، فملاك الفحص ومقدار وجوبه في جميع ذلك واحد فدتبر .

( إذا عرفت هذا فنقول ) : قال شيخنا الاستاد " قده " في الكفاية ما حاصله : ان التحقيق عدم جواز التمسك بالعام قبل الفحص إذا كان في معرض التخصيص كما هو الحال في عموما


312

الكتاب والسنة ، وذلك من جهة القطع باستقرار سيرة العقلاء على عدم العمل قبله ، ولو لا القطع فلا اقل من الشك ، واما إذا لم يكن في معرضه كما هو الحال في العمومات الواقعة في ألسنة اهل المحاورات فلا شبهة في ان السيرة قد استقرت على العمل به بلا فحص عن المخصص ( انتهى ) .

( اقول ) : ما ذكره من كون العام في معرض التخصيص كلام مجمل ، ( فان كان المراد بالمعرضية ) وجود العلم الاجمالي بورود التخصيص على بعض العمومات ( ففيه ) مضافا إلى انه خارج من مورد النزاع كما مر آنفا ، انه لو كان المانع عن العمل بالعموم وجود العلم الاجمالي كان مقتضاه جواز العمل بلا فحص بعد انحلال العلم بالظفر بمقدار المعلومبالاجمال ، وهو كما ترى وان التزام به بعضهم .

( وان كان المراد بالمعرضية ) كون المولى ممن جرت عادته على ذكر المخصصات منفصلة ولو غالبا ( ففيه ) ان المولى الكذائي إذا امر عبده الخاص بامر متعلق بالعام فهل للعبد ترك العمل به معتذرا باحتمال طرو التخصيص ؟ لا والله ولا يعده العقلاء معذورا .

" فالتحقيق ان يقال " ( ولعله مراد صاحب الكفاية ايضا ) : ان التكاليف الصادرة عن الموالى متوجهة إلى عبيدهم على قسمين : ( القسم الاول ) ما كان صادرا في موارد خاصة مثل ما إذا امر المولى عبده في مقام خاص بعمل مخصوص ، ففى هذا القسم يجب على العبد القيام بما يقتضيه ظاهر الخطاب ، والدليل على ذلك عدم قبول العقلاء اعتذار العبد الكذائي إذا اعتذر لترك العمل بالعموم بكونه بصدد الفحص عن المخصص أو سائر القرائن .

( القسم الثاني ) ما كان صادرا على نحو ما يجعل القوانين الكلية لجميع الناس أو لجميع من في سلطنة المولى وهو ايضا على قسمين : ( القسم الاول ) ما كان الغرض من جعله العمل به على فرض حصول العلم به والاطلاع عليه ، ففى هذا القسم ايضا لا يجب الفحص ( القسم الثاني ) ما كان الغرض من جعله تفحص العبيد وبحثهم عنه ثم اجرائه والعمل به بعد ذلك بحيث لم يكن مقصورا على من يحصل له العلم به اتفاقا ، بل كان مطلوبا من كل واحد من الناس مطلقا ولاجل ذلك حث المولى ( بعد جعله وتقنينه ) على التفقه فيه والنفر لتحصيل العلم به واعلن بكرات عديدة عدم معذورية الجاهل به والتارك له عن جهل ، فمثل هذه القوانين يحكم العقل


313

بوجوب تعلمها والبحث عن حدودها وتقييداتها وتخصيصاتها إذ قد تم ما كان من قبل المولى : من بيان الاحكام وبيان حدودها والاعلام بكونها ثابتة لكل من الحاضر والغائب و الموجود والمعدوم إلى يوم القيامة وعدم معذورية احد من المكلفين في تركها ، وجميع القوانين الدائرة في العالم من هذا القبيل حيث يقنن من قبل الهيئة المقننة أو لا الضوابط و والقوانين الكلية ثم يذكر تقييداتها وتخصيصاتها ثم يعلن بوجوب الفحص عنها ثم اجرائها ،ومن هذا القبيل ايضا القوانين الشرعية الاسلامية ، فان الله تبارك وتعالى ارسل رسوله ليبين الاحكام الكلية لجميع البشر ، وانزل إليه الكتاب الجامع وامر رسوله بنصب الخلفاء والائمة عليهم السلام لتتميم قواعد الدين وتشييد مبانيها ، ثم اوجب على جميع الناس تعلم الاحكام والنفر لتحصيلها فقال ( وقوله الحق ) : فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ، وقد ورد في الحديث انه يؤتى بالعبد يوم القيمة فيقال له هلا عملت فان قال لم اعلم يقال له هلا تعلمت ، وعليك بمراجعة الايات والاخبار حتى يظهر لك انه كيف وقع فيها الحث على التفقه في الدين وتعلم احكامها ، فعلى هذا يجب ! على العبيد الفحص عن جميع الاحكام بخصوصياتها وحدودها ولا عذر لهم في ترك العمل بها عن جهل فتتبع .

( تبصرة ) لا فرق بين الفحص فيما نحن فيه والفحص في الاصول العملية فانهما من واد واحد كما عرفت ، والواجب في الجميع هو الفحص بمقدار اليأس والاطمينان بانه لو كان مزاحم لظفر به ، فما في الكفاية من الفرق بين المقامين فيه ما لا يخفى فتدبر .

فصل

هل الخطابات الشفاهية تشمل الغائبين والمعدومين في حال الخطاب أو لا ؟ فيه كلام بين الاعلام ( قال في الكفاية ) ما حاصله بتوضيح منا : ان محل النزاع يمكن ان يكون احد الامور الثلثة : ( الاول ) ان التكليف الذى يتضمنه الخطاب يصح تعلقه بالمعدومين ام لا ؟ فالنزا


314

حقيقة في صحه تكليف المعدوم ( الثاني ) ان الخطاب بما هو خطاب اعني به توجيه الكلام نحو الغير سواء كان بادواته ام لا هل يصح ان يتوجه إلى المعدومين أو لا ؟ ( الثالث ) ان الالفاظ الواقعة عقيب ادوات الخطاب تشمل بعمومها للمعدومين أو تصير الادوات قرينة على اختصاصها بالحاضرين في مجلس التخاطب ؟ والنزاع على الاولينعقلي وعلى الثالث لغوى .

( إذا عرفت هذا فنقول ) اما المسألة الاولى فتتصور على وجوه ثلثة : ( الاول ) تكليف المعدوم بمعنى بعثه وزجره فعلا حين كونه معدوما ، وهذا محال بلا اشكال ( الثاني ) انشاء الطلب منه بلا بعث وزجر فعلا ، وهذا القسم لا استحالة فيه اصلا ، فان الانشاء خفيف المؤنة ، فالحكيم ينشئ على وفق المصلحة طلب شيئ قانونا من الموجود والمعدوم حين الخطاب ليصير فعليا بعد ما وجد الشرائط وفقد الموانع ( الثالث ) انشاء الطلب مقيدا بوجود المكلف ووجد انه للشرائط ، وامكان هذا القسم ايضا بمكان من الامكان ( انتهى ما اردنا نقله من كلامه ) .

( اقول ) : الظاهر ان نظر الباحثين في المسألة والمتنازعين فيها لم يمكن إلى الامر الاول فان عموم التكاليف الشرعية وشمولها اجمالا للمعدومين كان مفروغا عنه بين الفريقين ، غاية الامر ان القائل بعدم شمول الخطاب لهم كان يثبت لهم التكليف في ظرف وجودهم بادلة الاشتراك من الاجماع ونحوه ، ولا إلى الامر الثالث لعدم كونه معنونا في كلماتهم ، فما هو محط نظر الاصحاب هو الامر الثاني من الامور الثلثة اعني عموم الخطاب وتوجيه الكلام لمن لم يكن في مجلس التخاطب سواء كان حال التخاطب من الموجودين أو كان معدوما بالكلية وكيف كان فنحن نبحث في مقامين " المقام الاول " مسألة تكليف المعدوم ، وملخص الكلام فيها ان التكليف الحقيقي بمعنى البعث والزجر الفعلى بالنسبة إلى المعدوم امر غير معقول ، بداهة عدم امكان انبعاثه و انزجاره في حال عدمه ، ولم يقل احد ايضا بجواز تكليفه كذلك ، واما انشاء التكليف بالنسبة إليه فان اريد به انشاء الطلب منه في ظرف عدمه بأن يكون في حال العدم موضوعا التكليف الانشائى فهو ايضا غير صحيح ، إذ لا يترتب عليه الانبعاث ولا غيره من دواعى الانشاء


315

حال كونه معدوما ، وانبعاثه في ظرف وجوده وتحقق شرائط التكليف فيه ليس من فوائد انشاء الطلب منه في ظرف العدم ، بل هو من الاثار المترتبة على انشاء الطلب من المكلف على فرض وجوده ، فالذي يصح في المقام ويعقل تحققه من المولى الحكيم هو انشاء التكليف بالنسبة إلى المكلف بنحو القضية الحقيقية بحيث يشمل الموجود و المعدوم ، ولكن لا بلحاظ ظرف عدمه بل في ظرف وجوده وفرض تحققه ، ففى قوله تعالى : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ، ليس وجوب الحج مقصورا على من وجد واستطاع حال نزول الاية ، بل الحكم فيها يعم الموجود والمعدوم حاله ، ولكن المعدوم في ظرف عدمه لا يكون مشمولا للحكم الفعلى ولا الانشائى ، وانما يصير مشمولا له على فرض تحققه ووجوده ، بداهة ان الموضوع للحكم الانشائى والفعلى في الاية هو من كان من الناس وصدق عليه عنوان المستطيع ، والمعدوم في رتبة عدمه ليس من افراد الناس ولا يصدق عليه انه مستطيع ، فلا يعقل سراية الانشاء إليه فان الحكم المنشأ لا يسرى من موضوعه إلى شيئ آخر ( نعم ) انما يصير المعدوم ( حال الخطاب ) في ظرف وجوده و تحقق الاستطاعة له مصداقا لما هو الموضوع في الاية فيتحقق ( ح ) بالنسبة إليه التكليف الانشائى ، وبتحقق ساير الشرايط العامة يصير فعليا .

( والحاصل ) ان المعدوم في ظرف عدمه ليس موردا للتكليف بكلا قسميه ، وبعد وجوده وصيرورته مصداقا لما هو الموضوع يصير موردا له ، والظاهر ان ما ذكرناه امر لا ينكره احد من الباحثين في مسألة الخطابات الشفاهية سواء قيل بعمومها للمعدومين ام لا ( نعم ) على الاول يكون ثبوت التكليف لهم في ظرف الوجود من جهة شمول الخطاب لهم ( وعلى الثاني ) من جهة الاجماع وغيره من ادلة الاشتراك بعد اتفاق الفريقين في عدم ثبوته لهم في ظرف العدم .

( وقد ظهر لك مما ذكرنا ) كيفية جعل الاحكام الشرعية وانها من قبيل القضايا الحقيقية بمعنى ان الحكم الشرعي جعل كاللازم للطبيعة المأخوذة موضوعة ، لا بما هي هي بل بما انها مرآت وحاك لوجوداتها الخارجية فيسرى الحكم بسريانها ذاتا ، فما لميصر شيئ مصداقا لعنوان الموضوع لم يكن موردا للحكم ، وبعد صيرورته من مصاديقه


316

يسرى الحكم إليه ، فالمعدوم في ظرف عدمه ليس موردا للحكم اصلا .

( وانقدح بما ذكرنا ايضا ) فساد ما في الكفاية حيث قال : " ان الانشاء خفيف المؤنة فالحكيم ينشئ على وفق الحكمة والمصلحة طلب شيئ قانونا من الموجود والمعدوم حين الخطاب ليصير فعليا بعدما وجد الشرائط .

" فان ظاهر كلامه " قده " كون التكليف بالنسبة إلى المعدوم حال عدمه ثابتا ، وبوجوده يصير فعليا ، وقد عرفت ان الشيئ ما لم يوجد لا يصير مصداقا لما هو الموضوع ، والحكم لم ينشئ الا لموضوعه فكيف يسرى إلى غير الموضوع .

" وبالجملة " توجه التكليف الفعلى الحقيقي إلى المعدوم مستحيل ولم يقل احد بامكانه ، وتعلق التكليف بالعنوان الكلى الشامل للموجود وللمعدوم ( ولكن بلحاظ وجوده بحيث يصير في ظرف الوجود موردا للتكليف ) جائز ولم يقل احد بامتناعه سواء كان ثبوته للمعدوم بنفس الخطاب أو بادلة الاشتراك ، واما تعلقه بالمعدوم في حال عدمه ليصير فعليا بعدما يوجد فهو الذى يظهر من الكفاية صحته ، وقد عرفت بما لا مزيد عليه فساد ذلك ايضا ، وكون الصيغة موضوعة للطلب الانشائى والانشاء خفيف المؤنة لا يثبت صحة انشاء الطلب ووقوعه من الحكيم بالنسبة إلى المعدوم في ظرف عدمه ، لما عرفت من ان انبعاث المعدوم بعد وجوده ناش من البعث المتوجه إليه بلحاظ ظرف الوجود ، فانشاء الطلب منه في ظرف العدم لغو لا يصدر عن الحكيم ( فالصحيح ) من الاقسام الثلثة التى ذكرها في الكفاية هو القسم الثالث ولكن لا بمعنى توجيه التكليف إلى المعدوم مشروطا بوجوده ، بل بمعنى تعلق التكليف بنفس العنوان الكلى بنحو القضية الحقيقية بحيث كلما وجد فرد من الموضوع يصير موردا للحكم فتدبر .

" فان قلت " : الطلب من المعاني الاضافية المتقومة بالطالب والمطلوب منه ،فبالنسبة إلى الافراد التى لم توجد بعد لا يمكن ان يصدر الطلب من قبل المولى فان الامر الاضافي لا يتحقق الا بتحقق اطرافه .

( قلت ) : ليس الطلب من مقولة الاضافة التى هي احد من الاعراض التسعة ، بل هو امر اعتباري يوجد بانشائه ، ووزانه وزان الامور الحقيقية ذات الاضافة كالعلم والقدرة


317

والارادة ، فالعلم مثلا ليس من مقولة الاضافة بل يكون عرضا وكيفا نفسانيا ثابتا لذات العالم ( نعم ) له نحو اضافة إلى المعلوم الخارجي وان كان معدوما حال العلم ، فكذلك الطلب ايضا امر اعتباري يتحقق بانشاء المنشئ واعتباره ، غاية الامران له نحو اضافة إلى المطلوب ، ونحو اضافة إلى المطلوب منه ، ولكن يكون تقومه بالطالب حيث انه فعل من افعاله ويقوم به قياما صدوريا ، وما هو المتعلق له اولا وبالذات ايضا هو عنوان الموضوع لا الافراد ، الا انه لما لوحظ مرآتا لمصاديقه يصير كل فرد منه بعد وجوده وصيرورته مصداقا له موردا للطلب قهرا ، ويكون نحو تعلق الطلب به نحو تعلق العلم بالمعلوم بالعرض كما لا يخفى .

( المقام الثاني ) مسألة مخاطبة المعدوم وتوجيه الكلام نحوه ( قال في الكفاية ما حاصله ) : انه لا ريب في عدم امكان خطاب المعدوم بل الغائب حقيقة ، ضرورة عدم تحقق توجيه الكلام نحو الغير حقيقة الا إذا كان موجودا وكان بحيث يتوجه إلى الكلام ويلتفت إليه ، لكن الظاهر ان ما وضع للخطاب مثل ادوات النداء لم يكن موضوعا للخطاب الحقيقي بل للخطاب الايقاعى الانشائى ، فالمتكلم ربما يوقعه تحسرا وتأسفا وحزنا مثل ايا كوكبا ما كان اقصر عمره ، أو شوقا أو نحو ذلك ، ( نعم ) لا يبعد دعوى الظهور انصرافا في الخطاب الحقيقي كما هو الحال في حروف الاستفهام والترجى والتمنى وغيرها على ما حققناه من كونها موضوعة للايقاعي منها بدواعى مختلفة مع ظهورها في الواقعي منها انصرافا إذا لم يكن هناك ما يمنع عنه ، كما يمكن دعوى وجوده غالبا في كلام الشارعضرورة عدم اختصاص الحكم في مثل يا ايها الناس بمن حضر مجلس الخطاب ( انتهى ) .

( اقول ) : الخطاب كما يستفاد من تتبع موارد استعمالاته العرفية عبارة عن توجيه الكلام نحو الغير بقصد افهام معناه ، فمفهوم المخاطبة ينتزع عن كل كلام القى إلى الغير بهذا القصد سواء كان في البين ادوات الخطاب ام لا ( نعم ) مع استعمال الادوات كحرف النداء أو كاف الخطاب أو نحوهما يكون الخطاب اوضح وصدق عنوان المخاطبة آكد .

" وبالجملة " ليس مفهوم المخاطبة من المفاهيم الاعتبارية التى يستعمل فيها الالفاظ استعمالا انشائيا ، فان الكلام الصادر عن المتكلم مشتمل على الفاظ مفردة وضع كل منها


318

بازاء معنى خاص ، وله هيئة خاصة موضوعة بازاء النسبة ، ولم يوضع المفردات ولا الهيئة بازاء مفهوم المخاطبة ، ( غاية الامر ) انه لما كان الكلام من الافعال الاختيارية للمتكلم فلا محالة يكون له ( بما انه فعل من افعاله ) غاية عقلائية ، والغاية الطبيعية العقلائية للتكلم هو افهام الغير واعلامه بما في الضمير ، فإذا صدر الكلام بهذا الداعي ينتزع عنه ( بما انه فعل صدر بهذا الداعي ) عنوان المخاطبة وان لم يكن صدوره عنه بهذا الداعي لم يصدق مفهوم المخاطبة ( نعم ) إذا لم يكن هناك مخاطب حقيقي يفهم الكلام ولكن المتكلم نزل شيئا مما لا يمكن خطابه منزلة من حضر واريد افهامه فالقى إليه الكلام ( نحو ما يلقى إلى من اريد افهامه ) لاظهار التحسر أو الشوق أو نحو هما فيصدق حينئذ مفهوم الخطاب ويكون خطابا ادعائيا ، فمفهوم الخطاب نظير مفهوم التكلم والاخبار ونحوهما مفهوم انتزاعي ينتزع عن الكلام ( بما انه فعل صدر بداعي الافهام ) وليس مما يستعمل فيه اللفظ استعمالا انشائيا حتى يدل عليه اللفظ دلالة لفظية وضعية ، وهذا من غير فرق بين قسميه من الحقيقي والادعائى ( غاية الامر ) ان الغاية الطبيعية للتكلم لما كان هو الافهام يحمل الخطاب على الحقيقي منه ما لم يثبت كونه ادعائيا نظير ساير الافعال الصادرة عن العقلاء حيث تحمل على كونها صادرة لاجل غاياتها الطبيعية ما لم يثبت خلافه ( ومما ذكرنا ظهر ) فساد ما فيالكفاية من كون الخطاب من الامور الايقاعية التى يستعمل فيها الالفاظ بداعي الانشاء .

( إذا عرفت ما ذكرنا فنقول ) : لا ريب ان الخطابات القرآنية ليست من قبيل الخطابات الادعائية الصادرة بداعي اظهار التحسر ونحوه مثل قوله : أيا كوكبا ما كان اقصر عمره ، بل هي خطابات حقيقية صدرت عن الله تعالى بداعي الافهام والاعلام ، وحينئذ فيقع الكلام في انها تشمل المعدومين حال الخطاب ام لا ، وملخص الكلام في المقام انه ان اريد بشمولها للمعدوم شمولها له حال كونه معدوما فهذا أمر مستحيل ، لما عرفت من كونها صادرة بقصد الافهام ، ولا يعقل افهام المعدوم في ظرف عدمه ، وان اريد بشمولها له شموله لكل من صدق عليه عنوان الموضوع بعد ما وجد وصار من مصاديقه وان لم يكن موجودا حال التكلم و المخاطبة فنقول : ان كان وسيلة الخطاب امرا غير قار لا يبقى إلى زمان وجود المخاطب كما إذا خوطب بوسيلة الالفاظ ولم يكن في البين وسائل لحفظها وحكايتها فهذا ايضا


319

غير معقول إذ المخاطب في ظرف عدمه لا يقبل الخطاب ، وفي ظرف وجوده يكون الخطاب معدوما ، وان كان آلة الخطاب ووسيلته من الامور القارة كالكتابة ونحوها ، أو كانت بحسب الذات من الامور الغير القارة كالالفاظ ولكن كان في البين وسائل لحفظها وحكايتها ، فحكاها السامعون لمن بعدهم وهكذا حفظها ووعاها كل واحدة من الطبقات وأداها إلى من بعدها ، فمثل هذا الخطاب لا مانع من شموله للمعدومين حال الخطاب بنحو يصير كل فرد منهم بعد ما وجد وصار من مصاديق الموضوع مشمولا للخطاب .

" والخطابات القرانية " من هذا القبيل فانها صدرت عن الله تعالى بداعي الافهام و الاعلام ونزلت على قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بوسيلة جبرائيل والقاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس بما انها كلمات الله تعالى ، ثم انها بقيت بوسيلة النقل والكتابة معا حتى وصلت إلى جميع الناس طبقة بعد طبقة فيكون الجميع مخاطبين بها ، كل في زمان وجوده ، فقوله ( تعالى ) مثلا : يا ايها الذين امنوا كلام القى من الله تعالى إلى الذين امنوا بداعي افهام ما تضمنه منالحكم الشرعي ، والمعدوم حال عدمه ليس مصداقا للمؤمن فلا يشمله الخطاب ولكنه بعد ما وجد وصار مؤمنا يصير من مصاديق ما جعل موضوعا ، فيصير ممن اريد افهامه و اعلامه بنفس هذا الخطاب الواصل إليه بسبب النقل والوجود الكتبى ، فجميع المؤمنين مخاطبون بنفس هذا الخطاب من قبل الله تعالى ، لا من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فانه ايضا من الوسائط ونسبته تعالى إلى جميع الموجودات في جميع الاعصار على السواء ، فكل منهم في ظرف وجوده حاضر لديه وهو ( تعالى ) محيط بالجميع احاطة قيومية وعلمية لا يعزب عن علمه مثقال ذرة ، وقد اراد بكلامه خطاب الجميع بحيث يتلقى كل منهم في ظرف وجوده كلامه ( تعالى ) ويفهم مراده ويعمل بمضمونه ، كيف ! والا يلزم ان لا يكون الحاضرون ايضا مخاطبين بكلام الله تعالى لعدم حضورهم في مرتبة ذاته المقدسة وعدم تلقيهم كلامه تعالى بالوحى ، فنسبة الموجودين حال الخطاب إليه تعالى كنسبة الموجودين في الاعصار المتأخرة ، وكل منهم قد تلقى خطاباته تعالى في ظرف وجوده بالواسطة ، فالجميع مخاطبون بها في ظرف وجودهم ويكون الخطاب بالنسبة إليهم خطابا حقيقيا .

" ومن هذا القبيل ايضا " الخطابات الصادرة عن المصنفين في مؤلفاتهم مثل قولهم :


320

اعلم أو تدبر أو نحوهما فانها لما كانت تبقى ببقاء الكتابة كانت خطابات حقيقية اريد بها افهام كل من راجع الكتاب فافهم وتدبر .

" وقد ظهر بما ذكرنا " فساد ما في الكفاية حيث يظهر منه شمول الخطابات الشرعية للمعدومين باعتبار وضوح عموم الحكم لهم ، وجعل ذلك قرينة على عدم كون تلك الخطابات حقيقية .

( وجه الفساد ) هو ما عرفت من ان شمول الخطابات للمعدومين ليس باعتبار حال العدم ، بل باعتبار ظرف الوجود ، كيف ! ولا يكون المعدوم في ظرف العدم مصداقا لقوله تعالى : يا ايها الناس مثلا ، وفي ظرف وجوده يكون الخطاب بالنسبة إليه حقيقيا لا ادعائيا ، حيث ان الكلام القى إليه بداعي الافهام لا بداعي التحسر وامثاله فكيف جعل " قدس سره " الخطابات القرآنية خطابات ايقاعية غير حقيقية .

( تتمة ) ذكر للنزاع في الخطابات الشفاهية ثمرتان : ( الاولى ) حجية ظواهر خطابات الكتاب للمعدومين على فرض عمومها لهم ، ولا يخفى ان ترتب هذه الثمرة مبنى على ما ذهب إليه المحقق القمى من عدم حجية الظواهر الا بالنسبة إلى من قصد افهامه ، وسنحقق في محله ان ظاهر اللفظ حجة بالنسبة إلى كل من سمعه سواء قصد افهامه ام لم يقصد ، و يدل على ذلك سيرة العقلاء فلو امر المولى واحدا من عبيده بشئ وأمره بتبليغ هذا الحكم إلى ساير العبيد ايضا ، وكان ساير العبيد يستعمون ذلك الخطاب من المولى ولكن لم يصل إليهم بوسيلة العبد فتركوا ما امر به المولى وعلم بسماعهم لخطابه ، كان للمولى عتابهم وعقابهم ، وليس هذا العتاب والعقاب قبيحا بنظر العقلاء ، وليس للعبيد ان يعتذروا بعدم كونهم مقصودين بالافهام ، هذه حال الثمرة الاولى ، ولا يهمنا التعرض لثانيتهما فراجع

فصل

إذا كان في الكلام عام موضوعا لحكم وتعقبه ضمير يرجع إليه محكوما بحكم آخر وعلم من الخارج اختصاص الحكم الثاني ببعض افراد العام ، فهل يخصص العام بذلك أو لا ؟ فيه كلام بين الاعلام ، وقد مثلوا له بقوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلثة قروء


321

إلى قوله تعالى : وبعولتهن أحق بردهن في ذلك ( البقرة آية 228 ) .

( قال في الكفاية ما حاصله ) : ان الامر يدور بين احتمالات ثلثة : ( الاول ) ان يتصرف في العام بان يراد منه خصوص ما اريد من الضمير ، وعليه فلا يلزم تصرف في ناحية الضمير .

( الثاني ) ان يتصرف في ناحية الضمير بارجاعه إلى بعض ما هو المراد من مرجعه ، فيكون من باب المجاز في الكلمة .

( الثالث ) ان يتصرف فيه بارجاعه إلى تمام ما اريد من المرجع مع التوسع في الاسناد باسناد الحكم ( المسند إلى البعض حقيقة ) إلى الكل توسعا وتجوزا ، فيكون من باب المجاز في الاسناد ، وحيث ان المراد في ناحية الضمير معلوم ، وانما الشكفي كيفية الاستعمال والارادة وانه على نحو الحقيقة أو المجاز في الكلمة أو في الاسناد ، وفي ناحيه العام يكون الشك في اصل المراد كانت اصالة الظهور في ناحيه العام بلا مزاحم ، لان المتيقن من بناء العقلاء هو اتباع الظهور في تعيين المراد لا في تعيين كيفية الاستعمال ( انتهى ) .

" اقول : ويرد عليه اولا " ان احتمال عود الضمير إلى بعض ما اريد من المرجع بحيث يلزم منه المجازية في ناحية الضمير لا يتمشى بعد الاحاطة على معاني الضمائر ( بيان ذلك ) انك قد عرفت في محله ان الضمائر واسماء الاشارة والموصولات كلها من واد واحد ، وقد وضعت لان يوجد بها الاشارة ، فيكون الموضوع له فيها نفس حيثية الاشارة التى هي معنى اندكاكى متوسط بين المشير والمشار إليه ويكون استعمالها في هذا المعنى استعمالا انشائيا ، فكما ان الانسان قد يوجد الاشارة بتوجيه اصبعه نحو المشار إليه ويتوهم بذلك بينهما امتداد موهوم ، فكذلك ربما يوجدها باستعمال كلمة هذا ونحوها ، فكلمة هذا مثلا قد وضعت لان يشار بها إلى المفرد المذكر ، وما ذكره بعض الادباء من كونها موضوعة للمفرد المذكر المشار إليه فاسد جدا ، سواء اراد بذلك مفهوم المشار إليه أو حقيقة المشار إليه الخارجي الواقع في طرف الامتداد الموهوم ، إذ ليس لنا مع قطع النظر عن لفظة هذا اشارة في البين حتى يتصف المفرد المذكر بكونه مشارا إليه ويستعمل فيه لفظة هذا ، فالاشارة توجد بنفس هذا اللفظ ، وقد اشار بما ذكرنا محمد بن مالك في الفيته حيث قال : بذالمفرد مذكر اشر ( إلى آخر ما قال ) .


322

( نعم ) لما كان الاشارة معنى اندكاكيا فانيا في المشار إليه فلا محالة ينتقل الذهن من لفظة هذا مثلا إلى المشار إليه ويعامل معها معاملة اللفظ الموضوع للمشار إليه فتجعل مبتدء مثلا ويحكم عليها باحكام المشار إليه فيقال مثلا : ( هذا قائم ) كما يقال زيد قائم ( وبالجملة ) المبهمات بأجمعها موضوعة للاشارة ومنها الضمائر ، فيشار بكاف الخطاب مثلا إلى المخاطب الحاضر ،وبضمير الغائب إلى المرجع المتقدم ذكره ، وبضمير المتكلم إلى نفس المتكلم ، ولا بد في جميع الاشارات من ان يكون للمشار إليه نحو تعين حتى يمكن الاشارة إليه فتعينه في مثل هذا وامثاله بحضوره ، وفي ضمير المتكلم بكونه حاضرا للمخاطب وموردا لتوجهه ، وفي ضمير المخاطب بكونه موجها إليه الكلام ، وفي ضمير الغائب بسبق ذكره ، وفي الموصولات بكون الموصول معروضا لمفاد الصلة وموصوفا به ، والداعى إلى وضع المبهمات هو الاختصار أو الفرار من التكرار ، حيث انه لو لا الضمير مثلا لاحتاج المتكلم إلى تكرار علم الشخص مرارا ، وكيف كان فتعين المشار إليه والمرجع في ضمير الغائب بسبق ذكره ، وعلي هذا فلا محيص عن ارجاعه إلى نفس ما تقدم ذكره بماله من المعنى ، ولا يصح ارجاعه إلى بعض ما اريد من العام مثلا ، اذلا تعين للبعض ( وبالجملة ) ارجاع الضمير إلى غير ما اريد من المرجع لا يتمشى احتماله بعد الاحاطة على ما حققناه في بيان معنى الضمائر ( وثانيا ) انه لا مجال هنا لتوهم المجاز في الاسناد ايضا فان اسناد حكم البعض إلى الكل انما يصح فيما إذا كان العام مجموعيا ولوحظ بين الافراد المتكثرة جهة وحدة اعتبارية كما في قولهم : بنو تميم قتلوا فلانا ، فان انتسابهم إلى أب واحد يوجب لحاظهم بنحو الوحدة ويصحح اسناد القتل الصادر عن بعضهم إلى الجميع ، واما إذا كان العام افراديا ولوحظ كل فرد منه موضوعا مستقلا فلا مجال لان يسند ما صدر عن بعضهم إلى الجميع ، إذ لا مصحح لهذا الاسناد ، ففى مثل قوله تعالى : ( المطلقات يتربصن بانفسهن ثلثة قروء ) قد لو حظ كل واحدة من المطلقات موضوعا مستقلا لوجوب التربص ولم يلحظ مجموع المطلقات موضوعا وحدانيا ، فلا مجال لان يسند الحكم في قوله : ( وبعولتهن احق بردهن ) إلى الجميع بلحاظ ثبوته لبعضهن .

( وثالثا ) انه لا مجال في المقام لتوهم المعارضة بين اصالة الظهور في ناحية العام


323

و أصالة الظهور في ناحية الضمير ، فان الشك في ناحية الضمير مسبب عن الشك فيما اريد من العام ،إذ لو اريد منه العموم تعين التصرف في ناحية الضمير ، وان اريد منه الخصوص لم يقع تصرف في ناحيته ( وبالجملة ) المراد في ناحية الضمير معلوم ، والشك انما هو في كيفية استعماله وانه بنحو الحقيقة أو المجاز ، وهذا الشك مسبب عن الشك فيما اريد من العام ، وقد حقق في محله ان الاصل يجرى في السبب ، ولا يعارضه الاصل المسببى ، وانما يرتفع الشك في ناحيته قهرا باجراء الاصل السببي ، هذا خلاصة ما يمكن ان يورد على ما ذكره في الكفاية ( والذى يقتضيه التحقيق ) في المسألة هو ان يقال : ان هنا احتمالا آخر غير ما ذكره في الكفاية من الوجوه الثلثة ، وهو انك قد عرفت ان العام يستعمل دائما في العموم ، غاية الامر ان الارادة الجدية قد تطابق الارادة الاستعمالية فيكون المراد الجدى ايضا هو العموم ، وقد تخالفها فيكون الخصوص مرادا جديا ، وبناء العقلاء على الحكم بتطابق الارادتين دائما ما لم يثبت ارادة الخصوص ، ( ففيما نحن فيه ) يكون كل واحد من العام والضمير الراجع إليه مستعملا في العموم ويكون الاستعمال في كليهما بنحو الحقيقة ( غاية الامر ) انه قد ثبت بالدليل الخارجي ان المراد الجدى في ناحية الضمير هو الخصوص فيحمل عليه ، ولا دليل على تخالف الارادتين في ناحية العام ، فالاصل العقلائي الحاكم بتطابق الارادتين هو المحكم في ناحيته ، ورفع اليد عن اصالة التطابق في ناحية الضمير لا يوجب رفع اليد عنها في ناحيته فتأمل جيدا

( فصل )

قال في الكفاية ما حاصله : انهم اختلفوا في

جواز التخصيص بالمفهوم المخالف

مع الاتفاق على الجواز بالمفهوم الموافق ( وتحقيق المقام ) انه إذ اورد العام وماله المفهوم في كلام أو كلامين ولكن على نحو يصلح ان يكون كل منهما قرينة للتصرف في الاخر ودار الامر بين تخصيص العموم أو الغاء المفهوم ، فلا يكون هناك عموم ولا مفهوم فلابد من العمل بالاصول العملية إذا لم يكن احدهما اظهر ، ومنه قد انقدح الحال فيما إذا لم يكن


324

بينهما ذاك الاتصال وانه يعامل معهما معاملة المجمل لو لم يكن في البين اظهر والا فهو المعول ( انتهى ) .

( أقول ) : دعوى الاتفاق في مفهوم الموافقة بلا وجه ، فان تلك المسألة ايضا خلافية كما هو المستفاد من عبارة العضدي ، ثم ان الاتفاق في أمثال هذه المسائل لا يستكشف منه قول المعصوم عليه السلام فلا حجية فيه ( ثم انه قده " ) كما ترى فصل بين كون ماله المفهوم متصلا بالكلام أو كالمتصل وبين غيره ولكنه جعل حكم الشقين واحدا ، وعلي هذا فيكون تفصيله وتشقيقه لغوا إذ التشقيق انما يحسن فيما إذا اختلف الشقان بحسب الحكم ، ( والتحقيق ان يقال ) : ان المسألة من باب تعارض المطلق والمقيد وحكمه حمل المطلق على المقيد بعد احراز وحدة الحكم كما سيأتي في محله " بيان ذلك " انه إذا اورد مثلا ان الله تعالى خلق الماء طهورا لا ينجسه شيئ الا ما غير لونه أو طعمه أو رائحته استفدنا منه ان حيثية المائية تمام الموضوع لعدم التنجس من غير فرق بين ان يجعل الالف واللام في كلمة الماء للجنس أو للاستغراق ، فمفاد هذا الدليل انه لا دخالة لقيد آخر في هذا الحكم ، ثم إذا ورد قوله : الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شيئ استفدنا منه كون الماء بقيد الكرية موضوعا لعدم التنجس ، ولاجل ذلك يستفاد منه المفهوم فيكون مفاده كون حيثية المائية جزء من الموضوع فيكون التعارض بين الدليلين من باب تعارض المطلق والمقيد ، وحيث ان ظهور القيد في كونه دخيلا اقوى من ظهور المطلق في كونه تمام الموضوع فلا محالة يحمل المطلق على المقيد .

" وبالجملة " يقدم ماله المفهوم على العموم .

( وقد عرفت منافى باب المفاهيم ) ان المفهوم انما يستفاد من ظهور القيد الزائد ( بما انه فعل اختياري ) في كونه دخيلا في الموضوع ، وهذا هو مسلك القدماء ايضا في باب المفاهيم حيث كانوا يستدلون على ثبوت المفهوم بانه لولاه لكان ذكر القيد لغوا .

( وملخص ما ذكرناه هناك ) ان دلالة القيد الزائد كالشرط والوصف وامثالهما علىالمفهوم ليست من قبيل دلالة اللفظ الموضوع على معناه الموضوع له ، بل من قبيل دلالة الافعال الاختيارية ( بما انها كذلك ) على امور ، فان الفعل الاختياري الصادر عن الغير يحمل


325

عند العقلاء على كون صدوره عنه لاجل غايته الطبيعية ، ومن الافعال الاختيارية هو التكلم فيحمل ( بما انه فعل اختياري ) على كونه صادرا عن المتكلم لاجل الفائدة ، وفوائد التكلم وان كانت كثيرة ولكن الغاية الطبيعية للتكلم بالكلام الموضوع عبارة عن افادة معناه و افهامه ، وهذا من غير فرق بين تمام الكلام وبين اجزائه وقيوده ، فان الغاية الطبيعية للقيد ايضا عبارة عن افهام معناه ، فيستفاد من ذكره ( بما انه فعل اختياري ) كون معناه دخيلا في موضوع الحكم بحيث لا يكون حيثية المطلق تمام الموضوع وان جاز ان يخلفه قيد آخر كما اشار إليه السيد المرتضى " قد " حيث قال ما حاصله : ان المستفاد من قوله " تعالى " : ( فاستشهدوا شهيدين من رجالكم ) قبول شهادة الرجل مقيدا بانضمامه إلى شاهد آخر ومع ذلك يثبت قبولها عند انضمام اليمين ايضا ( والحاصل ) ان ثبوت المفهوم عندنا من جهة دلالة ذكر القيد ( بما هو فعل اختياري ) على كونه دخيلا في الموضوع بمعنى عدم كون حيثية المطلق تمام الموضوع ، ولا ينافى ذلك ان يخلفه قيد آخر ، واما على مذاق المتأخرين فثبوته من جهة ما ادعوه من دلالة القيد على كونه علة تامة لثبوت الحكم وقد مر تفصيل ذلك في باب المفاهيم فراجع .

ومن هذا القبيل ايضا حمل اللفظ الصادر عن المتكلم على معناه الحقيقي ، فان الفعل الاختياري كما عرفت يحمل عند العقلاء على كونه صادرا بداعي غايته الطبيعية ، والغاية الطبيعية لايجاد اللفظ هي افهام معناه الحقيقي ، فاصالة الحقيقة واصالة العموم ايضا من شعب هذا الاصل العقلائي ، ومن هذا القبيل ايضا حمل الطلب الانشائى على كونه صادرا بداعي البعث والتحريك لا لاجل الدواعى الاخر فان البعث هو الغاية الطبيعية والعقلائية لايجاد الطلب وانشائه"

فصل

" إذا تعقب الاستثناء جملا متعددة فهل الظاهر رجوعه إلى الجميع ، أو خصوص الاخيرة ، أو لا ظهور له في واحد منهما ؟ وجوه .


326

( قال في الكفاية ما حاصله ) : انه لا اشكال في رجوعه إلى الاخيرة على أي حال ، وكذا في صحة رجوعه إلى الكل ضرورة ان تعدد المستثنى منه كتعدد المستثنى لا يوجب تفاوتا في ناحية الاداة بحسب المعنى كان الموضوع له في الحروف عاما أو خاصا ، وتعدد المخرج أو المخرج منه خارجا لا يوجب تعدد ما استعمل فيه اداة الاخراج مفهوما ( انتهى ) ، ( اقول ) : قد عرفت ( في مبحث المعاني الحرفية ) ان الحروف وضعت لحقائق الارتباط المندكة في الاطراف ، ففى قولنا : الماء في الكوز مثلا ما هو المتحقق في الخارج عبارة عن شخص الماء وشخص الكوز ، وليس ورائهما شيئ على حياله بعنوان الظرفية ( نعم ) لا يكون الموجود في الخارج هو الماء والكوز بنحو الاطلاق بل يكون الماء متخصصا بكونه مظروفا للكوز ، والكوز ايضا متخصصا بكونه ظرفا للماء ، فيكون الماء و الكوز مرتبطين في الخارج بحقيقة الارتباط الظرفى ، ولكن الارتباط ليس امرا على حياله في قبال الكوز والماء بل هو مندك فيهما ، هذا حال الخارج ، واما الذهن فلسعة عالمه يمكن ان يوجد فيه نقش الخارج من دون تفاوت فيوجد فيه صورة الماء والكوز مرتبطين بحقيقة الارتباط الظرفى على وزان ما في الخارج ، ويمكن ان يوجد فيه مفهوم الظرفية مستقلا في قبال صورتي الماء والكوز ، فعلى الاول يكون الظرفية مندكة في الطرفين بحسب اللحاظ ويكون تحققها بتحققهما ، وعلى الثاني يكون الموجود في الذهن ثلثة مفاهيم مستقلة غير مرتبطة يعبر عنها بالماء والظرفية والكوز ، فلفظة في وضعت لان تدل على حقيقة الارتباط الظرفى المندك في الطرفين ، وهذا بخلاف كلمة الظرفية فانها وضعت لان تدل على المفهوم الاستقلالي الملحوظ في قبال الطرفين .

( إذا عرفت ما ذكرنا فنقول ) : ان العمومات الواقعة في الجمل المتعددة ان لوحظ بينها جهة وحدة بحيث يرى كأنها عام واحد فلا اشكال حينئذ في امكان رجوع الاستثناء إلى الجميع ويكون الاخراج بهذا اللحاظ اخراجا واحدا ، واما إذا لوحظ كل واحد من العمومات امرا مستقلا في قبال غيره فلا محالة يكون معنى ارجاع الاستثناء إلى جميعها هو تعدد الاستثناء والاخراج بعدد العمومات ، وعلى هذا فيكون استعمال كلمة الا مثلا في الاخراج من الجميع من قبيل استعمال اللفظ في اكثر من معنى واحد ، واستعمال اللفظ


327

كذلك وان جاز عند من يرى الاستعمال من باب جعل اللفظ علامة للمعنى لا من باب افناء اللفظ فيه ، ولكن لا يجرى هذا الكلام في الحروف ، لما عرفت من عدم كون معانيها ملحوظة بنحو الاستقلال ، بل هي معان ربطية مندكة في الطرفين بحسب اللحاظ ، بمعنى أن لحاظ المعنى الحرفى بلحاظ طرفيه ، وحيث انه تعدد الاطراف هنا بتعدد المستثنى منه صار مرجع استعمال أداة واحدة في الاخراج من جميعها إلى لحاظ حقيقة واحدة ربطية بنحو الاندكاك والفناء في هذا الطرف تارة وفي ذاك الطرف اخرى ، ومقتضى ذلك كون حقيقة واحدة ربطية في عين وحدتها حقائق ربطية متكثرة ، وهذا امر مستحيل ( 1 ) .

فصل )

اختلفوا في جواز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد

، فذهب المحققون إلى جوازه ، واستدلوا عليه باستقرار سيرة الاصحاب من زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى زماننا هذا على العمل بالخبر الواحد ، مع أنك لا تجد خبرا الا ويوجد على خلافه عام كتابي ، ولم يرد عن صاحب الشرع ولا عن ائمة اهل البيت عليهم السلام ردع عن هذه السيرة .

" وذهب " جماعة إلى المنع واستدلوا عليه بوجوه اربعة : ( الاول ) ان الكتاب مقطوع به صدورا والخبر مظنون سندا فلا يرفع به اليد عن المقطوع به .

( الثاني ) انه لو جاز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد لجاز نسخه به ايضا ، والتالىباطل بالاجماع فالمقدم مثله .

( الثالث ) ان حجية الخبر ثابتة بالاجماع ، ولا اجماع على العمل به في عرض الكتاب .

( الرابع ) الاخبار الكثيرة الدالة على ان ما خالف القرآن يجب طرحه ، أو انه زخرف ، أو نحو ذلك هذا .

( 1 ) اقول : بناء على كون الاستعمال من باب جعل العلامة كما هو المفروض لم لا يمكن ان يلحظ في المقام حقايق ربطية متعددة بعدد المستثنى منه ويجعل كلمة واحدة علامة لتلك الملحوظات المتعددة ؟ ( وبالجملة ) لا يرى فرق بين الاسماء والحروف بناء على هذا الفرض فافهم .


328

( ويرد على الوجه الاول ) ان الكتاب وان كان قطعيا بحسب الصدور ولكنه ظنى الدلالة ، فان الحكم بالعموم انما هو من جهة اصالة التطابق بين الارادتين كما مر في محله ، وليست هي بقطعية ، وعلي هذا فرفع اليد عنه بالخبر من قبيل رفع اليد عن المظنون بمثله ، بل بالمقطوع به فان الخبر وان كان ظنيا ولكنه ثبت حجيته بالادلة القطعية ، فكما انه إذا قطع بصدور الخبر وجب رفع اليد بسببه عن عموم الكتاب ، فكذلك إذا دل الدليل القطعي على وجوب ترتيب آثار الواقع على مفاد الخبر والمعاملة معه معاملة المقطوع به .

( ويرد على الوجه الثاني اولا ) انه لم يرد دليل قطعي على عدم جواز نسخ الكتاب به ، ( وثانيا ) انه لو فرض قيام دليل قطعي على عدم جواز نسخه به لم يثبت بذلك عدم جواز التخصيص بسببه .

( وعلى الوجه الثالث ) انا لا نسلم ثبوت حجية الخبر بالاجماع بما انه اجماع ، بل عمدة ما دل عليها هو بناء العقلاء وسيرتهم المستمرة على الاحتجاج بالخبر في مقام الاحتجاج واللجاج كما بين الموالى والعبيد ، وليس للشارع فيه تأسيس ، بل كلما ورد عنه في هذا الباب فليس الا امضاء لطريقة العقلاء .

واول من ادعى الاجماع في المسألة هو الشيخ " قده " فيالعدة حيث ادعى فيها اجماع الصحابة من زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم على العمل بالاخبار الاحاد ، ( والظاهر ) ان مراده بالاجماع ليس الا استقرار سيرة المسلمين من الصدر الاول عليه ولكن لا بما هم مسلمون ومتدينون بدين الاسلام حتى يستكشف بذلك ورود نص فيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويكون العمل بالاخبار حكما من احكام الاسلام ، بل بما هم عقلاء فيرجع الاجماع المدعى في المسألة إلى سيرة العقلاء طرا على الاحتجاج بها ولم يرد من قبل الشارع ردع عنها إذ لو ورد لنقل لتوفر الدواعى على نقله في مثل المقام ( وبالجملة ) الدليل على حجية الاخبار سيرة العقلاء ، والدليل على حجية العمومات ايضا ليس الا الاصل العقلائي الحاكم بتطابق الارادة الجدية للاستعمالية ، وبناء العقلاء في الاحتجاجات الثابتة بين الموالى والعبيد قد استقر على تخصيص العام بالدليل الخاص ولو كان من قبيل الاخبار الاحاد .

( ويرد على الوجه الرابع ) ان الاخبار المشار إليها تنقسم بحسب المضمون إلى طوائف


329

اربع : ( الاولى ) ما دل على ان العمل بالخبر مطلقا انما يجوز فيما إذا كان عليه شاهد أو شاهدان من كتاب الله ( الثانية ) مادل على هذا المضمون في خصوص الاخبار المتعارضة ( الثالثة ) مادل على ان ما خالف الكتاب أو لم يوافقه زخرف أو مما لم نقله أو نحو ذلك ( الرابعة ) ما دل على وجوب عرضها على الكتاب فما وافقه وجب اخذه وما خالفه أو لم يوافقه لزم طرحه .

( اما الطائفة الاولى ) فمفادها عدم حجية الخبر راسا إذ لو فرض وجود شاهد أو شاهدين من كتاب الله على وفق الخبر فالمحكم هو الكتاب لا الخبر ، ومقتضى ذلك سقوط هذه الطائفة ايضا من الحجية فانها ايضا اخبار آحاد فيلزم من حجيتها عدم حجيتها هذا مضافا إلى انها لا تقاوم السيرة القطعية على العمل بالخبر في عصر النبي صلى الله عليه وآله سلم والائمة عليهم السلام حتى بعد صدور هذه الاخبار عنهم عليهم السلام ، فالظاهر ان هذه الطائفة من الاخبار وردت في مقام تحديد العمل بالخبر والردع عن العمل بالاخبار التى كانوا يدسونها وينسبونها إلىالائمة عليهم السلام في المسائل الاعتقادية ترويجا لعقائدهم الباطلة .

( واما الطائفة الثانية ) فلا دخل لها بما نحن فيه كما لا يخفى وجهه .

( واما الطائفة الثالثة ) فالظاهر ان المراد منها ايضا هو الردع عما خالف الكتاب بنحو التباين المتحقق غالبا في المسائل الاعتقادية ، حيث ان مخالفة الخاص للعام لا يعد مخالفة بنظر العقلاء ، كيف ! وقد كثر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن الائمة عليهم السلام صدور الاخبار المخصصة للكتاب ، واستمر سيرة الاصحاب ايضا على العمل بها في جميع الاعصار " وبالجملة " محط النظر في هذه الطائفة ايضا هو الردع عن العمل بالاخبار المكذوبة المجعولة في المسائل الاعتقادية كالقول بجسميته تعالى وكالجبر والتفويض والقضاء و القدر وامثال ذلك .

" وبهذا البيان " ظهر المراد من الطائفة الرابعة ايضا .

( وملخص الكلام في المقام ) ان استقرار سيرة الاصحاب على العمل بالاخبار المروية عنهم عليهم السلام والاعتماد عليها في تخصيص الكتاب وتقييده بلغ حدا لا يمكن معه رفع اليد عنها بمثل هذه الاخبار ، وقد ورد عنهم عليهم السلام ايضا


330

اخبار كثيرة فوق حد التواتر يستفاد منها اجمالا امضاء هذه السيرة ، فلا تقاومها الاخبار المشار إليها فتدبر .

المقصد الخامس

في المطلق والمقيد

( اعلم ) انهم قسموا اللفظ إلى المطلق والمقيد ، وعرفوا المطلق بانه مادل على شايع في جنسه والمقيد بخلافه .

( والظاهر من التعريفين ) ان الاطلاق والتقييد عندهم وصفان لنفس اللفظ ولكن بلحاظ المدلول ، فان كان مدلول اللفظ شايعا سمى اللفظ مطلقا وان لم يكن كذلك سمى اللفظ مقيدا .

( ثم لا يخفى ) ان ظاهر كلامهم ايضا كون التقسيم للفظ في حد ذاته مع قطع النظرعن تعلق حكم به ، فيوجد القسمان في الالفاظ وتتصف بالوصفين سواء كان في البين حكم ام لا ، فيتحقق في الالفاظ نوعان متمايزان : نوع مطلق ، ونوع مقيد ، نظير انقسام الكلمة إلى الاسم والفعل والحرف .

( وهذا فاسد جدا ) فان اللفظ في حد ذاته لا يتصف بالاطلاق والتقييد بل التقسيم اليهما والاتصاف بهما بلحاظ الحكم ، فاللفظ الذى يكون لمدلوله شياع وانتشار ذاتا إذا صار موضوعا لحكم من الاحكام ( سواء كان حكما وضيعا ام تكليفيا ) فان كان تمام الموضوع لهذا الحكم سمى مطلقا ، وان لم يكن تمام الموضوع لهذا الحكم بل كان في مقام الموضوعية مقيدا بقيود سمى مقيدا ، فالرقبة مع كونها لفظا واحدا ان جعلت تمام الموضوع للحكم اتصفت بالاطلاق ، وان جعلت مقيدة بقيد موضوعا له اتصفت بالتقييد ، فالرقبة في قولنا : اعتق رقبة مطلقة ، و في قولنا : اعتق رقبة مؤمنة مقيدة ، فاللفظ الواحد يمكن ان يتصف بالاطلاق بلحاظ حكم ، وبالتقييد بالنسبة إلى حكم آخر ، وحيث ان الموضوع للحكم حقيقة هو نفس المدلول ، واللفظ يكون موضوعا في القضية الملفوظة فلا محالة يكون الاطلاق و التقييد اولا وبالذات وصفين لنفس المعنى الذى له شيوع افرادي أو احوالى ، وبتبع المعنى يتصف اللفظ بهما ( وكيف كان ) فالاتصاف بهما انما يكون بلحاظ الموضوعية للحك


331

فان لوحظ تمام الموضوع له من دون أن يؤخذ معه حيثية اخرى اتصف بالاطلاق والا فبالتقييد ، وكلاهما وصفان لمعنى واحد كالرقبة مثلا ، ففى قول الشارع أعتق رقبة مؤمنة ما يتصف بالتقييد هو نفس الرقبة من جهة صيرورة حيثية الايمان قيدا له في مقام الموضوعية للحكم ، لا الرقبة المؤمنة ، بل الرقبة المؤمنة تتصف بالاطلاق بالنسبة إلى قيود اخر يمكن ان تؤخذ في الموضوع .

" وقد انقدح بذلك أن المعنى إذا لم يكن له شيوع افرادي ولا انتشار احوالى فلا يتصف بالوصفين اصلا ، وان كان له شيوع افرادي أو احوالى وصار موضوعا لحكم فان لوحظ في مرتبة جعله موضوعا كونه تمام الموضوع له سمى مطلقا والا فمقيدا ، ( وعلي هذا )فمثل الاعلام الشخصية ايضا باعتبار حالاتها المختلفة يمكن ان تتصف بالاطلاق والتقييد ولكن بلحاظ موضوعيتها للحكم ، فزيد في قول المولى : ( اكرم زيدا ) مطلق ، وفي قوله : ( أكرم زيد الجائى ) مقيد .

" وقد ظهر بما ذكرنا " ان التقابل بين الاطلاق والتقييد من قبيل تقابل الاعدام و الملكات ، إذ كلاهما وصفان لماله شأنية التقييد ، لكن التقييد عبارة عن ضم حيثية اخرى إليه في مقام الموضوعية للحكم ، والاطلاق عبارة عن عدم تقييد ماله شأنية التقييد وقابليته .

" ثم انهم " مثلوا للمطلق بامثلة وذكروا منها اسماء الاجناس كانسان ورجل و فرس وامثال ذلك .

( وقال في الكفاية ما حاصله ) : ان الموضوع له لاسم الجنس هو نفس المهية المبهمة المهملة وصرف المفهوم الغير الملحوظ معه شئ اصلا ولو كان ذلك الشئ هو الارسال ، ولا الملحوظ معه عدم لحاظ شئ معه الذى هو الماهية اللا بشرط القسمى ( انتهى ) .

( اقول ) : اعلم انهم قسموا الماهية إلى ثلثة اقسام : اللا بشرط ، والبشرط شئ والبشرط لا ، وقالوا

في بيان ذلك : انه ان لوحظ نفس الماهية

من دون ان يلحظ معها شئ آخر من القيود الوجودية والعدمية سميت باللا بشرط ، وان لوحظت مقيدة بوجود شئ معها سميت بالبشرط شيئ ، وان لوحظت مقيدة بعدم كون شئ معها سميت بالبشرط ل


332

( ثم قالوا ) ان البشرط لا ليست موجودة في الخارج لكونها معراة من جميع ما يكون وراء ذاتها حتى الوجود الخارجي والذهني ، ونفس لحاظها وان كان وجودا ذهنيا لها ، ولكن هذا الوجود مغفول عنه ، وما هو متعلق اللحاظ هو نفس الماهية المعراة ، نظير شبهة المعدوم المطلق حيث اجابوا عنها بكونها معدوما بالحمل الاولى الذاتي وموجودا في الذهن بالحمل الشايع ولكن وجوده في اللحاظ الاول مغفول عنه .

( وكيف كان ) فالماهية التى تكون بشرط لا ليست موجودة ، والبشرط شيئ موجودة ، وكذلك اللا بشرط بمعنى نفس الماهية لتحققها في ضمن البشرط شيئ وحملها عليها .

( ثم انهم ) توجهوا إلى انه لابد في التقسيم من مقسم يوجد في جميع الاقسام ويغاير كل واحد منها ، وفيما نحن فيه يكون المقسم هو نفس الماهية وهى بعينها جعلت قسما أو لا فاتحد القسم والمقسم ، فتصدى بعضهم للجواب عن ذلك فقال : ان المقسم نفس الماهية ، والقسم الاول هو الماهية المقيدة بكونها لا بشرط ، ويسمى الاول باللا بشرط المقسمى والثانى باللا بشرط القسمى .

( ثم اختلفوا ) في ان الكلى الطبيعي ( اعني ما هو معروض وصف الكلية ) هو اللا بشرط المقسمى أو القسمى ، بعد الاتفاق على عدم كونه عبارة عن القسمين الاخيرين ، فممن قال بكونه عبارة عن اللا بشرط المقسمى صاحب المنظومة " قده " ، وممن قال بكونه عبارة عن القسمى المحقق الطوسى " قده " في التجريد .

ثم سرى هذا البحث تدريجا إلى الاصول فوقع البحث في ان اسم الجنس الذى يعد من مصاديق المطلق وضع لنفس المهية من حيث هي اعني اللا بشرط المقسمى ام للطبيعة الملحوظ معها عدم لحاظ شئ معها اعني اللا بشرط القسمى ، هذا ما ذكروه في المقام .

( ونحن نقول ) : ما دعى القوم إلى تقسيم الماهية انما هو تعيين ما يعرضه وصف الكلية اعني الكلى الطبيعي وبيان انه موجود في الخارج ام لا ، فانهم لما رأوا ان الماهية يمكن ان توجد في الذهن وحدها ، ويمكن ان توجد فيه مقيدة بوجود شيئ معها ، ويمكن ان توجد فيه مقيدة بان لا يكون معها شيئ ، فلا محالة احتاجوا إلى تحقيق الاقسام الثلثة الموجودة في الذهن حتى يتبين ان ما هو معروض وصف الكلية في الذهن وما وقع النزاع في وجوده في


333

الخارج أي قسم من الاقسام الثلثة ، وعلي هذا فليس التقسيم ( حقيقة ) لنفس الماهية ولو في ظرف الخارج ، بل التقسيم انما يكون للماهية في ظرف لحاظها فانه ظرف عروض وصف الكلية ، فالتقسيم اولا وبالذات لنفس اللحاظ والاعتبار اعني الوجود الذهنى ، وينسب إلى الماهية الموجودة بهذا اللحاظ ثانيا وبالعرض ، فالمقسم ليس نفس الماهية من حيث هي هي ، بل المقسم هو لحاظ الماهية واعتبارها وينقسم هذا المقسم إلى اقسام ثلثة : ( الاول ) ان يتعلق اللحاظ بالماهية فقط بحيث لا يتعدى اللحاظ من نفس الماهية إلى شيئ آخر من القيود الوجودية والعدمية ( الثاني ) ان يتعلق بالماهية المقيدة بشيئ وراء ذاتها ، فقد تعدى اللحاظ في هذا القسم من نفس الماهية إلى احد من قيودها فصار ملحوظا معها .

( الثالث ) ان يتعلق بالماهية المقيدة بعدم كون شيئ ( مما هو وراء ذاتها ) معها ، ففد تعدى اللحاظ في هذا القسم ايضا من نفس الماهية إلى امر آخر وراء ذاتها وهو عدم كون شيئ معها ، فالملحوظ في القسم الاول هو نفس الماهية ، وفي القسم الثاني والثالث هو الماهية مع شيئ آخر وجودي أو عدمي .

( وبهذا البيان ) يختلف المقسم والاقسام ، فان المقسم هو اعتبار الماهية ولحاظها ، والقسم الاول هو لحاظ الماهية حالكون اللحاظ مقيدا بعدم تعديه من نفس الماهية إلى امر آخر ، والقسم الثاني هو لحاظها حالكون اللحاظ مقيدا بتعديه من الماهية إلى احد من قيودها وحالاتها ، والقسم الثالث هو لحاظها حالكون اللحاظ مقيدا بتعديه من الماهية إلى عدم كون شئ معها ، فنفس اللحاظ هو المقسم ، وفي كل واحد من الاقسام الثلثة قد انضم إليه قيد به امتاز القسم من المقسم ، واما الملحوظ ففى القسم الاول هو نفس الماهية ، وفي القسم الثاني هو الماهية مع احد من قيودها الوجودية ، وفي القسم الثالث هو المهية مع عدم كون شئ معها ، ففى كلا القسمين الاخيرين يتعدى اللحاظ من الماهية إلى شئ آخر .

( وبالجملة ) ليس التقسيم لنفس الماهية إذ هي ليست الاقسما واحدا وهو الماهية البشرط شئ فانها التى تتحقق في الخارج ، بل التقسيم لاعتبار الماهية ولحاظها ، ولاجل ذلك اشتهر بينهم ان اعتبارات المهية ثلثة ، وعلي هذا فليس هنا لا بشرطان : قسمي ومقسمى كما توهموه ( وحيث عرفت ) ان تقسيم لحاظ الماهية انما هو لبيان ان معروض وصف الكلية في


334

الذهن هو الملحوظ باى قسم من اللحاظات الثلثة ، وعرفت ايضا ان الملحوظ في القسم الاول هو نفس الماهية بخلاف القسمين الاخرين ، فلا محالة يجب الاذعان بان الكلى الطبيعي ( اعني ما يعرضه وصف الكلية في الذهن ) هو الملحوظ في القسم الاول اعني نفس الماهية ، وان شئت قلت : ان الكلى الطبيعي هو القسم الاول ولكن مع حذف اللحاظ واعتبار الملحوظ فقط .

واما على مذاق من جعل التقسيم لنفس الماهية وجعل المقسم نفسها والقسم الاول عبارة عن الماهية المقيدة بكونها لا بشرط فلا محالة يتعين الكلى الطبيعي في المقسم كما هو واضح فتدبر ( 1 ) ( هذا كله ) فيما يرجع إلى اعتبارات الماهية ، وإذا عرفت ذلك فلنرجع إلى ما كنا فيه

( 1 ) اقول : لا يخفى ان التقسيم عبارة عن ضم قيود إلى المقسم الواحد حتى يحصل بضم كل قيد إليه قسم في قبال الاقسام الاخر التى يتحقق كل منها بضم قيد آخر ، ولا بد من ان تكون القيود متقابلة كما هو واضح ، وعلي هذا فليس تقسيم القوم تقسيما صحيحا حيث جعلوا القيد في القسم الاول عبارة عن نفس مفهوم اللا بشرطية التى هي امر ذهني فيجب بمقتضى المقابلة ان يجعل القيد في القسمين الاخيرين ايضا عبارة عن نفس مفهوم البشرط شيئية والبشرط لائية حتى يصير القيود الثلثة كلها ذهنية متقابلة ، وهم قد جعلوا التقييد باللا بشرطية في القسم الاول في قبال التقييد ببعض القيود الخارجية أو التقييد بعدمها فلا يحصل التقابل بين القيود حينئذ ، ولو جعلوا القيد في البشرط شئ اعم من القيود الخارجية والذهنية لم يكن اللا بشرط القسمى قسما عليحدة بل كان داخلا في البشرط شئ ( والحاصل ) ان التقسيم يجب ان يكون اما بلحاظ القيود الذهنية فقط أو الخارجية فقط أو بلحاظ الاعم منهما ، ( فعلى الاول ) تكون القيود عبارة عن مفهوم اللا بشرطية والبشرط شيئية والبشرط لائية وتشترك الاقسام الثلثة في عدم الوجود خارجا ( وعلى الثاني ) لا يصح اعتبار اللا بشرطية قيدا حتى يحصل قسما في قبال القسمين الاخرين ( وعلى الثالث ) يدخل اعتبار اللابشرطية في البشرط شئ فليس قسما عليحدة ايضا فتدبر .

( وبما ذكرنا ) من لزوم تقابل القيود في التقسيمات ظهر فساد ما ربما يتوهم في المقام منتربيع الاقسام بناء على جعل المقسم عبارة عن اللحاظ كما هو مبنى السيد لاستاذ ( مد ظله العالي ) بل على كلا المبنيين : " بتقريب " ان اللحاظ قد يتعلق بالماهية فقط بحيث لا يتعدى منها ، وقد يتعلق بها ويتعدى منها إلى امر آخر ، من قيودها الخارجية ، وقد يتعلق بها ويتعدى منها إلى عدم كون قيودها معها ، وقد يتعلق بها ويتعدى منها إلى كونها لا بشرط بالنسبة إلى قيودها فهذا هو اللا بشرط القسمى .

( وجه الفساد ) ان عد القسم الاخير في قبال سائر الاقسام بلا وجه ، فان القيد فيه ذهني ، والتقسيم كان بلحاظ القيود الخارجية فقط وقد عرفت بيانه .


335

( فنقول ) : ان الطبيعة الواقعة موضوعة للحكم قد يكون جميع افرادها متساوية النسبة بلحاظ هذا الحكم فيكون ثابتا لجميع الافراد وساريا بسريان الطبيعة ، وقد لا يكون كذلك بل يكون الحكم ثابتا لبعض الافراد ، فعلى الاول تتصف الطبيعة بالاطلاق وعلى الثاني بالتقييد ، فهذا في الجملة مما لا اشكال فيه .

انما الاشكال في ملاك الاطلاق والتساوي المذكور بحسب مقام الثبوت والجعل ، فالمستفاد من كلام الشيخ " قده " وجملة ممن تبعه ان ملاك الاطلاق والتساوي انما هو لحاظ السريان ، وملاك التقييد لحاظ الطبيعة مع قيد ينضم إليها ، وبالجملة يتوقف كل منهما على اللحاظ ، ( قال الشيخ ) " قده " ( على ما في تقريرات بحثه ) في مقام بيان الماهية الملحوظة بشرط شيئ ما حاصله : انه قد تلاحظ الماهية مع قيد آخر ينضم إليها وان كان ذلك القيد هو السريان الذى بلحاظه يشمل الحكم جميع الافراد وتسمى الماهية حينئذ بالبشرط شئ ( انتهى ) .

فمحصل كلام هؤلاء ان اسم الجنس مثلا موضوع للمهية من حيث هي هي ، وهى بذاتها مهملة فلابد في كونها مطلقة بحيث يسرى الحكم بسرايتها ، من لحاظ الشيوع و السريان في مقام جعلها موضوعة للحكم ، فالشياع والسريان كالعرض المفارق للماهيةيتوقف ثبوته لها على اللحاظ فيكون كل واحد من الاطلاق والتقييد امرا وجوديا يتصف به اللفظ ، فاللفظ إذا واقع موضوعا للحكم فان لوحظ سريان مدلوله ووضع الحكم على الطبيعة السارية سمى مطلقا ، وان انضم إليه قيد آخر وراء السريان بحيث يمنعه عن السريان سمى مقيدا هذا بحسب مقام الثبوت .

واما في مقام الاثبات فيتوقف احراز الاطلاق على وجود دليل يحرز بسببه لحاظ السريان كمقدمات الحكمة مثلا .

( فحاصل كلام القوم ) يرجع إلى دعاوى اربع : ( الاولى ) ان اسم الجنس مثلا موضوع للماهية المهملة ( الثانية ) ان السريان خارج من ذاتها ويكون بالنسبة إليها كالعرض المفارق ( الثالثة ) ان ثبوت السريان لها بحسب مقام الثبوت وجعل الحكم يتوقف على لحاظه ( الرابعة ) ان احراز الاطلاق في مقام الاثبات يتوقف على احراز هذا اللحاظ .

هذه خلاصة مغزاهم في باب الاطلاق ( وفيه نظر ) بداهة ان السريان امر ذاتي للطبيعة


336

لا يحتاج إلى لحاظ وراء لحاظ نفس الطبيعة ، إذ ليس المراد بالشياع والسريان الا حكاية الطبيعة لمصاديقها واتحادها معها خارجا ، والطبيعة بذاتها تحكى مصاديقها بما هي وجودات لها ، ولا يعقل انفكاك هذه الخاصية من الطبيعة ، لا اقول : ان مفهوم السريان مأخوذ في الطبيعة ، بل اقول انه من قبيل الخارج المحمول المنتزع عن نفس الطبيعة بلا احتياج إلى لحاظ امر وراء لحاظ نفس الطبيعة ، فالسريان ذاتي للطبيعة بهذا المعنى ، بل لحاظ مفهوم السريان وضمه إلى الطبيعة مما يخرجها من السريان لكونه قيدا ذهنيا كما لا يخفى .

( وبالجملة ) ليس ملاك الاطلاق ثبوتا لحاظ سريان الماهية قيدا لها ، ولا لحاظها في حال السريان ، بل الملاك في الاطلاق والتقييد هو ما اشرنا إليه في صدر المبحث : من ان الطبيعة الواقعة موضوعة للحكم ان كانت تمام الموضوع لهذا الحكم بحيث كان الملحوظ في مقام الموضوعية هو نفس حيثية الطبيعة من دون ان يؤخذ معها حيثية اخرى سميت مطلقة ، وان لم تكن كذلك بل انضم إليها امر آخر وكان كل منهما دخيلا في الموضوعية سميت مقيدة ، فملاك الاطلاق وتساوى نسبة الافراد في الحكم عبارة عن كون نفس حيثية الطبيعة تمام الموضوع بحيث لم يلحظ امر وراء ذاتها وان كان هذا الامر هو السريان ، فإذا جعل نفس حيثية الطبيعة تمام الموضوع فبسريانها الذاتي إلى جميع وجوداتها يسرى الحكم ايضا إليها ، وملاك التقييد عبارة عن عدم كون نفس الحيثية تمام الموضوع بل هي مع قيد آخر يمنع عن سراية الحكم بسراية الطبيعة ، فالمولى قد يرى ان تمام غرضه يحصل بعتق الرقبة مثلا من دون ان يكون لحيثية اخرى دخل في متعلق غرضه فيجعل نفس طبيعة الرقبة موضوعة لحكمه وتسمى الرقبة حينئذ مطلقة ، وقد يرى ان تمام غرضه انما يحصل بعتق الرقبة المؤمنة فيكون لحيثية الايمان ايضا دخالة فيه فيجعل الموضوع عبارة عن الرقبة المؤمنة فيصير الرقبة جزء للموضوع وتسمى الرقبة حينئذ مقيدة ، ( نعم ) مجموع الرقبة المؤمنة ايضا مطلقة بالنسبة إلى القيود التى يمكن ان تنضم إليها ، وعلى ما ذكرنا فلا يكون ملاك الاطلاق امرا وجوديا بل يكون امرا عدميا اعني به عدم لحاظ حيثية اخرى وراء حيثية الطبيعة ، واطلاق لفظي الاطلاق والتقييد في المقام ليس من باب اصطلاح خاص بل هو باعتبار معناهما اللغوى ، فان الاطلاق بحسب اللغة هو الارسال ويعبر عنه


337

بالفارسية ( رها كردن ) ، وفى مقابله التقييد ومعناه جعل الشئ في قيد ويعبر عنه بالفارسية ( زنجير كردن ) ، والرقبة في اعتق رقبة تكون مرسلة أي غير مقيدة ، وفي اعتق رقبة مؤمنة تكون في قيد .

( فان قلت ) : ان جعل الحكم على نفس الطبيعة اعم من كونها تمام الموضوع إذ لعلها مهملة فلابد في الاطلاق من لحاظ السريان ( قلت ) : الاهمال انما يتصور في مقام الاثبات ولسنا فعلا بصدد بيان ما هو ملاك الاخذ بالاطلاق في مقام الاثبات ، إذ الكلام يأتي فيه عن قريب ، بل الكلام فعلا انما هو في مقام الثبوت وجعل الحكم ، ومعلوم ان جاعل الحكم للرقبة مثلا قد يجعله لها بحيث لا يلاحظ حين الجعل امرا وراء هذه الحيثية ، وقد يجعلهللرقبة مع قيد آخر ، ولا يعقل الاهمال في مقام الثبوت فتأمل .

( 1 ) " فذلكة " قد اتضح لك من جميع ما ذكرناه امور : ( الاول ) ان الاطلاق والتقييد وصفان للمدلول فانه الموضوع للحكم حقيقة ، وانما يتصف بهما اللفظ بالعرض والمجاز .

( الثاني ) ان الاتصاف بهما انما يكون بلحاظ الموضوعية للحكم ، والا فنفس المفهوم

( 1 ) اقول : قال في نهاية الدراية في مبحث اعتبارات الماهية ما حاصله : ان الماهية إذا لوحظت وكان النظر مقصورا على ذاتها من دون نظر إلى الخارج من ذاتها فهى الماهية المهملة التى ليست من حيث هي الا هي ، وإذا نظر إلى الخارج من ذاتها فاما ان تلاحظ بالاضافة إلى هذا الخارج مقترنة به بنحو من الانحاء فهى البشرط شئ .

واما ان تلاحظ بالاضافة إليه مقترنة بعدمه فهى البشرط لا ، واما ان تلاحظ بالاضافة إليه لا مقترنة به ولا مقترنة بعدمه فهى اللا بشرط ، وحيث ان الماهية يمكن اعتبار احد هذه الاعتبارات معها بلا تعين لاحدها فهى ايضا لا بشرط من حيث قيد البشرط شئ وقيد البشرط لا وقيد اللا بشرط ، فاللا بشرط حتى عن قيد اللا بشرطية هو اللا بشرط المقسمى ، واللا بشرط بالنسبة إلى القيود التى يمكن اعتبار اقترانها وعدم اقترانها هو اللا بشرط القسمى .

" وقال ايضا " : ان نفس الماهية من حيث هي غير واجدة الا لذاتها وذاتياتها ، واما إذا حكم عليها بامر خارج من ذاتها فلا محالة تخرج من حد الماهية من حيث هي فيكون المحكوم عليه هو الماهية باحد الاعتبارات الثلثة .

" وقال ايضا " .

كما ان المتقيد به الماهية في البشرط شئ والبشرط لا نفس المعنى المعتبر لا بما هو معتبر ولا اعتباره ، كذلك اللا بشرط القسمى ، فان قيد الماهية هو عدم لحاظ الكتابة وعدمها لا لحاظ عدم اللحاظ ، فهذه الاعتبارات مصححة لموضوعية الموضوع على الوجه المطلوب لا انها مأخوذة فيه .


338

مع صرف النظر عن كونه موضوعا لحكم من الاحكام لا يتصف بالاطلاق ولا بالتقييد .

( الثالث ) ان المهم في مبحث المطلق والمقيد ليس بيان مفهوم المطلق والمقيد بل بيان ما يتصف بهما من المفاهيم " وبعبارة اخرى " المقصود بيان ما هو المطلق أو المقيد بالحمل الشايع ، لا بيان المطلق أو المقيد بالحمل الاولى الذاتي .

( الرابع ) ان الطبيعة الواقعة موضوعة للحكم انما تتصف بالاطلاق إذا كانت جميع افرادها متساوية النسبة بحسب هذا الحكم بحيث يسرى الحكم إلى جميع الافراد ، وتتصف بالتقييد إذا لم تكن كذلك .

( الخامس ) ان تمام الملاك في حصول هذا التساوى وعدمه عبارة عن كون نفس هذه الحيثية تمام الموضوع للحكم أو كونها مع قيد آخر تمامه ، هذا كله بحسب مقام الثبوت " واما في مرحلة الاثبات " فان كان الحكم في لسان الدليل مجعولا على الطبيعة مع قيد آخر وجب الحكم بتقيدها الا ان يثبت من الخارج عدم دخالة القيد ، وان كان مجعولا على نفس الطبيعة وعلمنا بكونها تمام الموضوع وجب الحكم باطلاقها ، وان شككنا في ذلك : بان احتملنا دخالة قيد زائد في الموضوعية وان ترك المولى لذكره كان من جهة

‌ " وقال " في اوائل العام والخاص ما لفظه : ان العام ليس حكمه حكما جهتيا من حيث عنوان العالم مثلا فقط ، بل حكم فعلى تام الحكمية بمعنى ان العالم ( وان كان معنونا باى عنوان ) محكوم بوجوب الاكرام فيكشف عن عدم المنافاة لصفة من صفاته وعنوان من عناوينه لحكمه " انتهى " .

" اقول " : لا يخفى ان الحاكم بعد تصوره للعنوان الواجد للمصلحة كعتق الرقبة مثلا لابد من ان يلاحظ انه واجد للمصلحة مطلقا معنونا باى عنوان كان أو ان الواجد لها هو عتق الرقبة المقترنة بالايمان مثلا ، فنفس تعلق اللحاظ بالماهية اجمالا لا يكفى في جعلها موضوعة أو متعلقة للحكم ما لم يلحظ انها تامة المصلحة أو انها جزء المحصل لها ، ولكنه بعد ما رأى ان عتق الرقبة تمام الموضوع في تحصيل المصلحة يجعل نفس هذه الحيثية موضوعة للحكم من غير احتياج إلى لحاظ السريان ، فتمام الموضوع للحكم هو نفس حيثية الماهية لا الماهية المقيدة بكونها تمام الموضوع أو بالسريان ، ولكن تماميته ملحوظة باللحاظ السابق على جعلهاموضوعة للحكم ، إذ يجب على الحاكم ان يلحظ ان تمام المحصل للغرض هو نفس هذه الحيثية أو هي بضميمة حيثية اخرى " والظاهر " ان مراد هذا المحقق من لزوم اعتبار الماهية في مقام الموضوعية بنحو اللا بشرط القسمى هو ما ذكرناه من لزوم اعتبار التمامية في مرحلة تصو


339

عدم كونه في مقام بيان تمام الموضوع لحكمه ، فحينئذ يقع البحث في أنه هل يكون لنا طريق لاحراز الاطلاق أو لا ؟ ( وقبل الورود ) في هذا المبحث يجب أن نشير إلى أن التقييد هل يوجب المجازية كما نسب إلى المشهور أو لا ؟ ( فنقول ) : ان توهم المجازية اما بتخيل كون السريان مأخوذا في الموضوع له والتقييد يوجب الغائه فيصير اللفظ الموضوع للكل مستعملا في الجزء ، واما بتخيل كون المطلق بعد التقييد مستعملا في بعض افراده كما هو الظاهر من اكثر القائلين بالمجازية .

وقد خالف المشهور

في القول بالمجازية

سلطان العلماء فقال " قده " ( على ما في تقريرات بحث الشيخ " قده " ) : انه يمكن العمل بالمطلق والمقيد من دون اخراج من حقيقته بان يعمل بالمقيد ويبقى المطلق على اطلاقه ، فلا يجب ارتكاب مجاز حتى يجعل ذلك وظيفة المطلق ، فان مدلول المطلق ليس صحة العمل بأى فرد كان حتى ينافى مدلول المقيد بل هو اعم منه ومما يصلح للتقييد بل المقيد في الواقع ، الا ترى انه معروض للقيد

‌ الموضوع وملاحظة جهاته لا في مرحلة جعل الحكم عليه ، كما ان الظاهر ان مراد الاستاد ( مد ظله العالي ) من عدم تعدى اللحاظ " في المطلقات " عن نفس الماهية هو عدم التعدي في مرتبة الموضوعية وجعل الحكم عليه لا في المرحلة السابقة عليها " وبالجملة " المطلق عبارة عما يكون في مقام جعل الحكم تمام الموضوع بحيث كان النظر في هذا المقام مقصورا على ذاته ، وهذا لا ينافى لحاظ تماميته في المصلحة الموجبة لتماميته في الموضوعية قبل مرتبة الجعل ، وعلى هذا فلا تنافى بين الكلامين " نعم " الظاهر كون مشى الاستاد " مد ظله العالي " في باب اعتبارات الماهية امتن من مشى هذا المحقق ، ولا سيما انه يرد على ما سماه باللا بشرطالقسمى انا وان سلمنا ان الحاكم قبل جعل الحكم في المطلقات يلاحظ ان الماهية بنفسها تامة في المصلحة والموضوعية وليست مقترنة بوجود القيد ولا بعدمه ، ولكن لا يصير عدم الاقتران بوجود القيد ولا بعدمه من قيود الماهية ، بل الملحوظ حينئذ نفس الماهية " غاية الامر " انه تعلق لحاظ مستقل آخر بأن هذه الماهية غير مقترنة لا بوجود شئ ولا بعدمه من دون ان يصير الملحوظ بهذا اللحاظ قيدا للملحوظ بذاك اللحاظ المتعلق بالماهية ، إذ ليس كل مجتمعين في اللحاظ يجب ان يكون احدهما قيدا للاخر ، وهذا بخلاف القسمين الاخرين ، ففى البشرط شئ مثلا يصير الايمان الملحوظ باللحاظ الثاني قيدا للرقبة الملحوظة اولا لكونه من حالاتها ، فبطل ما سماه باللا بشرط القسمى وعده احدا من اعتبارات الماهية من اصله واساسه ، فتدبر فان المسألة دقيقة جدا ولاجل ذلك خرجنا من طور الاختصار .


340

كقولنا : اعتق رقبة مؤمنة والا لزم حصول المقيد بدون المطلق مع انه لا يصلح لاى رقبة كانت ، فظهر ان مقتضى المطلق ليس ذلك والا لم يتخلف عنه ( انتهى ) .

( اقول ) : مراده " قده " بالمطلق اللفظ الموضوع لنفس الطبيعة ، وغرضه بيان عدم كون التقييد مجازا من جهة كون نفس الطبيعة محفوظة حال التقييد ايضا ، والدلالة على البعض من باب تعدد الدال والمدلول لا من باب استعمال المطلق في بعض الافراد ، وهذا هو الحق عندنا ايضا حيث عرفت ان الاطلاق ليس بلحاظ السريان وكونه مأخوذا في الموضوع له حتى يكون التقييد موجبا لالغائه فيصير مجازا .

( نعم ) نفس حيثية الطبيعة بذاتها سارية إلى افرادها ، وحينئذ فان جعلت تمام الموضوع للحكم سميت مطلقة ويسرى الحكم بسريانها الذاتي ، وان لم تكن تمام الموضوع بل انضم إليها حيثية اخرى سميت مقيدة ، ولا يوجب ذلك المجازية ، إذ اللفظ الدال على حيثية الطبيعة لا يستعمل في البعض بل يراد منه نفس معناه ، والتقيد يستفاد من القيد المنضم إليه المانع عن سريان الحكم بسريان الطبيعة .

" وبالجملة " نحن ايضا نوافق السلطان في عدم كون التقييد موجبا للمجازية ، ولكنه مع ذلك بين كلامه " قده " وبين ما ذكرناه فرق بين ، إذ المطلق عنده عبارة عن اللفظ الموضوع لنفس الطبيعة المهملة المحفوظة حال التقييد ايضا ، فالمطلق على مذهبه باق حال التقييد ايضا على وصف الاطلاق ، واما على ما ذكرناه فالطبيعة انما تتصف بوصف الاطلاق حال كونها تمام الموضوع للحكم وعدم اخذ حيثية اخرى معها ، واما بعد التقييد فلا تتصف بوصف الاطلاق .

( هذا كله ) بناء على عدم اخذ السريان في الموضوع له .

واما بناء على اخذه فيه فالتقييد يوجب المجازية حيث انه يستلزم الغاء قيد السريان كما لا يخفى .

( إذا عرفت ما ذكرناه فاعلم ) انه إذا شك في الاطلاق فعلى القول بكون التقييد مجازا كما نسب إلى المشهور يحرز الاطلاق باصالة الحقيقة .

واما على القول بعدم المجازية كما هو الحق فلابد لاحرازه من دليل آخر ، وقد ذكروا لاثباته دليلا سموه بقاعدة الحكمة وهى على ما في الكفاية تتألف من ثلث مقدمات : ( الاولى ) كون المتكلم في مقام بيان ما هو تمام الموضوع لحكمه لا في مقام الاهمال أو الاجمال ( الثانية ) انتفاء قرينة توجب تعيين المراد


341

( الثالثة ) انتفاء القدر المتيقن في مقام التخاطب ، والمراد من القدر المتيقن في مقام التخاطب ان يكون بعض افراد الطبيعة بحيث يتيقن المخاطب ويعلم تفصيلا بكونه مرادا اما بخصوصه واما في ضمن الجميع مع كون تيقنه لذلك بنفس القاء الخطاب لا بعد التأمل والتدبر ، فحاصل المقدمة الثالثة عبارة عن عدم كون المتكلم عالما بان ذهن المخاطب مسبوق ببعض الخصوصيات وانه يحصل له بصرف القاء الخطاب إليه العلم بان البعض المعين مراد قطعا و موضوع للحكم جزما غاية الامر وقوع الشك بالنسبة إلى بقية الافراد ، فإذا تحققت المقدمات الثلث علم منها ان ما ذكره المولى من الطبيعة المطلقة هي تمام الموضوع لحكمه والا لاخل بغرضه ، والاخلال بالغرض ينافى الحكمة ، وان انتفت واحدة منها بان لم يكن المولى بصدد بيان ما هو تمام الموضوع لحكمه ، أو ذكر قرينة على التعيين ، أو كان فيالبين قدر متيقن كذلك لما كان عدم ارادة الاطلاق ملازما للاخلال بالغرض ، اما في الاوليين فواضح ، واما في الثالثة فلان غرضه ان كان هو البعض المتيقن لما كان الاطلاق مخلا بهذا الغرض ، إذ الفرض تيقن المخاطب بان هذا البعض المعين متيقن الارادة فهو يعلم بما هو بالحمل الشايع تمام غرض المولى ، والمولى ايضا احرز ذلك من ناحية المخاطب ، فليس الاطلاق منه اخلالا بالغرض لانه بصدد بيان ما هو تمام الغرض بالحمل الشايع وقد بينه ، لا بصدد بيان انه تمام كى يقال انه اخل ببيانه ، هذه خلاصة ما ذكر في تقريب مقدمات الحكمة .

( اقول ) : لا يخفى انه بناء على ما ذكره القوم من احتياج الاطلاق في مقام الثبوت إلى لحاظ السريان يصير المطلق عاما ويكون موضوع الحكم بحسب الحقيقة افراد الطبيعة ، فان تمت القدمات الثلث يحرز بسببها للمخاطب ما هو تمام غرض المولى اعني الاطلاق و العموم ، وان تم الاوليان وانتفى الثالثة بان كان في البين قدر متيقن ففى بادى النظر يكون موضوعية الافراد المتيقنة معلومة وبقية الافراد مشكوكا فيها ، ولكن هذا الشك بدوى ينقلب قهرا إلى العلم بكون البعض المتيقن تمام الغرض فيحرز التمام بما انه تمام ايضا ، ووجه ذلك ان المفروض بحسب المقدمة الاولى كون المولى بصدد بيان ما هو تمام الموضوع لحكمه من الجميع أو البعض ، والمفروض بحسب المقدمة الثانية عد


342

قرينة معينة في البين ، وحينئذ فإذا فرض كون البعض المعين متيقن الارادة فلا محالة يحصل للمخاطب ( بضم القدمة الاولى إلى هذا المتيقن ) الجزم بان هذا البعض المعين تمام الموضوع للحكم وان ما عداه من الافراد ليس موضوعا له ، إذ الواصل إليه هو موضوعية هذا البعض المعين ، والباقى مشكوك فيه ولم يصل بالنسبة إليه بيان ، والمفروض بحسب المقدمة الاولى كون المولى بصدد بيان ما هو تمام الموضوع ، فيظهر من ذلك عدم موضوعية الافراد المشكوك فيها .

( والحاصل ) انه بعد ما فرض تحقق المقدمتين الاوليين ووجود القدر المتيقن في البين يتحقق شكل ثان ينتج كون القدر المتيقن تمام غرض المولى ، وصورة الشكل هكذا : لا شئ من غير القدر المتيقن بمعلوم ، وكل ما هو مراد المولى معلوم ، ينتج لا شئ من غير القدر المتيقن بمراد ، اما الصغرى فواضحة ، واما الكبرى فبمقتضى المقدمة الاولى ، " وبالجملة " يحرز بذلك غرض المولى وهو البعض ويعلم ايا انه تمامه .

" فما في الكفاية " من انه بعد احراز المقدمتين الاوليين ووجود القدر المتيقن في البين يعلم تمام غرض المولى وان لم يعلم انه تمامه ، فاسد كما لا يخفى ، ( هذا كله ) بناء على مذاق القوم في باب الاطلاق .

( واما على ما بيناه ) من ان الملاك فيه كون حيثية الطبيعة تمام الموضوع كما ان ملاك التقييد دخالة حيثية اخرى في الموضوعية من دون ان يلحظ السريان وعدمه ، فيرد الاشكال على المقدمة الثالثة إذ المفروض بحسب المقدمة الاولى كون المولى بصدد بيان ما هو تمام المراد من اللفظ بحسب الاستعمال ، وليس المراد بذلك ما اريد من اللفظ بحسب الاستعمال فقط ، إذ لا ينحصر ذلك بلفظ دون لفظ بل يجرى في جميع الالفاظ ، بل المقصود بذلك كونه بصدد بيان ما هو المراد بحسب الواقع والجد ، وحينئذ فان لم يكن تمام الموضوع بحسب الواقع نفس حيثية الطبيعة بل كان لحيثية اخرى دخالة فيه صار عدم ذكرها اخلالا منه بالغرض ، إذ المفروض ان المذكور ليس الا حيثية الطبيعة ، والمستفاد منه هو الاطلاق وكونها تمام الموضوع للحكم ، وكون بعض الافراد متيقن الارادة لا يضر


343

بالاطلاق بعد كون الملاك في الاطلاق والتقييد عندنا وحدة الحيثية وتعددها من دون نظر إلى الافراد ( والحاصل ) ان التيقن بالنسبة إلى بعض الافراد يوجب العلم بكفايته في مقام الامتثال ، ولا يوجب ذلك تقييدا في موضوع الحكم بحيث يصير الموضوع للحكم الطبيعة المقيدة ،إذ بيان حدود الموضوع من وظائف المتكلم ، والمفروض انه لم يذكر الا نفس حيثية الطبيعة ، ومقتضى ذلك كون نفس الحيثية تمام الموضوع لحكمه وسريان الحكم بسريانها قهرا .

" والسر في ذلك " ان نظر المتكلم بحسب ما حققناه في معنى الاطلاق والتقييد ليس إلى الافراد بل إلى نفس الحيثية ، فالملاك كل الملاك فيهما هو وحدة الحيثية وتعددها ( وبالجملة ) المقدمة الثالثة غير محتاج إليها ، بل هي مخلة بعد ما حققناه من ان الملاك في الاطلاق والتقييد ليس لحاظ السريان وعدمه ، وليس الافراد ملحوظة بل النظر مقصور على نفس حيثية الطبيعة ، فان جعلت تمام الموضوع سميت مطلقة وان انضم إليها حيثية اخرى سميت مقيدة ، فيكفى في الاطلاق لحاظ الطبيعة وعدم لحاظ حيثية اخرى معها ، وعلي هذا فالامر في التيقن والشك بعكس ما ذكروه ، إذ كون نفس حيثية الطبيعة دخيلة في الموضوع متيقن ودخالة حيثية اخرى مشكوك فيها ، وحيث ان المولى لم يبين دخالتها مع كونه في مقام البيان فلا محالة يحرز بذلك ارادة الاطلاق ، ( هذا كله ) بالنسبة إلى المقدمة الثالثة .

( واما المقدمة الثانية ) فهى ايضا زائدة إذ البحث انما هو في صورة الشك ، ومع وجود القرينة لا يكون شك في البين ، فيبقى من المقدمات الثلث المقدمة الاولى وهى بنفسها تكفى لاثبات الاطلاق ، ولكن على مذاقنا دون مذاق القوم .

" بيان ذلك " انه بناء على ما ذكرناه في معنى الاطلاق والتقييد لا يحتاج الاطلاق في مقام البيان الا إلى بيان نفس حيثية الطبيعة ، واما التقييد فيحتاج إلى مؤنة زائدة إذ يجب فيه مضافا إلى ذكر ما يدل على حيثية الطبيعة ان يذكر ما يدل على الحيثية المنضمة ( والحاصل ) انهما يشتركان في الاحتياج إلى بيان الطبيعة ، ويمتاز التقييد باحتياجه


344

إلى بيان الحيثية المنضمة ، وعلي هذا فإذا فرض كون المولى بصدد بيان ما هو تمام الموضوع لحكمه بمقتضى المقدمة الاولى ، وفرض ايضا عدم ذكره الا لما يدل على نفس حيثية الطبيعةفلا محالة يثبت الاطلاق أي كون هذه الحيثية تمام الموضوع لحكمه ويسرى الحكم إلى جميع الافراد بسريانها الذاتي من دون احتياج إلى اللحاظ ، هذا بناء على مذاقنا ، واما بناء على مشى القوم في الاطلاق فكل من الاطلاق والتقييد يحتاج إلى مؤنة زائدة بعد اشتراكهما في لحاظ اصل الطبيعة ، إذ المفروض احتياج الاطلاق ايضا إلى لحاظ السريان والشمول ، و اللفظ الدال على نفس حيثية الطبيعة لا يدل على السريان الملحوظ فلابد في بيانه من لفظ آخر يدل عليه ، وعلي هذا فصرف كون المولى بصدد بيان تمام الموضوع لحكمه لا يثبت الاطلاق على مذاقهم ، إذ المفروض انه في مقام الاثبات لم يذكر الا اللفظ الدال على نفس حيثية الطبيعة ، وعلى مذاقهم لا يكفي صرف لحاظ الطبيعة في تحقق الشمول والسريان ، فتلخص مما ذكرناه ان المقدمات لا تنتج الاطلاق على مذاق القوم ، واما بناء على ما اخترناه ( من عدم احتياج الاطلاق الا إلى لحاظ نفس حيثية الطبيعة ) فدليل الحكمة ينتج الاطلاق الا ان المادة العاملة فيه هي المقدمة الاولى فقط فتدبر .

( وينبغى التنبيه على امور )

( الاول ) قد عرفت ان ملاك الاطلاق عندنا بحسب مقام الثبوت هو جعل حيثية الطبيعة تمام الموضوع للحكم من دون احتياج إلى لحاظ السريان والشياع ، وملاك التقييد انضمام حيثية اخرى إليها في مقام الموضوعية ، هذا بحسب مقام الثبوت ، واما في مقام الاثبات فيتوقف الحكم بالاطلاق على احراز كون المولى في مقام بيان ما هو تمام الموضوع لحكمه ، فهو الاساس لاحراز الاطلاق ولا نحتاج إلى مقدمة اخرى ، وحينئذ فيقع الكلام في ان احراز كون المولى بصدد البيان هل يتوقف على العلم به أو انه يوجد هناك امارة عقلائية يحرز بها ذلك ( الظاهر ) هو الثاني ، فان الظاهر من كلام المتكلم العاقل ( بما انه تكلم وفعل اختياري له ) هو انه صدر عنه ذلك بداعي الافهام والبيان لا الاهمال والاجمال إذ الظاهر من الفعل الصادر عن العاقل ( بما انه فعل اختياري له ) ان يكون صدوره عنه بداعي غايته


345

الطبيعية اعني ما يعد غاية وفائدة له عند العقلاء بحيث يكون صدور هذا النوع من الفعل عنهم بهذا الداعي ، والغاية الطبيعية العادية للتكلم بكلام انما هو القاء مضمونه بداعي بيان المقصود ، ( ونظير ذلك ) حمل الالفاظ على معانيها الحقيقية عند عدم القرينة ، إذ الفائدة الطبيعية المتعارفة لاستعمال اللفظ الموضوع عبارة عن افهام معناه الذى وضع هو بازائه من دون ان يجعل هذا المعنى معبرا لمعنى آخر كما هو الملاك في الاستعمالات المجازية ( والحاصل ) ان الكلام الصادر عن العاقل يحمل عند العقلاء على كونه صادرا عنه لغرض افادة ما هو قالب له ، ولا يحمل على الاهمال الا إذا كان هناك قرينة عليه ، ولذلك ترى العقلاء يعتمدون على المطلقات الصادرة عن الموالى وغيرهم ، وعلى ذلك استقر بنائهم في محاوراتهم ، وان سمع احدهم مطلقا وبنى عليه وعمل باطلاقه بعد الفحص عن المقيد لم يكن للمولى الاحتجاج عليه بانه لم يكن في مقام البيان ، ولعل نظر المشهور القائلين بوجوب الحمل على الاطلاق ما لم يثبت قرينة على القتييد ايضا إلى ما ذكرناه ، لا إلى كون التقييد مخالفا للاصل من جهة المجازية ، إذ القول بالمجازية ينشأ اما من توهم كون اللفظ موضوعا للطبيعة بقيد السريان وكون التقييد موجبا لالغاء هذا القيد واستعمال اللفظ الموضوع للكل في الجزء ، أو توهم كونه موضوعا لاصل الطبيعة وكونه عند التقييد مستعملا في الطبيعة المقيدة مع قيدها فيكون من قبيل استعمال لفظ الجزء في الكل ، ومن البعيد ذهاب المشهور إلى كون اللفظ موضوعا للطبيعة بقيد السريان أو كونه عند التقييد مستعملا في الطبيعة مع القيد ، وكيف كان فاللفظ الدال على الطبيعة إذا ذكر في كلام ولم يذكر معه قيد يحمل ( عند العقلاء ) على ان نفس حيثية الطبيعة تمام الموضوع للحكم وان المولى بصدد البيان لا الاهمال أو الاجمال ، إذ الظاهر من كلامه ( بما انه فعل اختياري له ) كونه صادرا لبيان الحكم بموضوعه ، فيستفاد من ذكر الطبيعة وعدم ذكر القيد كون نفس الطبيعة تمام الموضوع للحكم ، ولذا لو صدر عنه بعد ذلك كلام آخر وجعل فيه نفس هذه الطبيعة مقيدة بقيد موضوعة للحكمالمذكور بحيث احرز وحدة الحكم لصار الكلامان بنظر العقلاء متعارضين وان كانا مثبتين ، فإذا قال المولى ان ظاهرت فاعتق رقبة ، ثم قال ان ظاهرت فاعتق رقبة مؤمنة واحرز


346

بوحدة السبب مثلا وحدة الحكم حصل التعارض بين الكلامين لظهور الاول في كون نفس حيثية الطبيعة تمام الموضوع وظهور الثاني في خلافه ، غاية الامر انه يجمع بينهما بحمل المطلق على المقيد أو حمل المقيد على افضل الافراد ، والاول اقوى كما يساعد عليه العرف فتخصيص بعضهم حمل المطلق على المقيد بصورة كونهما مختلفين في النفى والاثبات في غير محله ( نعم ) مورد التعارض والحمل كما اشرنا إليه ما إذا احرز صدور الكلامين لبيان حكم واحد ، والا فيعمل بظاهر كل منهما و يحملان على كونهما حكمين مستقلين لموضوعين مختلفين .

( التنبيه الثاني )

قد عرفت ان معنى الاطلاق كون حيثية الطبيعة تمام الموضوع للحكم ، وحينئذ فنقول : ان نتيجة كونها تمام الموضوع تختلف باختلاف الاحكام المتعلقة بها ، فان تعلق بها طلب الايجاد الذى هو مفاد الامر كانت النتيجة هي السريان والعموم البدلى ، وان تعلق بها النهى كانت النتيجة السريان والعموم الاستغراقي ، إذ الطلب إذا تعلق بنفس حيثية الطبيعة من دون ان يلحظ الوحدة أو السريان ( كما هو مقتضى الاطلاق ) كان مقتضاه وجوب ايجادها على المكلف من دون نظر إلى خصوصيات المصاديق ، والطبيعة توجد بوجود فرد ما ، فإذا وجدت الطبيعة بايجاد فرد أو فردين منها في عرض واحد سقط الامر بها قهرا لحصول الامتثال فلا تقع الافراد المتعقبة مصاديق للامتثال " وبالجملة " تعلق الامر بنفس حيثية الطبيعة يقتضى العموم البدلى ، وهذا بخلاف ما إذا تعلق بها النهى فان مفاد النهى كما عرفت في محله ليس عبارة عن طلب الترك ، بل المستفاد منه هو الزجر عن متعلقه ، فالمتعلق لكل من امر والنهى ليس الا نفس حيثيةالطبيعة ، والفرق بينهما ان الامر من مقولة الطلب والبعث ، والنهى من مقولة الزجر ، فمتعلق الامر على فرض وجوده يقع امتثالا له ، ومتعلق النهى على فرض وجوده يقع عصيانا له ، فإذا تعلق الزجر بنفس حيثية الطبيعة كان الغرض منه انزجار العبد من نفس حيثية الطبيعة وعدم تحققها منه في الخارج ، فكل ما هو وجود للطبيعة يكون مزجورا عنه


347

بما انه وجود لها ، ولو عصى المكلف واوجد فردا منها يكون سائر الافراد ايضا مزجورا عنها لانها ايضا وجودات لهذه الطبيعة ، والمفروض تعلق الزجر بنفس حيثية الطبيعة ، ومقتضاه تنفر المولى من وجود الطبيعة بما هو وجود لها فيسرى الحكم اينما سرت ( فان قلت ) : كما ان امتثال التكليف يوجب سقوطه فكذلك عصيانه فكيف يبقى الزجر عنها مع تحقق العصيان ! ( قلت ) هذا الكلام من الاغلاط المشهورة ، إذ لا نسلم ان العصيان من المسقطات ، وما تراه من سقوط الواجب الموقت بعصيانه في وقته فليس ذلك من جهة مستقطية العصيان بل من جهة عدم القدرة عليه بانقضاء وقته ( والحاصل ) ان تعلق الزجر باصل الطبيعة بحيث تكون نفس حيثيتها تمام الموضوع للزجر يقتضى سريان الزجر إلى جميع افرادها ويكون كل فرد منها بما هو وجود لها مزجورا عنه ، وإذا تحقق العصيان في بعضها يبقى الزجر بالنسبة إلى البقية ، وليس ذلك بسبب لحاظ السريان استيعابا ، بل هو مقتضى كون نفس حيثية الطبيعة تمام الموضوع للزجر ، ومثل ذلك الاحكام الوضعية إذا تعلقت بالطبيعة كقوله ( تعالى ) : احل الله البيع مثلا ، فان كون نفس حيثية الطبيعة تمام الموضوع للصحة مثلا يقتضى سريانها اينما سرت ، ونتيجته العموم الاستغراقي ( وبالجملة ) اختلاف نتيجة الاطلاق بالبدلية والاستغراق انما هو من مقتضيات الاحكام المتعلقة بها ، والا فمعنى الاطلاق في جميعها ليس الا جعل حيثية الطبيعة تمام الموضوع للحكم من دون ان يلحظ السريان فضلا عن البدلية أو الاستيعاب ، وعلي هذا فلا يرد ما اورده بعض اعاظم العصر من ان مقدمات الحكمة اما ان تنتج السريان البدلى أو السريانالاستيعابي فلم يحكم في بعض الموارد بهذا وفي بعض الموارد بذاك ؟ ولا يصح الجواب عن ذلك بان نتيجة المقدمات هو اصل السريان ، والخصوصيات تستفاد من قرائن المقام ، بل الحق في الجواب ان نتيجة المقدمات هو الارسال لا السريان ، ومعنى الارسال هو عدم تقييد الطبيعة في مقام الموضوعية للحكم ، وجعلها تمام الموضوع له ، لا لحاظ الشياع والسريان ، غاية الامر ان نتيجة كونها تمام الموضوع تختلف باختلاف الاحكام المتعلقة بها ، ففى الاوامر تكون النتيجة هي العموم البدلى وفي النواهي والاحكام الوضعية العموم الاستغراقي ، ولذا يطلق على البيع في قوله ( تعالى ) : احل الله البيع العام كما يطلق عليه


348

المطلق فالثاني باعتبار كون حيثيته تمام الموضوع للصحة بحيث لم ينضم إليه حيثية اخرى في مقام الموضوعية ، والاول باعتباران نتيجة الاطلاق في المقام شمول الحكم المتعلق بالبيع لجميع افراده ( 1 )

( التنبيه الثالث )

لا يخفى ثبوت الفرق بين الطبيعة الواقعة في حيز الامر أو النهى وبين الطبيعة الواقعة في حيز الاحكام الوضعية ، فان الامر لطلب اصدار الطبيعة وايجادها والنهى للزجر عن اصدارها ، فالطبيعة الواقعة في حيزهما غير مفروضة الوجود وانما اريد بالامر ايجادها وبالنهى ابقاءها على حالة العدم ، واما الاحكام الوضعية فمتعلقها هو الطبيعة المفروضة الوجود فيكون الحكم ثابتا ( بنحو القضية الحقيقية ) لوجوداتها المفروضة بما هي وجودات له ، فعتق الرقبة في نحو اعتق رقبة اولا تعتق رقبة لم يفرض وجوده حتى يكون الحكم لوجوداته المفروضة ، وهذا بخلاف البيع في نحو احل الله البيع ، فان الصحة والمضى انما شرعت للبيع المفروض وجوده في الخارج .

( التنبية الرابع )

لا يخفى ان الاحكام المتعلقة بالطبايع على نحوين : بعضها مما يمكن ان يتعلق باصلالطبيعة مع فرض كون الموضوع لها بحسب الواقع والجد الطبيعة المقيدة ، وبعضها مما لا يمكن تعلقها بأصل الطبيعة الا إذا كان الموضوع واقعا هو نفس حيثيتها ، فمثال

( 1 ) اقول : قد اشتهر بينهم ان كل عام مطلق وكل مطلق عام ، والفرق بين العام والمطلق ان اطلاق المطلق على حيثية انما هو باعتبار كونها تمام الموضوع وانه لم ينضم إليها حيثية اخرى في الموضوعية ، وفي مقابله التقييد ، واطلاق العام عليها باعتبار شمول الحكم المتعلق بها لجميع افرادها ، وفى مقابله التخصيص ، وقد يفرق بينهما بان العام ما لوحظ فيه الكثرة و جعل الطبيعة فيه ما به ينظر ، بخلاف المطلق فانه لم يلحظ فيه الكثرة فضلا عن جعل الطبيعة مرآتا لها .

وقد يفرق ايضا بان العام لا يطلق الا على ما يكون شموله بالوضع سواء كان استيعابيا ام مجموعيا ام بدليا ، والمطلق يطلق على ما كان الشمول فيه بقرينة الحكمة .


349

القسم الاول الاحكام الايجابية كالاوامر مثلا ، فإذا كان مراد المولى بحسب الواقع عتق الرقبة المؤمنة صح له ان يقول في مقام الانشاء اعتق رقبة ويكون غرضه ذكر القيد بعد ذلك ، ومثال القسم الثاني الاحكام السلبية كالنفي والنهى فلا يصح ان يقال لا رجل أو لا تعتق رجلا الا إذا كان المراد بحسب الواقع نفى حيثية الطبيعة المطلقة أو الزجر عنها ، وان كان مراده نفى المقيد لم يصح ادخال حرف النفى على نفس الطبيعة بلا ذكر القيد ، لان حرف النفى موضوع لنفى مدخوله ، وانتفاء الطبيعة بانتفاء جميع افرادها ، وهذا بخلاف الامر فانه لطلب ايجاد المتعلق ، فان كان المطلوب بحسب الواقع ايجاد المقيد ايضا صح في مقام الانشاء تعلق الامر باصل الطبيعة ، إذ وجودها بوجود فرد ما فارادة ايجاد المقيد ارادة لايجادها ايضا فيصح ان يتعلق الطلب بها ويذكر القيد بعده .

( إذا عرفت ما ذكرنا فنقول ) : ان الاحتياج إلى مقدمات الحكمة انما هو في القسم الاول اعني الاحكام الايجابية ، لما عرفت من صحة تعلق الحكم فيها باصل الطبيعة مع كون المراد لبا هو المقيد ، فنحتاج في اثبات الاطلاق إلى احراز كون المولى في مقام بيانتمام الموضوع لحكمه وعدم كونه بصدد الاهمال .

واما القسم الثاني اعني الاحكام السلبية فيمكن ان يقال فيها بعدم الاحتياج إلى مقدمات الحكمة لما عرفت من ان كلمة " لا " مثلا موضوعة لنفى مدخولها أي شئ كان ، فان كان المدخول عبارة عن اللفظ الدال على نفس حيثية الطبيعة كان النفى متوجها إليها ، وانتفائها كما عرفت انما يكون بانتفاء جميع وجوداتها ، فلا يحتمل الاهمال حتى ينتفى باحراز كونه في مقام البيان ( وبالجملة ) استفادة الاطلاق هنا انما تكون بالاستعانة من وضع " لا "

( 1 ) اقول : وهذا البيان يجرى في لفظة كل ونحوه ايضا مما وضع للشمول فانها وضعت لشمول المدخول لا لشمول ما اريد منه لبا ( فان قلت ) : عليهذا يلزم ان يكون التقييد بدليل منفصل موجبا للمجازية بالنسبة إلى لفظ لا أو الكل أو نحوهما وان لم يلزم المجازية بالنسبة إلى المدخول ( قلت ) : لفظة كل مثلا انما وضعت لشمول ما اريد من المدخول استعمالا لا بحسب الجد ، واحراز الجد انما يكون باصالة التطابق بين الارادتين والتقييد تصرف في الجد لا في الاستعمال فافهم .