فهرست عناوين فهرست آيات
الحاشية على استصحاب القوانين
فهرست عناوين
     [تعريف الاستصحاب‏]19
     الاستصحاب لغة19
     الاستصحاب اصطلاحا19
     تعريف العضدي للاستصحاب‏20
     تعريف الفاضل و إشكال السيد الصدر عليه‏20
     تعريف الاستصحاب بالمعنى المصدري و القاعدة،تعريف حقيقيّ‏20
     كونه حقيقيا في المعنيين على الترتيب‏20
     هل كونه حقيقيا في القاعدة على نحو الاشتراك أو أنّه منقول إلى القاعدة20
     بيان وجه كلّ من الاحتمالين،و تقوية الأوّل‏21
     الاستصحاب من الأدلّة،بناء على استفادته من حكم العقل‏22
     كون الاستصحاب من القواعد،بناء على استفادته من الأخبار22
     وجه إطلاق الدليل عليه‏22
     الاستصحاب دليل مستقلّ،لا أنه داخل في السنّة،كما يظهر من المصنف‏22
     هل الاستصحاب من المسائل الأصولية23
     تعريف المصنف للاستصحاب‏23
     الإيراد عليه بأمور: 23
     الإيراد الأوّل‏23
     الاستشهاد بما في المعالم‏23
     إرجاع التعاريف إلى أمرين‏24
     تأويل كلام المصنف‏24
     استبعاد هذا التأويل‏24
     الإيراد الثاني‏25
     التعريف مختلّ عكسا و طردا25
     إصلاح التعريف طردا و عكسا25
     الإيراد الثالث‏26
     الإيراد الرابع بخروج الاستصحاب القهقرى‏26
     دفع هذا الإيراد27
     الأولى في التعريف: أنه إبقاء ما ثبت في زمان في ما بعده مع عدم الدليل‏27
     وجه تقديم«استصحاب المزيل»27
     المراد بالمشكوك‏28
     اعتبار حصول الظنّ في حجية الاستصحاب و عدمه‏28
     هل الحجية فيه من باب مطلق الظن أو من باب الظن الخاصّ‏28
     هل الظن المعتبر شخصي أو نوعي‏29
     الظاهر من الكلمات و صريح المصنف: الأوّل‏29
     ذكر مؤيدات لهذا الاعتبار30
     عدم اختصاص الأخبار بصورة حصول الظن‏32
     معارضة المفهوم مع المنطوق 32
     الرد على من أنكر الاستصحاب في الأحكام الطلبية33
     عدم جريان استصحاب بقاء الشرط أو عدم المانع في مسألة الصوم‏34
     الخدشة في جريان استصحاب وجوب الصوم و حرمة الإفطار و المانع،إمّا مانع عن الحدوث أو مانع عن البقاء35
     عدم جريان الاستصحاب في المانع عن الحدوث‏36
     نقل عبارة الفاضل في المقام‏37
     جريان الاستصحاب في الأحكام الوضعيّة من جهات‏39
     ما فهمه بعض الناظرين في عبارة الفاضل التوني‏40
     ما فهمه المصنّف من العبارة41
     التحقيق: جريان الاستصحاب في الحكم الوضعي من جميع الجهات‏41
     الجواب عمّا هو ظاهر مراد الفاضل من جريان الاستصحاب في نفس‏الأسباب و الشروط بأمور41
     لازم القول بجريانه في الأسباب: جريانه في المسببات‏42
     الاستصحاب في السبب قد يرجع إلى استصحاب المسبب أو إلى السببية43
     [تقسيمات الاستصحاب‏]45
     منشأ تكثّر الأقسام-غالبا-أمران‏45
     تقسيمات الاستصحاب باعتبار المستصحب‏45
     تقسيمات الاستصحاب باعتبار منشأ الشك‏46
     منشأ الشك في المقتضي أمور46
     أقسام الشك في المانع‏47
     تقسيم آخر بالنظر إلى مدرك ثبوت الحكم‏48
     إرجاع تعريف العضدي و غيره إلى تعريف المصنف‏48
     إشكال السيد الصدر على تعريف الفاضل،و استجواده لتعريف العضدي‏50
     [الأقوال في الاستصحاب‏]51
     كلام التفتازاني فيما قاله الحنفيّة51
     توجيه المصنف لمقالة الحنفية51
     الإيراد على هذا التوجيه بوجوه‏52
     بيان وجه التأمّل بأمور53
     في أن نقل المصنف لكلام الخوانساري استدراك لما استفاده من كلام العضدي‏55
     توجيه كلام الخوانساري بما لا ينافي كلام العضدي‏56
     توجيه ما نقله الخوانساري‏56
     نقل المصنف استدلال الخوانساري لمذهبه‏57
     يستفاد من عبارة المحقق الخوانساري أمور57
     الدليل الثاني للخوانساري‏59
     الفرق بين هذا الدليل و الدليل السابق‏59
     نقل تعليل الخوانساري في ذيل تلك العبارة59
     صريح عبارة الخوانساري: حصر الاستصحاب في الصورتين‏59
     اعتباره في صورة ثالثة60
     الصور التي أجرى الخوانساري فيها الاستصحاب خمس‏62
     بيان الفرق بين الشك في صدق المزيل و الشك في كون الشي‏ء مزيلا62
     احتمال كون منشأ تمثيل المصنف و من تبعه بالرافع،هو بعض الأخبار64
     المدار في الشك في رافعيّة المذي‏65
     موارد جريان الاستصحاب في الشك في الرافع عند السبزواري و الخوانساري‏65
     ما يظهر من السبزواري من نفي حجية الاستصحاب في الأمور الخارجية66
     تأمّل المحقق الخوانساري فيها أيضا66
     ما قاله الوحيد البهبهاني في المقام‏66
     ما قاله الأخباريون‏67
     القول الأوّل،و القائلون به‏67
     القول الثاني و الثالث‏68
     و القول الرابع: 68
     التأمّل فيما عبّر به المصنف عن القول الثالث و الرابع‏69
     التحقيق في القول الثالث‏72
     القول الرابع‏73
     ما ذكره المحقق الأسترآبادي في الفوائد المدنيّة74
     موارد اعتبار الاستصحاب عند الفاضل الأسترآبادي‏75
     ما يستفاد من كلامه‏76
     القول الخامس،و هو المحكيّ عن الغزالي‏77
     القول السادس،و هو للفاضل التوني‏77
     القول السابع،و هو للمحقق الخوانساري‏77
     القول الثامن،و هو للمحقق السبزواري‏78
     ما نقل عن السيد الطباطبائي من كون محل النزاع غير العدميات‏78
     الإشكال في المسألة،و ما يمكن أن يقال في حلّه‏79
     ما ذكره الفاضل النراقي‏80
     المجامع للأمر العدمي،له حالتان‏81
     الحاصل: أن كل استصحاب عدمي ليس متفقا عليه‏82
     أدلّة الاستصحاب‏84
     [الأوّل: الوجدان السليم‏]87
     الخدشة في الدليل،و ردّها87
     ما قاله بعض الفحول‏88
     الإشكال على الدليل،و الجواب عنه‏88
     الإشكال في كون هذا البناء ناشئا عن ظن البقاء،بوجهين: 89
     دفع الوجه الأوّل‏91
     دفع الوجه الثاني‏92
     استناد كثيرين في حصول الظن إلى وجود الشي‏ء،و آخر مثل المصنف‏و غيره إلى الغلبة93
     عدم اختلاف الظن الحاصل من الغلبة بحسب الموارد93
     المراد من«الأمور الخارجية»94
     في أن الشك في البقاء ناش من جهتين‏94
     أقسام حصول الشك من جهة مقدار الاستعداد94
     أقسام الشك الحاصل من جهة طروّ المانع‏95
     الصور التي تفيد فيها الغلبة ظنّ البقاء96
     علّة عدم ثبوت ظنّ البقاء في باقي الوجوه‏96
     معنى: «إن مقدار استعداد الإنسان تسعون»97
     الغلبة النوعية مقدّمة على الجنسية،و الصنفية على النوعية98
     حاصل الكلام في إفادة الغلبة ظن البقاء99
     عدم جدوى هذا التقرير في دفع النقض لوجوه: 100
     الوجه الأوّل‏100
     الوجه الثاني‏102
     الوجه الثالث‏102
     تقرير الغلبة بنوع آخر104
     تحديد إثبات الاستقراء الظن بالبقاء في الأحكام‏105
     قوله: «و كذلك الكلام في موضوعات الأحكام»107
     الفرق بين الدليل الدالّ على حجيّة ظن المجتهد،و الدالّ على حجيّة الظن الحاصل للمقلّد108
     [بحث استطرادي حول أصالة حرمة العمل بالظن‏]111
     هل المراد من قوله: «عدم تسليم أصالة الحرمة»مع الانسداد أو بدونه؟111
     الأصل الأوّلي هو: عدم حجية الظن و حرمة العمل به‏112
     المراد من العمل بالظن‏113
     ما يدل على الأوّل‏113
     أمّا الكتاب: فآي: 113
     ما يدل عليه من السنّة114
     ما يدل عليه من الإجماعات‏115
     ما يدل عليه من العقل،و تقريره بمقدمات: 116
     المقدمة الأولى‏116
     المقدمة الثانية116
     المقدمة الثالثة116
     المقدمة الرابعة117
     الاستنتاج من المقدمات المذكورة117
     الإشكال بأنّ لازم دفع الضرر: التوقف أو التخيير أو الطرح‏117
     بيان فساد هذا الإشكال بوجوه: 117
     الوجه الأوّل‏118
     الوجه الثاني و الثالث‏118
     الوجه الرابع‏119
     حكم العقل-في الدوران بين التعيين و التخيير-بترجيح التعيين‏119
     حرمة العمل بالظن في المسائل الفرعية119
     عدم ترتب ثمرة عملية على العمل بالظن إذا اجتمع مع الأصل‏أو الدليل الموافق له‏120
     لو كان الأصل أو الدليل مخالفا للظن،فالحكم حرمة العمل بالظن‏121
     مورد حجية الأصول و الأدلة غير المفيدة للعلم،122
     فساد هذا القول بالنسبة إلى أدلة الأصول و الأدلة،و بيان وجهه‏123
     الإيراد على جواز العمل بالظن الحاصل من آيات تحريم العمل بالظن و أخباره‏124
     جواز العمل بالظن في جميع الأحكام و أصول الدين‏124
     الكلام في الحكم العام للأفراد125
     لو ثبت حكم عام لأفراد و كان ثبوت الحكم لبعضها موجبا لعدم ثبوته‏في الآخر،ففيه قسمان: 125
     القسم الأوّل: ما إذا كان المثبت للحكم العام لفظا126
     حكم الصورة الأولى‏126
     الصورة الثانية،و حكمها126
     التحقيق هو لزوم ملاحظة المقامات‏128
     شمول الآيات و الأخبار الناهية عن العمل بالظن أنفسها130
     بيان حاصل جميع الصور130
     القسم الثاني: ما إذا كان المثبت للحكم العام غير لفظ132
     ما يكون ثبوت الحكم لبعض الأفراد فيه مانعا عن ثبوته للبعض الباقي‏132
     مانعية ثبوت الحكم لبعض الأفراد فيه عن ثبوته لجميع الباقي،132
     نقد و توضيح مراد المصنف من«المنع من حرمة العمل بالظن»133
     الدليل على حجية ظواهر الآيات و الأخبار134
     اتفاق العلماء على حجية ظواهر الأخبار135
     الإشكال بأنّ لازم حجية الآيات و الأخبار الناهية هو عدم الحجية،و الجواب عنه‏135
     هل الإجماع على حجية ظواهر الآيات شامل لظاهر آيات التحريم؟135
     الاستدلال بدوام ما ثبت‏137
     توجيه هذا الدليل بما ذكره المحقق في المعارج‏137
     إشكال المصنف في الدليل بأنه لا معنى للاستصحاب حينئذ138
     الجواب عنه بالاحتياج إليه من جهة الشك في المانع‏138
     ما قاله العلامة البهبهاني ردا على منكري الاستصحاب‏140
     معنى«المقتضي»في كلام المحقق‏141
     الأحسن في الجواب‏142
     ابتناء الجواب الأوّل على حمل«المقتضي»-في كلام المحقق-على العلّة التامة142
     المختار هو النّظر في الدليل المقتضي للحكم‏143
     ما قاله صاحب المعالم بعد نقله لعبارة المحقق‏143
     تخصيص موضع النزاع بما إذا كان المقتضي للحكم في الآن السابق غير مقطوع الجريان في الآن اللاحق‏144
     التمثيل بالتيمم لا يدل على تخصيص محل النزاع‏145
     ما يستفاد من كلام السيّد145
     دخول ما ذكره المحقق في محل النزاع‏147
     ما يؤيد عدم اختصاص النزاع بما ادعاه صاحب المعالم‏147
     ما يمكن أن يستشهد به-لخروج الشك في طروّ المانع عن محل النزاع-من الأخبار149
     ما قيل في وجه عدم التمسك بالأخبار في المقام‏150
     فساد هذا الاحتمال بوجوه: 150
     الوجه الأوّل‏150
     الوجه الثاني‏151
     الوجه الثالث‏151
     [الثاني: الاستدلال بالأخبار]153
     جهات الاستدلال بالأخبار،153
     دعوى تواتر الأخبار154
     الاستدلال على عموم«اليقين»و«الشك»بطرق ثلاثة: 154
     الطريق الأوّل‏154
     الطريق الثاني‏154
     الطريق الثالث‏155
     عدّ الحاجبي اسم الجنس المحلّى باللام من ألفاظ العموم،و متابعةالعضدي له‏155
     ما قاله نجم الأئمّة في الاسم المحلّى باللاّم‏155
     ما قاله التفتازاني و الزمخشري‏156
     بحث فيما قاله غير الحاجبي‏156
     ما قاله صاحب المعالم و الخوانساري‏157
     هذا الإيراد محكي عن المجلسي‏158
     إفادة النكرة في سياق النفي العموم و وقوع الاسم المحلّى باللام بعد النفي يفيد نفي الطبيعة لا الإيجاب الكلّي‏158
     ما يفيد رفع الإيجاب الكلّي‏158
     وجه حمل«اليقين»و«الشك»على العموم‏159
     وجه كون الرواية في قوّة الكبرى‏160
     وجه التصريح بالكبرى مع إشعار الصغرى بها160
     وجه ارتكاب الاستخدام في الحديث‏161
     في أن«الشك»ك«اليقين»في العموم‏161
     توجيه قول المصنف‏162
     ما قاله الشهيد في المقام،و إيراد الشيخ البهائي عليه‏162
     المراد من عدم نقض اليقين‏163
     مورد الرواية هو الشك في حدوث الرافع‏164
     ما ذكره بعض المشايخ ردا على المحقق السبزواري في الرواية164
     تأييد ما فهمه المحقق بأمرين‏164
     الأمر الأوّل‏164
     الأمر الثاني‏165
     التأييد برواية البجلي‏166
     هل يظهر من الخبر حكمه عليه السلام باستصحاب عدم النوم؟167
     هل يصلح دخول الأمور الخارجية في عموم الحديث؟167
     عدم دلالة الخبر على جريان الاستصحاب في عدم النوم،و على فرض‏الدلالة فلا يدل على جريانه في الأمور الخارجية،كما هو مقصود المصنف‏167
     متابعة بعض المعاصرين المحقق الخوانساري في تفسير الخبر،مع مخالفته له في بعض الفروع‏168
     ما اختاره المحقق السبزواري في المقام‏169
     حاصل ما ذكره الأجلاّء الثلاثة170
     هل ينطبق ما ذكره المحقق الخوانساري على استصحاب القوم؟170
     إيراد المصنف و جماعة على المحقق‏170
     الجواب عن ذلك‏170
     ما يتصوّر في استصحاب المحقق من«اليقين»يقينان‏170
     إن بين اليقين بالحكم و اليقين بالحكم الجزئي عموم مطلق‏171
     الفرق بين استصحاب القوم و استصحاب المحقق الخوانساري‏172
     وجه اشتراك الاستصحابين‏173
     الإشكال فيما لو أراد باليقين: اليقين بالحكم الكلي‏173
     الإشكال فيما لو أراد باليقين: اليقين بالحكم الجزئي‏174
     عدم وجود ما يوجب اليقين في استصحاب القوم كما لا يوجد في استصحاب‏المحقق‏174
     تركّب اليقين بالحكم الجزئي من يقينين‏174
     تأييد ما ذكر بقوله عليه السلام: «و لكن ينقضه بيقين آخر»175
     الإشكال في المراد من«اليقين»،و الجواب عنه‏175
     إشكالات و أجوبة177
     حاصل ما تقدم في الاستصحابين‏177
     ما صرّح به الخوانساري في الحاشية178
     الإشكال فيما ذكره الفاضل النراقي‏178
     حاصل الإشكال‏180
     الإشكال فيما ذكره النراقي في تفسير كلام الخوانساري‏180
     قول النراقي-في مقام تعليل عدم حجية الاستصحاب فيما علم استمراره‏181
     الإشكال على كلام النراقي‏181
     عدم الفرق بين الاستصحابين من جهة الاحتياج إلى تجدد ما يوجب‏اليقين‏182
     الكلام فيما ذكره المحقق السبزواري‏182
     أقسام الحكم المدلول عليه بالدليل‏183
     ما أورده السيد الصدر في شرح الوافية185
     الصور التي لا يجري فيها السيد الصدر الاستصحاب‏185
     كلام آخر للسيد الصدر عند ردّ ما قاله المحقق الخوانساري‏186
     موافقة العلامة البهبهاني للسيد الصدر في الإيراد187
     موافقة المصنف لهما و حاصل الإيراد187
     الحق: عدم نهوض ما ذكره هؤلاء الأجلاّء جوابا لمّا ذكره المحقق‏الخوانساري‏187
     الاحتمالات فيما يراد من الدليل الدال على الحكم في الزمان الأوّل‏188
     حاصل الفرق بين استصحاب المحقق و استصحاب القوم‏189
     نقد مقاطع من كلام السيد الصدر190
     المقطع الأوّل‏190
     المقطع الثاني‏191
     المقطع الثالث‏192
     المقطع الرابع‏192
     النقاش في قول المصنف: «لضرورة عدم الواسطة بين«الشك»و«اليقين»»193
     ما أورده المحقق النراقي على المحقق الخوانساري‏193
     المناقشة في ما أورده النراقي‏194
     ما يحتمل في معنى«الأمر المضادّ»195
     الأوّل: أن يراد به اليقين بالخلاف‏195
     الثاني: أن يراد به نفس المزيل‏196
     الثالث: أن يراد به أمرا آخر196
     فساد الإيراد197
     توجيه الإيراد198
     الجواب عن هذا التوجيه‏198
     ما قاله المصنف في حاشية الكتاب،و دفع الإيراد عنه‏199
     بيان ما فرضه المستدل‏200
     توضيح المقام بمثال عرفي‏200
     ما فهمه المصنف من كلام الخوانساري هو الظاهر،و ما فهمه المتوهّم‏هو الحق‏201
     الإيراد بأن الشك في الرافعية مرجعه إلى الشك في تخصيص العام،و الجواب عنه‏202
     موافقة المحقق النراقي للمحقق الخوانساري في التفسير لمورد النقض،مع الحكم بجريان الاستصحاب في الشك في المانعية203
     الشك في المانعية الّذي لا يجري المحقق الخوانساري فيه الاستصحاب‏203
     حكم ما إذا كان الشك في مزيلية الشي‏ء من جهة الاشتباه الخارجي‏204
     التحقيق في المسألة204
     الشك في كون المذي رافعا ليس من قبيل الشك في صدق المزيل،بل هو داخل في القسم الرابع‏205
     حاصل ما ذكره المصنف في الجواب‏207
     الإشكال في ذلك،و بيان الوجه في الجواب‏207
     جريان الجواب في الصور الأربع الباقية207
     ما توهمه بعض من اختصاص الجواب عن السبزواري بصور الشك‏في الرافع‏208
     منشأ هذا التوهّم‏208
     حاصل ما ذكره المحقق السبزواري‏208
     الجواب عن المحقق بوجهين آخرين‏209
     الوجه الأوّل‏209
     الوجه الثاني‏209
     تقرير آخر للجواب بأنّ النقض لليقين على صور ثلاث‏209
     الكلام في الصور الثلاث‏210
     عدم ابتناء هذا الجواب على دلالة الأخبار على الاستصحاب تعبّدا210
     ما يجاب عن السبزواري: بأن بعض الأخبار مورده: الشك في كون الشي‏ء رافعا211
     نقل متن الصحيحة211
     الكلام في سند الصحيحة213
     الكلام في دلالة الصحيحة على المطلوب‏213
     [الثالث: الروايات الكثيرة]215
     استدلال المصنف بأنها تورث الظن بأن العلّة في تلك الأحكام هو الاعتمادعلى اليقين... »215
     الإيراد على الاستدلال بوجوه‏215
     الجواب عن الإيراد215
     ما يفهم من تلك الأخبار الخاصة216
     عدم إيجاب كل معنى من المعاني تخصيصا في عمومات الرواية216
     لا يلزم من استعمال قوله عليه السلام: «طاهر حتى تعلم»في كل واحد من المعنيين تخصيصا و لا تقييدا217
     استفادة حكم جميع الشكوك لا يحصل إلاّ بحمل«طاهر»على معنيين‏218
     المعنى الأوّل‏218
     المعنى الثاني‏218
     حاصل الكلام‏218
     بيان معنى آخر لإفادة الحكم بالطهارة في جميع الشكوك‏219
     [الاستصحاب في الأمور الخارجية]221
     اشتراك أصالة عدم الاشتراك و عدم القرينة و عدم السقط و الزيادة مع‏الموضوعات الصرفة في الإشكال و الجواب‏221
     دلالة الأخبار على حجية الاستصحاب في الموضوعات المستنبطة221
     منع بعض المشايخ ظهورها في الموضوعات المستنبطة،و ادعاءه بالنسبة إلى الموضوعات الصرفة فقط222
     النّظر فيما منعه بعض المشايخ‏222
     الإشكال على هذا النّظر223
     دفع هذا الإشكال بوجهين‏223
     الوجه الأوّل‏223
     الوجه الثاني‏224
     استنتاج عدم الفرق بين الموضوعات الصرفة و الموضوعات المستنبطة225
     تسليم الخصم بما قاله المصنف،لا يوجب جريان الاستصحاب في الأمور الخارجية225
     استشهاد المصنف بما في صحيحة زرارة226
     تحديد محل الاستشهاد بهذه الرواية226
     عدم صلاحية الاستشهاد بما في الصحيحة226
     ما قاله المحدث العاملي من عدم دلالة الأحاديث على حجية الاستصحاب‏في نفس الحكم الشرعي‏227
     عدم فائدة كلام المحدث في إثبات المطلب‏227
     بيان مقصود الأخباريين من عدم حجية الاستصحاب في الحكم الشرعي‏227
     مراد المحدث من عدم دلالة الأحاديث على حجية الاستصحاب إنما هو فيما لو كان الشك من جهة نفس الحكم الشرعي‏228
     حاصل مراد المحدث العاملي‏228
     وجه التمثيل بالأمور الخارجية في كلام المحدث‏228
     حكم الشك في التحريم عند الأخباريين‏228
     ما ذهب إليه الأخباريون ليس عكسا لما ذكره المحقق الخوانساري‏229
     دليل آخر على قول الأخباريين‏229
     الجواب عن هذا الدليل‏230
     الجواب عن دعوى الضرورة الدينية على حجية الاستصحاب في‏الموضوعات‏230
     ما قاله المحدث الأسترآبادي في الفوائد المدنية230
     ما نقله في الفوائد المكية عن المفيد و غيره من اقتضاء قاعدة اليقين جواز العمل بالاستصحاب في أحكام اللَّه،و الجواب عنه بوجهين‏230
     الوجه الأوّل‏230
     الوجه الثاني‏231
     الجواب عن جوابه الأوّل‏231
     النّظر في هذا الجواب‏232
     الأحسن في الجواب عنه وجهان‏232
     الأوّل: بالنقض،و بيانه‏232
     إشكالات و أجوبة233
     الثاني: بالحلّ‏234
     حول ما ذكر من أن الاستصحاب إسراء حكم من موضوع إلى آخر234
     الجواب عن الوجه الثاني الّذي ذكره الأسترآبادي في الفوائد المكيّة235
     الدليل الدال على تحقق الحكم في السابق بالنسبة إلى اللاحق،يتصور على‏وجوه: 235
     الوجه‏الأوّل: 235
     الوجه الثاني: 235
     انقسام الوجه الثاني إلى وجهين‏235
     انقسام الوجه الأوّل إلى وجهين‏236
     الوجه الخامس: الترديد بين بعض هذه الوجوه‏236
     الاستنتاج من الوجوه الخمسة236
     ما حكي عن الغزالي و غيره‏237
     مستند القائل بحجية الاستصحاب في غير ما ثبت فيه الحكم بالإجماع‏أمران‏237
     الأوّل: قول المصنف«إنّ الحكم إذا ثبت بالإجماع فلا يكون الدليل موجودافي الآن الثاني»237
     الإشكال في ذلك‏238
     الثاني: أن يستند إلى اشتراط قابلية دلالة الدليل على الحكم في الآن الثاني‏238
     ما يتصور في وجه الاشتراط،و الإشكال فيه‏239
     ما استدل به الشيخ في العدّة على حجية الاستصحاب‏240
     الحاصل: عدم الفرق بين وجوه دلالة الدليل الأوّل‏241
     استثناء صورة ما لو كان ثبوت الحكم في الآن الثاني راجعا إلى تعدد الحكم‏241
     القول بحجية الاستصحاب إذا كان استمرار الحكم ثابتا من الشرع إلى غاية معيّنة دون غيره‏242
     الإشكال في الدليل‏243
     التحقيق في المسألة243
     توجيه المصنف للدليل‏245
     دعوى أن هذا الدليل أخصّ من المدّعى‏246
     الجواب عن ذلك‏246
     تصوّر أربعة صور في تحديد التكليف بغاية246
     الصورة الأولى‏247
     الصورة الثانية247
     الصورة الثالثة و الرابعة247
     خروج الصورتين الأخيرتين عن محل النزاع‏247
     حكم الصورة الأولى‏248
     انحصار الفرض في الصورة الثانية248
     خلاصة الكلام في تحديد الحكم بغاية249
     ما أورده السيد الصدر،و بيانه‏249
     القول الفصل في المسألة250
     فرض كون الزائد واجبا مستقلاّ250
     فرض كون المشكوك وجوبه مع ما قبله تكليفا واحدا250
     حكم الفرض الأوّل‏251
     إشكال و جواب‏251
     الحاصل: عدم كون هذا المورد موردا للاستصحاب‏252
     حكم الفرض الثاني‏252
     التحقيق في هذا الفرض‏252
     الإشكال في المسألة بوجود القدر المتيقن و دفع الزائد بالأصل،و الجواب عنه‏252
     تقرير آخر للإشكال بوجوه،و الجواب عنها253
     إن أريد بالأصل: أصالة عدم الدليل‏253
     أن يكون المراد بالأصل: أصالة البراءة253
     أن يكون المراد بالأصل: القاعدة المستفادة من الأخبار254
     أن يكون المراد بالأصل: القاعدة المستفادة من العقل‏254
     ما فرض في استصحاب المحقق هو المفروض في استصحاب القوم أيضا255
     فهرس مصادر التحقيق‏371
الحاشية على استصحاب قوانين الاصول
1

19
[تعريف الاستصحاب‏]
الاستصحاب لغة
[قوله‏]: استصحاب الحال. (1)[أقول‏]: الاستصحاب لغة: الملازمة،و استصحاب الشي‏ء: أخذه‏مصاحبا،فعن الصحاح: «كلّ شي‏ء لازم شيئا فقد استصحبه»(1) ،و عن‏القاموس: «استصحبه: دعاه إلى الصحبة و لازمه»(2) ،و عن المجمع:

«استصحبه: لازمه،و استصحبت الكتاب: حملته على صحبتي»(3) .

الاستصحاب اصطلاحا
و في اصطلاح الأصوليين قد يطلق على ما حاصله: إبقاء ما كان على‏ما كان-كما يظهر من تعاريف جلّهم له-و قد يطلق على نفس الكلّية
(1)الصحاح 1: 162،إلاّ أنّ فيه: «لاءم»بدل(لازم».
(2)القاموس 2: 798،مادة«صحب».
(3)مجمع البحرين 2: 99،إلاّ أنّ فيه: «استصحب الشي‏ء: لازمه،و استصحبت الكتاب‏و غيره: حملته على صحبتي».

20
المأخوذة من العقل أو الأخبار،كما في قولهم: الاستصحاب حجّة أم لا؟
تعريف العضدي للاستصحاب‏
قال العضدي: «معنى استصحاب الحال: أنّ الحكم الفلاني قد كان‏و لم يظنّ عدمه،و كلّ ما كان كذلك فهو مظنون البقاء،و قد اختلف في صحّةالاستدلال به»(1) انتهى. فعرّفه بنفس القضيّة الكليّة،فتأمّل‏[1].
تعريف الفاضل و إشكال السيد الصدر عليه‏
و قال السيّد صدر الدين في شرح الوافية-عند تعريف الماتن‏للاستصحاب بأنّه التمسّك بثبوت ما ثبت-: «هذا التعريف كأكثر التعاريف‏لا يخلو عن مسامحة،لأنّ الاستصحاب هو المتمسّك به،و ليس هو التمسّك‏أو الإثبات أو مشاكلهما(2) »ثمّ قال بعيد هذا: «و لقد عبّر شارح المختصر عن‏المبحث بما هو أوضح من تعبير غيره»(3) فنقل ما نقلناه عنه،فتأمّل.
تعريف الاستصحاب بالمعنى المصدري و القاعدة،تعريف حقيقيّ‏
و الحقّ أنّ كلاّ من الإطلاقين إطلاق حقيقيّ في عرفهم،فإنّ الظّاهر أنّ‏لفظ«الاستصحاب»نقل إلى الإبقاء الخاصّ،و بهذا الاعتبار أخذ منه‏المشتقّات-كقولهم: يستصحب و مستصحب-و إلى الكلّية المشهورة.

فتعريفه بكلّ من المعنى المصدري و القاعدة تعريف له بالمعنى الحقيقي.

كونه حقيقيا في المعنيين على الترتيب‏
ثمّ هل حقيقيّته في المعنيين اتّفقت في مرتبة واحدة؟بأن استعمل لفظ«الاستصحاب»من أوّل الأمر في كلّ من المعنى المصدريّ و القاعدة حتّى‏صار حقيقة فيهما،أو على الترتيب؟بأن صار حقيقة في المعنى المصدري ثمّ‏صار حقيقة في القاعدة،وجهان،الظاهر: الثاني،
هل كونه حقيقيا في القاعدة على نحو الاشتراك أو أنّه منقول إلى القاعدة
و عليه: فهل صيرورته‏[2]
[1]في هامش النسخة ما يلي: إشارة إلى ما سيجي‏ء من تطبيق كلام العضدي و السيدالصدر مع تعريف المصنف(انتهى)و سيأتي في الصفحة 49.
[2]في هامش النسخة ما يلي: لا يقال: إنّ هذا الترديد مناف للقطع السابق بأنّ اللفظ
(1)شرح مختصر الأصول 2: 453.
(2)في المصدر: أو ما شاكلهما.
(3)شرح الوافية(مخطوط): 122.

21
حقيقة في القاعدة مع بقائه على الحقيقيّة في المعنى المصدري،حتّى يكون اللفظمشتركا تعيّنيّا فيهما؟أو مع هجره عن المعنى المصدري،حتّى يكون منقولاعنه إلى القاعدة،فوقع في لفظ«الاستصحاب»عند أهل الأصول نقلان‏مرتّبان؟
بيان وجه كلّ من الاحتمالين،و تقوية الأوّل‏
يحتمل الأوّل،نظرا إلى أصالة عدم الهجر،مضافا إلى تبادر المعنى‏المردّد بين المعنيين من لفظ«الاستصحاب»،و هو أمارة الاشتراك اللفظي.

و يحتمل الثاني،نظرا إلى ترجيح المجاز على الاشتراك،مضافا إلى ندرةالمشتركات التعيّنية.

و الأقوى الأوّل،للأصل و التبادر المذكورين.

و أمّا ترجيح المجاز على الاشتراك: فإن كان مستنده أصالة عدم‏الوضع،فقد عرفت أنّ الأصل هنا على الخلاف،لأنّ الأصل بقاء آثارالوضع،و بعبارة أخرى: ترجيح المجاز على الاشتراك إنّما هو عند الشكّ في‏حدوث الحقيقيّة لا في بقائها،و ما نحن فيه من قبيل الثاني.

و إن كان مستنده غلبة المجاز على الاشتراك،ففيه: أنّها-على‏مرجوحيّتها بالنسبة إلى التبادر الّذي ذكرنا-معارضة في المقام بغلبة أخرى،و هي: أنّ الغالب في المعاني العرفيّة-سيّما الخاصّة-عدم هجرها في ذلك‏العرف،فتأمّل. و هذه إن لم تقدّم على تلك-من جهة أنّها أخصّ بالنسبة

حقيقة عرفيّة في كلّ من المعنيين.

لأنّا نقول: مرادنا في السابق هو الحقيقيّة في الجملة،بمعنى الوصول إليها،و هو أعمّ‏من البقاء عليها،فكنّا في مقام دفع توهّم: أنّ تعريفه بالمعنى المصدريّ،باعتبار أنّه فردمن المعنى اللغوي و هو مطلق الإبقاء و الملازمة،فقلنا: إنّ تعريفه بالإبقاء الخاصّ إنّما هوباعتبار أنّه معنى مستقلّ حقيقيّ في الجملة،لا باعتبار أنّه فرد من مطلق الإبقاء،فتدبر.


22
إليها-فلا أقلّ من التعارض الموجب للتساقط،فليرجع إلى الأصل الّذي‏ذكرنا.

و بهذا يذبّ أيضا عمّا ذكر أخيرا: من ندرة المشتركات التعيّنية،فتأمّل.

الاستصحاب من الأدلّة،بناء على استفادته من حكم العقل‏
ثمّ إنّ كون هذه الكلّية من الأدلّة،على فرض استفادتها من العقل‏واضح،لأنّ الأدلّة العقليّة-على ما صرّح به بعضهم(1) -هي القواعد الّتي‏أسّسها العقل.
كون الاستصحاب من القواعد،بناء على استفادته من الأخبار
و أمّا على فرض استفادتها من الأخبار،فالظاهر أنّها قاعدة مستفادةمنها-كسائر القواعد المستفادة من الأدلّة،مثل قاعدة نفي الضرر،و قاعدةنفي الحرج،و قاعدة حمل فعل المسلم على الصحّة،و غيرها-لا أنّه دليل‏كالكتاب و الإجماع.

و يؤيّد ذلك أنّ الشهيد في قواعده عبّر عنه ب«قاعدة اليقين»(2) .

وجه إطلاق الدليل عليه‏
و تعبيرهم في عناوينهم بقولهم: «الاستصحاب حجّة أم لا»و إطلاق‏الدليل عليه،إمّا جري على ممشى القدماء-حيث تكلّموا في كونها من الأدلّةالعقليّة-و إمّا مسامحة،و مرادهم: أنّ هذه القاعدة معتبرة و مأخوذة من دليل‏أم لا؟
الاستصحاب دليل مستقلّ،لا أنه داخل في السنّة،كما يظهر من المصنف‏
و على فرض الدليليّة فهو دليل مستقلّ،لا أنّه داخل في السنّة،لأخذه‏منها،كما يظهر من المصنّف أعلى اللّه مقامه في أوّل الكتاب حيث قال رحمه اللّه بعد ذكرالأدلّة الأربعة: «و أمّا الاستصحاب فإن أخذ من الأخبار فداخل في السنّة،و إلاّ في العقل»(3) . إذ لا يخفى أنّ كلّ دليل ثبت حجيته بدليل فلا يدخل هذا
(1)راجع مناهج الأحكام،للنراقي قدس سره،ذيل المقصد الثالث.
(2)القواعد و الفوائد 1: 132،القاعدة الثالثة.
(3)قوانين الأصول: 5.

23
الدليل الثابت الحجيّة في عنوان الدليل المثبت لحجيّته،فلا يقال في الخبرالواحد-على تقدير استفادة حجيّته من الكتاب-: إنّه داخل في الكتاب.
هل الاستصحاب من المسائل الأصولية
ثمّ: إنّ مسألة الاستصحاب هل هي من المسائل الأصوليّة،أو الفرعيّة،أو قاعدة مشتركة كلّية يدخل فيها المسائل الأصوليّة و الفرعيّة،بل و غيرها؟لا سبيل إلى الاحتمال الأوسط.

و أمّا الأوّل و الثّالث: فالظاهر أنّه إن جعلنا الاستصحاب من الأدلّةفيتعيّن الأوّل منهما،و إن جعلناه من القواعد فالظاهر الثالث،و لكنّ المقام بعديحتاج إلى تأمّل تامّ،فإنّ تشخيص المسائل الأصوليّة و تمييزها عن غيرهامن مزالّ الإقدام،و مزالق الإفهام،و متشاجر الأعلام.

تعريف المصنف للاستصحاب‏
[قوله‏]: قدّس سرّه: «هو كون حكم أو وصف يقينيّ الحصول في الآن‏السابق،مشكوك البقاء في الآن اللاّحق».
الإيراد عليه بأمور:
(1)[أقول‏]: يرد عليه أمور:
الإيراد الأوّل‏
الأوّل: أنّ الاستصحاب-على ما عرفت سابقا-هو: إمّا الإبقاءو الإثبات و ما شاكلهما،أو القاعدة. و أمّا نفس«كون الشي‏ء يقينيّا في الآن‏السابق مشكوكا في الآن اللاّحق»فهو ليس باستصحاب،بل هو مورده‏و محلّه.
الاستشهاد بما في المعالم‏
قال في المعالم: «اختلف الناس في استصحاب الحال،و محلّه أن يثبت‏حكم في وقت ثمّ يجي‏ء وقت آخر و لا يقوم دليل على انتفاء ذلك الحكم،فهل يحكم ببقائه على ما كان؟و هو الاستصحاب»(1) انتهى.

(1)المعالم: 227.

24
فانظر كيف جعل رحمه اللّه ما جعله المصنّف نفس الاستصحاب،محلا له!و جعل الاستصحاب عبارة عن الحكم ببقاء هذا المتيقّن سابقا المشكوك‏لاحقا،لا نفس كونه متيقّنا سابقا مشكوكا لاحقا!
إرجاع التعاريف إلى أمرين‏
و الحاصل: أنّ المتصدّين لتعريف الاستصحاب طرّا بين معرّف له‏بما يرجع حاصله إلى إبقاء ما كان على ما كان-و هم الأكثرون-و بين معرّف‏له بنفس القاعدة،كما اختاره شارحا الوافية(1) و المختصر(2) .
تأويل كلام المصنف‏
اللّهم إلاّ أن يؤوّل كلام المصنّف بما يرجع-بالأخرة-إلى ما عرّفه به‏الأوّلون،أو يوجّه تعريف الآخرين على وجه ينطبق معه تعريف المصنّف.

أمّا الثاني: فسيأتي عند نقل المصنّف لتعريف العضدي(3) .

استبعاد هذا التأويل‏
و أمّا الأوّل،فبأن يقال: إنّ لفظة«الكون»تامّة بمعنى الثبوت،و قوله:

«يقينيّ الحصول في الآن السابق،مشكوك البقاء»-بالجرّ-صفتان لقوله:

«حكم أو وصف»،و قوله: «في الآن اللاّحق»متعلّق بالكون. هذا كلّه مع جعل الاستصحاب المحدود مصدرا مبنيّا للمفعول مضافاإلى النائب عن الفاعل،فيصير المعنى: أنّ استصحاب الحال-أي‏مستصحبيّته-هو ثبوت الحكم أو الوصف الكذائي في الآن اللاّحق،فإنّ‏الاستصحاب بالمصدر المبنيّ للفاعل لمّا كان هو إثبات الحكم الكذائي في الآن‏اللاّحق،كان بالمصدر المبنيّ للمفعول ثبوت الحكم الكذائي في الآن اللاّحق،و هذا بعينه هو الّذي أراده القوم،إلاّ أنّهم عرّفوا الاستصحاب بالمصدرالمعلوم الّذي هو فعل الشخص،و المصنّف عرّف الاستصحاب الّذي هو صفة

(1)شرح الوافية(مخطوط): 122.
(2)شرح مختصر الأصول 2: 453.
(3)يأتي في الصفحة: 48-49.

25
للحال.

لكنّ هذا التأويل بعيد،و نسبة الخطأ إلى المصنّف أبعد.

الإيراد الثاني‏
الثاني: أنّ الظاهر تعلّق الظرف أعني: «في الآن السابق»باليقيني،و كذاتعلّق قوله: «في الآن اللاّحق»بالمشكوك،فيصير المعنى: أنّ الاستصحاب هوأن يتيقّن في الآن السابق بحصول حكم أو وصف و يشكّ في الآن اللاّحق في‏بقائه.
التعريف مختلّ عكسا و طردا
و هذا التعريف مختلّ عكسا و طردا.

أمّا الأوّل: فلأنّه لا يعتبر في الاستصحاب أن يتيقّن في السابق بشي‏ءو يشكّ في الزمن اللاّحق،بل ربّما يحصل اليقين و الشكّ في الزمان اللاّحق،كماإذا قطعنا الآن بحياة زيد أمس و شككنا في هذا الآن بموته،فإنّه محلّ‏الاستصحاب قطعا،مع أنّه لم يحصل اليقين في السابق بشي‏ء. و ربّما يحصل‏اليقين و الشكّ في الآن السابق،كما إذا قطعنا الآن بحياة زيد و شككنا الآن‏أيضا في موته غدا،فإنه محلّ الاستصحاب،مع أنّه لم يحصل الشكّ في الآن‏اللاّحق.

و أمّا الثاني: فلأنّه يدخل في الحدّ ما إذا قطعنا في السابق بدخول زيدفي الدار،ثمّ في الآن اللاّحق شككنا في دخوله السابق،أنّه في السابق دخل‏أو لم يدخل،و إنّما كان قطعنا جهلا مركّبا،و على فرض الدخول فهل هذاالدخول باق أم مرتفع؟فيصدق على هذا«أنّه تيقّن في السابق بشي‏ء و شكّ‏في اللاّحق في بقائه»مع أنّه ليس باستصحاب قطعا،و سيأتي تفصيل‏ذلك.

إصلاح التعريف طردا و عكسا
اللهمّ إلاّ أن يجعل قوله: «في الآن السابق»متعلّقا بالحصول لا باليقينيّ،و كذا قوله: «في الآن اللاّحق»متعلّقا بالبقاء،فيصلح الطرد و العكس.
26
و يمكن أن يصلح الطرد أيضا،بأن نقول: المتبادر من«الشكّ في البقاء»هو أن يكون الحدوث يقينيّا و الشكّ في البقاء و الارتفاع،بأن يكون للشكّ‏طرفان: بقاء الشي‏ء و ارتفاعه،لا أن يشكّ في الحدوث و البقاء كليهما،بأن‏يكون للشك أطراف ثلاثة: عدم حدوثه أصلا،و حدوثه مع بقائه،و حدوثه‏مع ارتفاعه.
الإيراد الثالث‏
الثالث: أنّ المراد بالشكّ في قوله: «مشكوك البقاء»إن كان هوالاحتمال المساوي فيلزم اختلال التعريف عكسا،لأنّ صورة مرجوحيّة البقاءيجري فيها الاستصحاب على مسلك المصنّف و من وافقه في استفادة اعتبارالقاعدة من الأخبار،و الحال أنّه يخرج عن التعريف،بل يلزم اختلاله طرداأيضا،إذ يدخل فيه ما إذا وجد دليل تعبّديّ لا يرفع الشكّ الواقعي على‏خلاف الحالة السابقة،فإنّه يصدق عليه التعريف،مع أنّه ليس باستصحاب،لأنّه مأخوذ فيه«عدم الدليل على انتفاء الحالة السابقة»كما تقدّم في‏عبارة المعالم(1) .

و إن كان هو الاحتمال المطلق-مساويا أو راجحا أو مرجوحا-فيلزم‏الاختلال الطردي فقط،إذ يدخل فيه ما إذا قام ظنّ معتبر على الخلاف،فانّه‏يصدق عليه الحدّ،مع أنّه ليس باستصحاب.

و القول بأنّ الظنّ المعتبر بمنزلة القطع-بل هو قطع في مرحلة الظاهر-لا يجدي فيما نحن بصدده،لأنّه لا يرفع الاحتمال الواقعي الموهوم.

الإيراد الرابع بخروج الاستصحاب القهقرى‏
الرابع: أنّ التعريف غير منعكس،لخروج الاستصحاب القهقرى،فإنّه‏و إن لم يكن حجّة إلاّ أنّه لا يخرج بذلك عن اسم الاستصحاب.
(1)تقدّم في الصفحة: 23.

27
دفع هذا الإيراد
اللّهم إلاّ أن يمنع صدق اسم الاستصحاب عليه في الاصطلاح و إن‏أطلق عليه لغة،فانّ القدر المتيقّن من المعنى المنقول إليه هو«إثبات‏ما ثبت في السابق،في اللاّحق»و يعبّر عنه بالإبقاء،لا«إثبات مطلق ما ثبت‏في زمان،في زمان آخر»و كما أنّ الأوضاع الأوّلية توقيفيّة،فكذلك الأوضاع‏الثانويّة يقتصر فيها على القدر المتيقّن.

مضافا إلى أنّه يمكن ادّعاء العلم بعدم كونه استصحابا في الاصطلاح‏من جهة تبادر الغير و صحّة السلب،فتأمّل.

الأولى في التعريف: أنه إبقاء ما ثبت في زمان في ما بعده مع عدم الدليل‏
و الأولى في تعريف الاستصحاب،أن يقال: إنّه إبقاء ما ثبت في زمان‏في ما بعده مع عدم الدليل.

و القيد الأخير للتنبيه على أنّ عدم الدليل مأخوذ في مفهوم‏الاستصحاب،كما صرّحوا به،لا أنّه معتبر في اعتباره،كما يظهر من بعض(1) حيث عدّه من شروط العمل بالاستصحاب،إلاّ أن يرجع إلى ما ذكرنا.

ثمّ،إنّ المراد بالدليل المعتبر عدمه في الاستصحاب،هو مطلق‏ما يزيل الشكّ في مرحلة الواقع أو الظاهر،و لو كان استصحابا آخر،فعندتعارض استصحابين يكون أحدهما-باعتبار مستصحبه-رافعا للشكّ في‏الآخر و مزيلا له،لا يجري الاستصحاب المزال في الحقيقة،لا أنّه يجري‏و لكنّه يطرح لمكان المعارضة.

وجه تقديم«استصحاب المزيل»
كما أنّ تقديم المزيل من جهة أنّه سليم عن المعارض،لا لأنّه أقوى‏من معارضه،فإذا غسل ثوب متنجّس بالماء المستصحب الطهارة،أو لاقى‏ثوب طاهر للماء المستصحب النجاسة،فلا يجري استصحاب نجاسة الثوب في‏
(1)هو الفاضل التوني في الوافية: 208.

28
الأوّل،و لا استصحاب طهارته في الثاني. و سيوضح لك هذا في بحث تعارض‏الاستصحابين(1) بما لا مزيد عليه،فانتظر.
المراد بالمشكوك‏
قوله قدّس سرّه: «و المراد بالمشكوك أعمّ من المتساوي الطرفين،ليشمل‏مظنون البقاء و غيره،و إن كان مراد القوم هنا هو الاحتمال المرجوح في‏الواقع». (1)[أقول‏]: لا شكّ أنّ الشكّ الّذي أخذه من أخذه من القوم في تعريف‏الاستصحاب،هو الشكّ الّذي يكون من أركان الاستصحاب و محقّقا لمورده،و يعبّرون عنه بالشكّ البدويّ،فلا ضير في أن يريدوا به الاحتمال المساوي،فانّه إنّما يصير راجحا بملاحظة الاستصحاب،كما في إلحاق المشكوك بالأعمّ‏الأغلب.

ثمّ لو سلّمنا أنّ المراد به الاحتمال بعد ملاحظة الاستصحاب،فلا يخفى أنّ مرادهم هو الاحتمال الراجح لا المرجوح،إلاّ أن يضاف إلى‏الارتفاع لا البقاء،لكنّ المصنّف في مقام تفسير المضاف إلى البقاء،فتأمّل.

اعتبار حصول الظنّ في حجية الاستصحاب و عدمه‏
[قوله‏]قدّس سرّه: «لأنّ بناءهم في الحجيّة على حصول الظنّ». (2)[أقول‏]: هذا هو الظاهر من أكثر استدلالاتهم،و لكن لا يظهر من‏بعضها الآخر إناطة الاعتبار على الظنّ،مثل ما استدلّ به المحقّق في المعارج‏من«أنّ المقتضي للحكم الأوّل ثابت،و المعارض لا يصلح رافعا... إلى آخرالدليل‏[1]». فراجعه.
هل الحجية فيه من باب مطلق الظن أو من باب الظن الخاصّ‏
ثمّ إنّ حجيّته عند هؤلاء،هل هي من باب مطلق الظنّ،أو من جهة
[1]معارج الأصول: 206،و فيه: لنا وجوه،الأوّل: إنّ المقتضي للحكم الأوّل ثابت،فيثبت الحكم،و العارض لا يصلح رافعا،فيجب الحكم بثبوته في الثاني».
(1)لم نجد بحثا تحت هذا العنوان فيما بأيدينا من هذه النسخة.

29
قيام الدليل الخاصّ من الشارع على اعتباره،و بعبارة أخرى من باب الظنّ‏المخصوص؟يظهر من جمهورهم: الأوّل،و من نادر منهم: الثاني،حيث قال-بعدالاستدلال على الحجيّة بما حاصله: «إنّ الاستصحاب مفيد لرجحان البقاء،و العمل بالراجح واجب»،مجيبا عمّا أورد عليه: من أنّه إن أريد أنّ العمل‏بمطلق الراجح واجب فهو ممنوع،للأدلّة الناهية عن العمل بغير العلم،و إن‏أريد أنّ العمل بهذا الراجح الخاصّ واجب فما الدليل عليه؟-ما حاصله:

«إنّ العمل بهذا الراجح الخاصّ واجب للأخبار الواردة في الباب... فذكربعضها»(1) .

هل الظن المعتبر شخصي أو نوعي‏
ثمّ على التقديرين: هل اعتباره مشروط بحصول الظنّ منه في أشخاص‏الوقائع،أو يكفي فيه كونه مفيدا للظنّ من حيث الطبيعة؟يعني أنّه لو خلّي‏و طبعه يفيد الظنّ،فلا يقدح في ذلك التخلّف لأمر خارجي،كما في الخبرالصحيح،فإنّه قد لا يفيد الظنّ،كما إذا عارضه قياس.

و بعبارة أخرى: هل يكون حجيّته من باب الظنّ الشخصي كالشهرةو الاستقراء و الأولويّة الاعتبارية-على القول باعتبارها-،أو من باب الظنّ‏الطبعيّ،كالخبر الصحيح؟و تظهر الثمرة في ما إذا عارضه قياس أو غيره من الظنون الغيرالمعتبرة،فتأمّل.

الظاهر من الكلمات و صريح المصنف: الأوّل‏
الظاهر من كلماتهم: الأوّل،كما هو صريح المصنّف هنا. و ممّن صرّح‏بذلك شيخنا البهائي طاب ثراه في الحبل المتين،فقال-في مسألة«من تيقّن‏
(1)لم نعثر عليه.

30
الطهارة و شكّ في الحدث»بعد كلام له في تقرير الاستصحاب-ما هذا لفظه:

«ثمّ لا يخفى أنّ الظنّ الحاصل بالاستصحاب-في من تيقّن الطهارةو شكّ في الحدث-لا يبقى على نهج واحد،بل يضعف بطول المدّة شيئا فشيئا،بل قد يزول الرجحان و يتساوى الطرفان،بل ربما يصير الطرف الراجح‏مرجوحا-كما إذا توضّأ عند الصبح مثلا و ذهل عن التحفّظ،ثم شكّ عندالغروب في صدور الحدث منه،و لم يكن من عادته البقاء على الطهارة إلى‏ذلك الوقت-و الحاصل: أنّ المدار على الظنّ،فما دام باقيا فالعمل عليه و إن‏ضعف».

هذا،ثمّ قال: «و قد ذكر العلاّمة في المنتهى: أنّ من ظنّ الحدث و تيقّن‏الطهارة لا يلتفت،لأن الظنّ إنّما يعتبر مع اعتبار الشارع له،و لأنّ في ذلك‏رجوعا عن المتيقّن إلى المظنون»(1) ،انتهى.

ثم قال: «و فيه نظر يعلم به المتأمّل في ما تلوناه»(2) ،انتهى.

أقول: و لعلّ نظر العلاّمة إلى الأخبار الواردة في من تيقّن الطهارةو لم يتيقّن الحدث،فإنّها عامّة للشاكّ و الظانّ،و ليس مدرك المسألة منحصرافي الاستصحاب المفيد للوصف،فإنّ من مداركها قوله عليه السّلام في موثّقةبكير بن أعين: «إذا استيقنت أنّك أحدثت فتوضّأ،و إيّاك أن تحدث وضوءحتّى تستيقن أنّك قد أحدثت»(3) و غيرها من الأخبار.

ذكر مؤيدات لهذا الاعتبار
هذا،و ممّا يؤيّد ذلك: أنّ العلاّمة في المنتهى قد استدلّ أوّلا على أنّ من‏ظنّ الطّهارة و شكّ في الحدث فهو متطهّر،بالأخبار مثل صحيحة زرارة
(1)منتهى المطلب 1: 74.
(2)الحبل المتين: 37.
(3)الوسائل 1: 332،الباب 44 من أبواب الوضوء،الحديث الأول،مع اختلاف يسير.

31
و غيرها.

و ممّا يؤيّد الاحتمال الأوّل-أيضا-: أنّ جملة من هؤلاء فرضوا-في‏استدلالهم على إفادة الاستصحاب للظنّ-عدم الظنّ بارتفاع الحال السابق.

قال شيخنا المتقدّم-في أثناء الاستدلال-: «إنّ العاقل إذا التفت إلى ماحصل بيقين و لم يعلم و لم يظنّ طروّ ما يزيله،حصل له الظنّ ببقائه»(1) ،انتهى.

و بمثل ذلك صرّح العضدي(2) و غيره في استدلالاتهم. ثمّ على التقادير السابقة إذا عارض الاستصحاب دليل ظنّي،فهل‏يعامل معهما معاملة المتعارضين،أم يطرح الاستصحاب؟يظهر من جملة من مشايخنا المعاصرين(3) : الأوّل،حيث قالوا: «إذابني على اعتبار الاستصحاب من جهة حصول الظنّ،فإذا عارضه ظنّ آخرفلا بدّ من ملاحظة التعارض و الترجيح».

و هذا(4) إنّما يفيد إذا وجدت صورة يكون الاستصحاب مفيدا للظنّ مع‏وجود دليل ظنّي هنا،و الظاهر عدم وجود هذه الصورة،بل كلّما وجد في‏مورد الاستصحاب دليل ظنّي على الخلاف فلا يفيد الاستصحاب ظنّا،و لذاأخذوا في الاستدلال على إفادة الاستصحاب للظنّ: قيد عدم الظنّ بالخلاف.

نعم،لو استدلّ على ذلك بالغلبة،و أنّ الغالب في الموجودات البقاء-كما فعله بعض المحقّقين(5) -فالإنصاف أنّه يمكن حصول الظنّ منه على‏

(1)الحبل المتين: 36.
(2)شرح مختصر الأصول 2: 453.
(3)منهم السيّد المجاهد في مفاتيح الأصول: 652.
(4)في هامش النسخة ما يلي: يعني الّذي قالوه.
(5)نقله في مفاتيح الأصول: 641 عن النهاية،و الإحكام.

32
خلاف الدليل الظنّي المعارض له،فإن الظنّ الحاصل من الغلبة قد يكون‏أقوى من معارضها،و يصير المعارض موهوما،كما لا يخفى. و ستتّضح لك‏هذه المقامات فيما بعد،فانتظر.
عدم اختصاص الأخبار بصورة حصول الظن‏
[قوله‏]قدّس سرّه: «إلاّ أن يدّعى أنّ الأخبار مبتنية على الظنّ‏الحاصل... إلخ». (1)[أقول‏]: هذا الادّعاء أنّما يتطرّق في الأخبار لو كان موردها مختصّابصورة حصول الظنّ،و ليس كذلك،لأنّها بين ناه(1) عن نقض اليقين بغيراليقين،و بين ناه عن نقضه بالشكّ.

أمّا عموم الأوّل،فواضح.

و أمّا الثاني،فنقول: إنّ الشكّ فيها أريد به مطلق الاحتمال،لأنّه المتبادرعرفا.

و لو لم يكن التبادر،فيكفينا كونه-في اللغة-لمطلق الاحتمال،و نثبت‏مطابقة العرف معهما بأصالة عدم النقل.

و لو قطعنا بمخالفة العرف،فيرجع الأمر إلى تعارض اللّغة و العرف.

و لو سلّمنا تقديم العرف على اللغة،أو قطعنا بتطابقهما في كونه للاحتمال‏المساوي،فنقول: لا يضرّنا،إذ غاية الأمر عدم موافقة هذه الجملة من‏الأخبار للجملة الأولى،لكن ليس بينهما تعارض يوجب حملا،لأنّهما من‏قبيل العام و الخاصّ المنفيّين،كما في قولك: «لا تكرم العلماء»،و«لا تكرم زيدا العالم».

معارضة المفهوم مع المنطوق
نعم،قد يتصوّر التعارض بين مفهوم بعض هذه الجملة مع مناطيق‏
(1)كذا في الأصل،و الظاهر: ناهية،و كذا فيما يليه.

33
الجملة الأولى،و هو مفهوم الخبر المرويّ عن أمير المؤمنين عليه السلام: «من‏كان على يقين فشكّ،فليمض على يقينه»(1) و بين مفهوم هذا الخبر و تلك‏المناطيق عموم من وجه،لكنّ الترجيح مع المناطيق من وجوه:

الأوّل: أنّ الظاهر من نفي الشكّ المأخوذ في المفهوم هو صورة العلم،و ليس له ظهور في مورد التعارض و هو الظنّ.

الثاني: أنّه على فرض الظهور فهو ظهور إطلاقي،لا يعارض الظهورالعموميّ،و بعبارة أخرى: التقييد أولى من التخصيص.

الثالث: أنّه مفهوم،و هو لا يعارض المنطوق.

الرابع: أنّه واحد،و المناطيق كثيرة.

الخامس: أنّ من عمل بالاستصحاب لم يفرّق بين حصول الظنّ على‏الخلاف و عدمه،و بعبارة أخرى: عمل بالمناطيق و طرح المفهوم.

هذا كلّه مضافا إلى أمور اخر.

الرد على من أنكر الاستصحاب في الأحكام الطلبية
[قوله‏]قدّس سرّه: «لأنّ ما يفعل في الوقت فهو بحسب الأمر». (1)[أقول‏]: إن أراد من«الأمر»الدليل الدالّ على التكليف،ففيه: أنّه قديكون شموله للآن الثاني غير معلوم،مثلا قام الإجماع على وجوب شي‏ءو شكّ في توسعته و تضييقه،و على فرض العلم بشموله فقد يقع الشكّ في كون‏شي‏ء غاية و مزيلا له. و على فرض العلم بالغاية و المزيل،فقد يقع الشك في‏حدوثه.

ففي هذه الصور أين الدليل الدالّ على ثبوت الحكم في الآن الثاني،

(1)الخصال: 619،و عنه الوسائل 1: 175،الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء،الحديث 6.

34
حتّى يجب الامتثال بحسبه؟و إن أراد من«الأمر»نفس التكليف الموجود سابقا،ففيه: أنّ القائل‏بالاستصحاب لا يقول بأنّ الاستصحاب محدث للحكم الشرعي و منشئ له‏في الآن الثاني،بل يقول: إنّ التكليف الموجود سابقا المشكوك في بقائه من‏الجهات السابقة باق بحكم الاستصحاب،فإذا كان باقيا فلا بد من امتثاله،فهذا الامتثال ليس إلاّ للتكليف السابق.

و سيجي‏ء تمام الكلام معه إن شاء اللّه تعالى.

عدم جريان استصحاب بقاء الشرط أو عدم المانع في مسألة الصوم‏
[قوله‏]قدّس سرّه: «إذ الشكّ قد يحصل في التكليف في الموقّت،كمن شكّ‏في وجوب إتمام الصوم لو حصل له المرض في أثناء النهار،و أنّه هل يبيح‏الفطر،أم لا؟» (1)[أقول‏]: لا يقال: إنّ الحكم بوجوب الصوم ليس من جهة استصحاب‏وجوبه أو من جهة استصحاب حرمة الإفطار،بل إنّما هو من جهة بقاء شرطالصوم أو عدم حدوث المانع،فيثبت وجوب الصوم تبعا،و سيأتي أنّ هذاالقائل يقول بالاستصحاب في الأمور الوضعيّة-كالأسباب و الشروطو الموانع-فيثبت الأحكام الطلبيّة تبعا لها.

لأنّا نقول: استصحاب بقاء الشرط،أو عدم المانع لا يجري هنا،فإن‏حكم بوجوب الصوم فليس إلاّ من جهة استصحاب نفس الوجوب و حرمةالإفطار.

أمّا وجه عدم جريان استصحاب الشرط،فلأنّه لا شكّ أنّ هذاالشخص قد ارتفعت عنه حالة قطعا،و بقيت له حالة،بل حالات،و لا يعلم‏أنّ الشرط هو الحالة المرتفعة أو الحالة الباقية،فكما تقول: الأصل بقاءالشرط-يعني الحالة الّتي هي شرط-فنقول: إنّ الأصل بقاء غير الشرط،


35
مثلا: لو جعل المولى وجود زيد في الدار شرطا لوجوب إكرام عمرو،فخرج‏شخص من الدار و لا يعلم أنّه زيد أو غيره،فلا يمكن التمسّك بأصالة بقاءالشرط.

و الحاصل: أنّ الشكّ في أمثال المقام إنّما هو الشكّ في اتّصاف الباقي‏بالشرطيّة أو المرتفع،و لا يجري الاستصحاب في الشكّ في الاتّصاف مع القطع‏بارتفاع أمر مردّد بين الموصوف و غيره.

فمجرى استصحاب الشرط هو: ما إذا وقع الشكّ في أصل البقاءو الارتفاع،لا في أنّه الباقي أو غيره،ففي المثال المذكور،لو شككنا في خروج‏زيد من الدار مع عدم القطع بخروج شخص مردّد،لحكمنا باستصحاب‏الشرط.

و من هذا علم وجه عدم جريان استصحاب عدم المانع،لأنّ المفروض‏هو وجود شي‏ء و هو المرض،و شككنا في مانعيّته،نظير ما إذا وقع الشكّ في‏أنّ المذي-الموجود يقينا-هل هو مانع أم لا؟فلا يمكن الحكم بأصالة عدم‏المانع،لأنّه شكّ في الاتّصاف. نعم يجري الاستصحاب في الآثار السابقةكالطهارة و غيرها.

و الحاصل: أنّ في مسألة الصوم لا يمكن التمسّك باستصحاب سوى‏استصحاب وجوب الصوم و حرمة الإفطار،و لا يجري استصحاب الشرطو لا عدم المانع،فافهم و اغتنم.

الخدشة في جريان استصحاب وجوب الصوم و حرمة الإفطار و المانع،إمّا مانع عن الحدوث أو مانع عن البقاء
ثمّ إنّه يمكن الخدشة في جريان استصحاب وجوب الصوم و حرمةالإفطار،نظرا إلى أنّ التكليف بالصوم-يعني الإمساك عن الأمور المخصوصةمن أوّل طلوع الفجر إلى المغرب-تعلّقه على الشخص في متن الواقع‏مشروط بعدم اتّفاق مانع من الموانع الشرعيّة أو العقليّة في هذا البين،فاتّفاق‏
36
واحد منها في أثناء النهار كاشف عن عدم حدوث التكليف بالصوم ابتداء،لا أنّه حدث و ارتفع،كما أنّ المذي على تقدير مانعيّته إنّما يمنع من بقاءالطهارة،لا حدوثها،فليس هو من هذا القبيل.

فالشكّ في أنّ المرض الكذائي مانع عن الصوم أم لا،يرجع إلى الشكّ‏في أنّ التكليف بالصوم مع علم الآمر بأنّه سيتّفق هذا المرض في أثناء النهار،هل حدث أم لا؟لا إلى الشكّ في أنّ ذلك التكليف هل ارتفع بعد الحدوث أم‏لا؟حتّى يكون من قبيل الشكّ في مانعيّة المذي،فإذا رجع الشكّ إلى الشكّ‏في الحدوث،فمقتضى الاستصحاب: عدم الحدوث،و هو عكس المطلوب.

و الحاصل: أنّه لمّا كان من الموانع،ما يمنع عن حدوث الشي‏ء كالحيض‏للصوم،و منها: ما يمنع من بقائه كالبول للطهارة،فكلّما شكّ في كون شي‏ءمانعا بالطور الثاني-كالمذي-فيجري فيه الاستصحاب،لأنّ مرجعه إلى‏الشكّ في البقاء.

عدم جريان الاستصحاب في المانع عن الحدوث‏
و كلّما شكّ في كون شي‏ء مانعا على النهج الأوّل فلا يجري فيه‏الاستصحاب،لأنّ مرجعه إلى الشكّ في الحدوث،بل الأصل: عدم الحدوث.

فإن قلت: لا شكّ أنّ هذا الشخص كان قبل عروض المرض مكلّفا في‏مرحلة الظاهر بالصوم و حرمة الإفطار،لعدم علمه بأنّه سيصير مريضا،فنستصحب هذا التكليف الظاهري.

قلت: لا ريب أنّ هذا التكليف الظاهري إنّما كان لاعتقاده أنّه‏مكلّف به في الواقع،و الآن قد زال الاعتقاد،فيزول ما كان منوطا به.

نظير ما إذا اعتقدنا أوّلا بأنّ هذا المائع خمر،فكان حراما علينا من‏جهة الاعتقاد،ثمّ شككنا في أنّه خمر أو خلّ،فلا يمكن استصحاب الحرمةالسابقة،لأنّ الحرمة الواقعيّة مشكوكة الحدوث من أوّل الأمر،و الظاهريّة


37
مقطوعة الانتفاء،لانتفاء مناطها،و هو الاعتقاد.

و نظيره في الأحكام الشرعيّة: ما إذا حكم المجتهد بحرمة العصير العنبي‏لدليل،ثمّ شكّ في حجّية ذلك الدليل،و حصل له تردّد فيها في المسألةالأصوليّة،فحينئذ لا يجوز أن يستصحب الحرمة السابقة.

و تمام الكلام في ذلك سيجي‏ء عند الكلام فيما يتراءى استصحابا و ليس‏باستصحاب،إن شاء اللّه.

و قد فصلّ بعض هذا الكلام في مبحث الإجزاء عند الكلام في أنّ‏الأمر الظاهري العقلي لا يقتضي الإجزاء.

فإن قلت: لعلّ الشارع حكم في مسألة الصوم بأنّ المكلّف الجامع‏للشرائط عند أوّل الوقت يجب عليه الصوم إلى أن يعلم بوجود مانع.

قلت: فعلى هذا لا يحتاج الحكم بوجوب الإتمام إلى الاستصحاب،لأنّ‏الفرض عدم العلم بالمانع،فيحكم بالوجوب بنفس الحكم الشرعي المذكور.

ثمّ إنّه لو فرضنا مانعيّة المرض للصوم على نهج رافعيّة البول للطهارة-بأن يكون المرض عند حدوثه رافعا لوجوب الصوم المتحقّق سابقا-أمكن‏استصحاب الوجوب في ما إذا شكّ في رافعيّة مرض.

نقل عبارة الفاضل في المقام‏
[قوله‏]قدّس سرّه: «ثمّ إنّ الاستصحاب في الأحكام الوضعيّة-على‏ما ذكره المتوهّم-لا يجري فيما كان من قبيل الموقّت كالحيض،أو التأبيدو الدوام كالزلزلة،و يجري في بعض المطلقات كالتغيّر بالنجاسة،الّذي هوسبب لتنجّس الكرّ،و الطهارة الّتي هي شرط لجواز المضي في الصلاة». (1)[أقول‏]: هذا المتوهّم هو الفاضل التوني في الوافية،و عبارته لا تخلوعن اغتشاش،قال-بعد الاستدلال على عدم جريان الاستصحاب في‏الأحكام الطلبيّة الابتدائيّة،بما نقله المصنّف بالمعنى هنا-: «و أمّا الأحكام‏
38
الوضعيّة: فإذا جعل الشارع شيئا سببا لحكم من الأحكام الخمسة كالدلوك‏لوجوب الظهر،و الكسوف لوجوب صلاته،و الزلزلة لصلاتها،و الإيجاب‏و القبول لإباحة التصرفات و الاستمتاعات في الملك و النكاح،و فيه(1) لتحريم‏أمّ الزوجة،و الحيض و النفاس لتحريم الصوم و الصلاة،إلى غير ذلك،فينبغي‏أن ينظر إلى كيفيّة سببيّة السبب،هل هي على الإطلاق؟كما في الإيجاب‏و القبول،فإنّ سببيّته على نحو خاصّ و هو الدوام إلى أن يتحقّق مزيل،و كذاالزلزلة. أو في وقت معيّن؟كالدلوك و نحوه ممّا لا يكون السبب وقتا،و كالكسوف و الحيض و نحوهما ممّا يكون السبب وقتا للحكم،فانّها أسباب‏للحكم في أوقات معيّنة.

و جميع ذلك ليس من الاستصحاب في شي‏ء،فإنّ ثبوت الحكم في شي‏ءمن الزمان-الثابت فيه الحكم-ليس تابعا للثبوت في جزء آخر،بل نسبةالحكم في اقتضاء السبب للحكم(2) في كلّ جزء نسبة واحدة. و كذا الكلام في‏الشرط و المانع.

فظهر ممّا مر: أنّ الاستصحاب المختلف فيه لا يكون إلاّ في الأحكام‏الوضعيّة،أعني الأسباب و الشرائط و الموانع للأحكام الخمسة من حيث إنّهاكذلك،و وقوعه في الأحكام الخمسة إنّما هو بتبعيّتها،كما يقال،في الماء الكرّالمتغيّر بالنجاسة إذا زال تغيّره من قبل نفسه: بأنّه يجب الاجتناب منه في‏الصلاة،لوجوبه قبل زوال تغيّره،فإنّ مرجعه إلى أنّ النجاسة كانت ثابتةقبل زمان تغيّره،فيكون كذلك بعده.

(1)في هامش النسخة ما يدل على رجوع الضمير إلى النكاح.
(2)في المصدر: بل نسبة السبب في اقتضاء الحكم.

39
و يقال في المتيمّم إذا وجد الماء في أثناء الصلاة: إنّ صلاته كانت‏صحيحة قبل الوجدان،فكذا بعده. أي كان مكلّفا و مأمورا بالصلاة بتيمّمه‏قبله،فكان متطهّرا قبل وجدان الماء،فكذا بعده،و الطهارة من الشروط.

فالحقّ-مع قطع النّظر عن الروايات-عدم حجيّة الاستصحاب،لأنّ‏العلم بوجود السبب أو الشرط أو المانع في وقت،لا يقتضي العلم و لا الظنّ‏بوجوده في غير ذلك الوقت،كما لا يخفى،فكيف يكون الحكم المعلّق عليه‏ثابتا في غير ذلك الوقت؟فالّذي يقتضيه النّظر-بدون ملاحظة الروايات-: أنّه إذا علم تحقّق‏العلامة الوضعيّة تعلّق الحكم بالمكلّف،و إذا زال ذلك العلم بطروّ شكّ-بل‏و ظنّ أيضا-يتوقّف عن الحكم بثبوت الحكم الثابت أوّلا.

إلاّ أنّ الظاهر من الأخبار: أنّه إذا علم وجود شي‏ء فإنّه يحكم به‏حتّى يعلم زواله»(1) انتهى كلامه.

جريان الاستصحاب في الأحكام الوضعيّة من جهات‏
ثمّ إنّه وقع الاختلاف في استفادة مراده من عبارته،و ها نحن‏حاصرون للجهات الّتي يتصوّر الاستصحاب من أجلها في الأحكام‏الوضعيّة،ثمّ نشير إلى ما هو الجواب عن هذا القائل بأيّ احتمال أراد.

فنقول: إذا ثبت من الشارع حكم وضعيّ،بأن قال مثلا: «إنّ تغيّرالكثير بالنجاسة سبب لتنجّسه»فالاستصحاب هنا يتصوّر من جهات:

الأولى: نفس الحكم الشرعيّ الوضعيّ-أعني: سببيّة التغيّر للتنجّس-بأن نشكّ في بقائها و زوالها،إمّا لاحتمال النسخ أو غيره من موجبات الشكّ.

الثانية: موضوع هذا الحكم الوضعيّ،و هو نفس السبب و الشرط،بأن‏

(1)الوافية: 202-203.

40
يشكّ في بقائهما و زوالهما،كأن ثبت التغيّر في زمان،فشككنا في زمان آخر في‏بقائه.

الثالثة: في نفس المسبّب و المشروط،بأن يقال: إنّا وجدنا الأسباب بين‏ما يبقى المسبّب مع زواله-كالإيجاب و القبول للآثار المترتّبة عليهما،و الزلزلةلصلاتها-و بين ما لا يبقى مع زواله-كالحيض و الجنابة لحرمة المسّ-فنشكّ‏في أنّ التغيّر هل هو من قبيل الأوّل؟حتّى يبقى التنجّس مع زواله أيضا،أو من قبيل الثاني؟حتى لا يبقى،فيمكن جريان الاستصحاب في نفس‏المسبّب،و هو التنجّس.

الرابعة: الحكم التكليفي المترتّب على الحكم الوضعي-كوجوب‏الاجتناب-بأن نشكّ في بقائه لإحدى الجهات المذكورة،فنقول: الأصل‏بقاؤه.

فهذه جهات أربع يتصوّر منها الاستصحاب فيما إذا ثبت حكم وضعيّ‏من الشارع.

ما فهمه بعض الناظرين في عبارة الفاضل التوني‏
ففهم بعض الناظرين في العبارة المذكورة-على ما حكي(1) -أنّ مراده‏جواز إجراء الاستصحاب من الجهة الأولى،فاعترض على القائل بقلب‏الدليل الّذي استدلّ به على عدم جريان الاستصحاب في الطلبيّات الابتدائيةعليه في هذا المقام: بأن سببيّة شي‏ء لشي‏ء أو شرطيّته له،إمّا أن يثبت في‏وقت و يكون موقّتا... إلى آخر الدليل الّذي ذكره.

و لا يخفى أنّ هذا خلاف ظاهر العبارة،بل خلاف صريح آخر العبارة-فراجعها-،و إن كان لها فيه ظهور بدويّ،نظرا إلى أنّ ظاهر قوله: «إنّ‏

(1)لم نقف عليه و لا على من حكاه عنه.

41
الاستصحاب يجري في الأحكام الوضعيّة»هو ذلك،فإنّ الحكم الوضعيّ ليس‏إلاّ سببيّة التغيّر للنجاسة،لا نفس التغيّر و لا نفس النجاسة.
ما فهمه المصنّف من العبارة
و أمّا المصنّف قدّس اللّه روحه فظاهر عبارته-بعد ملاحظتها إلى الآخر-أنّه‏فهم من العبارة واحدة من الجهة الثانية و الثالثة،و لا يستفاد منها تعيين‏إحداهما،و إن كان لها ظهور في الجهة الثالثة[1]و يشهد له تقسيم ذلك الفاضل‏السبب إلى ما يكون من قبيل الإيجاب و القبول و الزلزلة،و ما يكون من قبيل‏الكسوف و الحيض.

و لكن الحقّ-وفاقا لبعض المعاصرين-كما هو صريح آخر العبارةالمتقدّمة: أنّ مراده الجهة الثانية. و كيف كان،فليست عبارته متن حديث حتّى‏يجب الاهتمام في فهم مراده منها.

التحقيق: جريان الاستصحاب في الحكم الوضعي من جميع الجهات‏
بل التحقيق: جريان الاستصحاب عند ثبوت حكم وضعيّ من‏الشارع من جميع الجهات الأربع المذكورة مع الأحكام الطلبيّة الابتدائيّةأيضا،كما ستعرف.
الجواب عمّا هو ظاهر مراد الفاضل من جريان الاستصحاب في نفس‏الأسباب و الشروط بأمور
و أمّا الجواب عمّا هو ظاهر مراد الفاضل من جريان الاستصحاب في‏
[1]في هامش النسخة ما يلي: و كأنّ منشأ استفادته لذلك هو تمثيل الفاضل بالماء المتغيّرالّذي زال تغيّره،و بالمتيمّم الّذي وجد الماء في أثناء الصلاة،فحسب أنّه يقول:

باستصحاب المسبّب،و هو النجاسة بعد زوال السبب،أعني: التغيّر. و باستصحاب‏الصحّة مع زوال الشرط،أعني: فقدان الماء.

لكن ليس هذا مراد الفاضل،بل مراده-كما يفهم من كلامه-هو أنّ النجاسة سبب‏لوجوب الاجتناب،و الطهارة التّرابيّة شرط لصحّة الصلاة،فإذا شكّ في بقاء هذاالسبب و هذا الشرط لأمر من الأمور يمكن أن نبقيهما بالاستصحاب،و إن كان لازم‏جواز استصحاب النجاسة و نفس السبب،جواز استصحاب المسبّب بعد زوال السبب‏أيضا،لأنّ نفس النجاسة مسبّبة عن التغيّر و إن كانت سببا لوجوب الاجتناب.

لكن مراد الفاضل: الملزوم لا اللازم.


42
نفس الأسباب و الشروط-على ما عرفت أنّه المراد لا غير-فأمور:

الأوّل: أنّ هذا ليس قولا بجريان الاستصحاب في الأحكام الوضعيّة،بل في موضوعاتها.

الثاني: أنّ الأخبار الّتي استدلّ بها للجريان في الموضوعات تدلّ على‏الجريان في الأحكام،لأنّ شمولها لها ليس بأدون من شمولها لها،حتّى قال‏بعض: إنّها لا تشمل الموضوعات،بل تختصّ بالاحكام،كما ستعرف(1) ،فتأمّل.

فالقول بأنّ الاستصحاب إنّما يجري في وجوب الاجتناب تبعا لجريانه‏في النجاسة،تحكّم بحت،لتساوي الأخبار من حيث الشمول بالنسبة إلى‏الكلّ.

الثالث: أنّ لازم القول بجريان الاستصحاب في نفس الأسباب‏و الشروط،و أنّ جريانه في الأحكام الطلبيّة من باب التبعيّة لها،هو لزوم‏الجريان في نفس المسبّب-أعني الجريان من الجهة الثالثة-و لزوم الجريان في‏نفس الحكم الوضعي-أعني نفس السببيّة و الشرطيّة-و هو الجريان من الجهةالأولى،فلا وجه لتخصيص الجريان بموضوعات الأحكام الوضعيّة،دون‏أنفسها و دون المسبّبات.

لازم القول بجريانه في الأسباب: جريانه في المسببات‏
بيان الملازمة: أنّه إذا جعل الشارع-مثلا-النجاسة سببا لوجوب‏الاجتناب،و شكّ في بقاء النجاسة-و لذا يستصحبها-فقد يكون الشكّ في‏البقاء من جهة الشكّ في أنّ التغيّر الّذي هو سبب لها هل هو من قبيل‏الإيجاب و القبول؟حتّى لا يزول المسبّب-أعني النجاسة-بزواله،أم من قبيل‏
(1)في الصفحة: 57.

43
الحيض و الجنابة،حتى تزول النجاسة بزواله؟فاستصحاب النجاسة استصحاب للمسبّب بعد زوال سببه،و إن كانت‏هي أيضا-باعتبار-سببا لوجوب الاجتناب،فرجع استصحاب السبب إلى‏استصحاب المسبّب.
الاستصحاب في السبب قد يرجع إلى استصحاب المسبب أو إلى السببية
فثبت بذلك: أنّ الاستصحاب في نفس السبب قد يرجع إلى‏استصحاب المسبّب،باعتبار كون السبب مسبّبا عن سبب،كما أنّ النجاسةسبب لوجوب الاجتناب و مسبّبة عن التغيّر.

و أمّا رجوع استصحاب نفس السبب إلى استصحاب نفس الحكم‏الوضعي-أعني السببيّة-فبأن نفرض كون الشكّ في بقاء النجاسة-التي‏تكون سببا لوجوب الاجتناب-ناشئا عن الشك في بقاء سببيّة التغيّر،بأن‏نقطع أنّ التغيّر في زمان كان سببا للتنجس دائرا معه وجودا و عدما،ثمّ‏باعتبار تبدّل بعض حالات الماء أو قيود سببيّة السبب،شككنا في بقاء سببيّةالتغيّر مع القطع ببقائه.

فالشكّ في بقاء النجاسة-أعني سبب وجوب الاجتناب-ناش عن‏الشكّ في بقاء سببيّة التغيّر،فنقول: الأصل بقاء السببيّة،فإذا ثبت بقاءالسببيّة ثبت النجاسة،فاستصحاب النجاسة راجع إلى استصحاب سببيّةالتغيّر.

ثمّ إنّ هذا المثال مثال فرضيّ،فلا يناقش فيه،بأنّه ليس في الفقه من‏هذا عين و لا أثر.

فان قلت: لا نسلّم أنّ استصحاب نفس السبب-أعني النجاسة-راجع‏إلى استصحاب سببيّة التغيّر،بل هنا شكّان: شكّ في بقاء النجاسة،و شكّ في‏بقاء سببيّة التغيّر،و إن كان الثاني منشأ للأوّل،لكنّ القائل يقول باستصحاب‏


44
النجاسة من حيث الشكّ في بقائها،لا باعتبار رجوعه إلى استصحاب‏السببيّة. و لا ضير في أن يكون في موضع شكّان،يكون أحدهما ناشئا عن‏الآخر،و مع ذلك يجري الاستصحاب في الناشئ لا المنشأ.

كما أنّ القائل بحجيّة الاستصحاب في الأحكام-دون الأمورالخارجيّة-إذا اتّفق له شكّ في بقاء الحكم،و نشأ شكّه من جهة الشكّ في بقاءأمر خارجيّ،يقول باستصحاب الحكم دون الأمر الخارجي.

قلت: فلم لا يقول الفاضل بمثل ذلك في استصحاب وجوب‏الاجتناب؟إذ كما أنّ الشكّ في بقاء وجوب الاجتناب عن الماء ناش عن‏الشكّ في بقاء نجاسة الماء-و لذا يقول: بأنّ استصحاب وجوب الاجتناب‏راجع في الحقيقة إلى استصحاب بقاء النجاسة،كما عرفت من كلامه-فكذلك‏الشكّ في بقاء النجاسة ناش عن الشكّ في بقاء سببيّة التغيّر،فلم‏لا يقول: إنّ استصحاب بقائه راجع في الحقيقة إلى استصحاب سببيّة التغيّر؟فظهر ممّا ذكرنا: أنّه لا فرق بين الجهات الأربع الّتي ذكرناها في‏ما إذا ثبت حكم وضعيّ من الشارع في شمول الأدلّة لها،و ليس بعضها لآخرو راجعا إليه،و إن كان شكّه ناشئا عن شكّه،فاضبط و اغتنم.


45
[تقسيمات الاستصحاب‏]
منشأ تكثّر الأقسام-غالبا-أمران‏
[قوله‏]قدّس سرّه: ثمّ إنّ الاستصحاب ينقسم إلى أقسام كثيرة: فتارة من‏جهة الحال السابق أنّه الوجود أو العدم،و أنّه ما ثبت من الشرع أو العقل‏أو الحسّ،و أنّ ما ثبت من الشرع وضعيّ أو غيره. (1)[أقول‏]: اعلم أنّ منشأ تكثّر أقسام الاستصحاب-غالبا-أمران:

الأوّل: اعتبار المستصحب،و الثاني: اعتبار منشأ الشكّ.

تقسيمات الاستصحاب باعتبار المستصحب‏
أمّا تقسيمه بالاعتبار الأوّل:

فنقول: إنّ المستصحب إمّا حكم شرعيّ أو من متعلّقاته،و الحكم‏الشرعي: إمّا تكليفيّ أو وضعيّ.

و المتعلّق: إمّا أن يكون في الموضوعات الاستنباطيّة-كالوضع و القرينةو النقل-،أو من غيرها-كالرطوبة و اليبوسة و نحوهما-.

و أمّا الطهارة و النجاسة: فإن لوحظا من حيث إنّهما وصفان فهما من‏المتعلّقات،و إن لوحظا من حيث حكم الشارع بثبوتهما لمحلّ فمن الأحكام.


46
و كذا نحو الحريّة و العبديّة و المالكيّة و الزوجيّة.

ثم إنّ جعل الموضوعات الشرعيّة-كالصلاة و الصوم و غيرهما-قسمامستقلاّ مقابلا للّغوي و الخارجيّ لا يوجب ثمرة،لأنّه إن لوحظ الاستصحاب‏فيها باعتبار تشخيص أوضاعها أو المرادات منها فيدخل في الموضوعات‏الاستنباطيّة،و إن كان باعتبار نفس معانيها فيدخل في الأمور الخارجيّة،كأن‏يشكّ في فعل الصلاة فيستصحب عدم فعلها.

و على التقادير الأربعة: إمّا أن يكون أمرا وجوديّا-كالوجوب‏و الصحّة و الوضع و الرطوبة-أو يكون أمرا عدميّا-كعدم هذه المذكورات-.

تقسيمات الاستصحاب باعتبار منشأ الشك‏
و أمّا تقسيمه بالاعتبار الثاني:

فنقول: إنّ الشكّ في بقاء الحالة السابقة،إمّا أن يكون من جهة الشكّ‏في مقتضيها-بحيث لا نعلم أنّ ثبوت الحكم في الزمان السابق كان على وجه‏له استعداد للبقاء في هذا الزمان-أو نقطع بذلك و نشك في البقاء من جهة.

منشأ الشك في المقتضي أمور
أمّا الشكّ الأوّل،فلا يخلو غالبا عن أن ينشأ عن أمور:

الأوّل: تبدّل الزمان،بأن يكون سبب الشكّ مجرّد ذلك.

الثاني: تبدّل وصف من أوصاف الموضوع غير مقطوعة المدخليّة في‏موضوعيّة الموضوع أو حال من أحوال الحكم.

الثالث: تردّد الموضوع بين أمرين،نقطع بعدم استعداده للبقاء إلى هذاالزمان على فرض كون الموضوع أحدهما،و باستعداده كذلك على فرض‏كون الموضوع أحدهما الآخر.

ثمّ إنّ الأوّل-أعني تبدّل الزمان-على قسمين،لأنّ مضيّ الزمان إمّاأن يوجب الشكّ في بقاء أصل الحكم و ارتفاعه كلّيّا و رأسا،و إمّا أن يوجب‏الشكّ في بقاء الحكم الخاصّ في الواقعة الخاصّة.


47
مثال الأوّل: الشكّ في نسخ الحكم الفلاني في الشريعة.

و مثال الثاني: بقاء خيار الغبن،أو بقاء الخيار المسبب عن العيوب‏الموجبة لفسخ النكاح في الزمن الثاني.

و الثاني-أعني تغيّر الوصف-أيضا على قسمين،لأنّ الشكّ إمّا أن‏يكون في أصل مدخليّة الحال أو الوصف و عدم مدخليّته رأسا،و إمّا أن نقطع‏بأصل المدخليّة،لكنّ الشأن في كيفيّة المدخليّة و أنّ المدخليّة في الحدوث فقط-بحيث يبقى الحكم و إن زال الوصف-،أو في الحدوث و البقاء كليهما-بحيث‏يزول الحكم بزواله-.

مثال الأوّل: ما إذا قطعنا في حال حياة مجتهد بصحّة تقليده،بل‏وجوبه،ثمّ مات فشككنا في بقاء الصحّة و الوجوب،من جهة أنّ حياةالمجتهد هل لها مدخليّة في الحكم المذكور،أو لا مدخليّة لها أصلا،بل يجوزتقليد الميّت و لو بدوا؟و مثال الثاني: هو هذا المثال،إلاّ أنّه نفرض أنّ للحياة مدخليّة في‏الحكم المذكور في الجملة و لا يصحّ تقليد الميّت بدوا،لكن شككنا في أنّ‏مدخليّتها في الحدوث فقط،فيجوز الاستمرار على تقليد المجتهد بعد موته،أو في الحدوث و البقاء،فيدور الحكم مدار الحياة حدوثا و ارتفاعا.

هذا خلاصة الكلام في أقسام الشكّ من جهة المقتضي،و هي خمسةحاصلة من ضمّ كلّ من قسمي كلّ من تبدّل الزمان و تبدّل الوصف،إلى‏القسم الثالث،أعني تردّد الموضوع.

أقسام الشك في المانع‏
و أمّا الشكّ من جهة المانع فهو أقسام-أيضا-:

لأنّه إمّا أن يكون الشكّ في وجود أمر معلوم المانعيّة-كالشكّ في‏حدوث البول بعد الطهارة-و إمّا أن يكون الشكّ في مانعيّة الأمر المعلوم‏


48
الوجود،و هذا على أقسام:

لأنّ الشكّ إمّا من جهة اشتباه الحكم الشرعيّ،كالشك في كون المذي‏مانعا.

و إمّا أن يكون من جهة الشكّ في المسألة اللّغويّة،مثل أنّا نعلم أنّ‏النوم ناقض للوضوء،لكن نشك في أنّ الخفقة و الخفقتين من أفراده،أو قطعنا فرضا بمانعيّة المذي لكن معناه مجمل.

و إمّا أن يكون الشكّ من جهة اشتباه الأمر الخارجي،كما إذا قطعنابحدوث ما يشكّ في كونه وذيا أو بولا،و كالرطوبة الواقعة على الثوب‏المشكوك كونه بولا أو ماء.

و إمّا من جهة الشكّ من جهة تردّد الحالة السابقة بين أمر يكون هذارافعا له،و أمر لا يكون هذا رافعا له،كما إذا تيقّنّا انتقال ملك عن واحدإلى آخر بعوض ثمّ فسخ أحدهما،فنشكّ في أنّ الفسخ رافع للمعاملة السابقةأو لا،للشكّ في كون العقد الواقع في السابق من العقود اللازمة أو من‏الجائزة. و كالشكّ في كون الصلاة بدون السورة رافعة للاشتغال السابق،من‏جهة الشكّ في أنّ الاشتغال كان بالصلاة معها أو لا؟فهذه-أيضا-خمسة أقسام،يحصل من ضمّها إلى الخمسة السابقة:

عشرة،لا أظنّ استصحابا يخلو منها.

تقسيم آخر بالنظر إلى مدرك ثبوت الحكم‏
و قد يقسّم الاستصحاب بالنظر إلى مدرك ثبوت الحكم السابق،إلى‏استصحاب حال العقل و الشرع،و يقسّم الثاني إلى استصحاب حال الإجماع‏و غيره.
إرجاع تعريف العضدي و غيره إلى تعريف المصنف‏
[قوله‏]قدّس سرّه: «قال العضدي: معنى استصحاب الحال: أنّ الحكم‏الفلاني قد كان و لم يظنّ عدمه،و كلّ ما كان كذلك فهو مظنون البقاء
49
و اختلف في صحّة الاستدلال به... إلخ(1) ». (1)[أقول‏]: قد وعدناك سابقا(2) أن نرجع حاصل كلام العضدي و غيره-ممّن يظهر منه تعريف الاستصحاب بالقاعدة-إلى تعريف المصنّف السابق،فنقول:

قد رأيت أنّ كلام العضدي قياس من الشكل الأوّل مشتمل على‏صغرى و كبرى،فلا يخلو: إمّا أن يكون العضدي جعل الاستصحاب عبارةعن نفس الصغرى،و أتى بالكبرى لبيان الحكم تطفّلا،دون الموضوع.

و إمّا أن يكون قد جعله عبارة عن مجموع القياس،كما هو الظاهر.

فعلى الأوّل: موافقته لتعريف المصنّف ظاهرة،لأنّه جعل الاستصحاب‏عبارة عن«كون الشي‏ء كائنا في الزمن الماضي غير مظنون العدم»و هذابعينه تعريف المصنّف(3) ،إلاّ أنّه رحمه اللّه قد أخذ«الشكّ»و العضدي أخذ«عدم‏الظنّ بالعدم».

و على الثاني،نقول: لا ريب أنّ مناط الاستدلال بالقياس ليس إلاّالأوسط،فإنّه هو الدليل و العلّة لحمل الأكبر على الأصغر،لما تقرّر من أنّ‏حقيقة البرهان وسط يستلزم مطلوبا.

فالاستصحاب-الّذي هو دليل لبقاء الحكم-إذا جعل عبارة عن‏القياس،فهو يرجع في الحقيقة إلى أنّه وسط القياس،لما عرفت أنّه الدليل‏حقيقة.

مثلا،إذا قلنا: إنّ الطهارة قد كانت و لم يظنّ عدمها،و كلّ ما كان‏

(1)شرح مختصر الأصول 2: 453.
(2)راجع الصفحة: 24.
(3)المتقدّمة في أول الكتاب.

50
كذلك فهو مظنون البقاء،و استنتجنا من هذا أنّ الطهارة باقية ظنّا،فالدليل‏حقيقة للبقاء،هو«كون الطهارة كائنة في السابق،غير مظنونة الارتفاع في‏اللاّحق»و لم يعرّف المصنّف رحمه اللّه الاستصحاب إلاّ بهذا،غير أنّه بدّل«غيرمظنون الارتفاع»بقوله: «مشكوك البقاء»،فهو رحمه اللّه قد عرّف الاستصحاب-الّذي هو من الأدلّة-بحاصل تعريف العضدي-الّذي هو الدليل في‏الحقيقة-.
إشكال السيد الصدر على تعريف الفاضل،و استجواده لتعريف العضدي‏
و كأنّ شارح الوافية-السيّد صدر الدين-فهم هذا من كلام العضدي،حيث قال-بعد تعريف صاحب الوافية للاستصحاب،بأنّه التمسك بثبوت‏ما ثبت في وقت على بقائه في غير ذلك الوقت(1) -: «لا يخفى أنّ هذا التعريف‏كأكثر التعاريف لا يخلو عن مسامحة،لأن الاستصحاب ليس نفس التمسّك،بل هو المتمسّك به»ثمّ نقل تعريف العضدي و استجوده(2) .

أقول: لا يخفى أنّ المتمسّك به-الّذي جعله السيّد معنى الاستصحاب-ليس إلاّ ثبوت ما ثبت في السابق،لأنّ صاحب الوافية،قال: «هو التمسّك‏بثبوت ما ثبت على بقائه»بأن يقال: إنّ الحكم الفلاني قد كان و لم يعلم‏عدمه،و كلّ ما كان فهو باق،فجعل المتمسّك عليه هو البقاء،و المتمسّك به‏هو ثبوته سابقا.

فاستجواده تعريف العضدي يدلّ على أنّه فهم منه ما ذكرنا من أنّه-أي العضدي-أراد أنّ الاستصحاب هو كون شي‏ء في السابق و عدم الظنّ‏بعدمه في اللاّحق،لأنّه المساوق للمتمسّك به الّذي هو ثبوت ما ثبت.

(1)الوافية: 200،مع اختلاف يسير.
(2)شرح الوافية(مخطوط): 122.

51
[الأقوال في الاستصحاب‏]
كلام التفتازاني فيما قاله الحنفيّة
[قوله‏]: «و أكثر الحنفيّة على بطلانه،فلا يثبت به حكم شرعيّ». (1)[أقول‏]: قال التفتازاني في شرح الشرح: «كأنّه يشير بذلك إلى أنّ‏خلاف الحنفيّة في إثبات الحكم الشرعي،دون النفي الأصلي،و هذاما يقولون: إنّه حجّة في الدّفع(1) لا في الإثبات،حتّى إنّ حياة المفقودبالاستصحاب يصلح حجّة لبقاء ملكه لا لإثبات الملك له في مال مورّثه»(2) ،انتهى.
توجيه المصنف لمقالة الحنفية
و وجّه المصنّف هذا القول منهم-في مبحث أصل البراءة-بأنّ أصالةعدم انتقال المال إلى المفقود ينافي ما يقتضيه استصحاب البقاء،فيحتاج في‏إثبات الانتقال إلى المفقود إلى دليل آخر.
(1)في المصدر: في الرفع.
(2)تعليقة شرح مختصر الأصول 2: 284.

52
الإيراد على هذا التوجيه بوجوه‏
أقول: هذا الوجه-لعدم صحّة التمسّك بالاستصحاب في إثبات الحكم‏الشرعي-إن كان مستفادا من كلمات الحنفيّة فلا كلام لنا معهم،و إن كان‏توجيها من المصنّف رحمه اللّه عنهم،فهو منه رحمه اللّه غير وجيه.

أمّا أوّلا: فلعدم جريان أصالة عدم الانتقال إلى المفقود في المقام‏حتّى ينافي مقتضى استصحاب البقاء،لأنّ انتقال المال بعد موت المورّث‏إلى شخص-و لو كان هو الإمام-مقطوع،لعدم كون الملك،بلا مالك،و إنّماالشكّ في المنتقل إليه هل هو هذا المفقود أو غيره؟فكلّما تقول: الأصل عدم‏انتقال المال إلى المفقود،فنقول: الأصل عدم انتقاله إلى غيره،فيبقى‏استصحاب بقاء المفقود-المقتضي لانتقال المال إليه-سليما عن المعارض.

و أمّا ثانيا: فلأنّا لو سلّمنا عدم معارض لأصالة عدم انتقال المال إلى‏المفقود،فنقول: إنّ هذا الأصل لا يقوى على معارضة استصحاب البقاء،نظرا إلى أنّ استصحاب البقاء استصحاب في الموضوع،و ذلك استصحاب في‏الحكم،و الأوّل مقدّم على الثاني;نظرا إلى أنّ الشكّ في الثاني مسبّب و ناش‏عن الشكّ في الأوّل،و أنّ ثبوت الأوّل مستلزم لخلاف الثاني،إذ بعد ثبوت‏حياة المفقود بالاستصحاب،فيستلزم(1) ذلك ثبوت الانتقال.

بل نقل الإجماع على تقديم الاستصحاب في الموضوع عليه في الحكم.

و الظاهر أنّ الوجه في الإجماع ما ذكرنا،و حاصله: أنّ استصحاب الموضوع‏مزيل بالنسبة إلى استصحاب الحكم.

بل يمكن أن يقال: إنّ استصحاب الحكم غير جار هنا،نظرا إلى أنّ‏الشكّ في الانتقال-ظاهرا و واقعا-لا يوجد في زمان،لما عرفت في تعريف‏

(1)كذا في النسخة.

53
الاستصحاب من أنّ المعتبر فيه: هو عدم دليل يزيل الشكّ واقعاأو ظاهرا.

بل يمكن أن يقال: إنّ الجاري هنا هو استصحاب الانتقال،لا عدم‏الانتقال،نظرا إلى أنّا كنّا قاطعين-قبل الشكّ في حياة المفقود-بأنّه إذامات قريبه المورث،فماله ينتقل إلى المفقود،و ليس لعدم الانتقال بالفعل وجه‏إلاّ عدم موت المورّث،فإذا شكّ في حياة المفقود و مات المورّث،فمقتضى‏القضيّة التعليقيّة المذكورة-أعني تعليق الانتقال علي موت المورّث-ليس‏إلاّ هو تنجّز الانتقال،نظرا إلى وجود المعلّق عليه،فاضبط هذا و اغتنم.

و سيجي‏ء زيادة توضيح لذلك في باب تعارض الاستصحابين إن شاءاللّه تعالى.

و أمّا ثالثا: فلأنّا لو سلّمنا تعارض استصحاب عدم الانتقال مع‏استصحاب البقاء-المقتضي للانتقال-و تساقطهما،فنقول: إنّ عدم العمل‏بدليل لمكان التعارض الموجب للتساقط،ليس قولا بعدم حجيّة ذلك الدليل‏و بطلانه،فإنّ الحجيّة بالشّأن لا يستلزم الحجيّة بالفعل،و معنى البطلان هو نفي‏الأولى لا الثانية.

و بالجملة: معنى أنّه لا يثبت به حكم شرعيّ: أنّه ليس من شأنه‏ذلك،لا أنّه لا يثبت لمكان المعارضة. [قوله‏]قدّس سرّه: «بل يمكن إدراج استصحاب بقاء غير الحكم الشرعي-كالرطوبة و اليبوسة-أيضا فيه،لأنّ استصحاب البقاء لا يتمّ إلاّ باعتباراستصحاب عدم المزيل،فتأمّل».

بيان وجه التأمّل بأمور
(1)[أقول‏]: كأنّ وجه التأمّل أمور:

الأوّل: أنّه قد يمكن استصحاب بقاء المذكورات مع عدم إمكان‏


54
استصحاب عدم المزيل،كما إذا وجد أمر و شككنا في كونه مزيلا لليبوسةالسابقة-نظرا إلى الشكّ في أنّه ثلج أو حجر-،و من المعلوم عدم جريان‏الاستصحاب في نفس المزيل،لأنّ الشكّ في مانعيّة الموجود،لا في وجودالمانع،فيختص استصحاب بقاء اليبوسة بالجريان.

الثاني: أنّه لو سلّمنا عدم افتراق بين الاستصحابين و عدم انفكاك‏الأوّل عن الثاني،لكن من المعلوم أنّهما أمران مستقلاّن لا يتوقّف أحدهماعلى الآخر،فإنّ استلزام الشي‏ء للشي‏ء لا يوجب توقّفه عليه.

الثالث: لو سلّمنا التوقّف،لكنّه لا يلزم من توقّف الاستصحاب‏الوجوديّ على العدميّ دخوله فيه،بحيث يندرج تحت مفهومه و يفهم من‏لفظه.

هذا كلّه لو أراد العقد السلبيّ من الحصر في قوله: «لا يتمّ إلاّ بكذا»بأن جعل وجه اندراج الاستصحاب الوجوديّ تحت النفي الأصلي-الّذي‏وقع في كلام العضدي-هو عدم إمكانه بدونه و توقّفه عليه،كما هو الظاهرمن العبارة.

و إن أراد العقد الإيجابي من الحصر،بأن جعل وجه اندراج‏الاستصحاب الوجوديّ تحت النفي الأصليّ،كون العدميّ مستلزما للوجوديّ،فيكون القائل باعتبار الاستصحاب في النفي الأصليّ-أعني عدم المزيل-يلزمه القول بالاستصحاب الوجوديّ-أعني الرطوبة-فمن هنا يندرج‏استصحاب بقاء مثل الرطوبة و اليبوسة تحت النفي الأصليّ في كلام العضدي‏و الحاجبي،ففيه:

أوّلا: إنّ إبقاء الرطوبة السابقة من جهة استصحاب عدم المزيل‏ليس استصحابا لها،فإنّ الاستصحاب ليس مطلق إبقاء الشي‏ء في زمان‏


55
الشكّ،بل هو إبقاؤه فيه من جهة نفس الشكّ فيه،لا من جهة إبقاءما يوجب بقاؤه لبقائه،فيمكن أن يقول أحد باستصحاب عدم المزيل،و لا يقول باستصحاب الرطوبة و إن استلزم الاستصحاب الأوّل بقاءها.

و من هنا ترى بعضهم يقولون باستصحاب الأمور الخارجيّة،و لا يقولون باستصحاب نفس الحكم،و إن كان لازم استصحاب الأمرالخارجي-إذا كان من متعلّقات الحكم-بقاء نفس الحكم إذا كان الشكّ فيه‏من جهة الشكّ في بقاء الأمر الخارجي،لكن قد عرفت أنّ مطلق بقاء الشي‏ءفي زمان الشك ليس استصحابا.

و ثانيا: أنّه لو تمّ هذا فغاية ما يثبت هو أنّه يلزم القائل بحجيّةالاستصحاب في النفي الأصلي القول بحجيّته في الوجوديّ في ما إذا كان‏الاستصحاب العدمي جاريا،كما إذا شكّ في وجود المانع. و أمّا في ما لم يكن‏جاريا-كما إذا شكّ في مانعيّة الموجود-فلا يلزمه القول بها،فافهم و اغتنم.

في أن نقل المصنف لكلام الخوانساري استدراك لما استفاده من كلام العضدي‏
[قوله‏]قدّس سرّه: «و لكنّ المحقّق الخوانساري في شرح الدروس(1) في‏مبحث الاستنجاء بالأحجار قال: ... إلخ». (1)[أقول‏]: هذا استدراك ممّا استفاده رحمه اللّه من ظاهر كلام العضدي-بعدتعميم النفي الأصلي في كلامه لجميع الاستصحابات العدميّة-من أنّ كلّ من‏قال بالاستصحاب لم يفرّق بين النفي الأصلي-يعني العدمي بجميع أقسامه‏الشامل للبراءة الأصليّة و نفي الأمور الخارجيّة-و بين الحكم الشرعي.

وجه الاستدراك: أنّ الظاهر من كلام العضدي عدم المفصّل في‏الاستصحاب من جهة المستصحب،و ظاهر كلام المحقّق وجود المفصّل بين‏

(1)مشارق الشموس: 76.

56
الشرعيّات و غيرها.
توجيه كلام الخوانساري بما لا ينافي كلام العضدي‏
أقول: يمكن أن يكون المقسم في كلام المحقّق الخوانساري،هوالاستصحاب الوجوديّ،حيث قال: إنّه ينقسم باعتبار الحكم المأخوذ فيه إلى‏شرعيّ و غيره.

و حينئذ فوجود القائل بعدم اعتبار الاستصحاب في الأمور الخارجيّة-يعني الوجوديّة منها-لا ينافي ما مرّ من عبارة العضدي: من نفي الفرق عندالقائل بالاستصحاب بين النفي الأصلي و الحكم الشرعي،إذ لم يكن بين في‏كلامه ما يدلّ على التعميم،بحيث يشمل الأمور الخارجيّة الوجوديّة.

و أمّا إدراجها تحت النفي الأصلي الأعمّ من الحكم و غيره-بناء على أنّ‏استصحابها لا يتمّ إلاّ باعتبار استصحاب عدم المزيل-فقد عرفت أنّه‏لا وجه له. مع أنّ المصنّف رحمه اللّه-أيضا-أمر بالتأمّل(1) .

توجيه ما نقله الخوانساري‏
[قوله‏]قدّس سرّه: «و هو يستلزم كون مثل أصالة عدم النقل و أصالة بقاءالمعنى اللغوي أيضا خلافيّا». (1)[أقول‏]: يمكن أن يقال: إنّ نقل المحقّق المذكور للخلاف في المسألة إنّماهو بعد إخراج الأصول المتّفق عليها،مثل أصالة عدم النقل،و أصالة عدم‏القرينة،و أصالة بقاء المفقود و نحوها،فلا يلزم من وجود القائل بعدم حجيّةالاستصحاب في غير الشرعيّات،وجود القائل بالعدم في الأصول المذكورةمن جهة أنّها من غير الشرعيّات،لخروجها عن محلّ النزاع أوّلا.

على أنّه يمكن أن يقال: إنّ كلام المحقّق في نقل الأقوال في‏الاستصحاب من باب التعبّد،كما هو المعروف بين متأخّري المتأخّرين،

(1)تقدّم في الصفحة: 53.

57
فتأمّل.

و يدلّك على هذا: استدلال هذا المحقّق-في أثناء كلامه على عدم‏حجّية الاستصحاب في الأمور الخارجيّة من قبل القائل به-بمنع شمول‏الأخبار لها،لبعد بيان ذلك عن منصب الشارع(1) .

فحينئذ لا ضير في أن يقال: بعدم حجيّة الاستصحاب في هذه الأصول‏المتّفق عليها من باب التعبّد. بل مال إليه بعض مشايخنا(2) ،بل لا يبعدالميل إليه.

هذا على أنك قد عرفت إمكان أن يكون المقسم في كلام المحقّق،الاستصحاب الوجوديّ،فلا يلزم أيضا ما ذكر المصنّف.

لكن يشكل ذلك في أصالة بقاء المعنى اللغوي. اللّهم إلاّ أن يقال: بأنّ‏اعتبارها لرجوعها إلى أصالة عدم النقل المتّفق عليها.

نقل المصنف استدلال الخوانساري لمذهبه‏
[قوله‏]قدّس سرّه: «و استدلّ عليه(3) : أوّلا بأنّه لو كان أمر أو نهي بفعل‏إلى غاية مثلا،فعند الشكّ لو لم يمتثل التكليف المذكور لم يحصل الظنّ‏بالامتثال،و ما لم يحصل الظنّ لم يحصل الامتثال».
يستفاد من عبارة المحقق الخوانساري أمور
(1)[أقول‏]: يستفاد من عبارة هذا المحقّق أمور:

الأوّل: أنّ في صورة عدم الظنّ و العلم بالامتثال لا يحصل الامتثال في‏الواقع،و إن فرضنا وجود الغاية واقعا في زمان شكّه،و أنّه أتى بما أمره به‏المولى إلى الغاية الواقعيّة،و هو التحقيق،نظرا إلى‏[أنّ‏]الامتثال ليس عبارةعن مجرّد إتيان ما أمر به المولى،حتى يدور مدار الإتيان الواقعي،بل هو

(1)حكاه شارح الوافية عن حاشية شرح الدروس،انظر شرح الوافية: 120.
(2)لعلّ المراد به السيّد المجاهد قدّس سرّه انظر مفاتيح الأصول: 657.
(3)المستدل هو المحقّق الخوانساري قدّس سرّه في مشارق الشموس: 76.

58
إتيان المأمور به،لأنّه المأمور به،و هذا فرع العلم أو الظنّ المعتبر بأنّ ما أتى به‏هو المأمور به،و لا تكفي الموافقة الاتّفاقيّة في صدق الإطاعة عرفا.

و من هنا اتّفقوا على أنّ الاشتغال اليقينيّ يقتضي البراءة اليقينيّة،لا مجرّد حصول المأمور به في الخارج و لو مع جهل المأمور بكونه المأمور به‏أو بعضه،أو غيره.

الثاني: يستفاد من إطلاق الظنّ في كلامه حكمه بكفاية الظنّ بالامتثال‏المسبّب عن الظنّ بوجود الغاية،و به صرّح في شرح الدروس-على‏ما حكي-حيث نقل عنه ما حاصله: أنّه إذا ورد دليل على ثبوت حكم‏إلى غاية معيّنة،فلا بدّ من الحكم ببقائه إلى أن يحصل العلم أو الظنّ بوجودالغاية(1) انتهى.

أقول: هذا الظنّ إن استفيد من دليل معتبر من الشارع فلا كلام،و إلاّفهو مبنيّ على حجيّة مطلق الظنّ في الموضوعات الخارجيّة للأحكام‏الشرعيّة،و هو محلّ تشاجر بين العلماء.

و الظاهر عدم اعتباره،سيّما في المقام،في مقابل هذه القاعدة-يعني‏قاعدة الاشتغال و استصحابه-كما سيجي‏ء اللّهم إلاّ مع عدم التمكّن من العلم.

و للكلام مقام آخر.

الثالث: انّ صريح دليل المحقّق هذا و دليله الثاني هو أنّ مراده إجراءالاستصحاب في نفس الحكم الشرعي،لا في الأمر الخارجي-أعني عدم‏وجود المزيل-ثمّ إبقاء الحكم الشرعي لأجله،كما احتمله بعض المعاصرين(2)

(1)مشارق الشموس: 77.
(2)الظاهر انه الفاضل النراقي في المناهج: 134.

59
في كلامه بعد ما اختار هو هذا المذهب-يعني إبقاء الحكم في أمثال المقام من‏جهة استصحاب عدم الغاية،لا من جهة استصحاب نفسه-و سنشير إليه مع‏جوابه إن شاء اللّه تعالى.
الدليل الثاني للخوانساري‏
[قوله‏]قدّس سرّه: «و ثانيا بما ورد في الروايات من: أنّ اليقين لا ينقض‏إلاّ باليقين».
الفرق بين هذا الدليل و الدليل السابق‏
(1)[أقول‏]: الفرق بين هذا الدليل و سابقه: أنّ مرجع ذلك الدليل إلى‏قاعدة الاشتغال،أعني ما اشتهر بينهم،و ادّعى هذا المحقّق عليه الإجماع:

من أنّ الشغل اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة.

و مرجع هذا الدليل إلى استصحاب الاشتغال،و لكلّ منهما مفهوم مباين‏لمفهوم الآخر.

نعم،الغالب عدم انفكاك الثاني عن الأوّل. و قد يتعارضان،كما إذاتردّد الأمر بين كون واجب مضيّقا أو موسّعا،فإنّ مقتضى قاعدة الاشتغال:

الأوّل،و مقتضى استصحابه: الثاني،فتأمّل.

نقل تعليل الخوانساري في ذيل تلك العبارة
[قوله‏]قدّس سرّه: «و حينئذ فلا ظهور في عدم نقض الحكم و ثبوت‏استمراره». (2)[أقول‏]: قال بعد ذلك معلّلا له-على ما حكي-ما هذا لفظه:

«إذ الدليل الأوّل ليس بجار فيه،لعدم ثبوت حكم العقل في مثل هذه‏الصورة،خصوصا مع ورود بعض الروايات الدالّة على عدم المؤاخذةبما لا يعلم.

صريح عبارة الخوانساري: حصر الاستصحاب في الصورتين‏
و الدليل الثاني الحقّ أنّه لا يخلو من إجمال. و غاية ما يسلّم منه إفادةالحكم في الصورتين اللّتين ذكرناهما،و إن كان فيه أيضا بعض المناقشات،
60
لكنّه لا يخلو من تأييد الدليل الأوّل،فتأمّل»(1) ،انتهى.
اعتباره في صورة ثالثة
و اعلم: أنّ صريح عبارته المذكورة في هذا المقام و إن كان حصرالاستصحاب في صورتي الشكّ في وجود المانع و الشكّ في صدق المانع المعلوم‏المانعيّة. إلاّ أنّه يظهر ممّا حكي عنه-في حاشية شرح الدروس-عند شرح‏قول الشهيد نوّر اللّه مضجعه: «و يحرم استعمال الماء النجس و المشتبه»اعتبارالاستصحاب في صورة ثالثة،و عبارته-على ما حكيت-هي هذه:

«و توضيحه: انّ الاستصحاب لا دليل على حجيّته عقلا. و ما تمسّكوابه ضعيف،و غاية ما يتمسّك فيها ما ورد في بعض الروايات الصحيحة: «أنّ‏اليقين لا ينقض بالشكّ أبدا،و أنّه ينقضه بيقين آخر مثله»[1].

و على تقدير تسليم صحّة الاحتجاج بالخبر في مثل هذا الحكم و عدم‏منعها-بناء على أنّ الحكم الظاهر أنّه من الأصول،و يشكل التمسّك بالخبرالواحد في الأصول،إن سلّم جواز التمسّك به في الفروع-نقول:

الظاهر أوّلا: أنّه لا يظهر شموله للأمور الخارجيّة،مثل رطوبة الثوب‏و نحوها;إذ يبعد أن يكون مرادهم بيان الحكم في مثل هذه الأمور الّتي‏ليست حكما شرعيّا،و إن كان يمكن أن تصير منشأ لحكم شرعي‏بالعرض،و مع عدم الظهور فلا يمكن الاحتجاج به فيها،و هذا ما يقال: إنّ‏الاستصحاب في الأمور الخارجيّة لا عبرة به.

ثمّ،بعد تخصيصه بالأحكام الشرعيّة،الأمر على وجهين:

[1]الوسائل 1: 175،الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء،ذيل الحديث الأوّل،بلفظ:

«و لا تنقض اليقين أبدا بالشكّ،و إنّما تنقضه بيقين آخر». و في التهذيب 1: 8،الحديث‏11: «و لا ينقض... إلخ».

(1)مشارق الشموس: 76.

61
أحدهما: أن يثبت حكم شرعيّ في مورد خاصّ باعتبار حال نعلم من‏الخارج أنّ زوال تلك الحال لا يستلزم زوال الحكم.

و الآخر: أن يثبت باعتبار حال لا يعلم فيه ذلك.

مثال الأوّل: إذا ثبت نجاسة ثوب خاصّ باعتبار ملاقاته للبول-بأن‏يستدلّ عليها بأنّ هذا الثوب شي‏ء لاقاه البول،و كلّ ما لاقاه البول نجس-و الحكم الشرعي النجاسة،و ثبوته باعتبار حال هو ملاقاة البول. و قد علم‏من الخارج-لضرورة أو إجماع أو غير ذلك-بأنّه لا يزول النجاسة بزوال‏الملاقاة فقط.

و مثال الثاني: ما نحن بصدده،فإنّه ثبت وجوب الاجتناب عن الإناءالمخصوص-باعتبار أنّه شي‏ء يعلم وقوع النجاسة فيه بعينه،و كلّ شي‏ءكذلك يجب الاجتناب عنه-و لم يعلم بدليل من الخارج أنّ زوال هذا الوصف‏الّذي يحصل باعتبار زوال المعلوميّة(1) بعينه لا دخل له في زوال الحكم.

و على هذا نقول: شمول الخبر للقسم الأوّل ظاهر،يمكن التمسك‏بالاستصحاب فيه،و أمّا القسم الثاني فلا،فالتمسك فيه مشكل.

فإن قلت: بعد ما علم في القسم الأوّل انّ الحكم لا يزول بزوال‏الوصف،فأيّ حاجة إلى التمسّك بالاستصحاب؟و أيّ فائدة في ما ورد في‏الأخبار من: «أنّ اليقين لا ينقض إلاّ بيقين مثله»؟قلت: القسم الأوّل على وجهين:

أحدهما: أن يثبت أنّ الحكم-مثل النجاسة-حاصل بعد الملاقاةما لم يرد عليها الماء على الوجه المعتبر في الشرع،و فائدته-حينئذ-أنّ عند

(1)كذا في النسخة.

62
حصول الشكّ بورود الماء لا يحكم بزوال النجاسة.

و الآخر: أن يعلم ثبوت الحكم في الجملة بعد زوال الوصف،لكن لم يعلم‏أنّه ثابت دائما،أو في بعض الأوقات إلى غاية معيّنة محدودة،و فائدته: أنّه‏يثبت الحكم في الجملة،فيستصحب إلى أن يعلم المزيل»(1) انتهى.

الصور التي أجرى الخوانساري فيها الاستصحاب خمس‏
ثمّ اعلم أنّ جملة الصور الّتي يجري هذا المحقق الاستصحاب فيها-على ما هو ظاهر كلام المحكيّ-خمس:

الأولى: إذا شكّ في وجود المانع.

الثانية: إذا شكّ في فرديّة شي‏ء للمانع المعلوم المانعيّة.

الثالثة: إذا تردّد المانع المعلوم المانعيّة بين شيئين،بأن يكون من قبيل‏المشترك اللفظي و نحوه من المجملات اللفظيّة أو اللبيّة،كما إذا وقع الإجماع‏على كون الشي‏ء غاية،و تردّد أمره بين شيئين.

الرابعة: ما إذا شكّ في رافعيّة شي‏ء للاشتغال،من جهة الشكّ في‏التكليف،لتردّده بين أمرين-و هو القسم الخامس من أقسام الشكّ في المانع‏الّذي ذكرناه سابقا(2) عند تقسيم الاستصحاب باعتبار سبب الشكّ-.

الخامسة: ما إذا ثبت حكم باعتبار حال يعلم أنّه لا يزول بزوال‏الحال،لكن لا يعلم أنّه يبقى بعده مستمرّا في جميع الأوقات،أو في بعضهاإلى غاية معيّنة.

بيان الفرق بين الشك في صدق المزيل و الشك في كون الشي‏ء مزيلا
بقي شي‏ء،و هو أنّ الفرق بين الشكّ في صدق المزيل-الّذي أجرى هذاالمحقّق الاستصحاب فيه-و بين الشكّ في كون الشي‏ء مزيلا-الّذي لم يجره‏
(1)حكاه في شرح الوافية: 120،عن حاشية شرح الدروس للمحقّق الخوانساري‏قدّس سرّه.
(2)تقدّم في الصفحة: 48.

63
فيه-مع رجوع كلّ منهما إلى الشكّ في ثبوت وصف الإزالة له و الشكّ في‏دخوله تحت مفهوم المزيل،هو: أنّ الشكّ في الأوّل متعلّق أوّلا و بالذات‏بدخول الشي‏ء تحت العنوان الّذي حكم الشارع عليه بالمزيليّة،و هذا الشكّ‏مع قطع النّظر عن اتّصاف ذلك العنوان بالمزيليّة،ثمّ يعرض الشكّ في مزيليّةهذا المشكوك،بعد جعل ذلك العنوان-الّذي شكّ في دخول هذا الشي‏ء تحته-متّصفا بالمزيليّة.

مثلا: الشكّ في كون الخفقة و الخفقتين من أفراد النوم ثابت مع قطع‏النّظر عن كون النوم مزيلا أم لا. نعم،بعد ما جعل مزيلا فيقع الشك في كون‏الخفقة مزيلا-يعني من أفراد هذا المزيل-.

و الحاصل: أنّ الشكّ في هذا القسم متعلّق-أوّلا و بالذات-بمعنى هذاالعنوان،و يرجع بالأخرة إلى الشكّ في ثبوت وصف الإزالة له شرعا.

و أمّا الشكّ في الثاني: فهو متعلّق أوّلا و بالذات بنفس الحكم الشرعي-يعني ثبوت الإزالة لهذا الشي‏ء-و ليس شكّا في صدق المزيل عليه،بمعنى أن‏يشكّ أنّ العنوان الّذي جعل مزيلا هل يصدق عليه؟نعم،بمعنى أنّ مفهوم‏المزيل-يعني المزيليّة-يوجد فيه أم لا؟مثال ذلك: المذي،فإنّ الشكّ في ثبوت المزيليّة له،لا في صدق العنوان-الّذي جعل مزيلا-عليه.

نظير الأوّل: ما إذا حرّم الشارع الغناء،و شكّ في صدقه على الصوت‏المرجّع فيه الخالي عن الطرب،من جهة الإجمال في معنى الغناء.

و نظير الثاني: ما إذا شكّ في تحريم صوت بالخصوص من الشارع.

و هذا الفرق بين الشكّين و إن كان في غاية الظهور،إلاّ أنّ الغرض من‏ذكره التنبيه على أنّ ما ذكره المصنّف فيما سيجي‏ء-عند ذكر أمثلة أقسام‏


64
الشكّ في المانع الّتي ذكرها المحقّق السبزواري(1) من التمثيل للشكّ في صدق‏المانع بالشكّ في كون المذي حدثا،و تبعه عليه بعض المعاصرين(2) -ليس على‏ما ينبغي.

بيان ذلك: أنّ الشارع لم يحكم في مقام بيان روافع الطهارة بأنّ الحدث‏رافع،حتّى يقع الشكّ في صدق الحدث على المذي،فإنّ المراد بالحدث في‏أحد استعماليه هو أحد الأمور الرافعة للطهارة،فمهما ثبت من الشارع أنّ‏الشي‏ء الفلاني رافع للطهارة،فإذن يدخل في الحدث.

فالحدث في كلام الشارع ليس موضوعا لحكمه عليه بالرافعيّة،لأنّ هذاالحكم مأخوذ في مفهوم هذا الموضوع،فالرافعيّة في كلام الشارع إنّما حكم بهاعلى خصوص النوم و البول و الغائط و غيرها،لا على الحدث.

احتمال كون منشأ تمثيل المصنف و من تبعه بالرافع،هو بعض الأخبار
و لعلّ منشأ ما صدر من المصنّف و من تبعه من هذا التمثيل،هو ورودبعض الأخبار،مثل قوله عليه السّلام: «إيّاك أن تحدث وضوء حتّى تستيقن أنّك‏قد أحدثت»[1]،و أنّ الإجماع وقع على ثبوت الطهارة إلى زمان الحدث.

و أنت خبير بأنّ ذلك كلّه ليس في مقام بيان الروافع،بل مرتبة مثل‏هذا الخبر و هذا الإجماع متأخّرة طبعا عن الأدلّة الواردة في مقام بيان‏الروافع،بمعنى أنّ بعد ما ثبت من تلك الأدلّة أنّ البول مثلا ناقض،فسمّي‏باسم الحدث،و أنّ النوم مثلا ناقض،فصار حدثا،و هكذا،ثمّ قال المعصوم-بعد معرفة الأحداث-: «لا تحدث وضوء حتّى تستيقن أنّك قد أحدثت»

[1]الوسائل 1: 176،الباب الأوّل من أبواب نواقض الوضوء،الحديث 7،و فيه: و إيّاك‏أن تحدث وضوء أبدا... إلخ.
(1)ذخيرة المعاد: 115.
(2)انظر الفصول الغرويّة: 371.

65
-أي صدر منك بعض الأمور الّتي تعلم أنّها في الشريعة ناقضة-.

و كذلك ما ورد في الأخبار من أنّه«لا ينقض الوضوء إلاّ حدث،و النوم حدث»(1) ،فإنّه أيضا في مقام الردّ على العامّة القائلين بأنّ النوم ليس‏بنفسه من الأحداث،فتأمّل.

نعم،لو فرض أنّ الحدث لم يؤخذ في مفهومه رافعيّة الطهارة-كما يدلّ عليه قوله عليه السلام: «لا ينقض الوضوء إلاّ حدث»(2) إذ لا معنى‏للحكم بناقضيّة الرافع،فيجعل تعريف الفقهاء للحدث بالرافع تعريفا له‏بلازمه-أمكن أن يكون موضوعا للحكم بالرافعيّة. و مع ذلك أيضا لا يثبت‏المطلوب;نظرا إلى أنّ الأدلّة وردت في بيان رافعيّة خصوصيّات هذاالمفهوم،فكلّ فرد من أفراده حكم عليه بخصوصه أنّه رافع.

المدار في الشك في رافعيّة المذي‏
فالشكّ في رافعيّة المذي شكّ في الحكم الشرعي بالخصوص له،لا شكّ في دخوله تحت العنوان الّذي حكم عليه الشارع بالرافعيّة،فالشكّ في‏رافعيّة المذي نظير الشكّ في مطهّرية الغسل بماء السيل،للشكّ في أنّه ماء أم لا؟فثبت من جميع ذلك: أنّ المحقق الخوانساري لا يجري الاستصحاب في‏مثل الشكّ في رافعيّة المذي،لأنّه شكّ في كون المذي أيضا كالبول مزيلا،لا في صدق المزيل عليه،فتأمّل.
موارد جريان الاستصحاب في الشك في الرافع عند السبزواري و الخوانساري‏
[قوله‏]قدّس سرّه: «و على الأوّل،فالشكّ في رفعه أقسام»(3) .
(1)الوسائل 1: 180،الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء،الحديث 4.
(2)المصدر السابق.
(3)هذه العبارة للمحقّق السبزواري قدّس سرّه في ذخيرة المعاد: 115،نقلها صاحب‏القوانين.

66
(1)[أقول‏]: هذه الأقسام الأربعة لا يجري الاستصحاب عند المحقّق‏السبزواري،إلاّ في الأوّل منها(1) . و أمّا عند المحقّق الخوانساري(2) ،فيجري في‏الأوّل و الثاني منها،و يجري عنده أيضا في قسم خامس من أقسام الشكّ في‏المانعية،و هو ما إذا كان المانع متردّدا بحسب المفهوم بين أمور،فيستصحب‏الحكم عنده إلى القطع بوجود المانع النّفس الأمري.

و هذا في الحقيقة داخل في القسم الثاني من الأربعة،لأنّ إجمال‏معنى المانع قد يكون بحيث يتردّد بين أمرين فصاعدا-كالمشترك اللفظي-و قد يكون معيّنا في الجملة و شكّ في فرديّة بعض الأمور له و صدقه عليه.

إلاّ أنّ المحقق السبزواري خصّه بالثاني-كما حكاه في المتن-فارجع.

ما يظهر من السبزواري من نفي حجية الاستصحاب في الأمور الخارجية
[قوله‏]قدّس سرّه: «و يظهر منه في غير هذه المواضع نفي حجيّةالاستصحاب في الأمور الخارجيّة».
تأمّل المحقق الخوانساري فيها أيضا
(2)[أقول‏]: قد عرفت من عبارة المحقّق الخوانساري أنّ له أيضا تأمّلافي حجيّة الاستصحاب فيها.
ما قاله الوحيد البهبهاني في المقام‏
ثمّ: إنّ المحقّق الوحيد البهبهاني بعد ما قسّم الاستصحاب إلى قسمين:

الأوّل: استصحاب متعلّق الحكم الشرعي-كالرطوبة و اليبوسة و عدم النقل،و غير ذلك-و الثاني: استصحاب نفس الحكم الشرعي،و جعله على ضربين:

الأوّل: أن يثبت به حكم شرعي لموضوع معلوم،كما إذا شكّ في‏ناقضيّة المذي.

الثاني: عكس الأوّل،أعني أن يثبت حكم شرعي لموضوع معلوم،

(1)راجع ذخيرة المعاد: 116.
(2)راجع مشارق الشموس: 76.

67
لكن لا ندري هل تحقّق الموضوع أم لا؟مثلا: نعلم بأنّ البول ناقض،لكن‏نشكّ في تحقّقه،
ما قاله الأخباريون‏
قال: «و الأخباريّون أيضا صرّحوا بحجيّة استصحاب‏موضوع الحكم الشرعي-على ما ذكره الشيخ الحرّ(1) -فهم يقولون بحجيّةالقسم الأوّل و الضرب الثاني. و الفاضل صاحب الذخيرة صرّح بحجيّةالضرب الثاني(2) ،و لعلّه موافق للأخباريين»(3) انتهى كلامه رفع مقامه. و الظاهر من هذه العبارة: أنّ المحقّق السبزواري إنّما يقول‏بالاستصحاب في الضرب الثاني،لأنّه يرجع إلى الاستصحاب في الأمورالخارجيّة-أعني عدم تحقّق المانع-.

كما أنّ الأخباريّين لمّا قالوا بحجيّة الاستصحاب في الموضوع لزمهم‏القول بحجيّته في الضرب الثاني،و إلاّ فالشيخ الحرّ لم يحك عنهم إلاّ حجيّته في‏الموضوع الشرعي،و هذا بظاهره ينافي ما استظهره المصنّف هنا من المحقّق.

و سيأتي ما يوضح لك مذهب الأخباريّين و مراد العلماء من الأحكام‏الشرعيّة،و الأمور الخارجيّة،فانتظر. [قوله‏]قدّس سرّه: «فحاصل الأقوال يرجع إلى ثمانية». (1)[أقول‏]: هذا الحاصل محصود من الاختلافات الّتي ذكرها من العلماءالأعلام في هذا المقام.

القول الأوّل،و القائلون به‏
و القول الأوّل: محكيّ عن أكثر المحقّقين،كالمفيد(4) و المحقّق في‏
(1)الفصول المهمّة في أصول الأئمّة: 250،الباب 45.
(2)ذخيرة المعاد: 116.
(3)الرسالة الاستصحابيّة(مخطوط): الصفحة الأولى.
(4)حكاه عنه الشيخ في العدة: 303،و الكراجكي قدّس سرّه في كنز الفوائد 2: 30،و المحقّق قدّس سرّه في المعارج: 206.

68
المعارج(1) و العلاّمة(2) و الشهيدين(3) و شيخنا البهائي(4) و نسب إلى الشيخ في‏العدّة(5) و عن أكثر العامّة،كالشافعيّة قاطبة(6) و قيل: أكثرهم(7) .
القول الثاني و الثالث‏
و القول الثاني: محكيّ عن أكثر المتكلّمين(8) و حكي عن السيّد(9) و الشيخ(10) و ذهب إليه صاحب المعالم،و نسبه فيه إلى المحقّق(11) ،و سيأتي‏ما فيه.

و القول الثالث: إشارة إلى ما حكاه المحقّق الخوانساري في شرح‏الدروس من أنّ بعضهم يقول بحجيّة الاستصحاب في الشرعيّات-كالطهارة-دون غيرها-كالرطوبة(12) -و عرفت أيضا ميله إلى الجزء الثاني و التفصيل في‏الجزء الأوّل من هذا القول.

و القول الرابع:
لم يسبق من المصنّف ما يكون إشارة إليه،لكنّه محكيّ‏عن الأخباريّين(13) .
(1)معارج الأصول: 206.
(2)مبادئ الوصول إلى علم الأصول: 250.
(3)القواعد و الفوائد 1: 134،و تمهيد القواعد: 37.
(4)الحبل المتين: 36.
(5)عدّة الأصول: 304.
(6)نسبه الآمدي إلى جماعة من أصحاب الشافعي،و اختاره أيضا،انظر الإحكام في‏أصول الأحكام: 4: 367.
(7)القائل هو الشيخ قدّس سرّه في العدّة: 303،و فيه: و ذهب أكثر الشافعية.
(8)حكاه في العدّة: 303،و فيه: فذهب أكثر المتكلمين... إلى أن ذلك ليس بدليل.
(9)حكاه عنهما في مفاتيح الأصول: 634.
(10)حكاه عنهما في مفاتيح الأصول: 634.
(11)المعالم: 235.
(12)مشارق الشموس: 76.
(13)حكاه الوحيد قدّس سرّه عن صريح الأخباريّين،كما تقدّم في الصفحة السابقة.

69
التأمّل فيما عبّر به المصنف عن القول الثالث و الرابع‏
ثمّ،إنّ تعبير المصنّف عن القول الثالث باعتبار الاستصحاب في‏الأحكام الشرعيّة دون الأمور الخارجيّة،و عن القول الرابع بعكس ذلك،لا يخلو عن تأمّل.

بيان ذلك إنّما يحصل بعد بيان المراد من الأحكام الشرعيّة و الأمورالخارجيّة،و أنّ المراد من الاستصحاب في الحكم الشرعيّ ما ذا؟فنقول:

يحتمل أن يراد بالحكم الشرعي: كلّ ما يكون في ثبوته محتاجا إلى الاستفادةمن الشارع،سواء كان من الأحكام التكليفيّة الخمسة،أو الوضعيّة،أعني:

السببيّة و الشرطيّة و المانعيّة و الجزئيّة و الصحّة و الفساد،أو غيرها كالطهارةو النجاسة و الحريّة و العبديّة و الزوجيّة و الملكيّة،و نحوها.

و حينئذ يكون المراد بالخارجيّة غيرها-كالرطوبة و اليبوسة،و نحوهما-و هذا ظاهر بعضهم(1) .

و يحتمل أن يراد بالحكم الشرعي: خصوص الأحكام التكليفيّةو الوضعيّة،و أمّا غيرها فيدخل في متعلّق الحكم الشرعيّ كالطهارة و ما ذكربعدها،و هو ظاهر بعض آخر.

ثمّ على التقديرين،يحتمل أن يراد بالاستصحاب في الحكم الشرعي:

إثبات الحكم الشرعي الكلّي في زمان الشكّ و الشبهة في نفس الحكم،مثل:

أنّا لا ندري أنّ المذي ناقض أم لا؟و أنّ الشخص بعد نزول المذي منه‏محكوم شرعا بالتطهّر أم لا؟فهذه شبهة حكميّة يكون من شأن الشارع‏إزالتها.

و أمّا مثل الشك في الطهارة،للشك في تحقّق البول،فاستصحابها ليس‏

(1)منهم المحقّق الخوانساري على ما حكي عنه،راجع الصفحة: 60.

70
استصحاب الحكم،إذ الشكّ ليس شكّا و شبهة في نفس الحكم،بل هو في‏موضوعه،و ليس إزالة هذه الشبهة من شأن الشارع،و إن كان من شأنه بيان‏حكمها-من حيث إنّها شبهة في الموضوع-نظير اللحم المشتبه المردّد بين‏المذكّى و الميّتة.

و يحتمل أن يراد بالاستصحاب في الحكم الأعمّ من هذا،حتّى يكون‏استصحاب الطهارة عند الشكّ في تحقّق البول استصحابا في الحكم.

و الظاهر من الأخباريّين-النافين لحجيّة الاستصحاب في الحكم-هوالأوّل،كما ستعرف،و ظاهر بعض الثاني.

فهذه احتمالات أربعة،حاصلة من ضرب احتمالي المراد بالحكم‏الشرعيّ في احتمالي المراد من الاستصحاب في الحكم الشرعيّ.

إذا عرفت هذا فنقول: إن كان مراد المصنّف رحمه اللّه من الاستصحاب‏في الحكم الشرعيّ-الّذي حكى حجيّته في القول الثالث،و عدمها في القول‏الرابع-هو الأوّل من الاحتمالات الأربعة.

ففيه: انّك قد عرفت أنّ القول الثالث إشارة إلى ما حكاه المصنّف‏[عن المحقّق الخوانساري‏]في شرح الدروس(1) ،و ظاهر على من نظر في‏تضاعيف كلام هذا المحقّق الحاكي أنّ الشكّ في الطّهارة إذا نشأ عن الشكّ في‏تحقّق البول داخل في استصحاب الحكم الشرعيّ،و أهل القول الثالث يجرون‏الاستصحاب فيه،مع أنّه على الاحتمال الأوّل ليس استصحابا في الحكم‏الشرعيّ،لعدم الشّبهة في نفس الحكم.

و إن كان المراد الاحتمال الثاني،ففيه: أنّه و إن كان مستقيما في طرف‏

(1)راجع الصفحة: 68.

71
القول الثالث،إلاّ أنّ عكس هذا القول-أعني عدم حجيّته في الأحكام‏الشرعيّة بهذا المعنى-لا يكاد يوجد قائل به،لما ستعرف: من أنّ الأخباريّين‏أيضا يقولون بحجيّة الاستصحاب فيما شكّ في بقاء وجوب شي‏ء أو طهارةشي‏ء من جهة الشكّ في تحقّق المانع،مع أنّ هذا على هذا الاحتمال داخل في‏الأحكام الشرعيّة.

و إن كان مراده هو الاحتمال الثالث من الاحتمالات الأربعة،بأن يكون‏المراد من الحكم الشرعيّ خصوص الأحكام التكليفيّة و الوضعيّة،دون مثل‏الطهارة،و يكون المراد باستصحابه إبقاء الحكم إذا كان الشبهة فيه نفسه،لا في الموضوع،ففيه: أنّه يلزم أيضا أن لا يقول هذا القائل-بالقول الثالث-بحجيّة الاستصحاب في الشكّ في الطهارة،إذا نشأ من الشكّ في تحقّق البول،لعدم كون الشبهة في الحكم نفسه،بل لعدم كون الطهارة من الأحكام‏الوضعيّة.

بل يلزم أن لا يقول هذا القائل بحجيّة الاستصحاب في صورة الشكّ‏في الطهارة من جهة الشكّ في ناقضيّة المذي،لأن الطهارة و النجاسة على‏الاحتمال الثاني ليستا من الأحكام،و إن كانت الشبهة في نفس الحكم على‏فرض كونهما من الأحكام،مع أنّ صريح كلام نفس المحقّق الحاكي هو حجيّةالاستصحاب في الطهارة و النجاسة.

و إن كان مراده الاحتمال الرابع،ففيه: أنّه يلزم منه أيضا أن لا يقول‏أرباب هذا القول الثالث باستصحاب مثل الطهارة،لأنّها ليست حينئذ من‏الأحكام الشرعيّة،و قد عرفت أنّ صريح كلام المحقّق الحاكي،هو حجيّةالاستصحاب المذكور عندهم.

و يلزم أيضا أن يكون الأخباريّون-القائلون بعكس هذا القول-


72
قائلين بحجيّة الاستصحاب لو شكّ في الطهارة من جهة الشكّ في ناقضيّةالمذي،لأنّ الطهارة على هذا الاحتمال ليست من الأحكام الشرعيّة،حتّى‏لا يقولوا بحجيّة الاستصحاب فيها،مع أنّك قد عرفت من عبارة المحقّق‏الوحيد: أنّهم لا يقولون بذلك.
التحقيق في القول الثالث‏
فالتحقيق: أنّ القائلين بالقول الثالث لا شكّ في إجرائهم الاستصحاب‏في مثل الشكّ في الطهارة مطلقا،سواء كانت الشبهة في الحكم-كما إذا كان‏هذا الشكّ لأجل الشكّ في ناقضيّة المذي-أو كانت في الموضوع-كما إذاكان الشكّ لأجل الشكّ في تحقّق البول-و هذا منهم قطعيّ.

و حينئذ،فإن قلنا بأنّ الطهارة و النجاسة ليستا من الأحكام الشرعيّة،بل هما من الأمور الشرعيّة-و كذا الحريّة و العبديّة و الزوجيّة و الملكيّة-فلا بدّمن التعبير عن قولهم: «بأنّه حجّة عندهم في الأمور الشرعيّة دون غيرها»كما فعله بعض المعاصرين‏[1]،لا في الأحكام الشرعيّة دون غيرها.

و إن قلنا بكونهما من الأحكام،فتعبير المصنّف عن قولهم بما ذكره‏حسن،إلاّ أنّ التعبير عن مذهب الأخباريّين بعكس هذا غير حسن،لأنّ‏الأخباريّين أيضا يقولون-على ما حكى عنهم بعض رؤسائهم،و ستعرف‏حكايته(1) -بأنّ الاستصحاب إنّما لا يجري في كلّ حكم يكون ثبوته مستفادامن الشرع»إذا كان الشكّ و الشّبهة في الزمان الثاني في نفس الحكم الشرعيّ،كالشكّ في ناقضيّة المذي،لا إذا كانت الشبهة في الموضوع،كالشكّ في تحقّق‏المانع للحكم الشرعيّ،فهم أيضا يقولون: باستصحاب وجوب الشي‏ء

[1]الظاهر هو النراقي في المناهج،حيث قال-في عدّ الأقوال-: التاسع: الحجيّة في‏الأمور الشرعية و عدمها في الخارجيّة.
(1)في الصفحة: 74.

73
و الطهارة و النجاسة إذا شكّ في تحقق المانع،فهم متّفقون مع أصحاب القول‏الثالث في أمثال هذه،فلا وجه لجعل كلّ عكس الآخر في القول.

ثمّ: إنّ بعض المعاصرين(1) حكى قولا آخر للأخباريّين،و جعله تاسع‏الأقوال،و هو القول بالحجيّة في غير الحكم الشرعيّ-بالمعنى الّذي ذكرنا-مع‏القول بالحجيّة في الشكّ في النسخ-من بين صور الشكّ في الحكم الشرعيّ-.

و بعبارة أخرى: القول بالحجيّة في غير الحكم الشرعيّ و فرد واحد من‏الشكّ في الحكم الشرعي-أعني الشكّ في النسخ-.

لكنّ الظاهر أنّ هذا ليس قولا مستقلا،بل جميع الأخباريّين متّفقون‏على الاستصحاب في النسخ،كما ستعرف من الفاضل الأسترآبادي(2) .

فحاصل القول الثالث: هو إجراء الاستصحاب في جميع ما من شأن‏الشارع ثبوته،سواء في ذلك الوجوب و الحرمة،و الطهارة و النجاسةو الزوجيّة و الملكيّة،و غيرها،سواء كان الشكّ و الشبهة في نفس الحكم‏الشرعيّ،كالشكّ في ناقضيّة المذي،أو في موضوعه،كالشكّ في تحقّق المانع.

القول الرابع‏
و القول الرابع: هو عدم إجراء الاستصحاب في الحكم الشرعيّ‏بالمعنى الأعمّ من الطهارة و ما ذكر بعدها،لكن إذا كان الشكّ و الشبهة في‏نفس الحكم،و أمّا إن كان في موضوعه،فيجرون.

نظير ذلك: قول أكثرهم-بل كلّهم-في مسألة أصل البراءة إذا شكّ في‏تحريم شي‏ء و إباحته،حيث فصلّوا بين كون الشكّ و الشبهة في نفس الحكم-كشرب التتن و العصير مثلا-فلا يحكمون بالبراءة،و بين كون الشكّ و الشبهة

(1)لم نعثر عليه.
(2)في الصفحة: 75.

74
في الموضوع،كاللحم المردّد بين المذكّى و الميتة من جهة الموضوع،لا من‏جهة الشكّ في الحكم،بأنّ يشكّ في قابليّة التذكية أو كيفيّتها،و الظاهر أنّ مدركهم في المقامين واحد،كما ستعرف.
ما ذكره المحقق الأسترآبادي في الفوائد المدنيّة
فلنشرع في حكاية ما حكي عن الفاضل الأسترآبادي،ليتّضح جميع‏ما قلنا في بيان مذهبهم،فنقول: حكي عنه أنّه قال في الفوائد المدنيّة في مقام‏بيان أغلاط المتأخّرين من الفقهاء بزعمه،قال: و من جملتها: أنّ كثيرا منهم‏زعموا أنّ قوله عليه السّلام: «لا تنقض اليقين بالشكّ أبدا،و إنّما تنقضه بيقين‏آخر»(1) جار في نفس أحكامه تعالى.

و من جملتها: أنّ بعضهم توهّم أنّ قوله عليه السّلام: «كلّ شي‏ء طاهر حتّى‏تعلم أنّه قذر»(2) يشمل صورة الجهل بحكم اللّه تعالى،فإذا لم نعلم أنّ نطفةالغنم طاهرة أو نجسة،يحكم بطهارتها(3) ،انتهى.

و حكي عنه: أنّه قال في موضع آخر-بعد إبطال الاستصحاب في‏إثبات نفس الحكم،إذا اشتبه في الآن الثاني-بما حاصله: أنّ الحكم الشرعيّ‏إذا ثبت لموضوع في حال من أحواله،فبزوال الحالة المذكورة يتبدّل الموضوع‏و يختلف،فما سمّوه استصحابا راجع إلى إسراء حكم لموضوع إلى موضوع‏آخر يتّحد معه بالذات و يغايره بالقيد و الصفات،و من المعلوم عند الحكيم أنّ‏هذا المعنى غير معتبر شرعا،و أنّ القاعدة الشريفة المذكورة غير شاملة.

قال-مبطلا للاستصحاب بوجه آخر،غير هذا الّذي ذكرناه عنه-:

«إنّ استصحاب الحكم الشرعيّ و الأصل-يعني الحالة الّتي لو خلّي الشي‏ء

(1)الوسائل 1: 175،الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء،الحديث 1.
(2)مستدرك الوسائل 2: 583،الباب 30 من أبواب النجاسات،الحديث 4.
(3)الفوائد المدنيّة: 148،و نقله عنه الوافية: 214.

75
و نفسه كان عليها-إنّما يعمل بهما إذا لم يظهر مخرج منهما.

بيان ذلك: أنّه تواترت الأخبار عنهم بأنّ كلّ ما يحتاج إليه إلى يوم‏القيامة ورد(1) مخزون عند أهل الذّكر عليهم السلام بحصر الأمور في ثلاثة: بيّن‏رشده،و بيّن غيّه-أي مقطوع به لا ريب فيه-و ما ليس هذا و لا ذاك.

و حكم بوجوب التوقّف في الثّالث(2) انتهى.

موارد اعتبار الاستصحاب عند الفاضل الأسترآبادي‏
و حكي عنه في موضع آخر من الفوائد،أنّه قال: «اعلم أنّ‏للاستصحاب صورتين معتبرتين باتّفاق الأمّة،بل أقول: اعتبارهما من‏ضروريّات الدين.

إحداهما: أنّ الصحابة و غيرهم كانوا يستصحبون جميع ما جاء به‏النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتّى يجي‏ء صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بنسخة.

و الثانية: أنّا نستصحب كلّ أمر من الأمور الشرعيّة،مثل كون الرّجل‏مالك أرض،و كونه زوج امرأة،و كونه عبد رجل آخر،و كونه على وضوء،و كون ثوبه طاهرا أو نجسا،و كون اللّيل باقيا،و كون النهار باقيا،و كون ذمّةالإنسان مشغولة بصلاة أو طواف،إلى أن يقطع بوجود شي‏ء جعله الشّارع‏سببا لنقض تلك الأمور.

ثمّ ذلك الشي‏ء قد يكون شهادة العدلين،و قد يكون قول الحجّام‏المسلم أو من في حكمه،و قد يكون قول القصّار المسلم أو من في حكمه،و قد يكون مبيع‏[1]يحتاج إلى الذبح و الغسل في سوق المسلمين،و أشباه ذلك‏

[1]في المصدر: و قد يكون بيع ما يحتاج إلى الذبح.
(1)سقط في النقل بعض الكلمات،راجع الوافية: 213.
(2)حكاه في الوافية: 212-213،عن الفوائد المكيّة.

76
من الأمور الحسيّة»(1) انتهى كلامه.
ما يستفاد من كلامه‏
و لا يخفى: أنّ بعض هذه الأمثلة من الأمور الخارجيّة،كالليل و النهار.

و بعضها من الأحكام،مثل كونه على وضوء،و كون ذمّة الإنسان مشغولةبصلاة أو طواف،لكنّ الاشتباه فيه من جهة الموضوع لا من جهة الشبهة في‏أصل الحكم الشرعيّ.

ثمّ إنّ قوله: «إلى أن يقطع بوجود ما جعله الشارع سببا لنقض تلك‏الأمور»الظاهر أنّ مراده منه: أنّ مع عدم القطع نستصحبها مطلقا،سواء كان‏الشكّ في أصل حدوث أحد هذه الأمور-كما إذا شككنا في أصل ملاقاةالثوب للنجاسة-أو قطعنا بحدوث شي‏ء و شككنا من جهة الاشتباه الخارجي‏أنّه الناقض أو غيره،كما إذا لاقى الثوب مائع و شككنا في أنّه البول أو الماء.

و على هذا،فيكون المحقّق السبزواريّ مخالفا لهم أيضا،حيث إنّه‏لا يعتبر الاستصحاب في الصورة الثانية من هاتين الصورتين.

مضافا،إلى ما نقله المصنّف من أنّه يظهر منه في مواضع عدم حجيّةالاستصحاب في الأمور الخارجيّة. و قد عرفت أنّ الفاضل ادّعى كون‏الاستصحاب في الليل و النهار من الاتفاقيّات،بل من الضروريّات(2) .

فقول هذا المحقّق أخصّ من جميع أقوال المثبتين،بل جميع الأقوال،إذلا أظنّ النافين ينفون هذا الّذي يثبته.

اللّهم إلاّ أن تخصّ العبارة المذكورة بالصورة الأولى،فحينئذ يكون‏قول هذا المحقّق موافقا للأخباريّين،و يستقيم ما ذكره المحقّق الوحيد

(1)الفوائد المدنيّة: 143.
(2)راجع الصفحة السابقة.

77
البهبهاني قدّس سرّه-على ما نقلنا عنه-من أنّ هذا المحقّق لعلّه موافق‏للأخباريّين(1) .
القول الخامس،و هو المحكيّ عن الغزالي‏
فلنرجع إلى بيان القائلين بالأقوال الأربعة الأخرى،فنقول: إنّ القول‏الخامس‏[1]محكيّ عن الغزالي(2) ،و حكي أنّه نسبه في النهاية إلى الأكثر(3) ،و الظّاهر أنّ المراد بالأكثر،المركّب من القائلين بنفي الاستصحاب سنخاو بعض مثبتيه،لا أكثر المثبتين،و سيأتي عبارة الغزالي في مقام ردّه إن شاءاللّه تعالى(4) .
القول السادس،و هو للفاضل التوني‏
و القول السادس: للفاضل التوني في الوافية(5) ،و قد عرفت أن ظاهركلامه: إجراء الاستصحاب في موضوعات الأحكام الوضعيّة-أعني نفس‏السبب و الشرط و المانع-لا في نفس الأحكام الوضعيّة،من السببيّةو الشرطيّة و المانعيّة،و لا في مسبّبات الأسباب بعد زوالها عند الشكّ في أنّ‏السبب سبب الحدوث كالملاقاة للتنجّس،أو سبب في البقاء فيرتفع بارتفاعه،كالجنابة لمسّ خطّ المصحف.

نعم،كان قائلا بالجريان في الأحكام،بتبعيّته في الأسباب،و قد عرفت‏الاحتمالات في كلامه و ردّها مشروحا،فراجع.

القول السابع،و هو للمحقق الخوانساري‏
و القول السابع: للمحقّق الخوانساري(6) ،و قد عرفت أنّه يجري‏
[1]و هو الحجيّة في نفس الحكم الشرعي إذا ثبت بغير الإجماع،كما في القوانين.
(1)تقدّم في الصفحة: 67.
(2)راجع المستصفى 1: 128.
(3)حكاه في مفاتيح الأصول: 653.
(4)لم نقف على العبارة.
(5)الوافية: 202.
(6)راجع مشارق الشموس: 76.

78
الاستصحاب في صور اخر،كما يظهر من تضاعيف عباراته المحكيّة عنه.
القول الثامن،و هو للمحقق السبزواري‏
و القول الثامن: للمحقّق السبزواري(1) ،لكن مخالفته للأخباريّين إذا كان‏لا يجري الاستصحاب في الأمور الخارجيّة-كما استظهره المصنّف منه-في‏مواضع،أو كان الأخباريّون يجرون الاستصحاب في مثل الطهارة إذا شكّ في‏بقائها للشكّ في رافعيّة أمر مقطوع الوجود،كالمائع الواقع على الثوب،المشكوك كونه بولا.

و إلاّ فليس قول هذا المحقّق قولا برأسه،بل هو قول الأخباريّين،على‏ما عرفت من الفاضل الأسترآبادي،و عرفت من حكاية المحقّق الوحيدالبهبهاني عن الشيخ الحرّ العاملي قدّس سرّه.

ما نقل عن السيد الطباطبائي من كون محل النزاع غير العدميات‏
بقي في المقام شي‏ء،و هو: أنّ الأستاذ مدّ ظلّه نقل عن أستاذه السيّدالطباطبائي(2) : أنّ محلّ النزاع في الاستصحاب هو في غير العدميّات،و أمّافيها: فيحكي عن السيّد أنّ حجيّة الاستصحاب فيها اتّفاقيّ.

و أيّد ذلك بأنّهم لا يزالون يتمسّكون بكثير من الأصول العدميّة،مثل‏أصالة عدم النقل،و عدم القرينة،و عدم موت زيد و نحو ذلك،من غير نكير.

و باستدلالاتهم على حجيّة الاستصحاب بعدم احتياج الباقي إلى المؤثّر،و أنّ المقتضي موجود،إلى غير ذلك من الأدلّة الظّاهرة في اختصاص محلّ‏النزاع بالوجوديّات.

و قد عرفت من عبارة التفتازاني في شرح الشرح أنّ قول العضدي-في‏مقام حكاية قول الحنفيّة المنكرين للاستصحاب-: «إنّه لا يثبت به عندهم‏

(1)ذخيرة المعاد: 116.
(2)لم نعثر عليه.

79
حكم شرعي»(1) إشارة إلى أنّ خلاف الحنفيّة إنّما هو في إثبات الحكم به،لا في النفي الأصليّ،و أنّهم يقولون به فيه.

و عرفت من المصنّف: أنّ النفي الأصلي في كلام العضدي أعمّ من‏البراءة الأصليّة و يعمّ جميع العدميّات-حكماً أو غيره-خلافا لمن خصّه بها.

الإشكال في المسألة،و ما يمكن أن يقال في حلّه‏
أقول: و هذا كلّه لا بأس به،إلاّ أنّه قد يقع الإشكال بدوا في تمييزالاستصحاب العدمي المتّفق عليه عن غيره،إذ ما من استصحاب وجودي‏إلاّ و معه استصحاب عدميّ،و أقلّه استصحاب عدم ضدّه،فلو كان مطلق‏الاستصحاب العدميّ حجّة بالاتّفاق كفانا مئونة الكلام في حجّيةالاستصحاب الوجوديّ.

و لو كان المتّفق عليه بعض أفراده فلا بدّ من معيار يميّزه عن غيره.

و الّذي يمكن أن يقال في حلّ الإشكال هو أنّ المتّفق عليه من‏الاستصحابات العدميّة،هو استصحاب العدم الأصليّ الأزليّ-الّذي يكون‏الشي‏ء عليه لو خلّي و طبعه-و أمّا غير هذا فهو محلّ النزاع وجوديّا كان‏أو عدميّا،مثل عدم الوجوب،و عدم الموت،و عدم الوضع،و عدم القرينة،و عدم البول،لا مثل عدم الطهارة في النجاسة-بناء على أنّ الحالة الأصليّة في‏الشي‏ء الطهارة-و عدم اليبوسة في الرطوبة،من الأعدام المسبوقة.

بيان ذلك: أنّ كلّ شي‏ء من الأشياء عرفت له حالة عدميّة أو وجوديّةبكون عليها لو خلّي و طبعه،فلا بدّ من الحكم بكونه عليها دائما إلى أن تنقطع،فما لم يحصل القطع بانقطاعها فلا بدّ من الحكم بها.

و هذا الأصل-يعني أصالة العدم-متّفق عليه بين جميع العقلاء،فإن‏

(1)تقدّمت في الصفحة: 51.

80
شئت سمّه استصحابا،و إن شئت سمّه قاعدة عقليّة عقلائيّة.

ثمّ إذا قطعنا بحدوث قاطع من الزمان فنحكم بانقطاعها،ثمّ إذا شكّ في‏بقاء هذا القاطع،فمع قطع النّظر عن استصحابه لا يلتفت إليه،بل لا يبعدرجوع(1) الحالة الأصليّة سيّما في الشرعيّات.

إلاّ أنّ بعد ملاحظة وجود القاطع في السابق و الشكّ في بقائه نحكم‏باستصحابه لو قلنا بالاستصحاب.

ما ذكره الفاضل النراقي‏
خلافا لبعض مشايخنا المعاصرين(2) حيث حكم فيما إذا كان القاطع‏للحالة الأصليّة العدميّة أمرا جعليّا شرعيّا بتعارض الاستصحابين‏و تساقطهما. إلاّ أن يوجد مرجّح لاستصحاب القاطع-من استصحاب ثالث‏أو غيره-. فقال: في ما إذا قطع بوجوب شي‏ء بزمان(3) -كوجوب الجلوس في‏المسجد-و شككنا في أنّه إلى الزوال أو الغروب،فمقتضى استصحاب‏الوجوب و إن كان بقاؤه إلى الغروب،و لكن مقتضى استصحاب حال العقل‏عدمه،لأنّ هذا الحكم قبل حدوثه كان معلوم العدم مطلقا،و علم ارتفاع‏عدمه في الزمان الأوّل فيبقى الباقي.

نعم،يحكم في مسألة الشكّ في الطهارة-للشكّ في تحقّق البول،أو في كون ما لاقى الثوب بولا،أو في ناقضيّة المذي-باستصحاب الطهارة،بل‏يقول(4) : إنّ الطهارة إنّما قطعت الحدث أو الخبث في الجملة،بل باعتباراستصحاب عدم تحقّق البول و عدم منجّسية الملاقي و عدم ناقضيّة[المذي‏]

(1)كذا ظاهرا،و الكلمة غير واضحة.
(2)هو الفاضل النراقي قدّس سرّه في مناهج الأحكام: الفائدة الأولى.
(3)كذا في النسخة،و لعلّ الأنسب: في زمان.
(4)كذا في النسخة،و الأنسب: بل نقول،أو: بل يقال.

81
و سيجي‏ء الجواب عنه مفصّلا.
المجامع للأمر العدمي،له حالتان‏
إذا عرفت هذا،فنقول: إنّ المجامع لهذا الموجود-أعني الأمر العدميّ‏الّذي توهّم أنّ استصحابه كليّة و مطلقا،لكونه عدميّا متّفقا على اعتباره،مغن‏عن التشاجر في اعتبار استصحاب ذلك الموجود-لا يخلو: إمّا أن يكون‏حالة أصليّة،مثلا فرضنا عدم النجاسة المجامع للطهارة حالة أصليّة،بفرض‏أنّ الأصل في الشي‏ء عدم النجاسة،أو لا يكون حالة أصليّة.

و على الأوّل: فإمّا أن يكون نفس الأمر الوجوديّ المجامع له أيضاحالة أصليّة،بأن فرضنا أنّ الحالة الأصليّة للشي‏ء الطهارة،أو لا يكون هذاالوجوديّ المجامع لذلك العدم‏[حالة أصليّة](1) بأن كان كلاهما مخالفا للحالةالأصليّة،كما لو فرضنا أنّ الحالة الأصليّة عدم الطهارة أيضا،كما أنّها عدم‏النجاسة،بل يكون الطهارة و النجاسة كلتاهما خلاف الحالة الأصليّة.

و على الثاني،فإمّا أن يكون نفس الضدّ-الّذي يكون الكلام في‏استصحاب عدمه-حالة أصليّة،أو لا.

و الثاني من هذين يرجع إلى الثاني من قسمي الأوّل،فيكون الأقسام‏ثلاثة.

فعلى الأوّل: نعترف بأنّ استصحاب هذا العدم من الاتّفاقيّات،و مغن‏عن الكلام في استصحاب الوجوديّ،و إن كان هذا الأمر الوجوديّ-نظراإلى كونه من الحالات الأصليّة-لا خلاف ظاهرا في الرجوع إليه.

و على الثاني: فاستصحاب عدم الضدّ و إن كان جاريا و اتفاقيّا،إلاّ أنّه‏قد لا يغني عن استصحاب الوجوديّ،لأنّه معارض باستصحاب عدم-

(1)الزيادة اقتضتها العبارة.

82
الطهارة الأصليّ أيضا،لأنّ المفروض هو أنّ الأصل عدم الطهارة و النجاسةكلتيهما،فما لم يثبت حجيّة استصحاب الطهارة الحادثة بعد عدمها الأصليّ،فلا يثبت المطلوب.

نعم،قد يغني عنه،كما في استصحاب عدم النقل المغني عن استصحاب‏بقاء الوضع الأوّل،و كما في استصحاب عدم حدوث المنجّس في الصّورةالأولى،لا استصحاب عدم النجاسة،إذ قد عرفت أنّه معارض.

و أمّا على الثالث: فالحال أظهر،نظرا إلى أنّ المفروض هو أنّ الحالةالأصليّة: النجاسة،فكيف يستصحب عدمه؟فإن قلت: إنّ النجاسة قد انقطعت بعدمها في الآن اللاّحق-و هو آن‏الطهارة-.

قلنا: إنّ الشكّ في استمرار عدمها-القاطع لها-،و هذا العدم القاطع‏المجامع للطهارة حاله معها في وقوع الاختلاف في حجيّته واحد،و ليس‏اتفاقيّا حتّى يغني عن الكلام في الاستصحاب الوجوديّ،لما عرفت من أنّ‏العدم الّذي اتّفق على اعتبار استصحابه،هو العدم الأصلي الأزليّ‏لا المسبوق بحالة أصليّة،فإنّه مع الوجوديّ في مرتبة واحدة.

الحاصل: أن كل استصحاب عدمي ليس متفقا عليه‏
فعلم من جميع ذلك: أنّ كلّ استصحاب عدميّ ليس متّفقا عليه،كما في الصورة الثالثة،و أنّ كلّ متّفق عليه ليس يغني عن الاستصحاب‏الوجوديّ المجامع له،كما في بعض صور الصورة الثانية.

نعم،بعض المتّفق عليه مغن،كما في الصورة الأولى و بعض صورالصورة الثانية.

فإن قلت: مقتضى ما ذكرت هو أنّ بعض الاستصحابات الوجوديّةأيضا متّفق عليها،و هو ما كان الأمر الوجوديّ حالة أصليّة للشي‏ء.


83
قلت: نعم،لا مضايقة في ذلك،إذا ثبت أنّ الحالة الأصلية في الشي‏ء-لو خلّي و طبعه-هو الأمر الوجوديّ الفلاني،ثمّ شكّ في بقائها و ارتفاعها،فلا أظنّ أحدا ينكر وجوب الحكم ببقائه عليها.

و كذا إذا انقطعت تلك الحالة بقاطع ثمّ شكّ في بقاء القاطع.

فمن لم يقل بحجيّة الاستصحاب فالظّاهر أنّه يرجع إلى الحالة السابقةالأصليّة. و هذا أيضا أحد الاستصحابات العدميّة المختلف فيها،فإنّ قطع‏الحالة الأصليّة الوجوديّة معناه عدمها،لكن لمّا كان الغالب في الحالات‏الأصليّة هو العدم اكتفوا بذكر الاتّفاق في الاستصحابات‏[العدميّة](1) .

هذا ما وصل إليه الفكر الكليل عند التأمّل البدويّ و النّظر الجليل(2) ،و لكن لا بدّ من النّظر الدّقيق للوصول إلى الحقّ و التحقيق.

(1)ليست هذه الكلمة في الأصل،و لكنّ الظاهر لزومها.
(2)كذا.

84
أدلّة الاستصحاب‏

85

86

87
[الأوّل: الوجدان السليم‏]
[قوله‏]قدّس سرّه: «الأوّل: أنّ الوجدان السليم يحكم بأنّ ما تحقّق وجوده‏أو عدمه في حال أو وقت و لم يحصل الظنّ بطروّ عارض يرفعه،فهو مظنون‏البقاء،و على هذا الظنّ بناء العالم».
الخدشة في الدليل،و ردّها
(1)[أقول‏]: ما ذكره المصنّف من حكم الوجدان و بناء العقلاء على ذلك،و إن خدش فيه بعض(1) ،من حيث احتمال كون ذلك من جهة القرائن‏الخارجيّة،إلاّ أنّ الإنصاف: أنّه لو قطع النّظر عن جميع الأمور الخارجيّةفالظاهر أنّ الوجدان يترجّح عنده البقاء،و كذا بناء العقلاء على مراعاةالحالة السابقة.

بل لو اعتذر أحدهم عن ترك ترتيب أحكام الحالة اليقينيّة السابقة في‏صورة الشكّ في بقائها: بأنّي احتملت عدمها و ما تيقّنت و لا ظننت ببقائها،

(1)و هو الفاضل النراقي في المناهج: 231.

88
لعدّ هذا الاعتذار أقبح من الترك المعتذر عنه،إلاّ أن يكون هناك أمور توهن‏العمل بالحالة السابقة.
ما قاله بعض الفحول‏
قال بعض الفحول(1) : «لا يجوز لعاقل أن يدّعي أنّ نسبة وجود[1]قريةرآها على ساحل بحر-كان احتمال خرابها و بقائها متساويين-إلى عدمهاعنده،كنسبة وجود قرية أخرى إلى عدمها عنده،مع تساوي احتمالي بنائهاو عدمه،كيف،و هو يسافر بقصد التجارة إلى الأولى دون الثانية؟»(2) انتهى.
الإشكال على الدليل،و الجواب عنه‏
فان قلت: إنّ أولويّة البقاء عند الوجدان لعلّها لأنسه بالشي‏ء الموجودفي الزمان السابق و ألفته به،حيث وجده قبل ذلك موجودا فيصعب عليه‏احتمال العدم،لكونه غريبا و أجنبيّا بالنسبة إليه.

قلت: إنّا ندّعي بداهة رجحان البقاء عند الوجدان،فإن أردت أنّ‏علّته الأنس و الألفة،فلا مضايقة في ذلك،و لسنا في مقام تعيين علّة هذاالرجحان.

و إن أردت أنّه لا رجحان،بل هو محض المؤانسة،فمع أنّا لا نتعقّل‏شيئا آخر غير الرجحان،ربّما يحكم الوجدان بالبقاء حكما راجحا مع عدم‏الأنس و الألفة أصلا،كما لو فرضنا: أنّا شاكّون في زمان طويل في تولّد ولدلزيد،أو قاطعون بعدمه،أو لم نلتفت إلى ذلك أصلا،ثمّ نفرض أنّ في الزمان‏اللاّحق قطعنا بتولّده له سابقا،و شككنا في زمان حدوث هذا القطع من غيرتراخ في بقاء ذلك الولد،فحينئذ لا يخفى على ذي وجدان أنّه يترجّح عنده‏

[1]لا يخفى ما في العبارة من الاضطراب،و لا يستقيم إلاّ بحذف كلمة«وجود»هنا و في‏العبارة التالية.
(1)هو شارح الوافية: السيّد الصدر القمّي.
(2)شرح الوافية: (مخطوط).

89
البقاء،و المفروض عدم أنس الذهن و ألفته مع الوجود في السابق،لأنّ‏المفروض فيه: إمّا الشكّ في الوجود،و إمّا القطع بعدمه،و إمّا عدم الالتفات‏إليه.

و كيف كان،فلا مجال لإنكار كون حكم الوجدان و بناء العقلاء على‏مراعاة الحالة السابقة.

و أمّا كون هذا البناء مسبّبا عن حصول الظنّ لهم بالبقاء فغير معلوم،لجواز أن يكون لمحض استقرار العادة على ذلك،و بسبب الجبلّة الإنسانيّةالّتي قرّرها اللّه لعمارة العالم،من غير ملاحظة ظنّ البقاء،كما قاله بعض‏الأجلاّء(1) ،فتأمّل.

الإشكال في كون هذا البناء ناشئا عن ظن البقاء،بوجهين:
بل،قد يستشكل في كون هذا البناء ناشئا عن ظنّ البقاء بوجهين:

الأوّل: أنّا نرى كثيرا ما يكون بناء العقلاء على مراعاة الحالةالسابقة،مع امتناع حصول الظنّ بسبب ثبوت علم إجمالي في المقام يستحيل‏معه حصول الظنّ بالبقاء،فتراهم يبنون على بقاء أحبّائهم في بلد مع العلم‏الإجمالي بموت كثير من أهله،فمع هذا العلم لا يمكن حصول الظنّ ببقاء الكلّ،لأنّ القطع بالسالبة الجزئيّة يناقض الظنّ بالموجبة الكليّة،كما يناقض القطع‏بها،و لا ببقاء البعض،لعدم المرجّح بين الأبعاض،لتساويهم في تيقّن الوجودسابقا.

لا يقال: لو تمّ هذا لمنع عن عملهم بالاستصحاب في الصورة المذكورةمطلقا،سواء كان من جهة حصول الظنّ بالبقاء،أو من محض الاتّكال على‏الوجود السابق.

(1)لم نقف عليه.

90
أمّا من جهة حصول الظنّ: فلما ذكرت من استحالة حصوله.

و أمّا من الجهة الأخرى: فلأنّه إذا فرضنا أنّ في البلد آلاف شخص‏و قطع بموت بعضهم،فلو بنى على الحياة في الكلّ لزم مخالفة العلم الإجمالي،و إن بنى على حياة البعض فترجيح بلا مرجّح،فكلّما يمكن أن يقال: الأصل‏بقاء هذا البعض،يمكن أن يقال: الأصل بقاء ذلك البعض،و هكذا.

و بالجملة: العلم الإجمالي مانع عن العمل بالاستصحاب مطلقا من أيّةجهة كان.

لأنّا نقول: مانعيّة العلم الإجمالي عن العمل بالاستصحاب مطلقا،إنّماهو إذا وقع في المحصور،و أمّا إذا اتّفق في غيره فيمكن العمل بالاستصحاب‏من الجهة الأخرى،لعدم الاعتناء بشأن العلم الإجماليّ بالخلاف المتّفق في‏أمور غير محصورة في العرف.

فإن قلت: إذا بني الأمر على عدم الاعتناء بالعلم الإجمالي و فرض‏وجوده كعدمه،فلا مانع من حصول الظنّ أيضا.

قلت: مانعيّة العلم الإجمالي عن العمل بالاستصحاب من جهة حصول‏الظنّ إنّما هي لاستحالة حصوله معه،فمجرّد وجوده كاف في الاستحالة،قطع‏النّظر عنه أو لم يقطع.

و أمّا مانعيّته عن العمل به من الجهة الأخرى فليس إلاّ من جهة لزوم‏طرحه لو عمل بالاستصحاب في كلّ تلك الأمور،و لزوم ترجيح أحدالمتعارضين بلا مرجّح لو عمل في بعضها كما مرّ،و مع عدم الاعتناء به‏فلا مانع من طرحه و عدم الاعتناء بشأن التعارض الحاصل بواسطته.

مع أنّ طرحه ليس إلاّ إذا أراد الشخص ترتيب آثار الحالة السابقةعلى الكلّ،و هو لا يتّفق غالبا في غير المحصور،و لو اتّفق فلا بأس‏


91
بالاعتراف بعدم جواز الطرح في هذه الصورة.

فظهر الفرق بين وجه منعه هناك و وجه منعه هنا،فافهم و اغتنم.

الثاني من وجهي الاستشكال: أنّ عمل العقلاء بالاستصحاب في‏أمورهم لو كان من جهة حصول الظنّ منه و كان الاستصحاب عندهم إحدى‏الأمارات المفيدة للظن لوجب ان يكون بحيث إذا عارضته أمارة أخرى‏يقوى على معارضتها،إمّا بأن يترجّح عليها و يجعل مقتضاها موهوما،أو يرفع ظنّها،و إن لم يحصل الظنّ منه أيضا،فيرجع أمرهما إلى الشكّ،و الحال أنّه ليس كذلك،بل كلّما حصلت أمارة على خلافه أوجبت رجحان‏الخلاف و جعلت مقتضى الاستصحاب موهوما.

و هذا-أيضا-مسلّم عند القائلين بإفادته للظنّ،حيث اعتبروا في‏الإفادة عدم طروّ الظنّ بالارتفاع.

و دعوى: أنّ هذا من جهة كون الظنّ الحاصل منه أضعف من جميع‏الأمارات و لا توجد أمارة تساويه في الضعف،ظاهرة الفساد،بل قيل بالقطع‏بفساد هذه الدعوى،فتأمّل. و لكن يمكن دفع الإشكالين:

دفع الوجه الأوّل‏
أمّا الأوّل: فلأنّ المستحيل إنّما هو حصول الظنّ ببقاء الجميع في‏الصورة الّتي ذكرت،أو ببقاء البعض مع عدم وجود مرجّح يصرف العلم‏الإجماليّ إلى البعض الآخر. و أمّا حصول الظنّ ببقاء البعض مع المرجّح‏المذكور فغير مستحيل.

فنقول: في ما إذا قطع بموت بعض مجمل من أهل بلد،لا ندّعي أنّ‏الشخص الواحد من العقلاء يبني على بقاء الجميع،و يترتّب آثار البقاءعليهم،كلاّ!بل يبني على بقاء بعضهم-أعنى أصدقاءه مثلا،أو من له غرض‏


92
متعلّق به من أهل ذلك البلد-لكن مع مرجّح يتخيّله(1) و يزعم بسببه أنّ‏البعض الميّت هو غير هؤلاء من المشايخ و المرضى و غير ذلك ممّا يتخيّله(2) ،و لو من الخيالات الفاسدة،فإنّا لسنا إلاّ في صدد أنّ بناءه على بقاء البعض‏ليس إلاّ مع مرجّح رافع للترجيح بلا مرجّح،و لسنا في مقام أنّ ذلك المرجّح‏صحيح أو فاسد.
دفع الوجه الثاني‏
و أمّا الثاني: فبمنع أنّه لا يقوى على معارضته أمارة من الأمارات،و لو بحيث يرجع أمرهما إلى الشكّ،سيّما إذا جعل منشأ حصول الظنّ منه‏الغلبة،فإنّ الظنّ الحاصل منها قد يكون أقوى من الحاصل من غيرها.

و على تقدير تسليم ذلك،فنمنع فساد كونه أضعف من سائر الأمارات،إذ لا دليل على استحالة ذلك،فتأمّل.

و الحاصل: أنّه لا وجه للاستشكال في ما ادّعوه-من كون بناء العقلاءعلى العمل بالاستصحاب من باب الظنّ-بهذين الوجهين المذكورين،و إن‏كان ذلك الادّعاء-في نفسه-غير ثابت علينا،بل القدر الثابت هو محض‏بنائهم على العمل بالاستصحاب. و أمّا كونه من باب الظنّ فلم يثبت،بل‏الظاهر أنّهم كثيرا ما يبنون على الحالة السابقة مع وصف الشكّ،كما في‏الأصول العدميّة.

و كيف كان،فهذا البناء منهم حجّة من أيّ جهة كان،و ذلك لأنّه ليس‏مختصّا بأمور معاشهم،بل تراهم بانين على ذلك في تكاليفهم الشرعيّةو لا يتأمّلون في ذلك،و هذه سجيّة أهل كلّ شريعة و ملّة في كلّ‏زمان،و لم ينقل ردع الحجّة إيّاهم عن ذلك،مع توفّر الدواعي عليه‏

(1)في الأصل: «يخيّله»،-في الموضعين-.
(2)في الأصل: «يخيّله»،-في الموضعين-.

93
الموجب لاطلاعه عليه السّلام.

و كيف كان،فلا شكّ في حجيّة هذه السيرة،إلاّ أنّها إنّما تثبت حجيّةالاستصحاب في الجملة،لا كليّة،فتدبّر.

استناد كثيرين في حصول الظن إلى وجود الشي‏ء،و آخر مثل المصنف‏و غيره إلى الغلبة
[قوله‏]قدّس سرّه: «و هذا الظنّ ليس من محض الحصول في الآن السابق،لأنّ ما ثبت جاز أن يدوم و جاز أن لا يدوم،بل لأنّا لمّا فتّشنا الأمورالخارجيّة... إلخ» (1)[أقول‏]: اعلم: أنّ كثيرا من أرباب هذا المسلك-أي مسلك العمل‏بالاستصحاب من باب إفادته لظنّ البقاء-استندوا في حصول الظنّ إلى مجرّدوجود الشي‏ء في الآن السابق،و لكنّ بعض المتأخّرين كالسيّد الصدر-في‏شرح الوافية(1) -و المصنّف هنا استندوا في حصول الظنّ إلى الغلبة.

إذا عرفت هذا فاعلم: أنّ كلّهم أخذوا-في إفادة الاستصحاب للظنّ-عدم طروّ الظنّ بارتفاع الحالة السابقة،كما عرفت من قول المصنّف.

و هذا الاعتبار من الأوّلين حسن،إذ لهم أن يقولوا: إنّ الوجود السابق‏لا يفيد الظنّ بالبقاء إلاّ إذا خلّي المورد عن ظنّ الارتفاع. و أمّا من مثل‏المصنّف رحمه اللّه فغير وجيه ظاهرا،نظرا إلى أنّ حصول الظنّ من الغلبة ليس‏مشروطا بعدم الظنّ على خلافها،فربّ ظنّ تجعله الغلبة وهما،و هو كثير.

فعلى هذا يكون الاستصحاب عند المصنّف من الأدلّة الاجتهاديّة،فقد يرجّح‏على بعض الظنون،و قد يرجّح عليه.

عدم اختلاف الظن الحاصل من الغلبة بحسب الموارد
لا يقال: لعلّ خصوص هذه الغلبة المدّعاة في الاستصحاب كذلك-أي‏مشروطة بخلوّ المورد عن الظنّ بالخلاف-.

(1)شرح الوافية: (مخطوط).

94
لأنّا نقول: هذا فاسد،نظرا إلى أنّ الظنّ الحاصل من الغلبة لا يختلف‏بحسب الموارد إلاّ بقوّة الغلبة و ضعفها،أو بمعاضدة الأمور الخارجيّةو معارضتها،لا بكون المورد بقاء الحالة السابقة أو غيره،فتأمّل.
المراد من«الأمور الخارجية»
ثمّ: إنّ مراده رحمه اللّه من الأمور الخارجيّة هو القارّ منها،فلا يرد النقض‏بأنّ كثيرا من الأمور غير قارّة،كالأقوال و الأفعال و الحركات و السكنات.
في أن الشك في البقاء ناش من جهتين‏
[قوله‏]قدّس سرّه: «ففيما جهل حاله من الممكنات القارّة يثبت ظنّ‏الاستمرار في الجملة،بملاحظة حال أغلب الممكنات مع قطع النّظر عن‏تفاوت أنواعها و ظنّ مقدار خاصّ من الاستمرار بملاحظة حال النوع الّذي‏هو من جملته». (1)[أقول‏]: هذه الغلبة لا يثبت بها إلاّ قليل من موارد الاستصحاب.

بيان ذلك: أنّه بعد ما ثبت كون الشي‏ء من الممكنات القارّة القابلةللبقاء في الآن المتأخّر عن آن حدوثه،فإذا شكّ في بقائه في زمان بعد القطع‏بوجوده و قراره في السابق،فالشكّ فيه يتصوّر على قسمين:

الأوّل: أن يكون الشكّ فيه من جهة الشكّ في مقدار استعداده،بأن‏لا نعلم هل فيه من حيث الذات استعداد البقاء إلى هذا الزّمان أم لا؟الثاني: أن يكون الشكّ فيه من جهة الشكّ في طروّ المانع،بأن نقطع أنّ‏له استعداد البقاء من حيث الذات إلى هذا الزمان،لكن نشكّ في ارتفاعه من‏جهة احتمال طروّ المانع،سواء كان الاحتمال في وجود المانع كالبول،أو مانعيةالشي‏ء الموجود كالمذي.

أقسام حصول الشك من جهة مقدار الاستعداد
و القسم الأوّل على ضربين:

الأوّل: أن يكون للشي‏ء المشكوك البقاء نوع يعلم له استعداد خاصّ.

الثاني: أن لا يكون له نوع كذلك،إمّا بأن لا يكون له نوع أصلا


95
بالفرض،أو يكون له نوع لكن لا يعلم مقدار استعداد ذلك النوع،أو يعلم‏أن ليس له استعداد معيّن خاصّ،بل يختلف الأفراد بعضها مع بعض‏في الاستعداد و ليس للنوع استعداد خاصّ،أو بأن يكون له نوع،لكنّه تردّدبين نوعين مختلفي الاستعداد،كما إذا علمنا أنّ مقدار استعداد الفرس كذاو مقدار استعداد الحمار قدر آخر،لكن نشكّ في أنّ الحيوان الغائب عنّاالمشكوك في بقائه من أيّهما.

و الضرب الأوّل على وجهين:

الأوّل: أن يكون الشكّ في بقاء الشي‏ء من جهة الشكّ في أنّ استعداده‏هو استعداد نوعه الغالب،أو لهذا الفرد استعداد خاصّ أقلّ من استعداد نوعه‏لأجل خصوصيّة،كما إذا علمنا أنّ مقدار استعداد نوع الإنسان المتعارف‏الغالب تسعون سنة،لكن لا ندري أنّ زيدا الغائب هل هو بهذا المقدار من‏الاستعداد،أو أقلّ منه استعدادا لأجل خصوصيّة كضعف البينة مثلا،لأجل‏ذلك نشكّ في بقائه قبل إكمال تسعين.

الثاني: أن نقطع بأنّه بهذا الاستعداد الّذي ثبت لنوعه،لكن نشكّ‏في بقائه في زمان من جهة الشكّ في انقضاء ذلك المقدار،كما إذا رأينا زيدا في‏وقت ثمّ غاب عنّا مدّة عشرين،فشككنا في بقائه و موته من جهة الشكّ في‏أنّه وقت رؤيتنا إيّاه كان في سنّ الثمانين،حتى يكون قد انقضى مقداراستعداده-أعني التسعين-أو كان في سنّ الستّين،فلم ينقض مقدار استعداده.

أقسام الشك الحاصل من جهة طروّ المانع‏
و القسم الثاني-أعني الشكّ في طروّ المانع-أيضا على ضربين:

الأوّل: أن يكون المانع الّذي شكّ في وجوده من الأمور الخارجة عن‏اختيار المكلّف. و بعبارة أخرى: من الأمور الّتي يمكن ملاحظتها باعتبار كثرةالوقوع و ندرته،بحيث يمكن ادّعاء غلبة وقوعها أو عدم وقوعها.


96
و الثاني: أن يكون المانع المشكوك الوجود من الأمور الّتي هي باختيارالشخص،بحيث يختلف كثرة وقوعها و ندرته باختلاف الدواعي المتّفقةللشخص و لا ضبط لها،كروافع الطهارة و النجاسة،و دخول زيد في الدارو خروجه،و الملكيّة،و اشتغال الذمّة و براءتها،و نحو ذلك،فإنّ الشخص قديدعوه الداعي إلى إيجاد تلك الأمور،و قد يدعوه إلى رفعها بروافعها;فإنّ‏الطاهر قد يصير نجسا،و النجس طاهرا،و الذمّة المشغولة بريئة،و البريئةمشغولة،و لا يمكن ادّعاء غلبة الوقوع أو عدم الوقوع في شي‏ء من ذلك،بل يختلف بالنسبة إلى أحوال شخص واحد في وقت واحد،فكيف بالنسبةإلى الأشخاص المتعدّدة و الأوقات المتعدّدة.
الصور التي تفيد فيها الغلبة ظنّ البقاء
إذا عرفت هذا فاعلم: أنّ ما ذكره المصنّف قدّس سرّه من الغلبة إنّما يثبت‏به ظنّ البقاء في الوجه الأوّل من الضرب الأوّل من القسم الأوّل،و الضرب‏الأوّل من القسم الثاني. و لا يثبت في غيرهما.
علّة عدم ثبوت ظنّ البقاء في باقي الوجوه‏
أمّا عدم ثبوته في الوجه الثاني من ذلك الضرب،فلأنّ المفروض العلم‏بثبوت الاستعداد الثابت للنوع لهذا الفرد،فلا حاجة إلى الغلبة المثبتة للظنّ‏به،إنّما الشكّ في أنّ مقدار الاستعداد المعلوم بقي في هذا الشخص‏أم انقضى عنه.

و أمّا في الضرب الثاني من ذلك القسم: فلأنّ الغلبة لا يفيد إلاّ إلحاق‏هذا المشكوك بنوعه في الاستعداد،و المفروض أنّ النوع هنا مشكوك‏الاستعداد،أو معلوم عدم ثبوت استعداد خاصّ له،أو متردّد بين نوعين‏مختلفي الاستعداد،فأيّ فائدة في الإلحاق في الصورتين الأوليين؟و بأيّ‏النوعين يلحق في الصورة الثالثة؟و أمّا الضرب الثاني من القسم الثاني،فلأنّ المفروض العلم بمقدار


97
الاستعداد،و إنّما الشكّ في البقاء من جهة المانع،و لا يمكن أن يدّعى غلبة عدم‏الموانع،إذ لا ضابطة هناك،بل وقوعها تابع للدواعي الحاصلة في نفس‏الشخص،فقد تكون كثيرة فيكون الوقوع كثيرا،و قد لا،فلا.

مع أنّ ادّعاء غلبة عدم وجود المانع في الضرب الأوّل منه أيضا،محلّ‏كلام.

بل يمكن أن يقال: إنّ ثبوت هذه الغلبة في الضرب الأوّل من القسم‏الأوّل أيضا ليس مطّردا،نظرا إلى أنّ تعيين مقادير استعدادات الأمورالخارجيّة ليس مبنيّا على التحقيق-بحيث تكون مضبوطة محفوظة عن الزيادةو النقيصة و لو يسيرة-بل مبناه على التخمين و التقريب.

معنى: «إن مقدار استعداد الإنسان تسعون»
فمعنى أنّ مقدار استعداد الإنسان تسعون ليس أنّ منتهاه هو اليوم‏الآخر من الشهر الآخر من السنة الأخيرة من التسعين،حتّى لو شككنا في‏بقاء زيد بعد العلم ببلوغه النصف الأوّل من السنة الأخيرة أو أزيد،فنقول:

مقتضى الغلبة المذكورة هو بقاؤه،لعدم تمام مقدار استعداده.

بل المراد: هو أنّ مقدار الإنسان تقريبا هو بهذه المرتبة من العمرو ما قاربها،فلو شككنا في بقاء زيد بعد بلوغ الستّين يمكن الحكم بالبقاء.

و كذا الكلام في الرطوبة بالنسبة إلى الصيف و الشتاء،فإنّا لا نعلم إلاّأنّ استعدادها في الصيف أضعف منه في الشتاء،و أمّا تحقيق مقدارالاستعدادين فغير معلوم،فلو شككنا في بقائها في آن قريب من آن القطع‏بالارتفاع،فلا يمكننا الحكم ببقاء الاستعداد من جهة الغلبة.

فالحاصل: أنّ ما ذكره المصنّف-من الحكم ببقاء الشخص المشكوك-بقاؤه بمقدار استعداد نوعه من جهة الغلبة المذكورة مسلّم لكنّه إنّما يجري في‏بعض موارد الاستصحاب.


98
فان قلت: إنّا نرفع اليد عن اعتبار كلّ جزئيّ مشكوك البقاء بالإضافةإلى نوعه،بل ندّعي غلبته في جنس الموجودات على وجه الكلّيّة،بأن نقول‏عند الشكّ في بقاء شي‏ء: إنّا تتبّعنا الأمور الموجودة في السابق حين وجودهذا المشكوك،فوجدناها-على اختلاف استعداداتها و تفاوت مراتبها في‏القرب و البعد عن معرض الارتفاع بالروافع-باقية في هذا الزمان،فنلحق‏هذا المشكوك بها في البقاء.
الغلبة النوعية مقدّمة على الجنسية،و الصنفية على النوعية
ثمّ إذا اعتبرنا هذا الجزئيّ بالقياس إلى نوعه،فوجدنا غلبة أخرى‏موجبة لظنّ الارتفاع فنأخذ بهذه الغلبة،نظرا إلى أنّ الغلبة النوعيّة مقدّمةعلى الغلبة الجنسيّة عند التعارض.

و إن لم نجد غلبة كذلك في النوع فنعتبره بالقياس إلى صنفه،فإن وجدناغلبة معارضة للغلبة الجنسيّة السابقة فنأخذ بها أيضا،نظرا إلى أنّ الغلبةالصنفيّة مقدّمة عند التعارض على الغلبة النوعيّة-الّتي هي مقدّمة عندالتعارض على الغلبة الجنسيّة-فتقديمه عليها أولى.

و إن لم نجد غلبة معارضة للغلبة الجنسيّة-لا في النوع و لا في الصنف-فنحكم بمقتضى الغلبة الجنسيّة. مثلا: إذا شككنا في بقاء زيد فبعد ملاحظة أنّ‏غالب الأمور الموجودة معه في السابق تكون باقية،فنلحقه بها في البقاء.

ثمّ إذا اعتبرناه بالقياس إلى نوع الإنسان،فقد يكون مقتضى الغلبة فيه‏على العكس-بأن يكون زيد المشكوك بقاؤه في سنّ المائة و العشرين،فإنّ‏الغالب في الإنسان بعد المائة و العشرين عدم البقاء-فنحكم بأنّ زيدا غيرباق،نظرا إلى الغلبة النوعيّة.

و قد لا يكون غلبة في النوع معارضة مع الغلبة الجنسيّة-كأن يكون‏زيد الغائب في سنّ الستّين-فان لم يكن هناك أيضا غلبة صنفيّة-بأن يكون‏


99
زيد المذكور من صنف المدقوقين‏[1]الغالب فيهم عدم البقاء في مدّة طويلةعن زمان دقّهم-فيكون الغلبة الجنسيّة سليمة عن معارضة النوعيّة و الصنفيّة،فنعمل بها.
حاصل الكلام في إفادة الغلبة ظن البقاء
فحاصل الكلام: أنّه لا حاجة إلى ملاحظة الجزئي المشكوك البقاءمقيسا إلى نوعه-من حيث الاستعداد-حتّى يرد عليه: أنّه قد لا يكون‏نوعه معلوما لتردّده بين نوعين،كالحيوان المشكوك البقاء المتردّد بين نوعين‏مختلفي الاستعداد.

و قد يكون نوعه معلوما،و لكن استعداده غير معلوم.

و قد يكون استعداده أيضا معلوما،لكن شكّ في انقضاء مقدارالاستعداد عن هذا الجزئيّ.

و قد يكون عدم انقضائه أيضا معلوما،لكن يشكّ في وقوع المانع مع‏فرض كون هذا المانع من الأمور الّتي لا انضباط لها و لا اعتناء بعدمها،بل قد يتجدّد منها أفراد كثيرة في أزمنة متعاقبة.

و قد لا،بل نلاحظ الجزئيّ بالنسبة إلى الموجودات السابقة المشتركةمعه في الوجود السابق المتميّز عنها بالشكّ في البقاء،فنجد الأغلب باقيا،و إن كان ما ارتفع منها كثيرا في نفسه،لكنّه بالإضافة إلى الجميع كالقطرةبالإضافة[2]،فنلحق هذا الجزئيّ بالغالب إلى أن نجد غلبة معارضة لهذه الغلبة

[1]المدقوق: اسم مفعول،و من به حمّى الدّق،و هي حرارة غريبة تتشبّث بالأعضاءالأصلية و لا سيما القلب،و هي لازمة على نظام واحد،غير أنّها تشتدّ ليلا و بعد الغذاء،و لا يشعر اللامس بحرارتها الشديدة إلاّ بعد ان يطول الجسّ،فتظهر بقوّة(محيطالمحيط: 286،مادة«دقق»).
[2]هنا كلمة ساقطة،مثل: «إلى الحوض»أو: «إلى النهر»أو: «إلى البحر».

100
أخصّ منها،فنقدّمه عليها.

ففي جميع الصور المذكورة-الّتي أوردتها نقضا على غلبة المصنّف-نحكم بالبقاء،للغلبة الجنسيّة الّتي أثبتناها،إلاّ أن يمنع عنه غلبة معارضةأخصّ.

و حاصل هذه الغلبة هو: أنّ كلّ زمان نشكّ في بقاء شي‏ء فنقول:

إنّا تتبّعنا الموجودات في الزمان السابق،فنجد الباقي منها إلى هذا الزمان‏أغلب من المرتفع منها فيه بأضعاف غير محصورة،فنلحق هذا المشكوك بهاإلى أن يوجد المعارض.

عدم جدوى هذا التقرير في دفع النقض لوجوه:
قلت: تقرير الغلبة بهذا التقرير لا يجدي في دفع النقض بالصورالمذكورة.
الوجه الأوّل‏
أمّا أوّلا: فلأنّه إن أريد أن يثبت بها استعداد البقاء للمشكوك فيه إلى‏هذا الزمان-أي زمان الشكّ-،فمع أنّه لا يجدي إلاّ لدفع النقض بالصورةالأولى من الصور المنقوض بها-أعني صورة الشكّ في مقدار الاستعدادبأقسامها-لا الشكّ في انقضاء مقداره بعد القطع بالمقدار،أو في طروّ المانع مع‏عدم انضباط في المانع.

لا يخفى: أنّ المقدار المشترك من الاستعداد بين الموجودات المستقرأفيها ليس إلاّ الأقلّ بالنسبة إلى الجميع،مثلا: الاستعداد المشترك بين الفيل‏و الإنسان و الذباب و الرطوبة الصيفيّة ليس إلاّ استعداد الرطوبة،لأنّه مشترك‏بين الجميع،و إثبات هذا القدر للمشكوك غير مجد،إذ وجوده له معلوم،بل‏قد يعلم أزيد منه.


101
و إن أريد أن يثبت بها(1) بقاء ذلك المشكوك إلى هذا الزمان،مع قطع‏النّظر عن تشخيص مقدار الاستعداد،بأن يقال: إنّ الغالب باق فهذا باق،فنقول:

لا يخفى أنّ اتّصاف الغالب بالبقاء ليس لأمر واحد مشترك بين الجميع،حتّى يظنّ ثبوت هذا الأمر في المشكوك فيحكم عليه بالبقاء،بل لأمورمختلفة و هي استعداداتها و قابليّاتها المختلفة،و إنّما اجتمعت في هذا الزمان‏بضرب من الاتّفاق،نظرا إلى تفاوت مبادئ حدوثها في التقدّم و التأخّر.

مثلا: للفيل استعداد،و للفرس آخر،و للإنسان آخر،و للذباب آخر،و للرطوبة آخر،و لكن اتّفق هذا الزمان مجمعا لوجود الجميع،فاتّصف الجميع‏بالبقاء،فإذا شككنا في بقاء شي‏ء مشكوك مقدار استعداده مع القطع بزيادته‏عن استعداد بعض هذه البواقي و نقصانه عن استعداد بعضها الآخر،أو شككنافي بقاء شي‏ء معلوم مقدار استعداده مشكوك في انقضاء هذا المقدار،فبأيّ‏شي‏ء يلحق؟و لنأت لهذا بمثال ليتّضح به الحال،فنقول: إذا بنى الأمير على أن‏يضيّف جميع أهل البلد في الليالي،لكن مع الاختلاف في عدد الليالي-بحسب‏اختلافهم في الضعة و الشرف-بأن يضيف بعضهم ليلة،و بعضهم ليلتين،و بعضهم ثلاثا،و بعضهم عشرا،و هكذا،فأضاف في عدّة ليال جمعا،و أضاف‏زيدا أيضا عدّة ليال من تلك الليالي،ثمّ فرضنا أنّه اتّفق في ليلة إضافةأغلب أهل البلد لتصادف استعداداتهم اتّفاقا فيها،فإذا شكّ في أنّ زيداأضيف في هذه الليلة أم لا-من جهة الشكّ في مقدار قابليّته،هل هو ممّن‏

(1)أي بتلك الغلبة.

102
يضاف في ثلاث ليال أو في عشر أو في شهر؟-فلا يمكن أن يقال: إنّ زيدامضاف في هذه اللّيلة;من جهة أنّ أغلب أهل البلد مضافون،فافهم و اغتنم.

فان قلت: هذا كلّه يدلّ على عدم جواز التمسّك بهذه الغلبة في صورالشكّ في الاستعداد من الصور المنقوض بها،أمّا الصورة الأخيرة منها-و هي صورة الشكّ من جهة طروّ المانع،مع كون المانع ممّا لا ينضبط من‏حيث كثرة الوقوع و قلّته-فلا مانع من التمسّك بهذه الغلبة فيها،بأن يقال‏عند الشكّ في بقاء شي‏ء و ارتفاعه من جهة طروّ المانع الكذائي: إنّا وجدناأغلب الموجودات المشاركة مع هذا المشكوك في الوجود السابق لم يطرأعليها رافع،فهذا المشكوك كذلك. و لا يرد على هذه الغلبة ما ذكرت من‏الإيراد المستشهد عليه بالمثال العرفيّ.

قلت: نعم لا يرد ذلك،إلاّ أنّ بناء العرف ليس على الإلحاق في مثل‏هذه الصورة،مثلا إذا فرضنا أنّ أغلب أهل محلّة بناؤهم على القرار في بيوتهم‏ليلا،لكن فرضنا أنّ زيدا منهم ليس له انضباط و حدّ في هذا الأمر فقد يكون‏و قد لا يكون.

الوجه الثاني‏
و أمّا ثانيا: فنقول-على فرض صحّة الغلبة المذكورة و سلامتها من‏الإيراد الّذي ذكرنا-: لا يخفى أنّ كون غالب الأفراد على صفة إنّما يوجب‏إلحاق المشكوك بها في الاتّصاف بتلك الصفة إذا كان الأفراد الغير المتّصفة في‏نهاية القلّة و غاية الندرة،ليحمل المشكوك على الأعمّ الأغلب و يجعل النادركالمعدوم،و في ما نحن فيه ليس كذلك،نظرا إلى أنّ غالب الموجودات السابقةو إن كانت باقية،إلاّ أنّا نقطع أيضا بارتفاع كثير غير محصور منها،فليس‏غير الغالب بحيث يجعل كالمعدوم،فلا تفيد مثل هذه الغلبة ظنّ اللحوق.
الوجه الثالث‏
و أمّا ثالثا: فنقول-على فرض تسليم ثبوت الغلبة الجنسيّة في المقام‏
103
و إفادتها الظنّ-: لا يخفى أنّ العمل عليها و الأخذ بها كما أنّه مشروط بعدم‏كون الغلبة في النوع أو الصنف على خلافها-كما اعترفت به-فكذلك‏مشروط بعدم كون النوع-يعني نوع هذا المشكوك-مختلفة الأفراد في‏الاتّصاف بتلك الصفة و عدمه.

مثلا،لو فرضنا أنّ الغالب في جنس الإنسان البياض،لكن وجدنانوعا من أنواعه،بعض أفراده متّصف بالبياض و بعضها متّصف بغيره،و ليس‏أحد البعضين غالبا بالنسبة إلى الآخر،فإذا شككنا في فرد من هذا النوع أنّه‏أبيض أو غير أبيض،فلا يلحق بنوع الإنسان في البياض،لعدم حصول الظنّ‏في هذا الفرض.

فنقول في ما نحن فيه: إذا كان الشي‏ء المشكوك البقاء داخلا في نوع‏مختلف الأفراد-في البقاء إلى هذا الزمان-مع التساوي،فلا يظنّ إلحاق هذاالمشكوك بجنس الموجودات في البقاء. و هذا الفرض و إن كان نادرا،إلاّأنّه كاف في نقض الكليّة.

فان قلت: إذا كانت الغلبة الجنسيّة لا يعمل بها عند معارضة الغلبةالنوعيّة أو الصنفيّة،و كذا لا يعمل بها عند وجدان النوع أو الصنف مختلف‏الأفراد في الاتّصاف بتلك الصفة-كما ذكرت من المثال-فأين يعمل بها؟و ما الفائدة فيها؟قلت: إذا لم يكن في النوع و الصنف غلبة معارضة،و لا وجد أفرادهمامبعّضة في الاتّصاف بالصفة مع تساوي البعضين في القدر تحقيقا أو تخمينا.

توضيح ذلك: أنّه إذا شككنا في اتّصاف فرد بصفة و تتبّعنا في جنس‏هذا المشكوك،فرأينا الغالب فيه الاتّصاف بتلك الصفة،فلا يجوز المبادرة إلى‏إلحاق المشكوك بجنسه بمجرّد ذلك،بل ينبغي أن يلاحظ نوع هذا المشكوك‏


104
و صنفه،فإن وجد في أحدهما غلبة معارضة فيؤخذ بها،لأنّها كالنصّ بالنسبةإلى الغلبة الجنسيّة لأنّها أخصّ،و هي كالظاهر بالنسبة إليها لأنّها أعمّ.

و إن لم يوجد في أحدهما غلبة معارضة،فان وجدت غلبة معاضدةفنعم الاتّفاق،و إن لم توجد غلبة أصلا-بأن كان أفراد النوع أو الصنف‏مبعّضة،بعضها متّصفا بالصفة المذكورة و بعضها غير متّصف بها من غير غلبةأحدهما على الآخر غلبة يعتنى بها-فإن وجدنا البعضين متساويين‏أو كالمتساويين تحقيقا أو تخمينا،فلا يلحق الفرد المشكوك من هذا النوع‏أو الصنف بالجنس،لأنّ تساوي أفراد هذا النوع يكشف عن تغاير حكم‏أفراد لأفراد سائر أنواع ذلك،و لو لم يكشف عن ذلك فلا أقلّ من أنّه يمنع‏عن ظنّ الاتّحاد كما في المثال السابق.

و إن لم نجد البعضين كذلك،بل شككنا في التساوي و الغلبة،أو قطعنابالغلبة و شككنا في أنّ الغالب موافقة الجنس أو مخالفته،ففي هاتين الصورتين‏نلحق الفرد بالجنس،فتأمّل.

تقرير الغلبة بنوع آخر
ثمّ اعلم أنّه يمكن تقرير الغلبة بنوع آخر،بأن يقال عند الشكّ في بقاءشي‏ء: إنّا تتبّعنا الأمور المشكوكة البقاء فوجدنا-بعد استكشاف الحال في‏ما يمكن فيه الاستكشاف من تلك الأمور،أو انكشافه في ما لا يمكن فيه‏منها-أنّ الغالب البقاء،مثلا: شككنا في بقاء الشي‏ء الفلاني،و الفلاني،و كذاو كذا و كذا و هكذا،ثمّ استكشفنا الحال في ما يمكن الاستكشاف فيه من‏الأمور المذكورة،فوجدنا أنّ الباقي منها أغلب في الغاية من المرتفع،فكلّماشككنا في شي‏ء فنلحقه بالغالب،و إن كان المشكوك ممّا لا يمكن الاستكشاف‏فيه مع كون المستقرأ فيها ممّا يمكن فيه الاستكشاف،للقطع بعدم مدخليّةإمكان الاستكشاف في ذلك.
105
فعلى هذا التقرير: لا حاجة إلى ملاحظة أنّ الشكّ في البقاء من جهةالشكّ في الاستعداد بأقسامه المذكورة آنفا،أو من جهة الشكّ في طروّ المانع‏بقسميه المذكورين. و لا يرد النقض بالصور المذكورة الواردة نقضا على‏السابق.

و لعلّ هذا هو السرّ في لزوم اختلال نظام العالم لو ترك العمل‏بالاستصحاب،فانّه إذا شكّ أحدنا في بقاء أمر مترتّب عليه أحكام المعاش،فلم يرتّب عليه آثار البقاء،و شكّ أيضا في بقاء أمر آخر من الأمورالمذكورة فلم يرتّب عليه آثار البقاء،و فعل ذلك مرارا بالنسبة إلى الأمورالمذكورة،فلمّا كان الغالب انكشاف البقاء فيوجب ذلك فوات كثير من‏مقاصد هذا الشخص. فإذا فعل شخص آخر كذلك و شخص آخر،و بالجملةلو بنى جميع الناس على أن لا يرتّبوا آثار البقاء على مشكوك البقاء مع‏كشف البقاء غالبا-إمّا بالاستكشاف أو بالانكشاف-فيوجب ذلك فوات‏أغلب مقاصدهم،و ينجرّ إلى الاختلال،فتأمّل.

و يمكن استفادة ذلك من تقرير المصنّف،المذكور في المتن. [قوله‏]قدّس سرّه: «و إذا رأينا منه في مواضع غير عديدة(1) أنّه‏اكتفى-حين إبداء الحكم-بالأمر المطلق القابل للاستمرار و عدمه،ثمّ علمنا أنّ‏مراده كان من الأمر الأوّل: الاستمرار،فنحكم في ما لم يظهر مراده-من‏الاستمرار و عدمه-بالاستمرار».

تحديد إثبات الاستقراء الظن بالبقاء في الأحكام‏
(1)[أقول‏]: لا يخفى أنّ هذا الاستقراء إنّما يثبت ظنّ البقاء في ما إذا شكّ‏في بقاء أصل الحكم الكلّي الّذي ألقاه الشارع إلى العباد و ارتفاعه.

(1)كذا في الأصل و القوانين.

106
و أمّا إذا قطع ببقاء ذلك الحكم الكلّي،و شكّ في بقاء الحكم الجزئيّ‏المتعلّق بمورد خاصّ-إمّا من جهة تبدّل وصف من أوصاف الموضوع شكّ‏في مدخليّته في ثبوت الحكم،أو قطع بمدخليّته لكن شكّ في أنّ لحدوثه دخلاأو لحدوثه و بقائه كليهما مدخلا في حدوث الحكم و بقائه،و إمّا من جهةالشكّ في وجود الرافع للحكم الجزئيّ المذكور،أو رافعيّة شي‏ء له-فلا يثبت‏ظنّ بقائه بالاستقراء الّذي ذكره قدّس سرّه.

مثلا: إذا شككنا في أنّ الماء المتغيّر النجس بعد زوال تغيّره باق على‏النجاسة أو لا-من جهة الشكّ في مدخليّة التغيّر في موضوعيّة الموضوع-فلا يجدينا الظنّ،بل القطع بأنّ الحكم الّذي أبداه الشارع مستمرّ،لأنّ‏استمراره لا دخل له في بقاء النجاسة في الماء المذكور و ارتفاعها،إذ لوارتفعت فإنّما ارتفعت بارتفاع موضوعها-و هو الماء المقيّد بتلبّسه بالتغيّر-و ليس هذا ارتفاعا للحكم الّذي أبداه الشارع و قطعا لاستمراره،إذ ارتفاع‏الحكم الخاصّ عن مورد لعدم موضوعه ليس ارتفاعا لأصل الحكم الشرعي،فإذا ارتفعت النجاسة عن كلب لاستحالته ملحا،لم يرتفع الحكم الشرعي،أعني نجاسة الكلب.

و كذا الكلام في ما لو شكّ في بقاء الطهارة من جهة الشكّ في الحدث،أو في بقاء وجوب شي‏ء من جهة الشكّ في وجود غايته،أو في كون الشي‏ءغاية له.

و الحاصل: أنّ إثبات استمرار الأحكام الكليّة الّتي أبداها الشارع‏بالاستقراء،إنّما يجدي لو كان الشكّ في استمرار حكم من هذه الأحكام‏الكليّة،و لا يجدي إذا كان الشكّ في بقاء تعلّقاتها الخاصّة بالموارد الخاصّة.

و ظنّ استمرار الحكم الكلّي لا يعالج به الشكّ في بقاء التعلّق الخاصّ،بل


107
القطع به كذلك أيضا،كما في الأمثلة المذكورة.

اللّهم إلاّ أن يتمسّك في كلّ مقام باستقراء ملائم لذلك المقام،بأن يقال‏مثلا في مسألة الشكّ في أنّ تغيّر الماء هل يكون زواله موجبا لزوال‏النجاسة؟: إنّ أغلب الأحوال العارضة للماء المذكور-من الوجوديّات‏و العدميّات-وجدناها غير موجبة لزوال الحكم،فهذا أيضا كذلك.

و هكذا يفعل في ما إذا كان حاضرا و دخل عليه وقت الصلاةفلم يصلّ و سافر،أو كان بالعكس،و هكذا في المقامات الاخر. لكن أنّى توجدتلك الاستقراءات؟ثمّ إنّ الغرض من هذه الغلبة المدّعاة في مسألة الماء المتغيّر هو محض‏التمثيل،و بيان أنّه إن كان و لا بدّ من التمسّك بالاستقراء فليدّع في كلّ مقام‏استقراء ملائم له،و إلاّ فتلك الغلبة في غاية الفساد و نهاية البعد عن السداد،نظرا إلى أنّ التغيّر من الأوصاف الّتي لها مدخل في حدوث الحكم-أعني‏النجاسة-و لم يثبت بالاستقراء أنّ غالب الأوصاف الّتي لحدوثها مدخل في‏حدوث الحكم لا مدخل لزوالها في زواله،بل يمكن ادّعاء العكس.

نعم: الأوصاف الّتي لا مدخل لحدوثها في الحكم لا مدخل لزوالهاأيضا في زواله.

قوله: «و كذلك الكلام في موضوعات الأحكام»
[قوله‏]قدّس سرّه: «و كذلك الكلام في موضوعات الأحكام من الأمورالخارجيّة،فإنّ غلبة البقاء يورث الظنّ القويّ ببقاء ما هو مجهول الحال». (1)[أقول‏]: هذا الكلام يشعر بأنّ مراده من الاستقراء هو تتبّع‏المشكوكات و كشف بقاء أغلبها-إمّا بالاستكشاف في ما يمكن فيه ذلك،أو بالانكشاف-نظير الاستقراء في أحكام الشارع على ما سبق منه رحمه اللّه.

و هذا هو التقرير الّذي ذكرناه أخيرا.


108
[قوله‏]قدّس سرّه: «و لا يهمّنا إثبات الباعث على الظنّ». (1)[أقول‏]: لو تنزل إلى هذا من أوّل الأمر كفاه و إيّانا مئونة الكلام،فان إثبات الغلبة في أكثر موارد الاستصحاب دونه خرط القتاد.
الفرق بين الدليل الدالّ على حجيّة ظن المجتهد،و الدالّ على حجيّة الظن الحاصل للمقلّد
(2)[أقول‏]: ما سبق منه قدّس سرّه في مبحث أخبار الآحاد من الأدلّة على‏حجّية ظنّ المجتهد-على فرض تسليم دلالتها على حجيّة كلّ ظنّ يحصل له‏من أيّ سبب كان عدا ما خرج بالدّليل،حتّى مثل هذا الظنّ الضعيف‏الحاصل في المقام من الغلبة المثبتة باللّتيّا و الّتي-فإنّما يثبت حجيّة الظنّ‏الاستصحابيّ إذا كان المستصحب من الأحكام الشرعيّة الكليّة-الّتي يكون‏استنباطها من شأن المجتهد-و ما يتعلّق بها،كالموضوعات اللغويّة.

و أمّا غير ذلك من الموضوعات الخارجيّة-كبقاء كريّة الماء و رطوبةالثوب و موت الصيد الواقع في الماء القليل به،و نحو ذلك،و الأحكام الجزئيةكبقاء وجوب الصوم عند الشكّ في تحقّق الغروب،و الطهارة عند الشكّ في‏الحدث أو التنجّس،و نحو ذلك-فلا يثبت حجيّة الظنّ فيها بحجيّة ظنّ‏المجتهد،إذ لا دخل للاجتهاد فيها،لأنّ تشخيصها ليس من شأن المجتهد،و لا يحصل للمجتهد الظنّ بأنّ زيدا إذا شكّ في تحقّق الغروب فوجوب الصوم‏باق بالنسبة إليه،و كذا إذا شكّ زيد في بقاء طهارته،فلا يحصل للمجتهد ظنّ‏ببقائها،و لو حصل فليس معتبرا في حقّ زيد.

نعم،شأن المجتهد الحكم بأنّ الظنّ الحاصل لزيد في الموضوعات‏و الأحكام الجزئيّة يجب عليه اتّباعه لو كان مذهبه جواز العمل بالظنّ في‏أمثال ذلك،أو لا يجب عليه اتّباعه لو كان مذهبه عدم جواز العمل بالظنّ‏


109
فيها،كما هو التحقيق.

و الحاصل: أن الدليل الدالّ على حجيّة ظنّ المجتهد الحاصل له في‏المسائل الاجتهاديّة-و بعبارة أخرى: في المسائل الّتي يجوز تقليده فيها-غيرالدليل الدالّ على حجيّة الظنّ الحاصل للمقلّد في الأمور غير الاجتهاديّة الّتي‏لا يجوز تقليد المجتهد فيها من حيث إنّه تقليد،و إن كان بيان كليهما وظيفةالمجتهد.

و الّذي سبق من المصنّف قدّس سرّه بيانه هو الأوّل،و الّذي يجدي في‏حجيّة الظنّ الاستصحابي في الموضوعات و الأحكام الجزئيّة هو الثاني.

اللّهم إلاّ أن يقال: إنّ المقصود من عقد بحث الاستصحاب-الّذي‏جعلوه من الأدلّة على الأحكام الشرعيّة الاجتهاديّة-لمّا كان هو بيان جوازإثبات تلك الأحكام به و عدم جوازه و أنّ البحث عن جواز إثبات غيرها به‏إنّما وقع تطفّلا،اكتفى المصنّف قدّس سرّه بمجرّد إقامة الدليل على جواز إثبات‏الأحكام الاجتهاديّة به بأنّه يفيد الظنّ بالحكم الشرعي الفرعيّ الاجتهادي،و كلّ ما يفيد الظنّ بالحكم الاجتهاديّ فهو حجّة.

أمّا الصّغرى فلما ذكره هنا،و أمّا الكبرى فلما بيّنه في مبحث أخبارالآحاد.

فثبت من ذلك مطلبه الأصليّ،و هو كون الاستصحاب من أدلّةالأحكام الشرعيّة الاجتهاديّة،و إن لم يثبت مطلبه التطفّلي.

لكن ينافي ذلك أنّ المصنّف قدّس سرّه بصدد إثبات حجيّة الاستصحاب‏مطلقا في جميع الموارد،لا في خصوص الأحكام،كما هو أحد الأقوال في‏المسألة،الّذي اختاره و شرع في الاستدلال عليه.

و المقصود الأصلي من عقد بحث الاستصحاب و إن كان هو إثبات كونه‏


110
دليلا من أدلّة الأحكام أو عدمه،لكنّ المبحوث فيه بالأصالة في هذا المبحث‏ليس خصوص تلك الأحكام سيّما بين المتأخّرين. و لا تنافي بين كون الداعي‏على عقد مبحث شيئا و كون المبحوث فيه أعمّ من ذلك الشي‏ء بالأصالة،فتأمّل‏[1].
[1]الظاهر وجود سقط في النسخة،لأن قوله«فتأمّل»آخر الصفحة 36 من المخطوطة،و تبدأ الصفحة 37 بقوله: «فتدبّر،قوله قدّس سرّه: و أن ذلك الأصل غير مسلّم... إلخ».

111
[بحث استطرادي حول أصالة حرمة العمل بالظن‏]
[قوله‏]قدّس سرّه: «و أنّ ذلك الأصل غير مسلّم فإنّ الدليل عليه إن‏كان... إلخ».
هل المراد من قوله: «عدم تسليم أصالة الحرمة»مع الانسداد أو بدونه؟
(1)[أقول‏]: إن كان مراده قدّس سرّه من عدم تسليم أصالة حرمة العمل‏بالظنّ: عدم تسليمها مع قطع النّظر عن الانسداد-و بعبارة أخرى: مع قطع‏النّظر عن لزوم محذور و بثالثة: مع قطع النّظر عن الاضطرار إليه،و رابعة:

بالنظر إلى الأصل الأوّلي-فستعرف ضعفه و أنّ الحق حرمة العمل به مع‏فرض عدم الاضطرار إليه.

و إن كان مراده قدّس سرّه: عدم تسليم حرمة العمل به مع فرض الانسدادو الاضطرار و لزوم المحذور بالترك-و إن كان حرمة العمل به مع قطع النّظرعن ذلك مسلّمة عنده-ففيه: أنّ المناسب حينئذ هو الاستدلال على إثبات‏الاضطرار و لزوم المحذور و الاكتفاء بقوله: «و قد بيّنا في مباحث الأخبار


112
حجيّة ظنّ المجتهد»(1) لا مطالبة الدليل على ثبوت حرمة العمل بالظنّ،إذ هورحمه اللّه-بعد تسليم أصالة حرمة العمل بالظنّ مع فرض عدم المحذور-مطالب‏بدليل الجواز في حال الانسداد.

و الحاصل: أنّه على هذا التقدير يحسن المطالبة منه،و لا يحسن منه‏المطالبة.

ثمّ إنّه لمّا اشتهر أنّه قدّس سرّه قائل بالاحتمال الأوّل،يعني أنّه لا يسلّم‏أنّ الأصل الأوّلي أيضا حرمة العمل بالظنّ-و إن كان لي في صحّة هذه النسبةإليه تأمّلا-فلا بأس بصرف عنان الكلام إلى إثبات ذلك الأصل في هذاالمقام،و إن كان خارجا عن المرام،لكن تعرّض المصنّف قدّس سرّه له يكفي في‏الالتئام.

الأصل الأوّلي هو: عدم حجية الظن و حرمة العمل به‏
فنقول-مستمدّا للتوفيق من الملك العلاّم-:

إنّ الأصل الأوّلي-مع قطع النّظر عن الدليل الوارد-هو عدم حجيّةالظنّ من حيث هو ظنّ و حرمة العمل به كذلك،يعني أنّا لو فرضنا عدم‏لزوم محذور خارجي من عدم العمل عليه،و عدم الاضطرار بواسطة الدليل‏الخارجي إليه،و عدم ثبوت الدليل على جواز العمل به عموما أو خصوصا،فمقتضى القاعدة المستفادة من العقل و النقل هو عدم حجيّته و حرمة العمل،لا حجيّته و وجوب العمل به و لو تخييرا.

بل مقتضى بعض الأدلّة-كالآيات و الأخبار-حرمة العمل به،و لو مع ثبوت الدليل على جواز العمل،بمعنى أنّه يقع التعارض بينه و بين‏الدليل الدالّ على الجواز،بحيث لا بدّ في إثبات الجواز من تخصيص دليل المنع‏

(1)القوانين 2: 58.

113
أو تقييده.

نعم،مقتضى بعض آخر-كالإجماع و العقل-هو المنع بشرط انتفاءالدليل على الجواز،بحيث لو قام الدليل على الجواز فلا يقع تعارض،لانتفاءموضوع دليل المنع.

المراد من العمل بالظن‏
ثمّ،إنّ العمل بالظنّ إمّا أن يكون المراد منه بناءنا و توطين أنفسنا على‏أنّ المظنون حكم اللّه في حقّنا،و الحكم بذلك و أخذه متّبعا،و الاستقرار عليه‏و التكلّف بمقتضاه.

و إمّا أن يكون المراد منه ترتيب آثار الحجيّة،أعني العمل في الفروع‏على طبقه بالإتيان بما ظنّ وجوبه و الاجتناب عمّا ظنّ حرمته.

و الحقّ حرمته و عدم حجّيته بكلا المعنيين.

ما يدل على الأوّل‏
أمّا بالمعنى الأوّل: فالدليل عليه هو الكتاب و السنّة و الإجماع و العقل.
أمّا الكتاب: فآي:
منها: قوله: ﴿وَ أنْ تَقولوا عَلى اللّهِ ما لا تَعْلَمون (1) .

و قوله تعالى-في موضع آخر-: ﴿أمْ تَقُولونَ عَلى اللّهِ‏مَا لا تَعْلَمون (2) .

و قوله مخاطبا لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ﴿وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ‏عِلْم (3) .

و قوله تعالى فيه أيضا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ﴿وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ‏الأقاوِيلِ لأخَذْنا مِنْهُ بِاليمين ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الوَتين (4) .

(1)البقرة: 169.
(2)البقرة: 80.
(3)الإسراء: 36.
(4)الحاقّة: 44-46.

114
و هذان و إن كان من قبيل«إيّاك أعني و اسمعي يا جارة»لكنّه يكفي‏هذا القدر.

و قوله تعالى: ﴿إنْ هُم إلاّ يَظُنُّون (1) ،و﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْني مِنَ الحَقِ‏شَيْئاً (2) ،و أمثال هذه،حتّى أنّ ببالي أنّ بعض الفضلاء المعاصرين(3) صرّح‏هو-أو حكى عن غيره-أنّ المجتمع من الآيات الدالّة على حرمة العمل‏بالظنّ-الأعمّ من الدلالة المطابقيّة و التّضمنيّة و الالتزاميّة-يقرب من مائة.

ثمّ،إنّ بيان خدشات الاستدلال بهذه الآيات و إصلاحها يوجب‏الخروج عمّا اقتضاه وضع التعليقة من الاختصار في ما كان خارجا عن‏المقام،مربوطا به بأدنى مناسبة و التئام.

ما يدل عليه من السنّة
و أمّا السنّة،فأخبار كثيرة:

منها: قوله عليه السّلام: «إيّاك و خصلتين،ففيهما هلاك من هلك: إيّاك أن‏تفتي الناس برأيك،و تدين بما لا تعلم»[1].

و عن الباقر عليه السلام: «من دان اللّه بما لا يعلم فقد ضادّ اللّه،حيث‏أحلّ و حرّم في ما لا يعلم»(4) .

و عنه عليه السّلام: «من شكّ أو ظنّ فأقام على أحدهما فقد حبط عمله،إنّ حجّة اللّه هي الحجّة الواضحة»[2].

[1]الوسائل 18: 10،الباب 4 من أبواب صفات القاضي،الحديث 3 و فيه: عن أبي‏عبد اللّه عليه السّلام.
[2]الوسائل 18: 25،الباب 6 من أبواب صفات القاضي،الحديث 8 و فيه: عن أبي عبد اللّه عليه السّلام.
(1)الجاثية: 24.
(2)النجم: 28.
(3)في هامش النسخة: سيد عبد اللّه شبّر.
(4)الوسائل 18: 25،الباب 6 من أبواب صفات القاضي،الحديث 12.

115
و عنه عليه السّلام: «حقّ اللّه على العباد: أن يقولوا ما يعلمون و يكفّواعمّا لا يعلمون»[1].

و عنه عليه السّلام: «القضاة أربعة: ثلاثة في النّار،و واحد في الجنّة»،و عدّمن الثلاثة«الّذي يقضي بالحقّ و هو لا يعلم»[2].

إلى غير ذلك من الأخبار. حتّى إنّ بعض الفضلاء المعاصرين-المشارإليه سابقا[3]-صرّح أو حكى عن غيره: أنّ المجتمع من الأخبار الدالّةبإحدى الدلالات الثلاث نحو من خمسمائة.

ما يدل عليه من الإجماعات‏
و أمّا الإجماع: فقد ادّعى كثير من معاصرينا كونه من الضروريّات‏و البديهيّات،فضلا عن كونه من الإجماعيّات. و الظاهر أنّه كذلك.

قال رئيس المجتهدين العلاّمة البهبهاني-في رسالته المعمولة في‏الاجتهاد و الأخبار-بعد ذكر نبذ من الآيات و الأخبار: «و هو-يعني عدم‏حجيّة الظنّ-محلّ اتّفاق جميع أرباب المعقول و المنقول،إذ كلّ من قال بحجيّةظنّ في موضع قال به بدليل أتى به»(1) انتهى.

و بمثله صرّح الآخرون من مشايخنا المعاصرين(2) ،بل لعلّ هذا مسلّم‏

[1]الوسائل 18: 12،الباب 4 من أبواب صفات القاضي،الحديث 10،و فيه: قلت‏لأبي عبد اللّه عليه السّلام: «ما حقّ اللّه على خلقه؟قال: أن يقولوا ما يعلمون و يكفّواعمّا لا يعلمون... الحديث».
[2]الوسائل 18: 11،الباب 4 من أبواب صفات القاضي،الحديث 6،و فيه: عن‏أبي عبد اللّه عليه السّلام.
[3]راجع إليه في الصفحة السابقة،و فيها: يقرب من مائة.
(1)نقله في مفاتيح الأصول: 457،عن بعض مؤلّفات جدّه قدّس سرّهما.
(2)منهم الفاضل النراقي قدّس سرّه في عوائد الأيّام: 120-121. و السيّد المجاهد قدّس سرّه‏في مفاتيح الأصول: 452.

116
عند العامّة;فانّهم لم يقولوا بحجيّة مطلق الظنّ-و لو مثل القياس‏و الاستحسان-إلاّ بعد إقامة الدليل(1) . و لم يقل بعضهم ببعض الظنون،لعدم‏ثبوت الدليل عنده.
ما يدل عليه من العقل،و تقريره بمقدمات:
و أمّا العقل،فبيانه يحتاج إلى مقدّمات:
المقدمة الأولى‏
الأولى: أنّ الأمر في المقام دائر بين حرمة العمل بالظنّ و وجوبه-و لو تخييرا بينه و بين متّبع آخر-و أمّا إباحته بالمعنى الأخصّ فلا معنى له،اللّهم إلاّ أن يكون بمعنى أنّه يباح العمل في أوّل الأمر مع عدم وجوب له‏أصلا حتّى التخييري،لكن بعد العمل يجب عليه الأخذ و يحرم عليه الرجوع،و لو في خصوص المسألة الّتي أخذ به فيها.
المقدمة الثانية
الثانية: أنّ الكلام في هذا المقام في وجوب العمل بالظنّ أو حرمته،مع‏قطع النّظر عن موافقة المظنون مع أحد مقتضيات الأصول-كالاحتياطو البراءة و غيرهما من الأصول-فإيّاك أن تورد على دليلنا الآتي بصورةتعلّق الظنّ بوجوب شي‏ء،و تقول: إنّ دفع الضرر المظنون لازم،لأنّه من‏باب الاحتياط،أو بصورة تعلّق الظنّ بعدم وجوبه،فنقول: إنّ مخالفة هذاالظنّ-يعني الحكم بالوجوب-يحتاج إلى دليل،لا موافقته،لأنّه من باب‏البراءة. و هذه الموافقة اتّفاقية،فليفرض الكلام مع قطع النّظر عن جميع ذلك.
المقدمة الثالثة
الثالثة: أنّ المقصود تشخيص حكم العمل بالظنّ مع قطع النّظر عن‏لزوم محذور خارجيّ من عدم العمل به-من لزوم الخروج عن الدين بإجراءالبراءة،أو الحرج الشديد بالاحتياط،أو محذورات اخر باحتمالات اخر-فافرض الكلام عند خلوّ المقام عن جميع المحاذير اللازمة من ترك العمل‏
(1)انظر الإحكام في أصول الأحكام،للآمدي،4: 272 و 390.

117
بالظنّ،لأنّا في مقام بيان الأصل الأوّلي،فلعلّنا نقول بحجيّة الظنّ بملاحظةتلك المحاذير.
المقدمة الرابعة
الرابعة: أنّ مفاد دليلنا العقلي الآتي ليس كمفاد الآيات و الأخبارالسابقة،بحيث يمنع عن العمل بالظنّ مطلقا،حتّى لو قام دليل على حجيّة ظنّ‏كان اللازم تخصيص تلك العمومات أو تقييد تلك المطلقات،بل مفاده كمفادالإجماع السابق في منعه عن العمل عند عدم الدليل على وجوب العمل.
الاستنتاج من المقدمات المذكورة
إذا عرفت ما ذكرنا،فنقول: العمل بالظنّ بالمعنى الأوّل-يعني أخذه‏متّبعا من غير دليل من الشارع على أنّه متّبع،و بناؤنا على أنّ المظنون حكم‏اللّه في حقّنا،و الحكم بذلك و تكلّفه-إن لم نقل بأنّه مقطوع الحرمة عندالعقل،فلا أقلّ من أنّه مظنون الحرمة و الضرر،و لا أقلّ من أنّه محتمله،و دفع الضرر المحتمل واجب عند العقل،بمعنى أنّه لو لم يوجد دليل أقوى من‏العقل أو وارد من الشرع على الإباحة فيحكم بوجوب الترك و كون الشي‏ءعلى الحظر.

و بعد الالتفات إلى ما ذكرنا في المقدّمة الثانية،لا أظنّك تتوهّم أنّ‏التمسّك بدفع الضرر المظنون على حرمة العمل بالظنّ،تمسّك بنفس الشي‏ءعلى إبطاله،فإنّه تمسّك بالاحتياط على حرمة العمل بالظنّ.

مضافا إلى أنّ الشكّ في الضرر يكفينا،بل الوهم به إذا لم يكن بحيث‏لا يعتني به العقلاء لغاية ضعفه.

الإشكال بأنّ لازم دفع الضرر: التوقف أو التخيير أو الطرح‏
فإن قلت: كما أنّ الضرر يحتمل في الفعل،فكذلك يحتمل في الترك،فلا بدّ من التوقّف،أو التخيير بين الوجوب و الحرمة،أو طرحهما و الرجوع‏إلى الإباحة.
بيان فساد هذا الإشكال بوجوه:
قلت: هذا فاسد من وجوه:
118
الوجه الأوّل‏
أمّا أوّلا: فلأنّه بعد ما ذكرنا لك في المقدّمة الثالثة أنّ الكلام في حكم‏العمل بالظنّ،مع قطع النّظر عن لزوم محذور في ترك العمل به من الخارج،فلا مجال لاحتمال وجوبه تعيينا-بحيث يترتّب على تركه الضرر-،غايةالأمر احتمال الوجوب التخييريّ،و من المعلوم أنّه لا ضرر في تركه،فاحتمال‏الضرر في الفعل سليم عن المعارض.

و بعبارة أخرى: لا فرق في حكم العقل بوجوب الترك بين دوران‏الأمر بين الحرمة و الإباحة،أو بين الحرمة و الوجوب التخييريّ،لعدم ضررعلى الترك فيهما.

الوجه الثاني و الثالث‏
و أمّا ثانيا: فلأنّا لو سلّمنا أنّ في تركه أيضا احتمال الضرر،لكن نقول:

إنّ احتماله في الفعل أقوى من احتماله في الترك،سواء قلنا بأنّ احتماله في الفعل‏مظنون أو مشكوك أو موهوم،لتفاوت مراتب الظنّ و الوهم،و ترك‏الأقوى احتمالا للضرر متعيّن بحكم العقل.

و أمّا ثالثا: فلأنّا لو سلّمنا تساوي الاحتمالين في القوّة و الضعف-بأن‏فرضناهما مشكوكين أو مظنونين بمرتبة واحدة من الظنّ،أو موهومين كذلك-لكان غاية ذلك: دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة،و نحن و إن كنّالا نقول بترجيح جانب الحرمة عند دوران الأمر بينها و بين الوجوب بقول‏مطلق،إلاّ أنّا نقول به في ما إذا علمنا بأنّ الأثر المترتّب على الفعل-على‏فرض الحرمة-هو لزوم المفسدة،و الأثر المترتّب على التّرك-على فرض‏الوجوب-هو فوت المنفعة،أو شككنا في انّه فوت المنفعة أو لزوم المفسدة،كما في ما نحن فيه،فإنّ العقل يحكم بأولويّة دفع المفسدة على جلب المنفعةعند احتمالهما،و بأولويّة ترك ما يحتمل فيه المفسدة على فعل ما يحتمل في‏تركه لزوم المفسدة أو فوت المنفعة.


119
نعم،لو علمنا بأنّ كلاّ من الأثرين المحتملين-على فرض الحرمةأو الوجوب-هو لزوم المفسدة أو فوت المنفعة،أو احتملنا الأمرين في كلّ‏من الأثرين،لم نقل بترجيح الحرمة،و إن قال به كثير في الصورة الأخيرة،نظرا إلى أنّ الغالب أنّ أثر فعل الحرام لزوم المفسدة،و أثر ترك الواجب فوت‏المنفعة.
الوجه الرابع‏
و أمّا رابعا: فلأنّا لو لم نقل بحكم العقل-بالخصوص-بترجيح جانب‏الحرمة على جانب الوجوب عند احتمالهما،لكن غاية ذلك: دوران الأمر بين‏أن يحكم بالتخيير بينهما،و بين أن يحكم بتعيين الحرمة،لعدم الدليل على واحدمنهما،فيدور الأمر بين التخيير و التعيين،و نثبت بحكم العقل التعيين،لأنّه‏لو كان الحكم في الواقع التخيير بين الوجوب و الحرمة فأخذ الحرمة لا ينافيه.

و إن كان الحكم في الواقع تعيين الحرمة فقد أخذنا بها.

حكم العقل-في الدوران بين التعيين و التخيير-بترجيح التعيين‏
و حاصل ذلك: أنّا نقول في أصل مسألة دوران الأمر بين التخيير بين‏الوجوب و الحرمة و بين تعيين الحرمة: أنّ العقل يحكم بترجيح التعيين من‏باب لزوم دفع الضرر المحتمل،إذ لا ضرر في ترجيح تعيين الحرمة أصلا،بخلاف التخيير بين الوجوب و الحرمة،فإنّه يحتمل فيه الضرر بأن يكون‏الحكم: التعيين.
حرمة العمل بالظن في المسائل الفرعية
و أمّا العمل بالظنّ بالمعنى الثاني-و هو ترتيب الآثار على الظنّ‏بالإتيان بما ظنّ وجوبه و الترك لما ظنّ حرمته،و حاصله: العمل في المسائل‏الفرعيّة على طبقه،سواء كان في العبادات أم في المعاملات أو في غيرهما من‏أبواب الفقه-،فنقول في إثبات أنّ الأصل مع عدم الدليل حرمته-مضافاإلى ما مرّ من الآيات و الأخبار و الإجماع-: إنّ الظنّ إذا تعلّق بأحد طرفي‏المسألة-من أيّ باب كانت من أبواب الفقه-فإمّا أن يكون دليل من الأدلّة
120
أو أصل من الأصول الأربعة الجارية في جميع أبواب الفقه-و هي البراءةو الاحتياط و التخيير و الاستصحاب-موافقا له،بأن كان المظنون موافقاللبراءة أو الاحتياط أو غيرهما أو لدليل من الأدلّة المعلومة الحجيّة.

و إمّا أن يكون دليل أو أصل مخالفا له،بأن اقتضى الظنّ شيئاو الاحتياط الواجب شيئا،أو البراءة شيئا،أو اقتضى الظنّ شيئا و اقتضى‏الدليل الموجود في المسألة شيئا آخر.

و المنفصلة المذكورة حقيقيّة،فلا يمكن الجمع في مورد بين قسميهاو لا خلوّ مورد عن أحدهما،نظرا إلى أنّ كلّ مسألة فإمّا أن يوجد فيها دليل،أو يوجد فيها أصل من الأربعة المذكورة-على سبيل منع الخلوّ-فإذا لم تكن‏خالية عن أحدهما،فإمّا أن يكون الموجود فيها موافقا لمقتضى الظنّ،أو مخالفا له-على سبيل المنفصلة الحقيقيّة-.

فإن كان الموجود في المسألة-من الأصل أو الدليل-موافقالمقتضى الظنّ،بأن كان وجوب السورة مثلا مظنونا،و الاحتياط الواجب-على القول بوجوبه في مثل هذا-يقتضيه أيضا،أو ظنّ حلّية شرب التتن‏و البراءة-على القول بها في مثلها-يقتضيها أيضا،أو ظنّ وجوب النيّة،و الخبرالمتواتر-أعني قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «الأعمال بالنيّات»(1) يقتضيه أيضا-و غير ذلك من الأمثلة.

عدم ترتب ثمرة عملية على العمل بالظن إذا اجتمع مع الأصل‏أو الدليل الموافق له‏
فلا شكّ أنّه لا يترتّب في هذه الصورة ثمرة عمليّة على العمل بالظنّ‏و عدمه،لاجتماعه مع الأصل أو الدليل،مثلا: لا بدّ من الحكم بحلّية شرب‏التتن سواء قلنا بحجيّة الظنّ أو لا.

(1)الوسائل 1: 34،الباب 5 من أبواب مقدّمة العبادات،الحديث 6.

121
نعم،يكون بينهما ثمرة ترجع إلى المعنى الأوّل للعمل بالظنّ الّذي‏ذكرناه سابقا(1) و هي: أنّه لو قلنا بالظنّ فنحكم بالحلّية من جهة اتّباع الظنّ‏و أنّه أدّى إليها،و لو قلنا بعدم حجيّته فنحكم بها،لا من الجهة المذكورة،بل‏من جهة اقتضاء البراءة إيّاها،فالثمرة تظهر في جهة العمل،لا نفسه.

فإن قلت: قد توجد ثمرة أخرى عمليّة،و هي: أنّه لو كان الظنّ في‏مسألة شرب التتن حجّة،فلو فرضنا العثور على دليل محرّم له،فيقع التعارض‏بينهما. و إن لم يكن حجّة،بل حكمنا بالحلّية للأصل،فعند العثور على المحرّم‏فلا بدّ من العمل عليه،لارتفاع الأصل به.

قلت: قد غفلت هنا،فإنّ الأمر رجع حينئذ إلى وجود الدليل المخالف‏للظنّ في المسألة،فيخرج من هذه الصورة و يدخل في الصورة الثانية.

و الحاصل: أنّ في صورة موافقة الظنّ لدليل من الأدلّة أو أصل من‏الأصول،فليس هناك ثمرة تظهر في العمل.

لو كان الأصل أو الدليل مخالفا للظن،فالحكم حرمة العمل بالظن‏
و إن كان الموجود في المسألة-من الأصل أو الدليل-مخالفا للظنّ،فنحكم حينئذ بحرمة العمل بالظنّ المفروض عدم الدليل على حجيّته.

و الدليل على حكمنا هذا،نفس الدليل الدالّ على اعتبار ذلك الدليل‏الموجود في المسألة،أو الأصل الموجود فيها،لأنّها تدلّ على اعتبارهاما لم يقم دليل على خلافها،و المفروض عدم الدليل على خلافها،إذ لم يوجدإلاّ الظنّ على خلافها،و الدليليّة لم تؤخذ في مفهوم الظنّ،و المفروض أيضاعدم صيرورته دليلا بعد،فيصدق مع وجود الظنّ عدم الدليل على خلافها،فالعمل بالظنّ حينئذ طرح لمقتضى الأصول و الأدلّة من غير دليل،و طرحها

(1)تقدّم في الصفحة: 117.

122
من غير دليل طرح للأدلّة الدالّة على اعتبارها من غير دليل،و لا شكّ في‏بطلان هذا و حرمته.

مثلا: إذا ورد خبر معلوم الحجيّة بوجوب السورة مثلا،و حصل ظنّ‏من الظنون الّتي يكون محلّ نزاعنا هنا-يعني لم يقم على اعتبارهاو لا على عدم اعتبارها دليل-بعدم وجوبها،فلا شكّ أنّ مقتضى الدليل الدالّ‏على حجيّة ذلك الخبر الدال على الوجوب هو حجّيته و وجوب العمل في‏الفروع بمقتضاه كلّيّة،لكنّ العقل يحكم بأنّه إذا ورد في مقابله دليل معلوم‏الدليليّة فلا يتعيّن العمل بمقتضى الخبر الأوّل مطلقا و كلّية،لأنّه قد يكون‏ترجيحا بلا مرجّح،فليلاحظ ما بينهما من التعادل و الترجيح.

و أمّا إذا ورد في مقابله ما لم يقم دليل على كونه دليلا،فلا شكّ أنّ‏طرح الخبر الأوّل بذلك،أو ملاحظة ما بينهما من التعادل و الترجيح،طرح‏للدليل الدالّ على حجيّة ذلك الخبر من غير ضرورة عقليّة و لا نقليّة.

و هكذا الكلام في الأصول المعارضة لهذا الظنّ الكذائي،فإنّ الدليل دلّ‏على وجوب العمل إلاّ مع الدليل على الخلاف،فلو طرحت مع عدم الدليل‏على الخلاف لطرحت أدلّتها في الحقيقة.

مورد حجية الأصول و الأدلة غير المفيدة للعلم،
فإن قلت: إنّ القدر المسلّم من حجيّة الأصول الأربعة المذكورة هوما لم يكن الظنّ على الخلاف،ففي صورة الظنّ على الخلاف كما أنّ الظنّ غيرثابت الحجيّة،فكذلك الأصول،و كذا الأدلّة الاخر الغير المفيدة للعلم،إذالكلام ليس في المفيدة للعلم،لعدم تصوّر ثبوت الظنّ معها أو ثبوتها مع الظنّ‏حتّى يتصوّر مخالفتهما. فنقول: إنّها أيضا لم يثبت حجيّتها في صورة وجودالظنّ على الخلاف،فمن أين تحكم بحرمة العلم بالظنّ في مقابلة الأصول‏و الأدلّة بنفس أدلّة اعتبار تلك الأصول و الأدلّة،و من أين تعلم أنّ أدلّة
123
اعتبارها تشمل اعتبارها في هذا الموضع؟
فساد هذا القول بالنسبة إلى أدلة الأصول و الأدلة،و بيان وجهه‏
قلت: هذا الكلام فاسد بالنسبة إلى أدلّة الأصول و الأدلّة معا.

أمّا بالنسبة إلى أدلّة الأصول: فلأنّها تفيد التعبّد بتلك الأصول مع عدم‏الدليل،فكلّما صدق عدم الدليل ثبت حجيّتها،و المفروض أنّ كون الظنّ‏الكذائي المعارض للأصول دليلا،ليس بيّنا و لا مبيّنا.

نعم،هذا لا يتمشّى في أدلّة التخيير،لأنّها تدلّ عليه عند فقد المرجّح،و الظنّ لو لم يكن دليلا فلا أقلّ من كونه مرجّحا،فينتفي التخيير في موضع‏الظنّ.

لكن ذلك لم يثبت كون الظنّ معمولا به في هذه الصورة-بمعنى كونه‏دليلا-بل ثبت كونه مرجّحا،مع أنّه لا بدّ أيضا من إقامة الدليل على‏صلاحية الظنّ للترجيح،إذ كما أنّ كونه دليلا يحتاج إلى الدليل،و لا يكفي فيه‏عدم الدليل على عدم كونه دليلا،فكذلك كونه مرجّحا،فبعد الدليل على‏صلاحيته للترجيح يرفع اليد عن التخيير،لا بمجرّد كونه ظنّا.

و أمّا بالنسبة إلى أدلّة اعتبار الأدلّة المعارضة مع الظنّ في الموارد: فلأنّ‏الأمر لا يخلو عن أحد أمرين: لأنّ تلك الأدلّة الدالّة على اعتبار الأدلّةالمعارضة مع الظنّ،إمّا أن تكون قد دلّت على اعتبارها مطلقا-أي و لو كان‏في مقابلها ظنّ غير ثابتة الحجيّة-أو تكون قد دلّت على اعتبارها بشرطعدم كون ظنّ في مقابلها.

إن كان الأوّل: فلا يتوجّه إيرادك قطعا،و وجهه ظاهر;لأنّ الدليل‏حينئذ معتبر حتّى في هذه الصورة الّتي يكون الظنّ في مقابله.

و إن كان الثاني: فغاية الأمر عدم العمل بالدليل المذكور في هذه‏الصورة،لكن لا يعمل بالظنّ،بل يتوقّف و يرجع إلى الأصول،فنهاية الأمر


124
صيرورة الظنّ موهنا للدليل لا دليلا،ألا ترى إلى صاحب المدارك: أنّه‏يعمل بالأخبار الصحيحة،لكن إذا خالف الأكثر لمقتضى خبر صحيح‏فيتوقّف في العمل به،و لا يلزمه القول بحجيّة ذهاب الأكثر،فتدبّر.
الإيراد على جواز العمل بالظن الحاصل من آيات تحريم العمل بالظن و أخباره‏
ثمّ إنّه قد يورد على جواز العمل بالظنّ بما حاصله: أنّ العمل بالظنّ‏إمّا جائز أو غير جائز،[ف]إن كان غير جائز فهو المطلوب،و إن كان جائزافنقول: إنّ من جملة الظنون الظنّ الحاصل من آيات تحريم العمل بالظنّ‏و أخباره بحرمة العمل بالظنّ،فيجب الحكم بالحرمة لأجل الظنّ.

و لا يخفى ما في هذا الإيراد،فإنّ من يقول بجواز العمل بالظنّ،يمكن‏أن يدّعي عدم حصول الظنّ من الآيات و الأخبار بعدم جواز العمل بالظنّ‏في المسائل الشرعيّة العمليّة.

لا أقول: إنّ هذا الادّعاء له وجه،بل أقول: لعلّ الخصم يدّعي هذاالادّعاء الفاسد،فلا يمكن لك ردّه بما ذكرت من الإيراد.

و يمكن-أيضا-أن يسلّم حصول الظنّ منها بحرمة العمل بالظنّ-و لو في‏الأحكام الشرعيّة العمليّة-لكن يدّعي جواز العمل بالظنّ في المسائل الفرعيّةفقط،و حرمة العمل بالظنّ الحاصلة من الآيات و الأخبار مسألة أصولية.

جواز العمل بالظن في جميع الأحكام و أصول الدين‏
و لكن هذا الادّعاء لا يصحّ من المصنّف قدّس سرّه،لأنّه يدّعي(1) جوازالعمل بالظنّ في جميع الأحكام-فرعيّة كانت أو أصوليّة-بل ربما يدّعي‏جوازه في أصول الدين و موضوعات الأحكام الخارجيّة(2) .

و يمكن أيضا أن يسلّم حصول الظنّ منها بالحرمة،و يدّعي جواز العمل‏

(1)قوانين الأصول 1: 452.
(2)لم نعثر عليه.

125
بالظنّ في المسائل الفرعيّة و الأصليّة إلاّ هذه المسألة الخاصّة-يعني مسألةحرمة العمل بالظنّ-من جهة اختصاص دليله الدالّ على الجوازبما عداها.

نعم،لو أتى بدليل و نظرنا فيه فرأيناه شاملا-بالقابليّة-لجواز العمل‏بالظنّ في هذه المسألة أيضا،أمكن ردّه بما ذكرت.

و إن كان في جواز ردّه حينئذ أيضا بما ذكرت-من الاستدلال-تأمّلا،بل منعا،ليس هنا موضع تفصيل الكلام فيه،و لكن لا بأس ببيانه هنا،لمسيس الحاجة إليه،و كونه محلّ الالتباس غالبا.

الكلام في الحكم العام للأفراد
فنقول: إذا ثبت حكم عامّ بحسب أصل القابليّة لأفراد،فصار ذلك‏منشأ لمدافعة بعض الأفراد بعضا في ثبوت الحكم-بأن كان ثبوت الحكم‏لبعضها موجبا-و لو بواسطة-لعدم ثبوته للآخر-كما إذا قال المولى لعبده:

«اعمل بخبر كلّ عدل»و من جملة أخبار العدول: أنّ المولى قال: «لا تعمل‏بخبر زيد العادل»بحيث لا يحتمل أن يكون نسخا بالفرض،أو أنّ المولى قال:

«لا تعمل بخبر عادل»أو قام الإجماع على حجيّة كلّ خبر،و منها نقل السيّدالمرتضى الإجماع على عدم جواز العمل بخبر الواحد(1) . و هكذا غيره من‏الأمثلة.

لو ثبت حكم عام لأفراد و كان ثبوت الحكم لبعضها موجبا لعدم ثبوته‏في الآخر،ففيه قسمان:
فنقول: إنّ هذا ينقسم-أوّلا-إلى قسمين،لأنّ المثبت لذلك الحكم‏العام إمّا أن يكون لفظا،كما في المثالين الأوّلين،و إمّا أن يكون غير لفظ،كما في المثال الثالث.
(1)راجع الذريعة إلى أصول الشريعة 2: 529. و راجع المجموعة الأولى من رسائل‏الشريف المرتضى: 21.

126
القسم الأوّل: ما إذا كان المثبت للحكم العام لفظا
فإن كان لفظا: فإمّا أن يكون التعارض الناشئ من عموم الحكم ظاهرابين بعض أفراد العام و بعض الباقي-كما في المثال الأوّل-فإنّ العمل بالخبرالدالّ على عدم جواز العمل بخبر زيد ينافي جواز العمل بخبر زيد فقط.

و إمّا أن يكون التعارض بين بعض أفراده و بين جميع الباقي،بأن يكون‏ثبوت الحكم لذلك البعض منافيا و غير مجامع لثبوته لجميع ما سواه من الباقي-كما في المثال الثاني-فإن وجوب العمل بخبر من أخبر بأنّ المولى قال:

«لا تعمل بخبر عادل»ينافي وجوب العمل بغيره من الأفراد.

حكم الصورة الأولى‏
فإن كان الأوّل: فلا يخفى أنّ الحكم التوقّف و الرجوع إلى الخارج،نظرا إلى أنّ نسبة العام إلى المانع-أعني الخبر الدالّ على المنع عن العمل بخبرزيد-،و الممنوع عنه-و هو نفس خبر زيد-على السواء،فلا يمكن أن يكون‏أحدهما دليلا على خروج الآخر.
الصورة الثانية،و حكمها
و إن كان الثاني-يعني يكون التنافي بين بعض أفراد[ه‏]و جميع ما سواه‏من الباقي-فهو على ضربين،لأنّ هذا البعض المنافي لجميع ما سواه،إمّا أن‏لا يكون منافيا لنفسه-و لو في بادي النّظر-،و بعبارة أخرى: كان النسبة بين‏بعض الأفراد و بين أصل الحكم عموما مطلقا،كما إذا قال المولى لعبده:

«اعمل بخبر العلماء»و المفروض أنّ كلّهم فقهاء إلاّ واحد هو أصوليّ،و كان‏من خبر الأصولي أنّ المولى قال: «لا تعمل بخبر الفقهاء»فإنّ وجوب العمل‏بخبر الأصوليّ المستفاد من عموم قول المولى ينافي وجوب العمل بخبر جميع‏ما سواه،و لا ينافي وجوب العمل بنفسه.

و إمّا أن يكون منافيا لنفسه أيضا-و لو في بادئ النّظر-كما في المثال‏السابق،و هو: ما إذا كان من خبر العادل أنّ المولى قال: «لا تعمل بخبرعادل»فإنّ وجوب العمل به ينافي نفسه أيضا-و لو في بادئ النّظر-;لأنّه‏


127
عادل. و بعبارة أخرى: يكون النسبة بين هذا الفرد و بين العام تباينا كلّيا.

فإن كان الضرب الأوّل: فالحكم فيه بالنظر إلى نفس قابليّة العام و إن‏كان هو التوقّف،نظرا إلى أنّه لا يجوز أن يكون بعض أفراد العام مخصّصا له‏بالنسبة إلى البعض الآخر،لأنّ الأفراد متساوية الإقدام في المدلوليّة للعام،لكن إذا عرض ذلك على العرف يفهمون خروج الفرد المنافي للباقي،لا الباقي،ففي المثال المذكور يفهمون خروج الأصولي،لاستهجان أن يقول: «اعمل بخبركلّ العلماء»و يكون مراده«اعمل بخبر واحد منهم»فتأمّل.

و إن كان الضرب الثاني: مثل ما إذا قال المولى: «اعمل بكلّ ظنّ»و كان من جملة الظنون: الظنّ بحرمة العمل بالظنّ،فهاهنا يحكم بخروج الفردالمباين،لأنّ شمول العام له يستلزم ارتفاع العام رأسا بالنسبة إلى نفس هذاالفرد و الأفراد الاخر،فيلزم التناقض.

و إن شئت فقل: لأنّ ثبوت الحكم لهذا الفرد يوجب عدم ثبوته له‏فيمتنع ثبوته.

ثمّ،إذا كان دلالة هذا الفرد على رفع حكم العام دلالة لفظيّة،كما إذاقال المولى: «اعمل بكلّ خبر»و كان من جملتها الإخبار بأنّ المولى قال:

«لا تعمل بخبر»فهل يدلّ هذا العموم بلفظه على رفع حكم العام حتّى بالنسبةإلى نفسه؟أو يدلّ على ارتفاعه بالنسبة إلى ما سوى نفسه،فلا يدلّ على رفع‏حكم العام عن نفسه؟أو تفصيل في ذلك بين الموارد؟الحقّ هو التفصيل. لكن يظهر من بعض(1) . عموم الحكم‏[1]،بأنّ في مثل‏

[1]كذا في النسخة،و المناسب لسياق الكلام: «عدم عموم الحكم»،فلاحظ.
(1)لم نعثر عليه.

128
هذا يفهم عرفا عدم رفع نفسه-حيث إنّه بعد ما أورد على من جوّز العمل‏بالظنّ بالإيراد الّذي ذكرناه،و حاصله: أنّه لو جاز العمل بالظنّ،لجاز العمل‏بالآيات و الأخبار المانعة عن العمل بالظنّ،فيلزم من جواز العمل بالظنّ‏عدم جواز العمل به-قال ما حاصله: «فإن قلت: إنّ الظنّ الحاصل من‏الآيات و الأخبار لا يجوز العمل بها،و إلاّ لزم عدم جواز العمل بها،لأنّهالو دلّت على تحريم العمل بالظنّ-و المفروض أنّ أنفسها ظنيّة-فتدلّ على عدم‏حجيّة أنفسها.

قلت: إنّ العرف يفهم خروج أنفسها عن مدلولاتها كما في«كلّ كلامي‏هذا اليوم كاذب»و كما إذا قال المولى لعبده: «لا تعمل بشي‏ء ممّا أكلّفك‏هذا اليوم»فإنّه يفهم خروج نفس هذا التكليف عن مدلوله».

التحقيق هو لزوم ملاحظة المقامات‏
أقول: و التحقيق أنّ القول بالخروج كليّة محلّ نظر. بل التحقيق: أنّه‏لا بدّ من ملاحظة المقامات.

فكلّ مقام ثبت فيه المانع عن الدخول-من فهم العرف: الخروج‏أو غير ذلك-فيحكم بالخروج. مثلا في المثال السابق-أعني«كلّ كلامي في‏هذا اليوم كاذب»-يفهم العرف خروج نفس هذا الكلام،فتأمّل.

و كذا لو كان مراده أنّ هذا الكلام أيضا كاذب لكان ذلك في قوّة أن‏يقال: «ليس كلّ كلامي في هذا اليوم كاذبا(1) »لأنّ هذا لازم كذب الخبرالمذكور،فتأمّل.

و كذا في قوله: «لا تعمل بشي‏ء ممّا أكلّفك به هذا اليوم»فإنّه لو كان‏مراده حتّى هذا التكليف. فيكون الكلام في قوة أن يقال-: «لا تعمل بهذا

(1)كذا في النسخة.

129
التكليف أيضا»-أعني به: عدم العمل بتكليف هذا اليوم-فقد أباح له العمل‏بتكليفات هذا اليوم بقوله: «لا تعمل بما أكلّفك اليوم»فيلزم إفادة الكلام‏نقيض المقصود منه.

و الحاصل: أنّ الموجب للخروج أمران،أحدهما: فهم العرف. و الثاني:

لزوم التناقض. و الأوّل أعمّ،فإنّه قد يوجد فهم العرف الخروج،و لا يلزم‏التناقض. كما في«كلّ كلامي اليوم صادق».

و أمّا إذا لم يوجد شي‏ء من الموانع،فلا ضير في دخوله تحت حكم‏مدلوله. مثلا: لو فرضنا أنّ المولى قال لك مشافها: «لا تعمل بخبر يجيئك‏عنّي إذا لم يفد القطع»و فرضنا أنّ جميع العبيد مشاركون لك في تكاليفك،ثمّ وصل ذلك الخبر إليهم على وجه لا يفيد القطع،فلا ضير في أن يحكموابعدم العمل بهذا الخبر،بأن يقولوا: إنّ هذا الخبر إمّا أن يكون قد صدر في‏نفس الأمر من المولى أو لم يصدر،[ف]إن كان لم يصدر فعدم العمل به ظاهر،و إن صدر فهو بنفسه دالّ على عدم جواز العمل به حينئذ-أي حين صارخبرا غير مفيد للقطع-إذ لا ضير في أن يكون المولى قد أراد من قوله لذلك‏المشافه: «لا تعمل بخبر لا يفيد القطع»أنّه حتّى لو جاءكم هذا الّذي أقوله‏شفاها على طريق الإخبار و لم يفد القطع فلا تعملوا به و لا تحكموا بحرمةالعمل بالخبر الغير المفيد للقطع،بل توقّفوا في هذه المسألة. لا أنّه يجوز لكم‏العمل بالخبر الغير المفيد للقطع،إذ ليس معنى عدم جواز الحكم بالحرمةجواز الحكم بالإباحة،حتّى تقول: إنّه مناف لغرضه،بل يكون أمرا بالتوقّف‏و التماس الدليل من الخارج.

ففي هذا المثال لا مانع من دخول نفس الشي‏ء تحت مدلوله،و لا يلزم منه أن يكون الشي‏ء رافعا لنفسه.


130
شمول الآيات و الأخبار الناهية عن العمل بالظن أنفسها
و الآيات و الأخبار الناهية عن العمل بالظنّ من هذا القبيل،بمعنى أنّه‏يجوز أن يخاطب اللّه و رسوله المشافهين بأنّكم: «لا تعملوا بالظنّ،و يحرم‏عليكم العمل بالظنّ»،حتّى أنّه لو صار هذا ظنيّا لم يجز لمن صار هذا عنده‏مظنونا أن يعمل به و يحكم لأجله بحرمة العمل بالظنّ،بل لا بدّ أن يتوقّف‏حينئذ عن الحكم بالحرمة،و يلتمس الدليل من الخارج على الحرمةأو الحلّية،لا أنّه يباح له حينئذ العمل بالظنّ،حتّى يلزم خلاف مقصوده من‏الكلام المنساق لإفادة مقصوده،كما لزم في مثال«لا تعمل بشي‏ءممّا أكلّفك».

و الفرق بينهما: هو أنّ نفس هذا القول الصادر-أعني«لا تعمل‏بما أكلّفك»-داخل في عموم«ما أكلّفك»في آن الصدور،بخلاف قوله:

«لا تعمل بالظنّ»،فإنّ هذا الكلام الشفاهيّ الملقى إلى المخاطب-المفروض‏حصول العلم منه بالحكم-ليس داخلا في الظنّ حتّى يرفعه مدلوله،بل قديصير بعد ذلك ظنّا،فارتفاعه بنفس مدلوله بعد صيرورته ظنّا لا يوجب‏تناقضا في الكلام،و أمّا فهم العرف فليس هو الخروج أيضا.

بيان حاصل جميع الصور
فحصل من جميع ذلك: أنّ الفرد المنافي بعمومه اللفظي لباقي الأفراد-الّذي يتراءى منافاته لنفسه أيضا-قد يكون منافيا لنفسه عند التأمّل،و قدلا يكون،فكلّما كان منافيا لنفسه،فيحكم بعدم دخوله تحت العموم و عدم‏ثبوت الحكم العام له،إذ لو ثبت حكم العام له-و المفروض أنّه رافع لنفسه‏كما أنّه رافع لغيره من الأفراد-فيلزم من ثبوت الحكم له عدم ثبوت‏الحكم له،فيسلم الأفراد الباقية عن المعارضة،كما في مسألة جواز العمل‏بالظنّ،فإنّ عموم جواز العمل بالظنّ لو شمل الآيات و الأخبار الناهية و ثبت‏جواز العمل بظنّها فيلزم ثبوت عدم جواز العمل بظنّها،لأنّها تحرّم العمل بكلّ‏
131
ظنّ-و قد عرفت: أنّه لا مانع من شمولها لنفس الظنّ الحاصل منها-و ما يلزم‏من ثبوته عدمه امتنع ثبوته،فيسلم سائر الظنون عن المعارضة.

و أمّا ما لم يكن منافيا و رافعا لنفسه-كما إذا قال العادل: «لا تعمل‏بخبر عادل»إذ هو نظير المثالين السابقين،أعني«كلّ كلامي»و«لا تعمل‏بما أكلّفك»-فالتحقيق أنّ حكمه أيضا حكم الضرب الأوّل-الّذي كان الفردالمنافي لسائر الأفراد غير رافع لنفسه،و لو في بادي النّظر(1) -كما في قول‏المولى: «اعمل بخبر العلماء»مع خبر العالم الأصولي بأنّ المولى قال: «لا تعمل‏بخبر الفقهاء».

بل الحكم بخروج ذلك الفرد المعارض هنا أقوى،لاستلزام دخوله‏و خروج سائر الأفراد كمال اللغويّة.

مثلا،إذا قال المولى: «اعمل بكلّ خبر عادل»و كان من جملتها قول‏عادل: «لا تعمل بخبر عادل»فحكمنا بانحصار مراد المولى من العموم في هذاالخبر،و المفروض أنّ الخبر المقبول من هذا العادل منحصر في هذا الخبرالناهي عن العمل بكلّ خبر عادل،إذ لو أخبر بخبر آخر فلا يقبل منه بنفس‏خبره. و إنّما قبل منه هذا الخبر،نظرا إلى فهم العرف خروجه و عدم إمكان‏دخوله،فكان مقصود المولى من قوله: «اعمل بكلّ خبر عادل»لا تعمل‏بخبر عادل،و التعبير عن هذا المقصود بهذا الكلام لا يخفى استهجانه،بل قبحه.

بخلاف مثال الضرب،فإنّه لو انحصر مراد المولى من العموم في قوله:

«اعمل بخبر العلماء»خصوص العمل بخبر الأصولي،فلا يخفى أنّ خبر

(1)في هامش الأصل: مثل الضرب الأوّل.

132
الأصولي غير منحصر بهذا الخبر-أي بقوله: «لا تعمل بخبر الفقهاء»-حتّى يلزم القبح و الاستهجان،بل يتصوّر للأصولي أخبار اخر-و لو فرضا-و كلّها مقبولة;إذ لا يدلّ هذا الخبر على ردّها.

و أمّا في المثال السابق فالأخبار الاخر من ذلك مردودة بنفس ذلك‏الخبر منه في ذلك المثال.

القسم الثاني: ما إذا كان المثبت للحكم العام غير لفظ
و أمّا إذا كان المثبت للحكم العام غير لفظ كالإجماع،فنقول: إنّه ليس‏كاللفظي في صلوحه بحسب الظاهر لكلّ من المتنافيين،بل لا يتعلق‏إلاّ بأحدهما،فإذا كان أفراد متعدّدة يكون ثبوت الحكم لبعضها مانعا عن‏ثبوته للآخر،فهو ينقسم كاللفظي إلى: ما يكون ثبوت الحكم لبعض تلك‏الأفراد مانعا عن ثبوته لبعض الباقي،و ما يكون ثبوت الحكم لبعضها مانعاعن ثبوته في جميع الباقي.
ما يكون ثبوت الحكم لبعض الأفراد فيه مانعا عن ثبوته للبعض الباقي‏
مثال الأوّل: ما إذا انعقد الإجماع على حجيّة خبر العادل،و من‏جملتها: إخبار عمرو بمنع العمل بخبر زيد.
مانعية ثبوت الحكم لبعض الأفراد فيه عن ثبوته لجميع الباقي،
و الثاني على قسمين:

الأوّل: أن يكون الفرد الّذي يكون ثبوت الحكم‏[له‏]رافعا لجميع‏الباقي،بحيث لا يدفع نفسه،كما إذا انعقد الإجماع على حجيّة أخبار العلماء،و المفروض أنّ كلّهم فقهاء إلاّ واحد أصوليّ،فأخبر الأصوليّ بالمنع عن العمل‏بقول الفقهاء.

الثاني: أن يكون بحيث يدفع نفسه،إمّا حقيقة و في الواقع،أو في بادي‏النّظر،لكن عند التأمّل يعلم-إمّا بفهم العرف أو بلزوم التناقض-بأنّه‏لا يدفع نفسه.

فالأوّل: كما إذا انعقد الإجماع على حجيّة ظواهر الكتاب‏[و]من‏


133
جملتها ظاهر آيات التحريم بالنسبة إلى ظواهر الكتاب،و نفس الآيات من‏جملتها،و كما لو فرضنا انعقاد الإجماع على جواز العمل بالظنّ،و من جملتهاظنّ آيات التحريم بحرمة العمل بالظنّ الّذي من جملته ظنّ آيات التحريم.

و الثاني: كما إذا انعقد الإجماع على حجيّة أخبار الآحاد الّتي من جملتهاخبر السيّد بعدم حجيّتها،فإنّه و إن كان يشمل عدم حجيّة نفسه بحسب ظاهراللفظ،إلاّ أنّ عند التأمّل و عرضه على العرف و ملاحظة لزوم التناقض في‏كلام العاقل-على فرض الدخول-يحكم بالخروج.

فهذه أقسام أربعة. [قوله‏]قدّس سرّه: «فإنّ دليله إن كان هو الإجماع فهو في ما نحن فيه‏ممنوع».

نقد و توضيح مراد المصنف من«المنع من حرمة العمل بالظن»
(1)[أقول‏]: قد عرفت(1) أنّ مراد المصنّف إن كان منع حرمة العمل‏بالظنّ مع الاضطرار إليه،لفرض انسداد باب العلم و لزوم المحذور من عدم‏العمل بالظنّ،فهو في غاية الجودة. إلاّ أنّه لا يحسن منه حينئذ مطالبة الدليل‏على دليل الحرمة في الزمان المفروض،لأنّ الأصل الأوّلي فيه الحرمة أيضا،فلا بدّ له رحمه اللّه من أن يثبت الاضطرار الموجب للجواز. و قد أثبته سابقاو أشار إليه هنا فليكتف به.

و إن كان مراده: منع أنّ الأصل الأوّلي أيضا حرمة العمل بالظنّ،فقدعرفت أنّه الحرمة،و أنّ ذلك كاد أن يعدّ من البديهيّات،فضلا عن‏الإجماعيّات.

إذا عرفت هذا،فنقول: قوله«في ما نحن فيه»إن كان إشارة إلى ظنّ‏

(1)في الصفحة: 111.

134
المجتهد في حال الانسداد،فلا يخفى أنّ الإجماع المدّعى على عدم العمل‏بالظنّ،إنّما هو مع عدم الدليل المجوّز.

و بعبارة أخرى: إنّ الإجماع على حرمة العمل بالظنّ تعليقيّ مشروطبعدم الدليل. يعني أنّ الظنّ الّذي لم يقم على حجيّته دليل عدم حجيّته‏إجماعيّ. و ليس كالآيات الناهية عن العمل بالظنّ في إفادة الحرمة مطلقا-بحيث لو جاء الدليل على الحجيّة يكون مخصّصا لها-.

ففي زمان الانسداد: إن كان لك دليل على الحجيّة،فهو المخرج عن‏الأصل الأوّليّ. و لم يدّع أحد الإجماع‏[على‏]عدم الحجيّة في صورة وجودالدليل على الحجيّة حتّى تمنعه،كيف!و هو غير معقول.

و إن لم يكن لك دليل فالإجماع ثابت،و لا فرق بين حال الانفتاح‏و الانسداد،و لا بين المجتهد و غيره مع عدم الدليل.

فإن منعت الإجماع فامنعه مطلقا،لا في خصوص زمن الانسداد و ظنّ‏المجتهد.

و إن كان إشارة إلى مطلق مسألة حرمة العمل بالظنّ-بأن يكون مراده‏منع كون الأصل الأوّلي حرمة العمل-فقد عرفت أنّه ادّعى جمع أنّه من‏الضروريّات،فضلا عن الإجماعيّات. [قوله‏]قدّس سرّه: «و إن كان ظواهر الآيات و الأخبار،فإن كان دليل‏حجيّة تلك الظواهر الإجماع،فحجيّتها في ما نحن فيه أوّل الكلام».

الدليل على حجية ظواهر الآيات و الأخبار
(1)[أقول‏]: إن كان رحمه اللّه لا يسلّم أنّ دليل حجّيّة مطلق ظواهر الآيات‏هو الإجماع،بل يقول: إنّ دليلها هو كونها من ظنون المجتهد فلا يصحّ‏الاستدلال بها على حرمة العمل بالظّنّ،ففيه:

أوّلا: أنّ الظّاهر أنّ الدليل هو الإجماع،و قد ادّعاه جمع كثير،و يؤيّده


135
عمل كلّ من عمل به-و لو كان ممّن لا يعمل بالظنّ المطلق-إلاّ الأخباريّين‏منّا. اللّهمّ إلاّ أن يمنع ظهورها في المدّعى.
اتفاق العلماء على حجية ظواهر الأخبار
و ثانيا: لو سلّمنا عدم الدليل الخاصّ على حجيّة الآيات أو عدم‏ظهورها في المدّعى،لكن نقول: ظهور الأخبار لا يقبل الإنكار،و الاتّفاق‏على حجيّة ظواهرها من جميع العلماء كالشّمس في رابعة النهار.
الإشكال بأنّ لازم حجية الآيات و الأخبار الناهية هو عدم الحجية،و الجواب عنه‏
فإن قلت: لو ثبت الإجماع على حجيّة ظواهر الآيات و الأخبارالناهية للزم عدم حجيّتها،نظرا إلى أنّها ناهية عن العمل بالظنّ حتّى الظنّ‏الحاصل من نفسها،و لو قيل: إنّ الظنّ الحاصل من أنفسها خارجة عنها للفهم‏العرفي أو لزوم التناقض،فأنت أنكرت ذلك سابقا و قلت: إنّ هذا ليس من‏قبيل«كلّ كلامي اليوم كاذب»و قول المولى: «لا تعمل بما أكلّفك به اليوم».

قلنا: نعم أنكرنا كون هذا من ذلك القبيل،و لا ندّعي أنّها بحسب‏اللفظ غير شاملة للظنّ الحاصل من أنفسها،لكن نقول: قد عرفت فيما سبق‏أنّه إذا كان هنا أفراد يكون ثبوت حكم معيّن لبعضها مانعا عن ثبوت ذلك‏لبعض آخر،فلا يكون الإجماع من قبيل اللفظ في صلوحه بدلالته اللفظيّةلثبوت الحكم المعيّن لجميع الأفراد حتّى نرتكب مئونة الكلام في تخصيصه إمّالفهم العرف أو للزوم التناقض،بل الإجماع أمر معنويّ يستلزم حصول‏القطع،فلا يمكن ادّعاؤه لثبوت الحكم لجميع الأفراد،للزوم تناقض القطعين،فإذا ادّعاه مدّع فليس إلاّ على أحد البعضين المتنافيين.

هل الإجماع على حجية ظواهر الآيات شامل لظاهر آيات التحريم؟
إذا عرفت هذا نقول: من يدّعي الإجماع على حجيّة ظواهر الكتاب‏و الأخبار فلا شكّ في أنّه لا يمكن أن يدّعي ذلك في جميع الظواهر حتّى‏ظهور آيات التحريم في حرمة العمل بظواهر الكتاب،لعدم إمكان حصول‏ذلك له،بل لا بدّ إمّا أن يحصل له الإجماع بحجيّة جميع الظواهر ما عدا ظاهر
136
هذه الآيات بالنسبة إلى حرمة العمل بظواهر الكتاب فقط،لا بالنسبة[إلى‏]حرمة غيرها من الظنون،لعدم تنافي حرمتها مع سائر الظواهر.

و إمّا أن يحصل له الإجماع بالنسبة إلى ذلك الظاهر فقط،يعني ظاهرآيات التحريم بالنسبة إلى حرمة العمل بظواهر الكتاب.

لكن هذا الثاني لا معنى له،إذ هذا يرجع إلى ادّعاء الإجماع على عدم‏حجيّة ظواهر الكتاب لا على حجيّتها،فتعيّن الأوّل.

و حاصله: أنّ الإجماع انعقد على حجيّة ظواهر الكتاب غير آيات‏التحريم و ظواهر آيات التحريم،لكن بالنسبة إلى غير تحريم العمل بظواهرالكتاب،فإنّ الإجماع المدّعى على حجيّة ظواهر الكتاب لا يمكن أن يكون‏أزيد من ذلك،بل يستحيل.

و الغرض من هذا التطويل(1) و التفصيل دفع توهّم من يتخيّل أنّ‏المستدلّ بهذا الإجماع يدّعي الإجماع كليّة على حجيّة ظواهر الكتاب،ثمّ يخرج الظنّ الحاصل من آيات التحريم بحرمة العمل بظواهر الكتاب عن‏عموم ذلك الإجماع،بجعل دليل الإخراج الإجماع على حجيّة ظواهر الكتاب،فيورد عليه إيرادان:

الأوّل: أنّ الإجماع إذا قبل التخصيص يكون ظنيّا فيطالب بدليل‏حجيّته.

و الثاني: أنّ الإجماع الدالّ على الإخراج هو نفس الإجماع العام;فيلزم‏اتّحاد المخصّص و المخصّص.

و قد عرفت ممّا ذكرنا: أنّه لا تخصيص فلا إيراد،بل الإجماع لا يقبل‏

(1)في الأصل: الطول.

137
أزيد ممّا ذكر،بل لو قلنا بأنّ الإجماع المدّعى المذكور كاشف عن قول فيكون‏كاشفا عن قول الشارع: «اعمل بكلّ ظاهر من‏[ال]ظواهر»ليقبل التخصيص.

فنقول: لا يخفى أنّ خروج الظنّ الحاصل من آيات التحريم بحرمة العمل‏بظواهر الكتاب من عموم القول المذكور لا يحتاج إلى مخصّص،بل الدليل‏عليه هو عدم جواز إرادة هذا الفرد من العموم،لما عرفت من أنّه إذا ثبت‏باللفظ حكم عامّ بحسب القابليّة اللفظيّة لافراد يكون ثبوت الحكم لبعضهامناقضا و مباينا لثبوته للباقي،بل مناقضا لثبوته لنفس ذلك الفرد بحيث كان‏النسبة بين مقتضى هذا الفرد و بين أصل الحكم العام تباينا،فالعرف و العقل-الحاكم بقبح التعبير عن مقصود بعبارة نقيضه-يحكم بخروج ذلك الفرد عن‏العام و لا يحتاج إلى مخصّص،و ما نحن فيه من هذا القبيل. نعم يرد على مثل‏هذا الإجماع أنّه ظنّي لقبوله التخصيص لا لفعليّة تخصيص هذا الفرد.

الاستدلال بدوام ما ثبت‏
[قوله‏]قدّس سرّه: «و أمّا ما استدلّ به الآخرون من أنّ ما ثبت دام،فهوكلام خال عن التحصيل. و غاية توجيهه ما ذكره المحقّق،قال: المقتضي‏للحكم الأوّل ثابت»(1) .
توجيه هذا الدليل بما ذكره المحقق في المعارج‏
(1)[أقول‏]: يمكن توجيه هذا الدليل منهم بالدليل الآخر الّذي ذكره‏المحقّق في المعارج-بعد هذا الّذي نقله المصنّف عنه-قال: «الثابت أوّلا قابل‏للثبوت ثانيا،و إلاّ لانقلب من الإمكان الذاتي إلى الاستحالة،فيجب أن‏يكون في الزمان الثاني جائز الثبوت كما كان أوّلا،فلا ينعدم إلاّ لمؤثّر،لاستحالة خروج الممكن عن أحد طرفيه إلى الآخر لا لمؤثّر،فإذا كان‏التقدير تقدير عدم العلم بالمؤثّر،يكون بقاؤه أرجح من عدمه في اعتقاد
(1)معارج الأصول: 206.

138
المجتهد،و العمل بالراجح واجب»(1) انتهى.

فعلى هذا يشترك ذلك الدليل مع استدلال المصنّف في التعلّق بظنّ‏البقاء. لكنّ المصنّف استند في حصول الظنّ إلى الغلبة،و هم لم يستندوا فيه‏إلى شي‏ء.

فإن قلت: إنّ قولهم: «ما ثبت دام»ليس فيه دلالة على التعلّق به،فلا يناسب هذا الّذي ذكرته عن المحقّق،لأنّه تعلّق فيه بالظنّ و رجحان‏الاعتقاد،بل المناسب لتوجيهه هو الدليل الّذي نقله المصنّف عن المحقّق‏رحمهما اللّه حيث خلا عن حيث التعلّق بالظّنّ.

قلت: يظهر من المحقّق قدّس سرّه-في آخر كلامه في المعارج‏[1]-أنّ مرجع‏جميع أدلّته إلى التعلّق بالظنّ و الرجحان.

إشكال المصنف في الدليل بأنه لا معنى للاستصحاب حينئذ
[قوله‏]قدّس سرّه: «و أنت خبير بما فيه،إذ المقتضي للحكم الأوّل إن سلّم‏كونه مقتضيا حتّى في الآن اللاّحق فلا معنى للاستصحاب،بل هو محض‏النصّ».
الجواب عنه بالاحتياج إليه من جهة الشك في المانع‏
(1)[أقول‏]: لا شكّ أنّ حكم النصّ بوجود الحكم في جميع الأزمنةلا يوجب عدم وقوع الشكّ في ارتفاعه بسبب الشكّ في وجود المانع أو في‏مانعيّة الموجود،حتّى ينتفي الاحتياج إلى الاستصحاب.

بيان ذلك: أنّ قول الشارع: «وقوع عقد النكاح بين الرّجل و المرأةيوجب حلّ الوطء مطلقا»مع ما استفيد من كلامه،من«أنّ الطلاق موجب‏للبينونة و حرمة الوطء و ارتفاع سائر الآثار»يكون بمنزلة كبرى لصغرى‏

[1]الظاهر أنّ مراد المصنّف قدّس سرّه ما ذكره المحقّق قدّس سرّه في معارج الأصول: 209.
(1)معارج الأصول: 207.

139
يحصّلها المكلّف من نفسه،بأن يوقع العقد و لا يحدث الطلاق. فيقول حينئذ:

إنّي أوقعت النكاح و لم أحدث الطلاق،و كلّ من كان كذلك يحلّ له الوطءو سائر الاستمتاعات،فالصغرى محصّلة للمكلّف،و الكبرى مستفادة من‏حكم الشارع بكون العقد مؤثّرا في الحلّ و الطلاق رافعا له،و من المعلوم: أنّ‏قطع هذا الشخص بالنتيجة-و هي حلّ المرأة المعيّنة له-ليس بمجرّد القطع‏بالكبرى،بل لا بدّ من القطع بالصغرى أيضا،بأن يقطع بأنّه أوقع العقدو لم يوقع الطلاق.

فإذا شكّ في الصغرى،بأن شكّ في إحداث الطلاق بالصيغ المتّفق على‏كفايتها فيه،أو شكّ في أنّ الصيغة الّتي أتى بها للطلاق كقوله: أنت خليةأو بريّة أو نحوهما،هل تكفي في الطلاق أم لا؟فهل يكون قاطعا ببقاء حلّ‏الوطء بمجرّد النصّ الدالّ على الكبرى،أو يكون شاكّا فيه؟إن قلت: إنّه قاطع بالبقاء،فقد قلت ما لا ينبغي أن تقول،و إن قلت:

إنّه شاكّ في البقاء،فنقول: فأين فائدة النصّ؟و هل ينفعك إلا الاستصحاب؟و الغرض من هذا التوضيح: هو دفع ما اعتذر به بعض المنكرين‏للاستصحاب،عن تمسّكهم به في أمثال هذه المواضع: من انّ هذا تمسّك بعموم‏النصّ لا بالاستصحاب.

و أقول مضافا إلى ما قلت: إنّه إذا قال الشارع: «إنّ عقد النكاح‏يوجب حلّ الوطء»،و قال أيضا: «إنّ صيغة الطلاق يوجب حرمة الوطء»فإذا قال شخص لزوجته: أنت خلية،و المفروض الاختلاف بين العلماء في أنّ‏هذه الصيغة يقع بها الطلاق أم لا؟فلا شكّ أنّ دخول هذا الشخص في‏موضوع قوله: «عقد النكاح يوجب حليّة الوطء»ليس بأولى من دخوله في‏موضوع قوله: «إيقاع صيغة الطلاق يوجب حرمة الوطء»فنسبة هذا


140
الشخص إلى العامّين المذكورين واحدة،غاية الأمر دخوله سابقا في مدلول‏العام الأوّل و ثبوت حكمه له،و أمّا بعد التلفّظ باللفظة المذكورة فلا يقطع‏بالدخول و لا بثبوت حكم العام له،بل و لا يظنّ،فأيّ عموم يبقى بعد ذلك؟و بأيّ دليل يثبت الحليّة؟إلاّ باستصحاب الدخول في مدلول العام،أواستصحاب ثبوت الحكم له؟لكنّ الاستصحاب الأوّل فاسد،كما يظهر وجهه بأدنى تأمّل،فبقي‏استصحاب ثبوت الحكم و هو المطلوب.
ما قاله العلامة البهبهاني ردا على منكري الاستصحاب‏
و ما أحسن ما قاله رئيس المجتهدين العلاّمة البهبهاني-في رسالته‏المعمولة في الاستصحاب-: «إنّ هؤلاء يتمسّكون بالاستصحاب من حيث‏لا يشعرون،و يسمّونه تمسّكا بعموم الدليل»(1) . و العجب من المصنّف قدّس سرّه حيث وافقهم هنا في ذلك. اللّهمّ إلاّ أن‏يكون رحمه اللّه حمل كلام المحقّق على صورة كون الشكّ في بقاء الحكم بسبب‏الشكّ في دلالة النصّ على الاستمرار و اقتضائه إيّاه،دون صورة الشكّ في‏وجود المانع أو مانعيّة الموجود،و حينئذ فيتوجّه عليه ما ذكره رحمه اللّه: من أنّه‏لو علم اقتضاء المقتضي حتّى في الآن الثاني لم يحتج إلى الاستصحاب،لأنّ‏المفروض أنّ الشكّ في البقاء ليس إلاّ من هذه الجهة دون المانع.

لكنّك بعد ملاحظة كلام المحقّق في المعارج(2) -حيث إنّه مثّل‏للاستصحاب بما ذكرنا من الطلاق و العقد-تعلم أنّ هذا الحمل غير صحيح.

هذا كلّه إن حمل رحمه اللّه«المقتضي»في كلام المحقّق،على الدليل الدالّ‏

(1)الرسالة الاستصحابيّة(مخطوط): الصفحة: 2 و 3.
(2)معارج الأصول: 209.

141
على الحكم،كما يفهم من قوله(1) : «بل هو محض النصّ».

و إن كان قد حمله على العلّة المقتضية للحكم الأوّل المكشوف عنهابالدليل،ففيه أيضا: أنّ مجرّد وجود المقتضي و اقتضائه حتّى في الآن الثاني‏لا يوجب رفع الاحتياج إلى الاستصحاب،لأنّ المحقّق رحمه اللّه لم يرد من‏المقتضي العلّة التامّة،و إلاّ فكيف فرض الشكّ مع فرض ثبوته حيث قال:

«لأنّا نتكلّم على هذا التقدير»أي تقدير ثبوت المقتضي(2) .

مع أنّ ردّ جماعة لدليله هذا ب«أنّ مجرّد وجود المقتضي مع عدم العلم‏بعدم المانع لا يوجب العلم بالمقتضى،بل لا بدّ فيه من العلم بعدمه»أصدق‏شاهد على أنّه لم يرد من المقتضي العلّة التامّة. [قوله‏]قدّس سرّه: «و إن فرض كونه مقتضيا للآن الأوّل فقط،فلامعنى لاقتضائه في غيره».

معنى«المقتضي»في كلام المحقق‏
(1)[أقول‏]: إن حمل«المقتضي»في كلام المحقّق على العلّة المقتضية للحكم‏المكشوف عنها بالدليل فهو حسن،و إن كان ذلك مفسدا لقوله في السابق:

«إنّ المقتضي لو سلّم... إلى آخره»(3) .

و إن حمله على الدليل،فلا يخفى أنّ اختصاص اقتضائه بالآن الأوّل‏و إن لم يكن معنى لاقتضائه في غيره،إلاّ أنّه لا يوجب عدم جريان‏الاستصحاب و لا ردّ المحقّق.

أمّا عدم كونه موجبا لعدم جريان الاستصحاب،فلأنّه لا يشترط فيه‏جريان دليل المستصحب في الآن الثاني،و لهذا هو رحمه اللّه يقول بحجيّة

(1)أي من قول صاحب القوانين قدس سره.
(2)معارج الأصول: 206.
(3)تقدّم في الصفحة: 138،قوله: إذ المقتضي... إلخ.

142
الاستصحاب إذا ثبت الحكم في الآن السابق بالإجماع،مع القطع بانتفاءالإجماع في الآن اللاّحق.

و أمّا عدم كونه موجبا لردّ المحقّق: فلأنّه صرّح(1) بأنّ الكلام على‏تقدير ثبوت المقتضي في الآن الثاني. [قوله‏]قدّس سرّه: «و إن أخذ كونه مقتضيا في الجملة،فتساوي احتمال‏الرافع و عدمه و تساقطهما لا ينفع في إثبات الحكم في الأوان اللاّحقة من جهةالمقتضي،بل عدم المقتضي هو مقتضي العدم». (1)[أقول‏]: قد عرفت أنّ صريح كلام المحقّق هو ثبوت المقتضي للحكم‏الأوّل في الآن الثاني و اقتضائه له فيه،و إنّما فرض الشكّ في بقاء المقتضي من‏جهة احتمال الرافع و عدمه.

الأحسن في الجواب‏
فالأحسن في الجواب عنه ما أجاب به الآخرون،و هو: إمّا منع أنّ‏المقتضي للحكم الأوّل ثابت في الزمن الثاني،إذ عدم العلم بعدمه ليس علمابثبوته،و هل هو إلاّ مصادرة على المطلوب؟و إمّا منع صحّة الحكم ببقاءالمقتضي و أثره مع الشكّ في وجود المانع،لعدم الدّليل على ذلك،فيجب‏التوقّف.
ابتناء الجواب الأوّل على حمل«المقتضي»-في كلام المحقق-على العلّة التامة
و الجواب الأوّل مبنيّ على حمل المقتضي-في كلام المحقّق-على العلّةالتامّة،أو على أنّا نفرض الكلام في ما كان الشكّ في الحكم من جهة الشكّ‏في بقاء المقتضي.

و الحمل الأوّل فاسد،إذ لو فرض المحقّق بقاء العلّة لم يحتج إلى دفع‏احتمال المعارض بمعارضته مع احتمال عدمه الموجبة لتساقطهما و سلامة

(1)معارج الأصول: 206.

143
المقتضي عن المعارض.

و أمّا الحمل الثاني: فهو إنّما يتمّ لو كان مذهب المحقّق العمل‏بالاستصحاب كلّيّة،و ليس كذلك،بل إنّما يعمل به في ما إذا كان المقتضي‏للحكم يقتضيه مطلقا،بأن كان الشكّ في البقاء منحصرا في الشكّ في المانع،صرّح رحمه اللّه بذلك في آخر كلامه في المعارج حيث قال فيه-بعد ما اختارحجيّة الاستصحاب عند تحرير النزاع-ما هذا لفظه:

المختار هو النّظر في الدليل المقتضي للحكم‏
«و الّذي نختاره نحن أن ننظر في الدليل المقتضي لذلك الحكم،فإن كان‏يقتضيه مطلقا،وجب القضاء باستمرار الحكم،كعقد النكاح مثلا،فإنّه يوجب‏حلّ الوطء مطلقا،فإذا وقع الخلاف في الألفاظ الّتي يقع بها الطلاق كقوله:

«أنت خلية و بريّة»فإنّ المستدلّ على أنّ الطلاق لا يقع بهما لو قال: «حلّ‏الوطء ثابت قبل النطق بهذه،فيجب أن يكون ثابتا بعدها»لكان استدلالاصحيحا،لأنّ المقتضي للتحليل-و هو العقد-اقتضاه مطلقا،و لا يعلم أنّ‏الألفاظ المذكورة رافعة لذلك الاقتضاء،فيكون الحكم ثابتا عملا بالمقتضي»(1) انتهى كلامه رفع مقامه.

و هو كما ترى صريح في اختياره حجّيّة الاستصحاب في ما إذا كان‏الشكّ في بقاء الحالة السابقة من جهة الشكّ في طروّ المانع،دون ما إذا كان‏الشكّ فيه من جهة الشكّ في ثبوت المقتضي في الآن اللاّحق أيضا.

ما قاله صاحب المعالم بعد نقله لعبارة المحقق‏
هذا،ثمّ إنّ صاحب المعالم-بعد ما نقل العبارة المذكورة-قال: «و هذاالكلام جيّد،لكنّه عند التحقيق رجوع عمّا اختاره أوّلا و مصير إلى القول‏الآخر-يعني نفي الحجيّة-كما يرشد إليه تمثيلهم لموضع النزاع بمسألة المتيمّم‏
(1)معارج الأصول: 209.

144
و تفصح عنه حجّة المرتضى(1) ،فكأنّه رحمه اللّه استشعر ما يرد على احتجاجه‏بهذه(2) المناقشة،فاستدرك بهذا الكلام،و اختار في المعتبر(3) قول‏المرتضى رحمه اللّه و هو الأقرب»(4) انتهى.
تخصيص موضع النزاع بما إذا كان المقتضي للحكم في الآن السابق غير مقطوع الجريان في الآن اللاحق‏
و الظاهر: أنّه خصّص موضع النزاع في الاستصحاب بما إذا كان‏المقتضي للحكم في الآن السابق غير مقطوع الجريان في الآن اللاّحق،و يدّعي‏أنّ الصورة الّتي ذكرها المحقّق لا خلاف في ثبوت الحكم فيها في الآن‏اللاّحق،و استشهد على ذلك بأمرين: الأوّل: تمثيلهم لموضع النزاع بمسألةالمتيمّم،الثاني: إفصاح حجّة المرتضى عن ذلك.

و محلّ الاستشهاد: قول السيّد في أثناء الإحتجاج على ما صار إليه-من عدم الحجيّة-قال: «و إذا كنّا قد أثبتنا الحكم في الحالة الأولى بدليل،فالواجب أن ننظر،فإن كان الدليل يتناول الحالين سوّينا بينهما فيه،و ليس‏هاهنا استصحاب،و إن كان تناول الدليل للحال الأولى فقط و الثانية عاريةمن دليل،فلا يجوز إثبات مثل الحكم لها من غير دليل،و جرى هذه الحالةمع الخلوّ عن الدليل مجرى الأولى لو خلت عن دلالة،فإذا لم يجز إثبات‏الحكم للأولى إلاّ بدليل فكذلك الثانية»(5) انتهى كلام السيّد قدّس سرّه.

أقول: المخصّص المذكور و من وافقه-كصاحبي المدارك(6) و الحدائق(7) -

(1)الذريعة إلى أصول الشريعة 2: 830.
(2)في المصدر: من المناقشة.
(3)المعتبر: 32.
(4)المعالم: 235.
(5)الذريعة إلى أصول الشريعة 2: 830،مع اختلاف.
(6)لم نعثر عليه.
(7)انظر الحدائق 1: 143.

145
إنّما يعملون بالاستصحاب في غير ما جعلوه محلّ النزاع،و يسمّونه بالتمسّك‏بعموم النصّ و إطلاقه إلى أن يثبت المخصّص و المقيّد،و قد عرفت قبيل ذلك(1) أنّ ذلك في الحقيقة تمسّك بالاستصحاب لا بعموم النصّ.

مثلا: إذا قال: «الوضوء سبب للطهارة،و البول ناقض لها»فشككنابعد الطهارة في حدوث البول،فلا شكّ أنّ نسبة أحد العمومين إلينا كنسبةالآخر،فالحكم بالدخول تحت الأوّل دون الثاني ترجيح بلا مرجّح. إلاّ أن‏يقال: إنّا قبل ذلك كنّا محكومين بالطهارة،و الأصل بقاؤها،و ليس هذاإلاّ استصحابا. و أمّا تخصيص النزاع بما ذكره فهو مخالف لظواهر كلمات كثير ممّن تقدّم‏على المخصّص رحمه اللّه(2) و من تأخّر عنه.

التمثيل بالتيمم لا يدل على تخصيص محل النزاع‏
و أمّا تمثيلهم لموضع النزاع بمسألة المتيمّم،فلا يدلّ على تخصيص محلّ‏النزاع بمثل تلك المسائل;إذ لا يجب أن يمثّلوا لكلّ صنف من أصناف محلّ‏النزاع بمثال،فإنّ هذا غير معروف،مضافا إلى أنّه يمكن تطبيق ما ذكره‏المحقّق-من مسألة العقد و الطلاق-مع مسألة المتيمّم،فتأمّل‏[1].
ما يستفاد من كلام السيّد
و أمّا السيّد رحمه اللّه فلم يزد في كلامه على«أنّ الدّليل إن كان يتناول‏الحالين سوّينا بينهما،و ليس هاهنا استصحاب»(3) و نحن أيضا معترفون بأنّ‏محلّ النزاع مختصّ بما إذا لم يكن الدليل الدالّ على الحكم الأوّل مقطوع‏
[1]في هامش الأصل-هنا-ما يلي: إشارة إلى ثبوت الفرق بين مثال التيمّم و مثال عقدالنكاح،فإنّ الدليل على صحّة التيمّم يشكّ في دلالته في الآن الثاني.
(1)تقدّم في الصفحة: 140،عن العلاّمة البهبهاني.
(2)في هامش الأصل-هنا-ما يلي: صاحب المعالم.
(3)تقدّم في الصفحة السابقة.

146
الشمول للآن الثاني،و إلاّ فلا استصحاب،فإنّ الدليل على«أنّ من أوقع عقدالنكاح و لم يوقع صيغة الطلاق فيحلّ له الوطء»الدالّ على حلّيّة الوطء في‏الزمن السابق لو شمل هذا الشخص في الآن اللاّحق لم نحتج إلى الاستصحاب.

و كذا الدليل الدالّ على«أنّ من توضّأ فهو متطهّر إلى أن يحدث منه‏أحد الروافع»الشامل للّذي توضّأ و لم يحدث رافعا لو شمله في الآن اللاّحق-بأن كان في الآن اللاّحق أيضا داخلا في موضوع«من توضّأ و لم يحدث‏رافعا»-لم نحتج إلى الاستصحاب.

فإن قلت: إنّ الدليل الموجب للحكم ليس إلاّ«أنّ من توضّأ فهوطاهر»و كذا«أنّ صيغة النكاح موجبة لحلّية الوطء»و هذا الدليل موجود في‏حقّ الشخص في الآن اللاّحق.

قلت: ليس كذلك،فإنّ كون الشخص متطهّرا في الآن السابق لم يثبت‏بمجرّد قوله: «من توضّأ فهو متطهّر»،بل منه و من عدم حدوث الروافع،فالعلّة في ثبوت طهارته أمران: التوضّي و عدم حدوث رافع،لأنّ من أجزاءالعلّة التامّة عدم المانع،فمحض قوله عليه السّلام: «من توضّأ فهو متطهّر»لا يثبت طهارة هذا الشخص إلاّ إذا لم يكن حدث منه رافع،و لهذا إذاشككنا في حدوث البول مثلا نشكّ في الطهارة،مع عدم شكّ في قوله: «من‏توضّأ فهو متطهّر»لأنّا توضّأنا قطعا و يشملنا هذا القول جزما،فما بالنالا نقطع بالطهارة؟فإن قلت: إنّ كلام السيّد في دليل الحكم الأوّل،لا في علّته التامّة.

قلت: قد عرفت أنّ كلّما شكّ في حدوث مانع للحكم الأوّل أو مانعيّةحادث،فيكون ذلك مانعا لشمول الدليل لهذه الحالة.

و حاصل ذلك: أنّه كما أنّ الدليل الدالّ على ثبوت الحكم يفيد ثبوت‏


147
الحكم لكلّ فرد من أفراد موضوعه،فكذا الدليل الدالّ على مانعيّة الشي‏ءللحكم المذكور يفيد نفي الحكم عن كلّ فرد من أفراد موضوعه،فإذا شكّ في‏موضوع أنّه داخل في موضوع دليل ثبوت الحكم أو في موضوع دليل مانع‏الحكم،فكيف يحكم بدخوله في الأوّل و يحكم عليه بحكمه؟و كلّما يشكّ في‏حدوث المانع عن الحالة السابقة يكون من هذا القبيل،أي من قبيل تردّدموضوع بين دخوله في عامّين متنافيين،فتدبّر.
دخول ما ذكره المحقق في محل النزاع‏
و الحاصل: أنّ ما ذكره المحقّق قدّس سرّه و حكم بإجراء الاستصحاب فيه-أعني ما إذا دلّ الدليل على استمرار الحكم و ثبت المقتضي له على الإطلاق،ثمّ وجد شي‏ء و شكّ في كونه رافعا للحكم المستمرّ بالذات و مزيلا له،كالمثال‏الّذي ذكره-داخل في محلّ النزاع و ليس خارجا،كيف و المحقّق السبزواري‏أنكر حجّية الاستصحاب في هذه الصورة؟(1) .

فإن قلت: إنّه متأخّر عن صاحب المعالم.

قلت: الظاهر أنّ الأخباريّين أيضا منكرون لحجّية هذه الصورة،و إن‏وافقوا في ما إذا كان الشكّ في وجود المانع،حيث سمّوه استصحاب حكم‏العموم إلى ثبوت المخصّص،و قالوا: أنّه متّفق عليه،و إنّه راجع إلى التمسّك‏بالعموم لا بالاستصحاب.

ما يؤيد عدم اختصاص النزاع بما ادعاه صاحب المعالم‏
و قد عرفت أنّ إرجاعه إلى التمسّك بالعموم فاسد،فإن أثبت الحكم‏فيها فليس إلاّ من جهة الاستصحاب.

و ممّا يؤيّد أنّ النزاع ليس مختصّا بما ادّعاه صاحب المعالم-بل يجري في‏أمثال ما ذكره المحقّق من المثال الراجع إلى الشكّ في بقاء الحالة السابقة من‏

(1)ذخيرة المعاد: 115.

148
جهة الشكّ في مانعيّة الأمر الموجود،بل و في أدون منه،و هو الشكّ في بقاءالحالة السابقة من جهة الشكّ في وجود المانع-أنّه حكى الشيخ في العدّة-على ما حكي عنه(1) -أنّ بعض من نصر حجّية استصحاب الحال-و كأنّه‏أراد به الشيخ المفيد رحمه اللّه-استدلّ عليه بما روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم‏أنّه قال: «إنّ الشيطان يأتي أحدكم فينفخ بين أليتيه،فلا ينصرف حتّى يسمع‏صوتا أو يجد ريحا»[1]. و بأنّ الاتّفاق واقع على أنّ من تيقّن الطهارة ثمّ شكّ‏في الحدث،فعليه أن يستصحب الحالة الأولى.

ثمّ حكى أنّ النافي للاستصحاب-و كأنّه السيّد رحمه اللّه-ردّ هذاالاستدلال بأنّه: إنّما قلنا به في هذين الموضعين لقيام دليل،و هو قول النبيّ‏صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تسويته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بين الحالين،و كذلك الاتّفاق على أنّ‏حال الشكّ في الحدث مثل حال اليقين بالطهارة.

فننتظر أن يقوم في كلّ موضع دليل على أنّ الحالة الثانية مثل الحالةالأولى حتّى نصير إليه(2) انتهى.

و هذا الاستدلال كما رأيت ظاهر في دخول مثل اليقين بالطهارةو الشك في حدوث الرافع في محلّ النزاع،إذ لو كان خارجا عنه لم يكن‏إثبات الحكم فيه مجديا لثبوت الحكم في محلّ النزاع. و هذا أظهر موضع يقول‏صاحب المعالم و من تابعه: بأنّه ليس من الاستصحاب المختلف فيه.

[1]رواه ابن أبي جمهور في عوالي اللئالي 1: 380 باختلاف في اللفظ،و قال رواه الشهيدالأوّل في بعض مصنفاته،و معناه في الوسائل 1: 175،الباب 1 من أبواب نواقض‏الوضوء،الحديث 3 و 5،عن أبي عبد اللّه عليه السلام .
(1)حكاه في مفاتيح الأصول: 639 و 648.
(2)عدّة الأصول: 304.

149
و أصرح من استدلال المستدلّ جواب المجيب: بأنّا إنّما قلنابالاستصحاب في هذه الصورة لقيام الدليل على التسوية بين الحالين،و لم يقل: إنّ هذا خارج عن محلّ النزاع،و نحن أيضا نقول بالاستصحاب فيه.

هذا،و قد كنت سابقا أظنّ أنّ مثل مورد استدلال هذا المستدلّ-ممّاكان الشكّ فيه في طروّ المانع-خارج عن محلّ النزاع،لما استظهرته من كلام‏بعض كالعلاّمة البهبهاني-في رسالته المعمولة في الاستصحاب(1) -و كالفاضل‏الأسترآبادي(2) ،حيث ادّعى أنّ الاستصحاب في مثل ذلك من الإجماعيّات،بل من الضروريّات.

ثمّ لمّا اطّلعت على هذا الكلام المحكيّ عن العدّة،و أنّ الصورة المذكورةوقعت موردا للاستدلال و الردّ بين الخصمين استظهرت دخوله.

و أمّا أمثال ما ذكره المحقّق-ممّا شكّ فيه في مانعيّة الأمر الموجود،و أنكر صاحب المعالم دخوله في محلّ النزاع-فلم أزل مستظهرا لدخوله.

ما يمكن أن يستشهد به-لخروج الشك في طروّ المانع عن محل النزاع-من الأخبار
نعم،يمكن أن يستشهد لخروج الصورة الأولى-أعني الشكّ في طروّالمانع-عن محلّ النزاع،بأنّه قد وردت الأخبار المستفيضة-كما ستقف‏عليها-في حكم الاستصحاب،و مورد أكثرها-كما ستعرف-هي الصورةالمذكورة،و لا شكّ أنّ القدماء من أصحابنا الباحثين عن هذه المسألة اطّلعواعليها،بل هم شكر اللّه سعيهم أوقفونا عليها بتدوينها في كتبهم،فلو كان مورد هذه‏الأخبار محلا لنزاع لم يعدلوا عنها إلى التمسّك بالأدلّة العقليّة الظنيّة الّتي‏لا تسمن و لا تغني من جوع.

(1)انظر الرسالة الاستصحابية(مخطوط): 3.
(2)الفوائد المدنيّة: 143.

150
فإن قلت: لا شكّ أنّ الحكم في تلك الأخبار عامّ-و إن كان موردهاخاصّا-فلم لم يستدلّوا بها في ما هو محلّ النزاع؟-أعني غير الصورةالمذكورة التي هي موارد تلك الأخبار-فالاستبعاد مشترك،سواء أدخلت‏مواردها في محلّ النزاع أو أخرجتها.

قلت: يمكن دفع الاستبعاد-على تقدير إخراج مواردها عن محلّ‏النزاع-بأنّ نقول: لعلّهم لم يفهموا عموما من هذه الأخبار بحيث تشمل غيرمواردها،بل فهموا منها اختصاصها بأمثال مواردها دون غيرها الّذي هومحلّ النزاع.

ما قيل في وجه عدم التمسك بالأخبار في المقام‏
فإن قلت: لعلّ عدم تمسّكهم بالأخبار إنّما هو لأجل كونها من الأئمّة،و لمّا كان غالب خصومتهم و تشاجرهم مع العامّة و كانت نسجهم في تأليفاتهم‏على منوال العامّة و كان تكلّمهم معهم في كون الاستصحاب من الأدلّةالعقليّة أم لا،لم ينفع تمسّكهم بأخبار أئمّتهم،و لهذا تمسّكوا ببعض ما ورد عن‏النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كما عرفت سابقا.

و الحاصل: أنّ عدم تمسّكهم بالأخبار الآتية لم يكن لأجل فهمهم‏اختصاصها بمواردها،حتّى يكشف ذلك عن عدم كون مواردها الكائنة من‏الصورة المذكورة-أعني صورة الشكّ في طروّ المانع-داخلة في محلّ النزاع.

فساد هذا الاحتمال بوجوه:
قلت: هذا الاحتمال فاسد،
الوجه الأوّل‏
أمّا أوّلا: فلأنّ من الأخبار الواردة في‏الباب هو الخبر المرويّ عن أمير المؤمنين عليه السّلام(1) و لا شكّ أنّ التمسّك به‏ينفع في مقابلة العامّة أيضا. و احتمال عدم اطّلاعهم على خصوص هذا الخبر
(1)الوسائل 1: 175،الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء،الحديث 6.

151
-مضافا إلى بعده غاية البعد-مدفوع بأنّ هذا الخبر مرويّ في الخصال(1) و صرّح العلاّمة المجلسي قدّس سرّه بأنّ أجزاء هذا الخبر متفرّقة أوردها الكليني‏في الكافي(2) .
الوجه الثاني‏
و أمّا ثانيا: فلأنّ ما ذكرته: من أنّ كلامهم كان في حجيّة الاستصحاب‏من باب العقل،مناف لما عرفت من حكاية الشيخ في العدّة: أنّ بعضهم-و كأنّه المفيد رحمه اللّه-استدلّ على الاستصحاب،بما روي عن النبيّ‏صلّى اللّه عليه و آله و سلّم(3) ،فتأمّل.
الوجه الثالث‏
و أمّا ثالثا: فلأنّ ما ذكرته إنّما يرفع استبعاد عدم تمسّكهم بتلك‏الأخبار،لكن نقول: إنّ المنكرين منهم للاستصحاب هل عملوا به في‏الأحكام الفرعيّة أم لا؟إن قلت: إنّهم عملوا به فيها لأجل تلك الأخبارو إن أنكروه في عنواناتهم في الأصول،فهذا خلاف الظاهر،بل المقطوع.

و إن قلت: لم يعملوا،فنقول: ما وجه عدم عملهم مع وجود تلك‏الأخبار؟غاية الأمر عدم صلاحية التمسّك بها في مقابلة العامّة،و هل له‏وجه؟إلاّ أنّهم لم يفهموا منها عموما بالنسبة إلى محلّ إنكارهم و نزاعهم،و فهموا اختصاصها بالصورة المذكورة الخارجة عن محلّ نزاعهم. و بعد ذلك كلّه،فلا بدّ أيضا من التأمّل التامّ في فهم ما منع قدماءنارضوان اللّه عليهم عن التمسّك بتلك الأخبار.

فإن قلنا: إنّهم لم يطّلعوا عليها،فشأنهم أجلّ من ذلك،بل هم أوقفوناعليها.

(1)الخصال: 619.
(2)بحار الأنوار 10: 117.
(3)تقدّم في الصفحة: 148.

152
و إن قلنا: إنّ كلامهم في حجيّة الاستصحاب من جهة العقل،و إن كان‏بناؤهم على حجيّته من باب الأخبار-كما ادّعاه بعض(1) -،فالواجب عمل‏المنكرين له به في المسائل الفرعيّة،و لم يعملوا به.

و إن قلنا: إنّهم فهموا منها اختصاصها بمواردها-و هي من قبيل الشكّ‏في وجود المانع،و لا خلاف في حجيّة الاستصحاب فيه-فما وجه تمسّك‏بعضهم بما روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في مسألة اليقين بالطّهارة و الشكّ في‏الحدث؟(2) مضافا إلى أنّ الظاهر عموم الأخبار،و المورد لا يخصّص عموم الحكم.

مضافا إلى أنّ بعض الأخبار ابتدائيّة لم يرد في مورد خاصّ كالخبر المرويّ‏في الخصال(3) .

فلا بدّ من التعمّق في هذا المجال،و اللّه هو العالم بحقيقة الحال.

(1)لم نقف عليه.
(2)كنز العمّال 1: 251،الحديث 1269.
(3)الخصال: 619.

153
[الثاني: الاستدلال بالأخبار]
[قوله‏]قدّس سرّه: «الثاني: الأخبار المستفيضة الدالّة على حجيّته عموما».
جهات الاستدلال بالأخبار،
(1)[أقول‏]: صحّة الاستدلال بهذه الأخبار في المسألة بناء على حجيّةالأخبار الآحاد-إمّا من جهة الظنّ المطلق مع فرض القول بكفايته في‏المسائل الأصوليّة،و إمّا من جهة قيام الدليل الخاصّ على حجيّتها مع عموم‏ذلك الدليل بحيث يشمل الحجّيّة في المسائل الأصوليّة-ظاهرة،و بدونه مشكلة.

إلاّ أن يقال بعدم كون المسألة-مطلقا-من الأصول،بل هي مسألةمشتركة بين الأصول و الفروع،و الغرض إثبات بعض جزئيّاتها بتلك‏الأخبار.

ثمّ إمّا أن يكتفى بذلك،لأنّه المقصود الأصليّ من عقد البحث. و إمّا أن‏يتمّ المطلب في غيرها بالإجماع المركّب. أو يدّعى تواتر تلك الأخبار معنى‏


154
-كما ادّعاه بعض المعاصرين‏[1]-أو لفظا بادّعاء حصول القطع-بعد ملاحظةالمجموع-بصدور بعضها عن المعصوم إجمالا،كما ادّعاه الأستاذ[2]مدّ ظلّه.
دعوى تواتر الأخبار
لكنّ الإنصاف،أنّ دعوى التواتر المعنوي،بحيث يدّعى حصول القطع‏من هذه الأخبار بهذا المطلب-أي بحجيّة الاستصحاب عموما و في جميع‏موارده-في غاية البعد. نعم،لا بعد في دعوى التواتر اللفظي الإجمالي.

ثمّ،إنّ التواتر مطلقا إنّما يجدي في المقام بعد ثبوت دلالة كلّ منها على‏المطلب-أعني الحجيّة عموما-و إلاّ فالمتواتر هو القدر المشترك المتّفق عليه‏بين الكلّ. [قوله‏]قدّس سرّه: «و اليقين و الشكّ(1) محمولان على العموم».

الاستدلال على عموم«اليقين»و«الشك»بطرق ثلاثة:
(1)[أقول‏]: يمكن أن يستدلّ على عموم اليقين و الشكّ بطرق ثلاثة:
الطريق الأوّل‏
أحدها: ما اختاره المصنّف قدّس سرّه،من أنّ الحكم إذا تعلّق بطبيعةاقتضى وجود الحكم كلّما وجدت الطبيعة(2) .
الطريق الثاني‏
الثاني: ما اختاره آخرون(3) : من أنّ الحكم لمّا لم يجز تعلّقه بالطبيعة مع‏قطع النّظر عن الوجودات،فإمّا أن يكون مراد المتكلّم تعليقه عليها باعتبارجميعها،و هو المطلوب،أو بعض معيّن عند اللّه غير معيّن عند المخاطب،فيلزم‏الإغراء بالجهل،أو الإجمال في كلام الحكيم المنافي للبيان المقصود غالبا،أو بعض معيّن عند المخاطب أيضا،و المفروض عدم التعيين.
[1]ادّعاه النراقي في المناهج ذيل القول التاسع،و قال: و الحقّ عندي الحجّيّة مطلقا،للأخبار المتواترة معنى.
[2]لعلّه شريف العلماء قدّس سرّه في حلقة درسه.
(1)في القوانين زيادة: في الحديث.
(2)راجع القوانين 1: 217.
(3)منهم صاحب المعالم قدّس سرّه في المعالم: 110.

155
و هذا لا يتوقّف على جعل المفرد المحلّى حقيقة خاصّة في تعريف‏الجنس.
الطريق الثالث‏
الثالث: أنّ اليقين و الشكّ مفردان معرّفان وقعا في حيّز النفي،فلو لم نقل باستفادة العموم من المفرد المحلّى بلام الجنس في الإثبات بأحدالطريقين المذكورين،فلا مجال للتأمّل في استفادته منه إذا وقع في حيّز النفي.
عدّ الحاجبي اسم الجنس المحلّى باللام من ألفاظ العموم،و متابعةالعضدي له‏
ثمّ،إن الحاجبي عدّ اسم الجنس المحلى باللام من ألفاظ العموم الّتي‏اتّفق على عمومها-بعد ثبوت أنّ للعام ألفاظا حقيقيّة-و لم ينقل خلافا في‏ذلك و تبعه العضدي في شرحه(1) ،متمسّكين بأنّ العلماء لم يزالوا يحتجّون‏بقوله: ﴿السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ. ). (2) .
ما قاله نجم الأئمّة في الاسم المحلّى باللاّم‏
و قال نجم الأئمّة-على ما حكاه غير واحد(3) -في أوائل المعرفةو النكرة: «فكلّ اسم دخله اللام و لا يكون فيه علاّمة[هي‏]كونه بعضا من‏كلّ... فينظر في ذلك الاسم،فإن لم يكن معه قرينة[لا]حاليّة و لا مقاليّةدالّة على أنّه بعض مجهول من كلّ-كقرينة الشراء في قوله: «اشتر اللحم»الدالّة على أنّ المشتري بعض من اللحم-و لا دالّة على أنّه بعض معيّن-كما في قوله تعالى: ﴿أوْ أجِدُ عَلى النَّارِ هُدىً (4) -فهي اللام الّتي جي‏ء بهاللتعريف اللفظي،و الاسم المحلّى بها لاستغراق الجنس».

ثمّ شرع في الاستدلال على وجوب حمله على الاستغراق،ثمّ قال:

«فعلى هذا قوله: «الماء طاهر»أي كلّ ماء،و«النوم حدث»أي كلّ نوم،

(1)شرح مختصر الأصول 1: 216.
(2)المائدة: 38.
(3)منهم الفاضل التوني في الوافية: 204. و السيّد المجاهد في مفاتيح الأصول: 645.
(4)طه: 10.

156
إذ ليس في الكلام قرينة البعضيّة-لا مطلقة و لا معيّنة-»(1) انتهى.
ما قاله التفتازاني و الزمخشري‏
و قال التفتازاني في المطوّل(2) -على ما حكي(3) -في بحث تعريف المسندإليه: «اللّفظ إذا دلّ على الحقيقة باعتبار وجودها في الخارج،فإمّا أن يكون‏لجميع الأفراد أو لبعضها،إذ لا واسطة بينهما في الخارج. فإذا لم يكن للبعضيّة،لعدم دليلها،وجب أن يكون للجميع.

و إلى هذا ينظر صاحب الكشّاف،حيث يطلق لام الجنس على‏ما يفيد الاستغراق،كما ذكر في قوله تعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْر (4) أنّه‏للجنس(5) . و قال في قوله تعالى: ﴿إنَّ اللّهَ يُحِبُّ المُحْسِنين (6) : «إنّ اللام‏للجنس،فيتناول كلّ محسن»(7) انتهى.

و هذه الكلمات من هؤلاء الأعلام صريحة في أنّه يجب حمل اسم‏الجنس المحلّى على الاستغراق،إلاّ أن يدلّ دليل على إرادة البعض.

بحث فيما قاله غير الحاجبي‏
لكنّ الكلام في أنّ كلام غير الحاجبي ممّن ذكر،هل هو راجع إلى حمل‏المفرد المحلّى على العموم من باب تعلّق الحكم بالطبيعة الغير المقيّدة؟-و هوالطريق الأوّل من الطرق الثلاثة التي ذكرناها-أو من باب لزوم خروج‏كلام المتكلّم عن الفائدة المعتنى بها،مع فرض عدم القرينة على البعضيّةالمطلقة أو المعيّنة،فيرجع إلى الطريق الثاني من الطرق المذكورة.

(1)شرح الكافية: 2: 129،مع اختلاف،و الزيادات من المصدر.
(2)المطوّل: 65.
(3)حكاه في مفاتيح الأصول: 645.
(4)العصر: 2.
(5)الكشّاف 2: 485.
(6)البقرة: 195،و المائدة: 13.
(7)الكشّاف 1: 140.

157
و أمّا رجوعه إلى دلالته على الاستغراق وضعا،فهو خلاف ظاهركلماتهم المحكيّة سابقا،و إن لم أجد منهم غير ما حكينا،و لم يحضرني الآن‏كلامهم.

فإن كان راجعا إلى الطريق الأوّل فهو،و كذا لو كان راجعا إلى‏الدلالة الوضعيّة.

ما قاله صاحب المعالم و الخوانساري‏
و أمّا إن كان راجعا إلى الطريق الثاني-الّذي سلكه صاحب المعالم في‏حمل المفرد المحلّى على العموم(1) و تبعه المحقّق جمال الدين الخوانساري على‏ما حكي(2) -فيشكل أن يكون مجديا في هذا المقام،لأنّ من مقدّمات هذاالطريق لزوم اللغويّة أو الإجمال في كلام الحكيم لو حمل على البعض الغيرالمعيّن،و يشكل جريانه هنا،نظرا إلى أنّه لو حمل«اليقين»على البعض الغيرالمعيّن فلا شكّ في دخول مورد السؤال و محلّ حاجة السائل فيه،و هذا القدركاف في إخراجه عن اللغويّة و الإجمال،إذ لو سلّمنا وجوب كون كلام‏الشارع مبيّنا غير مجمل،فلا نسلّم وجوب كونه مبيّنا من جميع الجهات،بل‏لا يقدح فيه الإجمال،سيّما إذا لم يكن في مورد حاجة السائل،فإذا لم يكن‏محذور في إرادة البعض في الواقع،كان هو و الاستغراق سواء في احتمال‏الإرادة،فكما أنّ حمله عليه يتوقّف على قرينة،فكذا حمله على الاستغراق.

نعم،هذا الطريق إنّما ينفع في مثل«الماء طاهر»و شبهه ممّا إذا حمل‏اللفظ على بعض غير معيّن يلزم اللغويّة و الإجمال رأسا،فتأمّل.

و كيف كان،فمع وجود الطريقة الأولى و الثالثة،فلا نحتاج إلى الكلام في‏

(1)المعالم: 110.
(2)لم نعثر عليه.

158
جريان الطريقة الثانية في هذا المقام. [قوله‏]قدّس سرّه: «و لا يرد عليه حينئذ أنّه يصير من باب رفع الإيجاب‏الكلّي،لوقوعه في حيّز النفي،لأنّه بعيد عن اللفظ،و ينفيه التأكيد بقوله:

«أبدا»فيصير من باب‏﴿لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخور (1) .

هذا الإيراد محكي عن المجلسي‏
(1)[أقول‏]: هذا الإيراد محكيّ(2) عن العلاّمة المجلسي،حيث إنّه قدّس سرّه‏منع أوّلا: إفادة لفظي«اليقين»و«الشكّ»للعموم،مستندا إلى أنّ اللام حقيقةفي الجنس،و العهد الخارجي،مجاز في الاستغراق و العهد الذهني.

و ثانيا: بأنّ هذا رفع للإيجاب الكلّي،و يتحقّق في ضمن الإيجاب‏الجزئي.

و بعبارة أخرى: التمسّك بالعموم مخلّ بمقصودكم،لأنّ المعرفة في سياق‏النفي لا يفيد العموم،بل لا بدّ لكم من إثبات النكارة حتّى يفيد ذلك،اللّهم‏إلاّ أن يقال: إنّ التّأكيد بقوله: «أبدا»ينفي ذلك(3) ،انتهى.

إفادة النكرة في سياق النفي العموم و وقوع الاسم المحلّى باللام بعد النفي يفيد نفي الطبيعة لا الإيجاب الكلّي‏
أقول: لا شكّ في أنّ النكرة إنّما تفيد العموم في سياق النفي،لأنّ نفي‏الفرد المنتشر لا يتحقّق إلاّ بنفي جميع الافراد،و لا شكّ أنّ وقوع اسم الجنس‏المحلّى باللام الدالّ على الطبيعة بعد النفي يفيد نفي الحكم عن الطبيعة،و لا يتحقق إلاّ بعد نفيه عن جميع الافراد،فهو يفيد نفي الحكم عن الأفرادبنحو أبلغ.
ما يفيد رفع الإيجاب الكلّي‏
و أمّا كونه حينئذ لرفع الإيجاب الكلّي فممّا لا يحتمله أحد،نظرا إلى أنّ‏إفادة رفع الإيجاب الكلّي إنّما يكون في ما إذا ثبت العموم بنفس اللّفظ مع‏
(1)لقمان: 18.
(2)حكاه في شرح الوافية(مخطوط): 126.
(3)ملاذ الأخيار 1: 62.

159
قطع النّظر عن تعلّق الحكم،كما في لفظ«كلّ»و الجمع المحلّى،و المضاف،و الفرد المحلّى إذا استعمل في الاستغراق مجازا. و أمّا إذا ثبت العموم بملاحظة:

أنّ الحكم الإيجابي أو السلبي إذا تعلّق بالطبيعة،فيفيد ثبوت الحكم أو نفيه‏للطبيعة و عنها-و لا يكون ذلك إلاّ بثبوته لجميع الافراد أو نفيه عنها-فلا يحتمل هذا الاحتمال.

و لعلّ المورد لمّا زعم أنّ التمسّك بالعموم من جهة ادّعاء استعمال نفس‏المفرد المحلّى باللام في الاستغراق بجعل اللام للاستغراق-و لهذا منع أوّلا كون‏اللام حقيقة في الاستغراق-أورد بأنّه: لو سلّمنا كون اللام للاستغراق،فيصير النفي الوارد عليه دالاّ على رفع الإيجاب الكلّي،كما في قولك: «لم آخذكلّ الدراهم»و قوله: «ما كلّ عدد زوجا»و

(`«ما كلّ ما يتمنّى المرءيدركه»`)
[1]،كما صرّح به بعض أهل المعاني.
وجه حمل«اليقين»و«الشك»على العموم‏
و قد عرفت أنّ حملنا لفظي«اليقين»و«الشكّ»على العموم ليس‏لادّعاء كون اللام فيهما للاستغراق-لا حقيقة و لا مجازا-حتّى يرد علينامنعه الأوّل،بل لأنّهما مستعملان في نفس الطبيعة،لكنّ الحكم الإيجابي أوالسلبي إذا تعلّق بطبيعة فيلزمه وجود الحكم في جميع محالّ وجود تلك‏الطبيعة،و لا عموم و كليّة مع قطع النّظر عن الحكم،حتّى يحتمل توجّه الحكم‏السلبيّ إلى نفس العموم و الكليّة فيفيد سلب العموم و نفي الشمول-كما في‏الأمثلة المذكورة-فنحتاج إلى جعل المقام من قبيل: ﴿لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ‏فَخور (1) -كما فعله المصنّف-أو القول: بأنّ جعله من باب رفع الإيجاب‏
[1]هو لأحمد بن الحسين،أبي الطيّب المتنبّي،على ما في جامع الشواهد 3: 16.
(1)لقمان: 18.

160
الكلّي. موجب للإجمال بل اللغويّة-كما فعله السيّد صدر الدين(1) -فيرد عليه ما أوردنا على استفادة العموم بالطريق الثاني من الطرق الثلاثة:

من أنّ اللغويّة تدفع بدخول مورد سؤال السائل و محلّ حاجته في المجمل،و لا دليل على وجوب البيان أزيد من ذلك،مع احتمال وجود المبيّن‏و اختفائه. [قوله‏]قدّس سرّه: «مع أنّ قوله عليه السّلام: «و لا ينقض اليقين أبدا بالشكّ»في قوّة الكبرى الكليّة لإثبات المطلوب».

وجه كون الرواية في قوّة الكبرى‏
(1)[أقول‏]: كونه في قوّة الكبرى لا يحتاج إلى أزيد من عمومه على وجه‏يشمل الصغرى،و هذا القدر يحصل بجعل«اليقين»فيه عامّا لكلّ يقين‏بالوضوء السابق،لا لكلّ يقين متعلّق بأيّ شي‏ء كان.

اللّهم إلاّ أن يقال: إنّه إذا كان في قوّة الكبرى،فيستفاد منه بفهم‏العرف العموم بالنسبة إلى كلّ يقين. [قوله‏]قدّس سرّه: «و جعل الكبرى منزّلة على إرادة يقين الوضوء بعيد،لإشعار قوله: «فإنّه على يقين من وضوئه»بذلك،فيكون الكبرى حينئذبمنزلة التكرار».

وجه التصريح بالكبرى مع إشعار الصغرى بها
(2)[أقول‏]: لا يخفى أنّ التصريح بالكبرى مع إشعار الصغرى بها-لكونهافي مقام التعليل-لا يكون تكرارا،بل تصريح بما كان اللفظ السابق مشعرا به.

بل نقول: إنّ في التصريح فائدة مهمّة،و هي: أنّه لو لم يصرّح بالكبرى‏لكان الصغرى الواردة في مقام التعليل من باب منصوص العلّة-الّذي اختلف‏

(1)راجع شرح الوافية: 126.

161
في حجّيّته بالنسبة إلى غير مورد التعليل-و قال بعض المحقّقين(1) بعدم جوازالتعدّي فيه عن المورد،نظرا إلى أنّها لا تدلّ على كبرى كليّة دالّة على شمول‏الحكم لغير المورد من محالّ وجود العلّة.

فالأولى: التمسّك بفهم العرف العموم على فرض كونها كبرى،كما ذكرنا(2) . [قوله‏]قدّس سرّه: «إلاّ أن يرتكب فيه نوع استخدام،و هو خلاف‏الظاهر».

وجه ارتكاب الاستخدام في الحديث‏
(1)[أقول‏]: لأنّ الأمر المذكور المعهود سابقا بالنسبة إلى مدخول لام‏العهد كمرجع الضمير بالنسبة إليه،فيمكن أن يراد بنفس الأمر المذكور شي‏ء،و بمدخول لام العهد ما يلابسه و ما له ارتباط به،فاليقين السابق و إن كان‏شخصا،إلاّ أنّ المراد باليقين نوع هذا الشخص،هذا في قوله: «و لا ينقض‏اليقين».

و أمّا في قوله: «و لكن ينقضه»فإن كان راجعا إلى اليقين المعرّف‏فلا استخدام،و إن كان راجعا إلى اليقين المنكّر الشخصي فهو استخدام‏حقيقة. [قوله‏]قدّس سرّه: «و كذلك لفظ الشكّ،لأنّه تابع لليقين».

في أن«الشك»ك«اليقين»في العموم‏
(2)[أقول‏]: هذا إنّما ينفع لدفع احتمال اختصاص الشكّ بالوضوء فقط،و هو حقّ،إذ لا معنى لأن يقول المعصوم عليه السّلام: كلّ يقين لا ينقضه شكّ.

مع أنّه لو كان كذلك لزم-كما قيل-أن يقول: و لكن ينقضه بيقين‏

(1)لم نقف عليه.
(2)في التعليقة السابقة.

162
أو شكّ آخر،فليتأمّل.

و أمّا احتمال اختصاص الشكّ بالشكّ في خصوص طروّ الرافع لليقين‏السابق،فلا يدفعه كون الشكّ تابعا لليقين،إذ لم يخصّص الشكّ ببعض موارداليقين،بل نقول: مراد المولى: أنّ كلّ يقين في أيّ مورد كان-وضوءأو غيره-فلا ينقضه الشكّ في طروّ الرافع له.

و الحاصل: أنّه يمكن أن يقال: إنّ معنى قوله: «و إلاّ فإنّه على‏يقين... إلخ»أنّه إن لم يستيقن أنّه قد نام-يعني شكّ في حدوث النوم له-فلا يجب عليه الوضوء،لأنّه كان على يقين من وضوئه فشكّ في وجود الرافع‏له،و لا ينقض اليقين-بأيّ شي‏ء تعلّق-بالشكّ في وجود الرافع له.

فإذا ادّعى أصحاب القول باختصاص حجّيّة الاستصحاب بصورةالشكّ في وجود الرافع هذا الاحتمال،فلا يمكن نفيه بأنّ الشكّ تابع لليقين،فيحتاج إلى إثبات عموم الشكّ بالنسبة إلى جميع أفراده،حتّى يكون المرادأنّ كلّ يقين سابق لا ينقض بالشكّ في انتفائه-أي انتفاء أثره-و أمّا ثبوت‏عمومه بالنسبة إلى موارد اليقين-بعد عموم اليقين-فهو أمر بديهيّ،فتأمل. [قوله‏]قدّس سرّه: «و لمّا كان من البديهيّات الأوّليّة عدم اجتماع اليقين‏و الشكّ في شي‏ء واحد،بل و لا الظنّ و لا الشكّ».

توجيه قول المصنف‏
(1)[أقول‏]: لمّا كان ظاهر الخبر هو النهي عن نقض اليقين بالشكّ،و النقض لا يتصوّر إلاّ عند التعارض-و المعلوم امتناع تعارض الشكّ‏و اليقين،لأنّ عدم كلّ منهما مأخوذ في الآخر و بمجرّد عروض الشكّ يرتفع‏اليقين،فلا يتصوّر قدرة المكلّف على النقض أو عدمه،فلا يصلح أن يكون‏متعلّقا للتكليف-احتاجوا إلى صرفه عن ظاهره.
ما قاله الشهيد في المقام،و إيراد الشيخ البهائي عليه‏
فقال الشهيد في الذكرى: قولنا: «اليقين لا يرفعه الشكّ»لا نعني به‏
163
اجتماع اليقين و الشكّ في زمان واحد،لامتناع ذلك،ضرورة أنّ الشكّ في‏أحد النقيضين يرفع يقين الآخر،بل المعنيّ به«أنّ اليقين الّذي في الزمان‏الأوّل لا يخرج عن حكمه بالشكّ في الزمان الثاني»،لأصالة بقاء ما كان،فيئول إلى اجتماع الظنّ و الشكّ في زمان واحد،فيرجّح الظنّ عليه،كما هومطّرد في العبادات(1) انتهى.

و أورد عليه شيخنا البهائي في الحبل المتين: بأنّ قوله: «فيئول إلى‏اجتماع الظنّ و الشكّ في الزمان الواحد»محلّ كلام،إذ عند ملاحظة ذلك‏الاستصحاب ينقلب أحد طرفي الشكّ ظنّا و الآخر وهما،فلا يجمع الشكّ‏و الظنّ في مكان واحد،و كيف يجتمعان؟و الشكّ في أحد النقيضين يرفع ظنّ‏الآخر،كما يرفع تيقّنه،(2) انتهى.

فقول المصنّف: «بل و لا الظنّ و الشكّ»تعريض على الشهيد في‏الذكرى،و موافقة لما ذكره شيخنا البهائي.

أقول: يمكن أن يكون مراد الشهيد من«الشكّ»محض الاحتمال‏الموهوم،فتأمّل.

المراد من عدم نقض اليقين‏
و كيف كان: فالمراد بعدم نقض اليقين السابق لا بدّ أن يكون عدم نقض‏آثاره المترتّبة عليه،و معنى عدم نقضها من المكلّف هو ترتيبها في زمان‏الشكّ و عدم رفع اليد عنها في مرحلة الظاهر،و إلاّ ففي نفس الأمر إمّا أن‏تكون باقية أو مرتفعة.

أو يكون المراد من«اليقين»نفس المتيقّن السابق،فمعنى عدم نقضه هو

(1)الذكرى: 89.
(2)الحبل المتين: 37.

164
إبقاؤه و الحكم ببقائه في مرحلة الظاهر،بجعل عروض الشكّ كعدم عروضه.

لكن يحتاج هذا إلى صرف«الوضوء»عن ظاهره،بأن يجعل المراد منه هوالحالة الحاصلة بعد الفراغ-و هي الطهارة-إذ لا معنى لإبقاء نفس الوضوء،فالأوّل أولى،و اللّه هو العالم بحقائق الأمور.

مورد الرواية هو الشك في حدوث الرافع‏
بقي هاهنا شي‏ء،و هو أنّ مورد الحكم المذكور في الرواية-أعني عدم‏جواز نقض اليقين بالشكّ-هو صورة الشكّ في حدوث النوم،لا الشكّ في رافعيّة الخفقة و الخفقتين للطهارة و كونهما من موجبات الوضوء.
ما ذكره بعض المشايخ ردا على المحقق السبزواري في الرواية
و بعبارة أخرى: مورد الرواية الشكّ في حدوث الرافع،لا في رافعيّةالحادث،خلافا لبعض مشايخنا المعاصرين‏[1]حيث جعل مورد الرواية هوالشكّ في رافعيّة الحادث،و ردّ بذلك المحقّق السبزواري القائل بعدم حجيّةالاستصحاب في هذه الصورة،لوجوه منها: عدم عموم في الحديث بحيث‏يشمل هذه الصورة،بل المتيقّن منها الصورة الأولى-يعني صورة الشكّ في‏حدوث المانع-.
تأييد ما فهمه المحقق بأمرين‏
و ما فهمه المحقّق من مورد الرواية هو الحقّ،كما ذكرنا،و الدليل عليه‏أمران:
الأمر الأوّل‏
الأوّل: تصريح قوله عليه السّلام: «حتّى يستيقن أنّه قد نام،حتّى يجي‏ءمن ذلك أمر بيّن،و إلاّ فإنّه على يقين... إلخ»بذلك،فإنّ السائل بعد ما بيّن له‏المعصوم عليه السّلام أنّ النوم الموجب للوضوء هو الغالب على الاذن و القلب‏دون الغالب على العين فقط،سأل عن أنّ مجرّد تحريك شي‏ء إلى جنبه مع‏
[1]و هو الفاضل النراقي قدّس سرّه في مناهجه ذيل«السادس من الوجوه المستدلّ بهالحجيّة الاستصحاب».

165
عدم شعوره هل يكون أمارة للنوم المذكور،يعتنى بها في وجوب الوضوء؟فقال عليه السلام: «لا،حتّى يستيقن أنّه قد نام»يعني حدوث النوم. «حتّى‏يجي‏ء من ذلك أمر بيّن»أي يحصل له دليل علميّ على حدوث النوم. «و إلاّ»أي و إن لم يستيقن حدوث النوم-بأن شكّ فيه-فلا يلتفت إلى شكّه،«لأنّه‏كان على يقين... إلخ»،فحذف جواب الشرط و أقيم علّته مقامه،كما في قوله:

و﴿إنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أخْفى (1) ،و قوله تعالى: ﴿وَ إنْ يُكَذِّبُوكَ‏فَقَدْ كذّبَت. ). (2) ،و قوله تعالى: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَد سَرَقَ أخٌ لَهُ مِنْ قَبْل (3) .

و أمثال ذلك.

و الحاصل: أنّ الرواية أظنّها صريحة في ما قلنا.

الأمر الثاني‏
الثاني: أنّه لو كان الحكم الاستصحابيّ المذكور حكما في مسألة كون«الخفقة و الخفقتين»أو«تحريك الشي‏ء إلى الجنب مع عدم الشعور»من‏موجبات الوضوء،لم يصلح لأن يجيب به المعصوم عليه السلام السائل عنها،بل‏كان ينبغي أن يجيبه بالحكم الواقعي للخفقة و الخفقتين،نظرا إلى أنّ إجراءالاستصحاب في صورة الشبهة في الحكم الشرعي إنّما هو للجاهل الغير القادرعلى استعلام الحكم الواقعي للمسألة و لو بعد الفحص-بحيث يحسّ عن نفسه‏العجز-فكيف يصحّ للمعصوم عليه السّلام أن يجعله حكما لمن يستعلم الحكم‏الواقعي منه؟و الحاصل: أنّا نقول: إذا سئل المعصوم مثلا عن أنّ المذي ينقض‏الوضوء أم لا؟فلا ينبغي للمعصوم عليه السلام أن يجيبه بإجراء الاستصحاب في‏
(1)طه: 7.
(2)الحجّ: 42،فاطر: 4.
(3)يوسف: 77.

166
المسألة-الّذي هو حكم المكلّف في الظاهر بعد العجز عن الواقع-و هذا ظاهرلا شبهة فيه،فتدبّر.

ثمّ إن أبيت إلاّ عن أنّ الحكم المذكور متعلّق بمسألة الخفقة و الخفقتين،فنقول حينئذ: ليس شكّ الراوي في كون«الخفقة و الخفقتين»بنفسهما من‏موجبات الوضوء حتّى يرجع إلى صورة الشكّ في رافعيّة الحادث،بل شكّه‏في أنّهما-باعتبار إيجابهما للشكّ في تحقّق النوم الحقيقي العرفيّ الغالب على‏الحاسّتين-هل يوجبان الوضوء أم لا؟كما أنّ شكّه في كون«تحريك شي‏ءإلى الجنب مع عدم الشعور به»موجبا للوضوء إنّما هو من جهة إيجابه الشكّ‏بل الظنّ بالنوم،لا من جهة الشكّ في حكمه من حيث نفسه.

التأييد برواية البجلي‏
و يؤيّده ما روي عن البجلي قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام:

عن الخفقة و الخفقتين،فقال عليه السلام: ما أدري ما الخفقة و الخفقتان،إنّ اللّه‏عزّ و جلّ يقول: ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفسِهِ بَصيرَة (1) إنّ عليّا عليه السلام كان يقول:

من وجد طعم النوم قائما أو قاعدا فقد وجب عليه الوضوء»(2) .

فإنّ ظاهر هذا الجواب-حيث و كلّ المعصوم تحقّق النوم و عدمه‏بالخفقة و الخفقتين إلى نفسه-يعطي أنّ السؤال‏[1]لم يكن عن كونهما بأنفسهماعند الشارع من موجبات الوضوء،لدخولهما في النوم الناقض،أو لكون‏حكمهما حكم النوم في النقض و إن لم يكونا منه عرفا. [قوله‏]قدّس سرّه: «ثمّ إنّك إذا تأمّلت في فقه الحديث تعلم أنّ نظر الإمام‏عليه السلام إلى نفي تحقّق النوم في الخارج ليس أقلّ من نظره إلى إثبات

[1]في الأصل: «يعطي عن أنّ السؤال»و الظاهر زيادة لفظة«عن»هنا.
(1)القيامة: 14.
(2)الوسائل 1: 181،الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء،الحديث 9.

167
الطهارة... إلخ».
هل يظهر من الخبر حكمه عليه السلام باستصحاب عدم النوم؟
(1)[أقول‏]: هاهنا مقامان من الكلام:

الأوّل: أنّ الخبر المذكور-كما أنّه يظهر منه حكم المعصوم باستصحاب‏الطهارة-هل يظهر منه حكمه عليه السّلام باستصحاب عدم النوم؟حتّى يكون‏الاستصحاب في الأمر الخارجي كالاستصحاب في الحكم الشرعي من مواردهذه الرواية،فلا يمكن القول بخروج الاستصحاب في الأمور الخارجيّة عن‏عموم«اليقين»،-نظرا إلى أنّ بيان الأمور الخارجيّة ليس من شأن المعصوم‏و إن كانت منشأ للأحكام الشرعيّة-أم لا؟

هل يصلح دخول الأمور الخارجية في عموم الحديث؟
الثاني: أنّه-بعد ما لم يثبت من أصل الرواية التفات المعصوم إلى‏استصحاب عدم النوم-هل يصلح دخول الأمور الخارجيّة في عموم‏الحديث؟أو لا يصلح؟نظرا إلى ما ذكرنا من عدم كون بيان ذلك من شأن‏المعصوم»[1].

و كلام المصنّف هنا في المقام الأوّل.

عدم دلالة الخبر على جريان الاستصحاب في عدم النوم،و على فرض‏الدلالة فلا يدل على جريانه في الأمور الخارجية،كما هو مقصود المصنف‏
و الإنصاف: أنّه لا يفهم من متن الرواية التفاته عليه السّلام إلى استصحاب‏عدم النوم،بل لا يفهم منه سوى استصحاب الطهارة.

مضافا إلى أنّه لو ثبت ذلك فلا يثبت مقصود المصنّف من دلالته على‏الاستصحاب في الأمور الخارجيّة-الّتي هي محلّ مخالفة الخصم القائل بعدم‏حجيّة الاستصحاب فيها-لأنّ محلّ الخلاف ظاهرا إنّما هو في استصحاباتهاالوجوديّة-كبقاء الرطوبة و اليبوسة و الكرّيّة و القلّة و نحوها-لا في العدميّة،كعدم النوم و عدم البول و نحوهما.

[1]في الأصل زيادة: «أم لا»هنا،و الظاهر عدم لزومها.

168
إلاّ أن يدّعى: أنّ هذه أيضا من محلّ الخلاف،نظرا إلى أنّ الدليل الّذي‏استدلّ به المخالف-من أنّ شأن المعصوم ليس بيان الأمور الخارجيّة-يشمل‏الوجوديّات و العدميّات،فتأمّل. [قوله‏]قدّس سرّه: «و أمّا ما ذكره المحقّق الخوانساريّ(1) : من أنّ الروايةلا تدلّ إلاّ على ما ثبت استمراره إلى غاية من جهة الشارع،تمسّكا بأنّ عدم‏نقض اليقين بالشكّ هو عدم النقض عند التعارض،و معنى التعارض هو أن‏يكون شي‏ء موجبا لليقين لو لا الشكّ».
متابعة بعض المعاصرين المحقق الخوانساري في تفسير الخبر،مع مخالفته له في بعض الفروع‏
(1)[أقول‏]: تبعه على هذا التفسير للخبر بعض المعاصرين‏[1]إلاّ أنّه فرّع‏عليه عدم دلالتها على حجيّة الاستصحاب في ما إذا ثبت استمرار حكم في‏الجملة،و قال بدلالته على الحجيّة في ما إذا ثبت الاستمرار و شكّ في البقاءمن جهة المزيل،سواء كان من جهة الشكّ في حدوث المزيل،أو في صدق‏المزيل،أو في مزيليّة الشي‏ء لتردّده بين المزيل و غيره-كالرطوبة المشتبهةالموجودة في الثّوب-أو للشبهة في كونه شرعا مزيلا للحكم‏[2]المستمرّ،كالمذي.

و أمّا المحقّق: فلا يرى دلالة الخبر-على هذا التفسير الّذي ذكره له-إلاّ على حجيّة الاستصحاب في القسمين الأوّلين،أعني الشكّ في حدوث‏المزيل،أو في صدق المزيل على شي‏ء.

[1]و هو النراقي قدّس سرّه في مناهج الأحكام و الأصول،ذيل مختاره«بعد القول التاسع»و هو الحجّية مطلقا.
[2]الموجود في الأصل«الحكم»،و لكن الصحيح ما أثبتناه.
(1)مشارق الشموس: 76.

169
قال هذا الفاضل المعاصر(1) في تفسير الخبر-تبعا للمحقق‏الخوانساري-ما هذا لفظه: «فمقتضى نقض اليقين بالشكّ ترك حكم اليقين‏و مقتضاه،أو ترك الأمر المتيقّن،استنادا إلى الشكّ،أيّ تمسّكا باحتمال عدمه.

و لا يخفى أنّ نقض اليقين بالشكّ بهذا المعنى يستلزم: أنّه لو لم يطرأالأمر الموجب للشكّ-أي احتمال زوال الأمر المتيقّن-و لا أمر حادث آخرأيضا مضادّ لليقين السابق-و إلاّ لارتفع اليقين السابق قطعا-لكان اليقين‏السابق باقيا من دون احتياج إلى دليل آخر،أي بمجرّد الدليل الدالّ على‏الوجود السابق،و إلاّ لم يكن نقضا بالشكّ،إذ لولاه أيضا لكان اليقين منتفياأيضا.

و هذا اللازم هو بعينه مراد من قال: إنّ المراد من عدم نقض اليقين‏بالشكّ عدمه عند التعارض-أي تعارض الشكّ مع اليقين-أي كان الموردبحيث لو لم يطرأ احتمال الزوال الموجب للشكّ لكان اليقين السابق باقيا من‏غير احتياج إلى علّة أخرى.

و على هذا،فلا يدلّ على حجّيّة الاستصحاب في ما علم استمراره في‏وقت و لم يعلم بعده،إذ عدم طريان احتمال زوال الحكم فيه من غير تجدّددليل آخر ممتنع،و كلّما فرض عدم طريان احتمال الزوال فيه،فلا محالةيكون من جهة علّة أخرى»[1]انتهى كلامه.

ما اختاره المحقق السبزواري في المقام‏
و يظهر من المحقّق السبزواريّ أيضا اختيار ما اختاره هذا الفاضل‏المعاصر-من عدم دلالة الخبر على حجيّة الاستصحاب في ما إذا ثبت‏
[1]مناهج الأحكام و الأصول،ذيل قوله: «و الحقّ عندي الحجّيّة مطلقا»مع اختلاف.
(1)أي الفاضل النراقي قدّس سرّه.

170
الاستمرار في الجملة-حيث قال في جملة كلام له في الذخيرة-على ما حكي‏عنه-: «إنّ الخبر بظاهره مختصّ بحكم يكون له استمرار،لأنّ الظاهر من‏النقض ذلك»(1) انتهى.
حاصل ما ذكره الأجلاّء الثلاثة
و الحاصل: أنّ هؤلاء الأجلاّء الثلاثة ينفون دلالة الخبر على ما إذاثبت الحكم في الجملة-من غير استمرار إلى غاية معيّنة-و إن افترقوا في‏دلالته على جميع ما سواه من أقسام الشكّ أو على بعضه.
هل ينطبق ما ذكره المحقق الخوانساري على استصحاب القوم؟
و كيف كان،فلا بدّ من ملاحظة أنّ ما ذكره المحقّق الخوانساري في‏تفسير الخبر و تبعه عليه بعض-من أنّ المراد بالنقض كذا و كذا-ينطبق على‏استصحاب القوم أيضا،أو لا؟
إيراد المصنف و جماعة على المحقق‏
و على فرض عدم الانطباق فهل ينطبق على استصحابه أو لا ينطبق‏عليه أيضا،فإنّ جماعة ممّن تأخّر عنه-كالسيّد صدر الدّين في شرح‏الوافية(2) ،و العلاّمة البهبهاني في رسالته المعمولة في الاستصحاب(3) ،و منهم‏المصنّف-أجابوا عنه بأنّ ما ذكر في تفسير الخبر جار في استصحاب القوم‏و منطبق عليه أيضا. و هو الّذي ذكره المصنّف في ما بعد بقوله: «و أورد عليه».
الجواب عن ذلك‏
أقول: و يمكن الجواب عنه،بأنّ ما ذكر-من أنّ المراد بالتعارض هو أن‏يكون شي‏ء يوجب اليقين لو لا الشكّ-لا ينطبق على استصحابه أيضا،و إن‏أراد معنى آخر،فهو مشترك بين استصحابه و استصحاب القوم.
ما يتصوّر في استصحاب المحقق من«اليقين»يقينان‏
و لنقدّم لذلك مقدّمة،و هي: أنّه يتصوّر في استصحاب المحقّق يقينان:

الأوّل: اليقين بالحكم الكلّي،و هو أنّ الطهارة مثلا مستمرّة إلى أن‏

(1)ذخيرة المعاد: 116.
(2)شرح الوافية(مخطوط): 119.
(3)الرسالة الاستصحابية(مخطوط): 9.

171
يحدث الرافع،و هذا اليقين إنّما يحصل بمجرّد قول الشارع و حكمه بأنّ الوضوءإذا حصل فالطهارة مستمرّة إلى زمان حدوث البول،أو كذا،أو كذا،فالدّليل‏الشرعيّ علّة تامّة لحصول هذا اليقين،و لا يحتاج معه إلى وجود شي‏ء آخر،أو ارتفاع شي‏ء آخر.

الثاني: اليقين بالحكم الجزئيّ و هو كون نفسه متطهّرا،و هذا اليقين لايحصل بمجرّد قول الشارع،بل لا بدّ-مضافا إلى قول الشارع-من اليقين‏بتحقّق موضوع حكم الشارع،فإذا حكم الشارع بأنّ الوضوء إذا حصل،فالشخص المتوضئ متطهّر إلى أن يحدث منه أحد الروافع،فبمجرّد هذالا يقطع الشخص بتطهّره،بل لا بدّ من أن يقطع بأنّه متوضّئ و لم يحدث منه‏أحد الروافع.

فاليقين بالحكم الجزئيّ لا يتحقّق إلاّ بعد تحقّق اجتماع يقينين: اليقين‏بالحكم الكلّيّ،و اليقين بتحقّق موضوعه.

فاليقين بالحكم الكلّيّ يقين بالكبرى،و اليقين بتحقّق موضوعه يقين‏بالصغرى،و المركّب منهما ينتج اليقين بالحكم الجزئي،فكلّ من اليقينين جزءالمقتضي له.

إن بين اليقين بالحكم و اليقين بالحكم الجزئي عموم مطلق‏
و ممّا ذكرنا ظهر: أنّ بين اليقين بالحكم و اليقين بالحكم الجزئيّ عموم‏مطلق بحسب التحقّق،فكلّما تحقّق اليقين بالحكم الجزئيّ تحقّق اليقين بالحكم‏الكلّي،و ربّما يتحقّق اليقين بالحكم الكلّي و لا يتحقّق اليقين بالحكم الجزئيّ،بل‏يتحقّق الشكّ،كما إذا لم يتحقّق الجزء الآخر من مقتضية،و هو اليقين بتحقّق‏الموضوع،كما إذا شكّ في أنّه حدث منه الرافع أم لا.

بل قد يتحقّق اليقين بالكلّي مع تحقّق اليقين بعدم الحكم الجزئيّ،كما إذاقطع بعدم تحقّق الموضوع بأن قطع بحدوث البول،فإنّه قاطع بالحكم الكلّي‏


172
-يعني أنّ الشخص إذا توضّأ فطهارته مستمرّة إلى حصول الرافع-لكن لمّاعلم بعدم حصول الموضوع-أعني عدم حصول الرافع-يقطع بعدم الحكم‏الجزئيّ،فاليقين بعدم الحكم الجزئيّ لا ينافي اليقين بالحكم الكلّي. بل يؤكّده.

فإنّ الشارع إذا حكم بأنّ المكلّف بعد التوضّي متطهّر إلى حال‏حدوث الحدث،فهذا الحكم هو المقتضي-بمفهومه-لليقين بعدم ثبوت الطهارةلمن حدث منه الحدث.

و إذا شكّ في حدوث الحدث،فالحكم الكلّي بالطهارة لا يقتضي في حقّه‏شيئا،بل هو بالنسبة إلى منطوق الحكم«الدالّ على طهارة المتوضّئ الغيرالمحدث»و مفهومه«الدالّ على عدم طهارة غير المتوضّئ أو المتوضّئ الّذي‏حدث منه الحدث»سواء.

و هذان اليقينان حاصلان في استصحاب القوم أيضا;لأنّ اليقين بالحكم‏الجزئيّ لا يحصل إلاّ بهما،لاستحالة اليقين بالنتيجة بدون اليقين بالكبرى‏و الصغرى.

الفرق بين استصحاب القوم و استصحاب المحقق الخوانساري‏
إلاّ أنّ الفرق بين استصحاب القوم و استصحاب المحقّق الخوانساريّ،هو أنّ الموجب لليقين بالحكم الكلّي في استصحاب القوم ليس موجودا في‏أوّل الأمر،بمعنى أنّه لا يفهم من الدليل الأوّل،و لهذا يشكّ في ثبوت الحكم‏الجزئي،فالشكّ في ثبوت الحكم الجزئيّ،من جهة الشكّ في جزء مقتضية،و هو الحكم الكلّي الّذي يكون بمنزلة الكبرى له. نعم،اليقين بتحقّق الموضوع‏الّذي هو له بمنزلة الصغرى موجود.

و أمّا استصحاب المحقّق،فالأمر فيه بالعكس،يعني أنّ اليقين بالكبرى-أعني الحكم الكلّي-موجود،و اليقين بتحقّق الموضوع له-الّذي هو بمنزلةالصغرى لثبوت الحكم الجزئيّ-غير موجود،و لهذا يشكّ في ثبوته،فلو وجد


173
هذا اليقين لم يحتج ثبوت الحكم الجزئي بعد إلى دليل من جانب الشارع.
وجه اشتراك الاستصحابين‏
فكلّ من استصحاب القوم و استصحاب المحقّق مشترك مع الآخر في‏فقدان جزء من جزئي المقتضي لليقين بالحكم الجزئيّ الحاصل في السابق،بحيث لو ارتفع الشكّ فيه و تبدّل باليقين به لم يحتج إلى شي‏ء.

نعم،قد يكون الشكّ في ثبوت الحكم الجزئيّ من جهة فقدان اليقين‏بالحكم الكلّي الّذي هو بمنزلة الكبرى،و اليقين بتحقّق الموضوع الّذي بمنزلةالصغرى،كليهما،كما لو حكم الشارع في زمان باستمرار حكم إلى غاية،مع‏الشكّ في ثبوت أصل هذا الحكم الشرعيّ-أعني كون الحكم المذكور مستمرّاإلى غاية-في الزمان الآخر،ثمّ شكّ في هذا الزمان المشكوك في وجود الغايةأيضا،فالشكّ من جهة الصغرى و الكبرى كلتيهما،فالقوم يستصحبون،و المحقّق لا يستصحب،نظرا إلى الشكّ في الكبرى.

و الحاصل: المقصود من جميع ما ذكرنا من التكرارات و التوضيحات،هو أنّ العلّة الموجبة للحكم الكلّي بالطهارة لا يقتضي هو بنفسه الحكم‏الجزئي،بل هو جزء المقتضي. فاجعله في ذكر منك.

الإشكال فيما لو أراد باليقين: اليقين بالحكم الكلي‏
إذا عرفت ما ذكرنا،فنقول: قول المحقّق: «إنّ معنى التعارض،هو أن‏يكون شي‏ء يوجب اليقين لو لا الشكّ»إن أراد من«اليقين»اليقين بالحكم‏الكلّي،ففيه: أنّ اليقين في الرواية-الّذي نهى المعصوم عن نقضه-هو اليقين‏بالحكم الجزئيّ،لا اليقين بالحكم الكلّي،لأنّه غير قابل للنقض إلاّ بعروض‏النسخ،و لأنّ الموجب له هو الدليل الدالّ عليه. و إيجابه له لا يتوقّف‏على رفع الشكّ،بل يجامع القطع بالحدث.

و لا تعارض بينه و بين الشكّ و لا بين القطع بارتفاع الحالة السابقة،فإنّ العلم بالحكم الكلّي-الّذي هو أنّ من توضّأ فهو متطهّر إلى حدوث‏


174
الحدث-يجامع العلم ببقاء الحالة و الشكّ فيه و القطع بعدمه.

و الحاصل: أنّ المراد باليقين في عبارته لا يجوز أن يكون: اليقين‏بالحكم‏[الكلّي‏](1) و لا يبعد دعوى القطع بعدم إرادته أيضا.

الإشكال فيما لو أراد باليقين: اليقين بالحكم الجزئي‏
و إن أراد منه اليقين بالحكم الجزئيّ-كما هو الظاهر،بل المقطوع،لأنّه‏الّذي يعارض مع الشكّ-ففيه أوّلا: أنّه لا شي‏ء يتصوّر كونه موجبا له‏إلاّ الدليل الدالّ على الاستمرار،و قد عرفت: أنّه إنّما يوجب اليقين بالحكم‏الكلّي الّذي هو جزء موجب لهذا اليقين بالحكم الجزئيّ،فالموجود هو جزءالموجب لليقين بالحكم الجزئيّ،لا نفسه. و الدليل الدال على الاستمرار هودليل أحد جزئي الموجب لليقين بالحكم الجزئي،و جزؤه الآخر ليس‏موجودا،و إنّما يوجد بانتفاء الشكّ في وجود المزيل،بشرط أن لا يتبدّل بالقطع‏بوجوده،فأين الشّي‏ء الّذي يوجب اليقين لو لا الشكّ؟
عدم وجود ما يوجب اليقين في استصحاب القوم كما لا يوجد في استصحاب‏المحقق‏
فكما أنّ في استصحاب القوم لا يوجد ما يوجب اليقين،فكذلك في‏استصحاب المحقّق لا يوجد ما يوجبه،إذ قد عرفت: أنّ الموجود في‏استصحابه هو الدليل الدالّ على الحكم الكلّي و الموجب لليقين به ليس إلاّ،و هو ليس مقتضيا لليقين السابق،بل هو جزء المقتضي،و ما يحدث بسبب‏ارتفاع الشكّ-من اليقين بعدم وجود المزيل-جزؤه الآخر.

نعم،لو فرض أنّ الدليل الدالّ على الاستمرار مقتض لليقين،و الشكّ‏مانع،لتصوّر ما ذكره المحقّق-من وجود ما يوجب اليقين لو لا الشكّ-في‏استصحابه،دون استصحاب القوم.

تركّب اليقين بالحكم الجزئي من يقينين‏
لكنّك قد عرفت: أنّ الدليل الدالّ على الاستمرار ليس إلاّ جزء
(1)الزيادة اقتضاها السياق.

175
ما يوجب اليقين،و الشكّ ليس من قبيل المانع،بل هو سبب لارتفاع أحدجزئي المقتضي،و هو اليقين بعدم حدوث المزيل،لما عرفت-في المقدّمة(1) -من أنّ اليقين بالحكم الجزئيّ مركّب من يقينين،أحدهما: اليقين بالحكم الكلّي،و الثاني: اليقين بتحقّق موضوعه،أعني وجود سبب الحكم و ارتفاع مزيله.
تأييد ما ذكر بقوله عليه السلام: «و لكن ينقضه بيقين آخر»
و ممّا يؤيّد ما ذكرنا: قوله عليه السّلام في ما بعد: «و لكن ينقضه بيقين‏آخر»و لا شكّ أنّ معنى نقض اليقين باليقين ليس أن يكون في آن اليقين‏بالخلاف أمر موجب لليقين السابق لو لا اليقين،ضرورة أنّه لا يوجد في‏ذلك الآن هذا الشي‏ء.

مثلا إذا قطع المكلّف بحدوث البول،فلا شكّ أنّه ليس هنا ما يوجب‏اليقين بالطّهارة لو لا هذا اليقين،إذ لا يتصوّر ذلك الشي‏ء إلاّ الدليل،و معلوم‏[أنّه‏](2) لا يوجب الحكم بالطهارة في زمان اليقين بالبول لو لا اليقين بالبول.

و كذا ورد في بعض الأخبار: «أنّ اليقين لا ينقض بالشكّ،بل الشكّ‏ينقض باليقين»[1]فمقتضى الفقرة الأخيرة-على ما قاله المحقّق-هو أن يكون‏شي‏ء يوجب الشكّ لو لا اليقين،و هو كما ترى.

الإشكال في المراد من«اليقين»،و الجواب عنه‏
فإن قلت: إنّ المراد باليقين في قوله: «أن يكون شي‏ء يوجب اليقين‏لو لا الشكّ»هو المتيقّن السابق،أو الآثار المترتّبة على اليقين السابق،و لا شكّ‏أنّ الدليل الدالّ بعمومه على استمرار الحكم إلى حدوث ما جعل مزيلا يشمل‏ثبوت الحكم في هذا الآن لو لا الشكّ،فالمقتضي لثبوت الحكم في الآن الثاني‏
[1]ما ذكره مضمون رواية زرارة الواردة في شكوك الصلاة،انظر الوسائل 5: 321،الباب 10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة،الحديث 3.
(1)راجع الصفحة: 170.
(2)الزيادة اقتضاها السياق.

176
موجود،و هو الدليل الدالّ على الاستمرار المقتضي بعموم دلالته لثبوت الحكم‏في هذا الآن،إلاّ أنّ احتمال طروّ المزيل منع من حصول اليقين به.

قلت: هذا-بعينه-هو الّذي دعى جماعة إلى القول بأنّ مرجع التمسّك‏بالاستصحاب في أمثال هذه الموارد إلى التمسّك بعموم النصّ،فمنعواالاستصحاب و عملوا بمثل هذا زعما منهم انّ هذا ليس باستصحاب،بل تمسّك‏بعموم النصّ،و نحن و إن بيّنّا بطلان هذا سابقا،لكن نكرّر القول هنا في‏بطلانه،و نقول: لا شكّ أنّ الدليل الدالّ على استمرار حكم إلى حدوث ماجعل مزيلا له مركّب من قضيّتين مختلفتين بالإيجاب و السلب،فإنّ معنى«ثبوت الحكم مستمرّا إلى حدوث المزيل»هو الحكم بوجود الحكم عند عدم‏حدوث المزيل و انتفائه عند حدوثه،لأنّه معنى مزيليّة المزيل.

لا أقول: إنّه من باب مفهوم الغاية،بل إنّه مأخوذ في معنى المزيل‏و الغاية و الرافع.

فإذا جعل الشارع الوضوء سببا للطهارة و البول مزيلا،و حكم بأنّ‏الوضوء إذا حصل فالطهارة مستمرّة إلى زمان حدوث البول،فمعنى ذلك: أنّ‏كلّ من توضّأ و لم يبل فهو باق على الطهارة،و كلّ من بال بعد التوضّي‏فطهارته مرتفعة. فإذا شكّ بعد الطهارة في حدوث المزيل-و هو البول-فهل‏يوجد لعموم القضيّة الكليّة الأولى اقتضاء للحكم بكون هذا الشاكّ متطهّرا؟أم يكون نسبته إلى القضيّة الدالّة على ثبوت التطهّر لمن لم يبل و إلى القضيّةالدالّة على ارتفاعه عمّن بال بعد التطهّر على السواء؟لا أظنّك تقول بالأوّل و ترتكب الترجيح بلا مرجّح،فتعيّن الثاني،فإذالم يوجد في الدليل الدالّ على الاستمرار اقتضاء لثبوت الحكم بالنسبة إلى‏الشكّ،فأين الّذي يوجب الحكم المتيقّن في السابق؟


177
إشكالات و أجوبة
فإن قلت: إنّ هذا لأجل الشكّ.

قلت: يعني عدم كون الدليل مقتضيا لأجل الشكّ؟أو أنّه مقتض لكنّ‏الشكّ يمنع من المقتضى،كما هو الشّأن في الموانع مع المقتضيات؟فإن قلت: عدم كونه مقتضيا لأجل الشكّ.

قلت: فهو المطلوب،لأنّا نقول أيضا: إنّ مع الشكّ لا يبقى للدليل الدالّ‏على الاستمرار اقتضاء،بل يكون وجوده كعدمه،فيكون هذا الاستصحاب‏مع استصحاب القوم واحدا،حيث إنّ الدّليل لا يقتضي الحكم في الآن الثاني‏لأجل الشكّ.

و إن قلت: إنّ الدليل يقتضي الحكم في الثاني،لكنّه يمنع من ظهور أثره‏الشكّ.

قلنا: رجعت إلى الترجيح بلا مرجّح،فإنّ القول: بأنّ القضيّة الدالّةعلى«أنّ من توضّأ و لم يبل فطهارته باقية»تقتضي الحكم بالطهارة في الآن‏الثاني لكن الشكّ يمنع من ثبوت المقتضي،ليس بأولى من أن تقول: إنّ‏القضيّة الدالّة على: «أنّ من توضّأ ثمّ بال بعده فطهارته مرتفعة»تقتضي‏الحكم بعدم الطهارة في الآن الثاني لكنّ الشكّ يمنع من ثبوت المقتضى.

حاصل ما تقدم في الاستصحابين‏
و الحاصل: أنّ القول بأنّ للدليل الدالّ على استمرار الحكم إلى حدوث‏المزيل اقتضاء لثبوت الحكم المستمرّ-و هو المتيقّن السابق-في الآن الثاني،لا يخفى ما فيه.

فإذن لا فرق بين أن لا يكون الدليل الدالّ على الحكم في الآن الأوّل‏شاملا للآن الثاني،يعني لا يدلّ الدليل على الاستمرار-كما في استصحاب‏القوم-و بين أن يكون الدليل دالاّ على الاستمرار،لكن يكون مغيا بغاية،و شكّ في الآن الثاني في وجود الغاية،أو شكّ في صدق الغاية على شي‏ء،في‏


178
عدم اقتضاء الدليل للحكم في الزمان الثاني.

فلم يبق إلاّ مجرّد كون الحكم المذكور يقينيّا في الآن السابق،و هذامشترك أيضا بين الاستصحابين.

فإن كان هذا القدر كافيا في صدق تعارض الشكّ و اليقين،فليكتف به‏في الاستصحابين،فلا وجه لردّ استصحاب القوم بأنّ اليقين بحكم في زمان‏ليس ممّا يوجبه في زمان آخر،كما قاله هذا المحقّق.

و إن لم يكن هذا القدر كافيا،فقد عرفت أنّه لا يبقى في استصحابه‏أزيد منه.

و من هنا ظهر أنّ ما تمسك به المحقّق في ردّ استصحاب القوم،بأنّ‏نقض اليقين في الآن الثاني في استصحابهم ليس بالشكّ،بل هو بعدم الدليل‏الّذي هو دليل العدم،مقلوب عليه في استصحابه،لما عرفت من عدم الدليل‏على الحكم في صورة الشكّ فيه أيضا.

ما صرّح به الخوانساري في الحاشية
و أعلم: أنّ المحقّق الخوانساري صرّح في موضع من حاشيته على‏شرح الدروس بجريان الاستصحاب في ما إذا ثبت الاستمرار في الجملة،و قدذكرنا عبارته سابقا(1) .
الإشكال فيما ذكره الفاضل النراقي‏
ثمّ إنّه قد ظهر ممّا ذكرنا ما في عبارة الفاضل المعاصر المتقدّم ذكرها(2) فإنّ قوله: «و لا يخفى أنّ نقض اليقين بالشكّ بهذا المعنى يستلزم: أنّه‏لو لم يطرأ الأمر الموجب للشكّ و لا أمر حادث آخر مضادّ لليقين السابق،لكان اليقين السابق باقيا من دون احتياج إلى دليل آخر،بل بمجرّد الدليل‏
(1)انظر الصفحة: 58،و غيرها.
(2)تقدّم في الصفحة: 168-169.

179
الدالّ على الوجود السابق»فيه: أنّ حدوث اليقين السابق إنّما كان لأمرين:

اليقين بالحكم الكلّي الحاصل من جهة الدليل الشرعي،و اليقين بتحقّق‏موضوع ذلك الحكم الكلّي،أعني كون الشخص قد توضّأ و لم يحدث له‏المزيل.

و لا شكّ أنّ اليقين الأوّل-أعني اليقين بالحكم الكلّي-باق أبدا ببقاءدليله. و أمّا اليقين بتحقّق الموضوع الّذي هو جزء آخر من المقتضي لليقين‏السابق،فإن تحقّق أيضا فيتحقّق اليقين السابق،و إلاّ فلا يتحقّق،فعند الشكّ‏في حدوث الغاية لمّا لم يمكن تحقّقه لم يتحقّق اليقين السابق،و لو فرض‏عدم طروّ الشكّ.

فتحقّق اليقين السابق إنّما هو لتحقّق هذا الجزء الآخر من المقتضي،لا لمجرّد الدليل الدالّ على الوجود السابق،فعدم تحقّق اليقين السابق في آن‏الشكّ ليس لوجود المانع و هو الشكّ،بل لعدم جزء من جزئي مقتضية،و هواليقين بتحقّق الموضوع للحكم الكلّي.

و الحاصل: أنّ[ه‏]بعد ما عرفت في المقدّمة من أنّ اليقين السابق المتعلّق‏بالحكم الجزئي-و هو كون هذا الشخص طاهرا-لمّا كان حاصلا بحصول‏يقينين،كلّ منهما جزء مقتض له،فعدم اليقين في زمان الشكّ-سواء كان في‏استصحاب القوم أو في استصحاب المحقّق-لا يكون إلاّ لفقد أحدهماأو كليهما. لكنّ المفقود في استصحاب القوم اليقين بالكبرى-أعني الحكم الكلّي‏الشرعيّ-أو هو مع اليقين بالصغرى-أعني تحقّق موضوع ذلك الكلّي-أيضا،كما عرفت من المثال في المقدّمة. و أمّا المفقود في استصحاب المحقّق فهو اليقين‏بالصغرى فقط،فكلاهما يشتركان في احتياج كمال المقتضي لليقين فيهما إلى‏انتفاء الشكّ الّذي يتحقّق في ضمنه وجود الجزء الآخر من المقتضي.


180
حاصل الإشكال‏
و الحاصل: أنّا نمنع كون بقاء اليقين السابق من أجل مجرّد الدليل،بل‏هو من أجل الدليل و القطع بالصغرى فهو يحتاج-مضافا إلى الدليل-إلى‏القطع بالصغرى.

هذا كلّه إن أراد باليقين السابق-الّذي ادّعى بقاؤه بنفس الدليل-نفس اليقين نفسه،أو الأمر المتيقّن بوصف أنّه متيقّن.

و إن أراد نفس الأمر المتيقّن مع قطع النّظر عن تيقّنه،ففيه: أنّ نفس‏ذلك الأمر لا يحتاج بقاؤه إلى فرض انتفاء الشكّ،بل لو بقي بقي مطلقا-شككت أو لم تشكّ-و لو انتفى انتفى كذلك.

فإن قلت: إنّ المقصود أنّ بارتفاع الشكّ يكشف عن أنّه كان في نفس‏الأمر باقيا بنفس الدليل الأوّل.

قلنا: فكذلك في استصحاب القوم،إذا ارتفع الشكّ الناشئ عن الشكّ‏في شمول الدليل للآن الثاني،فيكشف ذلك عن بقاء الحكم بنفس الدليل‏الأوّل.

الإشكال فيما ذكره النراقي في تفسير كلام الخوانساري‏
و من جميع ما ذكرنا يظهر ما في قوله في مقام تفسير كلام المحقّق‏الخوانساري: «أي كان المورد بحيث لو لم يطرأ احتمال زوال الأمر الموجب‏للشّكّ،لكان اليقين السابق باقيا من غير احتياجه إلى علّة أخرى»(1) .

فإنّه إن أراد أنّ اليقين السابق لا يحتاج مع وجود الدليل الأوّل إلى‏شي‏ء أصلا،فقد عرفت أنّه يحتاج إلى اليقين الّذي يتحقّق في ضمن ارتفاع‏الشكّ.

و إن أراد أنّه مضافا إلى هذا لا يحتاج إلى شي‏ء آخر،ففيه: أنّ في‏

(1)تقدّم في الصفحة: 169.

181
استصحاب القوم أيضا لا يحتاج اليقين السابق إلى شي‏ء سوى اليقين الّذي‏يتحقّق في ضمن ارتفاع الشكّ،لكنّ المحتاج إليه في استصحاب المحقّق هواليقين بالصغرى،و في استصحاب القوم هو اليقين بالكبرى،و لا يوجب هذاتفاوتا.
قول النراقي-في مقام تعليل عدم حجية الاستصحاب فيما علم استمراره‏
قوله: «إذ عدم طريان احتمال زوال الحكم-في استصحاب القوم-من‏غير تجدّد دليل ممتنع،فكلّما فرض عدم طريان احتمال الزوال فيه،فلا محالةيكون من جهة علّة أخرى»(1) .

فيه: أنّ عدم طريان احتمال زوال الحكم-في استصحاب المحقّق-من‏غير تجدّد يقين بالصغرى ممتنع،كيف!و الشكّ لا يحصل إلاّ من جهته،فكلّمافرض عدم طريان احتمال زوال الحكم فيه،فلا محالة يكون من جهة دليل‏موجب لليقين بالصغرى.

الإشكال على كلام النراقي‏
فإن قلت: لا نقول: إنّ الشكّ لو حصل ثمّ ارتفع فلا يحتاج إلى شي‏ءفي استصحاب. بل نقول: لو فرضنا عدم طروّه من أوّل الأمر،و أنّ الأمر كان‏كما كان،لم يحتج إلى شي‏ء.

قلنا: قد سمعت مرارا أنّ اليقين بالحكم السابق في كلّ آن فرض‏لا يكون إلاّ بعد حصول يقينين-اليقين بالصغرى و اليقين بالكبرى-ففي الآن‏السابق لمّا اجتمع اليقينان حصل ذلك اليقين،و في الآن الثاني اليقين بالكبرى‏باق ببقاء دليله الشرعيّ،و أمّا اليقين بالصغرى: فإن فرض أيضا سبب جارفي الآن الثاني فلا يشكّ في بقائه أيضا،فيحصل اليقين السابق في هذا الآن‏أيضا. و إن لم يكن له سبب جار في هذا الزمان سار إليه،فنقول: مجرّد كون‏

(1)تقدّم في الصفحة: 169.

182
شي‏ء يقينيّا في السابق لو كان عندك موجبا للحكم ببقائه في اللاحق،فما بالك‏لا تقول به في استصحاب القوم؟فإنّ اليقين بالحكم الجزئيّ كان في السابق‏لوجود يقينين،و الآن لا موجب لأحدهما-و هو اليقين بالكبرى-أو لكليهما،فاحكم ببقائه لتحكم ببقاء اليقين السابق.

و إن لم يكن مجرّد وجود شي‏ء في السابق موجبا لبقائه،فنقول: إنّ‏اليقين بالصغرى كان موجودا في السابق لأمر غير جار في الآن الثاني،فكيف تقول: لو فرض عدم طريان الشكّ لكان اليقين السابق باقيا من غيراحتياج إلى شي‏ء آخر؟

عدم الفرق بين الاستصحابين من جهة الاحتياج إلى تجدد ما يوجب‏اليقين‏
و الحاصل: أنّه لا فرق بين استصحاب القوم و استصحاب المحقّق في‏الاحتياج إلى تجدّد ما يوجب اليقين،إمّا بالكبرى كما في استصحاب القوم،أو الصغرى كما في استصحاب المحقّق.
الكلام فيما ذكره المحقق السبزواري‏
و أمّا ما ذكره المحقّق السبزواري«من أنّ الظاهر من النقض هو أن‏يكون للحكم استمرار»(1) .

فإن استند في الظهور إلى مثل ما ذكره المحقّق الخوانساري من أنّ‏النقض إنّما يتصوّر عند تعارض اليقين و الشكّ،و المراد بالتعارض أن يكون‏شي‏ء يوجب اليقين لو لا الشكّ-و أوضحه الفاضل المعاصر-فقد عرفت:

أنّه لا يتصوّر في آن الشكّ إلاّ الدليل الدالّ على الاستمرار،و هو لا يوجد له‏اقتضاء لليقين السابق حتّى يعارضه الشكّ،كما لا اقتضاء له،له في زمان‏اليقين بوجود الغاية. بل مقتضى نفس ذلك الدليل الدالّ على الحكم إلى‏حدوث المزيل هو الحكم بإبطال أثر اليقين السابق.

(1)ذخيرة المعاد: 116.

183
مع أنّ المعصوم عليه السلام أطلق«النقض»على ذلك،فيكشف ذلك عن‏أنّ المراد بالنقض المنهيّ عنه،هو مجرّد ترك اليقين السابق و الاعتناء بالشكّ‏اللاحق.

و إن استند في الظهور إلى التبادر و فهم العرف،بأن يدّعي أنّ المتبادرمن نقض اليقين بالشكّ هو ما إذا كان دليل هذا اليقين له استمرار إلى زمان‏المزيل،بأن يكون الدليل بعقديه-الإيجابي الحاصل من المنطوق،و السلبي‏المأخوذ في مفهوم مزيليّة المزيل-شاملا لحالتي المكلّف الواقعتين-قبل المزيل‏و بعده-فنقول:

مقتضى الإنصاف أنّ هذا حقّ،لكن في الجملة،أي في بعض مواردصورة وجود الدليل على الاستمرار،لا في جميعها.

أقسام الحكم المدلول عليه بالدليل‏
بيان ذلك: أنّ الحكم المدلول عليه بذلك الدليل قد يكون ممّا علم من‏الخارج أنّه إذا تحقّق فلا يرتفع إلاّ برافع له،و لا يكون ارتفاعه من جهةاختصاص استعداده ببعض الزمان دون بعض،كالطهارة-مثلا-و الزوجيّةالدائمة و الرقّيّة و الملكيّة،فإنّها كلّما تحقّقت فهي بحسب الاستعداد قابلة للبقاءأبدا و لا ترتفع إلاّ برافع ينقض استعدادها.

و قد يكون ممّا لم يعلم من الخارج له ذلك،كالوجوب و التحريم‏و نحوهما،فانّها ليست كالأمور السابقة في أنّها إذا تحقّقت لا ترفع إلاّ بالرافع.

بل قد يكون من قبيل العقد المنقطع،و التحليل-مثلا-في ارتفاعهابانقضاء استعداداتها،و لا يكون هنا نقض و رفع،بل انتقاض و ارتفاع،بل‏هما غير موجودين،لأنّهما فرع الأوّلين.

فإذا دلّ دليل على ثبوت حكم يكون من القسم الأوّل إلى غاية،فيعلم أنّ تلك الغاية إمّا رافعة أو كاشفة عن رافع،بحيث يكون ناقضا


184
للحكم المغيا،فيكون المعصوم قد نهى عن نقض ذلك الحكم بمجرّد الشكّ في‏تلك الغاية،و أمر بأن لا ينقض إلاّ بالناقض و الرافع اليقينيّ.

و أمّا إذا دلّ الدليل على استمرار حكم يكون من القسم الثاني إلى‏غاية،فيمكن أن تكون تلك الغاية رافعة أو كاشفة عن رافع،و يمكن أن‏تكون آخر زمان استعداد الحكم أو كاشفا عن آخره،فلا يتصوّر هنا نقض‏و رفع حتّى ينهى عنه.

و بالجملة: نقض اليقين بالشكّ إنّما يصدق-عرفا-إذا صدق«النقض»في حال العلم بالغاية،كما يصدق أنّ الطلاق ناقض للزوجيّة،و لا يصدق إذا لم‏يكن نقض في حال العلم بالغاية،كما لو كانت من قبيل حدوث آخر مدّةالعقد المنقطع أو التحليل.

فكلّ حكم يكون الغاية له من قبيل الطلاق-مثلا-فيصدق النقض في‏حالتي الشكّ و اليقين،فيتصوّر نهي المعصوم عنه في حالة الشكّ،كالأمثلةالمذكورة في القسم الأوّل. و كلّ حكم يحتمل أن يكون الغاية له من قبيل‏انتهاء مدّة التحليل و التمتّع،فلا يصدق فيه النقض.

فعلم من ذلك: أنّ مطلق الحكم الّذي دلّ الدليل على استمراره إلى‏غاية لا يستقيم فيه دعوى التبادر و الظهور العرفيّ في صدق النقض هناك.

فإن أراد هؤلاء الأجلاّء من الحكم المستمرّ إلى الغاية-الّذي يخصّون‏مدلول الرواية به-ما كان من قبيل القسم الأوّل،بأن تكون الغاية مزيلة له،فيمكن أن يصدّقهم الفهم العرفيّ.

و إن أرادوا مطلق ما إذا ثبت حكم إلى غاية-و لو كان الغاية له من‏قبيل الكاشف عن انقضاء مقدار الاستعداد-فلا نسلّم الفهم العرفيّ.

و لكنّ الأولى-بل المتعيّن-هو تفسير النقض بمجرّد ترك الأمر المتيقّن‏


185
و الاعتناء بالشكّ،و هذا هو المعنى العرفيّ للنقض أيضا،لا ما ذكروه من‏التدقيق،سيّما بملاحظة ما ورد عنهم عليهم السلام في بعض هذه الروايات من: «أنّ‏الشكّ ينقض باليقين»(1) فإنّ المعنى الّذي ذكروه للنقض لا يستقيم هنا،فليحمل على مجرّد الترك و الاعتناء بالخلاف. [قوله‏]قدّس سرّه: «و أورد عليه».
ما أورده السيد الصدر في شرح الوافية
(1)[أقول‏]: هذا المورد هو السيّد صدر الدين في شرح الوافية،حيث إنّه‏بعد ما ذكر صورا لا يحتاج إلى الاستصحاب في بعضها و لا يجري في بعضهاالآخر،
الصور التي لا يجري فيها السيد الصدر الاستصحاب‏
قال: «و بقيت صور اخر:

منها: أن يعلم من دليل وجود الشي‏ء في زمان أو على حالة،مع‏احتمال أن لا يدوم،و يزول بانقضاء الزمان و تغيّر الحالة،و أن يدوم مع‏الانقضاء و التغيّر،مع احتمال أن يكون له مزيل و غاية في الواقع،و أن‏لا يكون،فعلى التقدير الأوّل قد يعلم وجود ما يحتمل أن يكون غايةو مزيلا،و قد يشكّ فيه.

و منها: أن يعلم وجوده و استمراره إلى غاية أو إلى حدوث مزيل،و لم يعلم متى هي؟و هل حدث أم لا؟و منها: أن يعلم وجوده و استمراره إلى غاية معيّنة أو إلى حدوث‏مزيل معلوم،و لم يعلم هل تحقّقت الغاية و حدث المزيل أم لا؟و منها: أن يعلم وجوده و استمراره في الجملة،و لم يعلم أنّه ثابت دائماأو في بعض الأوقات إلى غاية أو حدوث أمر،ثمّ وجد شي‏ء و لم يعلم هل‏هو غاية و مزيل أم لا؟و هل يصدق عليه الغاية و المزيل أم لا؟

(1)الكافي 3: 352،باب السهو في الثلاث و الأربع،الحديث 3.

186
و جميع هذه الصور مشتركة في حصول رجحان البقاء بعد ملاحظةالوجود المتقدّم المتيقّن،فيمكن لمن عوّل على مثل هذا الظنّ إثبات الحكم‏بتوسّطه في الزمان الثاني،و إن جاز إثباته بغيره أيضا من دليل عقليّ‏أو نقليّ،كما يأتي بيانه‏[1].

و كذا كلّها مشتركة في أنّ الشكّ لو فرض عدم عروضه في الزمان‏الّذي عرض فيه-أو عند الحالة الّتي فرض عروضه عندها-لكنّا قاطعين‏بالبقاء،لأنّ عدم العروض إنّما يكون عند القطع بأنّ جزء من أجزاء علّةالوجود لم يرتفع،و مع عدم ارتفاعه يحصل اليقين بوجود المعلول،لما مرّ من‏أنّ بقاء المعلول إنّما هو ببقاء العلّة التامّة،و زواله إنّما هو بعدمه.

و تفاوت الوجودين-في أنّ أحدهما قطعيّ الوجود في قطعة قصيرة من‏الزمان بحيث لا يصدق على الوجود فيها أنّه مستمرّ،و الآخر قطعيّ الوجودفي قطعة طويلة و يصدق على الوجود فيها أنّه مستمرّ-لا يصير منشأللاختلاف،حتّى يقال: إنّ الشكّ لو لم يعرض في الثاني لكان هناك شي‏ءموجب لليقين،بخلاف الأوّل.

و الدليل-مثل النصّ-لا بدّ أن يكون في كلّ من هذين الشقّين محتملالأن يراد منه الدوام-بحيث يشمل ما بعد القطعة الصغيرة و الكبيرة-و أن‏يراد منه عدم الدوام،أعني اختصاص الوجود بنفس القطعتين»(1) . انتهى‏موضع الحاجة من كلامه زيد في علو مقامه.

كلام آخر للسيد الصدر عند ردّ ما قاله المحقق الخوانساري‏
و في موضع آخر-عند ردّ ما قاله المحقّق الخوانساري في مقام ردّ
[1]في المصدر: كما سيظهر إن شاء اللّه في المقدمة الثالثة.
(1)شرح الوافية(مخطوط): 117-118،مع تفاوت في بعض العبارات.

187
استصحاب المشهور: من«أنّ اليقين بحكم في زمان ليس ممّا يوجب اليقين به‏في زمان آخر لو لا عروض الشكّ»(1) -قال: «اليقين بوجود الشي‏ء يدلّ على‏وجود جميع ما يتوقّف عليه ذلك الشي‏ء،فلو لا عروض الشكّ في ارتفاع‏جزء من أجزاء ما يتوقّف عليه لكنّا قاطعين بوجود علّته التامّة»(2) انتهى.
موافقة العلامة البهبهاني للسيد الصدر في الإيراد
و وافقه في هذا الإيراد العلاّمة البهبهانيّ-في رسالته المعمولة في‏الاستصحاب-قال قدّس سرّه في مقام ردّ المحقّق الخوانساريّ-بعد كلام طويل‏له في الردّ-: «إنّ ما ذكره-يعني المحقّق-في منع دلالة الأخبار على مطلوب‏القوم قد عرفت فساده: من أنّ مطلوبهم و ثمرة نزاعهم ليس في الحكم الآني،بل الّذي يكون شي‏ء يوجب اليقين لو لا الشكّ،الحاصل من تغيّر العلّة»(3) انتهى كلامه رفع مقامه.
موافقة المصنف لهما و حاصل الإيراد
و المصنّف قدّس سرّه وافقهما على الإيراد المذكور.

و حاصل هذا الإيراد: هو ادّعاء أنّ ما ذكره المحقّق الخوانساريّ في‏تفسير«النقض»جار في استصحاب القوم أيضا،كما هو جار في استصحابه-عكس ما ذكرنا من الجواب-حيث إنّ حاصله كان منع جريان التفسيرالمذكور في استصحابه،كما هو غير جار في استصحاب القوم إلاّ أن يراد به‏شي‏ء يجري فيهما،و قد اتّضح سابقا بما لا مزيد عليه.

الحق: عدم نهوض ما ذكره هؤلاء الأجلاّء جوابا لمّا ذكره المحقق‏الخوانساري‏
و لكنّ الحقّ أنّ ما ذكره هؤلاء الأجلاّء لا ينهض جوابا لما ذكره هذاالمحقّق،نظرا إلى أنّه قد فسّر التعارض اللازم من النقض،بأن يكون شي‏ءيوجب اليقين لو لا الشكّ،بمعنى أنّه لو لم يكن الشكّ لثبت اليقين بنفس ماأوجب اليقين السابق،و هو الدليل الدالّ على الحكم الأوّل،و معلوم أنّ‏
(1)مشارق الشموس: 76.
(2)شرح الوافية(مخطوط): 120.
(3)الرسالة الاستصحابية(مخطوط): 9.

188
المفروض أنّ الدليل على الحكم في الزمان الأوّل-في استصحاب القوم-لا يدلّ على الاستمرار،
الاحتمالات فيما يراد من الدليل الدال على الحكم في الزمان الأوّل‏
بل يحتمل ان يكون قد أريد منه الاستمرار،و يحتمل‏أن يكون قد أريد منه بيان الحكم في الزمان الأوّل فقط.

و على التقدير الأوّل: فيحتمل أن تكون العلّة للحكم في الزمان الأوّل‏هي بنفسها علّة للحكم في الزمان الثاني. و يحتمل أن تكون غيرها.

و على التقدير الثاني: فيحتمل أن يثبت الحكم في الزمان الثاني بدليل‏آخر غير هذا الدليل الأوّل المسوق لبيان الحكم في الزمان الأوّل،و يحتمل أن‏لا يثبت الحكم في الزمان الثاني،كما لم يكن الدليل الأوّل شاملا له أيضا.

فهذه أربعة احتمالات،يكون الحكم في الزمان الثاني في الثلاثة الأولى‏منها هو نفس الحكم في الزمان الأوّل،و حينئذ فنقول:

القطع الّذي يحصل-بفرض ارتفاع الشكّ في زمانه-بثبوت الحكم‏كما كان في السابق قد يحصل بكشف كاشف عن أنّ الدليل الأوّل كان دالاعلى الاستمرار،و قد يحصل بكشف كاشف عن ثبوت الحكم في الثاني-و إن‏لم يكن المقصود من الدليل الأوّل ذلك-و كذلك قد يحصل بالكشف عن بقاءنفس علّة الوجود في الأوّل إلى الزمان الثاني،و قد يحصل بالكشف عن تجدّدعلّة أخرى غير الأولى،و لو كانت المغايرة بتبدّل جزء من أجزاء العلّةالأولى.

و لا شكّ أنّ هذا القطع الحاصل على فرض ارتفاع الشكّ بجميع‏أطواره المذكورة لم يكن له موجب في الآن الأوّل،إذ لم يوجد في الآن الأوّل‏إلاّ أمور ثلاثة: الدليل الّذي دلّ على الحكم في الزمان الأوّل،و اليقين بنفس‏الحكم المدلول عليه بذلك الدليل،و اليقين بوجود العلّة لهذا الحكم المكشوف‏عنها بذلك الدليل،و معلوم أن لا شي‏ء من هذه الثلاثة يوجب القطع المذكور


189
لو ارتفع الشكّ.

أمّا الدليل الدالّ على الحكم الأوّل: فلأنّ المفروض أنّه لا يدلّ إلاّعلى الحكم في الزمان الأوّل،و إن احتمل أن يكون قد أريد به في متن الواقع‏الاستمرار،بل و إن كان القطع الحاصل-عند فرض ارتفاع الشكّ-بالكشف‏عن دلالته على الاستمرار،لكن هذه الدلالة تتجدّد له بعد هذا الكشف،ففي‏الحقيقة تجدّد الدليل على الحكم في الزمان الثاني بوصف كونه دليلا و إن كان‏ذات هذا الدليل مجرّدة عن وصف الدلالة موجودة في السابق،لكن الموجب‏لليقين هو الدليل بوصف الدليليّة لا بذاته المجرّدة عن هذا الوصف.

و أمّا الأخيران-يعني اليقين بالحكم في الزمان الأوّل و اليقين بوجودالعلّة-فلا يوجبان أيضا القطع الحاصل عند فرض ارتفاع الشكّ لما ذكره هذاالمحقّق في استدلاله: من«أنّ اليقين بوجود شي‏ء في زمان لا يوجب اليقين به‏في زمان آخر لو لا عروض الشكّ».

حاصل الفرق بين استصحاب المحقق و استصحاب القوم‏
و الحاصل: أنّ الفرق بين استصحاب هذا المحقّق و بين استصحاب‏القوم بما ذكرناه هنا و أشرنا إليه سابقا(1) ممّا لا يمكن إنكاره،فالمناسب‏للجواب عنه ما ذكرنا سابقا،و حاصله: إن أريد بثبوت الموجب لليقين في آن‏الشكّ ثبوت تمام المقتضى له فلا يوجد في استصحابه،و إن أريد به جزءالموجب فلم يحصل التعارض الّذي ذكره في تفسير النقض،مع أنّه قد يوجدجزء الموجب في استصحاب القوم،كما لو قطع بتحقّق صغرى الحكم،و كان‏الشكّ في ثبوت الحكم الكلّي الّذي هي الكبرى،عكس مورد استصحاب‏المحقّق،حيث إنّه يوجد فيه آن الشكّ القطع بثبوت الكبرى من جهة الدليل‏
(1)انظر الصفحة: 208.

190
الدالّ على الاستمرار،و يكون الشكّ في صغراه.

نعم،يمكن أن يفرض انتفاء الشكّ في استصحاب القوم،بحيث يتحقّق‏اليقين بالحكم من جهة نفس الدليل،في ما إذا كان الشكّ في بقاء الحكم من‏جهة الشكّ في كون الحالة الحادثة-كوجدان الماء للمتيمّم مثلا-مغيّرةللحكم،بأن نفرض انتفاء الشكّ بفرض انتفاء الوجدان،لا بفرض اليقين بعدم‏كونه مغيّرا للحكم،و ذلك لأنّ فرض انتفاء الشكّ في الآن الثاني،قد يكون‏بفرض تحقّق القطع بعدم كون الحالة الحادثة فيه مغيّرة،و حينئذ يحصل اليقين‏بالحكم السابق من نفس سبب القطع المتجدّد و دليله،لا من الدليل الأوّل.

و قد يكون بفرض انتفاء نفس الحالة أعني الوجدان-و حينئذ يكون اليقين‏بالحكم بنفس الدليل الأوّل-.

فإن قلت: إنّ المقصود هو إثبات الحكم في زمان الوجدان،فلا بدّ أن‏يكون هو مورد الشكّ و اليقين المتحقّق بفرض انتفاء الشكّ.

قلت: استصحاب المحقّق أيضا كذلك،فإنّ المفروض أنّ زمان الشكّ‏في وجود المزيل هو زمان الشكّ في بقاء الحكم،فلا بدّ أن يكون هو موردالشكّ و اليقين المتحقّق بفرض انتفاء الشكّ.

مع انّ فرض انتفاء الشكّ لا يمكن إلاّ بإرجاعه إلى زمان عدم تحقّق‏الشكّ في المزيل،فلا بأس بفرض انتفاء الشكّ في استصحاب القوم،بحيث‏يرجع إلى زمان عدم تلك الحالة.

نقد مقاطع من كلام السيد الصدر
هذا،مع انّه لا يوجب التسوية بين استصحابهم و استصحاب المحقّق في‏جميع فروض انتفاء الشكّ،الظاهر أنّه خلاف مقصود الموردين،فإنّ‏مقصودهم من فرض انتفاء الشكّ في كون الحالة مغيّرة مع بقائها،كما ينادي‏بذلك عبارة السيّد الصدر،
المقطع الأوّل‏
حيث قال: «إنّ الشكّ لو فرض عدم عروضه‏
191
عند الحالة الّتي فرض عروضه عندها،لكنّا قاطعين بالبقاء»(1) .

إذا عرفت ما تلونا،فلنرجع إلى ما في كلام السيّد(2) فنقول:

أمّا قوله: «و كلّها مشترك في أنّ الشكّ لو فرض عدم عروضه في‏الزمان الّذي عرض فيه،أو عند الحالة الّتي فرض عروضه عندها لكنّاقاطعين».

ففيه: أنّه لا كلام في أنّ ارتفاع الشكّ-يعني احتمال زوال الحكم‏السابق-مستلزم للقطع بالبقاء،لكنّ الكلام في أنّ الموجب لهذا القطع موجودفي السابق من جهة الدليل الدالّ على الحكم الأوّل،بحيث ينتظر في حصول‏موجبه ارتفاع الشكّ،أم لا؟و معلوم أنّ ذلك موجود في استصحاب المحقّق،دون استصحاب القوم،كما عرفت.

المقطع الثاني‏
و أمّا قوله: «لأنّ عدم العروض إنّما يكون عند القطع بأنّ جزء من‏اجزاء علّة الوجود لم يرتفع».

ففيه،أوّلا: منع الحصر،إذ قد يكون عدم عروض الشكّ بسبب القطع‏بانتفاء علّة الوجود الأوّل كلاّ أو بعضا مع تجدّد أخرى مقامها أو جزء آخرمقام المرتفع.

و ثانيا: أنّ هذا القطع بعدم ارتفاع جزء من أجزاء العلّة السابقةلم يوجد ما يوجبه،إذ لم يوجد في السابق إلاّ القطع بوجوده في ذلك الوقت،و قد قال المحقّق: «إنّ القطع بوجود شي‏ء في آن،لا يوجب القطع بثبوته في‏آن آخر لو لا الشّكّ»(3) نعم،يكشف هذا القطع المتجدّد عن ثبوت علّة

(1)تقدّم في الصفحة: 186.
(2)تقدّم كلامه قدّس سرّه في الصفحة: 185-187.
(3)تقدّم في الصفحة: 187.

192
الوجود الثانوي في الآن الأوّل في نفس الأمر،لكن ثبوته في نفس الأمرلا يجدي في إيجاب القطع به في الآن الثاني.

فإن قلت: استصحاب المحقّق كذلك أيضا،لأنّ في زمان الشكّ‏لا يوجد ما يقتضي اليقين بثبوت الحكم في الآن الثاني،بل القطع المتجدّدعند ارتفاع الشكّ بعدم حصول الغاية يكشف عن دخول هذا الزمان في‏نفس الأمر في عموم الحكم الثابت لما قبل الغاية.

قلت: هذا رجوع إلى جوابنا السابق،الراجع إلى منع جريان ما ذكرالمحقّق من تفسير النقض و التعارض في استصحابه أيضا.

المقطع الثالث‏
و أمّا قوله: (1) «و تفاوت الوجودين في أنّ أحدهما قطعيّ الوجود في‏قطعة قصيرة من الزمان... إلخ».

فإن أراد به الردّ على المحقّق أيضا،فلا يخفى أنّ المحقّق لم يستند في‏ما ادّعاه-من الفرق بين استصحابه و استصحاب القوم-إلى تفاوت زمان‏ثبوت الحكم السابق فيهما في القصر و الطول،بل استند فيه إلى تحديد الزمان‏في استصحابه و عدم تحديده في استصحاب القوم.

و إن أراد به التفرقة بين الصورة الأولى من الصور الّتي ذكرها.

و الصورة الأخيرة منها،فله وجه لو ادّعى أحد الفرق بينهما،فتأمّل.

المقطع الرابع‏
و أمّا قوله: «و الدليل-كالنصّ-لا بدّ أن يكون في كلّ منهما محتملا لأن‏يراد... إلخ».

ففيه: أنّ كون الدليل محتملا لإرادة الاستمرار،بل كونه مرادا منه في‏متن الواقع،بكشف القطع الحاصل عند فرض ارتفاع الشكّ عن ذلك،

(1)أي قول شارح الوافية،المتقدّم في الصفحة: 186.

193
لا يوجب وجود الموجب لليقين،فإنّ الدليل لا يكون دليلا في كلّ آن‏إلاّ بالنسبة إلى ما يدلّ عليه بطور القطع أو الظنّ.

هذا إن أراد بالفقرة المذكورة ردّ المحقّق،و إن أراد به شيئا آخرفلا يمكننا تسليمه. و من جميع ذلك يظهر ما في كلام العلاّمة البهبهاني،فإنّ محلّ النزاع و إن‏لم يكن في الحكم الآني،إلاّ أنّه ليس منحصرا في الحكم المحدود الّذي يكون‏دليله موجبا لليقين لو لا الشكّ،فتأمّل.

ثمّ،يجوز أن يكون مراد هؤلاء الأجلاء-ممّا ذكروه في الردّ-هو أنّ‏الّذي أراده المحقّق من كلامه الجاري في استصحابه جار في استصحاب‏القوم،فلا ينافي ذلك ما أجبناه به من انّ ظاهر كلامه لا يجري في‏استصحابه أيضا. [قوله‏]قدّس سرّه: «لضرورة عدم الواسطة بين الشكّ و اليقين السابق».

النقاش في قول المصنف: «لضرورة عدم الواسطة بين«الشك»و«اليقين»»
(1)[أقول‏]: قد عرفت أنّ عدم الواسطة بين اليقين و الشكّ ليس محلّ كلام‏لأحد،لكن هذا المحقّق يقول: إنّ اليقين المتحقّق عند فرض ارتفاع الشكّ قديكون بنفس الدليل الدالّ على الحكم في الآن الأوّل-أي بنفس تلك الدلالةو بذلك المقدار منها-و قد يكون بسبب تجدّد أمر موجب له،و لو بالكشف عن‏إرادة الاستمرار من الدليل الأوّل. [قوله‏]قدّس سرّه: «فإنّ المراد بالشكّ هنا ما ينافي اليقين السابق... إلى‏قوله: مع أنّ ذلك يضرّ المستدلّ أيضا،فإنّ الشكّ في ما فرضه على هذاالتقدير إذا فرض انتفاؤه فلا يثبت استصحابه،لاحتمال تحقّقه في ضمن القطع‏بعدم الحكم السابق لا بانسحابه».
ما أورده المحقق النراقي على المحقق الخوانساري‏
(2)[أقول‏]: أورد عليه المحقّق المعاصر السابق-الموافق للمحقّق‏
194
الخوانساري في نفي دلالة الخبر على حجّيّة استصحاب القوم-ب«أنّ سبب‏الشكّ في هذا القسم الثالث-يعني به استصحاب القوم-هو عدم دليل على‏شي‏ء من البقاء و العدم،و فرض انتفائه لا يكون إلاّ بوجود الدليل على‏أحدهما،و من أين علم أنّ بانتفائه يتحقّق الدليل على الوجود؟و متى وقع‏الفراغ عن احتمال العدم؟و ذلك بخلاف الأوّلين،فإنّ دليل البقاء موجود،فلو فرض عدم طروّموجب الشكّ و لا حدوث أمر مضادّ للسابق لبقي اليقين السابق قطعا،لكونه‏إمّا مستمرّا أبدا،أو مغيا بغاية لا بدّ من حدوثها في انتفائه،بخلاف القسم‏الثالث،فإنّه غير معلوم البقاء و لو لم يحدث أمر مضادّ أصلا،لكون ذاته‏كذلك»(1) انتهى.

و مراده من الأوّلين: ما ثبت استمراره أبدا و لم يعلم له مزيل،و ما ثبت‏استمراره إلى غاية،و ضابطهما: ما كان الدليل الدالّ على الحكم الأوّل جارياإلى زمان الشكّ لو لا الشكّ،و لم يكن الشكّ من جهة الشكّ في دلالة الدليل‏عليه بالذات.

و مراده من القسم الثالث: استصحاب القوم،أعني ما كان الشكّ في‏الآن اللاحق من جهة الشكّ في شمول الدليل له.

المناقشة في ما أورده النراقي‏
أقول: فيه أوّلا: أنّ كلام المصنّف إنّما هو مع المحقّق الخوانساري،حيث إنّه ادّعى في استصحابه«أنّه لو لا الشكّ لثبت اليقين»و لم يكن في‏كلامه قوله: «و لا حدوث أمر مضادّ للسابق». فحينئذ لا شكّ في أنّ مراده‏من«الشكّ»مجرّد احتمال الزوال،لأنّه لو كان مراده منه الترديد-المركّب من‏
(1)مناهج الأحكام و الأصول: مبحث الاستصحاب،ذيل القول التاسع في الاستصحاب.

195
احتمالي الزوال و البقاء-لتوجّه عليه ما أورده المصنّف،من أنّ انتفاء الترديدلا يلازم حصول اليقين ببقاء الحالة السابقة،بل قد يكون في ضمن اليقين‏بعدم البقاء.

نعم،حيث اقترن مع انتفاء الشكّ انتفاء حدوث أمر مضادّ للسابق-كمافعله الفاضل المعاصر-أمكن أن يراد من الشكّ الترديد أيضا.

ما يحتمل في معنى«الأمر المضادّ»
لكن مع هذا الاقتران أيضا يرد عليه: أنّ المراد من«الأمر المضادّ»-الّذي اقترن انتفاؤه مع انتفاء الشكّ في ثبوت اليقين-إن كان هو اليقين‏بالخلاف،ففيه: أنّ هذا لم يجد فرقا;لأنّ في استصحاب القوم أيضا إذا فرض‏انتفاء الشكّ و اليقين بالخلاف معا لثبت اليقين.
الأوّل: أن يراد به اليقين بالخلاف‏
فإن قلت: إنّ اللازم من فرض انتفاء الأمرين في استصحابنا بقاءاليقين السابق-كما عرفت من العبارة-و اللازم من فرض انتفائهما في‏استصحاب القوم تجدّد موجب لليقين،لا بقاء نفسه بالموجب السابق.

قلت: قد عرفت سابقا أنّ اللازم من انتفائهما في استصحابك أيضاتجدّد موجب لليقين،لا بقاؤه بالموجب السابق،نظرا إلى ما عرفت في مقدّمةجوابنا: من أنّ الموجب لليقين السابق جزءان،اليقين بالكبرى الحاصل من‏الدليل الشرعيّ،و اليقين بتحقّق الموضوع و هي الصغرى الحاصل من الخارج،و لا ريب أنّ اليقين بالكبرى و لو كان باقيا حال الشكّ فالشكّ بتحقّق‏الصغرى غير باق،و من البيّن أنّ مجرّد كونه يقينيّا في السابق لا يجدي في‏كونه يقينيّا في اللاحق،لعين ما قلتم في استصحاب القوم،من أنّ اليقين بحكم‏في زمان لا يوجب اليقين به في زمان آخر،فلم يبق إلاّ أنّه يتجدّد الموجب‏لهذا اليقين عند فرض ارتفاع الشكّ،و تجدّد الموجب لجزء المقتضي يستلزم‏تجدّد المقتضى و إن كان جزؤه الآخر باقيا غير متجدّد.


196
فثبت من جميع ذلك: أنّ اللازم في استصحابكم أيضا هو تجدّد الموجب‏لليقين السابق حيث ينتفي الشكّ في وجود المزيل و القطع بوجوده،و يوجدالقطع بعدمه،لأنّ هذا القطع بالعدم-الحاصل من انتفاء الأمرين-هو جزءالموجب لليقين السابق،و جزؤه الآخر الدليل الشرعيّ،و قد أوضحنا لك هذابما كاد يشمئزّ الطباع من طوله.
الثاني: أن يراد به نفس المزيل‏
و إن كان المراد من«الأمر المضادّ»هو نفس ذلك الأمر المزيل‏المشكوك الوجود،فإن أراد به عدم حدوثه في نفس الأمر،ففيه: أنّه‏لا يجدي في استلزامه لليقين السابق،إذ مع عدم حدوثه في نفس الأمر،فقديكون انتفاء الشكّ في ضمن القطع بعدم حدوثه-كما هو كذلك في نفس‏الأمر-و قد يكون في ضمن القطع بحدوثه مخالفا لما هو في نفس الأمر.

و إن أراد به عدم حدوثه مع القطع بعدم الحدوث،ففيه: أنّه راجع إلى‏الاحتمال الأوّل،لأنّ معنى الكلام حينئذ: لو لم يحدث شكّ في حدوث المزيل‏و قطع بعدم حدوثه لتحقّق اليقين السّابق،و قد عرفت أنّ مثله جار في‏استصحاب القوم،إذ هناك أيضا لو لم يحدث الشكّ في ارتفاع علّة الوجود-كلاّ أو جزء-أو قطع بعدم ارتفاعه لتحقّق اليقين السابق أيضا.

الثالث: أن يراد به أمرا آخر
و إن كان المراد من«الأمر المضادّ»أمرا مضادّا آخر غير هذا المزيل‏المشكوك الوجود-الّذي فرض ارتفاع الشكّ في وجوده-فنرجع الكلام‏السابق،و هو: أنّه هل المراد من فرض ارتفاع الشكّ في هذا المزيل المشكوك‏الوجود ارتفاعه في ضمن القطع بالعدم أو القطع بالوجود؟فكلّما تقول هنافنقول به في استصحاب القوم.

هذا كلّه،مضافا إلى أنّ ما ذكره منقوض بما إذا شكّ في صدق المزيل‏على الشي‏ء الحادث في الزمان الثاني،فإنّه يرى دلالة الخبر على حكم الشّك‏


197
في بقاء الحالة السابقة الناشئ عن هذا الشكّ،كما إذا غسل الثوب النجس‏بماء السيل المشكوك صدق الماء عليه،فإنّ بعد الغسل المذكور الموجب للشكّ‏في بقاء النجاسة،نقول: إذا فرض انتفاء الشكّ في صدق الغسل الشرعيّ عليه‏و عدم حدوث أمر مضادّ للسابق،لا يعلم منه بقاء اليقين السابق أصلا،لاجتماعه مع اليقين بعدم الصدق أيضا،فلا بدّ إمّا أن يقيّد انتفاء الشكّ‏المفروض بعدم كونه في ضمن القطع بعدم الصدق،أو تقول: إنّ المراد بالشكّ-المفروض الانتفاء-هو احتمال عدم الصدق الموجب لاحتمال زوال اليقين‏السابق-أعني النجاسة-و لمّا لم يقيّده المحقّق الخوانساريّ بالأوّل،فلا محالةلا بدّ أن يكون قد أراد منه الثاني،فتأمّل.

و الحاصل: أنّ ما ذكره المصنّف هنا حقّ،و إن كان أصل الجواب الّذي‏ذكره رحمه اللّه تبعا للسيّد الصدر و العلاّمة البهبهانيّ-كما عرفت(1) -لم ينهض ردّاعلى المحقّق،من جهة أنّه لم يكن موجبا للتسوية بين استصحاب القوم‏و استصحاب المحقّق،إلاّ في بعض صور فرض انتفاء الشكّ،كما عرفت سابقا. [قوله‏]قدّس سرّه: «لا يقال: إنّ الشكّ قد يوجبه نفس الدخول في الآن‏الثاني».

فساد الإيراد
(1)[أقول‏]: هذا الاعتراض في غاية الفساد،لما عرفت من أنّ مرادالموردين على المحقّق-من ادّعاء التسوية بين استصحاب القوم و استصحابه-هو أنّه لو فرض في استصحاب القوم انتفاء الشّك في الزمان الّذي عرض‏فيه أو عند الحال الّتي عرض عندها لكنّا قاطعين بالبقاء،و ليس مرادهم أنّه‏لو فرض انتفاء نفس الشي‏ء الّذي شكّ في كونه مغيّرا للحكم،أعني نفس‏
(1)انظر الصفحة: 187.

198
الآن الثاني أو الحالة الحادثة فيه.

و الحاصل: أنّ الشكّ في بقاء الحكم الأوّل لمّا كان حاصلا من اجتماع‏أمرين: أحدهما: حدوث الزمان الثاني و انقضاء الزمان الأوّل. أوحدوث الحالة الثانية المغايرة للحالة الّتي كان الحكم عندها متيقّنا،و الثاني:

هو الشكّ الكلّي في أنّ حدوث الزمان الثاني أو الحالة المغايرة للأولى مغيّرللحكم،و هذا الشكّ كان متحقّقا قبل حدوث الشكّ الأوّل الفعليّ-كماستعرف في ما بعد-ففرض انتفاء الشكّ الفعليّ المتولّد من الأمرين،قد يكون‏بفرض انتفاء الأوّل،و قد يكون بفرض الثاني. و غرض الموردين على المحقّق-المدّعين لعدم الفرق بين استصحاب القوم و استصحابه-هو الثاني و اعتراض‏المعترض باختلاف مورد الشكّ و اليقين إنّما هو على الأوّل،يعني فرض انتفاءالشكّ الفعليّ بانتفاء نفس الزمان.

توجيه الإيراد
نعم،للمعترض أن يقول: إنّ هذا لا يوجب التسوية أيضا بين‏استصحاب القوم و استصحاب المحقّق،بل هو عين التفرقة،نظرا إلى أنّ في‏استصحاب المحقّق كلّما فرض انتفاء الشكّ و بأيّ نحو فرض يحصل اليقين في‏نفس مورد الشكّ،بخلاف استصحاب القوم،فإنّه قد يفرض انتفاء الشكّ‏على نهج يوجب اليقين في نفس مورد الشكّ فيتّحد مورد الشكّ و اليقين،و قد يفرض على نحو لا يتحقّق اليقين في مورد الشكّ،بل يختلف موردهما.
الجواب عن هذا التوجيه‏
لكن فيه: أنّا نقول أيضا: إنّه كلّما فرض انتفاء الشكّ في زمانه في استصحاب‏القوم يتحقّق اليقين في ذلك الزمان،ففي صورة فرض انتفاء الشكّ بانتفاءنفس الزمان لم يفرض انتفاء الشكّ في زمانه،فإنّ زمان الشكّ الّذي فرض‏تحقّق الشكّ فيه لم يفرض تحقّق انتفائه أيضا في هذا الزمان،لأنّ المفروض‏فرض انتفاء نفس الزمان،فلم يفرض انتفاء الشكّ فيه،إذ لا بدّ حينئذ من‏
199
تحقّقه ليفرض فيه الانتفاء،فثبت الكلّيّة من جانب استصحاب القوم أيضا;فتأمّل. [قوله‏]قدّس سرّه: «و فرض انتفاء الشكّ يحصل بملاحظة عدم اعتبارثانويّة الآن الثاني،و لا يحتاج إلى اعتبار عدم الآن الثاني حتّى ينتقل إلى‏الآن الأوّل».
ما قاله المصنف في حاشية الكتاب،و دفع الإيراد عنه‏
(1)[أقول‏]: قال في الحاشية: «يعني أنّ الفرض بيد الفارض،فليفرض‏انتفاء الشكّ مع قطع النّظر عن ثانويّة الآن الثاني و مع عدم اعتبارها،و حينئذ فلا يلزم منه انتقال اليقين إلى الآن الأوّل،بل يثبت في الآن‏الثاني‏[1]. و لا يلزم فرض انتفاء الشكّ بفرض انتفاء الآن الثاني‏[2]حتّى يلزم‏اختلاف المحلّ،إذ المفروض أنّه لم يثبت أنّ الشارع خصّ الحكم بالآن‏الأوّل و نفاه عن الآن الثاني و الثابت‏[3]إنّما هو ثبوته في الآن الأوّل لا بشرطكونه فيه فقط و لا بشرط عدم كونه في الآن الثاني-كما ذكرناه‏[4]-فلم يلزم‏اختلاف مورد الشكّ و اليقين،فتأمّل‏[5]»انتهى.

أقول: الظاهر أنّ مراده قدّس سرّه من ثانويّة الآن الثاني-الّذي فرض‏انتفاء الشكّ بفرض عدم اعتباره و عدم كونه مغيّرا للحكم-هو ما به مغايرته‏للآن الأوّل.

فلا يرد عليه أنّه يمكن للمعترض أن يقول: إنّي أفرض نفس ذات‏الآن الثانيّ المغاير للآن الأوّل موجبا للشكّ مع قطع النّظر عن ثانويّته،فإنّها

[1]في حاشية القوانين زيادة: «أيضا». -في الموضعين-.
[2]في حاشية القوانين زيادة: «أيضا». -في الموضعين-.
[3]في الأصل: بل الثابت.
[4]في الأصل: كما ذكرنا.
[5]ليس في حاشية القوانين: فتأمّل.

200
أمر اعتباريّ.

مع أنّه لو قال،فنجيبه-كالسابق-بأنّ المراد فرض انتفاء الشكّ في‏البقاء بانتفاء الشكّ في كونه مغيّرا للحكم لا بانتفاء نفسه،كما مرّ. [قوله‏]قدّس سرّه: «مع أنّه يرد النقض فيما لو فرض في ما فرضه المستدلّ‏أيضا أن يصير الآن المتأخّر سببا للشكّ... إلخ».

بيان ما فرضه المستدل‏
(1)[أقول‏]: لا يخفى أنّ المستدلّ لا يقول بحجيّة هذا الاستصحاب من‏جهة هذا الشكّ،يعني أنّه لو فرض أنّ الحكم باستمرار حكم إلى غاية معيّنةمردّد-لإجمال دليله بين كونه في جميع الآنات أو في الآن المتقدّمة على الحالةالحادثة الموجبة للتردّد-فلا يجري الاستصحاب في هذه الحالة،لأنّ هذا عين‏استصحاب القوم إن كان الشكّ فيه من جهة الشكّ في بقاء أصل الحكم‏المغيا.

و إن كان الشكّ فيه من جهة الشكّ في بقاء مزيليّة المزيل إلى ذلك‏الزمان،فهو-باعتبار ملاحظة حكم المزيليّة-يرجع إلى استصحاب القوم،لأنّ الشكّ في أنّ الحكم بكون الشي‏ء الفلاني مزيلا ثابت دائما أو في بعض‏الأوقات-أعني الآنات المتقدّمة-و باعتبار ملاحظة الحكم السابق يرجع إلى‏الشكّ في كون الشي‏ء مزيلا.

توضيح المقام بمثال عرفي‏
و لنوضح ذلك بمثال،فنقول: إذا علم من المولى وجوب إكرام زيد عندمجيئه إلى حال كذا-بمعنى أنّه مستمرّ إليه و هو مزيل له-فامتثل العبد هذاالتكليف في مدّة ثم شكّ في بقاء ذلك الحكم،فقد يكون شكّه في أنّ ذلك‏التكليف هل هو جار إلى هذا الآن أم لا؟نظرا إلى إجمال دليله و كونه قابلاللاستمرار و للاختصاص بالآنات السابقة،و قد يكون قاطعا ببقاء وجوب‏الإكرام لكنّه شاكّ في أنّ مزيليّة حال كذا هل هي ثابتة إلى هذا الآن‏
201
أو مختصّة بالآنات السابقة؟فهذا الشكّ بالنسبة إلى نفس الحكم بالمزيليّة من قبيل الأوّل،لأنّ‏المزيليّة حكم ثبت عن المولى،يشكّ في أنّه مستمرّ أو مختص ببعض الآنات.

و أمّا بالنّسبة إلى بقاء وجوب الإكرام عند حصول هذا الأمر المشكوك‏المزيليّة فهو من قبيل الشكّ في بقاء الطهارة بعد حصول المذي.

و لا ريب أنّ المحقّق لا يجري الاستصحاب في شي‏ء من هذه الشكوك.

و إنّما يجري عنده الاستصحاب في ما إذا علم بجميع ما ذكر من بقاء وجوب‏الإكرام و بقاء مزيليّة المزيل،لكن شكّ في حدوث ذلك المزيل المعلوم المزيليّةأو في صدقه على شي‏ء،فتأمّل. [قوله‏]قدّس سرّه: «و أمّا قوله في جملة ما نقلناه عنه سابقا: «قلت: فيه‏تفصيل»فمرجعه ليس إلى القول بعدم التفرقة».

ما فهمه المصنف من كلام الخوانساري هو الظاهر،و ما فهمه المتوهّم‏هو الحق‏
(1)[أقول‏]: ما فهمه المصنّف قدّس سرّه و إن كان هو الظاهر من كلامه‏فراجعه،إلاّ أنّ ما فهمه المتوهّم-من أنّ مرجع هذا التفصيل هو ما ذكره‏سابقا من أنّ الحكم إذا كان مستمرّا إلى غاية فيجري فيه،و إذا لم يكن فيه‏استمرار فلا يجري،و أنّ حكمه بعدم جريان الاستصحاب في صورة الشكّ في‏كون الشي‏ء مزيلا إنّما هو من جهة أنّه من قبيل استصحاب القوم-حقّ‏أيضا،فإنّ ما ذكره من تفسير التعارض ب«أن يكون شي‏ء يوجب اليقين‏لو لا الشكّ»إنّما يجري في صورة الشكّ في المزيليّة إذا كان الشكّ في صدق‏المزيل،إذ يصدق هناك«أنّه لو لا هذا الشكّ لحصل اليقين بنفس الدليل‏الدالّ على الحكم في الزمان الأوّل»،لأنّه إذا حصل اليقين بصدق المزيل على‏هذا المشكوك،فالدليل يفيد الحكم في هذا الآن من غير احتياج إلى شي‏ءآخر و لو بأن يكشف عن دلالته على الحكم في هذا الزمان.
202
بخلاف ما إذا كان الشكّ في أنّ هذا الشي‏ء مزيل بالخصوص أم لا؟فإنّ مرجعه إلى الشكّ في عموم الدليل بالإضافة إلى إفادة الحكم في زمان‏حصول هذا الشي‏ء،سواء كان ظاهره الاستمرار أبدا أو كان مغيا بغاية.

و كأنّ منشأ تخطئة المصنّف لذلك المتوهّم هو: أنّه لمّا رأى بعض أمثلةالشكّ في الصّدق الّذي اعتقد أنّه مثال له-كالشكّ في مانعيّة المذي-لا يجري دليل المحقّق الخوانساري فيه،فحكم بأنّ حكمه بجريان‏الاستصحاب في صورة الشكّ في الصدق و بعدم جريانه في صورة الشكّ في‏كون الشي‏ء مزيلا بالخصوص،ليس راجعا إلى ما سبق منه في ردّ استصحاب‏القوم و إثبات استصحابه من الدليل. و ليس الفرق بينهما راجعا(1) بين‏استصحاب القوم و صورة الشكّ في وجود الغاية. و ستعرف أنّ الشكّ في‏المذي ليس شكّا في صدق المزيل،[بل‏]هو شكّ في المزيليّة بالخصوص. لكنّ‏الإنصاف ظهور عبارة المحقّق في ما ذكره المصنّف.

الإيراد بأن الشك في الرافعية مرجعه إلى الشك في تخصيص العام،و الجواب عنه‏
فإن قلت: إنّ الشكّ في الرافعيّة مرجعه إلى الشكّ في تخصيص العام،إذلا يتصوّر الرافعيّة إلاّ إذا ثبت للشي‏ء استمرار بدليل.

قلت: نحن أيضا نعترف بأنّه شكّ في التخصيص،فإنّه إذا دلّ الدليل‏بظاهره على الاستمرار-إمّا دائما،أو إلى غاية معيّنة،أو إلى إحدى غايات‏معلومة-فالشكّ في كون هذا الشي‏ء غاية و مزيلا شكّ في أنّ عموم ثبوت‏الحكم أبدا أو إلى أن توجد تلك الغاية المعيّنة أو إحدى الغايات المعيّنة باق،أو خصّص بصورة عدم حدوث هذا الأمر المشكوك في كونه مزيلا.

لكن نقول: إنّه لا يخلو الأمر،إمّا أن يكون هذا الشكّ معتبرا في مقابل‏

(1)كذا.

203
ما دلّ بظاهره على العموم،أو لا. [ف]إن كان غير معتبر فيخرج عن مجرى‏الاستصحاب و يتعيّن العمل بالعموم. و إن كان معتبرا فلازم ذلك عدم جوازالعمل بعموم دلالة الدليل على صورة حدوث هذا الأمر،فيسقط العام عن‏هذه الدلالة،فيصير هذا الدليل بعينه بالنسبة إلى هذه الحالة مثل دلالة الدليل‏الدالّ‏[على‏](1) الحكم في الزمان الأوّل لا بشرطه في استصحاب القوم.

و هكذا الكلام لو حكم باعتبار العموم لكن أريد فرض قطع النّظر عنه‏و إجراء الاستصحاب،إذ مع قطع النّظر عن العام لا دليل يدلّ على ثبوت‏الحكم في زمان حدوث ذلك الأمر،بل يتجدّد الدليل لو فرض ارتفاع،و لو كان بطريق الكشف عن إرادة الاستمرار من الدليل،فافهم.

موافقة المحقق النراقي للمحقق الخوانساري في التفسير لمورد النقض،مع الحكم بجريان الاستصحاب في الشك في المانعية
و العجب من بعض المشايخ المعاصرين(2) ،حيث وافق المحقّق‏الخوانساريّ في ما ذكر من التفسير لمورد النقض و ادّعاء عدم جريانه في‏استصحاب القوم،و مع ذلك حكم بجريانه في هذه الصورة-أي صورة الشكّ‏في المانعيّة-.
الشك في المانعية الّذي لا يجري المحقق الخوانساري فيه الاستصحاب‏
ثمّ: إنّ الشكّ في المانعيّة-الّذي لا يجري فيه المحقّق الاستصحاب-إنّماهو إذا كان الشكّ في سنخ مانعيّة شي‏ء مع عدم ثبوت حكم قطعيّ إجمالي‏من الشارع بأنّ للشي‏ء الفلاني رافعا.

و أمّا إذا علم من الشارع إجمالا أنّ الحكم الفلاني مستمرّ إلى غاية،و المفروض أنّه غير معيّن،فالّذي ذهب إليه هذا المحقّق و ارتضاه المصنّف-كما سيجي‏ء-هو أنّه: إن علم أنّ الحكم باستمرار الحكم المذكور إلى الغاية

(1)الزيادة اقتضاها السياق.
(2)هو الفاضل النراقي قدّس سرّه كما تقدّم في الصفحة: 193-194.

204
غير مشروط بالعلم به،فلا بدّ من الحكم ببقاء ذلك التكليف إلى أن يحصل‏العلم بوجود الغاية الواقعيّة،و لا يرفع اليد عن الحكم السابق بمجرّد تحقّق‏ما هو مشكوك الغائيّة،و الحاصل: أنّه لا بدّ من تحقّق الأمرين.

و إن لم يعلم أنّه غير مشروط بالعلم،فلا يجب الحكم باستمرار الحكم‏المذكور. و هذا[هو]الّذي ارتضاه المصنّف غير أنّه قدّس سرّه يدّعي ندرةالفرض الأوّل،هذا،و سيجي‏ء الكلام في ذلك مفصّلا.

حكم ما إذا كان الشك في مزيلية الشي‏ء من جهة الاشتباه الخارجي‏
بقي شي‏ء آخر: و هو أنّه إذا كان الشكّ في مزيليّة الشي‏ء من جهةالاشتباه الخارجي،كالرطوبة الواقعة على الثوب المشكوك كونه(1) بولاأو ماء،فهل يحكم هذا المحقّق بجريان الاستصحاب أو لا؟و بعبارة أخرى:

هل يرى حكمه حكم الشكّ في صدق المزيل أو حكم الشكّ في كون الشي‏ءمزيلا بالخصوص؟مقتضى ما فهمه المتوهّم السابق من كلامه-الّذي حكم المصنّف بعدم‏كونه مرادا له-هو الأوّل،لأنّ هذه الصورة تشترك مع الشكّ في الصدق،في‏صدق التفسير الّذي ذكره المحقّق لمورد النقض عليه.

و أمّا على ما ذكره المصنّف،فيكون كلام المحقّق‏[خاليا](2) عن بيان‏حكم هذه الصورة.

التحقيق في المسألة
و التحقيق: أنّ مقتضى التفسير المذكور هو جريان الاستصحاب فيها;فإن كان مذهب المحقّق هو اعتباره فيها فهو،و إلاّ يكون النسبة بين دليله‏و مطلبه عموما مطلقا.

(1)كذا في النسخة،و الصحيح: كونها.
(2)الزيادة اقتضاها السياق.

205
بل بناء على ما ذكره في حاشية شرح الدروس عند كلام الشهيد:

«و يحرم استعمال الماء المشتبه بالنجس»من جريان الاستصحاب في بعض‏موارد استصحاب القوم،يكون النسبة بين دليله و مطلبه عموما من وجه،فيعمل بالاستصحاب في ما لا يجري دليله فيه،و هو ما يظهر ممّا ذكر في‏حاشية شرح الدّروس،و قد نقلنا عبارته في أوّل المبحث عند حكاية المصنّف‏لعبارته في شرح الدروس،فراجع(1) .

و لا يعمل بالاستصحاب في ما يجري فيه دليله،أعني صورة الشكّ في‏المزيليّة من جهة الاشتباه الخارجي،و يعمل بالاستصحاب في ما يجري فيه‏دليله،و هو الشكّ في وجود المزيل أو صدقه.

و لكن مع ذلك كلّه،فالمتّهم هو فهمي القاصر،و إدراكي الفاتر،و اللّه‏هو العالم بالسّرائر. [قوله قدّس سرّه: «و مثال الثاني: استمرار الطهارة إلى زمان الحدث مع‏الشكّ في كون المذي حدثا،إذا حصل المذي،من جهة تعارض الأدلّة»][1].

الشك في كون المذي رافعا ليس من قبيل الشك في صدق المزيل،بل هو داخل في القسم الرابع‏
(1)[أقول‏]: قد عرفت في أوّل المبحث: أنّ الشكّ في كون المذي رافعاليس من قبيل الشكّ في صدق المزيل،لأنّ الشارع لم يحكم برافعيّة مفهوم‏كلّي-هو الحدث-في مقام بيان الروافع،بل حكم-مثلا-بأنّ البول ناقض،و الريح ناقض،و النوم ناقض. و أمّا المذي فقد تعارضت فيه الأخبار،فهومثال للقسم الرابع.

و لا فرق بين الشكّ في كون استحالة الكلب مطهّرا و الشكّ في كون‏

[1]ما بين المعقوقتين بياض في الأصل بما يقرب من سطر كامل،و الظاهر انه ترك لنقل‏مقدار من المتن،و قد نقلنا المقدار المناسب له من القوانين.
(1)راجع الصفحة: 60-62.

206
المذي رافعا و حدثا،و إلاّ فيمكن أن يقال في الشكّ في مطهريّة الاستحالة:

إنّه شكّ في أنّها فرد من المطهّر أم لا،فكلّما هو المناط في كونها من القسم‏الرابع فهو بعينه موجود في المذي،و كذلك كلّما يمكن أن يقال في المذي لجعله‏مثالا للقسم الثاني فيمكن أن يقال فيه.

نعم،الفرق بينهما هو: أنّه ليس في مثال الاستحالة أمر آخر يعلم‏كونه مطهّرا سوى الاستحالة،فإذا قيل: إنّ الشكّ في فرديّة الاستحالةللمطهّر،لا يوجد فرد آخر،فانحصر أن يحكم الشارع على خصوصهابالمطهريّة. بخلاف مثال المذي،إذ هناك أمور اخر مقطوعة الرافعيّة،فيمكن‏أن يحكم الشارع على القدر المشترك بينها بالرافعيّة،فيشكّ في فرديّة المذي‏لهذا القدر المشترك،فتأمّل جدّاً[1].

[1]في هامش الأصل ما يلي: وجه التأمّل: هو أنّه بعد ملاحظة مثل قوله عليه السّلام:

«لا ينقض الوضوء إلاّ حدث،و النوم حدث»لا بدّ أن يحكم بأنّ للحدث مفهوم جعليّ‏و هذه النواقض أفراده،لا أنّ مفهومه هو الناقض،إذ لا معنى للحكم عليه حينئذبالنقض.

مضافا إلى ما قيل: من أنّ هذا الحديث ردّ على العامّة القائلين بأنّه ينقض‏الوضوء بعض ما ليس بحدث،فإنّه لا يستقيم جعل الحدث حينئذ بمعنى الناقض‏إذ العامّة لا يقولون: إنّ غير الناقض ناقض.

و أمّا تعريف الفقهاء للحدث في أحد معنييه بالناقض،فلعلّه تعريف باللازم.

لكن مع ذلك كلّه أيضا فلا يحسن جعل هذا مثالا للشكّ في الصدق،لأنّ المراد به‏أن يكون الشكّ في الحكم الشرعي-أعني الرافعيّة-ناشئا منه،بحيث لا بدّ من‏تشخيصه أوّلا ليشخّص الحكم الشرعي بتشخيصه،و المذي ليس من هذا القبيل،لأنّ‏رفع الشكّ في الصدق لا بدّ أن يكون برفع الشكّ في الحكم الشرعي،إذ لا سبيل‏لمعرفة صدق مفهوم الحدث عليه و عدمه إلاّ من جهة حكم الشارع عليه بالرافعيةأو عدمها،فالأمر فيه بالعكس.


207
[قوله قدّس سرّه: «فيه: أنّ ما كان حاصلا من قبل هو الشكّ... إلخ»][1].
حاصل ما ذكره المصنف في الجواب‏
(1)[أقول‏]: حاصل ما ذكره المصنّف قدّس سرّه في الجواب هو أنّ لنا في تلك‏الصور شكّين و يقينا. أمّا اليقين: فهو بوجود ما يشكّ في كونه مزيلا. و أمّاالشكّان: فأحدهما الشكّ في كونه عند الشارع مزيلا،و أمّا الآخر فهو الشكّ‏في بقاء الأمر المتيقّن السابق الّذي شكّ في ارتفاعه بذلك المشكوك،و هذاالشكّ الآخر متولّد من الأمرين السابقين،أعني اليقين بوجود ما يشكّ في‏كونه مزيلا و الشكّ في كونه مزيلا.
الإشكال في ذلك،و بيان الوجه في الجواب‏
لكنّ الأمر الثاني من هذين الأمرين-و هو الشكّ في مزيليّة ذلك‏الشي‏ء-كان حاصلا من قبل،و لم يكن بسببه نقض لليقين السابق،لاجتماعه‏معه في السابق،إذ في حال القطع بالطهارة-مثلا-كنّا شاكّين في كون المذي‏مزيلا،فلمّا وجد الأمر المشكوك في كونه مزيلا بعد الطهارة-و المفروض‏وجود الشكّ في كونه مزيلا-أوجبا شكّا فعليّا في بقاء الطهارة،فالّذي‏يعارض اليقين السابق هو هذا الشكّ،و لا شكّ أنّ زمانه متأخّر بالطبع عن‏زمان الجزء الأخير من علّته التامّة-و هو اليقين بوجود ما شكّ في كونه‏مزيلا-فلو نقضنا اليقين السابق فليس إلاّ من جهة هذا الشكّ المتولّد من‏شكّ و يقين،لا بنفس اليقين،كما زعمه المحقّق السبزواريّ.
جريان الجواب في الصور الأربع الباقية
ثمّ إنّ ما ذكرنا من الجواب جار في جميع الصور الأربع الباقية من‏الصور الخمس الّتي ذكرها المحقّق و حكم بجريان الاستصحاب في واحدةمنها. «و هي الشكّ في وجود الرافع من الأقسام الأربعة للشكّ في طروّ
[1]في الأصل هنا بياض بمقدار سطر،و الظاهر أنّه ترك لنقل مقدار من المتن و قد أثبتناالمقدار المناسب له،من القوانين.

208
المانع»و بعدم جريانه في الأربع الباقية«و هي ثلاث صور من صور الشكّ في‏الرافع»و صورة واحدة«و هي صورة عدم دلالة الدليل على الاستمرار»،لماذكره من أنّ نقض اليقين في هذه الأربع باليقين بوجود ما يشكّ في كونه‏رافعا في الصور الثلاثة من الشكّ في الرافع،أو بوجود ما يشكّ في استمرارالحكم معه في صورة عدم دلالة الدليل على الاستمرار.
ما توهمه بعض من اختصاص الجواب عن السبزواري بصور الشك‏في الرافع‏
و يظهر من بعض(1) : اختصاص الجواب المذكور عن المحقّق بصورالشكّ في الرافع-الثلاث-دون صورة عدم الدليل على الاستمرار.

و هو فاسد،لأنّ الجواب المذكور جار في الكلّ،فلاحظ.

منشأ هذا التوهّم‏
و منشأ زعمه-هذا-زعم أنّ كلام المحقّق السبزواري إنّما هو في‏التفصيل بين صور الشكّ في الرافع من غير تعرّض لردّ الاستصحاب في‏صورة عدم الدليل على الاستمرار.
حاصل ما ذكره المحقق السبزواري‏
و لا يخفى أنّ عبارته صريحة في ردّ هذه الصورة أيضا بما ذكره من‏الدليل،فإنّ حاصل عبارته هو: أنّ الدليل للحكم الأوّل إمّا أن يدلّ على‏الاستمرار أو لا،و على الأوّل فالشكّ في رفعه على صور،ثمّ عدّ الصور،ثمّ‏قال: «إنّ الاستصحاب يجري في الصورة الأولى من هذه الصور دون غيرها،لأنّ في غيرها من الصور نقض الحكم باليقين بوجود ما يشكّ في كونه رافعا،أو باليقين بوجود ما يشكّ في استمرار الحكم معه»(2) هذا مضمون عبارته‏المحكيّة سابقا في كلام المصنّف.

و لا يخفى أنّ قوله: «أو باليقين بوجود ما يشكّ في استمرار الحكم‏

(1)لعلّه صاحب الفصول قدّس سرّه في الفصول 2: 102.
(2)ذخيرة المعاد: 115.

209
معه»تصريح بردّ الاستصحاب في صورة عدم الدّليل على الاستمرار.

و أمّا الجواب المذكور عنه،فهو أيضا دافع لدليله في جميع الصور.

الجواب عن المحقق بوجهين آخرين‏
هذا،ثمّ إنّه يمكن أن يجاب عن المحقّق-مضافا إلى ما ذكر من‏الجواب-بوجهين آخرين:
الوجه الأوّل‏
أحدهما: النقض بصورة الشكّ في وجود الرافع الّتي قال بجريان‏الاستصحاب فيها،فإنّ نقض اليقين فيها أيضا إنّما هو باليقين بوجود ما شكّ‏بسببه في وجود الرافع،فإنّ الشكّ في وجود الرافع لا بدّ و أن ينشأ من سبب‏يقينيّ الوجود،فلو كان مجرّد اليقين بوجود شي‏ء له مدخل في الشكّ في بقاءالحالة موجبا لعدم صدق نقض اليقين بالشكّ،فهو في تلك الصورة أيضاموجود.

فإن قلت: إنّ سبب النقض في هذه الصورة ليس هو ذلك الأمر اليقينيّ‏الّذي صار منشأ للشكّ في وجود الرافع،بل هو معلوله و مسبّبه،أعني نفس‏الشكّ.

قلنا: ففي غيرها من الصور أيضا سبب النقض هو نفس الشكّ الحاصل‏من اليقين بوجود ما يشكّ في كونه مزيلا،لأنّه الجزء الأخير من العلّة التامّةللشكّ-كما عرفت-لا نفس ذلك الأمر اليقينيّ.

الوجه الثاني‏
الثاني: أنّ الظاهر من الأخبار الواردة في الباب هو النهي عن نقض‏اليقين إلاّ باليقين على الخلاف،و معلوم أنّه لا واسطة بين اليقين بالخلاف‏و عدم اليقين به،ففي غير صورة الشكّ في وجود الرافع من الصور لا شكّ في‏عدم اليقين بالخلاف،فيشملها النهي المذكور،سواء قيل: إنّ النقض فيها نقض‏بالشكّ،أو باليقين بوجود ما يوجب الشكّ.
تقرير آخر للجواب بأنّ النقض لليقين على صور ثلاث‏
و بتقرير آخر: إمّا أن تقول: إنّ نقض اليقين في الصور الباقية نقض‏
210
لليقين بالشكّ،أو تقول: بأنّه نقض له باليقين على الخلاف،أو تقول: بأنّه‏نقض له،لا بالشكّ و لا باليقين على الخلاف،فلا يشمله النهي عن الأوّل‏و لا الأمر بالثاني.
الكلام في الصور الثلاث‏
إن قلت: بالأوّل ثبت المطلوب.

و إن قلت بالثاني فهو خلاف المفروض في تلك الصور،لأنّ المفروض‏فيها عدم كون الأمر الحادث اليقيني قطعيّ الرفع،و إلاّ فكيف تكون مجاري‏للاستصحاب؟و إن قلت بالثالث،فنقول: إنّ الأخبار بعد ما دلّت على النهي عن‏نقض اليقين بغير اليقين على الخلاف،فيكون هذا أيضا داخلا في النقض‏المنهيّ عنه.

عدم ابتناء هذا الجواب على دلالة الأخبار على الاستصحاب تعبّدا
و لا تتوهّم أنّ هذا الجواب مبنيّ على دلالة الأخبار على الاستصحاب‏تعبّدا،سواء حصل الظنّ‏[ب]الخلاف أم لا،فتمنع ذلك و تقول: لا نسلّم أنّ‏مدلول الأخبار النهي عن نقض اليقين بغير اليقين،و إن كان هذا المنع أيضافاسدا.

لكنّ الجواب ليس مبنيّا على ذلك،فإنّا إذا قلنا: بأنّ حجيّةالاستصحاب مشروطة بإفادة الظنّ،و قلنا-بالفرض-: إنّ مدلول الأخبارهذا،فيتمّ الجواب أيضا،نظرا إلى أنّ المفروض في تلك الصورة عدم الظنّ‏بالخلاف أيضا،فنقول على هذا الفرض: إنّ الأخبار ناهية عن نقض اليقين‏بغير اليقين و الظنّ،فتشمل حرمة النقض فيها أيضا،لأنّ المفروض عدم الظنّ‏بكون ذلك الأمر اليقينيّ فيها رافعا،و لو ظنّ بذلك فيها فتخرج عن محلّ‏الاستصحاب على فرض حجيّته من باب الظنّ.


211
ما يجاب عن السبزواري: بأن بعض الأخبار مورده: الشك في كون الشي‏ء رافعا
ثمّ،إنّه قد يجاب(1) عن المحقّق بأنّ بعض الأخبار الواردة-كالخبرالسابق-مورده الشكّ في كون الشي‏ء رافعا،فإنّ السؤال في الخبر السابق‏كان عن كون الخفقة و الخفقتين من موجبات الوضوء. و كذا قول الراوي:

«فإن حرّك إلى جنبه شي‏ء و هو لا يعلم»فكيف يمكن خروج مورد السؤال‏عن عموم الجواب.

و قد عرفت فساد هذا سابقا،و أنّ الظاهر من الجواب الّذي ذكره‏المعصوم عليه السلام بقوله: «لا،حتّى يستيقن أنّه قد نام،حتّى يجي‏ء من ذلك‏أمر بيّن»أنّ سؤال الراوي كان عن الشكّ أو الظنّ في وجود النوم،و عن أنّ‏تحريك الشي‏ء إلى جنب المضطجع مع عدم شعوره يكون أمارة على النوم،فيجب الوضوء،أم لا يعتدّ بها؟فأجاب المعصوم بأنّه لا يجب الوضوء حتّى‏يستيقن أنّه حدث منه النوم و يدلّ على ذلك دليل قطعيّ،لا مثل هذه‏الأمارة الّتي تفيد الظنّ أو لا تفيد.

هذا،مضافا إلى ما عرفت سابقا: من أنّ سؤال السائل إذا كان عن‏رافعيّة شي‏ء للوضوء في الشريعة،فكان ينبغي أن يجيبه المعصوم بحكم ذلك‏الشي‏ء في الواقع أنّه رافع أو غير رافع،لا أن يجيبه بالاستصحاب،فافهم. [قوله‏]قدّس سرّه: «و صحيحة أخرى مذكورة في زيادات كتاب الطهارةمن التهذيب(2) -و هي طويلة-و فيها مواضع من الدلالة».

نقل متن الصحيحة
(1)[أقول‏]: هي ما رواه الحسين بن سعيد،عن حمّاد،عن حريز،عن‏زرارة،قال: «قلت: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره،أو شي‏ء من منيّ،
(1)الظاهر أنّ المجيب هو صاحب الفصول قدّس سرّه،(انظر: الفصول: 102).
(2)التهذيب 1: 421،الحديث 1335،و نقلها في الوسائل متفرّقا في مواضع متعدّدة.

212
فعلّمت أثره إلى أن أصيب له‏[من الماء][1]فأصبت،و حضرت الصلاةو نسيت أنّ بثوبي شيئا و صلّيت،ثمّ إنّي ذكرت بعد ذلك؟قال عليه السّلام: تعيد الصلاة و تغسله.

قلت: فإن‏[2]لم أكن رأيت موضعه،و علمت أنّه قد أصابه،فطلبته‏فلم أقدر عليه،فلمّا صلّيت وجدته؟قال: تغسله و تعيد.

قلت: فإن ظننت أنّه قد أصابه و لم أتيقّن ذلك،فنظرت فلم أر شيئا،ثمّ صلّيت فيه فرأيت فيه؟قال: تغسله و لا تعيد.

قلت: و لم ذلك؟[3]قال: لأنّك كنت على يقين من طهارتك فشككت‏[4]،فليس ينبغي لك‏أن تنقض اليقين بالشكّ أبدا.

قلت: فإنّي قد علمت أنّه قد أصابه،و لم أدر أين هو فأغسله؟قال: تغسل من ثوبك الناحية الّتي ترى أنّه قد أصابها حتّى تكون‏على يقين من طهارتك.

قلت: فهل عليّ إن شككت في أنّه أصابه‏[5]شي‏ء أن أنظر فيه؟قال: لا،و لكنّك إنّما تريد أن تذهب الشكّ الّذي وقع في نفسك.

[1]من المصدر.
[2]في التهذيب«فإنّي»بدل«فإن».
[3]في التهذيب«قلت: لم ذلك».
[4]في التهذيب: ثمّ شككت.
[5]هكذا في التهذيب،و في عبارة المصنّف قدّس سرّه: أصاب.

213
قلت: إن رأيته في ثوبي و أنا في الصلاة؟قال: تنقض الصلاة و تعيد إذا شككت في موضع منه ثمّ رأيته. و إن‏لم تشكّ ثمّ رأيته رطبا قطعت الصلاة و غسلته،ثمّ بنيت على الصلاة،لأنّك‏لا تدري لعلّه شي‏ء أوقع عليك،فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشكّ».
الكلام في سند الصحيحة
هذا،و هذه الرواية و إن كانت مقطوعة،إلاّ أنّ القرينة قائمة على أنّ‏مثل زرارة لا يسأل غير المعصوم،مضافا إلى ما قال في الوافي: «إنّها متّصلةبأبي جعفر عليه السلام في كتاب علل الشرائع للصدوق طاب ثراه»(1) .
الكلام في دلالة الصحيحة على المطلوب‏
و أمّا مواضع دلالتها على المطلوب:

فمنها: قوله عليه السلام في مقام تعليل عدم وجوب الإعادة: «لأنّك كنت‏على يقين من طهارتك فشككت،و ليس ينبغي... إلخ»،فإنّ الفقرتين في قوّةصغرى و كبرى يلزم منهما بعد إلغاء خصوصيّة المورد-أعني الطهارة-بفهم‏العرف: أنّ من كان على يقين من شي‏ء فشكّ في زواله،فلا ينقض يقينه‏السابق بالشكّ.

و منها: قوله عليه السّلام في الجواب عن سؤال زرارة-حيث سأل عمّا إذاعلم إجمالا إصابة النجاسة و لم يعلم تفصيلا موضع الإصابة-: «حتّى تكون‏على يقين من طهارتك»فإنّ فيه دلالة على أنّ النجاسة إذا كانت متيقّنةفلا بدّ من تحصيل اليقين برفعها،و لا يكتفى فيه بالشكّ. و كلمة«حتّى»مشعرةبالتعليل بالعلّة الغائيّة،فالمعنى: أنّ المطلوب في صورة سبق العلم بالنجاسة هوحصول اليقين بارتفاعها.

(1)الوافي 4: 26،أبواب الطهارة عن الخبث،باب التطهير من المنيّ،و انظر: علل‏الشرائع: 361،الباب 80،الحديث الأوّل.

214
و منها: قوله عليه السلام أخيرا: «لأنّك لا تدري لعلّه شي‏ء أوقع عليك،فليس ينبغي لك... إلخ»فإنّ هذا إشارة إلى استصحاب تأخّر الحادث،و مرجعه إلى وجوب إبقاء الحالة اليقينيّة إلى زمان اليقين بارتفاعها.
215
[الثالث: الروايات الكثيرة]
استدلال المصنف بأنها تورث الظن بأن العلّة في تلك الأحكام هو الاعتمادعلى اليقين... »
[قوله‏]قدّس سرّه: «الثالث: الروايات الكثيرة الدالّة باجتماعها،فإنّها و إن‏كانت واردة في موارد خاصّة،لكن استقراؤها و التأمّل فيها يورث الظنّ‏القويّ بأنّ العلّة في تلك الأحكام هو الاعتماد على اليقين السابق».
الإيراد على الاستدلال بوجوه‏
(1)[أقول‏]: أورد عليه أوّلا: أنّه إن أريد فهم العلّة من اللفظ-صريحاأو إيماء-فلا مشعر في ألفاظ تلك الأخبار بها،و إن أريد فهمها من الخارج‏ظنّا فهو قياس مستنبط العلّة مردود بإجماع الشيعة،و إن أريد قطعا حتّى‏يرجع إلى تنقيح المناط فهو ممنوع جدّاً.

و ثانيا: أنّه لو كان في اللفظ إيماء بالعلّيّة فإنّما يفهم علّيّة اليقين‏المخصوص،كعلّية اليقين بالنجاسة للحكم ببقائها،و كذا اليقين بالطهارة.

و ثالثا: أنّ للاستصحاب أقساما مختلفة،و تلك الموارد مختصّة ببعض‏الأقسام،فإن سلّم ثبوت الحجّيّة فتختصّ بتلك الموارد.

الجواب عن الإيراد
أقول: إذا ادّعى المستدلّ حصول الظنّ من اجتماع الإيماءات المفهومة
216
من الدلالات اللفظيّة لتلك الأخبار،فلا يمكن أن يقال في مقابله إلاّ: أنّ‏العهدة على المدّعي.
ما يفهم من تلك الأخبار الخاصة
لكنّ الإنصاف،أنّه لا يفهم من تلك الأخبار الخاصّة إلاّ حجيّةالاستصحاب في ما إذا شكّ في وجود الرافع-كما هو موردها-أو شكّ في‏رافعيّة الشي‏ء من جهة الاشتباه الخارجي-كالرطوبة المشتبهة الواقعة على‏الثوب-و أمّا غيرهما فلا. [قوله‏]قدّس سرّه: «إذا عرفت هذا و ظهر لك الفرق بين المعاني عرفت: أنّ‏المعاني متغايرة متباينة،لا يجوز إرادتها جميعا في إطلاق واحد... إلى قوله‏رحمه اللّه: مع تفاوت إضافة الطهارة و القذارة إلى الأشياء،و كذلك سبب العلم».
عدم إيجاب كل معنى من المعاني تخصيصا في عمومات الرواية
(1)[أقول‏]: لا يخفى أنّ كلّ معنى من المعاني الثلاثة المذكورة بنفسه معنى‏تامّ لا يوجب تخصيصا في عمومات الرواية،نظرا إلى أنّ عموم«كلّ شي‏ء»تابع لما أريد من الحكم في قوله: «طاهر حتّى تعلم»و كذا عموم العلم،فإن‏كان المراد بالرواية بيان حكم مشكوك الطهارة في متيقّن الطهارة فيكون‏المراد من قوله: «طاهر حتّى تعلم أنّه قذر»(1) الحكم ببقاء الطهارة إلى الغايةالمذكورة،فالمقصود بالذات الحكم ببقاء الطهارة لا ثبوتها في الجملة،لأنّه‏معلوم للمخاطب حينئذ،فيكون المراد ب«كلّ شي‏ء»: كلّ شي‏ء شكّ في طهارته‏من حيث البقاء،و ليس عمومه حينئذ أزيد من ذلك،نظرا إلى أنّ المراد من‏الشي‏ء هو المشتبه بقرينة قوله: «حتّى تعلم»،و أنّ المعصوم عليه السّلام في مقام‏بيان الحكم الظاهري،و حينئذ فجهة الاشتباه في الشي‏ء مكشوف عنها بالحكم‏بالطهارة،فإذا فرض أنّ المراد الحكم ببقاء الطهارة فيكشف عن أنّ المراد كلّ‏
(1)المستدرك 2: 583،الباب 30 من أبواب النجاسات،الحديث 4،نقلا عن المقنع.

217
شي‏ء مشتبه البقاء على الطهارة.

و كذا يكون المراد من قوله: «حتّى تعلم أنّه قذر»،حتّى تعلم حدوث‏القذارة له و تجدّدها.

و إن كان المراد بها بيان حكم مشكوك الطهارة من حيث الثبوت‏لا البقاء-سواء كان من جهة الشكّ في أصل الحكم أو من جهة الشكّ في‏الموضوع-فالمراد بقوله: «طاهر حتّى تعلم أنّه قذر»الحكم بثبوت الطهارةله إلى حين العلم بثبوت القذارة له بنفسه،أو ثبوت كونه من مصاديق القذر،فالمراد بقوله: «كلّ شي‏ء»: كلّ شي‏ء مشكوك الطهارة من حيث الثبوت،و ليس عمومه أزيد من هذا القدر حينئذ.

و على هذا المعنى فالحكم بالبقاء ليس مقصودا أوّلا و بالذات،نعم بعدما قيّد الثبوت إلى حين ثبوت العلم فيفهم البقاء إليه.

لا يلزم من استعمال قوله عليه السلام: «طاهر حتى تعلم»في كل واحد من المعنيين تخصيصا و لا تقييدا
و لا شكّ في أنّه لا يلزم من استعمال قوله: «طاهر حتّى تعلم»في كل‏واحد من المعنيين السابقين منفردا تخصيص و لا تقييد،و كذا من استعمال‏قوله: «حتّى تعلم أنّه قذر»في كلّ من المعاني المذكورة،أعني حتّى تعلم‏حدوث القذارة،أو حتّى تعلم ثبوت القذارة بنفسه،أو حتّى تعلم ثبوت‏مصداقيّته للمفهوم الّذي حكم بقذارته.

إذا عرفت هذا،فنقول: إنّ حمل هذا الكلام على ما يفيد الحكم لجميع‏المشكوكات المذكورة بحيث يحكم على كلّ شكّ بحكم مطابق لحيثيّة ذلك‏الشكّ-بأن يحكم على مشكوك البقاء على الطهارة بالبقاء عليها،و على‏مشكوك الطهارة من حيث الثبوت بثبوتها له إلى حصول العلم بحدوث‏القذارة في الأوّل،و العلم بثبوت القذارة له في بعض أفراد الثاني و هو الشكّ‏في الحكم الشرعي،و العلم بثبوت فرديّته للقذر في البعض الآخر منه و هو


218
الشكّ في الموضوع،
استفادة حكم جميع الشكوك لا يحصل إلاّ بحمل«طاهر»على معنيين‏
و الحاصل: أن يفيد حكم جميع الشكوك على النهج الّذي أفاده لواختصّ به،بأن يراد من«كلّ شي‏ء»كلّ مشكوك الطهارة،سواء كان من‏حيث البقاء أو من حيث الثبوت-لا يحصل إلاّ بحمل قوله: «طاهر»على‏معنيين:
المعنى الأوّل‏
أحدهما: أنّه باق على الطهارة،فيحمل باعتبار هذا المعنى على طائفةمن أفراد الموضوع،و هو الأشياء المشكوكة البقاء على الطهارة،و لا بدّ حينئذفي هذا الاستعمال من حمل قوله: «تعلم أنّه قذر»: تعلم أنّه حدث له‏القذارة،إذ لا يخفى ركاكة حمله حينئذ على مطلق الثبوت.
المعنى الثاني‏
و الآخر: أنّه ثابت له الطهارة،فيحمل بهذا الاعتبار على الطائفةالأخرى من الأشياء المشكوكة الطهارة من حيث الثبوت،لكن يستعمل‏حينئذ قوله: «تعلم أنّه قذر»في معنيين: يناسب أحدهما: الشكّ في الحكم‏الشرعيّ و هو ثبوت القذارة للشي‏ء بنفسه،و الآخر: الشكّ في الموضوع و هوثبوت كونه من مصاديق القذر،فيكون نظير قوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبوا الصلاةوَ أنْتُمْ سُكارى‏ حَتّى تَعْلَموا ما تَقولونَ وَ لا جنبا إلاّ عابري سبيل (1) حيث‏أريد من لفظ الصلاة معنيان: نفس الأركان المخصوصة،و بهذا الاعتبار حرم‏الدخول فيها عند السّكر،و محلّها-أعني المسجد-و بهذا الاعتبار حرم‏الدخول فيها جنبا إلاّ عابري سبيل.
حاصل الكلام‏
فحاصل الكلام: أنّ حمل الخبر على معنى عامّ يشمل جميع المعاني‏الثلاثة-بحيث يفيد حكم كلّ من الشكوك على النهج الّذي كان يفيده‏
(1)النساء: 43.

219
لو استعمل فيه مستقلا و منفردا-لا يحصل بمجرّد إرادة جميع الأشياء من لفظ«كلّ شي‏ء»مع تفاوت نسبة الطهارة و القذارة إلى الأشياء،فإنّ نسبة الطهارةإلى مشكوك البقاء على الطهارة إنّما هي على وجه البقاء،و إلى مشكوك‏الثبوت على وجه الثبوت،و كذا نسبة القذارة إلى مشكوك البقاء على الطهارةعلى وجه الحدوث،و إلى مشكوك الطهارة من حيث الحكم الشرعيّ على‏وجه الثبوت،و على مشكوك الطهارة من حيث الفرديّة للطاهر على وجه‏الفرديّة.
بيان معنى آخر لإفادة الحكم بالطهارة في جميع الشكوك‏
نعم،يمكن حمله على معنى آخر يفيد الحكم بالطهارة في جميع الشكوك،لكن لا على وجه كان يفيد كلاّ منها لو استعمل فيه منفردا،بان يقال: إنّ‏جميع هذه الطوائف الثلاثة-أعني الأشياء المشكوكة الطهارة من حيث البقاء،و المشكوكة الطهارة من حيث أنفسها،و المشكوكة الطهارة من حيث فرديّتهاللطاهر-مشتركة في أنّ الشكّ في ثبوت الطهارة لها،فإنّ ما شك في بقاءطهارته يكون في آن الشكّ-مع قطع النّظر عن كونه طاهرا في السابق-يشكّ في ثبوت الطهارة،و إن كان هذا الثبوت المشكوك إذا لوحظ معه‏الثبوت أوّلا يسمّى بقاء.

و كذا إذا حصل العلم بقذارة هذا الشي‏ء فقد حصل العلم بثبوت‏القذارة،و إن كان هذا الثبوت إذا لوحظ معه عدمه في السابق يسمّى حدوثا.

و كذا ما شكّ في كونه فردا للطاهر إذا حصل العلم بكونه قذرا،فباعتبار تعلّق علمه أوّلا بفرديّة هذا المشكوك للقذر يحصل العلم بالفرديّة،و باعتبار أنّ هذا العلم مستلزم للعلم بثبوت القذارة الكائنة للمفهوم الكلّي‏و سرايتها منه إليه يكون قد حصل العلم بثبوت القذارة لذلك المشكوك.

فإذا قلنا: إنّ معنى الخبر هو: أنّ كلّ شي‏ء شكّ في ثبوت الطهارة له‏


220
-من أيّ جهة كان-فهو ثابت له الطهارة إلى أن يحصل العلم بثبوت القذارةله-من أيّ جهة كان-فقد شمل حكم جميع الشكوك،لكن لا على النهج‏الّذي كان يفيد حكم كلّ منها لو استعمل فيه منفردا،إذ لا يخفى ركاكة أن‏يقول في مقام حاجة المخاطب إلى حكم الشكّ في البقاء: «كلّ شي‏ء مشكوك‏البقاء على الطهارة،فالطهارة ثابتة له إلى حين العلم بثبوت النجاسة له»و كذافي الشبهة في الموضوع،كما لا يخفى(1) .
(1)هذا هو آخر الصفحة: 78 من المخطوطة.

221
[الاستصحاب في الأمور الخارجية]
اشتراك أصالة عدم الاشتراك و عدم القرينة و عدم السقط و الزيادة مع‏الموضوعات الصرفة في الإشكال و الجواب‏
و أصالة[1]عدم الاشتراك،أو في تشخيص المراد من الألفاظ كأصالةعدم القرينة و منه أصالة عدم السقوط و الزيادة،فإنّ جميع ذلك مشترك مع‏الموضوعات الصرفة في جريان ما ذكره من بعد بيانها عن منصب الشارع.

و الجواب الّذي ذكرناه هو أيضا مشترك بين الكلّ.

دلالة الأخبار على حجية الاستصحاب في الموضوعات المستنبطة
فالظاهر دلالة الأخبار على حجّيّة الاستصحاب في الموضوعات‏المستنبطة،لعين ما ذكرنا من وجه دلالتها على حجّيّته في الموضوعات‏الصرفة،إذ الفارق غير ظاهر،فتدبّر.
[1]هذا هو أوّل الصفحة: 79 من المخطوطة،و لا يخفى عدم ارتباط المطالب الآتيةبالمطالب السابقة،فمن المسلّم سقوط أوراق من النسخة،و يؤيّده عدم وجود شرح‏لأزيد من صفحة من القوانين،و في ضمنها: البحث عن الدليل الرابع،و هو الإجماع‏على اعتبار الاستصحاب في بعض المسائل،و احتجاج النافين بالآيات و الأخبار،و حجة القول بالحجية في غير الأمور الخارجية،فراجع.

222
منع بعض المشايخ ظهورها في الموضوعات المستنبطة،و ادعاءه بالنسبة إلى الموضوعات الصرفة فقط
خلافا لبعض مشايخنا(1) حيث منع من ظهورها بالنسبة إلى‏الموضوعات المستنبطة،و ادّعاه بالنسبة إلى الموضوعات الصرفة فقط من‏الأمور الخارجيّة،مستندا إلى أنّ ارتباطها بالاحكام الشرعيّة قريب،فلا يبعدبيان حكمها عن منصب الشارع،فإنّ الحكم بوجوب إبقاء زيد-المفقود-في‏قوّة حكمه بحرمة التصرّف في ماله،بل المقصود الذاتي من ذلك الحكم هذاالحكم-على ما عرفت سابقا-بخلاف ارتباط الموضوعات المستنبطةبالاحكام،فإنّه بعيد.

مثلا إذا حكم الشارع في ضمن قوله: «لا تنقض اليقين بالشكّ»بوجوب إبقاء اللفظ على ما كان من اتّحاد المعنى و أن لا يحكم عليه بنقل‏أو اشتراك،فلا يفهم من ذلك أنّ مقصوده الذاتي من ذلك هو الحكم في‏مرحلة الظاهر بأنّ السورة واجبة،نظرا إلى أنّ الأمر الوارد بالسورة في‏الرواية الفلانيّة-المشكوك في كونه موضوعا للوجوب فقط أو له‏و للاستحباب-يجب بمقتضى الاستصحاب الحكم باتّحاد معناه و كونه حقيقةخاصّة في الوجوب،فيترتّب على ذلك وجوب حمل الأمر المجرّد عليه،فيترتّب على ذلك وجوب الحكم بإرادة المعصوم عليه السلام الوجوب من الأمربالسورة،فيترتّب عليه وجوب السورة على المكلّف.

النّظر فيما منعه بعض المشايخ‏
أقول: و فيه نظر،أمّا أوّلا: فلأنّ ارتباط الموضوع الصرف-الّذي‏يحكم المعصوم بوجوب إبقائه حين الشكّ-قد يمكن أن يفرض أبعد من‏ارتباط الموضوع المستنبط بالحكم،كما لا يخفى،فإنّ من قال بدلالة الروايات‏على حجيّة الاستصحاب في الموضوعات الصرفة لم يفصّل بين كون ارتباطها
(1)لم نقف عليه.

223
بالحكم الشرعيّ قريبا أو بعيدا،فإذا فرضنا أنّ بقاء زيد-المشكوك البقاء-يترتّب عليه أمر خارجيّ آخر و يترتّب على هذا الأمر الخارجي أمر آخر،و هكذا إلى عشر وسائط،ثمّ يترتّب على الواسطة العاشرة حكم شرعيّ،فلم يقل من قال بالاستصحاب في الموضوعات الصرفة بخروج مثل ذلك.
الإشكال على هذا النّظر
فإن قلت: ليس الفارق هي قلّة الواسطة و كثرتها،و ليس هذامقصودنا من قرب الارتباط بالحكم الشرعيّ و بعده،بل المقصود هو أنّ‏حكم المعصوم عليه السلام في ضمن عموم«لا تنقض»بوجوب إبقاء زيد لا معنى‏له يستقيم عقلا و عرفا و لا يكون معه الكلام لغوا،إلاّ وجوب ترتيب آثارالبقاء الشرعيّة عليه،فيكون الكلام دالا على الترتيب المذكور بدلالةالاقتضاء،سواء كان ترتب الآثار الشرعيّة بلا واسطة،أو مع واسطة واحدةأو متعدّدة،قليلة أو كثيرة،بخلاف حكمه عليه السلام في ضمن العموم المذكوربوجوب إبقاء اللفظ على ما كان عليه و الحكم بكونه غير منقول و لا مشترك،بل متّحد المعنى،فإنّ مثل هذا الحكم له معنى مستقلّ و هو حكم لغويّ،و إن‏كان يترتّب على هذا الحكم اللغويّ حكم شرعيّ،كما أنّ المسألة الأصوليّة-كحجيّة خبر الواحد-مسألة مستقلّة،و مع ذلك يترتّب عليها الأحكام‏الفرعيّة.

فبعد ما علم بالاستقراء أنّ شأن الشارع هو بيان الحكم الشرعي‏لا الحكم اللغويّ و إن كان يترتّب عليه حكم شرعيّ،فلا يظهر من الأخبارشمولها لحكم الموضوعات المستنبطة.

دفع هذا الإشكال بوجهين‏
الوجه الأوّل‏
قلت: أوّلا: إنّ هذا منقوض بمثل استصحاب عدم القرينة و عدم‏السقوط و الزيادة،إذ الحكم بجميع ذلك ليس أمرا يمكن أن يكون مقصودابالذات،و ليس هذه الأحكام أحكاما لغويّة،و إن سلّمنا كون الحكم بعدم‏
224
النقل و الاشتراك حكما لغويّا.
الوجه الثاني‏
و ثانيا: إنّه كما أنّ حكم الشارع بوجوب إبقاء زيد ظاهرا عند الشكّ‏في بقائه على أن يكون المقصود بالذات هو هذا القدر لا فائدة فيه،فكذلك‏حكمه بوجوب إبقاء اللفظ في مرحلة الظاهر على ما كان عليه من عدم‏الوضع للمعنى الفلاني على أن يكون هذا الحكم مقصودا بالذات أيضا لافائدة فيه.

و كما أنّ حكم الشارع بوجوب ترتيب جميع آثار البقاء على زيد-حتّى الآثار الّتي لا يختلف حكمها الشرعيّ بوجود زيد و عدمه-أيضا غيرمقصود،فكذلك حكمه بوجوب ترتيب آثار عدم النقل و الاشتراك على هذااللفظ-حتّى الآثار الّتي لا يختلف حكمها الشرعيّ بنقل اللفظ إلى المعنى‏المبحوث فيه و عدمه-أيضا غير مقصود،فإنّ حمل اللفظ الوارد في كتب‏التاريخ على هذا المعنى المبحوث عن نقل اللفظ إليه،أو على المعنى الآخرالّذي شكّ في نقل اللفظ عنه إلى المعنى المبحوث عنه لا يختلف حكمه‏الشرعيّ في حالتي النقل و عدمه،لأنّك على أيّ تقدير بالخيار-شرعا-في‏حمل اللفظ الوارد في ذلك التاريخ على أيّ معنى شئت،و لا يترتّب على هذاالحمل شي‏ء من الشارع،سواء نقل هذا اللفظ إلى المعنى المبحوث أو لم ينقل،نظير إرسال الكتابة إلى زيد.

فانحصر الأمر في أن يكون المقصود الذاتي من حكم الشارع بوجوب‏بقاء اللفظ على ما كان عليه(1) ترتيب الآثار المترتّبة على بقائه الّتي رتّبهاالشارع على البقاء،كما كان كذلك في الموضوعات الصرفة.

(1)في الأصل: «و ترتيب»و الظاهر زيادة«الواو».

225
استنتاج عدم الفرق بين الموضوعات الصرفة و الموضوعات المستنبطة
و بالجملة: فلم نجد فرقا بين الموضوعات الصرفة و الموضوعات‏المستنبطة،و الظاهر أنّ من قال بشمول الأخبار للأمور الخارجيّة لم يفرّق بين‏القسمين. [قوله‏]قدّس سرّه: «مع أنّ عدم جواز نقض اليقين في كلامه عليه السلام‏كما يرجع إلى الطهارة عن الحدث و الخبث... إلى قوله رحمه اللّه: فيرجع إلى عدم‏النجاسة و عدم وصول المنجس‏[1]و عدم حصول ما يرفع الطهارة،كالنوم... إلخ».
تسليم الخصم بما قاله المصنف،لا يوجب جريان الاستصحاب في الأمور الخارجية
(1)[أقول‏]: أمّا رجوع عدم جواز نقض الطهارة بالمعنيين إلى عدم‏النجاسة و عدم الحدثيّة،فيسلّمه الخصم،لكنّهما أيضا استصحابان في‏الشرعيّات لا الأمور الخارجيّة.

و أمّا رجوعه إلى عدم وصول النجس و عدم حصول ما يوجب‏الحدث: فإن أريد به اتّحاد مفادهما مع مفاد الطهارة،فليس محلا للكلام،لأنّه‏لا يوجب تعلّق حكم الشارع بالاستصحاب فيهما،بل لمّا حكم الشارع‏باستصحاب الطهارة و كون الشخص متطهّرا في آن الشكّ،فيلزمه-من باب‏عدم اجتماع الشي‏ء مع ملزوم ضدّه-كونه محكوما في مرحلة الظاهر بعدم‏وصول النجس و عدم حصول الرافع،فإنّ الخصم و إن كان لا يقول‏بالاستصحاب في الأمور الخارجيّة،إلاّ أنّه يقول باستصحاب آثارهاالمجامعة معها في الآن السابق،فإنّه يحكم أيضا بحرمة التصرّف في مال‏المفقود،نظرا إلى استصحابها،فيلزم‏[من‏]ذلك في مرحلة الظاهر فرض زيد

[1]في القوانين: و عدم وصول النجس و عدم حصول ما يوجب الحدث أيضا كالنوم‏و غيره.

226
موجودا،و يتّحد مفاد استصحاب حرمة التصرّف مع استصحاب زيد،و إن‏كان هذا الخصم يقول بالأوّل و لا يقول بالثاني.

و إن أريد به أنّ الشارع لمّا حكم باستصحاب الطهارة فهذا راجع إلى‏حكمه عليه السّلام باستصحاب الأمر الخارجيّ-أعني عدم حصول الرافع في‏الخارج-فهو ممنوع عند الخصم.

استشهاد المصنف بما في صحيحة زرارة
[قوله‏]قدّس سرّه: «مثل ما في صحيحة زرارة»(1) .
تحديد محل الاستشهاد بهذه الرواية
(1)[أقول‏]: محلّ استشهاد المصنّف بهذه الرواية هو قوله عليه السلام: «لأنّك‏لا تدري لعلّه شي‏ء أوقع عليك»يعني في أثناء الصلاة،و لم يكن موجوداعند افتتاح الصلاة،فكأنّه عليه السلام اعتبر استصحاب تأخّر الحادث عند القطع‏بحدوث شي‏ء و الشكّ في مبدئه. و لا يخفى أنّ هذا الاستصحاب في الأمورالخارجيّة.
عدم صلاحية الاستشهاد بما في الصحيحة
لكنّ التحقيق و الإنصاف: أنّ هذا الكلام لا يصلح شاهدا للمصنّف،إذكما يحتمل أن يكون قوله عليه السلام: «لأنّك لا تدري لعلّه... إلخ»بيانا و محقّقالمورد استصحاب تأخّر رطوبة الثوب بالشي‏ء النجس،كذلك يحتمل أن‏يكون بيانا و محقّقا لمورد استصحاب بقاء الطهارة،لأنّ الشكّ في بقاء الطهارةناش عن الشكّ في مبدأ حدوث الرطوبة،فإنّ الشكّ في بقاء الأمر الشرعيّ‏قد يكون مسبّبا عن الشكّ في بقاء أمر خارجيّ أو في حدوث أمر خارجيّ-كالشكّ في بقاء حرمة التصرّف في مال زيد الناشئ عن الشكّ في بقاء زيد،و كالشكّ في بقاء الطهارة الناشئ عن الشكّ في حدوث الرافع أو ملاقاةالنجاسة-فهذا القائل يقول بالاستصحاب في نفس الأمر الشرعي،لا في‏
(1)التهذيب 1: 420،الحديث 1335.

227
الأمر الخارجي و إن كان الشكّ في الأوّل ناشئا عن الشكّ في الثاني.

فربّ شكّ ينشأ عن شكّ لا يجوز الاستصحاب فيه و يجوز في الناشئ‏عنه باعتراف الخصمين،كالشكّ في بقاء طهارة الثوب الناشئ عن الشكّ في‏أنّ الرطوبة الّتي لاقته قطعا بول أو ماء،فإنّه لا يمكن حينئذ التمسّك‏باستصحاب عدم ملاقاة البول،و يمكن التمسّك باستصحاب الطهارة،فافهم.

ما قاله المحدث العاملي من عدم دلالة الأحاديث على حجية الاستصحاب‏في نفس الحكم الشرعي‏
[قوله‏]قدّس سرّه: «بل قال المحدّث البارع الحرّ العامليّ في كتابه الفصول‏المهمّة في أصول الأئمّة... إلخ»(1) .
عدم فائدة كلام المحدث في إثبات المطلب‏
(1)[أقول‏]: لا يخفى أنّ ما ذكره هذا المحقّق لا ينفع المصنّف،نظرا إلى أنّ‏مقصود المحقّق هو أنّ هذه الروايات لا تدلّ على الاستصحاب في نفس‏الحكم،
بيان مقصود الأخباريين من عدم حجية الاستصحاب في الحكم الشرعي‏
و قد عرفت سابقا(2) : أنّ مقصود الأخبارييّن من الاستصحاب في‏نفس الحكم الشرعيّ-الّذي لا يرون حجّيّته و ينفون دلالة الأخبار عليه-هو ما إذا كان الشكّ و الشبهة في نفس الحكم الكلّي و مسبّبا عن اختفاءالأدلّة الشرعيّة،كالشكّ في بقاء جواز المضيّ في الصلاة بعد رؤية الماء في‏أثنائها،و الشكّ في بقاء النجاسة في الماء بعد زوال تغيّره،و الشكّ في بقاءالطهارة بعد وقوع المذي و الشكّ في رافعيّته.

و ضابطه: كلّ شكّ لا بدّ في رفعه و إزالته في مرحلة الواقع من الرجوع‏إلى المعصومين صلوات اللّه عليهم أجمعين أو إلى أخبارهم،لا ما إذا كان الشكّ في بقاءالحكم الجزئيّ المتعلّق بموضوع خاصّ من جهة الشكّ في أمر خارجيّ،كشكّ‏زيد في بقاء طهارته أو طهارة ثوبه من جهة الشكّ في حصول الرافع أو

(1)الفصول المهمّة في أصول الأئمّة: 250،الباب 45.
(2)انظر الصفحة: 72-73.

228
وصول المنجّس،أو الشكّ في بقاء وجوب شي‏ء على المكلّف من جهة الشكّ‏في وجود ما جعل مزيلا له،بل استصحاب مثل الطهارة و الوجوب-المذكورين-قد ادّعى بعض فحولهم-كالمحقّق البحراني في الحدائق(1) و الفاضل الأسترآبادي في الفوائد المكّيّة(2) -الاتّفاق على حجّيّته و خروجه‏عن محلّ النزاع بل ادّعى الثاني كون اعتبار مثله من ضروريّات الدين.
مراد المحدث من عدم دلالة الأحاديث على حجية الاستصحاب إنما هو فيما لو كان الشك من جهة نفس الحكم الشرعي‏
فمراد المحقّق الحرّ هو: أنّ الروايات لا تدلّ على الاستصحاب في ما إذاكان الشكّ من جهة نفس الحكم الشرعيّ،و إنّما تدلّ على اعتباره في ما كان‏الشكّ من جهة موضوعاته و متعلّقاته،و إن كان هذا المشكوك من الأمورالشرعيّة كالطهارة و النجاسة.
حاصل مراد المحدث العاملي‏
و الحاصل: أنّ مراد المحقّق ليس نفي دلالة الأخبار على اعتباراستصحاب مثل الطهارة-الّتي هي من الأمور الشرعيّة-و إثبات حصردلالتها على اعتبار الاستصحاب في مثل عدم وقوع الحدث،و عدم تجدّدطهارة أو ملك أو نكاح-الّتي هي من الأمور الخارجيّة-.
وجه التمثيل بالأمور الخارجية في كلام المحدث‏
و أمّا ذكر الأمثلة الّتي هي من الأمور الخارجيّة في كلامه،فالظاهرأنّها أمثلة لأسباب الشكّ لا للمستصحبات،و كأنّ هذا واضح لمن تتبّع كلام‏الأخباريّين في هذا الباب،فتأمّل.
حكم الشك في التحريم عند الأخباريين‏
ثمّ إنّ قول المحقّق الحرّ في آخر كلامه: «كما هو ظاهر أحاديث‏المسألتين»(3) الظاهر أنّه أراد بالمسألة الأخرى مسألة أصالة البراءة عندالشكّ في تحريم شي‏ء،حيث إنّ الأخباريّين ذهبوا في تلك المسألة إلى أنّ‏
(1)الحدائق 1: 143.
(2)لا يوجد لدينا.
(3)الفصول المهمّة في أصول الأئمّة: 251.

229
الشبهة إن كانت في نفس الحكم الشرعيّ و مسبّبا عن اختفاء الأدلّة الشرعيّةفلا بدّ من التوقّف في الفتوى و الاحتياط في العمل،و إن كانت في موضوع‏الحكم الشرعيّ فيحكم بالبراءة و الإباحة.
ما ذهب إليه الأخباريون ليس عكسا لما ذكره المحقق الخوانساري‏
[قوله‏]قدّس سرّه: «و ممّا ذكرنا يظهر حجّة القول بالعكس و جوابه أيضا». (1)[أقول‏]: قد عرفت أنّ القول الّذي ذهب إليه الأخباريّون و ظهر دليله‏من كلام الشيخ الحرّ هنا-و حاصله: عدم دلالة الأخبار على اعتبارالاستصحاب في الحكم الشرعيّ-ليس عكسا للقول الّذي ذكره المحقّق‏الخوانساري من عدم اعتبار الاستصحاب في الأمور الخارجيّة،بل بين‏القولين عموم من وجه،كما أشرنا إليه سابقا،فراجع.
دليل آخر على قول الأخباريين‏
ثمّ إنّه زاد بعض الأخباريّين(1) في الاستدلال على قولهم المذكور: بأنّ‏الحكم الشرعيّ يطلب فيه العلم و اليقين،و لا بدّ فيه من الرجوع إلى كلام‏المعصوم عليه السلام،فإن لم يستعلم منه فلا بدّ من التوقّف،لما دلّ على وجوب‏التوقّف عند الشبهة و أنّه خير من الاقتحام في الهلكة(2) .

و أمّا إذا كان الشكّ في الموضوع و المتعلّق،فلمّا لم يمكن استعلامه‏بالرجوع إلى المعصومين أو كلامهم-ضرورة أنّه لا يسأل المعصوم عليه السلام هل توضّأت؟أو هل أحدثت؟-فلو لم يعمل فيها بالاستصحاب يلزم‏التكليف بما لا يطاق.

مضافا إلى دلالة الأخبار على اعتبار الاستصحاب فيها،بل اعتباره‏فيها ضروريّ،هكذا حكي الاستدلال عنهم.

(1)لم نقف عليه.
(2)الوسائل 18: 86،الباب 9 من أبواب صفات القاضي،الحديث 35.

230
الجواب عن هذا الدليل‏
أقول: و فيه ما لا يخفى،فإنّ دلالة الأخبار عامّة للموضوعات‏و الأحكام،كما أشار إليه المصنّف بقوله: «و جوابه يظهر ممّا ذكرنا».

و أمّا لزوم التكليف بما لا يطاق: فلعمري أنّ دعواه أغرب دعوى!نظرا إلى إمكان الاحتياط،كما يصنعون في الشبهة في نفس الحكم و يحكمون‏بوجوبه فيها.

الجواب عن دعوى الضرورة الدينية على حجية الاستصحاب في‏الموضوعات‏
و أمّا دعوى الضرورة الدينيّة على حجّية الاستصحاب في‏الموضوعات: فهي أيضا دعوى لا شاهد عليها،يظهر ذلك ممّا ذكرناه سابقافي محلّ النّزاع عند حكاية قول صاحب المعالم،حيث ادّعى أنّ المحقّق قدرجع في آخر كلامه في المعارج عن القول بحجيّة الاستصحاب(1) .
ما قاله المحدث الأسترآبادي في الفوائد المدنية
قال الفاضل المولى محمّد أمين الأسترآبادي في الفوائد المدنيّة-على‏ما حكى عنه صاحب الوافية-: إنّ من جملة أغلاط المتأخّرين من الفقهاء أنّ‏كثيرا منهم زعموا أنّ قوله عليه السلام: «لا تنقض اليقين بالشّكّ و إنّما تنقضه‏بيقين آخر»جار في نفس أحكامه تعالى(2) انتهى.
ما نقله في الفوائد المكية عن المفيد و غيره من اقتضاء قاعدة اليقين جواز العمل بالاستصحاب في أحكام اللَّه،و الجواب عنه بوجهين‏
و قال في الفوائد المكيّة بعد إيراد الأخبار الواردة في الباب-على‏ما حكى عنه صاحب الوافية أيضا-: «لا يقال: هذه القاعدة تقتضي جوازالعمل بالاستصحاب في أحكام اللّه،كما ذهب إليه المفيد و العلاّمة من‏أصحابنا،و الشافعيّة قاطبة.
الوجه الأوّل‏
لأنّا نقول: هذه شبهة عجز عن جوابها كثير من فحول الأصوليّين‏و الفقهاء،و قد أجبنا عنها في الفوائد المدنيّة تارة بما ملخّصه: أنّ صور
(1)راجع الصفحة: 143.
(2)الفوائد المدنيّة: 148،و نقله عنه في الوافية: 214.

231
الاستصحاب المختلف فيها عند النّظر الدّقيق و التحقيق راجعة إلى أنّه إذاثبت حكم بخطاب شرعيّ في موضع في حال من حالاته،نجريه في ذلك‏الموضع عند زوال الحالة القديمة و حدوث نقيضها فيه،و من المعلوم: أنّه إذاتبدّل قيد موضوع المسألة بنقيض ذلك القيد اختلف موضوع المسألتين،فالّذي سمّوه استصحابا راجع في الحقيقة إلى إسراء حكم موضوع إلى آخريتّحد معه بالذات و يغايره بالقيد و الصفات،و من المعلوم عند الحكيم: أنّ هذاالمعنى غير معتبر شرعا و أنّ القاعدة الشريفة المذكورة غير شاملة له.
الوجه الثاني‏
و تارة أخرى: بأنّ استصحاب الحكم الشرعيّ و كذا الأصل-يعني‏الحالة الّتي إذا خلّي الشي‏ء و نفسه كان عليها-إنّما يعمل بهما ما لم يظهر مخرج‏عنهما،و قد ظهر في محلّ النزاع.

بيان ذلك: أنّه تواترت الأخبار عنهم بأنّ كلّ ما يحتاج إليه‏[1]إلى يوم‏القيامة ورد مخزونا عند أهل الذّكر عليهم السلام بحصر المسائل في ثلاث: بيّن‏رشده،و بيّن غيّه-أي مقطوع به لا ريب فيه-و ما ليس هذا و لا ذاك،و بوجوب التوقّف في الثالث(1) »انتهى كلامه بألفاظه(2) .

الجواب عن جوابه الأوّل‏
و قد أجيب عن جوابه الأوّل: بأنّ الحكم الثابت في موضع في حال،إن كان ثبوته للموضع مقيّدا بتلك الحال فلا خلاف في عدم جريان‏
[1]كذا في الأصل،و العبارة الّتي نقلها عنه في الوافية هكذا: إنّه تواترت الأخبار عنهم‏عليهم السلام بأنّ كلّ ما يحتاج إليه الأمّة إلى يوم القيامة ورد فيه خطاب و حكم حتّى‏أرش الخدش،و كثير ممّا ورد مخزون عند أهل الذّكر عليهم السّلام،فعلم أنّه ورد في محالّ‏النزاع أحكام نحن لا نعلمها بعينها،و تواترت الأخبار عنهم عليهم السّلام بحصر المسائل... إلى آخر ما في المتن.
(1)الوسائل 18: 114،الباب 12 من أبواب صفات القاضي،الحديث 9.
(2)الوافية: 212-213.

232
الاستصحاب فيه عند زوال تلك الحال،و إن لم يكن مقيّدا بها فلم يختلف‏الموضوع،إذ المفروض أنّه هو ذلك الموضع بدون مدخليّة تلك الحال(1) .
النّظر في هذا الجواب‏
و في هذا الجواب نظر،إذ بعد ما فرض اختلاف الحالين و ثبوت الحكم‏في الحال الأوّل لا بشرط الموجب للشكّ في أنّه ثابت في الحال الثاني أيضاحتّى يكون موضوع الحكم هو القدر المشترك بين الحالين فيتّحد الموضوع،أو غير ثابت فيه حتّى يكون موضوع الحكم هو خصوص الحالة الأولى‏فيختلف الموضوع،فيحتاج ثبوته فيه إلى دليل موحّد للموضوع.

و مجرّد عدم العلم بالاختلاف لا يلزم منه العلم بالاتّحاد،كيف!و لو علم الاتّحاد لم يحتج إلى الاستصحاب،كما أنّ في صورة العلم بالاختلاف‏لا يجري.

الأحسن في الجواب عنه وجهان‏
فالأحسن في الجواب عنه وجهان:
الأوّل: بالنقض،و بيانه‏
الأوّل: النقض بالصور الّتي يعترف‏هذا الفاضل بجريان الاستصحاب فيها،كما إذا شكّ في نسخ حكم شرعيّ،و كما إذا شكّ في الحكم الجزئيّ المتعلّق بالموضوع الجزئيّ من جهة الشكّ في‏حدوث مزيله،كشكّ المكلّف في بقاء طهارته من جهة الشكّ في حدوث‏البول عنه،و نحو ذلك.

بيان النقض: هو أنّه لا فرق في عدم جواز تعدية الحكم الشرعيّ عن‏موضع ثبوته فيه إلى ما لم يثبت فيه،بين أن يكون اختلافهما في الحال‏أو في الزمان أو غير ذلك،فكما أنّ تعدية الحكم بجواز المضيّ-للمتيمّم-في‏الصلاة قبل رؤية الماء إلى جواز المضيّ بعد رؤيته في الأثناء يحتاج إلى دليل،و مع عدمه لا يمكن التعدي،فكذلك تعدية الحكم الثابت في زمان مع عدم‏

(1)مناهج الأحكام: مبحث الاستصحاب. ذيل قوله: السادسة.

233
العلم بثبوته في الزمن المتأخّر إلى هذا الزمن المشكوك يحتاج إلى دليل،لتساوي التعديتين في كونهما خروجا عن مورد العلم و اليقين. و تعدّيا عنه إلى‏موضع الشكّ و التخمين.
إشكالات و أجوبة
فإن قلت: اختلاف الزمان لا يوجب تكثّر الموضوع،فإسراء الحكم‏الثابت في الزمن الأوّل إلى الزمن الثاني ليس إسراء لحكم موضوع إلى‏موضوع آخر.

قلت: من المعلوم أنّ عدم جواز إسراء حكم موضوع إلى موضوع‏ليس إلاّ لوجوب الاقتصار و الوقوف على ما وصل من الشارع و عدم جوازالتعدّي عنه بمقايسة ما لا يعلم على ما يعلم و العمل بغير المعلوم،و من البيّن‏وجود جميع ذلك في إسراء حكم علم ثبوته في زمان إلى زمان آخر لم يعلم‏ثبوته فيه.

فإن قلت: إنّ جواز الإسراء هنا للإجماع،بل الضرورة على وجوب‏إبقاء الحكم الثابت في الزمان الأوّل إلى أن يعلم بنسخة.

قلت: لا شكّ أنّ الإجماع على وجوب الإبقاء لا يوجب العلم بوجودالحكم في الزمان المشكوك ثبوته فيه في الواقع،و إنّما يدلّ على أنّه يجب‏إسراء الحكم الثابت في زمان إلى الزمان المشكوك بوصف كونه مشكوكاو أنّه يجب إلحاق هذا المشكوك بذلك المعلوم.

فإن أريد أنّ إسراء الحكم الثابت في موضع إلى موضع لم يثبت ذلك‏الحكم فيه لا يمكن أن يقع في الشرعيّات-على ما هو الظاهر من كلامه،حيث ذكر هذا في مقام منع شمول الأخبار للاستصحاب في نفس الحكم-فننقضه بما ذكرنا من إسراء الحكم إلى الزمان الثاني عند الشكّ في النسخ.

و إن أريد أنّه جائز لكنّه موقوف على ثبوت الدليل،ففيه-مضافا إلى‏


234
أنّ هذا لا يصلح جوابا عن دلالة الأخبار-: أنّ من يقول بالاستصحاب‏و إسراء الحكم الثابت في حال إلى حال لم يعلم ثبوته عنده فإنّما يقول به‏لدليل،و هي الأخبار.
الثاني: بالحلّ‏
الثاني: الحلّ،بيان ذلك: أنّ الحكم الثابت عند الحالة الأولى: إمّا أن‏يعلم أنّ موضوعه هو الحالة الأولى،أو يعلم أنّ موضوعه هو القدر المشترك‏بين الحالين،أو لا يعلم أحد الأمرين.

فإن علم الأوّل،فلا خلاف لأحد في عدم جريان الاستصحاب،و إن‏علم الثاني،فلا حاجة إلى الاستصحاب.

و إن لم يعلم أحد الأمرين،فمع قطع النّظر عن الأخبار الواردة في‏الباب و إن كان لا يجوز إلحاق الحالة الثانية بالحالة الأولى في ثبوت الحكم‏عندها،إلاّ أنّه بعد ورود الأخبار في الباب فنحكم لأجلها بأنّ الحكم‏الظاهري في الحالة الثانية هو الحكم في الأولى.

و بعبارة أخرى: يصير موضوع المسألتين بالنسبة إلى الحكم الظاهري‏واحدا بدلالة تلك الأخبار،و إن احتمل في الواقع أن يختلف موضوعهما.

حول ما ذكر من أن الاستصحاب إسراء حكم من موضوع إلى آخر
فما ذكره-من أنّ مرجع الاستصحاب إلى إسراء حكم موضوع إلى‏موضوع آخر-إن أراد به أنّ الاستصحاب إسراء للحكم الثابت لموضوع‏يقطع بأنّه الموضوع لا غير إلى موضوع آخر يقطع بعدم كونه موضوعالذلك الحكم الأوّل،ففيه: منع واضح،لأنّا لو علمنا أنّ للحالة السابقة مدخلافي الحكم فلا نحكم بالاستصحاب.

و إن أراد به أنّه إسراء حكم من محلّ إلى محلّ آخر و من صورة إلى‏أخرى لا يعلم اشتراكهما في موضوعيّة الحكم-و يحتمل أن يكون للمحلّ‏الأوّل مدخلا في الحكم-ففيه: أنّ المنع عن ذلك إنّما هو مع عدم الدليل


235
المجوّز،و أمّا معه فليس به بأس،فإن كان و لا بدّ من الإنكار فليتكلّم في‏دلالة الأخبار.
الجواب عن الوجه الثاني الّذي ذكره الأسترآبادي في الفوائد المكيّة
و أمّا الجواب عن الوجه الثاني-الّذي ذكره في الجواب عن الأخبارمن دلالة أخبار التوقّف على وجوب التوقّف عمّا لا يعلم-: فهو أنّ الأخبارالواردة في الباب قد أدرجت مورد الاستصحاب في قسم البيّن رشده،فيجب‏اتّباعه،لا التوقّف فيه.

على أنّ المراد بالتوقّف في أخباره يمكن أن يكون هو التوقّف عن‏الحكم الواقعي للواقعة و عدم الإفتاء فيها بغير العلم،و لا ينافي ذلك ثبوت‏حكم ظاهري للواقعة باعتبار كون الحكم فيها مقطوع الثبوت في السابق‏مشكوك البقاء في اللاحق،مضافا إلى أجوبة اخر مذكورة في باب أصالةالبراءة. [قوله‏]قدّس سرّه: «حجّة القول بنفي الحجّيّة في الحكم الشرعيّ إذا ثبت‏بالإجماع... إلخ».

الدليل الدال على تحقق الحكم في السابق بالنسبة إلى اللاحق،يتصور على‏وجوه:
(1)[أقول‏]: اعلم أنّ الدليل الدالّ على تحقّق الحكم في الآن السابق‏يتصوّر-بحسب ملاحظته بالنسبة إلى إفادته للحكم في الزمان اللاحق‏و عدمها-على وجوه:
الوجه‏الأوّل:
أن يدلّ على الحكم في الآن السابق و اللاحق معا.
الوجه الثاني:
أن يدلّ على ثبوت الحكم في الآن السابق و لا يدلّ على ثبوته‏في الآن اللاحق،و هذا على وجوه:
انقسام الوجه الثاني إلى وجهين‏
الأوّل: أن يكون-مضافا إلى عدم دلالته فعلا على ثبوت الحكم في‏الآن اللاحق-غير قابل لأن يراد منه في الواقع ثبوت الحكم في الآن اللاحق‏بأن يكون محتملا لذلك،و بعبارة أخرى: نقطع بأنّ المتكلّم لم يرد منه ثبوت‏
236
الحكم في الآن اللاحق.

الثاني: أن لا يكون كذلك،بأن يكون محتملا لأن يكون المتكلّم قدأراد منه ثبوت الحكم‏[في الآن‏]اللاحق أيضا،و يكون أيضا محتملا لأن‏يكون المراد منه هو ثبوت الحكم في الآن الأوّل لا غير.

انقسام الوجه الأوّل إلى وجهين‏
و الأوّل من هذين،على وجهين:

أحدهما: أن يكون الدليل-مع عدم دلالته على ثبوت الحكم في الآن‏الثاني،و مع القطع بعدم إرادة ذلك منه في الواقع-دالاّ على نفي الحكم عن‏الآن الثاني،فيكون منحلاّ إلى حكمين: ثبوتيّ بالنسبة إلى الزمان السابق،و سلبيّ بالنسبة إلى الزمان اللاحق.

و الآخر: أن يكون غير دالّ على نفي الحكم عن الزمان الثاني،بأن‏يكون مدلوله منحصرا في إثبات الحكم في الزمان الأوّل و لا يدلّ على حكم‏الزمان الثاني إيجابا و لا سلبا. فهذه أربعة وجوه بالنظر إلى دلالة الدليل،سواء كان هذا الدليل نصّاأو إجماعا،إذ قد يتصوّر هذه الوجوه في الإجماع على بعض الوجوه،فتأمّل.

الوجه الخامس: الترديد بين بعض هذه الوجوه‏
و هنا وجه خامس: و هو أن يتردّد الدليل بين بعض هذه الوجوه‏و بعضها الآخر.
الاستنتاج من الوجوه الخمسة
إذا عرفت هذا،فنقول: إن كان دلالة الدليل على النهج الأوّل‏فلا حاجة إلى الاستصحاب،كما أنّها إن كانت على الوجه الثاني فلا يجري،لأنّ المفروض أنّ نفس الدليل الدالّ على ثبوت الحكم في الزمان الأول دلّ‏على نفيه في الزمان الثاني. كما لو قال: «الماء المتغيّر بالنجس نجس ما دام‏متغيّرا».

و إن كانت على الوجه الرابع-بأن يكون محتمل الدلالة على ثبوت‏


237
الحكم في الزمن الثاني-فهناك يجري الاستصحاب بالاتّفاق.
ما حكي عن الغزالي و غيره‏
و أمّا إن كانت على الوجه الثالث،فإن كان ذلك الدليل إجماعا،فهوالّذي وقع فيه الخلاف،و حكي عن الغزالي(1) عدم حجّية الاستصحاب هناك،بل حكي عن الأكثر(2) ،و لكن الظاهر من كلام بعض هو المخالفة في مطلق‏هذا الوجه الثالث،سواء كان الدليل إجماعا أو نصّا.

قال في جملة كلامه: «و الحاصل: أنّه لا بدّ أن يكون الدليل بحيث يمكن‏أن يراد منه ثبوت الحكم في الزمن الأوّل أو الحالة الأولى،و أن يراد منه‏شموله لما بعد ذلك و في غير تلك الحالة،حتّى يكون المدلول إن فرض تحقّقه‏في ما بعد،كان الدليل على تحقّقه في متن الواقع هو الدليل الأوّل من كتاب أوسنّة أو غيرهما»(3) انتهى كلامه رفع مقامه.

و لازم هذا الكلام: المخالفة في حجيّة الاستصحاب إذا كان دلالةالدليل على الوجه الخامس إذا كانت متردّدة بين ما وراء الوجه الأوّل و بين‏الثلاثة الاخر.

مستند القائل بحجية الاستصحاب في غير ما ثبت فيه الحكم بالإجماع‏أمران‏
هذا،إذا عرفت ما ذكرنا،فنقول: لا يخفى أنّ بعد تسليم دلالة الأخبارعلى الاستصحاب في الحكم الشرعي،لا يستشمّ منها تفرقة بين المواردباعتبار الدليل الدالّ على ذلك الحكم،فالقائل بحجيّة الاستصحاب في غيرما ثبت فيه الحكم بالإجماع و بعدمها في ما ثبت فيه الحكم بالإجماع،إن‏استند إلى ما حكاه المصنّف قدّس سرّه في المتن عنه:
الأوّل: قول المصنف«إنّ الحكم إذا ثبت بالإجماع فلا يكون الدليل موجودافي الآن الثاني»
من أنّ الحكم إذا ثبت‏بالإجماع فلا يكون الدليل موجودا في الآن الثاني،لمكان الخلاف،فيكون‏
(1)حكاه السيّد المجاهد قدّس سرّه عن نهاية الوصول،انظر مفاتيح الأصول:

653.

(2)حكاه السيّد المجاهد قدّس سرّه عن نهاية الوصول،انظر مفاتيح الأصول:

653.

(3)لم نقف عليه.

238
إثباته فيه إثباتا للحكم بغير دليل(1) .
الإشكال في ذلك‏
ففيه: ما ذكره المصنّف(2) من أنّه يستلزم عدم حجيّة الاستصحاب‏رأسا من غير اختصاص بما إذا ثبت الحكم بالإجماع،لأنّ المفروض في جميع‏موارد الاستصحاب عدم ثبوت دلالة الدليل-الدالّ على الحكم في الزمان‏الأوّل-عليه في الزمان الثاني،و إلاّ لم يحتج إلى الاستصحاب.

مضافا إلى أنّه إن أريد بإثبات الحكم بغير دليل إثبات الحكم الواقعي‏بغير دليل ففيه: أنّا لا نثبت الحكم الواقعي و لا ندّعيه في الآن الثاني،بل‏نعترف بعدم ثبوته،لعدم الدّليل عليه.

و إن أريد به إثبات الحكم الظاهري بغير دليل،ففيه: أنّ الدليل موجود،و هو الأخبار الواردة في الباب الدالّة على أنّ‏الحكم الظاهريّ في ما إذا ثبت حكم في الزمان السابق و لم يقطع بانتفائه في‏اللاحق هو إبقاء ذلك الحكم.

مضافا إلى أنّه لو تمّ ما ذكره هذا القائل لامتنع العمل بجميع الأصول‏المثبتة للأحكام الظاهريّة،لأنّ المعتبر في مواردها كلاّ هو عدم الدليل على‏الحكم.

الثاني: أن يستند إلى اشتراط قابلية دلالة الدليل على الحكم في الآن الثاني‏
و ان استند إلى اشتراط قابليّة دلالة الدليل على الحكم في الآن الثاني،ففيه-مضافا إلى أنّه لا وجه حينئذ لتخصيص المنع بصورة كون‏الدليل إجماعا،فليعمّم المنع في كلّ دليل لا يحتمل دلالته على ثبوت الحكم في‏الزمان الثاني-: أنّه إن كان هذا الاشتراط لأجل أن لا يكون الحكم على‏
(1)قوانين الأصول 2: 67،ذيل حجة القول بنفي الحجية من الحكم الشرعي إذاثبت من الإجماع.
(2)قوانين الأصول 2: 67،ذيل حجة القول بنفي الحجية من الحكم الشرعي إذاثبت من الإجماع.

239
تقدير ثبوته في الآن الثاني في متن الواقع خاليا عن الدّليل،فلا يخفى أنّ هذاالغرض حاصل في ما إذا كان الدليل هو الإجماع،نظرا إلى أنّ الإجماع و إن‏قطعنا بعدم جريانه في الآن الثاني،لكن لسنا قاطعين بعدم وجود دليل آخرمثبت للحكم في الآن الثاني فقط،أو فيه و في الآن الأوّل أيضا،كيف!و لو قطعنا بذلك العدم لم نشكّ في عدم الحكم في الآن اللاحق.
ما يتصور في وجه الاشتراط،و الإشكال فيه‏
و إن كان هذا الاشتراط من جهة أنّه لا بدّ من أن يكون الحكم على‏تقدير ثبوته في الآن اللاحق ثابتا بنفس هذا الدليل الدالّ على الحكم الأوّل،و هذا لا يتصوّر عند ثبوت الحكم في الآن الأوّل بالإجماع،ففيه،أوّلا: أنّه ما الدليل على هذه اللابدّيّة؟و أيّ قبح شرعيّ أو عقليّ‏يتصوّر في عدم ذلك؟و ثانيا: أنّه لا شكّ أنّ الإجماع كاشف عن قول المعصوم عليه السلام أو فعله أو تقريره،فنفرض أن نكون قاطعين بأنّ الحكم لو كان ثابتا في الآن‏الثاني فليس إلاّ بدلالة نفس ذلك القول أو الفعل أو التقرير الّذي كشف‏الإجماع عن بعض مدلوله.

و إن كان هذا الاشتراط من جهة أنّه لو لم يكن نفس الدليل الأوّل‏قابلا للدلالة على الحكم في الزمان الثاني و اختصّ مدلوله بالحكم في الزمان‏الأوّل،فينفى ذلك الحكم في الآن الثاني بأصالة عدم الدليل عليه،بخلاف‏ما إذا كان نفس الدليل الأوّل قابلا لذلك،فلا يمكن إجراء أصالة عدم‏الدليل،لأنّ الشكّ في مقدار دلالة الدليل و مدلوله،و أنّه هل يكون ثبوت‏الحكم في الآن الأوّل فقط أو مطلقا؟و من المعلوم عدم جواز إجراء الأصل‏في مثله.

ففيه: أنّ حكم الزمان الثاني في ما نحن فيه لا محاله يحتاج إلى دليل‏


240
-سواء كان هو نفس الحكم الثابت في الزمان الأوّل أو خلافه-فوجود دليل‏مبيّن لحكم الزمان الثاني معلوم إجمالا،إنّما الشكّ في أنّ مدلوله هو الحكم‏الثابت في الزمان الأوّل أو خلافه،فكما تقول: الأصل عدم الدليل على ثبوت‏الحكم الأوّل في الزمان الثاني،فنقول: الأصل عدم الدليل على خلاف الحكم‏الأوّل في ذلك الزمان،فيتعارضان و يتساقطان.

مضافا إلى أنّه كثيرا ما يكون خلاف الحكم الأوّل في الزمان الثاني‏محتاجا إلى الدليل،لا ثبوت نفسه،كالحكم بانتقاض التيمّم و الصلاة عندرؤية الماء في الأثناء،فتأمّل،و الحكم بانتقاض الطهارة بخروج الخارج من‏غير السبيلين;فإنّ المحتاج إلى الدليل كون هذا من النواقض،لا عدم كونه‏منها و بقاء الطهارة السابقة.

ما استدل به الشيخ في العدّة على حجية الاستصحاب‏
بل قد استدلّ بعضهم-و هو الشيخ قدّس سرّه،في العدّة ظاهرا على‏ما هو ببالي-على حجّيّة الاستصحاب: بأنّه لمّا لم نجد في الآن الثاني دليلايدلّ على مخالفة الحال الثاني للأوّل،و على كونه مؤثّرا في الحكم و مغيّرا له،فالأصل يقتضي التسوية بين الحالين(1) .

و هذا كما تراه ينادي بأنّ المحتاج إلى الدليل هو مخالفة الحكم في‏الزمان الثاني له في الزمان الأوّل،لا موافقته،و ليس هذا الاحتياج من جهةدلالة الدليل الأوّل على الحكم في الزمان الثاني أيضا،و إلاّ لم يحتج إلى‏الاستصحاب،بل من جهة أنّ كون الحالة الثانية مغيّرة يحتاج إلى دليل.

و هذا الاستدلال و إن لم يكن مرضيّا في النّظر،نظرا إلى أنّ المنكرللاستصحاب لا يدّعي كون الحالة الثانية مغيّرة و مؤثّرة في اختلاف الحكم،

(1)عدّة الأصول: 304.

241
بل يدّعى عدم العلم بكون الحكم في الآن الثاني هو الحكم في الآن الأوّل،فالتسوية بينهما يحتاج إلى دليل،كما أنّ الفرق بينهما أيضا يحتاج إلى دليل.

فاحتياج الفرق،و كون الحالة الثانية مغيّرة إلى دليل،لا ينفي احتياج‏التسوية بينهما و عدم مدخليّة الحالة الثانية في الحكم إلى دليل،فكلّ منهمايحتاج إلى الدليل،و لأجل ذلك يجب التوقّف و الرجوع إلى سائر الأصول.

لكنّ الغرض من ذكره التنبيه على عدم جواز التمسّك في انتفاء الحكم الأوّل‏في الزمان الثاني بأصالة عدم الدّليل عليه،فتدبّر.

الحاصل: عدم الفرق بين وجوه دلالة الدليل الأوّل‏
و الحاصل: أنّا لم نجد في حجيّة الاستصحاب فرقا بين وجوه دلالةالدليل الأوّل. إلاّ أنّه لا بدّ أن لا يكون مصرّحا بثبوت الحكم في الآن‏الثاني،و إلاّ لم يحتج إلى الاستصحاب،و لا بنفيه فيه،و إلاّ لم يجر،و بعدملاحظة عدم كونه كذلك فيجري الاستصحاب مطلقا.
استثناء صورة ما لو كان ثبوت الحكم في الآن الثاني راجعا إلى تعدد الحكم‏
اللّهم إلاّ أن يكون ثبوت الحكم في الآن الثاني راجعا إلى تعدّد الحكم،بأن يرجع الشكّ في دلالة الدّليل على الحكم في الزمان الثاني و عدمها إلى‏الشكّ في إفادته لحكمين أو لحكم واحد.

كما إذا وقع أمر بفعل،و المفروض الشكّ في إفادته للمرّة و التكرار،مع‏فرض أنّه على تقدير إفادته للتكرار ينحلّ إلى تكاليف متعدّدة بحسب‏تعدّد المرّات،لا بأن يكون المجموع المركّب تكليفا واحدا،و حينئذ فلايمكن جريان الاستصحاب بعد إتيان الفعل في المرّة الأولى و الشكّ في وجوب‏الزائد،نظرا إلى أنّ الحكم الثابت أوّلا قد ارتفع قطعا بامتثاله،فالشكّ في‏ثبوت الحكم في الآن الثاني شكّ في حدوث حكم آخر من أوّل الأمر،لا في‏بقاء الحكم السابق.

لكن عدم الإجراء في هذه الصورة ليس لأجل خلل في الدليل،بل‏


242
لأجل أنّ المدلول-و هو الحكم الثابت في الزمان الأوّل على فرض وجوده في‏الآن الثاني-ليس باقيا بوجوده الأوّلي السابق،بل هو موجود آخر يكون‏على تقدير وجوده في متن الواقع موجودا مغايرا للموجود السابق مجامعا معه‏في الزمان السابق.

فالشكّ في المثال السابق ليس في أنّ الحكم المتحقّق سابقا قطعا،هل‏هو باق أم لا؟بل هو شكّ في أنّ حكما آخر-و هو وجوب الفعل في هذاالزمان الثاني-،هل حدث من أوّل الأمر مع الحكم السابق-و هو وجوب‏الفعل في الزمان الأوّل-أم لا؟و من هذا القبيل: ما إذا شكّ في أنّ صيغة الأمر على القول بإفادتهاللفور-أو عند إفادتها له بالقرينة-هل تدلّ على وجوب الفعل في ما بعدأوّل أزمنة الإمكان إذا لم يفعله فيه،أو لا؟فشكّ من أجل ذلك في الزمان‏اللاحق في وجوب الفعل و عدمه.

و منه: ما إذا شكّ في أنّ القضاء بالأمر الأوّل أو بفرض جديد،فافهم‏و اغتنم. [قوله‏]قدّس سرّه: «و أمّا في الإباحة و ما يستلزمها من الأحكام الوضعيّة،فلأنّ عدم اعتقاد إباحته يوجب عدم امتثال أمر اللّه،فإنّ الاعتقاد بما سنّنه‏واجب،واجبا كان أو مباحا أو غيرهما».

القول بحجية الاستصحاب إذا كان استمرار الحكم ثابتا من الشرع إلى غاية معيّنة دون غيره‏
(1)[أقول‏]: توضيحه: أنّ الدليل إذا دلّ على إباحة فعل إلى غاية معيّنةمن غير اشتراط بالعلم بالغاية،فلمّا كان هذا الحكم مستلزما لوجوب اعتقادإباحة ذلك الفعل إلى تلك الغاية،نظرا إلى الأدلّة الخارجيّة الدالّة على‏وجوب الاعتقاد بجميع ما شرّع اللّه لعباده على الوجه الّذي شرّع فيحدث‏هنا بالاستلزام تكليف طلبيّ وجوبيّ لا بدّ من امتثاله على وجه القطع‏
243
أو الظنّ.

فإذا شكّ في زمان وجود تلك الغاية،فلو لم يعتقد إباحة ذلك الفعل في‏هذا الوقت،لم يحصل القطع و لا الظنّ بامتثال التكليف الوجوبيّ المذكور،إذقد وجب عليه اعتقاد الإباحة إلى وجود الغاية،و حيث لا يعلم و لا يظنّ‏بوجود الغاية-كما هو المفروض-فلو لم يعتقد بعد إباحة ذلك الفعل لم يعلم‏و لم يظنّ أنّه اعتقد إباحته إلى وجود الغاية.

الإشكال في الدليل‏
أقول: و في هذا نظر،لأنّ القدر اللازم من وجوب الاعتقاد بما سنّنه‏الشارع هو وجوبه في زمان العلم أو الظنّ المعتبر بتحقّق ما سنّنه. و أمّا إذالم يعلم أو لم يظنّ بالظنّ المعتبر تحقّقه،فلا يجب الاعتقاد،لو لم نقل بأنّه‏لا يجوز،نظرا إلى الأدلّة الدالّة على وجوب التوقّف عند الشبهة المحمولة على‏لزوم التوقّف عن الحكم الواقعي،لئلا تنافي العمل بالأصول المثبتة للحكم‏الظاهريّ.

فإذا شككنا في وجود الغاية الّتي غيّا الشارع الإباحة بها،فنشكّ في‏ثبوت الإباحة في متن الواقع،فلا يجب الاعتقاد بإباحته حينئذ أيضا.

نعم،بعد ما دلّ دليل على بقاء إباحته ظاهرا يجب الاعتقاد بإباحته‏ظاهرا-لا واقعا-لكنّ المفروض أنّ الكلام بعد في هذا الدليل.

التحقيق في المسألة
و تحقيق الكلام في ذلك: أنّه إذا دلّ الدليل على إباحة شي‏ء إلى غايةمعيّنة فيحدث هناك أمران:

الأوّل: الحكم الشرعيّ الكلّي،و هو كون الشي‏ء مباحا إلى الغايةالمعيّنة،و هذا هو الّذي يجب الاعتقاد به،و وجوب الاعتقاد به ليس مغيابغاية،بل هو ثابت دائما و في جميع الأوقات،سواء لم يوجد زمان تحقّق‏الإباحة بعد أو وجد،و على تقدير وجوده: سواء قطع بعدم حدوث الغاية


244
المعيّنة،أو شكّ في حدوثها،أو قطع بحدوثها.

و الحاصل: أنّ المكلّف يجب عليه دائما الاعتقاد بالحكم المذكور على‏الوجه الّذي صدر من الشارع،فالغاية المعيّنة غاية للمعتقد،لا لوجوب‏الاعتقاد.

و الثاني: تنجّز هذا الحكم الكلّي و تحقّقه في الزمان الّذي حكم بوجوده‏فيه،و هو مجموع الأزمنة الّتي مبدؤها الزمان الّذي حكم الشارع بحدوثه فيه،و آخرها زمان حدوث الغاية.

و وجوب الاعتقاد بثبوت الحكم في كلّ جزء زمان من هذه الأزمنةيدور مدار اندراج هذا الجزء من الزمان تحت الزمان الّذي حكم الشارع-حكما كلّيا-بثبوت الإباحة فيه مثلا،و هو زمان عدم حدوث الغاية.

فإذا قطعنا بأنّ هذا الجزء من الزمان داخل في أزمنة عدم حدوث‏الغاية،فيلزم من الاعتقاد بذلك الحكم الكلّيّ الشرعيّ-و هو إباحة الشي‏ءما لم توجد الغاية-: الاعتقاد بأنّ الحكم المذكور متحقّق في هذا الزمان.

و إذا قطعنا بعدم اندراجه فيها فيلزم من ذلك الاعتقاد،الاعتقاد بعدم‏تحقّق الحكم المذكور فيه.

و إذا شككنا في اندراجه فيها من جهة الشكّ في حدوث الغاية،فلا يلزم الاعتقاد بتحقّق هذا الحكم فيه،و إن كنّا معتقدين في نفس هذاالزمان-أي زمان الشكّ في حدوث الغاية-بذلك الحكم الشرعيّ الكلّي،و هو إباحة الشي‏ء الفلاني ما لم توجد الغاية،بل في زمان القطع بحدوث‏الغاية أيضا نعتقد وجوبا بذلك الحكم الكلّي الشرعيّ،لما عرفت من أنّ‏وجوب الاعتقاد بالحكم الكلّي الشرعيّ ليس موقّتا بوقت،بل هو ثابت‏دائما.


245
فعلم من جميع ذلك: أنّ في زمان الشكّ في حدوث الغاية لا يجب‏الاعتقاد إلاّ بكون الشي‏ء مباحا إلى حدوث الغاية،و هذا الاعتقاد واجب‏أيضا عند القطع بحدوث الغاية. و أمّا الاعتقاد في زمان الشكّ بأنّ الإباحةمتحقّقة و منجّزة في هذا الزمان فليس بواجب.

بل يمكن أن يقال بعدم جوازه،نظرا إلى أنّ الدليل المذكور كما أنّه‏يدلّ على إباحة الشي‏ء الفلاني إلى حدوث الغاية،فكذلك يدلّ-بالالتزام-على عدم إباحته بعد حدوثها،و إلاّ لم يكن غاية و مزيلة للحكم.

فكما يجب الاعتقاد بإباحة الشي‏ء عند عدم حدوث الغاية،فكذلك‏يجب الاعتقاد بعدم إباحته عند حدوثها،ففي زمان الشكّ في حدوث الغايةلا يكون الحكم بوجوب اعتقاد إباحة الشي‏ء فيه أرجح من الحكم بوجوب‏اعتقاد عدم إباحته فيه،لأنّ احتمال اندراج هذا الزمان تحت أزمنة عدم‏حدوث الغاية-الّتي يجب الاعتقاد بإباحة الشي‏ء فيها-،و احتمال اندراجه‏تحت أزمنة حدوثها-الّتي يجب الاعتقاد بعدم إباحته فيها-متساويان‏بالفرض.

هذا كلّه حال الاعتقاد بالإباحة الواقعية في زمان الشك في حدوث‏الغاية،و أما وجوب الاعتقاد بالإباحة الظاهريّة فلا يخفى أنّه إنّما هو بعدثبوتها،و المفروض أنّ المستدلّ الآن في صدد الاستدلال على ثبوتها،فافهم‏و اغتنم،و تدبّر و استقم.

توجيه المصنف للدليل‏
[قوله‏]قدّس سرّه: «و لعلّ نظره(1) إلى أنّ اشتغال الذمّة مستصحب،و شغل‏الذمّة اليقينيّ مستدع لحصول البراءة اليقينيّة بالإجماع كما ادّعاه،... إلخ».
(1)الظاهر أنّ مراده: المحقّق الخوانساري قدّس سرّه.

246
دعوى أن هذا الدليل أخصّ من المدّعى‏
(1)[أقول‏]: لا يقال: إنّ هذا الدليل أخصّ من المدّعى،نظرا إلى أنّ‏المدّعى هو إثبات وجوب الحكم ببقاء التكليف في كلّ ما ثبت من الشارع‏حكم إلى غاية ثمّ شكّ في وجود تلك الغاية،و قد يكون تقييده بالغاية بحيث‏نعلم أنّ بعد حدوث الغاية يتبدّل الوجوب السابق بالتحريم أوالتحريم السابق بالوجوب،و من المعلوم حينئذ أنّه عند الشكّ في وجودالغاية يدور الأمر بين الوجوب و التحريم،فكيف يتأتّى إجراء قاعدةالاشتغال؟مثلا إذا أوجب الشارع فعلا إلى غاية معيّنة نعلم أنّه بعد حدوث‏الغاية يصير حراما،فكما أنّ الذمّة مشغولة بفعله في زمان عدم حدوث الغايةو يجب تحصيل البراءة اليقينيّة عنه،فكذلك الذمّة مشغولة بتركه في زمان‏حدوثها،و لا بدّ من تحصيل البراءة اليقينيّة عنه،فلا وجه لترجيح الوجوب في‏زمان الشكّ،اللّهم إلاّ باستصحاب ثبوته،لكنّه غير هذا الدليل،بل هو دليل‏آخر للمحقّق. و كذا التمسّك باستصحاب عدم حدوث الغاية.
الجواب عن ذلك‏
لأنّا نقول: كأنّك غافل عن فرض المستدلّ!فاعلم: أنّ فرض المستدلّ-الّذي يجري فيه الحكم ببقاء التكليف عند الشكّ في وجود غايته المعيّنة-هوما إذا ثبت أنّ ثبوت ذلك التكليف و استمراره إلى الغاية المذكورة ليس‏مشروطا بالعلم بتلك الغاية،بحيث لو ترك الامتثال في جزء من الزمان لايعلم بوجود الغاية و عدمها فيه،و اتّفق في الواقع عدم حدوث الغاية بعد،فيعاقب هذا الشخص،نظرا إلى كونه مكلّفا بالتكليف المذكور ما لم يحدث‏الغاية في الواقع،علم بعدم حدوثها أو لم يعلم.
تصوّر أربعة صور في تحديد التكليف بغاية
إذا عرفت هذا،فنقول: إنّ الفرض الّذي فرضته-من كون التكليف‏مغيا بغاية،بحيث نعلم أنّ بعد حدوث الغاية يتبدّل ذلك التكليف بخلافه،
247
فإن كان وجوبا فبالحرمة و إن كانت الحرمة فبالوجوب،-لا يخلو:
الصورة الأولى‏
إمّا أن‏يكون التكليفان كلاهما غير مشروطين بالعلم،بأن كلّف الشخص بإتيان‏الفعل الفلاني ما لم يحدث الغاية الفلانيّة و إن لم يعلم بعدم حدوثها،بحيث‏لو ترك الامتثال في زمان لا يقطع بحدوث الغاية و لم تحدث الغاية في الواقع‏يكون(1) معاقبا،و كلّف أيضا بترك ذلك الفعل عند حدوث الغاية كذلك،-أي‏غير مشروط بالعلم بحدوثه-بحيث لو ترك امتثال هذا التكليف التركيّ في‏زمان لا يقطع بحدوث الغاية و عدمه و اتّفق حدوثها فيه يكون(2) معاقبا.
الصورة الثانية
و إمّا أن يكون التكليف الأوّل فقط كذلك-أي غير مشروط بالعلم-و لا يكون التكليف الثاني كذلك،بمعنى أنّه لم يقم دليل على أنّه لو ترك‏امتثاله في زمان لا يعلم بحدوث الغاية و عدمه فيه و اتّفق حدوثها فيه‏يكون(3) معاقبا،بل القدر الثابت هو وجوب الامتثال إذا علم بحدوث الغايةلا إذا حدثت في الواقع.
الصورة الثالثة و الرابعة
و إمّا أن يكون الأمر بالعكس.

و إمّا أن لا يكون واحد من التكليفين مشروطا بالعلم،بأن يكون القدرالثابت من الأوّل هو وجوب الفعل عند العلم بعدم حدوث الغاية،و من‏الثاني وجوب الترك عند العلم بحدوثها.

خروج الصورتين الأخيرتين عن محل النزاع‏
أمّا الشقّان الأخيران فخارجان عن محلّ كلام المستدلّ،لأنّ المفروض‏عدم ثبوت كون التكليف المغيا بالغاية فيهما غير مشروط بالعلم،بل‏الشخص مخيّر في زمان الشكّ في الغاية بين الفعل و الترك على الشقّ الأخيرمنهما،و يجب عليه امتثال التكليف الثاني على الشقّ الأوّل منهما،لأنّ‏
(1)في الأصل: فيكون. و الظاهر أنّ الصحيح ما أثبتناه.
(2)في الأصل: فيكون. و الظاهر أنّ الصحيح ما أثبتناه.
(3)في الأصل: فيكون. و الظاهر أنّ الصحيح ما أثبتناه.

248
المفروض أنّه غير مشروط بالعلم دون التكليف الأوّل.
حكم الصورة الأولى‏
و أمّا الشقّ الأوّل فالتكليف بمثله لا يصحّ عن الحكيم،لأنّه إلقاء في‏العقاب،لعدم التمكّن من التحفّظ عنه.

مثلا: إذا شكّ في زمان في حدوث الغاية و عدمها فلا يتمكّن من‏التحفّظ عن مخالفة التكليفين،إذ لو أتى بالفعل فلعلّ الغاية قد حدثت في‏الواقع فيعاقب على الفعل،و لو ترك الفعل فلعلّ الغاية لم تحدث فيعاقب على‏الترك.

انحصار الفرض في الصورة الثانية
فلم يبق إلاّ أن يكون فرض كلام المستدلّ منحصرا في الشقّ الثاني.

و لا يخفى أنّ حكمه فيه بوجوب امتثال التكليف عند الشكّ في وجودالغاية جيّد;لأنّ الفرض هو أنّ هذا التكليف غير مشروط بالعلم،فيجب‏عليه الامتثال ما دام يحتمل عدم حدوث الغاية،تحصيلا للقطع بالبراءة.

و أمّا احتمال كون زمان الشكّ في وجود الغاية من أزمنة وجودها في‏الواقع فلا يقدح،نظرا إلى أنّ المفروض أنّ التكليف الثابت في حال حدوث‏الغاية-المخالف للتكليف الأوّل-لم يثبت كونه غير مشروط بالعلم،بل قدعرفت أنّه لا يجوز كونه غير مشروط بعد كون التكليف الأوّل غيرمشروط.

مثلا: إذا ثبت وجوب شي‏ء إلى غاية و نعلم بحرمته بعد حدوث الغاية،و المفروض أنّ التكليف الوجوبيّ غير مشروط بالعلم بخلاف التكليف‏التحريمي،فعند الشكّ في وجود الغاية يجب امتثال التكليف الوجوبيّ تحصيلاللقطع بامتثاله،و إن احتمل أن تكون الغاية قد حدثت في الواقع،لأنّ مجرّدحدوثها في الواقع مع عدم علم المكلّف لا يكفي في التحريم،لأنّ المفروض أنّ‏هذا التحريم لم يثبت كونه غير مشروط بالعلم.


249
خلاصة الكلام في تحديد الحكم بغاية
فظهر من جميع ذلك: أنّه إذا ثبت حكم إلى غاية و علمنا بأنّ بعدحدوث الغاية يحدث حكم مخالف للأوّل بحيث لا يمكن اجتماع امتثالهما-كأن‏يكون الأوّل الوجوب و الثاني الحرمة أو بالعكس-فكلام المستدلّ إنّما هو في‏فرض واحد من الفروض المتصوّرة فيه،و هو أن يكون التكليف الأوّل غيرمشروط بالعلم دون الثاني،و في هذا الفرض ليس الاحتياط ممتنعا،فانحصرمدّعى هذا المستدلّ في صورة إمكان الاحتياط،فيكون دليله-أعني حكم‏العقل بالاشتغال-مساويا لمدّعاه،لا أخصّ.

و أمّا إذا ثبت حكم إلى غاية و نعلم أنّ بعد حدوثها يحدث تكليف‏لا يمتنع اجتماعه مع الحكم الأوّل في الامتثال-كأن يكون الأوّل الوجوب‏و الثاني الاستحباب أو الإباحة-فيجري ادّعاء المستدلّ من وجوب‏الاحتياط بحكم العقل في جميع الفروض الأربعة السابقة المتصوّرة فيه،لإمكانها و إمكان الاحتياط في جميعها،فتأمّل.

ما أورده السيد الصدر،و بيانه‏
[قوله‏]قدّس سرّه: «و لا(1) يرد عليه ما قيل: إنّ هذا جار،... إلخ». (1)[أقول‏]: هذا المورد القائل هو السيّد صدر الدّين في شرح الوافية،حيث قال: «إنّ هذا الدليل جار في ما إذا ثبت تحقّق حكم في الواقع مع‏الشكّ في تحقّقه بعد انقضاء زمان لا بدّ للتحقّق منه،و هذا هو الّذي أجرى‏القوم الاستصحاب فيه.

بيانه: أنّا كما نجزم في الصورة الّتي فرضها المستدلّ بتحقّق الحكم في‏قطعة من الزمان و نشكّ حين القطع في تحقّقه في زمان يكون حدوث الغايةفيه و عدم حدوثها متساويين،كذلك نجزم بتحقّق الحكم في زمان لا يمكن‏

(1)في المصدر: فلا.

250
تحقّقه إلاّ فيه،و نشكّ أيضا حين القطع في تحقّقه في زمان متّصل بذلك الزمان،لاحتمال وجود رافع لجزء من أجزاء علّة الوجود.

و كما أنّ في صورة الشكّ في الصورة الأولى يكون الدليل محتملا لأن‏يراد منه وجود الحكم في الزمان الّذي يشكّ في وجود الحكم فيه،و أن يرادمنه عدم وجوده فيه،كذلك حال الدليل في الصورة الّتي فرضناها.

و على هذا نقول أيضا: لو لم يمتثل التكليف المذكور لم يحصل الظنّ‏بالامتثال و الخروج عن العهدة،و لو امتثل لحصل القطع به،لأنّ في زمان‏الشكّ إن كان الواقع وجود الحكم فقد فعلنا ما كان علينا،و إن كان الواقع‏عدمه فقد خرجنا بما فعلنا في زمان القطع من العهدة»(1) انتهى كلامه‏رفع مقامه.

القول الفصل في المسألة
أقول-و باللَّه ثقتي-: إنّ القول الفصل الّذي ليس بالهزل في هذا المقام،هو أن يقال: إنّه إذا تحقّق حكم-كوجوب الصوم في أيّام-فامتثلنا الحكم‏المذكور في مدّة،ثمّ شككنا في بقاء الحكم بعدها،بأن قطعنا بأنّ الصوم‏الواجب لا ينقص عن ثلاثة أيّام،فصمنا أيّاما ثلاثة،و شككنا في أنّ الصوم‏هل يجب أزيد من ذلك،فلا يخلو الأمر من أنّه:
فرض كون الزائد واجبا مستقلاّ
إمّا أن يكون الصوم الزائدالّذي شكّ في وجوبه يكون-على تقدير وجوبه-واجبا مستقلاّ لا ارتباط له‏بالصوم السابق،فيرجع الشكّ حينئذ إلى ثبوت واجب آخر في الذمّة مع‏القطع بارتفاع الوجوب السابق،من جهة حصول الامتثال به و البراءة عنه.
فرض كون المشكوك وجوبه مع ما قبله تكليفا واحدا
و إمّا أن يكون الصوم الزائد المشكوك في وجوبه-على تقدير وجوبه-يكون جزء من الواجب السابق و مرتبطا به بأن يكون التكليف-على تقرير
(1)شرح الوافية(مخطوط): 119،مع تفاوت.

251
وجوبه-تكليفا واحدا متعلّقا بصوم مجموع الأيّام. و بعبارة أخرى: شكّ في‏أنّ ما أتى به من الصوم في الثلاثة تمام الواجب أو جزؤه.
حكم الفرض الأوّل‏
فان كان على الوجه الأوّل،فالظاهر أنّه لا يحكم بوجوب إتيان‏الزائد أعني الصوم في أيّام اخر،نظرا إلى القطع بارتفاع تكليف بالامتثال به‏و كون الشكّ في تكليف آخر،و لا فرق في ذلك بين كون الشكّ المذكور ناشئاعن كون وجوب الصوم مغيا إلى غاية و شكّ في حدوثها-كما هو فرض‏المستدلّ-بأن قال المولى: صم إلى دخول زيد في البلد،و نعلم أنّ صوم كلّ‏واحد من الأيّام تكليف مستقلّ لا ربط له بالآخر،فشككنا في زمان في‏دخول زيد.

و بين كون الشك المذكور ناشئا عن إجمال دلالة الدليل،بأن ورد الأمربالجلوس في الجملة و لا ندري أنّه إلى هذا الزمان أو إلى ما بعده أيضا،كماهو المفروض في استصحاب القوم.

إشكال و جواب‏
فإن قلت: إذا قال المولى: صم إلى كذا،و شكّ في زمان في حدوث‏ذلك،و المفروض أنّ التكليف أيضا غير مشروط بالعلم-بمعنى أنّه لو ترك‏الصوم و لم يحدث الغاية في الواقع لاستحقّ العقاب-فلا وجه للتأمّل في حكم‏العقل بوجوب الصوم حين هذا الشكّ،و إن كان هذا التكليف المستمرّ إلى كذاتكليفات متعدّدة.

قلت: لو سلّمنا ذلك،فنقول: إنّ العقل لا يحكم حينئذ بعدم حصول‏الامتثال في السابق و بقاء التكليف السابق،كما هو مطلب المستدلّ-حيث إنّه‏يريد إثبات لزوم استصحاب التكليف السابق بحكم العقل-لأنّ المفروض إذاكان تعدّد التكاليف فيرتفع التكليف السابق و يشكّ في ثبوت آخر.

و لو سلّمنا حكم العقل بثبوت تكليف آخر،نظرا إلى إلزامه هذا


252
الاحتياط،فليس هذا إبقاء للتكليف السابق،للقطع بارتفاع ما كان موجوداسابقا بالامتثال،بل هذا إثبات للتكليف بدليل العقل.
الحاصل: عدم كون هذا المورد موردا للاستصحاب‏
و الحاصل: أنّ هذا المورد ليس موردا للاستصحاب،و الكلام فيه‏لا في غيره.

فإن قلت: إنّ هذا الدليل منه دليل آخر غير الاستصحاب،و دليله‏الثاني هو الاستصحاب.

قلت: نعم،و لكن كلا الدّليلين استدلّ بهما على إبقاء التكليف،فموردهمامورد الاستصحاب.

حكم الفرض الثاني‏
و إن كان على الوجه الثاني،بأن يكون الصوم الزائد المشكوك في‏وجوبه-على تقدير وجوبه في متن الواقع-جزء من المكلّف به و مرتبطابالصوم السابق،بحيث كان المجموع من حيث المجموع تكليفا واحدا،
التحقيق في هذا الفرض‏
فالتحقيق حينئذ هو لزوم الحكم بوجوب الزائد و استصحاب التكليف،سواءكان في فرض المستدلّ-و هو ما إذا كان الوجوب مغيا بغاية و نشأ الشكّ في‏وجوب الزائد من الشكّ في حدوث الغاية-أو كان في فرض القوم،بأن كان‏دلالة الدليل على وجوب الزائد مشكوكا فيها و حصل الشك في وجوب‏الزائد من إجمال ذلك الدليل.

و الوجه في ذلك: رجوع هذا الوجه في الفرضين إلى الشكّ في المكلّف‏به مع القطع بالتكليف و عدم ثبوت القدر اليقينيّ في البين.

الإشكال في المسألة بوجود القدر المتيقن و دفع الزائد بالأصل،و الجواب عنه‏
فإن قلت: القدر المتيقّن في فرض القوم موجود،و هو المقدار الّذي بيّن‏دلالة الدليل و تحقّقت بالنسبة إليه-و هو صوم ثلاثة أيّام-و الباقي مشكوك،فيدفع بالأصل.

قلت: ليس القدر المتيقّن موجودا،إذ صوم الثلاثة واجب أصليّ على‏


253
تقدير عدم وجوب الزائد،و تبعيّ على تقدير وجوبه،لأنّه حينئذ يصير جزءالواجب فيجب من باب المقدّمة،لا أصالة.

و المراد بالقدر المتيقّن الّذي يجري في ما سواه-من المشكوك-الأصل،هو الّذي تيقّن الامتثال به و سقوط تكليف و استحقاق به،و بعبارة أخرى: يقطع بكون إتيانه رافعا لتكليف،فيشكّ في تكليف‏زائد على ذلك المرفوع.

و في ما نحن فيه لا يعلم بسقوط التكليف بالصوم ثلاثة،على كلّ‏تقدير،إذ على تقدير وجوب الزائد فلا ينفع صوم الثلاثة فقط شيئا.

نعم هو القدر المتيقّن،بمعنى أنّه نقطع بأنّه تعلّق به وجوب مجمل مردّدبين الأصليّ و التبعيّ المقدّمي،بحيث نقطع أنّ بالإتيان به حصل واجب مردّدبين الواجبين و سقط وجوب مردّد بين الوجوبين.

لكن لا يخفى: أنّ هذا لا ينفع في سقوط التكليف المستقلّ علم بتحقّقه‏و وجب التخلّص عنه و إبراء الذمّة منه بحكم العقل و الإجماع و الكتاب-أعني‏الآيات الدالّة على وجوب الإطاعة الّتي لا تتحقق إلاّ بالعلم بكون المأتيّ به‏هو الّذي طلبه و أمر به المولى-و السنّة،أعني الأخبار الدالّة على عدم جوازنقض اليقين بغيره.

تقرير آخر للإشكال بوجوه،و الجواب عنها
إن أريد بالأصل: أصالة عدم الدليل‏
و بتقرير آخر: قولك: : «و الزائد مشكوك فيدفع بالأصل»إن أريد من‏الأصل أصالة عدم الدليل،فلا شكّ أنّ الشكّ في ما نحن فيه ليس في وجودالدليل،بل في مقدار المدلول بعد القطع بوجود الدليل.
أن يكون المراد بالأصل: أصالة البراءة
و إن أريد أصالة البراءة فإن أريد استصحابها،فلا شكّ أنّ وجوب‏الزائد-لكونه مقدّميّا-ليس أمرا حادثا بحدوث زائد على وجوب ذيها.

و لا حاجة أيضا إلى ملاحظة الشارع له بالاستقلال،و لا جعل له كذلك،بل‏


254
الملاحظ المجعول هو أمر واحد. و الصادر طلب واحد مردّد بين تعلّقه بهذاالناقص أو بهذا الزائد،فالزيادة و التعدّد و الكثرة في أجزاء الواجب،لا في‏الوجوب و لا في الجعل و لا في الملاحظة.
أن يكون المراد بالأصل: القاعدة المستفادة من الأخبار
و إن أريد القاعدة المستفادة من الأخبار الدالّة على البراءة ما لم يعلم‏التكليف،ففيه:

أوّلا: أنّ التكليف معلوم و لو إجمالا،و العلم الإجمالي كاف،و إلاّ لم يجب‏تحصيل العلم التفصيليّ على أحد،إذ هو بعد تحقّق التكليف بالمعلوم-لأنّه‏مقدّمة له-فلو لم يكف العلم الإجمالي لم يحدث التكليف بالشي‏ء إلاّ بعد العلم‏التفصيليّ،فلم يكن تحصيله واجبا،لكونه شرط الوجوب لا الواجب.

أن يكون المراد بالأصل: القاعدة المستفادة من العقل‏
و إن أريد القاعدة المستفادة من العقل،فإن كان من جهة حكم العقل‏بقبح التكليف بما لم يعلم،ففيه،أنّ قبحه مع عدم العلم رأسا،لا مع وجودالإجمالي و عدم التفصيليّ.

و إن كان من جهة حكمه بقبح التكليف بالمجمل،ففيه أوّلا: اختصاصه‏بالمجمل الذاتيّ،و الإجمال في المقام عرضيّ على الظاهر أو المحتمل،و هويكفينا في عدم جواز الحكم بالقبح.

و ثانيا: أنّه إذا لم يمكن الإتيان بما يقطع معه بإتيان ذلك المجمل.

هذا كلّه،مضافا إلى أنّ غالب ما أوردت وارد في فرض استصحاب‏المحقّق،فما هو الجواب فهو الجواب.

فإن قلت: إنّ المفروض في استصحاب المحقّق هو ثبوت الدليل على‏أنّ التكليف غير مشروط بالعلم،و مع مثل هذا الدليل لا يقبّح العقل هذاالتكليف،لأنّ ذلك بمنزلة التصريح ب«أنّي أريد منك هذا المجمل بوصف أنّه‏مجمل»و الّذي يحكم العقل به هو قبح التكليف بشي‏ء غير معلوم تفصيلا


255
و لم يدلّ دليل على كونه مطلوبا بوصف الإجمال أيضا.
ما فرض في استصحاب المحقق هو المفروض في استصحاب القوم أيضا
قلت: نحن نفرض في استصحاب القوم أيضا وصول مثل هذا الدليل،مضافا إلى ما سيجي‏ء من أنّه لا يجب وجود الدليل على ذلك،بل نفس‏الدليل الدالّ على أصل التكليف بالنسبة إلى المشافهين كاف في وجوب‏الامتثال و لو جهل تفصيلا.
371
فهرس مصادر التحقيق‏

الإحكام في أصول الأحكام،لسيف الدين أبي الحسن علي بن أبي علي بن‏محمد الآمدي. ط-دار الكتب العلمية-بيروت،سنة 1405 ه-1985 م. غ

بحار الأنوار،للعلاّمة محمد باقر بن محمد تقي المجلسي،المتوفى سنة 1111 ه. ط-دار الكتب الإسلامية بطهران. غ

تمهيد القواعد،للفقيه الأكبر الشهيد السعيد أبي عبد اللَّه محمد بن مكي‏العاملي المستشهد سنة 786 ه. طبع في آخر كتاب الذكرى طباعة حجرية من‏منشورات مكتبة بصيرتي. غ

تهذيب الأحكام في شرح المقنعة،لشيخ الطائفة جعفر بن محمّد بن الحسن‏الطوسي،المتوفى سنة 460 ه. ط-دار الكتب الإسلامية بطهران،الطبعة الرابعة1365 ه. ش. غ


372

جامع الشواهد،للمولى محمد باقر الشريف. ط-مطبعة أمير-قم،سنة1312 ه،نشر مكتبة فيروزآبادي-قم. غ

الحبل المتين،للشيخ بهاء الدين محمد بن الحسين بن عبد الصمد الحارثي‏العاملي. ط-انتشارات بصيرتي-قم. غ

الخصال،[كتاب الخصال‏]للشيخ الصدوق ابن بابويه القمي،المتوفى سنة381 ه. ط-مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم،سنة 1403 ه. غ

ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد،للعلامة المولى محمد باقر بن محمد مؤمن‏السبزواري،المتوفى سنة 1090 ه. (الطبعة الحجرية)ط-مؤسسة آل البيت عليهم السلام‏لإحياء التراث. غ

الذريعة إلى أصول الشريعة،لعلم الهدى أبي القاسم علي بن الحسين‏الموسوي المعروف بالسيد المرتضى،المتوفى سنة 436 ه. ط-انتشارات جامعةطهران،سنة 1363 ه ش. غ

ذكرى الشيعة،للشهيد السعيد محمد بن مكي العاملي،المستشهد سنة 786ه. (الطبعة الحجرية). غ

رسائل الشريف المرتضى،لعلم الهدى أبي القاسم علي بن موسى الشريف‏المرتضى،المتوفى سنة 436 ه. ط-دار القرآن الكريم بقم،سنة 1405 ه. غ


373

الرسالة الاستصحابية،نسخة مخطوطة بمكتبة گوهر شاد،الرقم 1543. غ

شرح الكافية،للشيخ رضي الدين محمد بن الحسن الأسترآبادي النحوي‏المتوفى سنة 686 ه. ط-دار الكتب العلمية-بيروت سنة 1399 ه 1979 م. غ

شرح مختصر الأصول،أصله للحاجبي،و شرحه للقاضي عضد الدين،طبع‏إسلامبول،سنة 1307 و 1310 ه. غ

شرح الوافية،للسيد صدر الدين محمد بن مير محمد باقر،الرضوي القمي‏الهمداني الغروي،المتوفى حدود سنة 1160 ه. من مخطوطات مكتبة آية اللَّه‏المرعشي بقم،تحت الرقم 2656. غ

الصحاح،لإسماعيل بن حماد الجوهري. ط-دار العلم للملايين-بيروت،سنة 1407 ه 1987 م. غ

عدّة الأصول،لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي. (الطبعةالحجرية)المطبوعة في طهران. غ

علل الشرائع،لأبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي،المعروف بالشيخ الصدوق،المتوفى سنة 381 ه. ط-المكتبة الحيدرية بالنجف،سنة 1358 ه. غ


374

عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام،للمولى أحمد النراقي،المتوفى سنة1254 ه. ط-مكتبة بصيرتي بقم،سنة 1408 ه. غ

عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينيّة،للشيخ المحقق محمّد بن علي‏ابن إبراهيم الأحسائي،المعروف بابن أبي الجمهور. ط-مطبعة سيد الشهداء بقم،الطبعة الأولى،سنة 1403 ه. غ

الفصول الغروية في الأصول الفقهية،للشيخ محمد حسين بن‏عبد الرحيم الطهراني الأصفهاني الحائري،المتوفى سنة 1250 ه. (الطبعةالحجرية)سنة 1404 ه. غ

الفصول المهمّة في أصول الأئمّة،لشيخ المحدثين الإمام الكبير محمد بن‏الحسن الحر العاملي،صاحب كتاب رسائل الشيعة،المتوفى سنة 1104 ه. ط-مكتبة بصيرتي-قم،الطبعة الثالثة. غ

القاموس المحيط،لمجد الدين محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمرالشيرازي الفيروزآبادي،المتوفى سنة 817 ه. ط-دار المعرفة-بيروت. غ

القواعد و الفوائد،لأبي عبد اللَّه محمد بن مكي العاملي،المعروف بالشهيدالأوّل،المستشهد سنة 786 ه. ط-مكتبة المفيد بقم. غ

قوانين الأصول،للمحقق الميرزا أبي القاسم القمي،المتوفى سنة 1231 ه. غ


375

و قد اعتمدنا فيه على طبعتين حجريتين: الأولى مستنسخة سنة 1280 ه من‏مكتبة آية اللَّه السيد محسن الجلالي قدس سره،و الأخرى مستنسخة سنة 1287 ه.

من كتب حجة الإسلام و المسلمين السيد يحيى الأراكي. غ الفوائد المدنية،للمولى محمد أمين الأسترآبادي من أعلام القرن العاشر.

ط-دار النشر لأهل البيت عليهم السلام،سنة 1405. غ

الكافي،لثقة الإسلام أبي جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني‏الرازي،المتوفى سنة 328-329 ه. ط-دار الكتب الإسلامية،الطبعة الثالثة،سنة 1388 ه. غ

كنز الفوائد،لأبي الفتح الشيخ محمد بن علي بن عثمان الكراجكي‏الطرابلسي،المتوفى سنة 449 ه. ط-دار الأضواء-بيروت،سنة 1405 ه. غ

كنز العمّال في سنن الأقوال و الأفعال،لعلاء الدين علي بن حسام الدين‏المتقي الهندي،المتوفى سنة 975 ه. ط-مؤسسة الرسالة-بيروت،سنة 1409 ه. غ

مجمع البحرين،للشيخ فخر الدين الطريحي،المتوفى سنة 1085 ه. ط-المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية سنة 1365 ه. ش. غ

مبادئ الوصول إلى علم الأصول،للعلاّمة جمال الدين أبي منصور حسن‏بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي،المتوفى 726 ه. نشر مكتب الاعلام الإسلامي،الطبعة الثالثة سنة 1404 ه. غ


376

محيط المحيط،قاموس مطوّل للّغة العربية،للمعلم بطرس البستاني ط-مكتبة لبنان-بيروت،سنة 1977 م. غ

مستدرك الوسائل،للميرزا حسين النوري الطبرسي،المتوفى سنة1320 ه. ط-مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث-قم،الطبعة الأولى‏1407 ه. غ

المستصفى من علم الأصول،لأبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي‏ط-مصطفى محمد بمصر،سنة 1356 ه-1937 م. غ

مشارق الشموس في شرح الدروس،للمحقق المدقق العلامة حسين بن‏جمال الدين محمد الخوانساري،المتوفى سنة 1099 ه. (الطبعة الحجرية)ط-مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث. غ

معارج الأصول،للمحقق نجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسين بن يحيى‏بن سعيد الهذلي(صاحب الشرائع)،المتوفى سنة 676 ه. ط-مؤسسة آل البيت‏عليهم السلام لإحياء التراث،سنة 1403. غ

المعتبر في شرح المختصر،لنجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن(المحقق الحلي).

ط-مؤسسة سيد الشهداء عليه السلام بقم،سنة 1364 ه. ش. غ


377

مفاتيح الأصول،للسيد محمد الطباطبائي المجاهد،المتوفى سنة 1242ه. ط-مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث. غ

ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار،تأليف العلامة الشيخ محمد باقرالمجلسي،المتوفى سنة 1111 ه. ط-مكتبة آية اللَّه المرعشي بقم،سنة 1410. غ

مناهج الأحكام و الأصول،للمولى أحمد بن المولى محمد مهدي النراقي،المتوفى سنة 1244 ه. طبع طهران. غ

منتهى المطلب،للعلامة جمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن علي المطهرالحلي. (الطبعة الحجرية). غ

الوافي،للمولى محمّد محسن الفيض الكاشاني،المتوفّى سنة 1091 ه. ط-مكتبة آية اللّه المرعشي بقم،سنة 1404 ه. غ

الوافية في أصول الفقه،للمولى عبد اللَّه بن محمد البشروي الخراسانيّ‏المعروف بالفاضل التوني،المتوفى سنة 1071 ه. ط-مجمع الفكر الإسلامي سنة1412. غ

وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة،للشيخ محمد بن الحسن الحرّالعاملي،المتوفى سنة 1104 ه. ط-دار الإحياء التراث العربي-بيروت،الطبعةالرابعة،سنة 1391 ه. غ

فهرست آيات
(وَ أنْ تَقولوا عَلى اللّهِ ما لا تَعْلَمون)113
(أمْ تَقُولونَ عَلى اللّهِ‏مَا لا تَعْلَمون)113
(وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ‏عِلْم)113
(وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ‏الأقاوِيلِ لأخَذْنا مِنْهُ بِاليمين ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الوَتين)113
(إنْ هُم إلاّ يَظُنُّون)114
(إنَّ الظَّنَّ لا يُغْني مِنَ الحَقِ‏شَيْئاً)114
(السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ. ). 155
(أوْ أجِدُ عَلى النَّارِ هُدىً)155
(إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْر)156
(إنَّ اللّهَ يُحِبُّ المُحْسِنين)156
(لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخور)158
(لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ‏فَخور)159
(إنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أخْفى)165
(وَ إنْ يُكَذِّبُوكَ‏فَقَدْ كذّبَت. ). 165
(إنْ يَسْرِقْ فَقَد سَرَقَ أخٌ لَهُ مِنْ قَبْل)165
(بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفسِهِ بَصيرَة)166
(لا تَقْرَبوا الصلاةوَ أنْتُمْ سُكارى‏ حَتّى تَعْلَموا ما تَقولونَ وَ لا جنبا إلاّ عابري سبيل)218