فهرست عناوين فهرست آيات
غاية المأمول في علم الأصول

حسن بن الشيخ جعفر

فهرست عناوين
وفيه مباحث المبحث الأول0
     المبحث الثاني في حكم علة الوضع وفائدته في الموضوع له0
المبحث الثالث في طريق العلم به3
في تقسيمات الألفاظ الموضوعة وفيه أبحاث6
     البحث الأول في تقسيم اللفظ من جهة أصل الدلالة6
     البحث الثاني في استقلاله وعدم استقلاله8
     البحث الثالث اللفظ8
في تفصيل الأقسام وذكر أشياء لابد للمجتهد منه معرفتها وفيه مباحث9
المبحث الأول (في المشتق) وفيه مطالب9
     المطلب الأول: (في معرفته وحكمته) 9
     المطلب الثاني: (في شرائط صدقه) 10
     الصورة الأولى: ارتباط التأثير فقط 10
     الصورة الثانية: إن مجرد الحلول في الشيء أصل يكفي في الصدق 11
المطلب الثالث (في مدلوله في نفسه مع قطع النظر عن صدقه) وفيه مقامات11
     المقام الأول: (في أنه لا يدل على وجود التجدد) 11
     المقام الثاني: (في أنه لا يدل على زمان ولا وحدة ولا تكثر) 12
     المقام الثالث: (في شرائط الصدق ) 12
حجة الأول وجوه:13
حجة القول الثاني وجوه:13
     الوجه الأول:13
     الوجه الثاني لهم:13
     الوجه الثالث:13
المبحث الثاني في المترادفات15
المبحث الثالث في المشترك16
      وفيه مباحث الأول: (في وقوعه)16
اعلم أن المشترك لا يخلو عن وجوه:17
المبحث الرابع 23
     الوجه الأول: (في صحته) 24
     الوجه الثاني: (في وجهة انه على الحقيقة أو لا) 25
     المقام الثاني: في وقوعه على الإهمال 31
     المقام الثالث: في الوقوع في القرآن 31
البحث في مراتبها 45
المبحث الخامس فيما يراد من الصيغة وما تدل عليه بنفسها مع الضميمة وفيه مطالب47
     المطلب الأول: في تعداد معانيها وجهة استعمالها في غير الطلب47
     المطلب الثاني: في تحقيق ما حقيقة فيه:47
حجة القائلين بالندب وجوه60
     الوجه الثاني: حجة القول بالاشتراك لفظاً 61
      الوجه الثالث: حجة القول بالطلب أمور62
     إن الأمر هل يقتضي الفور أو التراخي أو لا65
بقي الكلام في تعين المفهوم88
في تفسير بعض الحروف92
المقصد الأول في الواو العاطفة وقد اختلف في معناها على أقوال:92
المبحث الأول: في الحكم الشرعي 101
المبحث الثاني في الخطاب وفيه مطالب103
     المطلب الأول: في مظان الخطاب 103
     المطلب الثاني: في أقسام الخطاب 104
مسألة في شمول الأمر للأمر وعدمه105
     في تعاقب الأوامر106
حجة الآخرين أمور108
في مباحث الوجوب109
      الأول: في الوجوب التخييري109
حجة القول بالمبهم أمران112
حجة القول بالتعين عند الله فقط وجوه113
تنبيهات115
في الواجب الموسع116
المقام الرابع: حجة القول باختصاص أخر الوقت122
فائدة للمرتضى123
أما حججهم على إثبات الدعوى فأمور:124
فائدتان125
      الفائدة الأولى125
      الفائدة الثانية125
تذنيب126
تنبيهات129
في مقدمة الواجب المطلق131
     المقام الأول: في تحقيق معنى المقدمة وبيان المراد منها 131
     المقام الثاني: في تحقيق الوجوب المطلق المأخوذ في ذي المقدمة 132
     المقام الثالث: في تحقيق المراد من الوجوب فيها 134
     المقام الرابع: في تحقيق الاقتضاء 135
     الوجه الأول: المشروط ينتفي بانتفاء شرطه 137
     الوجه الثاني في الاحتجاح لهم: إن العقل يحكم بوجوب المقدمة 140
الوجه الثالث في الحجج:141
     المسألة الأولى حجة القول بالسبب دون غيره142
     المسألة الثانية حجة القول بالعدم مطلقاً أمران144
فوائد144
     الفائدة الأولى:144
     المسألة الثالثة الأحكام الواقعية والأصل في الطهارة مقطوع بالعلم145
      الفائدة الثانية:146
     الفائدة الثالثة:148
      الفائدة الرابعة: تقرير ثمرة هذا النزاع:148
المبحث الثالث 149
     الوجه الأول: 149
     الوجه الثاني: 150
تفريعان151
      التفريع الأول: في أنه هل يجب شكر المنعم أو لا؟151
      الثاني:153
     الوجه الأول: عدم العلم بالحكم الشرعي إذْ العقل لا ينهض مثبتاً والنقل ...155
?وما كنا معذبين ?. ">     الوجه الثاني: إنا نعلم عدم الحكم فيكون الشيء قبل ورود الشرع خالياً عن ...155
     المطلب الثاني: في تحقيق الفاعل 155
الدليل الخامس: الآيات القرآنية وهي أقسام منها:157
احتج الأشاعرة بوجوه158
     الوجه الأول: 158
     الوجه الثاني: 159
     الوجه الثالث: ما دل على أن جميع الأشياء مخلوقة له تعالى 159
     المطلب الثالث: في تحقيق فهم متفرعة على التحسين والتقبيح وهي شرائط ...160
في دليل العقل وفيه مباحث164
      المبحث الأول: في حجية العقل في الجملة164
      المبحث الثاني: في تحسينه وتقبيحه166
     في أصل البراءة168
حجة القائلين بالحرمة الواقعية177
      حجة القائلين بالحرمة ظاهراً178
المسألة الثانية: فائدة مهمة178
المسألة الثالثة: حجة القائلين بأنها على الحرمة أمران181
المسألة الرابعة: حجة القول بالوقف بمعنى عدم العلم بالحال182
المسألة الخامسة: فائدة جليلة182
المسألة السادسة: في الاستصحاب183
حجة النافين أمران189
وحجة أهل التفصيل189
المسألة السابعة: فوائد مهمة189
     الفائدة الأولى:189
     الفائدة الثانية:189
      الفائدة الثالثة:190
      الفائدة الخامسة:192
     الفائدة السادسة:193
فائدة201
الباب السادس 203
المقصد الأول تعريف نزول وحصول حجيته في القرآن وهنا مباحث203
     المبحث الأول: في بيان معناه203
      المبحث الثاني: في كيفية نزوله204
      المبحث الثالث: في وصوله205
     المبحث الرابع: في حجيته214

وفيه مباحث

المبحث الأول

المبحث الثاني

في حكم علة الوضع وفائدته في الموضوع له

اعلم أن الغرض من الوضع إبراز مقاصد المتكلم بسهولة إذ لا يحصل العلم من دون واسطة لمجرد الإشراق والإلهام ولا واسطة خير من اللفظ لعدم إحاطة الإشارة بالمحسوس والمعقول واحتياج الكتابة إلى مؤن ومشقة وبطؤ، فعلم أن الوضع لطف من الله تعالى فبذلك يحكم الوضع للمعاني التي تشتد الحاجة إليها وتكون حاجتها عامة كل لفظ لمعنى بخصوصه، ولا يجري هذا في غيرها بل ربما كان ترك الوضع أنسب بالحكمة وأولى بالاعتبار لئلا تكثر الألفاظ ولا يسهل ضبطها، وترجيح بعضها على بعض مع فقد الداعي لا وجه له، ولأن ما يوجد من الألفاظ متناهي والمعاني غير متناهية و الأول لا يحيط بالثاني، دعوى وجمع المعاني بمرأة خروج عن محل النزاع وكذا الاشتراك. وللعلامة(ره)في النهاية وجه أخر حاصله أن الألفاظ متناهية لتركبها من المتناهي والمعاني بخلافها وفيه بحث إذ لا نسلم أن المركب من المتناهي متناهي وسندنا أسمآء العدد و أن التركيب لا يقف على حد، وربما يستدل بعدم الوقوع على عدم الوجوب فإنا نقطع بأن الدواعي ومراتب الاشتداد لم يوضع لها والإشارة ونحوها؟ والجواب: ذلك خروج عن حكمه.

وأما فائدته: ففي المفرد أن يضم إلى مثله بإثبات أو نفي فتحصل الفائدة وهذا هو المقصود بالأصالة دون تصور المعنى عند الإطلاق كما تجد ذلك في أوضاعنا الجديدة فإن من وضع اسماً لولده لا يريد سوى نداءه به وغيره من المنافع لا مجرد القصور فمن ذا لا يستعمل بانفراده؟ وما استدل به على دعوانا من لزوم الدور على تقدير قصد الإفادة وتفريع قصد التمكن دليلاً إذ وجهه أن الوضع أمر نسبي يستدعي موضوعاً وموضوعاته فمعرفته موقوفة على معرفة الموضوع له فلو توقفت عليه الدور، وحلّه: إن معرفة الوضع تتوقف على تصور الموضوع حيناً ما لا حين الإطلاق والمدعى هو الثاني مع أن هذا الدليل لا يجري في ما وضع له بالوضع العام إذ معرفة وضعه موقوفة على تصور المرآة لا على تصوره فلو توقف تصوره على تلك المعرفة لم يكن دور، مع أنه قد يقال الغرض من وضع المفرد إعلام المخاطب بقصد المعنى فلا يلزم كون الغرض المعنى ضد التركيب مع أنه يجوز أن يكون الغرض الخطور وإن استفيد المعنى قبل، وهذا غير ما التزمتم مع أن هذه الدعوى على عمومها لا وجه لها إذ أسماء الأصوات مفردات وليس غرضها الضم. ولا يذهب عليك أن دعوانا السابقة لابد من تخصيصها كون الإفادة متعلقة بالخارج هل هي بواسطة الذهن أو بلا وسط مبني على أن اللفظ هل هو موضوع للخارج أو لما في الذهن ويدل بالتوسط على الخارج.


2

ولما انجر كلامنا إلى ذلك وجب علينا أن نبين الحق في ذلك فنقول للقوم في ذلك أقوال:

أحدها: أنه موضوع للمعنى الذهني ولا يفهم الخارجي إلا بالوسط واستند إلى أن الألفاظ تتبدل التعقلات فمن رأى شبحاً ورأى أنه إنسان أطلق عليه الإنسان وإذا ظنه حمار أطلق عليه الحمار وهكذا وليس ذلك إلا لتبعية اللفظ للتصور وهو المدعى، واجتمعوا أيضا بأنه لو كان موضوعاً للخارج لم يكن أصلاً إذ الكذب باعتبار مخالفة الخارج وقد دل عليه فلا مخالفة، والجواب عن الأول: ما ذكرتم لنا لا علينا لأن التبدل المذكور إنما جاء باعتبار اشتباه الخارج فإذا ظن الخارج كذا سمّاه باسمه وإذا ظنه غيره بدل الاسم ويدلك على ذلك أنه يعترف بالغلظ والخطأ في التسمية بل يهزأ به الحاضرون ولو كان اسماً للصور لكان مصيباً فتأمل، وعن الثاني إن الدلالة وضعية ظنية لا عقلية قطعية فيجوز تخلف المدلول عن الدال فيحصل الكذب وهذا كما في الصورة الذهنية فإن الغالط والنائم إذا تكلما دل لفظهما على الصورة على قولكم مع أنه لا صورة ولو لزم تحقق المدلول عند إطلاق الدال لزم هنا وأنتم لا تقولون به فتفكر.

الثاني من الأقوال إنه موضوع للخارج بدليل أن أهل العرف لا يفهمون سواه وجميع أحكامهم متعلقة به كالضرب والقتل وهكذا فلا غرض لهم بغيره والوضع يتبع مصالحهم وحاصل الأول كل من أطلق لفظاً فهمنا منه الخارج، وجوابه: إن المعاني منها ما قصد بالأصالة فالحكم عليها وبها بلا وسط ، ومنها ما أخذ وسطاً كمعاني الحروف لحكمة ومصلحة ظاهرة أوخفية والصور الذهنية من هذا القبيل والحكمة فيها ظاهرة إذ السامع إذا علم اشتمال ذهن المتكلم على شيء ودل اللفظ عليه توجه.

الثالث أنه موضوع لماهية الشيء مع قطع النظر من وجوده وعدمه، وهذا هو الحق، مدرك (لكان، زيد زيد، إبل، الت)ي المعاني التي لا تهتدي الأذهان إليها إذا وضع لها، ولفظ كان حقيقة فيها لتوقف على إدراكها فيبطل القول الأول، وبأنا نعلم أن كثيراً من المعاني لا وجود له في الخارج كالعدم والمعدوم والغول وأمثالها يبطل القول الثاني، وتخيل الواسطة إحداث ثالث، والبحث في الوقوع بالنظر إلى الأوضاع القديمة وإلا فيجوز أن يضع شخص لفظاً ويقصد الخارج فأحسن النظر وتأمل.


3

المبحث الثالث

في طريق العلم به

اعلم أنا معاشر الإمامية لم نحّكم في شيء من أحكامنا الأصلية والفرعية بل موضوعات أحكامنا أيضاً بل معولنا على الدليل القاطع والبرهان الساطع، أما الأول فالمعتمد فيه على الدليل العقلي أو القطعي من النقلي، ولايكتفى فيه بمجرد الظنون بل لابد في كل شخص من أشخاص تلك المطالب من القطع عليه وإجماعنا منعقد على ذلك فإن قدمائنا خلفاً بعد سلف يوجبون العلم في الأصول من غير نكير بل نقل الإجماع جمع من أصحابنا على ذلك بل الآيات والأخبار النبوية وكلام أهل البيت صريح في ذلك بل العلم مأخوذ في معنى الإيمان والإسلام بل الملّيّون كلهم على ذلك فإن اليهودي لا يكون يهودياً عند قومه حتى يذعن بدعواهم ويتبرأ من غيرهم وهذا أمر معلوم لا يختلف فيه اثنان إلا أن بعض أصحابنا المتأخرين ادعى إجزاء الظن في الأصول مستنداً إلى العلم في العرف واللغة أعم منه، وهذا باطل لأن الفرق بين العلم والظن كاد أن لايخفى على أحد، وربما تمسك بعضهم بأحوال الأعوام والنساء والأطفال فإنهم لا يصلون إلى درجة القطع وهذا خلاف البديهة إذ كل من تبع ملة قطع بها لكن مستند القطع مختلف فمنه إجمالي ومنه تفصيلي، وكيف ما كان فلا يرد علينا.

وأما الأحكام الفرعية فبعضها مستفاد من دليل قاطع عقلي كالظلم والكذب والغيبة وأضرابها وإن تأكد بالشرع وبعضها بقاطع منه النقل كالمتواتر والمحفوف والإجماع المحصل وأكثرها إنما يعلم بطريق ظني قد دل عليه البرهان القطعي فعملنا في الحقيقة على ذلك البرهان ونحن قاطعون بالتكليف في كل مسألة مسألة بقياس نؤلفه نقول: هذا ما أدى إليه ظننا منه دليل كذا وكلما كان كذلك فهو حكم الله سبحانه في حقنا، فالقطع وإن يكن بالحكم الواقعي كما هو شرط في الأصول إلا أن هذا لا يصرفنا عن العمل بمطلق العلم، فلا وجه لكلام بعض المتأخرين من فقهائنا على المجتهدين بأنهم يعملون بالظنون فإنهم إن عنوا هذا فلا طعن وإن عنوا العمل به من حيث إنه ظن فقد بينا أن آرائهم على خلاف ذلك.


4

وأما الموضوعات فالكلام فيها في ثلاثة مواضع

الأول في مداليل الخطابات وطريق العلم بإرادة الشارع لها

اعلم أن أئمتنا صلوات الله عليهم وضعوا لنا طرقاً خاصة في الأحكام وموازين معينة فمنعوا من القياس والاستحسان والأخذ بمجرد الظنون عنه غير الأدلة المعلومة ولم يتعرضوا لشيء من ذلك بالنظر إلى فهم المراد بمخاطباتهم إذ كلامهم عربي جارٍ على قوانين اللغة وليس حال خطابهم إلا كخطابات اللغويين ومكالماتهم فمن كان منهم وعلم كيفية اصطلاحه فلا حاجة له إلى ملاحظة لغة واطلاع على مصطلح اللغويين بطريق التجسم، ومن كان من غيرهم أو لم يشاهد عصرهم فلابد له من العلم بتلك المصطلحات، ثم إذا فهم منهم بطريق الظن الأمر بكذا أوجب الائتمار أو النهي وجب الانزجار ففي هذه الظنون لسنا معتمدين عليها بل على ما علمناه من طريق الصحاح والمتابعين ومعاملة أهل الشرع لهم بهذه المعاملة بل ما عهدناه منهم صلوات الله عليهم من التمسك بظاهر السنة النبوية والآيات القرآنية والاحتجاج بها على مخالفيهم وموالفيهم فهذا قطعي لا شبهة فيه إذ سيرة فيه إذ هو سيرة الإمامية بل جميع الملّيين كما لا يخفى على من نظر وتدبر.

الثاني والثالث في طريق إثبات الوضع اللغوي أو الشرعي

اعلم أنه لا فرق بين المطلبين إذ ليس حال الشارع في وضعه إلا كحال ذوي الأوضاع الجديدة من العرفية والمستحدثة لحدوث معناها فالطريق في إثباتهما واحد ولا فرق بينهما أصلاً، وما ظن من أن الموضوع الشرعي مطلب أصولي لا لغوي فهو خيال صدر من خلاف التحقيق كما سنبينه في محله، بل أي فرق بين معرفة الأوضاع المجعولة لأهل الشرع على لسان الشارع وبين أوضاعه العامة للفظ الطاهر والقاسم وجميع ما جرى على لسان الشارع نعم الموضوعات الشرعية أقرب علاقة مع الموضوعات العلمية كمصطلحات النحويين والصرفيين في الفاعل والمفعول والمصدر والاشتقاق وإضرابها والشارع أحد واضعي اللغة فبالطريق الذي تهتدي به إلى معرفة الوضع اللغوي نهتدي إلى الوضع الشرعي إلا أن المعتمد هنا على مذاق أهل الشرع لأنهم أهل هذا اللسان وهناك على مذاق أهل اللغة.


5

إذا عرفت هذا فاعلم أن لإثبات الوضع طرقا؛ منها ما أخذ من طريق العلم كالمتواتر والمحفوف كوضع السماء والأرض والماء والهواء أو الإجماع كما إذا اتفق اللغويون على أن لفظة موضوعة بأزاء كذا، ومنها ظني وله طرق منها ما دل على حجيته كتاب أو سنة أو غيرهما من الأخبار كخبر العدل الثقة وشهادة الشاهدين وخبر الموثق والممدوح على قول ولا كلام في هذين الطريقين أما الأول فظاهر وأما الثاني فلقيام البراهين على الحجية على العموم في الأحكام والموضوعات إن حكمنا آية البناء والنفي وما دل من النقل في الدلالة وهو مختارنا وسيجيء في محله و إلا ففي الإجماع والضرورة غنية عن ذلك أما الأول فلأن عمل الأصحاب من قرب عهد المعصومين إلى الآن على قبول هذا النحو من الظنون من غير نكير منهم بل تعلم أن كثير من الألفاظ العربية لا يطلب العجمي المعاصر فيها التواتر بل إذا أخبره بالوضع اللغوي موثوق قَبِلَ كلامه، وأما الثاني فلأنه لولا ذلك لم نفهم جل الأحكام بل نفهم خلافها كالرطل والمن والدرهم وغير ذلك ولا ينفع الاعتماد على العرف إذ العرب الآن في غاية الاختلاف فالشامي له لسان والعراقي غيره والبحري غيرهما والبدوي غيرهم بل نقول إن قام الشك في قبول الموثق وأخيه في الأحكام ولا يقوم هنا لما ذكرنا فتدبر.

ومنها الظنون الحاصلة بالاستقراء في لسان أهل الوضع إن لغويا فلغوي و إن شرعيا فشرعي وهذا الطريق الذي جرى لسان أرباب العلم من أهل النحو والتصريف والمعاني فإنك لا ترى نحوياً ما يثبت حكماً ويرى رأياً إلا بأن وجده في جزئيات استقرأها وتتبعها فحصلت له مظنة قوية عول عليها ولم نر أخر ينكر على ذلك المثبت قائلاً إن هذه مظنة لا تعويل عليها، وكذا الصرفيون وكذا أهل البيان ولو ذكرت ما هو من هذا القبيل لكنت آتياً بمطالب العربية بتمامها وليس الغرض الاحتجاج بكلامهم بل بما أعلمنا به من أن هذه طريقة اللغة والمنكر لهذه الأصل تجده في مطالبه النحوية والصرفية معمول عليه مع أن أنهما عنده من شرائط الاجتهاد بل الاجتهاد بهما كذلك بل هذه العلوم أيضا موضوعة على هذا النحو من مبدأ زمان أهل العصمة (ع) إلى الآن ولم نرَ أحداً في الأصحاب الذين مارسوها وأحسنوا معرفتها أنكروا ذلك بل كان في أصحاب الأئمة النحاة أيضا بل أصحابنا رضوان الله عليهم إذا تتبعت كلماتهم وكرعت من مياه بحارهم وجدتهم في الألفاظ ومعرفة الموضوعات لا اعتماد لهم في أكثر الأوقات إلا على هذا الطريق فإنهم لا زالوا يستدلون بهذا النحو من الظن أعني الناشئ عنه الاستقراء قائلين لنا الاستقراء في كذا والتتبع في كذا وتارة يستندون إلى الطرق السابقة، والحاصل هذا المطلب بلغ في الظهور إلى حيث لا يتأمل فيه عارف بلسان القوم فالمسألة حينئذٍ من المعلومات.


6

ومنها الاستناد إلى الأصل كإثبات اللسان السابق باللاحق بضميم أصل النقل والحقيقة والمجاز بالاستعمال لأن الأصل عدم الاشتراك وهكذا. ومنها طرق لا نعول عليها منها القياس وقد اعتمده بعضهم مستنداً إلى ما دل على حجية القياس على الإطلاق فيكون من القسم الثاني وله أيضا إن المسألة من الموضوع فيكفي فيها الظن وقد يستند إلى القياس على القياس والكل باطل؛ أما الأول فلبطلان الأصل وعل تقديره فلا عموم وعلى تقديره فهو مخصوص بما سأذكره في أبطال الثاني، وعلى الثاني إن الكبرى ممنوعة إذ ليس المعتبر عندنا سوى الظنون التي قام الإجماع عليها وهذا ليس كذلك بل نقرر الإجماع أي الاتفاق المقتضي للقطع على خلافه فإنا لم نعهد أحداً من أهل اللغة العربية بل من جميع العلماء الباحثين وعن الموضوع اعتمد على القياس بل الظاهر منهم الميل عنه، ذلك ولو كان حجة لكان معروفاً عند اللغويين كمعرفته عند الفقهاء والمسألة في غاية الظهور، وعن الثالث بالفارق فإن القياس في الحكم إنما كان عند أهله لدعواهم قلة الحجج النقلية إذ قد قصموا ظهر الإسلام وانتهبوا ثلثيه بل كله وأيضاً قياس قياس على قياس ليس قياس حكم شرعي على مثله بل دليل على دليل ومآله إليه لا يقتضي تبادره فتأمل.

ومنها الأخبار على لسان المجهول مع عدم الاعتضاد بقرائن تؤيده والظاهر هنا أيضا عدم القبول لتصريح بعضهم بعدم مقبوليته فلا يقوم الإجماع ولا ينهض الدليل عليه إلا أن الكتب المصنفة في اللغة التي صارت متداولة كلها معها قرائن تعضدها مع أن كثير من مصنفيها بين الثقة والموثق وبالجملة فأمان الكذاب عليهم لا خفاء فيه.

بقي في المقام كلام من جهة القرائن المفيدة للوضع وسنتعرض لها في الفرق بين الحقيقة والمجاز، والحاصل أنه إذا حصلت مظنة قوية تطمئن النفس إليها كل الاطمئنان عول عليها من غير شك، ولله الحمد على ما وفق.

في تقسيمات الألفاظ الموضوعة

وفيه أبحاث

البحث الأول

في تقسيم اللفظ من جهة أصل الدلالة

اعلم أن اللفظ إما أن يدل بوساطة العقل المجرد عنه والوضع أو بإضافة الطبع أو الوضع والأولى عقلية والثانية طبعية والأخرى وضعية وهذا التقسيم وإن أجريناه في اللفظ وحمله كذلك يجري في غيره، والأقسام ستة ولا ريب في وجودها والشك في موضعين:


7

الأول: اللفظية الوضعية وهو من عبارات من يزعم أن اللفظ بطبعه دل فتكون طبيعية بل قد ثبت عنده في الأعلام والأوضاع الجديدة على ما قررناه في محل النزاع وقد أبطلنا دعواه من أصلها فبطل فرعها.

الثاني: في الطبعية غير اللفظية لظنهم أنها عقلية وهو غلط لما مر.

ثم البحث عنه خمسة منها لا يتعلق به غرض علمي لقصور العلماء عن الوصول إلى تلك الجزئيات لعدم انضباطها واختلاف العقول والطباع وكذا الموضوع من غير اللفظ مختلف لا ضبط له، فانحصر البحث في قسم وهو اللفظ الدال بالوضع. ولدلالته ضروب منها الدلالة على تمام معناه وهي المطابقة وعلى جزئيه بتلك الدلالة فهي التضمنية فالدلالة في الحقيقة واحدة وإنما تختلف من جهة المتعلق بيان ذلك: إن اللفظ إذا أطلق حصلت صورة إجمالية فهنا دلالة واحدة و التعدد محض اعتبار ونسبة دلالة التضمن إلى هذه الدلالة كنسبة هذا الجزء العقلي إلى الكل هذا في المتصل أما في

المنفصل كالزيدين والعمرين فقد نفهم الأجزاء مفصله حين الإطلاق فالأجزاء ذهنية وخارجية هذا مما عليه القدماء وهو صريح كلام العضدي، ومال بعض المتأخرين إلى أن دلالة التضمن إنما هي عبارة عنه دلالة اللفظ على الجزء بوساطة التحليل العقلي ويمكن أن يكون هذا هو الوجه في اختلافهم في أن التضمن تابع أو متبوع فالثاني على الأول والأول على الثاني، ثم المشهور قيدوا المعنى بالموضوع له وربما اكتفى بالمستعمل فيه وعلى هذا فدلالة اللفظ على المعنى المجازي منقسمة إلى المطابقة والتضمن وعلى الأول إلتزامية وقد يتكلف له بأن المراد بالوضع المعنى الأعم وجعل المجاز من هذا القبيل غير بعيد ويناسب مذاقهم فإن بعضهم قسم اللفظ إلى المفرد والمركب بالدال بالمطابقة وساق أقسام المفرد والمركب والمجاز من جزء معناه منقسم إلى ذلك قضية الكلي والجزئي والتواطئ والتشكيك وغير ذلك. وأيضا اشتراط اللزوم الذهني في دلالة الالتزام على هذا صحيح إذ لا يلزم خروج المجاز من الدلالات مع القرينة ومن دونها لافَهْم فلا دلالة وإدراج لزوم المجاز في اللزوم الذهني لايرضون به و إن أمكن له وجه، وكلام الحاجبي في اختيار الأخير فإنه ممنوع بأخذ الوضع قيداً في الدال مطابقة بل قال (ودلالته أي المفرد اللفظية في كمال معناها مطابقة وفي جزئه تضمن) وساق الكلام إلى آخره وقد يؤيد هذا بأن العلماء لما بحثوا في نسبة الدلالات باللزوم بعضها لبعض حكموا إلا بالندر بعدم لزوم الالتزام للمطابقة وأي معنى للفظ ليس بينه وبين معنى ما تصحح التجوز؟ والحاصل كل معنى حقيقي له معنى تجوزي يصح أن يستعمل فيه مع القرنية وهذا لا يخلو من قوة إلا أن الخروج عن ظاهر كلمات الجمهور لا يخلو من شيء.


8

ومنها الدلالة الالتزامية في أن الشرط هو اللزوم الذهني فقط أو مع العرفي ولو لزوماً بعيداً؟ والظاهر الأخير إذ الدلالة محصورة ولو كان غير ذلك لزادت والأمر سهل.

البحث الثاني

في استقلاله وعدم استقلاله

اعلم أن اللفظ قد يوضع للمعنى لا بشرط شيء كالأعلام والأسماء التامة النكرات وغير ذلك ومنها ما يوضع بشرط شيء منه وهي أقسام منها ما يكون شرط استعماله تقيده بقيد كذا كالموصولات والظروف الملازمة للإضافة وهي قسمان منها ما أخذ لتعريف الموضوع له كما في الموصولات إذ هي موضوعة لمعين لا يعلم إلآ بالفعلية ومنها غير ذلك كما في الظروف ومنها ما هو معتبر في أصل الشيء وهويته بحيث يستحيل فهمه لا تعينه من دون القيد وهذا هو الحرف وما تقدم هي الاسم والفعل.

بقي شيء وهو إن المعنى البسيط والمركب من متحد النوع لا كلام فيه لكنه قد يتركب معنى اللفظ من مستقل وغيره فميزانه حينئذ الأصالة والتبع فالأصل إن كان مستقلاً عول عليه ولا عبرة بالضميم كما في أسماء الاستفهام والإشارة والشرط والفعل وأمثال ذلك وإن كان بالعكس فبالعكس، أو نقول حيثما دخل مستقل فالتعويل عليه ولا يعترض بأن معنى الحرف يوجد فيه المعنى الاسمي لأنه جنسه، فجوابه: إنا نعني بالدخول لمكان بحيث يفهم عند الإطلاق فمعنى الحرف على هذا ليس مقصوداً بنفسه وإنما فائدته التوصل إلى معنى الاسم ليحكم عليه وبه والنظر كالبصر كما إنه قد يبصر شيء للإيصال لا لنفسه كذا قد يعقل لذلك من دون تفاوت فمن هذا لا يصح الحكم بالحرف وعليه ولا يكون داخلاً في إفادة المتكلم بل لما يوصف بكلية ولا جزئية ولا إفراد ولا تركيب في الغالب ولا يتعرض له في المطالب المتعلقة بالأحكام.

البحث الثالث

اللفظ

إن تشخص معناه الموضوع له حين الوضع فهو العلم إن تشخص في الاستعمال فقط بحكم الوضع فهو أسم الإشارة والموصول والمضمر ونحوهن وإن لم يتشخص أصلاً فمعناه كلي متواطي إن لم يختلف ومشكك إن اختلف بالأولية والأولوية والأشد هذا من جهة الوحدة، وأما من جهة التكثر فإن كان للفظ فهو المترادف أيضاً وإن كان للمعنى فقط فأما أن تكون متساوية فيه فهو المشترك أيضاً وإلا فإن كان بهجر الأول مع ملاحظة المناسبة فالمنقول وإلا فالمرتجل.


9

ومن جهة تكثرهما توصف الألفاظ تبعاً أو المعاني أصالة بالتضاد والتماثل التقابل، واللفظ كيفما كان بالنظر إلى الموضوع له حقيقة وإن استعمل في غير الموضوع له كان مجازاً ويجري فيه وصف الكلية والجزئية والتواطئ والتشكيك دون البواقي وكلام القوم في هذا المقام في غاية الاضطراب لفظاً ومعنى وزيادة ونقصاناً فإنهم جعلوا المقسم هكذا: اللفظ والمعنى إن اتحدا فمع تشخصهما علم وساقوا الأقسام إلى آخرها وعليهم إن الوضع المأخوذ إن عنى به التحقيق لزم بطلان عدا المجاز في هذا السلك مع أن كثيراً من الأقسام يشترك في الموضعين كالكلي والجزئي والتواطئ والتشكيك بل خروج أسماء الإشارة ونظائرهما وإن عنى بها الأعم لزم كون العلم قسماً منه المجاز وكذا المشترك بالنظر إلى مجازين والمترادف ولا ينفع أخذ المجاز أخيراً مع جعله غير موضوع إذ الأقسام لم توضع على التباين والوضع الأخير عنى به التحقيقي مع أنهم في صدور الأقسام منهم من ذكر العلم فقط وبعضهم أضاف المضمر أيضاً ثم بعضهم ذكر المرتجل وبعضهم تركه ومنهم من أثبت المشكك ومنهم من أنكره مستنداً إلى أن التفاوت إن كان داخلاً في الماهية لزم الاشتراك وإلا فهو التواطؤ وأستفتح من الله في الجواب، وتصحيح العبارة وإن أمكن إلا أنه لا يصلح أن يكون مقصوداً لهم لأنه في غاية البعد فكأن العبارة تلقيت من بعض القدماء ولهذا ترى المتأخرين لا يذكرون أسم الإشارة ونظائره وإن كان قسماً آخر عندهم وإدخاله تحت المشترك في غاية البعد، والحق يثبتون المرتجل بجواز الهجر من دون علاقة وكذا المشكك لأن الزيادة وإن لم تدخل في الماهية إلا أنها داخلة فيما صدقت عليه وهذه الأمور مرجعها الاصطلاح والأمر فيها سهل فلا نطيل الكلام فيها.

في تفصيل الأقسام وذكر أشياء لابد للمجتهد منه معرفتها

وفيه مباحث

المبحث الأول

(في المشتق)

وفيه مطالب

المطلب الأول: (في معرفته وحكمته)

اعلم أن الموضوع له أما عين لا تختلف ولا تتبدل ولا يختص بها من حيث هي زمان دون ولا يجري عليها التبدل والآلات فتلك إنما تحتاج إلى وضع واحد كل لفظ لمعنى، ومنها معاني تتبدل في الأزمنة وتختلف فواعلها ومتعلقاتها وتختلف الموصوفات فيها، ومنها ما يدوم كالتمكن والحركة الطبيعية والضحك بالقوة وأمثالها بدوام معروضها، ومنها ما ينقطع أما بطيئاً كالشيب والشباب أو سريعاً كصفرة الرجل وحمرة الخجل، ومنها ما يكثر ويقل، إحتاجوا فيها إلى وضع ألفاظ تدل على جميع المهتم منها كما يدل على الفاعلية والمفعولية والزيادة والقيام بالشيء والزمان الماضي والحال والاستقبال ووجدوا الوضع التفصيلي فيها عسيرا فوضعوا لكل معنى مبدأ تأخذ منه كالضرب؛ تضرب ويضرب واضرب وضارب ومضروب وضراب ومضرب وكذا الحسن والقبح وأمثالها فحصلت فحصلت الفائدة على أحسن طريق وسهل الضبط فمعنى اشتقاق الشيء من الشيء أخذه منه على أن يكون معنى الأول عارضاً وشرطه الزيادة فخرج المثنى والمجموع والمصغر والمنسوب ودخلت جميع المشتقات فهو معنى عقلي منسوب إلى الواضع فبطل تحديد الميداني أن تجد بين اللفظين تناسبا في المعنى والتركيب فترد أحدهما إلى الأخر فإنه علمي ويتصف به غير الواضع مع أنه يشمل المجموع المنسوب، وتعريف الحاجي اقتطاع فرع من أصل يدور معه في تصاريفه لا يخفى عليك سقمه بشهادة الدور، وإن دفعت بأن عنوا إن الأصل والفرع غير ملحوظ إذ لا ينافي السقم وكذا شموله المثنى والمجموع والمصغر والمنسوب وإخراجهما لا يمكن إلا بتكلف ودعوى شموله لهما بعيد عن طريقتهم، وكذا تعريف بعضهم أن تأخذ منه اللفظ ما يناسبه في التركيب لتجعله دالاً على معنى يناسب معناه لشموله ما ذكر و إن وافقنا في كونه علميا.


10

المطلب الثاني: (في شرائط صدقه)

اعلم أن المبدأ إما أن يكون له مع الشيء ارتباط أو لا، وعلى الأول فأما أن يكون ارتباط حلول فقط من دون تأثير من دون قيام وشبهة أو لا وعلى هذا فأما أن يكون تأثير فقط من دون حلول أصلا أو يكون له ارتباط من جهة الحلول والتأثير معا فالأقسام أربعة؛ اثنان منها إجماعيان أحدهما مما لم يكن فيه ارتباط حلول وشبهة ولا ارتباط تأثير فإن كلامنا ومن حكمائنا متوقفون بعدم الصحة على الحقيقة، الثاني ما كان له ارتباط حلول أو شبهة وتأثير معا فإطلاق المشتق في هذه الصورة حقيقة إتفاقاً وإنما الخلاف في صورتين؛

الصورة الأولى: ارتباط التأثير فقط

اعلم أن الأشاعرة لم يرضوا بأن التأثير سبب تام في الإطلاق بل ربما حكموا بأنه لا مدخلية له وإنما المعيار الحلول والقيام وبنوا على ذلك أن الكلام المنسوب إلى الله تعالى ليس ما يفهمه عامة الخلق و إلا لم يكن تعالى متكلماً وهو خلاف ما دلت عليه الآيات والسنة بل الكلام المطلق على الله يراد به النفس وفسروه بغير العلم والإرادة والطلب وغير القول المعقول بل هو معنى بسيط يفهمه الأشعري.

وبعض أصحابنا لما قوي شرط الحلول في نظره لعدم حله الشبهة أجاب بأن المسألة قام عليها العقل والنقل، وغاية ما يلزم ذا المجاز والأمر سهل، والحق إن التأثير علة تامة والمبدأ الأصلي لا مدخلية له! بيان ذلك إن المبدأ قد يكون عينا كمبدأ الخالق والرازق والحداد والعطار والطحان والبواب وأمثال ذلك والمتكلم نظير هذه الأشياء مما لا يحصى فهذا لا يقتضي قيام المبدأ يقينا ولابد أن يعترف به الأشعري وقد يكون معنا وهو أما بطريق الانفعال كالانكسار والتعلم والانطواء والانزواء ولابد أن نقول بقيامه وقد يكون فأما أن يكون متجاوزاً للفاعل كالضارب والقاتل والضار والنافع والمبيض والمسود ونحوها فنقطع بقيامه في المتعلق والقائم بالفاعل ليس سوى التأثير قطعا، وإن كان غير متجاوز كالحسن والقبح والطاهر والنجس والخبيث فهذا قائم يقينا فبان أن المشتق من حيث هو مشتق لا يقتضي القيام ولا يمكنكم أن تقولوا نعني التأثير لأنكم رتبتم المسألة على مسألة المتكلم وليس فيها بالتأثير، على أنا لا نمنع ما قلتم ومرحبا بوفاقكم وأنت إذا تأملت وجدت كلامهم لا حقيقة له فإنا نقطع أن الصوت في المزمار به حل فيه وقام بالجسم الهوائي المنحجر فيه وكذا الصوت الخارج من الإنسان المرتفع في أطراف الدار الذي يسمى بالصدى إنما يكون باعتبار تموج الهواء واضطرابه ولا ريب في أن المصوت هو الإنسان دون المزمار وهواه ودون ذلك الهواء المتموج والمضطرب، بل من عالج زجاجة فخرج منها صوت لا تكون مصوتة بل المصوت يوّجد الصوت وفي مثالهم المخصوص أعني المتكلم لم يكن زيادة على ذلك التصويت. ونوقش أيضاً هنا بأن الكلام عبارة عن الحروف وهي كيفيات للصوت فهي قائمة بالصوت القائم بالهواء فلا يكون قائماً بالمتكلم وكذا إن كان عبارة عن الصوت بشرط التقطيع أو الصوت مع التقطيع فكذلك فكلامكم يفسده كلامكم! وقد يعتذر بأنا لا نعني به سوى القيام عرفاً ولا يصلح العطار ما أفسد الدهر.


11

الصورة الثانية: إن مجرد الحلول في الشيء أصل يكفي في الصدق

اعلم أن الأشاعرة لما أرادوا إثبات أن مجرد التأثير ليس علم في الصدق ليرتبوا عليه ذلك المعنى المخترع فلم يمكنهم جاءوا بطريق آخر حاصله إن مجرد الحلول كافٍ في الصدق فيلزم كون الجسم الذي أوجد الله تعالى فيه الكلام متصفاً بالتكلم فيصدق أن موسى (ع) كلّم الشجرة أو الجبل لأن ذلك الجسم متكلم معه وكلامهم هذا في غاية الفساد أيضا لأنا قد بينا أن كثيراً من المعاني قد تحل في أشياء ولا تتصف بها فإن المعاني المتجاورة حاله في المتعلق وكذا صوت الزجاجة والمزمار حال فيهما ولا يتصفان بالتصويت وكذا الصوت الحاصل في أطراف الدار حال في الهواء ولا يتصف به فقد بان أن مجرد الحلول ليس علة تامة في صدق الوصف ،وينبغي أن تعلم أن مرادي بالحلول في الشيء مجرد الكون فيه من دون قيامه به والفرق بينهما ظاهر فإنا نفرق بين الماء في الإناء وبين الخضرة والصفرة القائمة فيه فالحسن والقبح والصغير والكبير تطلق على المتصف بمبدأها وإن لم يكن مؤثرا إذ الشرط أحد الأمرين أما القيام أو التأثير وأنت إذا دققت الفكرة وأحسنت النظرة وفرضت نفسك قادرا على إيجاد كلام يحل في الهواء لم تَرَ المتكلم سواك فكنت تأبى أن تسند الكلام إلى غيرك ولم تَرَ المتكلم سوى موجد الكلام فتأمل في هذا المقام فإنه من مطارح الأنظار وميادين الأفكار وفقنا الله للصواب ورفع عنا الشك والارتياب.

المطلب الثالث (في مدلوله في نفسه مع قطع النظر عن صدقه)

وفيه مقامات

المقام الأول: (في أنه لا يدل على وجود التجدد)

اعلم أنه ليس وضع المشتقات إلا كالأوضاع الباقية من دون تفاوت وقد مر أن الألفاظ موضوعة لماهيات الأشياء ومع الغفلة من كونها ممكنة أو واجبة أو ممتنعة فالماء موضوع للجسم البارد الرطب والهواء للجسم اللطيف الذاتي مع الغفلة عن كونه موجوداً أو معدوماً كذلك لفظ ضارب وقاتل وأمثالها موضوعه لمعنى ذي كذا مع الغفلة عن الوجود وغيره من العوارض فالثبوت يحصل من الإسناد وهو ناشئ من التركيب وكذا التجدد ليس معنى داخلاً في معنى اسم الفاعل ونظائره بل في معنى الفعل أيضاً فقولنا ضرب (ضرب) يدل على سبق الضرب مع الغفلة عن كونه قديماً أو حادثا، نعم لما كانت هذه الألفاظ إنما جرت على لسان العامة لتثبت أو تسلب فإذا أطلقت خالية عن كلمة السلب فهموا منها الثبوت، وكذا لما رأوا أن المعاني المأنوسة لهم تجدده حادث صار الحدث مأنوساً لهم حتى إذا أطلقوا ضرب أو ضارب تبتدر أذهانهم إلى الحدوث وليس ناشئاً من أصل الوضع.


12

المقام الثاني: (في أنه لا يدل على زمان ولا وحدة ولا تكثر)

لا ريب في أنه قد اتضح أن هذه الألفاظ موضوعة للحقائق مع الغفلة عن العوارض فالكون في زمان أمر خارج من مدلول الصيغة نفسها وحقيقة الوضع وكذا الوحدة والتكثر، نعم إن أخذا في المبدأ كالضراب والقتال والتاجر والحائك لا تبعاً للمادة فإن التجارة عبارة عن العمل المتكثر مع العلم الناشيء عن التمرن وكذا الضراب ليس معناه ذو الضرب مطلقاً حتى لا يكون فيه تكثير بل ذو الضرب الكثير فكان المبدأ معبد فقد بان ضعف القول بأن اسم الفاعل يدل على الكثرة محتجاً بما هو من هذا القبيل بل هو كسائر البواقي.

المقام الثالث: (في شرائط الصدق )

لا ريب في أن صدق المشتق على شيء يقتضي ثبوت المبدأ له في الجملة عرفاً وإنما الكلام في خصوص الأزمنة فهل زمان معين شرط في حقيقة أو لا بل مطلق الأزمنة على السواء وقد جعلوا المسألة ثلاث صور؛ منها إجماعي الصحة وهو إطلاق المشتق على المتصف بالمبدأ في الحال وقد نقل الإجماع فرقة منهم، إن عنوا حال التلبس فيكون إطلاق الضارب على المتلبس حال النطق حقيقة وعلى المتلبس في المستقبل حين تلبسه كذلك حقيقة وعلى الماضي كذلك فقولنا زيد ضارب إذا كان متلبساً حين النطق وكذا يكون ضارباً كلها حقائق فهو حق وإطلاقه عليه حين النطق لكونه يكون كذلك أو لأنه كان كذلك مبني على ما سيجيء وإن عنوا حال النطق وهو الظاهر من مقابلة الماضي والمستقبل وصريح كلام بعضهم فلا يستقيم إلا أن يكونوا أرادوا به موافقة حال التلبس إذ قد توافقا وحال النطق لم يدخل في معنى اللفظ، الصورة الثالثة إطلاقه على المتصف بالمبدأ في المستقبل وقد نقلوا الاتفاق منهم على التجوز فيه وربما يظهر من أهل العربية أن الاستقبال أحد المعاني لكن لا بد من تنزيل كلامهم على ما نقل الاتفاق عليه والمراد أن يطلق اللفظ ويراد صدقه حين النطق لأن المبدأ سيوجد أما إذا أريد صدقه حين التلبس كقولنا يكون زيد ضارباً وقاتلاً فذاك حقيقة من غير شك كما أن قولنا سيكون العنبر خمراً لا يقتضي صرف الخمر عن معناه ولا التجوز به، نعم إذا أطلق لأوله وصار مجازاً مرسلاً وهذا كذلك، الصورة الرابعة إطلاقه على المتصف بالماضي بعد انقطاعه وفيه أقوال؛ أحدها حقيقة مطلقاً، الثاني مجاز مطلقاً، الثالث التفصيل وهو على أنحاء؛ أحدها أنه حقيقة ما لم يطرأ الضد، الثاني حقيقة إن لم يكن مما يمكن دوامه، الثالث حقيقة إن لم يكن من الأوصاف القائمة بالشيء كالحسن والقبيح والصغر والكبر، الرابع حقيقة إذا كان محكوماً به دون ما إذا كان موضوعاً.


13

حجة الأول وجوه:

الوجه الأول: لو لم يكن كما قلنا لزم أن لا يكون النائم مؤمناً إذ النوم لا يجامع الإيمان ولا اعتداد بالسابق على دعواكم ! والجواب (أولا) بالمعارضة بلزوم صدق الكافر على سبق منه الكفر. (ثانياً ) يمنع أن الإيمان لا يجامع الكفر والسند ظاهر إذ الصور المنقوشة على صحيفة الخاطر لا تزول وإنما يزول العلم بها والإيمان ليس عبارة عن العلم بالعلم إذ هو العلم بالإيمان لا الإيمان بل هذا عبارة عن أصل العلم وأيضا فأنتم لا ترضون أن يكون النائم حين نومه خاليا عن الإيمان فيكون واسطة بين حاله الكفر والأيمان.

الوجه الثاني لهم: أنه لو صح ما قلتم لزم عدم صدق المخبر والمتكلم حقيقة بأن ذلك أن مبدئها غير قار الذات لا تجتمع أجزاءه في الوجود فلا يكون له وجود حالي ينطبق عليه اللفظ، والجواب إنكم إن أردتم الحال الحقيقة سلمنا ولا تثبت الدعوى إذ المدعى غيرها، و إن أردتم العرفية فكلامكم لا ينافيها على أنكم أردتم الحقيقة لا يصدق مشتق حقيقة أصلاً إذ هو مؤلف من الحروف فيكون قار الذات فلا يمكن انطباقه على الأفعال البسيطة وهو ظاهر ولا على المركبة لتعذر الضبط إذ لابد فيه من انطباق أول الحروف على أول الفعل وأخرها على أخره.

الوجه الثالث: إنا نقطع بصدق زيد ضارب وقاتل مع سبق المبدأ وهو المطلوب، والجواب جعل ذلك بالتركيب قرينة إذ المخبر لم يطبق القول على الفعل وليس لمحض دلالة اللفظ فهو باعتبار ما قلنا بمنزلة قولنا كان زيد ضارباً.

حجة القول الثاني وجوه:

الوجه الأول:
إنه يلزم على غير هذا أن يكون الصحابة كفارا وهو باطل والجواب إن عنيتم أن لا مانع لغوي من الصدق قلنا به و إن أردتم أن لا مانع مطلقا فلا يلزم على قولنا.

الوجه الثاني لهم:
لو كان حقيقة في الماضي لكان في المستقبل أيضا كذلك لأن نسبتهما في عدم المقارنة من جهة المبدأ والمنتهى نسبة واحدة، والجواب المسألة لغوية والقياس باطل.

الوجه الثالث:
يصدق ليس بضارب الآن وهو يستلزم سلب الضرب مطلقا إذ جميع الأوقات إنما تتصف بالمعنى بعد الحالية ففي كل حال منتفٍ عن وصف الضرب وهو المطلوب.ولأنه إذا انتفى في وقت انتفى في جميع الأوقات إذ لا قائل بالفصل، والجواب إن الآن قيد في المنفي دون النفي فيكون المنفي خاصا ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم وإن ادعيتم صدقه على الوجه الأخر منعناه .
14

حجة الأقوال الأخر حصول الصدق في فرد دون فرد، ففي الأبيض إذا طرأ ضده يزول وصفه بخلاف الضرب فيكون حجة الأول وحجة الثاني صدق الضارب والمضروب مما لا يدوم دون الحسن والقبح والنائم، وحجة الثالث عدم صدق الحسن والقبح من المعاني القائمة دون الضارب والقاتل والفارق بين الموضوع والمحمول يستند إلى الفهم العرفي وفي أحدهما دون الآخر.

هذه خلاصة الأقوال في المسألة، والذي أراه أن المشتق في أصله خال عن الدلالة على الزمان وخصوصياته ولا يدل إلا على معنى المتصف بالمبدأ مع الغفلة عن وجوده في زمان أو أنه في زمان كذا ولهذا لا نفهم سوى إرادة الطبيعة من قول القائل: المطيع خير من العاصي، والمحسن خير من المسيء، والأبيض خير من الأسود، نعم في صورة الحمل يفهم وجود المبدأ باعتبار الإثبات وعكسه في السلب وصدقه يتبع حال مبدأه فإن مضى مبدأه صدق عليه أنه كان ضارباً أو قاتلاً وأمثال ذلك وكذا بالنظر إلى المستقبل يصدق أنه يكون ضارباً وهذا كما في قولنا العنب يصير خمراً والخمر كان عنباً ويصدق في حال النطق إن قارن حال التلبس لمقارنته له ففي الحقيقة المعتبر في الصدق حال التلبس كما في الجوامد و أما في صورة الوضع فالكلام فيها على ما تحقق من صدق الوصف العنواني للموضوع على ما اتصف به بالفعل أو بالإمكان والخلاف بين الشيخ والفارابي مشهور، والحق إرادة الماهية مع قطع النظر عن الوجود إلا إذا قارن الحكم فقولنا الرمان الحلو حسن والمر قبيح لا نفهم منه سوى الماهية مع الغفلة عن الإمكان والفعل، نعم أهل العرف بالمؤانسة يفهمون ذلك ثم باعتبار الوضع التركيبي يكون الوصف المشابه للفعل كل المشابه قائما مقام الفعل ويتبع حال الفعل فقولنا زيد قائم بمنزلة زيد قائم وهذا في اسم الفاعل لقربه من الفعل هذا كله إذا لم تقم قرائن داخلية أو خارجية أما مع قيامها فلا كلام فإذا كان الوصف مما يقتضي الدوام كالحسن والقبح قيل لأن على التلبس إلى الحال وكذا كون إثبات الوقوع في الماضي في الجملة خال عن الفائدة كزيد آكل ونائم، ثم كون إرادة الماضي مستنفرة شرعا كالكافر لمن كان والمؤمن لمن كان كذلك و إذا كان بهذه المثابة فلا كلام، فالحاصل إن صدق الوصف في وقت يقتضي حصوله فيه إلا باقتضاء تركيب فيما يشبه الفعل أو كون زمن الحال لا ينضبط فيكون قرينة أو غير ذلك من القرائن فاحسن النظر وتأمل.


15

المبحث الثاني

في المترادفات

والكلام فيه في ثبوته وفيما اختلف فيه أنه منه أو لا:

أما الأول فالحق ثبوته لوجود جلوس وقعود وأسد وسبع ونظائرها مما لا يحصى وأنكره بعضهم محتجين بأنه عبث لا يقع من الحكيم، بيان ذلك: إن اللفظ الأول كافٍ في الإعلام فيكون الثاني عبثاً بل يمكن أن يقال مفسدة للزومه تكثر الألفاظ فيلزم عدم الضبط فيتشعب الذهن وهذه مفسدة ظاهرة وأيضا يلزم تعريف المعرف وهو تحصيل الحاصل وهو محال وهذا الدليل كما ينفي الوقوع ينفي الإمكان أيضا، والجواب يجوز وقوعه من واضعين ومن واضع مع الغفلة عن الوضع الأول مع أنه كثر الفائدة إذ قد يتوقف عليه الوزن والسجع بل تحصل به كثير من النكات البديعة كالتجنيس والمطابقة بل لو لم يكن فيه سوى التوسعة والاقتدار على فنون التعبير لكفى به فائدة. وتكثر العلامات غير مضر ولكل لفظ وبهذا يثبت الإمكان وبما ذكرنا يثبت الوقوع وتخيل أن ما ذكرنا من قبيل اختلاف الصفة والموصوف والصفة وصفة الصفة لا وجه له لأنا لا نفهم مما ذكرناه سوى معنى واحد من دون تفاوت على أن المطلب معلوم من تصريح أهل اللغة باتخاذ معنى جلوس وقعود وسبع وأسد وهذا من المطالب اللغوية وليس من الأمور العقلية التي تحتاج فيها إلى القطع واليقين بل المسألة تكاد أن تكون إجماعية إذا القائل نادر في غاية الندرة. وأما ما اختلفوا فيه فمنه التابع ومنه الحد والمحدود وإذا انضم إلى نظيره فصار تكرارا حصل تأكيد وتثبيت فلا اتحاد فلا ترادف وكذا في الحدود والمحدود إذ الحد يدل على الأجزاء تفصيلا و إجمالا فيتغاير المفهوم وإلا لكان عبثاً وهو مخل بالترادف وكذا التأكيد غير مرادف للمؤكد منه حيث إنه تأكيد لحصول معنى جديد فيه و إن كان مرادفاً من جهة نفسه كما في أغلب التأكيدات اللفظية والمعيار فيه وحدة المفهوم فتأمل.

تذنيب

يصح قيام كل من المترادفين مقام الأخر من جهة الإفادة أما إذا منع مانع وخالف فيه بعضهم محتجا بأنه لا يصح (خدائي)2 أكبر وقد أجيب عنه باختيار الصح أو بأن المنشأ اختلاط اللغتين فلو قيل خدائي بزرك يصح، والجواب الحق إن هذا خروج عن محل النزاع إذ المدعى القيام مع عدم المانع وقد قام المانع الشرعي عندنا أما عند من جوز ترجمة العربي بالفارسية في الصلاة فهو جائز عنده و إذا حرر النزاع بهذا الحق عدم الترادف فيهما، أما الأول فلأنه لم يوضع لمعنى بطريق الاستقلال ولهذا لايدل على شئ إذ الفرد، نعم للمنع وجه بل ينبغي أن يشك فيما قلنا فتأمل فيه.


16

المبحث الثالث

في المشترك

وفيه مباحث

الأول: (في وقوعه)

قد اختلف العلماء على أقوال أحدها أنه واقع على طريق الإمكان، الثاني على طريق الوجوب، الثالث غير واقع على طريق الإمكان، الرابع غير واقع بطريق الامتناع، والمختار لنا هو الأول. لنا على إمكانه أن فيه مصلحة يمكن أن تكون داعية للحكيم على الوضع إذ فيه فائدة إجمالية لا تحصل بغيره وهي ظاهرة المصلحة لحصول الأجر للمكلف عند الطلب و إلا على من لا يراد فهمه وإطالة الكلام مع الحبيب للقرينة فاستعلام مقدار فهم السامع عند تأمله في القرائن وغير ذلك مما لا يحصى وعلى الوقوع إذ القرء للطهر والحيض بنقل أهل اللغة وكذا عسعس لأقبل وأدبر بنقلهم وعين للذهب والناظرة كذلك ونقلهم هو المحكم في هذه الأمور وعلى عدم الوجوب إن هذه الفوائد ليس مما أمر التخاطب والتفاهم عليها نعم تصلح أن تكون من حجة كما ذكرنا.

إحتج أهل القول الثاني بأنه لو لم يكن لخلت أكثر المسميات عن الاسم وهو باطل فالملزوم مثله وهو المدعى، أما الملازمة فلأن الألفاظ متناهية لتركبها من المتناهي والمعاني غير متناهية والمتناهي لا يحيط بغير المتناهي إلا لا نسبة له إليه أصلاً، والجواب يمنع تناهي الألفاظ، قولكم مركبة من المتناهي، قلنا لا يستلزمه وسندنا أسماء العدد، سلمنا تناهيها لكن أينكم عن وضع اسم الإشارة، سلمنا لكن نمنع عدم تناهي المحتاج إلى الوضع من المعاني من المختلفة والمتضادة، وغيرهما التواطئ يكفيها بل نمنع أن جميع المتضادة يجب الوضع لها بل ما تشتد الحاجة إليه وهو غير متناهٍ بل يلزمكم ما لزمنا إذ غير المتناهي لا يحاط به فلا يستغرق بالوضع أما بالنظر إلى غير الواجب تعالى فظاهر وبالنظر إليه تعالى يلزم عدم الوضع الحالي وهو المدعى وإلا فغاية ما يلزم ثبوت مشترك صاحبنا ما على تطاول الدهور وتراخي الأزمنة وربما كان بعد القسمة ألف الف عام فتأمل.

الحجة الثانية لهم إن الموجود بالنظر إلى الواجب والممكن غير متواطئ فهو مشترك بيانه أنه قديم في الواجب حادث في الممكن إن اعتبر الوصف وإن كان الذات فالأمر ظاهر، والجواب اختيار الأول والإمكان لا يدفع الاشتراك المعنوي بل يدفع التواطئ ويثبت التشكيك والتشكيك بسبب تشكيكه فتأمل.


17

الحجة الثالثة الأصل وكل ما تدعونه في محل المنع وكله من قبيل المجاز المشهور فمن ذا أشبه عليكم؟ والجواب تصريح أهل اللغة يدفع الاحتمال مع أنا نعلم التساوي بالسير وتوقف العلماء في الفهم.

الحجة الرابعة وضعه عبث وهو محال على الحكيم، بيانه إن اتصل بقرينه طال بلا نفع وإلا كان الأصل بلا نفع، وجوابه النفع من دونها الإجمال ومنها التفصيل وكم للطول من منفعة وللقرائن مصالح وقد أشرنا إلى بعضها مع أنه يجوز تعدد الواضع أو نسيانه بعد الوضع الأول وأدنى احتمال يدفع المنع العقلي.

البحث الثاني: (في وقوعه في القرآن)

اعلم أن المثبتين أنكروا وقوعه في القرآن قائلين إن اقترن طال وإلا لم يفد. والجواب الفائدة في كلا الوجهين والنفع ظاهر في الجميع إذ الإجمال من مقاصد العقلاء والتفصيل لاقتضاء المقام لا ينافي الحكمة وهذا يسري إلى الأخبار النبوية بل إلى كلام اللغويين والنظر ثم الوقوع حجة ظاهرة عليه كعسعس وقرء والاحتمال مدفوع بكلام اللغويين والمفسرين.

البحث الثالث: (في صحة الاشتراك بين جميع المعاني)

متماثلة أو مختلفة، متضادة أو متناقضة على وجه مطلق وخالف بعضهم في النقيضين قائلاً إن الفائدة معدومة إذ لا يخلو منهما فلا فائدة. وجوابه قد يكون من واضعين أو من واحد مع النسيان وإن كان بعيداً ولأن التحقيق وطلب المراد أعظم الفوائد في استعماله.

اعلم أن المشترك لا يخلو عن وجوه:

الوجه الأول: وهو الذي جرى عليه لسان أهل اللغة من قديم وهو أن يستعمل في كل معنى معنىعلى طريق الانفراد ولا ريب في كونه حقيقة إذ هو موضوع لكل من المعنيين وقد استعمل فيهما.

الوجه الثاني: أن يستعمل في معنى يعم معانيه باعتبار الأحد المطلق أو معنى مأخوذ من غير التسمية مثالهما العين إذا أريد بها أحد أفرادها أو أريد النابع الكذائي ولاريب في كونه مجازاً علاقته الإطلاق والتقيد فيكون من المرسل.

الوجه الثالث: أن يطلق باعتبار معنى عام مأخوذ من الاسم كالمسمى بهذه اللفظة وهذا وإن ناسب جعله مع ما قبله قسماً واحداً وإني أتبعتهم في المغائرة وأمر هذا ظاهر أيضاً والمجاز به لائمة عليه.


18

الوجه الرابع: أن يراد مجموع المعاني من غير تعرض للأفراد إلا في الضمن وهذا ظاهر في المجاز به وعلاقته الكل والجزء.

الوجه الخامس: أن يراد به أحد مردد أما هذا وأما ذاك ومعنى الترديد معتبر في الاستعمال وهذا أيضا مجاز لأن معنى الترديد أجنبي يقيناً.

الوجه السادس: أن يطلق ويراد المعنيان أحدهما للوضع والثاني لعلاقته معه على تقديرها وهذا يرجع إلى استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه فقط وليس البحث عنه.

الوجه السابع: أن يراد الجميع مع الجميع مع دخول معنى العموم في المستعمل فيه وهذا مجاز قطعاً وخارج من محل البحث.

الوجه الثامن: أن يراد الجميع بأن يكون كل منهما متعلقا للنفي والإثبات من غير دخول العموم.وهذا هو الذي اضطربت فيه كلمات القوم واختلفت فيه أقوالهم فمن قائل بالجواز على الحقيقة مطلقاً كالشافعي والقاضي أبي بكر والجبائي والقاضي عبد الجبار والسيد المرتضى (ره) ومنه مانع كأبي هاشم وأبي عبد الله وأبي الحسين والغزالي والرازي وهم بين مانع للوضع وبين مانع من الأصل ثم المانعون للوضع بين مطلق ومفصل والمفصلون على أنحاء:

(الأول) الفرق بين الفرد وغيره.

(الثاني) الفرق بين مدخل الاستغراق وغيره.

(الثالث) الفرق بين الإثبات والنفي وربما عاد إلى السابق.

(الرابع) الفرق بين المعاني بإمكان الاجتماع كالعين وعدمه كالأمر والنهي والطلب والكراهة ونظائرها.

والأول جائز دون الثاني وكلام المتأخرين أيضا في غاية الاختلاف فالمنهاج وتابعوه يجوز على الحقيقة مطلقا والعلامة (ره) في نهايته وتهذيبه يمنعه الأمر يرجع إلى الوضع هنا لنا، أحتج لهذه الأقوال على الترتيب وأبين المختار عندي، حجة الأولين إن اللفظ أما أن يوضع للمعنى بشرط شيء أو بشرط لا، ولا نرتاب في عدم صحة الاستعمال على الحقيقة مع فقد الشرط لمخالفة الوضع وأما أن يوضع لا بشرط وهذا لا ينافي، وما نحن فيه من هذا القبيل إذ نشاهد حالنا في الوضع الجديد فإنا لا نرتاب في أن من وضع زيد لولده لم يقصد سوى استعماله فيه مع الغفلة عن الصميم وعدم الالتفات إليها بل هذا معلوم من أهل الوضع السابق إذ نعلم أن ليس لهم غرض سوى أصل الاستعمال.


19

الثاني لهم ما ورد من الآيات مشتملاً على هذا القبيل منها قوله تعالى (إنّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلّونَ عَلى النَّبِي( ومنها قوله تعالى (وَللهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السّمواتِ وَالأَرْضِ( ومنها قوله تعالى (وَالْمُطَلَّقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء( والمراد الحيض والأطهار معاً.

الثالث قول سيبويه "قول الإنسان لغيره ويل لك دعاء وخير" ومجموع هذا يدل على الجواز بالمفرد في الإثبات بل ومع التضاد وعدم العموم ففي غيره أولى فدل على جواز الاستعمال مع الإمكان مطلقاً وهو المدعى.

وحجة المانعين للأصل أنا نجد الواحد منا إذا رجع إلى نفسه علم استحالة أن يريد بالعبارة الواحدة حقيقتين مختلفتين كما لا يجوز أن يدلك بفعل واحد لشخص واستخفافاً به حجة المانعين للوضع مطلقا إن الوحدة معتبرة في المفرد والمثنى والجمع تابعان له وكذا المنفي ومطلق العام والفارق بين المفرد وغيره مستنده الضميمة في المفرد والاكتفاء بوحدة اللفظ في غيره و إنه بمنزلة المتعدد فالوحدة باقية والفارق بين العام وغيره إن العموم بنفي اعتبار قيد الوحدة، وأهل النفي برهانهم بهذا النحو والفارقون بين المعاني نظرهم إلى عدم إمكان توجه القصد إلى بعضها. مختارنا عدم الجواز لا لأمر يرجع إلى الوضع كما يدعي البعض ولا لما يرجع إلى الطبع كأبي الحسين بل إلى سيرة اللغة وطرائق استعمالاتهم. ولنقدم على ترجيح المختار مقدمه ينكشف بها الحجاب ويزول بها الارتياب.

اعلم أن الواضع وضع ألفاظاً لمعانيها يمكن أن تستعمل على أي نحو أتفق من التقدم والتأخير والتعريف والتنكير والحذف والذكر ولم يكن لنا أن نتصرف فيها حتى يعرفنا كيفية وضعها وخصوصية محلها كما حكم بصدرية ما النافية و أن المصدرية بعد وضعهما لمطلق النفي ومعنى المصدر وكذا عدم تقديم الفاعل على الفعل على الأصح وأمثال ذلك مما لا يحصر كذا وضعها لمعانيها بذلك النحو ولا بذلك النحو ولابد أن تقف كذلك الوقوف حتى نفهم كيفية استعمالها هل لابد من وحدة المعنى أو تعدده أو لا بشرط وطريق معرفتنا ممارسة كلام اللغة يناف إن علمنا الوقف حتى نعلم ونتبين فعدم الدليل دليل العدم.


20

إذا عرفت هذا فاعلم أنه لم يقم عندنا برهان يدل على جواز الاستعمال بهذا النحو سوى ما توهم المجوزون وكله مقدوح؛ أما الأول فلأنه ينفي المانع الوضعي ونحن قائلون به وما ادعاه حق عندنا وقول بعض المتأخرين بدخول الوحدة غير مسلم إن عنى الوحدة الحكمية وغير نافع إن عنى الوحدة الذاتية، وأما الآيات فمنزلة على عموم الاشتراك وهو ضرب من المجاز كما بينت أو على الحذف والإضمار كما ذكره الحلي، واحتمال العلامة أن الصلاة موضوعة للأعم بعيد جداً، هذا مع أن القائل لو نظر بعيني البصيرة وحد التوزيع مستنفرا حد الاستنفار بأن يقصد في الإسناد إلى الله معنى كذا وإلى الملائكة معنى كذا وكذا في السجود وهو ظاهر التأمل بل هذا لا تتوصل إليه أبدا في فهم الآية حتى أنه على تقدير جواز الاستعمال لابد من الخروج عنه هنا لأنه دائر بين التجوز بإرادة العام أو التوزيع والأول أولى لأن الظاهر من الإسناد للمستعمل في الجميع إسناده بإرادة الكل وقولنا لزيد وعمر عين لكل منهما عيون مختلفة فتأمل. وآية التربص المراد بها أحدهما على الخلاف فيهما والأخر تابع وحديث سيبويه مأول على إرادة البدل أو الشيء وشبهه، ثم يمكننا الاستدلال على هذا المطلب سيرة أهل اللغة وطريقة أهل العلم فإنه بناءً على هذا الأصل تختلط المطالب النحوية حد الاختلاط وكذا الصرفية، بيان ذلك إن في ما هو مشترك بين الاسم والحرف كعن على وبين الحرف والفعل كخلا وبين الاسم والفعل كحاشا يلزم ذلك لزوما ظاهرا ويلزم على هذا اختلاط الحرف والاسم والفعل ولابد من اختبار الحينية أو التزام المنع هنا وأيضا تختلط المفرد والمثنى والجمع فبعد أن علم يلزم فيه أمران وزيدون علم كذلك ويختلط المنصرف وغير المنصرف في رحيمة وأمثالها من الألفاظ المشتركة بين الأعلام المؤنثة وبين النكرات ويختلط الوصف الجامد في قاسم وأمثاله وتختلط الصفات بعضها في بعض وتختلف الأحكام تبعاً لهذا الاختلاف في الصرف وعدمه والبناء وعدمه بالحروف وعدمه ويظهر نحو جديد وقواعد جديدة وتنتقض التعاريف إلا باعتبار الحيثيات هذا مع أن أهل العلم لم يتعرضوا لمثل هذه الأشياء مع أنهم يتعرضون للفروض النادرة في التعاريف فسكوت هذا الجمع الغفير عن مثل هذا أعظم برهان على خلق اللغة منه سيما أن أحكامهم تختلف بذلك فيرفع المنصوب على طور وينصب المرفوع على آخر وتضطرب الأحكام كل الاضطراب وتختلف كل الاختلاف ودعاء الاستثناء في هذه المواضع بعيد حد البعد بل نعلم يقيناً أن حال أهل اللغة كحالنا واستعمالهم كاستعمالنا ونحن لا نجد هذا في زماننا كما لايخفى على المتأمل في مقامات العرف وأنحاء السير.


21

وأما دعوى بعض علمائنا (ره) إن المثنى بمنزلة المكرر واتحاد اللفظ كافٍٍ فيه مسلم وعليه المثنى موضوع للمفهوم الكلي ولهذا تدخله الإضافة واللام ويدل عليه أيضاً عدم جوازه فيما لم يشترك في مفهوم الاسم كالمشترك بين الاسم والوصف والعلم والنكرة مثلاً لا يقال فضلان ولا قاسمان أبعد سميان والعموم تابع للعام والنفي تابع للمنفي فرأينا في المسألة عدم الجواز لا للوضع كبعضهم ولا للطبع بل للسيرة فتأمل فيه. إن قيل هو دائر بين أمرين فأما حقيقته إذا لم تؤخذ الوحدة أو مجازاً إذا أخذت وعلى الأول فلا كلام وعلى الثاني فالعلاقة موجودة فالجواب جائز إذا لم يقم مانع من السيرة ونحوها.

واعلم أن العلامة نور الله ضريحه بعد أن مال إلى عدم جواز الاستعمال على طريق الحقيقة استند إلى أنه لو كان حقيقة في المجموع كما هو في الأفراد واستعمل في جميع المعاني لزم التنافي بين المعاني لأن إرادة الجميع تنفي اعتبار الأفراد واستعمل في جميع المعاني لزم التنافي بين المعاني لأن إرادة الجميع تنفي اعتبار الأفراد وهي تنفيه وهو المراد بعد فرض أن الوحدة الحكمية معتبرة تنافي إرادة المجموع لجواب من وجهين أما:

(أولاً) فبأن محل النزاع إنما إرادة الأفراد بتمامها وإطلاق جميع المعاني عليها دون المجموع غير خالٍ من المسامحة وليس النزاع في الإطلاق اللفظي.

(ثانياً) فبالحل بأنه إن عنى بالمجموع في كلامه الجميع فليس شيئاً غير الأفراد بل هما واحد وكأنه لما وصف الأفراد بالاجتماع بنى على الاختلاف كاختلاف المجموع وإن عنى المجموع فهو خروج عن النزاع وكذا إن عنى دخول معنى الاستغراق فيكون المعنى في أعطني عيناً أعطني كل عين ومعنى الكل والدخول مراد فتذكر.

وأعلم أن بعض المتأخرين أورد سؤالاً حاصله إن القدماء قد خرجوا عن محل النزاع إذ كلامهم في المشترك وقد أوردوا التثنية والجمع وهما خارجان فالتجأ بعضهم إلى تصحيح مقالهم بأن الدال في التثنية هو المفرد والزيادات قرائن فهو مستعمل في معنييه فهو غير خارج عن المسألة بل ربما تخيل بعضهم أنهم عنوا استعمال الزيدين ممثلاً في أربع والزيدين في ستة بل أورد بعضهم على أن القائل بأن استعمال المفرد مجاز في المعنيين نظر إلى عدم الوحدة المأخوذة في الموضوع له إن هذا استعمال في جزئي المعنيين لموضوع لهما اللفظ لا فيهما وكل هذه مناقشات لفظية لا دخل لها في المسألة وأجوبتها ردية إذ الظاهر إن المثنى موضوع بوضع منفرد وهي الدال بتمامه والقول بإرادة الأربعة أو الستة غلط يأباه صريح كلامهم بل الحق أنهم تسامحوا في هذه العبارات اعتماداً على القرائن وتساهلاً في تزين العبارة كما هي طريقة القدماء والله أعلم.


22

ولا إشكال بعد العلم بالمراد وتنزيل العبارة سهل هذا وينبغي أن تعلم أن بعض القائلين بأن المشترك حقيقة في الجميع توفي إلى القول بأنه ظاهر فيه مستند إلى أن اللفظ لما تساوت نسبته إلى جميع المعاني كان إرادة البعض دون البعض ترجيحاً بلا مرجح وعدم الإرادة منافٍ للحكمة وجوابه إن الغرض الإجمالي مطلوب وإرادة فرد مع الإبهام لا بأس به فلا يلزم محذور مع أن العلماء خلفاً بعد سلف يقفون في فهم المعاني المشتركة طالبين للقرائن الخارجية كما لا يخفى على من اقتفى سيرتهم ونظر في كلام المفسرين في اللغويين فتدبر.

البحث الرابع: في أنه على خلاف الأصل.

لا ريب في أن الاشتراك يستدعي تعدداً في الوضع المتوقف على تصور المعاني وملاحظة الحكمة وتعينها وجعل الألفاظ بإزائها وهذا كله الأصل، ولأن الغرض المهم من وضع الألفاظ إفادة المعاني وإعلام السامع مراد المتكلم على التعين دون الإبهام والإجمال على أخصر وجه وأحسن تحرير وهذا لا يجري فيه ولأن المشترك ندر بالنظر إلى المتحد فحمل اللفظ عليه خلاف الظاهر والقدح في ندرته بكثرة المشتركات في الأفعال لا يجدي وثبوت مساواته فلا حاجة إلى تخصيص الدليل بالأسماء فالأصل بالمعان الثلاثة مخالفة في الاستصحاب والأولى والأظهر، والغرض إن اللفظ إذا دار بين وحدة المعنى وتعدده بنى على الأول وهو على نحوين:

(الأول) أن نعلم وضعه لشيء ونجهل الوضع لآخر كلفظ زيد إذا علمنا وضعه لأبن عبد الله وجهلنا وضعه لأبن بشر.

(الثاني) أن يطلق على معنيين على الحقيقة ولا نعلم أنه بالوضع لهما أو للقدر المشترك بينهما أما لو علم بالوضع لأحدهما وجهل الآخر مع الاستعمال من دون القدر فذاك يرجع إلى دورانه مع المجاز إن كانت علاقة أو غيره وسيجيء الكلام فيه ولا ريب في عده الحمل على الاشتراك.أما (الأول ) فلما ذكرنا ولأنه لولا ذلك لم نعلم بدلالة لفظ على معنى إرادته فيلزم إبطال دلالات الألفاظ على المراد بتمامها مع الخلو عن القرائن وهو ظاهر، وأما (الثاني) فلنهوض الأصول التي قررناها ووضع الموطأات كثير فتأمل.


23

واعلم أن العلامة (ره) قد استدل بالنحو الذي أسند للغاية في الوجه الأول من لزوم بطلان العمل واعترض عليه بعض شارحي كلامه بأن عدم العلم بالاشتراك لا يقتضي العلم به فلا يلزم ما ذكرتم والحق عدم ورود ذلك عليه لأنه أراد أنا لو نقف احتمال الاشتراك بالأصل بأن كان مساويا من كل وجه لزم ذلك المحذور وهو ظاهر لا غبار عليه فتفكر.

(1)مابين القوسين ساقط من الأصل.

(1) كلمة فارسية.

(24)…………...…………………………………………………غاية المأمول في علم الأصول

مباحث الألفاظ.…………………………………………………………………………(9)

مباحث الألفاظ …………………………………………………………………………(23)

المبحث الرابع

في الحقيقة والمجاز

الحقيقة من حق إذا ثبت لثبوتها في مكانها أو الحق مقابل الباطل عرفاً لأن غيرها كالكذب أو من قولهم فلان حقيق بكذا أي حري به أو من الحقيقة بمعنى ماهية الشيء على ما هي عليه، وعلى الأول نقل واحد والبواقي نقل بعد نقل، أو بمعنى المفعول بمعنى المثبتة، وعلى الثلاثة الأول أما للنقل من الوصفية إلى الاسمية أو مصحوبة معها من حين النقل وعلى الرابع لا أشكال وعلى الخامس فالنقل وجه، أما المصاحبة فقد ادعاها السكاكي ووجهه إن فعيلاً بمعنى مفعول قد يجري على الموصوف فلا يطابق ولا يجري فيطابق وهو منقول من الثاني، وكيف كان فالأمر سهل.

والمجاز أما مضى بمعنى الجواز لأن اللفظ ألته فيكون مجازا مرسلا أو للمبالغة فيكون استعادة أو بمعنى الجائز بجواره أو المجوز لأنه قد يجير أصله أو أسم مكان لأنه كملّه.

ثم الحقيقة في الاصطلاح اللفظ المستعمل فيما وضع له من حيث هو كذلك، والمجاز اللفظ المستعمل في غير ما وضع له من حيث هو كذلك لعلاقة، ولا وجه لأخذ الاصطلاح التخاطبي قيد أو ترك الحيثية لأن المشترك بين المعنيين في اصطلاح واحد إذا أستعمل في أحدهما من جهة العلاقة مع الأخر مجاز مع كونه يدخل في الحقيقة على هذا التعريف وكذا العكس ولا يخرج عن ذلك إلا بجعل الاصطلاح متعدداً كالوضع وفيه من البعد ما لا يخفى.

ثم المفهوم من كلام أهل الأصول والمعقول تثنية القسمة مرددين بين الاستعمال في الموضوع له أو غيره في الأول حقيقة والثاني مجاز. وها أنا أتلو عليك كلام الفريقين: أما الأصوليون فأبوعلي وأبو هاشم الحقيقة ما أنتظم لفظه ومعناه من دون زيادة ونقيصة والمجاز مقابله وعنى بالزيادة استعمال القربة ونظائره فأن الانتظام موقوف على الأهل والنقيصة من كاف ليس كمثله شيء، والمرتضى وأبو عبدالله البصري الحقيقة ما أفيد بها ما وضعت له والمجاز مقابله، وابن جني ما أقرت في الاستعمال على ما وضعت له والمجاز خلافه، بل الظاهر من عبد القاهر هذا فإنه قال الحقيقة كل كلمة أريد عين مما وقف له في وضع واضع وقوعاً لا يستند فيه إلى غيره والمجاز خلافها، والعلامة (ره) لم يدع واسطة وكلامه صريح في خلافها وتحديده على هذا النحو وكذا الحاجي وكذا المتأخرون كالشيخ حسن ومن تأخر عنه، وأما أهل المعتزلة فعلى هذا النحو على ما لا يخفى على من تتبع كلامهم، أما متأخروا البيانيين ومن تبعهم من أهل العربية فقد ثلثوا القسمة وهم بين أقوال: فمنهم من جعل المستعمل في الموضوع له قسمين حقيقة وكناية نظراً إلى أنه إن قصد التوصل إلى المعنى المراد فكناية و إلا فحقيقة والمستعمل في غيره مجاز، ومنهم من جعل الاستعمال في وجه حقيقة ومجاز وفي وجهين كناية فالكناية عنده مستعملة فيما وضع له وغير ما وضع له، ومنهم من ثلث بوجه أخر وهو إن القرينة إن أخذت مثبتة فقط و إن أخذت سالبة لاعتبار الحقيقة أصلاً فمجاز وهذا هو الذي عليه متأخروا البيانين وكلامهم لا يقبل التأويل فالمجاز والكناية على هذا أسندوا في غير ما وضع له. ويمكن التثليث بوجه أخر وهو إن المستعمل فيه إذا لم يكن موضوعاً له فأما أن يكون منتقلاً إليه من المعنى المفهوم وكأنه دليل عليه أو لا، والأول الكناية والثاني المجاز، فعلى هذا لا دخل للقرينة في تسمية الكناية والمجاز بل لو قامت القرينة على عدم إرادة الحقيقة حال الانتقال لم تخرج الكناية عن وضعها.


24

ولما كان مبنى كلام القوم بهذا النحو من الاختلاف وجب علينا أن نبين السر في ذلك فنقول: لما كان مبنى كلام البيانين على مراعاة النكت واللطائف دون فهم المراد في المخاطبات التزموا تثليث القسمة ليعرفوا تلك الخواص ويبينوها، وأهل الأصول والمعقول غرضهم التوصل إلى المعاني بالقرائن وعدمها، والأول مشترك بين المجاز والكناية فلم يفرقوا بينهما فلا نزاع بينهم على هذا إلا في التسمية والأمر فيها سهل، ومن رام التوفيق بين الاصطلاحين فقد خبط عشواء، وربما توجه بعضهم لتطبيق كلام البيانيين على مذاق الأصوليين بأن المراد بمنع القرينة منعها عن انفراد المعنى الحقيقي بالإرادة ولا وجه لهذا على من تتبع كلام المتأخرين فإن كلامهم ينادي بالتثليث ولا يعتريه ثوب الاحتمال ولا يمكن توجيه كلامهم بما ذكروا على تقديره لابد من الفرق بين الكناية والمجاز بوجه أخر من الوجوه والله أعلم.

ولما أنهينا الكلام في الحقيقة والمجاز بقي الكلام في كيفية استعمالها فنقول: استعمال اللفظ أما في المعنى الحقيقي والمجازي كل على حده ولا ريب فيه وأما على الاجتماع والكلام فيه من وجهين:

الوجه الأول: (في صحته)

وقد اختلف القوم فيها فبعضهم منعها وبعض حكم بها؛ حجة المانعين إن المجاز يستدعي قرينة مانعة عن إرادة المعنى الحقيقي واجتماعها معه ينافيها فيكون باطلاً، والمجوزون لامانع من استعمال اللفظ في ذلك لأنه بين الحقيقي ولا كلام فيه وبين المجازي ولا يتوقف إلا على العلاقة والقرينة المثبتة، والذي يقتضيه النظر في هذا المقام إنا إن سلكنا مسلك البيانيين في الفرق بين الكناية والمجاز بالقرينة المانعة وعدمها فالحري التفصيل ولا معنى لإطلاق الحكم من الجانبين إلاّ أن يقصد الإهمال من الطرفين وفي الإثبات أظهر فتأمل، و إن لم نقل بتلك المقالة بأن لم نفرق أو جعلنا الفارق أمر غير هذا فالحري الجواز، والظاهر عندي إن المجاز من حيث هو لم يؤخذ فيه ذلك بل المعتبر في الحقيقة العلاقة والقرينة المثبتة أما النافية فيمكن وجودها معه وعدمه ولعل هذا هو الظاهر من كلام الأصوليين فإنهم لا ينكرون احتياج المجاز إلى غير العلاقة والقرينة الدالة على المراد فليس وجه التثليث عندي سوى المعنى الرابع إن قلنا فإن سمي البيانيون هذا النوع الذي وافق القرينة المذكورة مجازاً وإن لم تكن لازمة فيه فلا نزاع بيننا ويصير حامل مسألتنا هذه إن اللفظ المصاحب لقرينة مانعة عن الموصول له لا يمكن إرادة المعنى الموضوع وله فيه وهذا لا كلام فيه إلا أن كلامهم يأبى ذلك فإن الظاهر عندهم إن المستعمل في غير الموضوع إن كان بقصد الانتقال كالكتابة فلا قرينة مانعة وإن كان بغير ذلك فلا بد منها فأحسن النظر.


25

هذا والاستعمال عندنا غير جائز إلا لما ذكر بل لما نعهد من طريقة العرب وسيرة أهل اللغة على نحو ما ذكرنا في المشترك وأنت بعد أن أعلمناك بلسان القوم وأطلعناك على مصطلحاتهم أمكنك التوصل إلى مستندات أحكامهم.

الوجه الثاني: (في وجهة انه على الحقيقة أو لا)

أقوال ثالثها -حقيقة ومجاز من وجهين حجة الأولين صدق الاستعمال في ما وضع له فيكون حقيقة وأهل القول الثاني أستعمل في المعنى أو في أحدها على التخير أو في مفهوم كلي إلى آخر ما ذكرنا في المشترك ولا ريب في مجازية الجميع إلا ما هو محل النزاع وهو الاستعمال في جميع المعاني على وجه يكون متعلقاً وهذا يصدق عليه التعريفات باعتبار الجهة وأخذاً الحيثية وهي مراده يقيناً ولا وجه لكلام بعضهم من أن الوحدة مأخوذة في الموضوع له فإذا زالت زال ويلزم المجاز لما بينا في مباحث استعمال المشترك في المعنيين من إبطال أخذ الوحدة بالمعنى الذي ذكره فتذكر.

في طريق معرفة الحقيقة والمجاز

اعلم أن اللفظ أما أن يستعمل في معنيين مع العلم بكون أحدهما بعينه حقيقة وجهل ماللآخر ففي هذا لا نزداد في ذكر المعرفات إلا رجحان الظن لأن أصل عدم الاشتراك قائم عندنا وإن المجاز خير منه، أما على رأي المرتضى فالبناء على العكس حتى يظهر الخلاف، وأما أن نعلم بأن أحدهما حقيقة مع جهل التعيين فالغرض من المعرف التعيين دون الإثبات، وأما أن يستعمل في معنى مع جهل حاله، فعلى القول بأن الأصل في الاستعمال الحقيقة تكون العلامات مؤكدة وعلى الآخر مؤسسة، فالتعرض للعلائم ليس لعدم الاطلاع بوجه من الوجوه على الحقيقة أصلاً بل أما للثبوت أو للوضوح.

إذا عرفت هذا فاعلم أن للفرق طرقاً عديدة: منها النقل وهو أما بإعلام الوضع كأن يقال هذا موضوع وهذا غير موضوع، أو يذكر التعريف كأن يقول هذه الكلمة مستعملة في الموضوع عمله أو بالعكس، أو يذكر الخواص كأن يقال استعمال اللفظ في هذا المعنى يحتاج إلى قرينة وفي هذا لا يحتاج إلى غير ذلك من الخواص الآتية، ومنها الخواص المستنبطة وهي أقسام منها ما هو قطعي الدلالة ومنها ظنيها وعلى كل حال فأما مع ظن المدرك أو قطعيته ثم أما أن يكون لوجودها دلالة على شيء ولعدمها على خلافه أو يكون لأحدهما دلالة دون الأخر أما قطعي الدلالة بأقسامه فكالتوقف على القرينة وعدمه وهذا طريق قطعي لأن الوضع على تقديره يغني عن القرينة ونعني بالتوقف توقف الفهم دون الإرادة فلا يرد المشترك، ثم المراد أنه إذا كان مراد بالاستقلال يتوقف فلا يراد استعمال اللفظ في جزء معناه ثم التوقف قد يكون معلوماً في بالنظر في طرائق اللغة وقد يكون مظنوناً بالاستقراء في موارد الاستعمال وكلاهما حجة معتبرة على ما حقق في محله وهذا حصوله دال على المجاز وعدمه على الحقيقة ومثله التبادر إلى الفهم عند الخلو من القرينة فإن انسياق الذهن حال عدم القرينة ليس إلا للوضع وعدمه ليس إلاّ لفقده وهذا غير الإرادة فلا يرد دخول المشترك في المجاز وخروجه عن الحقيقة فلا تكون هذه خاصة، نعم قد يرد الموضوع بالوضع العام لجزئيات لا تحد كأسماء الإشارة والموصولات والضمائر وغيرها أو بأن المراد ما يمكن إحاطة الذهن به أو بأن هذه كأنها ليست معاني حتى يستعمل واستعمالها مأخوذ فيه التعين. وهذا التبادر قد يعلم بالقطع من تتبع استعمالاتهم وقد يحصل بالاستقراء المفيد للمظنة، والكل معتبر كما أوضحنا. هذا كله إذا علمنا أن منشأ التبادر غير القرينة أما مع قيام الاحتمال فالظاهر تقديمه أيضا لأن الظاهر في التبادر أن يكون ناشئأ عن الوضع وهذا الطريق هو الذائع في لسان القوم الذي لهجت به ألسنتهم ومثله صحة السلب وعدمها و الأول دليل المجاز والثاني للحقيقة، والمراد سلب غير المعاني المجازية و إلا فلا يصح أن يقال البليد ليس بحمار بإرادة المجاز واعترض عليه بأن السلب أما أن تؤخذ لا بشرط وهو باطل لدخول المجازات ولا المجازية إذ لا يصح سلب المعنى أو بشرط كونه للحقيقة و لا يراد البعض لأن هذا جار في المشترك فلابد من الكل وهو المراد فيدور. واعتذر بأن المراد البعض ويثبت المجاز بضميمة أنه خير من الاشتراك أو بأن الدليل جارٍ فيما علم استعماله في معنيين حقيقي ومجازي فنعلم المجازي بسلب الحقيقي عن المورد وكلا الاعتذارين خلاف الصواب لأن هذا الدليل مقبول عند من رجح المجاز على الاشتراك ومن عكس وهو جار في جميع صور المسألة فلا معنى لتخصيصه، فالحق في الجواب أن يراد السلب مع الغفلة عن كون المسلوب حقيقياً أو مجازياً بل الملحوظ حال أهل العرف فإنا نجد صحة قول القائل البليد ليس بحمار من دون منافرة بخلاف دابة فلان ليست بحمار وهذا جار في المشترك أيضا إذ سلب الغير عن بعض أفرادها غير مستقيم إلا باعتبار إرادة فرد من أفرادها وهذه كالسابقة في اختلاف المدرك أما ظني الدلالة فمنه عدم الاطراد ونعني به اللفظ و إن لوحظ في إطلاقه في بعض الموارد معنى عام لا يصح في كل ما تحقق فيه ذلك مثلاً النخلة الطويل باعتبار طوله الاعتدالي صحيح بخلاف طويل الجدران والأشجار و إن وجد الوصف وكذا في الحال والمحل والعلة والمعلول والملابس والمشارب، واعترض بأنه يجري في الحقيقة أيضا كما في السخي حيث لم يطلق على الصانع والأبلق حيث لم يطلق على الحمار وأجيب بأن المراد عدم الاطراد لا لمانع وههنا تحقق المانع، واعترض بأنه على هذا دوري إذا العلم بأن عدم الاطراد لم يستند إلى مانع موقوف على العلم بعدم المقتضى إذ لا غيرهما والمقتضى هو الوضع فهو موقوف على العلم بعدم الوضع فلوقف عليه دار، وقد يجاب بأن المراد بالمانع الشرعي أو نص أهل اللغة وفقده لا يقتضي وجود المقتضي إذ جريان طريقة اللغة على شيء من الموانع أيضا، وقد يجاب أيضا بمنع عدم الاطراد في الحقيقة ومثال السخي والأبلق لا يرد لدخول الخصوصيات في الموضوع له، وقد يعتذر بأن المجاز من هذا القبيل أيضاً، وقد يدفع بأن الداعي في المجازات واحد والفارق البناء اللغوي. وهذا الأجوبة على تقديرها تحقق كون الدلالة علمية والظاهر أنها ظنية والظن نشأ بالاستقرار في كثير من موارد الحقيقة حيث لم نجد لاعتبار الخصوصيات مدخلية فيها غالباً في المشتقات وكل موضوع كلي وهذا الظن مقبول لأنه ناشئ عن الاستقراء النوعي وهو المدار في مثل هذه الأحكام على ما مر فتذكر، وعدم الاطراد لا ينعكس مثبتاً للحقيقة كما صرح به الحاجبي لكن العلامة (ره) ذكر الاطراد من خواص الحقيقة وربما كان وجهه إن الكثير من المجازات غير مطرد بالاستقراء فيكون الاطراد محصلاً للمظنة بالحقيقة حتى إنه قد يقال جميع أنواع المرسل غير مطردة كما لا يخفى على من تتبع ونظر.


26

هذا كله في الخواص السارية في جميع أفراد المجازات والحقائق وأما الخاصة في بعض أفراد المجازات فمنه الجمع على خلاف جمع الحقيقة علامة المجاز لدورانه على هذا بين المجاز والاشتراك والأول خير كالأمور مع الأوامر والثاني حقيقة يقيناً هكذا ذكروا وفيه إشكال لأن تعدد الجمع ظاهر واختلاف الوضع لأن انفراد المجاز لجمع في غاية الندرة كما لا يخفى على من تبصر، ومنها التزام التقيد كما في قولهم نار الحرب وجناح الذل وسبب دلالته على المجاز لأن الوضع التركيبي هنا غير مراد يقيناً فليس القيد إلا لصحة الإطلاق.

ومنها التزام المقابلة كقوله تعالى (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ( ولا تقال الأخيرة على الانفراد وليس هذا إلا لكون المصحح للإطلاق هو المقابلة فنثبت المجاز. ومنها لزوم الاستحالة على الظاهر كقوله تعالى (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ( بيان ذلك إنا لو خلينا اللفظ وطبعه حصل المحذور فظهر لابدية التأويل وصرف اللفظ عن ظاهره أما بالحذف أو بالتجوز الاستعمالي وغير ذلك، والمراد ما يعم الجميع هاهنا ثم إن حصل صادف عن هذه الاحتمالات نعني المجاز الاستعمالي و إلا فلا، ومنها التوقف على مراعاة العلاقة، ومنها دورانه مع العلاقة وجوداً وعدماً مثلاً زيد يطلق عليه الأسد ما دام شجاعاً ويفارقه عند مفارقتها فدل على أن المنشأ العلاقة، ومنها عدم الإطلاق إلا عند المبالغة وإرادة التشبيه والتنظير، ومنها عدم صحة استعمال اللفظ بشهرة الإطلاق وكثرة لهج الألسن بإطلاق اللفظ على معنى جديد حتى كاد أن يخفى المعنى الأول كما سنبينه في مبحث الشرعية والله أعلم.

في أقسام المجاز

بالمعنى الأعم خروج اللفظ عن ظاهره أما أن يكون عز من قائل( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء( وإضرابه وقد يسمى مجاز الزيادة وربما رجح بنوع من الاعتبار إلى المجاز الاستعمالي بأن يفسر المجاز بغير المستعمل في معناه لا بالمستعمل في غير معناه أو بأن يراد بالاستعمال في الشيء كونه مقويتاً عليه وهذا هو الظاهر وأما بأن يكون مسنداً معناه إلى غير من هو له بحسب الظاهر بشرط الواقع ويسمى مجازاً في الإسناد ولابد من قيد الظاهر وإلا لزم أن لا يكون فعل مسند إلى العبد إسناده حقيقة على رأي الأشعري والمراد بكونه "له" أما صدوره منه كما في الأفعال الصادرة من القيام والقعود والأكل وأمثال ذلك أو قيامه به كالحسن والقبح والطول والقصر وأضراب ذلك فلا يذهب عليك فساد قول بعض ذوي العلم إن الإسناد في مات زيد ومرض عمرو مجازي وهذا الغلط نشأ من عدم الفرق بين الموت والإماتة وهذا كما في الحسن والتحسين والقصر والتقصير إلى غير ذلك، وربما ناقش بعضهم في إثبات هذا الضرب من المجاز قائلاً ليس الإسناد سوى الارتباط وهو لا يختلف أصلاً، وجوابه إن عني فاختلاف المتعلق كاف في المقام ثم وصف التجوز أما أن يلحق اللفظ بوساطة الإسناد أو يلحق نفس الإسناد والكل حسن، و أما بأن يستعمل في غير ما وضع له على النحو المعلوم وهو أما في المفرد ويسمى المجاز على الإطلاق أو في المركب ويسمى التمثيل عندهم والحق التفصيل بين ما تكون علاقته المشابهة أو غيرها. و الأول التمثيل والثاني المرسل كما يصح أن يشبه هيئة بهيئة فتعبر بلفظ مركب كذا قد تكون علة لأخرى فنعبر بذلك النحو فيكون المجاز مرسلاً وقد يختص بعض أفراد الأول بلم كالتخصيص وسيجيء في كلامنا في تعارض الأحوال إنشاء الله تعالى وصور الاختلاط في التراكيب صحيح من المفرد والمركب والإضمار والمركب بأقسامه فتفطن.


27

في أنه لا يشترط للنقل في المجاز

اعلم أنه قد شاع في لسان القوم أن المجاز موقوف على العلاقة والقرينة وبينوا العلائق على خلاف في تعدادها فمنهم من أورد تسعة ومنهم أربعة ومنهم أقل ومنهم أكثر من أن العلامة (ره) في النهاية أورد ثلاثة عشر وأورد بعضهم علائق كثيرة أحدها السببية والمسببية الحالية والمحلية الثالثة الآلية الرابعة الجزئية والكلية والملزومية التاسعة الدالية والمدلولية العاشرة الزيادة والنقصان وهذه مرجعها إلى عشرين الحادية عشرة الضدية الثانية عشرة وحدة التعلق كالمصدر واسم الفاعل مثلاً بل أريد الحاملية والمحمولية وربما عاد إلى السابق ونسبة الشيء بإسم أحد جزئياته كتسمية الاعتقاد علماً وربما عاد، وأزيد أيضاً إطلاق المشتق على من انقضى منه المبدأ وكلام القوم في أمرها مضطرب كل الاضطراب، وبعضهم أقتصر على مجرد العلاقة غير متعرض للتعداد من اتباع أهل اللغة واقتفاء أثرهم أما بالعلم بأعيان المطالب أو تتبع جزئيات يظن جريان الحكم في أمثالها وهذا أمر واضح لا شبهة فيه فإنا في جميع مطالبنا معتمدون على هذا الطريق ولا نتصرف عن هذا الأصل المستفاد إلا بنص من أهل اللغة أو باستقراء آخر يعلمنا عدم سريان الحكم في خصوص بعض الموارد إذا علمنا بالاستقراء أن مصدر أفعل أفعال لا يجزيه حيث ما يقوم دليل المنع الصريح أو المستنبط وهذا لا يقدح في جوازه حيث عدم المانع فنحن في أمر المجاز قد تتبعنا فوجدنا أن ليس كل علاقة معتبرة فالاشتراك بالمعلولية والحالية والتقدم والتأخر إلى ما لا يحصى من وجوه الارتباط لا يصلح علة للرخصة فالمعتبر هي العلائق المعتبرة في كلامهم ولهذا قيل إن العلائق سماعية ثم لا نرضى بكل شخص من أشخاص هذه العلائق فإنا نجد عدم صحة البقة على الدار و لا القملة على الإنسان والأنملة عليه وهو ظاهر بل المعتبر ما كان مقرباً للشيئين إلى الوحدة فكأنهما أمر واحد ثم هذا أصل يقتضي الرخصة حتى نعلم المنع أما بالنقل أو السيرة.

إذا تمهد هذا فنقول لا ريب في عدم الاحتياج إلى النقل في المجازات لأنا لم نعهد أحداً من أهل اللغة ولا من اتبعهم توقف فيه على النقل ولم يتمسك أحد في إبطال كلام آخر بعدم النقل بل لو كان الأمر على ما ذكر لاستأهلت المجازات أن ترسم كالحقائق بل الإجماع المحصل من تتبع سيرة أهل العلم قاض بذلك كما لا يخفى على من نظر.


28

واستدل لو كان كما قلتم لما احتجنا إلى النظر في العلاقة؟ وأجيب بأن النظر لبيان حكمة الوضع، واعترض بأنا نقطع بأن النظر أقصد للصحة، وأجيب بمنعه في المستعمل وتسليمه في الواضع ولا ينفع، وأورد بلا بديته في المستعمل إجماعا.

واستدل أيضا بأن إعادة اللفظ تابعة لإعادة المعنى و إلا لم تحصل المبالغة ولاريب في أن اللفظ معارٌ فيكون المعنى معاراً غير موضوع له اللفظ بالأصالة وربما كونه معاراً بل اللفظ جار على أصله أو بأن وضع المجاز وضع ثاني تابع لوضع الحقيقة أو بأنا لا نقول بالوقف على نقل الوضع بل نقل الاستعمال وللكل لا وجه، إذ الظاهر في كونه عارية كونه كذلك حين الاستعمال ودعوى الوقف على الاستعمال لا وجه لها إذ المستعمل الأول أما أن يكون بوساطة القانون فنحن سواء أو من دونها فهو الأول، ودعوى الرخصة الشخصية دون الوضع لا وجه لها وتخيل أن الواضع الأول استعمل في الجميع أقرب فتحلا.

واستدل أيضا بأن المجازات الحادثة المعاني كثيرة ولم تكن موجودة كزيد في عمرو هو في بكر وكلا الاصطلاحات الجديدة، ودعوى أن الجميع من قبيل الوضع لا الهجر مهجورة.

حجة الواقفين أمور هي:

الأول - إن الأصل عدم الجواز حتى يثبت.

الثاني - إن الجواز على تقديره بمجرد الاجتهاد ولا أثر له في اللغة.

الثالث - امتناع كثير من المجازات كشبله للصيد ونخلة لطويل غير إنسان.

والجواب عن الأول ببيان طريق الثبوت وقد مر وعن الثاني بما ذكرنا من أن هذا طرائق الاستقراء وهو العمدة في الكثير من المطالب وعن الثالث إن الاستقراء على ما مر رخصه حتى يعلم المانع نقلاً أو استقراء لعدم استعمالهم مع كثرة حاجتهم كما بينت جريان ذلك في المقاييس كلها فتأمل.

في عدم استلزام المجاز الحقيقة

اعلم أنا متفقون على عدم لزوم المجاز الحقيقة و إنما الخلاف في العكس وتحقيق الحق فيه يبتني على مقدمة تقديرها إن الغرض من الوضع أما الاستعمال وهو أما معلوم ولا يخلو أما حالي أي حين صدور الوضع أو تراخي عن زمن الوضع بحيث يعلم الواضع حاجة الناس إليه بعد ذلك وأما تحمل بمعنى إن الواضع لما احتمل الحاجة من عامة الناس إحتاط في الوضع وهذا بالنظر إلى غير الواجب تعالى وأما غير الاستعمال أما للتمكن من التجوز للعلاقة أو من أجل النقل بعد رعاية المناسبة أعني الابتدائي بل ربما لوحظ مجرد التمكن وهذا بالنظر إلى الأوضاع القانونية لا كلام فيه أصلاً لأنا نعلم يقيناً أن ليس كل ما يمكن تركيبه مستعمل في معناه كيف والمركبات غير محصورة ولا يحيط بها العدد وكذا المصغرات والمنسوبات والمثنيات والمجموعات وأضرابها وليست القاعدة المستفادة من الواضع مخصوصة بما استعمل يقيناً.


29

إذا تمهد هذا فنقول لا ريب في عدم استلزام المجاز الحقيقة لأنه إنما أخذ فيه الاستعمال في غير ما وضع له لا بشرط أن يستعمل فيه فهو متوقف على الوضع، واللفظ قبل الاستعمال ليس بحقيقة، فإن أراد القائل مجرد الاستلزام منعناه بهذا النحو و إن أراد الاستتباع والفرعية وهي أخص أزدنا على ذلك أن غاية ما يدل عليه حصر الفائدة في الاستعمال وجوده في زمن ما وهذا لا يقتضي السبق كيف وقد بينت أن جميع الأوضاع القانونية لم يؤخذ منها ذلك فكل من اخترع تركيبها على وفق القانون وتجوز به فقد تجوز قبل الحقيقة وكل أحد متمكن من ذلك، مثلاً إذا في التراكيب أكثرها ومن هذا القبيل "قامت الحروب على ساق" و"شابت عن الليل" ونقض الحاجبي بأن المجاز يستدعي الوضع ولا وضع، هاهنا لا وجه له إذ الوضع القانوني لا يقتضي تحقق المعنى فبدا لك الوضع وضع قامت الحرب على ساق لحرب ذات مساق قد قامت عليها أعني لإثبات للحرب على الساق حقيقة، ثم جواب الحل بأنه لا مجاز إلا في المفرد دون المركب إن عنى به الرد في خصوص المثال فليس منه وإن أمثاله و إن عني النفي بالمرة وهو الظاهر فهو خلاف ما استقرت عليه كلمة أهل العلم خلفاً بعد سلف ثم نقصه على الإسناد بوحدته مع كونه لا وجه له على ما مر لا يقتضي المنقص على التمثيل في الاستعارة على أن الظاهر من الخصم دعوى امتناع الانفراد لا عدمه اتفاقاً، ثم بعدها أورد ما أورد قال: ولو قيل لو استلزم لكان لنحو الرحمن حقيقة ولنحو عسى كان قوياً مع أن هذا لا قوة فيه إذ لعذر عنه ظاهر بالنقل الابتدائي ومنع النقل الهجري فيكون الوضع يقيناً.

هذا وينبغي أن تعلم أن من قال بأن وضع المبهمات لأمور كلية وهو رأي القدماء يلتزم بعدم الاستلزام لبعد الدعوى التعاطي وإرادة الفرد من حيث الاتحاد.

حجة القائلين بالاستلزام: خلو الوضع عن النفع على هذا التقدير، وجوابه بكثرة المنافع مما عدى الوضع وعلى تقدير عدمه واحتماله مجز، ثم هذا لا يثبت الاستتباع على الوجه الآخر بل قام عندنا البرهان في عدم لزوم الاستعمال في الوضع القانوني فتأمل. وربما يستند إلى استحسان وصورة فرعية ومثل هذا لا يثبت فتذكر.


30

في إمكانه ووقوعه على الإهمال ووقوعه في القرآن

فهنا ثلاثة مقامات:

الأول: في إمكانه

قد سبق منا ما ينبئك أن الأوضاع تتبع الحكم والمصالح و أن الوضع ربما وجب باشتداد الحاجة ولا ريب في أنه كما يتعلق غرض لأهل المكالمات والمخاطبات بالمعاني الأصلية كذلك تتعلق بالمعاني الادعائية لتحصيل المبالغات وارتفاع شأن المخاطبات وحلاوة التعبيرات وهذا أمر مرغوب لكل عاقل بل ربما كان مما تشتد الحاجة إليه فيجب الرخصة فيه على نحو ما مر في الوضع فكيف لا يكون ممكناً. وأبو أسحق نسب إليه القول بعدم الوقوع و إن دل برهانه على عدم الإمكان لأن مستنده إن القرينة مخلة بالفهم لقيام احتمال الخفاء فيها وهذا ينافي حكمة الوضع وهذا أقصى ما استند إليه، وجوابه إن الدال إن كان هو القرينة بنفسها فدلالتها أقوى من دلالة الوضع لاستنادها ولا أقل تكون كالموضوعة إن كانت عقلية و إن كانت لفظية حكم اللفظ وكذا إن كان مجموع القرينة وهو أظهر وكذا إن كان اللفظ بشرط القرينة أن لا تفاوت بين شرطيتها وشطريتها والخفاء في بعضها كالخفاء في بعض الدلالات الأصلية من المفاهيم والمعاني الخفية ولا معنى للقول بمساواة الدلالات من كل وجه مع أن وقوعه مما شهدت به الدواوين الشعرية والمواعظ النبوية من جعل الكفار كلاباً وغير العارف بالواجب حماراً وكذا كلام العرب عملوا من ذلك، وليس لأبي إسحق إلا أن يقول إن ما ادعيتم مجازيته من قبيل المشكك وظهور بعض أفراده غير مضر مثلاً الأسد موضوع للجري مطلقاً وظهور الحيوان لكماله فيه وكذا نظائره أو يقول إن اللفظ موضوع مع القرينة فيخرج عن المجاز إن يقول بالاشتراك اللفظي وخفاء بعض المعاني والجميع باطل.

فائدة: في عدم جريانه في جميع المظان

فإن اعتبار الجامع بين البعير والمزاده وبين القرية وأهل القرية وأمثال ذلك مما لا وجه له يقيناً، نعم غاية ذلك في الاستعادة و لا ينفع في إثبات سلب كلي مع أن هذا مخالف لصريح كلام أهل اللغة في أن القرية معناها كذا والبعير معناه كذا، وكذا الاشتراك للنص المعلوم و لأنه يحتاج إلى القرينة واحتمال الخفاء موجود فيها وربما يجاب بالإفادة الإجمالية هنا دون ذلك لكن يرد عليه إن المتكلم حين إرادة التعين لا وجه لاعتماده على القرينة وفهم غير المراد لا ينفع فارقاً وكون الوضع للمعنى مع القرينة لا يدفع خوف خفاء القرينة و أيضا النص القاطع يقطع كلامه مع أنه إن أريد به الوضع النوعي التابع للعلاقة الذي لا يحول المفردات عما ينبغي لها لزم المجاز في المفرد و إن عني الشخص فلا وجه له يقيناً.


31

المقام الثاني: في وقوعه على الإهمال

قد بينت مما يشهد علي ويزيده بياناً نقل أئمة البيان و أهل المعرفة بلسان العرب حتى أن عماد بحثهم في المجازات وكذا اللغويون والنحويون وأهل العلم بكمالهم يصرحون الوقوع.

المقام الثالث: في الوقوع في القرآن

قد بان مما أسلفت أن للمجاز فائدة كلية ومصلحة ظاهرة تستأهل أن تكون باعثة على استعمال وخفاء القرينة في بعض المحال توجب نصب قرينة ظاهرة على الحكيم لا غير هذا هو الحق، ومنعه بعضهم لوجهين:

الوجه الأول: إنه كذب لأنه ينفي فيصدق واجتماع الضدين باطل، وجوابه إن عنيتم بالنفي المتعلق بالمجازي فلا يصح أصلاً وأنتم به معترفون، و إن عنيتم الحقيقي فنحن لكم موافقون و لا يلزم الكذب ونفي المباين لا يقتضي كذباً وإلا كذب المشترك.

الوجه الثاني لهم: إنه يلزم وصف الله بكونه متجوزاً وهو باطل، وجوابه إن عينتم الجواز اللغوي حققنا بطلان اللازم و إن عنيتم الشرعي منعنا الملازمة ولا يلزم من صدور التجوز على تقدير لزوم الاشتقاق سوى الاشتقاق اللغوي على أنا و إن قلنا بالمانع اللغوي ههنا لا لأنا بينا أن القانوني على الرخصة حتى يعلم المنع وهو كخاص صدر بعد عام على أن منع الإطلاق مبني على رأي أهل النحو.

أما من قال بعدمه لبعض القدماء فلا كلام عليه على أن هذا لو لزم للزم كون وأصلاً قاطعاً موجزاً مطنباً مكثراً مقلاً إلى غير ذلك مما لا يحصى وليس هذا إلا كذلك والمنع حقق مع حصول المبدأ، وللعلامة في المقام مستند وهو أنواع الدواعي ومراتب الإشتدادات، ويرد عليه إن هذا قياس مع الفارق لأنها و إن وجد فيها المبدأ المعنوي لا يلزم وجود المبدأ اللفظي فيها على ما تقرر سابقاً من عدم وجوب وضع اللفظ لكل معنى بخلاف ما نحن فيه فإن المبدأ اللفظي قد وجد فيه فدخل تحت الوضع القانوني بل أخذ فيه قيد أخرجه أو أراد عدم اللزوم والوجوب كما في ذلك و إن وضع المشتق في هذا المحل لا يجب إرادته للواضع و إن تحقق المعنى لما برهن عليه سابقاً والله أعلم بحقائق الأمور.


32

في أنه خلاف الأصل

إنه قد اشتهر بين أهل البيان أن الأصل في الاستعمال الحقيقة وأن المجاز على خلاف الأصل لقيامه من دون معارض وبعضها معارض.

أما الأول فثلاثة أقسام:

(أحدهما) علمنا وشككنا في الإرادة ولا ريب في تقديم الحقيقة هاهنا ما لم يعرض عارض كما سنبينه.

(الثاني) أن يستعمل اللفظ في معنى نجهل حاله أي يشك في كونه معنى موضوع له اللفظ أو مجازي صح لارتباطه بآخر وهذا لم يخالف فيه سوى بعض شاذ من العلماء.

(الثالث) أن نرى إطلاق اللفظ على شيء بعد إطلاقه على آخر كإطلاق الخمر على الفقاع فنشك بأنه موضوع لمعنى يعمه فيكون مستعملاً في معناه وهذا فرده أو أنه مجاز والمخالف في الثاني مخالف في هذا القسم.

الثاني: أن نعلم كونه حقيقة في شيء ونجهل حال الآخر وهذا هو الدوران بين الاشتراك وبين المجاز وهذا الأصل بناء على تسميته جار فيه إلا أن غير المرتضى ادعى وجود أصل معارض يغلب هذا الأصل فلا استنكاف من أخذ المرتضى هذا الأصل دليلاً في مثل هذا المقام وتحرير هذا الأصل.

إنا لا نرتاب في أن كلاً من الحقيقة والمجاز يستدعي وضعاً واستعمالاً بل علم المتكلم بل علم السامع وإن كانا من شروط الصحة إذ تقدم أن اللفظ قبل الاستعمال لا حقيقة ولا مجاز وخلاف الأصل إلا أنا بعد القطع بأحدهما لا بد من النظر في المرجحات الأخر إذ المسألة من قبيل التعارض فبعد العلم بأن المجاز موقوف على العلاقة وملاحظتها والقرينة كيف ما أخذت داخلة في الحقيقة أو شرطاً ثم إن العلائق من المعتبرة أولاً وعلى الاستعمال في المعنى الأول على ذلك الرأي لا بد من تقديم الحقيقة إذ صار التعارض بين أصلين وأصول ولما قوبلا بنظيرهما خلت البواقي عن المعارض والأمر ظاهر.

وقد يقرر الأصل بمعنى آخر حاصله إن التجوز تعدٍّ عن المكان الأصلي وجعل للشيء في غير ما هو له وعدول عن حقه إلى غيره وهذا معنى آخر للأصل. وقد يقرر بأن الظاهر من حال اللفظ إرادة معناه الموضوع له وهذا هو المفهوم من حال أهل اللغة إذا سمعوا غيرهم ينطقون بشيء قاصدين معناً يبنون إن هذا موضوع عندهم،وهذا أصل جارٍ في مخاطباتهم ومكالماتهم فكأنهم بنوا على أن لا يصرف اللفظ عن الوضع لما استعمل فيه إلا لداعي هذا كله بالنظر إلى الأصل وإن جرى في الحمل ونزيد عليه في الحمل إن طريقة المخاطبات والمكالمات من مبدأ اللغة إلى زماننا هذا على حمل الألفاظ على معانيها من دون توقف، وأيضاً يلزم تعطيل الألفاظ الخالية عن القرائن وهو خلاف البديهة. فقد ظهر مما ذكرت تقديم الحقيقة على المجاز مع عدم المعارض إلا أنه قد شاع بين فقهائنا أن الإطلاق أو الاستعمال أعم من الحقيقة وبمعنى رفع الملازمة القطعية وقد أورد صاحب المدارك مكرراً.


33

وأقول إنه لا ملازمة قطعية بين الأمرين فهو حق ولكن لا يناسب كلامه لأنه أورده في الرد على من استدل على أن الفقاع أو باقي المسكرات حكم الخمر وهو مع بطلانه من وجه آخر يرد وعليه ما ذكرت ولا معنى لإرادة الاشتراك اللفظي في المقام حتى يكون المنع وارداً عليه اللهم إلا أن يكون باعتبار حصول القرائن على عدم التواطئ دفع كون الإطلاق قرينة علمية تقتضي عدم تلك القرائن والله أعلم.

في تقدمه على الحقيقة أو تأخره مع الرجحان

اعلم أن الرجحان إما أن يستدل إلى الصدق والإطلاق أو إلى نفس المراد والمصداق، وأعني بالأول أنه مع وجود كل من معني الحقيقة والمجاز شاع الإطلاق على المجاز وبالثاني، وأول مصداقه كالأسد في لسان البلدي مع أن غالب أهل البلد لم يرَ أسداً على الحقيقة بخلاف إطلاق صيغة الأمر على الندب وهذا ظاهر.

ثم إما أن يستند إلى داخلي كما مر أو خارجي كقول القائل أكلت حنطة فإنه وإن أمكن إرادة الحنطة على إلا أنه خلاف المعتاد من الأكل.

وقد اختلف العلماء في تقديم راجح المجاز مرجوح الحقيقة أو لا على أقوال (أولها) تقديم الحقيقة عليه وهو رأي أبي حنيفة (ثانيها) تقديم المجاز وهو رأي أبي يوسف ومحمد والظاهر أنه أبن حنبل (ثالثها) المساواة فيكون اللفظ عملاً وهو رأي الشافعي والأمام.

وقبل الخوض في الاحتجاج لابد من تحرير محل النزاع، فنقول: اختلفت كلمات القوم في تقرير الدعوى؛ فصاحب المنهاج أخذ الكلام في غلبة المجاز على الحقيقة استعمالاً فإنه قال إذا غلب المجاز على الحقيقة ومثل بمثال وقال فيه فإن استعماله في المعنى المجازي غالب فيه دون الحقيقي وقال هكذا في كتب الشافعية ثم نسب إلى الحنفية نحو ذلك قال قالوا إذا كان اللفظ حقيقة مستعملة ومجاز متعارف وساقوا الخلاف، وأما الفاضل المراغي شارح منتخب الأصول فعنون البحث بالحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح والفرق بين الكل ظاهر، فإن الشافعية أخذوا غلبة الحقيقة ولم يلتقوا بمجرد التعارف إذ يصدق على مساوي الحقيقة بخلاف الحنفية والظاهر أن هؤلاء عند ذلك أيضاً وأن لم يفِ كلامهم.


34

وأما شارح المنتخب فقد أخذ الأعم من الرجحان الداخلي والخارجي بل شيوع المصداق أو شيوع الإطلاق حتى إذا لم يكن رجحان في الاستعمال أصلاً، والظاهر إن هذا المعنى أقرب إلى سوق أدلتهم بما سأوضح لك ،والحق المتبع أن يقال: لا ارتياب في عدم ملاحظة المرجح(المرجح الداخلي) أعني شيوع الاستعمال أو المستعمل فيه فإنا نرى أكثر المجازات شائعة حد الشيوع والحقيقة مغمورة فيها تقدم فيها الحقيقة كلفظ العام مع شيوع التخصيص حتى قيل "ما من عام إلا وقد خصص" وكلفظ الأسد والسبع والكافر وفرعون وقارون والألفاظ العرفية من الشرعية وغيرها فإنهم مع تسليم شهرتها وكثرتها بنوا حمل اللفظ عليها على الوضع اليقيني كما لا يخفى على من تتبع مسيرة أهل العلم، والحاصل هذه الدعوى منفية بالسيرة المعهودة من أهل العلم واللغة، وأما المرجحات الخارجية فإن أدت إلى حيث لا يكون المعنى الحقيقي قابلاً للإرادة كما في القرائن الشبيه بالقطعية كتعلق الآكل بغير المأكول والشرب بغير المشروب فيصرف إليه يقيناً وإلا فإن كانت بحيث تكون وسيلة إلى التفاهم العرفي وبناء السامع فهي المعتبرة وإلا فالبناء على الحقيقة إذ هي الأصل ولا نتصرف عنها بمجرد الاحتمال بل لا بد من مظنة قوية تستأهل أن يقطع الأصل من أجلها وعادة العلماء البناء على الحقائق حتى تعلم المجازات وهذه طريقتهم خلفاً بعد سلف فإنهم لا يورون في منع الحقائق سوى القرائن الدافعة لاحتمال الحقيقة ومعظم ثمرة البحث في الألفاظ الصادرة عن المتكلم لا بقصد الإفادة كما إذا نذر أو حلف أو باع أو طلق وبنينا على اقتضاء الألفاظ.

أما في المخاطبات فلا تخلو من القرائن الظاهرة الدافعة للاحتمال غالباً وأما حجج القوم، فأبوا حنيفة استدل بنحو دليلنا وأبوا يوسف وأحمد تقديم الراجح راجح والمنع عليه ظاهر والشافعي والإمام إن الرجحان الذاتي في الحقيقة عورض برجحان عارضي فيتعادلان ويبقى الذهن متردداً، وجوابه إن تردد الذهن مع قيام الأصل لا ينفع يقيناً بل مع المظنة، تدلك على ذلك إن من ظن النقل عن المعنى السابق أو وضع جديداً بغير الطرق المعلومة وإن كان المعنى السابق موهوماً في حقه يجب الحمل عليه حتى يعلم وحالنا هاهنا كذلك. والمسألة في غاية الوضوح فعليك بالنظر في البحث وفقت له.


35

تذنيب

قد ينقلب المجاز حقيقة وبالعكس وطريقة حصوله شهرة المجاز بحيث ينسى الحقيقة ولا ينساق الذهن إليها وهذا هو المسمى بالوضع التعيني لعدم استناده إلى جعل جاعل بل باقتضاء نفس اللفظ بمساعدة الاشتهار المخصوص ولا بد فيه من استعمال اللفظ في الموضوع له أولاً وإلا فاشتهاره في المجاز غير نافع وإلا لهدم وجود المجاز من دون حقيقة في أكثر الأمثلة وإلا يكون ترك الحقيقة لعدم الوصول إليها غالباً كلفظ الحركة وإن كان استعمالها في لسان أهل اللغة في غير المعنى الأصلي وكذا العلم غالباً إلا أنه لم يستند إلى الهجر مع العلم بل باعتبار الجهل وكذا إذا اتفق الهجر لعدم تعلق الغرض بالمعنى الحقيقي أو عدم حصوله كما في مثل قامت الحرب على ساق وأسماء الإشارة على رأي القدماء إن قلنا ببقاء المجازية وهو الظاهر مما نسب إليهم بل مبناه على أن يعمل أهل اللغة إلى لفظ ويأخذوه من معناه إلى غيره مع حاجتهم إليه فيفيد ذلك أنهم قد تركوا اعتبار ذلك الوضع القديم وإلا لاستعملوا على نهجه فتأمل ففي الكلام دقة.

في تعارض الأحوال

اعلم أن الشك في حال اللفظ أما إن يكون قبل الاستعمال أو بعده وقد أوضحنا الحال في أمر الأول من أنه لا تعويل إلا على الظنون المخصوصة على ما ينساها سابقاً وأما الثاني ونعني به أن يستعمل العربي لفظاً في معنى ونجهل حاله فيه فلا تعلم كونه مجازاً أو مشتركاً إلى غير ذلك، ولا ريب في التعويل هاهنا على التراجيح و أنه مع دوران اللفظ بين المرجوح والمرجوح يقدم الراجح ويدلك على ذلك حمل العلماء كلمات العرب الصادرة عنهم أعلى المراتب الممكنة حتى أنهم يتكلفون للأشعار العربية والآيات والأخبار معاني دقيقة في أعلى ما يكون من الخفاء لرجحان اعتبار الراجح على المرجوح عندهم وكذا في الحقائق المختلفة في الرجحان كتعارض الإفراد والتركيب والزيادة والأصالة والاسمية والحرفية ومنع الصرف في عدمه والتعريف والتنكير والتذكير والتأنيث إلى غير ذلك وبعد النظر في كلماتهم تعلم يقينا أن الواجب حمل اللفظ على الأولى حتى يعلم الأضعف ومطلبنا هذا فإنه بعد العلم بالاستعمال وجهل الجهة فإن كانت الجهات على حد سواء حمل الأمر وإن كانت على التفاوت حمل على الأولى والأنسب.


36

إذا عرفت هذا فاعلم أن الدور قد يكون بين ما علمت صحته وجهل وجه كما في الدوران بين التخصيص والمجاز أو الإضمار أو المجاز والإضمار فإن الكل يصح اعتباره لدخوله تحت الرخصة العامة ففي مثل هذا لا نرتاب في أن الحمل مبني على الرجحان وعدمه إذ ترجع المسألة إلى التردد في فهم المراد، وقد بينت أن التعويل فيها على مطلق الظنون من شهرة أو ترجيح بنحو ما ذكرت من أن سيرة القوم تقديم المعاني الموافقة للاعتبارات والمناسبة للمقامات وبين ما جهلت صحته ووجهه وهذا كما في الدوران بين الاشتراك والأربعة والنقل والثلاثة فبالاستعمال نبين أن اللفظ موضوع لمعنيين أو نقول إلى غير ذلك على نحو ما يقتضي الترجيح ويتفرع عليه المسألة الفقهية وهذا نحو آخر غير الأول وطريق المعرفة فيه وفي الأول واحد إذ بينت أن المعتبر في وجوه الاستعمالات هو الترجيح سوى أن جهل الأصل والحمل أو الحمل فقط، وقد نظرت للأمرين معا واستندت إلى سيرة اللغويين وأهل العلم فلا يذهب عليك أن ما أورده بعض الفضلاء والمتأخرين على القدماء لا وجه له و لا تجهل الفرق بين ما حصروا مستنده ونفوا فيه العمل بالترجيح أعني ما جهل أصله قبل الاستعمال وبين ما كان المرجع فيه أولوية الاستعمال وأرجحية الإطلاق وهذا مع أنه يمكن إرجاع جميع هذه الظنون إلى الظنون الإرادية المتفق على اعتبارها على أنا في خصوص هذا المورد قد لاحظنا كلمات القوم من العامة والخاصة ولم نرَ أحداً منهم منع كبرى القياس القائلة إن هذه التراجيح حجة معتبرة وكلامهم في صغراه! بل لم يرد واحد منهم ذلك كما لا يخفى على من تتبع سيرتهم.

إذ تمهد هذا فاعلم أنه لما كان الاجتهاد استفراغ الوسع في المظنة وجب على المجتهد النظر في التراجيح وتقديم المقدم من الاحتمالات وقد تبين لك وجوب الحمل على الحقيقة الواحدة إن أمكن إذ هي الأصل ثم بعد العلم بعدمها يرجع الأمر إلى أحد الاحتمالات الخمسة والدوران بين أمرين مقصور على عشرة احتمالات وأما الثلاثة والرباعية وغيرها فمبينة على هذه أحدها بين المجاز والاشتراك والمختار عندي تقديم المجاز وذلك لوجهين:


37

الأول: كثرة وقوعه في اللغة حتى قيل أكثر اللغة مجازات وهو ظاهر وهذا الترجيح و إن عاد إلى الرجحان الحملي لا الأصلي إلا أن المدعى في المقام وذلك على نحو ما ذكره القوم.

الثاني: إن فوائد المجاز أهم وأولى بالاعتبار إذ مبنى البلاغة عليها وكمال المخاطبات وحسن المكالمات باشتمالها عليها، قيل ولأن القرينة إن وجدت حمل على المجاز و إلا فعلى الحقيقة فلا يبقى اللفظ مطروحاً وربما يقرر بأنه أخف مؤنة لعدم احتياجه إلى القرينة إلا على نحو واحد بخلاف المشترك وقيل برجحان المشترك إذا لاحظا فيه لا مع القرينة ولا من دونها ولأن المجاز موقوف على العلاقة واعتبارها والقرينة والاشتراك على الوضع فقط ولكثرة الاشتقاق من المشترك وكثرة المجازات في لواحق المعنيين. والجواب هذا لا يعادل ما ذكرنا وأثر المسألة يظهر في نحو قوله تعالى (وَلا تَنْكحوا مَا نَكَحَ آبَائُكُمْ مِنَ الّنسآءِ( فعلى الاشتراك في النكاح بين العقد والوطئ احتمل حرمة المزني بها والموطوءة بالشبهة ولا تدل الآية على حرمة العقد إلا على وجه بخلاف ما إذا كان حقيقة في العقد الثاني بين المجاز والنقل، ولا ريب في تقديم المجاز إذ النقل مبني تكثر الاستعمال والهجر دون المجاز ولقلته وكثرة المجاز، ويتفرع على هذا أن لفظ الصلاة ونظائرها على المجاز حتى ينهض دليل النقل.

الثالث: بينه وبين الإضمار وفي حكم القوم بالمساواة ولا أستبعد تقديم المجاز لأن فوائده أولى بالرعاية وأحوج في المخاطبات و إن كانت فوائد الإضمار جليلة كالاختصار لأسبابه الكثيرة التي لا تحصى إلا أن الأولى ما ذكرناه ولأن المجازات أكثر على الظاهر، والمسألة بعد محل تأمل وهم قرروا المساواة باحتياج كل إلى قرينة ولم يعتبروا حصول التعين كما سيجيء في توضيحه على المشترك ويبتني على هذا تعارض التشبيه والمجاز في نحو زيدا أسد ورأيت زيدا أسدا وقوله تعالى (وَاَسْأَلِ الْقَرْيَةَ( إلى غير ذلك.

الرابع: بينه وبين التخصيص و لا ريب في أولوية التخصيص لقرية من العام ولكثرة وروده حتى قيل ما من عام إلا وقد خص ويزاد على ذلك بناءً على كون الخاص حقيقة إن الحقيقة مقدمة قبل و لأن القرينة إذا انتفت عن الخاص دخلت أفراده في العام بخلاف المجاز. على هذا المعنى قوله تعالى (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ( فإن قلنا بالتخصيص صار البيع عاماً في جميع أفراد البيوع إلا ما أخرجه الدليل و إن قدمنا المجاز صار البيع مستعملاً في الصحيح فهو مجمل.


38

الخامس: بين الاشتراك والنقل والمشهور تقديم النقل لأنه مفيد في الزمانين معاً وليس المشترك كذلك والظاهر عندي تقديم المشترك لكثرته وقلة مؤنته حتى ظن أنه أولى من المجاز ورتبوا على هذا لفظ الزكاة لاحتمال وضعَه للفاء والقدر فيكون مجملاً أو منقول إلى الثاني فيكون مبيناً.

السادس: بين الاشتراك والإضمار ولا ريب في تقديم الإضمار أما على مساواته المجاز فظاهر و أما على عدمها فلكثرته وعلى فائدته مما لا يخفى، قيل ولاحتياج المشترك إلى القرينة دائماً بخلاف المضمر إذ قد يتعين بنفسه. والظاهر أنهم قد عنوا قرينة خصوص المضمر لا أصل الإضمار ورتبوا على ذلك فهم قوله تعالى (وَاسْأَلِ القَرْيَةَ( فإن قدمنا الاشتراك فلا حاجة إلى الإضمار و إلا أضمرنا الأهل.

السابع: بين الاشتراك والتخصيص ولا ريب في أن التخصيص خير لأنه من المجاز والإضمار، ورتبوا على ذلك قوله تعالى (وَلا تَنْكحُوا مَا نَكَحَ آبَائُكُمْ( إذ يمكن تعميم النكاح للفاسد والصحيح فلابد من التخصيص في العقد ويحتمل أن يراد الوطئ على الاشتراك.

الثامن: بين النقل والإضمار ولا ريب في تقديم الإضمار لتقدمه على الاشتراك على ما ذكرت ولعظم فوائده ولمساواته للمجاز على قول، ورتبوا على هذا تنزيل قوله تعالى (وَحَرّمَ الرّبَا( فعلى أنها بمعنى الزيادة باقية على معناها فلابد من إضمار الأخذ و إن جعلنا منقولاً إلى العقد فلا حاجة إلى ذلك.

التاسع: بين النقل والتخصيص ولا ريب في تقديم التخصيص إذ هو مقدم على المجاز والإضمار والاشتراك ويبنى على ذلك قوله تعالى (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ( فإن قدمنا النقل جعلنا موضوعاً للصحيح ولا إشكال وإلا خصصنا الآية بالصحيح.

العاشر: بين الإضمار والتخصيص ولا ريب في تقديم التخصيص لسبقه على المجاز المساوي له أو الأولى منه، ويبنى على ذلك قوله تعالى (وَلَكُمْ فِي القَصاصِ حَياةٌ( فعلى الإضمار بقدر شرعية القصاص والأخص القصاص بالنحو الخاص.

وإنما لم نطل البحث في المرجحات لسهولتها وأن المهم البحث في حجية مثل هذه التراجيح، وقد أشبعنا القول في ذلك.

بقي شيء وهو إن ما ذكرناه خاص بترجيح الطبائع المختلفة مع الغفلة عن العوارض ولابد للفقيه من النظر إليها فرب اشتراك أو نقل خير من مجاز لبعد علاقته وخفاء ملاحظتها ورب مجاز خير من تخصيص كما إذا كان المجاز ظاهراً والتخصيص أكثر أفراد العام فمراد القوم بأن المجاز أرجح من الاشتراك والتخصيص. مثلا أنه مع عدم العارض يرجح الراجح على المرجوح فلا تغفل فتقع في خبط وخبط، ثم كما يحصل التعارض في مختلف الطبيعة تقع في متحدها كالدوران بين المجازات أو الإضمارات أو التخصيصات والميزان هاهنا الأقربية إلى التفاهم أما بالقرب من الظاهر وأصل اللفظ كما في الدوران بين المجاز القريب والبعيد إلى الحقيقة كما في (لا صلاة إلا بطهور) (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) مع دورانه بين نفي الكمال أو الصحة و لا ريب في أن نفي الصحة أقرب إذ مسلوب الاعتبار بالمرة أقرب إلى مماثلة المعدوم وأحرى بإطلاقه عليه إذ ليس بعده إلا سلب الذات بخلاف سلب الكمال لتحقق الواسطة، وقد يكون باعتبار القرب العددي كالخاص الأعم والخاص الأخص حراماً باعتبار كثرة الاستعمال فيه دون غيره كما في مثل الألفاظ الشرعية بناءً على عدم النقل إذا تعذر إرادة المعنى اللغوي فيها نعني إرادة الشرعي من دون ريب وكما في الأمر بعد تعذر الوجوب يحمل على الندب دون الإباحة لشهرته وفيه ما في الأول أيضا فلابد للفقيه أولاً من النظر في كون اللفظ مجازاً أو مشتركاً مثلاً وبعد فرض المجاز به عليه أن ينظر أي المجازات قصدها المتكلم فإن رجح أو تعين بنى و إلا رجع إلى أصله، هذا هو الحق فقول بعضهم إن تقديم الأقرب غير قريب لا وجه له .ومن فروع المطلب الجملة الخبرية إذا استعملت في معنى الطلب وسنبين الحال فيها في محله إنشاء الله تعالى وهذا الظنون إرادية فلا ريب في اعتبارها.


39

في تحقيق أنواع الحقآئق وبيان وجودها

قد علمت أن المأخوذ في تحقيق معنى الحقيقة الوضع وهو الفارق بينها وبين المجاز فالمعتبر في أنواعها أنواع الوضع إذ الوضع أما أن يكون لفريق خاص من ذوي الألسن كالأوضاع الخاصة بالعرب أو بالعجم مثلاً فلا كلام في النسبة إذ المجعول للعجم عجمي وللعرب عربي ولا دخل لكون الواضع من هؤلاء بل المعتبر ما هو الملحوظ بالوضع ومنه ما هو مشترك مع اختلاف الجمهور والأمر أيضا ظاهر إذ اللفظ يتبع الاستعمال في المعنيين من حيث الوضع وهذا كما في لفظ نون مثلاً أو مشتركاً بينهما مع وحدته فالملحوظ في نسبته ملاحظة اللغتين كما في تنور وكثير من ألفاظ الأعلام، فالمعيار فيها ملاحظتها حين الاستعمال فمن نحى باستعمالها نحو العجم صيرها عجمية أو نحى نحو العرب كانت عربية فمن هذا لا يسمى الكلام العربي المشتمل على اسم علم عجمي غير عربي باعتبار القصد وهذا التقرير كما يجري في اللغات يجري بينه في الاصطلاحات الخاصة فالحقيقة للصرفية ما وضعت لأهل الصرف والنحوية ما وضع لأهل النحو والشرعية ما وضعت لأهل الشرع وليس المراد ما وضعه أهل الشرع وإلا لزم أن تكون جميع الألفاظ حقائق شرعية بناءً على أن الواضع هو الله تعالى بل لزم أن تكون الأعلام التي وضعتها للأشياء حقائق شرعية ولا دخل لكون الواضع هو الشارع وغير الشارع في زمانه حتى لو اصطلح الأصحاب في زمن النبي (ص) على وضع لفظ لأهل الشرع ومنهم الشارع فيه كان أيضاً حقيقة شرعية بل لو فرضنا أن ما شرعه أهل الدين السالف تواضعوا لفظاً وجرى نبينا (ص) على وضعهم لكان كذلك وهذا التحقيق مبني على أن نسبة الحقيقة إلى الشارع هل هي باعتبار كونها منه لأصحابه أو باعتبار كونها عنده وعندهم باعتبار الشرع إلا أن الظاهر من تفاسيرهم إن الوضع المعتبر هو الشرعي فأما أن يكون كلامهم مبنياً على امتناع تملك الوجوه أو أنه جرى الاصطلاح على هذا، وكيف كان فالغرض المهم وجودها في زمن الشارع وكأنه هو المقصود لهم وسيجيء لهذا تحقيق في بحث مستقل إنشاء الله.


40

ثم نسبة الحقيقة إلى الصنف أعم من أن تختص بواحد أو من غيرهم لهم أو مع اشتراكهم كما في صورة الهجر. ثم الوضع إن كان لأهل اللغة مع كونه أصلياً فالموضوع حقيقة لغوية أو جديد عام فهي عرفية عامة أو خاص غير شرع فهو الخاصة أو شرع وهو الحقيقة الشرعية وإفراده لشرفه وإلا فهو نوع من الخاص، ولا ريب في وجود الأقسام الثلاثة إذ (الأول) هو اللغة إلا يسيراً منها و(الثاني) كما لفظ الدابة لذات القوائم وأضرابها و(الثالث) كما في الموضوعات النحوية أو الصوفية كلفظ الفاعل والمفعول والتصغير إلى غير ذلك والكل إجماعي لا كلام فيه وإنما النزاع في الشرعية، وسأعقد بها بحثاً في إثبات الحقيقة الشرعية.

(48)………………………………………………………………غاية المأمول في علم الأصول

مباحث الألفاظ ………………..…………………………………………………………(49)

الحقيقة الشرعية

اعلم أنه طال التشاجر بين الأصوليين في هذا المطلب فبين نافٍ لها ومثبت والثاني بين حاكم ببقاء الألفاظ التي اختلف على المعاني اللغوية في زمان الشارع فلا مجاز ثمة ولا نقل وهو الذي نقله القرافي وغيره عن القاضي أبي بكر الباقلاني، وبين حاكم بخروجها عن المعاني الأول مستعملة في غيرها مجاز العلاقة ملحوظة فيها وهو رأي الإمام وكثير من الجماعة.

ثم المثبتون بين من اقتصر محلها في الحقائق المبتدعة لأهل الشرع وهم كثيرون وبين من أضاف إليها الحقيقة الدينية وهم المعتزلة وفسروها بما جهل أهل اللغة لفظه أو معناه أو كلاهما ومثلوها بأسماء الذوات كالمؤمن والكافر والإيمان والكفر دون أسماء الأفعال كالصلاة والزكاة وسيجيء الكلام عليهم في ذيل البحث الثاني إنشاء الله تعالى.

فلا يخفى عليك فساد ما قيل بأن ليس في المسألة إلا قول بالثبوت أو العدم على وجه المجازية إذ نقل العلماء المعتبرون عن القاضي وإن نقل بعضهم خلاف هذا إلا أن الثابت ما ذكرنا ولا بد من تحرير محل النزاع أولاً فنقول: لا ريب في أن الكلمات الجارية على ألسنة أهل الشرع أما أن يكون قد تبعوا بها أهل اللغة كالماء والهواء مثلاً أو يكونوا قد وضعوها لا من جهة الشرع كأسماء الأعلام الصادرة منهم كالقاسم والطاهر وإسماعيل ونحو ذلك أو يكونوا قد استعملوها مجاز ولم تغلب أصلاً ولا كلام في خروج هذه الصور، أو يكونوا قد استعملوها مجازا وغلبت لا في زمان الشرع بل بعد زمن أهل الشرع ومبطليه وهذا كما سبق لا كلام فيه إلا من جهة وجوده على ما يظهر من بعض المتأخرين أو يغلب في زمن مبيني الشرع صلوات الله عليهم وهذا لا كلام في خروجه من هذا الموضوع إلا أن البحث فيه كثير الجدوى عند الإمامية بالنظر إلى ما يصدر من أئمتهم فإن علموا تاريخ صدور الرواية الإمامية بعد الغلبة حملوا على المعنى الجديد أو بالعكس حملوا على المعنى القديم أو جهلوا مع يقين تاريخ أحدهما تمسكوا بالأصل في تأخر الأمر وآل إلى أحد المسألتين السابقتين أو جهلوا الجميع رجعوا إلى القواعد وسأبين لك في ذيل البحث إنشاء الله تعالى زمن القطع بالنقل في زمن المعصومين، أو يكونوا قد استعملوها مجازا في صدر البعثة ثم غلبت في آخر زمن النبوة أوضعها (ص) وضعا جديداً بعد البعثة والظاهر دخول هذا القسم الموضوع.


41

أما الثاني فظاهر وأما الأول فإن كان النبي (ص) داخلاً في المواضعة فهو ظاهر أيضاً و إن كان من غيره بالوضع اليقيني وجرى عليه لسان النبوة أو التعيني مع تبعية النبي (ص) فليس منها و إن ساوى البنوي المتأخر في الثمرة إلا أن هذين الفرضين في غاية البعد بل هما احتمالان يذكران للإحاطة بشقوق المسألة وشعبها، أو يكون الوضع من الأنبياء السابقين على نبينا وتبعهم نبينا في ذلك فهذا من محل النزاع محصل للثمرة أو من مشترعة أهل الدين السالف ونبينا (ص) تبعهم في وضعهم فهذا مساو في الثمرة وفي دخوله تحت الموضوع أشكال مبني على أن الشرعية ما هي من الشارع للمشترعة أو عند الشارع للمشترعة أو يكون قد صارت كذلك بالهجر في مبدأ الشرع وهو لا ريب في كونها من الموضوع بل ظاهر المرتضى الاقتصار عليها بل كثير من أهل العلم حرصوا بدخولها تحت الحقائق الهجرية وحصول الثمرة على هذا التقدير مبني على سبق الهجر على يمكن الإسلام حتى يخفض قول النبي (ص) أو يضطر و إلا رجع الأمر إلى التاريخ أو يكون للنبي (ص) قد وضعها ابتداءً من غير شيوع وهذه هي التي يترتب عليها الثمرة الكلية من غير حاجة إلى تاريخ وغيره.

وربما قيل من أن حمل الألفاظ الشرعية المجردة على معانيها الحقيقية مبني على الوضع وعلى علم المخاطبين به فلابد من تاريخه إذ ربما تأخر العلم عن زمن الصدور فيرجع الأمر إلى ما تقدم؟ وجوابه إن المتكلمَ متكلمٌ على لسانه وينصب قرينة، والظاهر إرادة معناه و إن لزمت فيه القرينة فتأمل، على أن الظاهر إن الوضع يتوفر الداعي إلى الإعلام به فلا يؤخر عن زمن الخطاب بل تخيل السر في هذا المقام بعيد كل البعد. ونحن بعد أن أبنا هذه الوجوه فلا يهمنا سوى إبطال ما ينفي كونها حقيقة في زمن الشارع وأما تلك الاحتمالات البعيدة مثل كونها من غيره وقد تبع أو إن الهجر مستند إلى غيره فهي مع كونها لا تهمنا لا وجه لها يقينا، واحتمال كونها من أهل الشرع السابق أو من مشترعة أو من شرعنا بالابتداء أو الهجر فلا حاجة لنا به


42

المهم لنا إذ المهم لنا إثباته على نحو ما ذكروا أعني إثبات إنها حقائق في زمان الشارع، كيف ما كان فالذي نضعه في الإثبات والنفي إن هذه الألفاظ هل هي حقائق في زمان الشارع أو لا؟ وأما من جهة المتعلق فالظاهر إن النزاع إنما هو في الإثبات بطريق الإهمال ولو بالنظر إلى لفظ، وقول العضدي ومن حذا حذوه إن محل النزاع إنما هو الألفاظ المتداولة في ألسنة المشترعة وصارت حقائق هل هي حقائق في أصل الشريعة أو لا ؟فيكون القائل بالإثبات حاكماً يكون كل حقيقة عند المشترعة هي عند الشارع كذلك. وهذا لم نعثر عليه في كلام القدماء سوى العلامة ظاهر وعلى ظاهرهم خلافه، والحق إن مرجع النزاع إلى إيجاب في الجملة وسلب كلي يفصح عنه ذلك تمثيلاتهم بالألفاظ المتداولة كثيراً في كلام الشارع كالصلاة والزكاة والحج ونظائرها.

وبعد أن حررنا محل النزاع وأبنا خلاف القوم فلنشرع في إثبات ما هو المختار عندنا فنقول الحق وجود الشرعية على ما قررنا لوجوه:

الأول: الاستقراء لكلام الشارع فإن من رأى مضان اطلاقات الشارع وجدها خالية من القرائن في الآيات القرآنية والأخبار النبوية مع علمنا بالإجماع أن المراد منها في تلك المواضع المعاني الشرعية وتخيل القرائن في الجميع غلط ودعوى الخفاء بعيد وكذا دعوى إن الجميع من قرائن الأحوال كما لا يخفى.

وكيف يظن بالرواة أنهم يتركون القرائن مع علمهم بأنها مما يتوقف عليها الأحكام ويحتاجها جميع أهل الأعصار وهل هذا إلا سوء ظن؟ نعم هذا يستقيم في الألفاظ النادرة إذ ربما يغفل فيه عن القرينة. فإن قيل إن كان الاستقراء مفيد للقطع فكذلك ولكن غاية ما يفيدنا حصول المظنة، والمسألة من مطالب الأصول و لابد فيها من القطع؟ فالجواب إن ليس المعنى بمطالب الأصول ما رسم في هذا العلم إذ يبحث فيه عن المشترك والحقيقة والمجاز والمشتق بل جله من المطالب اللغوية حتى بحث الأوامر والنواهي والعام والخاص إلى غير ذلك وأي عاقل يرضى بأن هذا الوضع المدعى إن نسب إلى غير الشارع قام الظن و أما إليه فلا أو إن رسم في غير كتب الأصول اكتفى بالظن أو فيها فلا يقبل! بل المراد إن جميع الأحكام لابد أن ترجع إلى أصل قطعي إذ لا بناء على الظن من حيث هو ظن فالمراد إن أصول الأحكام قطعية راجعة إلى قطع ولو بالآخرة وكان هذا ألفاظ سمع بهذه المقالة واشتبه في معناها فلا تغفل، وهذا معلوم لا كلام فيه كيف مع أن طريقة علمائنا رحمهم الله الاستدلال بالظنون على أعظم من هذا الأصل كاستدلالهم بالآيات على حجية خبر الواحد والاستدلال بأخبار الآحاد على حجية الاستصحاب وكذا ببعض الآيات والروايات أو الظن العرفي واللغوي، على أن الأمر للوجوب والنهي للتحريم وأمرهم شائع ذائع لا يخفى على من له أدنى درية في كلامهم، وربما تشبث بوجه أخر وهو إنه لا يعتبر كل ظن في الموضوعات و إلا فما بال القياس وهذا أشد بطلاناً لما تقدم من أن هذا هو الطريق المثبت لأكثر كلام أهل اللغة هذا مع الذي يلوح من كلام الحاجبي أن هذا الاستقراء مفيد للقطع لا الظن على ما نفهمه لا على ما فهم من أنه عنى القطع لا على ما فهم العضدي من أنه عنى القطع في زماننا ويضم ضماً لم مفسدة لتحصل اصطلاح كلام الشارع و إننا نشير إلى بعض منها في ذيل البحث إنشاء الله تعالى وإن أنكر المظنة بالمرة فقد كابر ضرورة العقل وعد سوفسطائيا.


43

الثاني: طريقة أهل العلم خلفاً بعد سلف فإنهم يثبتون المطالب بمجرد أمر صلوا أو توضؤا إلى غير ذلك لا يتأملون فيه وإذا احتج أحدهم على آخر بمثل هذه الألفاظ يأبى طبعه أن يقول له لا يدل هذا بمجرده و أين القرينة وهذه سيرة معلومة حتى اليوم ،ودعوى إن جميع تلك الألفاظ قام الإجماع على إرادة معانيها عند كل واحد واحد منهم (ص) في غاية البعد، يوضع لك عنه ذلك ما ورد منه وضوء المخبث ووضوء الحائض ونظائرهما بل ما ظهر إرادة خلاف معناه يستعلم بإجماع أو نحوه ولولاه لحكمنا بالمعنى المعروف كالوضوء قبل الطعام فتأمل.

الثالث: إنه قد اشتهر إطلاق هذه الألفاظ في عصر النبي (ص) في أوامره ونواهيه وفي خطبه ومواعظه حتى إنها تذكر في اليوم مرات لا تحصى ولا تعد ولا تذكر حتى إن العارف بأحوال المكالمات يجد أن الإطلاق على المعنى اللغوي في ذلك العصر أقل قليل بالنظر إلى إطلاقه على المعنى الشرعي فلو لم يكن سوى ما علمناه من هذا الشيوع في إثبات النقل في قريب أوائل زمان النبي (ص) فكيف في آخره مع تطاول المدة وازدياد الاحتياج باعتبار كثرة المسلمين وشدة الشوق إلى حفظ أمور الدين.

الرابع: إن هذه الألفاظ كانت موجودة في الأعصار السابقة بل في أول زمن العربية مع أول نبي بمن نزل بلسان العرب وقد بقيت أحياناً تردد في ألسنتهم حتى جاءت إلى نبينا (ص) ولا ريب في أنها في أواخر الشرع السابق لا تنقص عنه أو آخر شرعنا مع أنه من المعلوم عندنا أنها حقائق في مثل الأزمنة المتأخرة، ولما كانت حقائق عند المشترعة السابقين كانت أيضاً عندنا لأن النبي (ص) إذا قال الصلاة هكذا إلا على ما كنتم تفعلون علمنا إن هذه طبيعة الصلاة عنده وهذا إنما إذا أمر الحاكم بشيء سماه سريراً وبقي هذا أمره فجاء آخر فقال السرير هكذا علمنا يقيناً أن هذا هو المسمى عنده سريراً ولا يحتاج إلى قوله ولا إلى إعلامه بل بمجرد إطلاقه، حتى كاد أن يكون لفظه مخالفاً لألفاظهم كمخالفة أحكامه لا لأطوارهم. وهذا الوجه هو الذي ينتفع به كل الانتفاع إذ اللازم منه أن هذه الألفاظ حقائق في مبدأ الشرع فلا حاجة إلى تاريخ جعل أو إعلام فتأمل، وفقت لغوامض التحقيق.


44

الخامس: إنه من المعلوم لكل أحد إن منه شرع شرعاً أو وضع علماً كان أن يضع الألفاظ المتداولة عنده بين ذلك حال النحاة والصرفيين والمحاسبين والمتكلمين وجميع أرباب العلوم وصاحب الشريعة أحرى لهذا أو أحوج إليه لعلمه بكثرة احتياجه فانظر.

السادس: ما سنح بخاطري ولا زال يتردد في فكرتي منه إن كثير من العلماء قد قطع بالمسألة وجزم بها أما لإجماع ادعاه أو لإطلاعه على القرائن المفيدة للقطع وعلى كل حال فهو منجز بما قطع شاهد على ما اطلع عليه والنافي لم يستند إلا إلى أصل العدم وهذا هو الكثير لأن القاطع نزر، وأيضا المنكر نافٍ وشهادته غير مسموعة فنحن لو رجعنا إلى النقل واتخذنا هؤلاء المثبتين مجزين لم يكن بالبعيد وهذا وجه نافع على تقدير تمامه والظاهر تمامه بالنظر إلينا فتأمل.

السابع: إن أسماء العقائد كالكفر والإيمان والزندقة واليهودية والنصرانية والمجوسية أسماء شرعية وهي حقائق قبل شرعنا يقيناً وهو من الشرعية إذ الدينية أخص منها على الأصح وكذا أسماء المعاملات كالطلاق والنكاح والمتعة إلى غير ذلك أسماء شرعية كذلك فتأمل.

قد سمعت منا أن مدعانا الآن إنما هو إثبات حقيقة في زمن الشارع بأي طور اتفق وفي أي زمن كانت مع قطع النظر عن كونها بالتعين أو التعيين أو مبدأ الشرع أو أخذه لكن أو الاحتمال كان في هذا المقام أو بمنع إن الدين المعتبر هو الإسلام وقوله تعالى (إنَّ الدّينَ عِنْدَ الله الإِسْلامُ( حصرا منافي في مقابله أهل العقائد الباطلة والذي يصرفنا عنه ظاهر الآية بنائنا على المقدمة الأولى تسليما مع علمنا بأن الإسلام مقابل الكفر المنقسم إلى التهود والتنصر والجحود إلى غير ذلك، وقد يقال هذا يكفيه لدلالتها على وحدة الجنس وهو مدعاه فتأمل، أو بمنع أن الإسلام الإيمان قولهم يلزم عدم قبول الإيمان لقوله تعالى (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناَ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ( أقول: الاستدلال بهذه الآية مبني على أن الإيمان مباين مفارق للإسلام ولو كان مغايرا لا يلزم ذلك، إذ معنى الآية ومن لم يتبع الإسلام، سلمناه لكن اللازم من ذلك أما كون الإيمان أخص أو مساوي وكون الإسلام الإيمان يعطي أغصبية الإسلام، أقول: لكن هذا الكلام لا يضر في دعوى المعتزلي إذ بناءها على أن الإيمان والإسلام من جنس واحد اعتقاداً أو عباده وهذه كلها مماشاة لهم و إلا فهذا إنكار البديهي إذ يلزم على دعواهم أن الكافر إذا أسلم ثم مات قبل العمل ليس بمسلم وكذا من بلغ ولم يفعل شيئا قبل بلوغه ثم مات بعد البلوغ بزمان يسير لا يكون عنها وكذا المجنون إذا أفاق بعد جنونه المصاحب له من أول عمره فمنا يسيرا ثم جاءه القضاء، وإنكار إيمان مثل هؤلاء يعد من إنكار البديهيات.


45

وعارض العضدي المقدمة القائلة الإسلام الإيمان بآية( قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا( أقول: وهذا لا يدفع كونهما من جنس العبادات إلا أن مقتضاها المباينة أو أخصية الإيمان وقد مر أن وحدة الجنس كافية للمعتزلي مقتضا إلا أن يكون من المقرر عندهم أن كل من الدين والإيمان والإسلام بمعنى تمام العبادات فتكون الكل على التساوي، ويرد كلام الفاضل العضدي، وأما ما استدلوا به ثانيا فبطلانه يمنع بطلان إن قاطع الطريق مؤمن قولهم يدخل النار والمؤمن لا يدخلها لأنها خزي والمؤمن لا يخزي! قلنا نمنع أن المؤمن لا يخزى وقوله (وَالّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ( لا يلزم منه أنهم لا يخزون بل لعل المراد معه في النعيم ولو بعد الورود، أو المراد أجلاء الصحابة أن علق معه بانوا و إن جعل خيرا رجع إلى الأول، ويمكن أن يجعل حالاً والخبر يسعى نورهم بين أيديهم، أو من تعدد الخبر فلا يدل على مطلوبهم أيضاً مع أن ما دل على عقاب المسلمين وهم المؤمنون عندكم كاد لا يحصره عاد والأمر في غاية الظهور.

وينبغي أن تعلم أن الذي اقتضاه دليل المعتزلي هو إن الإيمان حقيقة دينية مطابقة وكذا الإسلام التزاماً وأما إن جميع الذوات كذلك فغير معلوم، لكن المهم له إثبات الدعوى على وجه الإهمال فلهذا اكتفى بلفظ الإيمان وعلى الإيمان وعلى تقدير وجوده ادعاه فالظاهر إنه أخص من الشرعية لأنها عبارة عما وضعه الشارع مطلقاً وتغيير الاصطلاح باصطلاح جديد لا كلام لنافيه فتأمل.

البحث في مراتبها

وتقدم بعضها على بعض لا ريب في أنه على تقدير وجود الشرعية فهي أول المراتب في كلام الشارع إذ غير هذا المعنى في حقه مجاز والحقيقة مقدمة عليه وربما يفصل في المقام بأن يقال المخاطب بكلامه من أهل اصطلاحه حمل اللفظ على اصطلاحه و إن كان من غير بينة.

المسألة على أصل اصطلاحي المتكلم والمخاطب ويكون حاله كلفظ الرطل إذا صدر من مكي مخاطباً عراقياً: والخلاف هنا مشهور في أن المقدم هل هو اصطلاح المخاطب أو المتكلم أو على الإجمال وسيجيء تحقيقه، فههنا إن علم المخاطب مشترع فلا كلام و إن علم أنه لغوي جاء الكلام و إن شك توقفنا، وأقول لا ينبغي أن يشك في أن هذه الألفاظ المدعي وضعها عند الشارع لم يضعها الشارع إلا ليخاطب بها أهل اللغة وهذا الوضع على تقديره معلوم لا يخفى على أحد، فكل من رام الشرع واستكشاف الأمور الشرعية بنى على هذا الاصطلاح ومن طلب حكما شرعياً فهو من حيث كونه طالباً له سالك مسلك أهله تعذرت الشرعية أما لعدمه على رأي من قال به أو قيل بعدمها فيه، فإن اتحد العرف واللغة فلا كلام وإن اختلفتا قدم العرف اللغوي على اللغة يقيناً إذ زمان صدور الروايات آخر أزمته اللغة ومن البعيد حدوث العرف العام بعد زمان الشارع لقصر المدة و إن لم نعلم عرف أهل اللغة وعلمنا العرف العام في زماننا فالظاهر أيضا كذلك إذ نظن عدم تبدل العرف فيما بين الزمانين نعم يعارض هذه المظنة أصل تأخر الحادث لكن البناء على المظنة في مثل هذه الأشياء أقوى أو مع القرينة في غيره وهو يتبع اختيارهم فلو هجروا الوضع أعني وضع الصيغة للأمر لم يكن أمر أو مذهب عباد قد مر الدليل على بطلانه فبطلت الذاتية وهو المدعى.


46

الثاني - لو كان الفارق ذاتياً لأمكن تخلف الوصف عن الاستعمال فيريد الأمر أو لا يكون أمراً وهو باطل بالضرورة.

الثالث - لو كان الفارق ذاتياً لأمكن التميز بينهما بمجرد سماع اللفظ وهو ظاهر الاستحالة.

الرابع - لو كان كذلك لأمكن العلم بالأمرية مع عدم العلم بالإرادة بل مع العلم بعدمها حتى لو صدر اللفظ عن الساهي والنائم وهو خلاف المعلوم.

الخامس - لو كان كذلك لما أمكن الأمر بالإتيان بكل صيغة تعم ما لاتجعلها للأمر إذ ما في الذات لا يأتي بالقصد، وأقول الظاهر إن هذا القائل لا يريد الذاتية المطلقة بل التابعة للقصد من الاستعمال فيعود النزاع شبه اللفظي وإن كان بعيدا من كلامهم فتأمل.

واستدل الأشاعرة على فساد اشتراط الإرادة بوجوه:

الأول - إنها على هذا التقدير بكون الأمر به صفة للصيغة و إذا كان صفة فأما أن تكون صفة لتمام الصيغة وهو باطل لوجود الأمر به وعدمها والمعدوم لا يكون محلاً للوجود و إن كان لبعضها لزم كون كل جزء منها أمراً وهو ظاهر الباطل.

الثاني - صيغة مدلولها الوضعي للإرادة فهي كالمعاني التي وضعت لها الألفاظ مدلوله بالوضع.

الثالث - يلزم أن يكون الشخص أمر النفية والتالي باطل والملازمة ظاهره.

الرابع - لو توقف الأمر على الإرادة لبطل الاستدلال بالأوامر حتى تعلم وهو معلوم.

الخامس - قال أهل اللغة الأمر وقول افعل مع الرتبة ولم يأخذوا الإرادة.

السادس-قد يأمر السيد عبده بما يريد وقوعه من اختيار.

السابع-أمر إبراهيم بالذبح ولم يرد منه.

الثامن-يلزم أن يكون قوله تعالى (ادْخُلُوهَا بِسَلامٍٍ آمِنين( أمراً فيكون أهل الجنة،وهو ظاهر البطلان.

والجواب عن (الأول)إذا كان وصف الأمر كوصف الخبر من الأوصاف المعقولة اللاحقة للمعقول فلا يلزم وجود الموصوف.

وعن( الثاني) إن احتجنا إلى الإرادة لاشتراك الصيغة وهذا لا ينافي مدخلية الوضع.

وعن (الثالث) يجوز أن يكون أراد ذلك منهم أو لم يرد معنى الأمر كما في الأوامر التهديدية والتبشيرية.

وعن (الرابع) لا يلزم من الإرادة صدق الأمر إذ يتوقف على الاستعلاء والعلو لا يستقيم في النفس.


47

وعن (الخامس) التعويل لظهور الإرادة.

وعن (السادس) لم يشترطوا للعلم به.

وعن (السابع) إظهار أمر لا أمر.

وعن (الثامن) لا نسلم عدم الإرادة.

وإنما أطلنا الكلام في هذا المقام جرياً على طريقة أهل العلم وليكن كتابنا محتوياً على المطالب بأسرها والله الموفق.

المبحث الخامس

فيما يراد من الصيغة وما تدل عليه بنفسها مع الضميمة

وفيه مطالب

المطلب الأول:

في تعداد معانيها وجهة استعمالها في غير الطلب

وقد ذكروا ستة عشر معنى؛ الإيجاب والندب والإرشاد والإهانة والدعاء والإباحة والتهديد والإنذار والامتنان والإكرام والتسخير والتعجيز والتسوية والتمني والاحتقار والتكوين وربما يزاد الطلب والالتماس والإذن والخبر فينتهي إلى عشرين وقد يزاد غير ذلك. والحق إنها في غير الطلب في أنواعه مجاز فبطل قول من قال إنها حقيقة في المباح وكذا قول من قال بأنها مشتركة بين الوجوب والندب والإباحة وكذا قول من قال بأنها وضعت للأعم وهو الإذن وكذا القول بالاشتراك بين الثلاثة والتهديد وكذا القول بالاشتراك بين الثلاثة والكراهة والتحريم والأخيران زيادة على العشرين.

ولنا على ثبوت دعوانا إن غير الطلب وأنواعه من اللفظ أصلاً فإن كل من سمع لفظ "افعل" لا ينصرف ذهنه إلى غير الطلب أصلاً وهو غير خفي بل وقوع نظائرها في جميع اللغات كذلك بل كل ما مال دال عليها كذلك وهي في غاية الوضوح واحتجاجهم على التواطيء بأنها استعملت في الثلاثة والأصل عدم الاشتراك والمجاز مردود وربما ذكرناه من شهادة العرف واللغة مع ما يرد عليه من ما سنورده على القائل بالوضع للطلب. وكذا حجتهم على الاشتراك بأن الأصل في الاستعمال الحقيقة مردودة بما ذكرنا وبما نبطل به الاشتراك بين الوجوب والندب.

المطلب الثاني:

في تحقيق ما حقيقة فيه:

اختلف القوم في المعنى الحقيقي للصيغة على أقوال:

(الأول) إنها حقيقة في الإيجاب مجاز في غيره.

(الثاني)حقيقة في الندب فقط.

(الثالث) إنها مشتركة بين الإيجاب والندب اشتراكاً لفظياً.

(الرابع) إنها مشتركة بينها اشتراكاً معنوياً.

وقيل مشتركة لفظاً بينهما لغة متعينة شرعاً للوجوب وقيل مشتركة معنى لغة متعينة شرعاً للوجوب، وقيل حقيقة في الإباحة فقط، وقيل فيها فقط وفي الإيجاب والندب، وقيل في التهديد، وقيل حقيقة في الأعم من الثلاثة وقيل حقيقة في الثلاثة والكراهة والتحريم وقيل حقيقة في الوجوب دون الإيجاب. والحق إنها موضوعة للإيجاب دون الوجود وغيره، فهنا دعويان أما:


48

الأولى: فلأنا لا نعقل من قولنا "افعل كذا" سوى تحتيم الفعل وأما كونه من المعنى الإنشائي وقول بعضهم إنا نعني بالوجوب اللغوي لا الشرعي لا يصحح كلامهم لأن الوجوب اللغوي كذلك غير مفهوم من اللفظ يقيناً إلا أن إرادة الشرعي أظهر بطلاناً، نعم إن أريد به ما ذكرناه أخيراً صار من اللوازم لكن قد يطلق الوجوب في كلامهم مريدين به الإيجاب كما وقع منا مراراً فيما سبق فلا يختلط عليك أمر الاصطلاحين. فثبت حقيقة مذهب الأشاعرة وفساد مذهب المعتزلة القائلين بالدلالة على الوجوب إلا أن يعنوا أن الإيجاب من الله يستدعي صفة في الفعل تقتضي وجوبه فالمدعى لزوم الوجوب النفس الأمري للإيجاب الشرعي وهذا ظاهر على مذاقنا فتأمل وفقت.

أما الدعوى الثانية: فلضروب من الأدلة (أحدها) شهادة العرف فإنا نعلم يقيناً من مجاورات كلامهم إن من سمع منهم أمراً حمله على الوجوب من غير تردد حتى إن السيد إذا أمر عبده بأمر فلم يفعل عده عاصياً مخالفاً لأمر سيده وذمه العقلاء معللين ذمه بمخالفة الأمر وكذا سيده يستند في استحقاق العقوبة والإهانة بمخالفة أمره ويقبل من العقلاء ذلك والحاصل يظهر لمن تتبع المقامات الخطابية إن صيغة الأمر على الوجوب حتى تبين الخلاف.

وأورد على ذلك بأن الفهم من دون القرينة في محل المنع ومعها لا يثبت المطلوب؟ وأجيب بفرض الخلو عن القرينة كما نفرض أن شخصاً وقع على قرطاس فيه "افعل كذا يا فلان" فإنه يفعل ما أمر به إذا كان الأمر واجب الطاعة من غير شك مع الخلو عن القرينة قطعاً، واعترض على هذا بأن القرينة لازمة لا تفارق إذ قد يقال إن مستندها حال الأمر إذ الغالب إن من أراد شيئاً أوجبه. وأقول:

أولاً: لا يخفى عليك ورود المنع على هذا، كيف مع كثير من الأوامر وردت على غير وجه التحتيم. ثم لا يخفى عليك أن الثمرة الفقهية غير ضائقة على هذا لأن القرينة في موارد إطلاقات الشارع ودعوى وجود القرينة في كلام الرعية فقط دون أهل الشرع ظاهر البطلان لاسيما في أوامر أهل العصمة صلوات الله عليهم إذ خطاباتهم كخطاباتنا.


49

ثم لا يخفى عليك أن هذا الدليل وافٍ بتمام الدعوى إذ بعد ثبوت العرف تثبت اللغة بأصل عدم النقل وكذا الشرع لما ذكرناه ولعدم القائل بالدلالة شرعاً لا لغة وإنما الكلام في العكس وتشكيك صاحب المعالم لا ينفي ما قلناه فتأمل.

الثاني: الإجماع الذي نقله المرتضى من أن أصحابنا خلفاً بعد سلف يحتجون بالأوامر على الوجوب من غير نكير ولا يتأملون في القرائن ولا يتنازعون في استنباط الحكم مستندين إلى الشك في دلالة الأمر على الوجوب حتى إذا احتج أحدهم على آخر بمثل الأوامر لا يمكنه منع الدلالة وهذه سيرته المأنوسة وطريقتهم المعلومة من عهد الصدر الأول من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين بل يمكننا تحصيل الإجماع بمثل ما ذكر من النظر في سيرة القوم على وجه لا يقوم عندنا في ذلك شك فالمستند مع الإجماع المنقول الإجماع المحصل، هذا وينبغي أن يعلم أن هذا الدليل بظاهره لا يقضي بأكثر من كون الأمر الوارد في الشرع محمولاً على الوجوب إذ إجماع القوم أما لاستفادته من خارج كما دل على وجوب اتباع الأمر أو لنقل في كلامهم ومرجع الأول إلى القرينة الإرادية أو الاستعمالية والثاني إلى كونه حقيقة عند الشارع، وأقول يمكن توجيه الدليل على وجه يثبت حقيقة الوجوب لغة وعرفاً أيضاً أما على الثاني فلأن ثبوت الوضع في الجملة قاضٍ بالحقيقة دائماً بضميمة أصل عدم النقل وحكاية القسم الثاني بضميمة أن الأصل في الاستعمال الحقيقة، وأما الأول من الأول فبمنع إمكانه إذ الظاهر أنه مستعمل فيها إرادة الشارع من الوجوب ويبعد أن يكون أراد بالأمر مطلق الطلب ثم كلف بالوجوب تكليفاً خارجياً ثم لا يخفى عليك بترتب الثمرة الفقهية على كل حال فتأمل.

الثالث: من الكتاب روايات أحدها:

(1) قوله عز وجل مخاطباً لإبليس ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ وجه الاستدلال إنه ذمه على ترك السجود عقيب الأمر والذم لا يكون إلا من جهة معصية إذ هو غير اللوم فيكون ترك امتثال الأمر معصية فيكون فعل المأمور به واجبا وأورد عليه:


50

أولاً: لا نسلم أن الذم على ما امتنع منه بل على سبب الامتناع وهو التكبر فكأنه قال أنا أعلم بما منعك وهذا كلام يقال في التهديد.

ثانياً: بأنا لا نسلم أن "إذ" هاهنا أريد بها التعليل وإنما أريد بها التوقيت ويكون الذم على معصيته صدرت منه في ذلك الوقت أعني وقت الأمر وهو ترك السجود والذي نص على تحريمه في ذلك الوقت.

ثالثاً: بأنا لا نسلم وحدة الصيغة في زماننا وفي ذلك الزمن لا وجه للاحتجاج بوضع تلك على هذا الوضع.

رابعاً: بأنه إنما يدل على أن الملك إذا أمر وجب عليه الإتيان وربما كان مكلفاً بالمندوبات و لا يسري إلينا.

خامساً: إن لفظ الأمر قد يستعمل في معنى التحتيم لا بمعنى قول "افعل" فكونه دالاً على الوجوب لا يقتضي دلالتها.

سادساً: إن القرينة على الوجوب ظاهرة في المقام كما لا يخفى.

سابعاً: لا يدل على أكثر من كون الأمر حقيقة في الوجوب في كلام الله تعالى والمدعى أعم منه ومن كلام أهل الشرع وخطابات اللغة.

ثامناً: منع كونه ذماً بل ربما كان لوماً في المقام وعتاباً وعلى هذا فلا يدل.

تاسعاً: بأنه ربما كان المراد بالاستفهام أن يعترف إبليس بأن المانع له الكبرى

كقوله تعالى ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ فلا يكون ذماً ولا لوماً.

العاشر: إنه لم يثبت إن للسجود حقيقة شرعية فالمراد الخضوع فالذم على عدم عدمه لأنه واجب و إن كان الامتثال مستحباً.

الحادي عشر: إنه لربما لترك إبليس السؤال عنه ما أريد بالصيغة مع تمكنه واشتراكها وهو دال على عدم الاعتناء.

والجواب عن الأول إنه خلاف الظاهر يكشف عن ذلك أنا إذا سمعنا قائلاً يقول: ما منعك عن ضرب عمر، فهنا إنه عتاب أو ذم على الضرب وهو ظاهر، وعن الثاني إن "إذ" إما إن تعلق بمنع أو بيسجد، وعلى كل حال فهو معلق على الأمر ومرتبط به وإن كان الثاني أظهر فهو من قبيل تعلق الحكم بالوصف إن لم يكن منه و إن أردت زيادة كشف في المقام فعليك بالتأمل في المخاطبات العرفية فإنك تعلم حينئذ إن المفهوم من قول القائل: ما منعك وقت الأمر أن تضرب زيداً وقت الأمر، وهو ما قلنا فتأمل.


51

وعن الثالث لو لم يكن هذه الصيغة مساوية لتك في اللفظ أو في المعنى لم يحصل التشنيع عن إبليس بمجرد علمنا بمخالفة الأمر حتى نعلم أن أمره كأمرنا وأمرنا للوجوب، وأيضاً إثبات صيغة أخرى غير الرومية والهندية والفارسية وما استند إلى غير هذه اللغات مما نعلمه ممنوعة بحكم الأصل وهذه اللغات لا فرق بينها وبين لغتنا فتأمل. وعن الرابع إن المستند في حقيقة الذم هي الأمر دون كونه ملكاً ولو لم تكن تامة في استحقاق الذم لقيل أمرتك مع كونك أمرتك كما وأيضاً لا نسلم أن الملك يجب عليه جميع المندوبات بل الظاهر خلاف ذلك. وعن الخامس إن الظاهر في لفظ أمرتك قلت لك افعل، نعم قولنا أنت مأمور تحميله وغيره. وعن السادس إن التعليق على مجرد الأمر ولو كان لأضيف نصب القرينة لتتم الحجة كأن يقال ونصبت لك قرينة، وأيضاً القرينة إن كانت قرينة مقام أي أراد بالأمر مطلق ثم نصب قرينة على أن ما طلبه واجب إلا أن الوجوب داخل في معنى الصيغة فهو خلاف الظن و إن كانت قرينة استعمال أثر بضميمة أهل الحقيقة، وربما يقال بأن هذا معارض باستعمالها في الندب ويضم ما قلتم، لكنا لا نقرر الدليل على القائل بالندب بل على القائل بالتواطئ فتأمل، وعن السابع إن ثبوته في محل يقتضيه في جميع المحال لأصالة عدم النقل ويثبت في لسان الشارع واللغة أيضاً، وعن الثامن إن الذم لا يخلو عليه كما لا يخفى، وعن التاسع إنه على القول بعدم الوجوب لإبليس أن يقول لم توجب علي فله مفر من دعوى الكبرى لأنه مندوحة له، وقد يقال ليس له إلا ذلك إذ لو قال لم أفهم الوجوب أمر ثانياً وكبره يمنعه من ذلك يدلك على ذلك أنه ورد في بعض الأخبار إن إبليس لو تاب إلى الله تعالى وسجد على قبر أدم لغفر له فتأمل، وعن العاشر إنه خلاف ما عليه المفسرون وقضت به الأخبار من أن السجود المأمور به السجود المعلوم، وعن الحادي عشر فإن الظاهر أن الذم على المخالفة لا على الاحتياط فيها فتأمل. هذا وينبغي أن تعلم إن هذه الأصول منها القوي ومنها الردئ إلا أن الظاهر بعد التأمل في الآية الدلالة على ما قلنا والله أعلم.


52

(2)

قوله تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم ارْكَعُوا لا يَرْكَعُون وجه الاستدلال إنه تعالى ذمهم على عدم الركوع بنصب الأمر وهو يقتضي كونه معصية فلابد من فعله، وأورد عليه:

أولاً: إن "إذا" للعموم العرفي في أصله كلما قيل لهم اركعوا لا يركعون ولا ريب في أن بعض الركوع واجب.

ثانياً: إن المفهوم من قولنا وإذا قيل اركعوا الخ معناه لأنه قيل هم يعني أنهم معاندون.

ثالثاً: بأن في سياق الآية ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذّبين وهذا ينادي بأن الذم على التكذيب لا على مخالفة الأمر وإن كان المقام إنشائياً إذ متعلقه مضمون الأمر.

رابعاً: باحتمال القرائن ويكون الذم على مخالفة الأمر المقرون بالقرينة.

خامساً: بأنه لا يدل على تمام الدعوى.

سادساً: بأنه ربما كان لعدم فحصهم عن المراد بالأمر وإنه ماذا مع تمكنهم منه.

سابعاً: بأن المذمة من جهة إن من شأنهم المخالفة فلازالوا عليها مصرين كما يقال فلان إذا قيل له افعل لا يفعل وتلك تؤدية إلى المعصية قطعاً.

والجواب عن الأول إن الظاهر بعدم إرادة العموم بل مجرد التعليق ولا كلام فيه على أن التعليق و إن كان كلياً إلا أنه على مخالفة الأمر، وعن الثاني بمنع مفهومية ما ذكروا التمسك بما دلت عليه القرائن كقوله إذا لقيت العدو ونحوه لا وجه له، وعن الثالث الويل على التكذيب لا يدافع الذم على ترك الامتثال نعم هذا يستقيم على مذاق أبي حنيفة إذ التكذيب يدل على الكفر لأن المراد بالقائل النبي (ص) أو هو في محله والكافر غير مخاطب بالفروع وأما على مذهبنا فلا بأس بها إلا أن يقال خلاف الظاهر من السياق، وعن الرابع بالإتزام ذكر القرينة على نحو ما ذكر وبأن القرينة استعمالية على الظاهر ونظم إليه وعليه المعارضة السابقة والكل قد تقدم، وعن الخامس تتم الدعوى بضم الأصل، وعن السادس بأن المذمة ظاهرة على ترك الركوع دون الفحص وغيره مع أن دعوى وجوب الفحص عن بيان المراد قبل أن يبدأ به المكلف لا يخلو عن شيء فتفكر، وعن السابع إن المفهوم إن الداعي ليس للتأدية بل نفس الترك وقد تبين هذا حينئذ أن جميع ما ذكر لا يدفع الظهور والله أعلم.


53

(3) ﴿وَمَا كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُه أَمْرَاً أَنْ يَكُونَ لَهُم الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِم وجه الاحتجاج إنه قد نفى الله الخيرة بعد ورود الأمر وهو لا يستقيم إلا إذا كان للوجوب فارقاً مع غيره، وأورد عليه:

أولاً: منع إرادة الخيرة في الانتقال بل في حكم ذلك الأمر مثلاً إذا ما قضى الله بالندب فليس لهم الخيرة تبديلية وجوبا والعكس.

ثانياً: بأن القضاء بمعنى الإلزام ويمنع كونه بمعنى التقدير وهذا كما يقال قضى الحاكم بكذا أي ألزم.

ثالثاً: بأنه مختص بأمر الله ورسوله (ص).

رابعاً: بأنه مشتمل على لفظ الأمر دون الصيغة.

خامساً: بأن الأمر ربما أريد به الفعل ويكون المعنى قضى فعلاً.

سادساً: بأن المعنى ما كان ينبغي أن يكون لهم الخيرة.

سابعاً: بأن هذا لا يدل على أنه معنى للصيغة بل إنه مراد خير صدودها وهو غير الدعوى فتأمل. هذا والظن إن الاحتجاج بهذه الآية ساقط.

وإن كان الجواب عن الثالث والرابع ظاهر مما تقدم وكذا الجواب عن الأولى باختيار الأعم وإنه الظن، وكذا عن السادس إذ هو بعيد عن اللفظ، وكذا السابع كما قدمت من أن خلاف الاستعمال بعيد وبه وبالوضع يثبت أيضاً فتذكر، إلا أن الأول والخامس يقطعان الاستدلال من أصله و إن كان الآخر مبنياً على إشراك لفظ الأمرين الطلب والفعل وهو خلاف المشهور إلا أن الثابت عندي ذلك والحاصل دعوى الظهور في هذه الآية منكر فتفكر.

(4 )

قوله تعالى ﴿أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي مع قوله ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنّم وجه الاستدلال إن مخالف الأمر عاص والعاصي معاقب، أما الصغرى فالأولى و أما الكبرى فالثانية فيكون مخالف الأمر معاقباً فيكون مقتضى الموجود إذ العقاب الأعلى واجب وعليه فيه لفظ الأمر، وثانياً اختصاصه، وثالثاً بأنه قد كان الأمر الذي أسندنا تاركه إلى العصيان إيجابياً، ورابعاً، قضية الخلود تدل معصيته مكفر فلا يدل على مطلق الأمر، وخامساً بأنا لا نرتاب في أن الأمر ما أريد به الندب، فالصغرى إن أخذت مقيده كأن يقال مخالفة الأمر الإيجاب عاص سلمنا المقدمات وصحة النتيجة و لا يضر إذ محصلة\ه إن الأمر الإيجابي يدل على الوجوب و إن بقيت على إطلاقها منفياً كلية الكبرى. واعلم أن الاستدلال قد يقرر بوجه آخر وهو إن مخالف الأمر يصدق عليه العصيان عرفاً فهو عاص وكل عاص معاقب فلا حاجة إلى الآية الأولى.


54

والجواب عن الأول والثاني والثالث معلوم مما سبق، وعن الرابع بأن المراد بالخلود البقاء مدة طويلة مجازاً وهذا من تخصيص عموم منه بحيث يخرج أغلب أفراده وقد يتخيل التضييق على رأي المعتزلة وهو بعيد إذ هو قائل بالخلود في الكبائر اللهم إلا على قول الضعيف منهم على ما يخطر على بالي، وعن الخامس إن المراد الأمر لا بشرط أي منقول من تعين معناه بلا قرينة ندب تصرفه معصية ونسوق الدليل أو نقول بالعموم بمقتضى الآية إلا ما أخرجه الدليل وليس إلا المصرح بندبيته و لا يخفى عليك أن سوق الدليل على الوجه المذكور أخيراً أسلم من وقوع الإشكال من بعض الوجوه، ثم الجواب الأخير عن الخامس بعيد الصحة إذ غير مناسب أن يراد من يعص الله ورسوله معاقب غالباً بل المراد تحتيم الاستحقاق للكل والله أعلم.

(5) ﴿وَأَطيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ مع ما دل على وجوب الطاعة من الآيات القرآنية وجه الاستدلال إن موافقة الأمر طاعة إذ هي المفهومة من إطلاقها وقد وجدت بمقتضى الآية لا لظاهر الصيغة بل القرينة الحالية تكشف عن ذلك إذ السلطان إذا أمر رعيته بالطاعة فقال أطيعوني فهم الكل أنه يعاقب غير المطيع و أنه حتم الطاعة وهو ظاهر. وأورد عليه المفهوم أن الطاعة موافقة الأمر على نحو ما يقتضي فإن كان ندبياً لم يكن للترك منافياً و إن كان إيجابياً نافاه على أنا نقول إن أخذت في الطاعة موافقة الأمر مطلقاً منعنا:

أولاً: إن الآية مسوقة لإيجاب الطاعة و إن كان بشرط الإيجاب، سلمنا المقدمات و لا تثمر إن المدعى.

ثانياً: بأنا لا نسلم قيام قرينة الحال على إيجاب الطاعة نعم هو صحيح حيث لم تكثر الأوامر الندبية من ذلك المتسلطة بأن كانت عادته في الغالب المطالب.

ثالثاً: بعد الدلالة على أنه معنى حقيقي للفظ.

رابعاً: باختصاصه بالشرع وهو أخص من الدعوى.

والجواب عن الأول إن موافقة الأمر لا بشرط طاعة يعني إن الأمر إذا خلي وطبعه كان ممتثله مطيعاً وغيره عاصياً وأما إذا قامت قرائن الندب فذلك تصريح من الأمر بعدم الوجوب، وعن الثاني بأن قيام القرينة ظاهر لا خفاء وغاية الندب لاتنافيه، وعن الثالث والرابع بمثل مامر في الآيات السابقة فتأمل.


55

(6) ﴿فَلا وَرَبِكَ فَلا يُؤْمِنونَ حَتّى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمّ لا يَجِدُوا حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُوا تَسْلِيما وجه الاحتجاج إن العمل بمضمون الأمر تحكيم للأمر والتحكيم واجب وبأنه تسليم أيضاً وهو واجب

لقوله تعالى ﴿وَسَلّمُوا تَسْلِيما ثم ما دل على وجوب الاتباع والانقياد للنبي (ص) والجواب:

أولاً: العمل بهذه المضامين ولا تدل على ما نحن فيه إذ التحكيم بعد العلم بالمراد والبحث عنه إذ لو علمنا بإيجابنا للزمنا اتباعه وكذا التسليم.

ثانياً: لا يمكن أن يراد العمل بالأوامر و إلا لما صح نفي الإيمان عن غير العامل إذ هو التصديق ولا وجه لكلام المعتزلي فتفكر.

ثالثاً: بأنها صريحة في الرد على من لم يرض بحكومة النبي (ص) ولا بالرواية له وهو غير المراد، ثم يرد عليه كثير مما ورد على الآيات السابقة فتأمل. وعندي إن الاستدلال بهذه الآية لا وجه له وقد نقله المرتضى عن أهل الوجوب في الذريعة ولم يرتضيه.

(7)

قوله تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الّذِينَ يُخالِفونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وجه الاستدلال إن الله تعالى أوجب الحذر على من خالف الأمر لا بمقتضى الصيغة بل لأنه لا لندبية الحذر والاستحباب فيه غير معقول ولا إن إيجاب الحذر إنما يكون في مقام الخطر وهو لا يتحقق إلا في مقام الوجوب فدل على أن امتثال مدلول الصيغة أمر لازم شرعاً وهو المدعى، وأورد عليه:

أولاً: منع ندبية الحذر والاستناد إلى أنه لا معنى له فإن الحذر ينقسم بانقسام الأحكام الخمسة فمنه الواجب وهو الحذر عن الضرر أو المحتمل من دون ترجيح بين الوجود والعدم على قول ولعله الأقرب عندي ومنه المندوب وهو الحذر عن المحتمل على رأي آخر أما لمرجوح مرجوحية غير بعيد ومنه المكروه وهو الذي يعد فاعله من ذوي الوسواس كالحذر من وقوع جدار مستقيم كل الاستقامة ومنه الحرام وهو المعارض بفعل واجب أو ترك محرم ومنه المباح وهو ما بين المكروه والمستحب فعلى هذا نقول بندبية الحذر ولا ضرر.

ثانياً: بأنا لا نسلم إرادة التعليل بقوله يخالفون عن أمره بل أريد بها الكشف كقولنا فليحذر الحاج عن وقوع الأمر الفلاني.


56

ثالثاً: بأنا لا نسلم إن المراد بالفتنة والعذاب الأخرويان بل الدنيويان وهذا الأيابي المندوبية فأنه يصح أن يقال ليحذر مستعمل الإماء المتشمش عن البرص مثلاً.

رابعاً: بالفرق بين مخالفة الأمر والمخالفة عنه إذ الظاهر عن الثاني إرادة تبديل حكم الله يعني ليحذر من يجعل واجبات الله مندوبات وبالعكس إلى غير ذلك وهذا هو الظاهر من المخالفة.

خامساً: بأن المخالفة عن الأمر أما أن يراد مخالفة الأمر المسائل على الزيادة أو صرفها عن معناها أو تضمنها معنى الإعراض أو نجعلها بمعنى الإعراض أو نجعلها بمعناها وتكون التعدية في محلها وبعد تسليم عدم رجحان الأخير على السابق يقوم الإجمال وهو كاف في المقام.

سادساً: بأن الأمر إن أريد به اقتضى وجوب الحذر على من يخالف كل الأوامر ونحن نقول به إذ فيها الإيجابية قطعاً و إن أريد أمرا ما لابد من العمل به ونحن نعترف به.

سابعاً: بأنا لا نرتاب بأن الفتنة لا يراد بها إلا الدنيوية والعذاب وإن قلنا ظهوره في الأخروي إلا ان احتمال التوزيع قائم فيراد إن مخالف الأمر أما أن يصاب بفتنة وهو من خالف المندوب أو الواجب أو عذاب وهو من خالف الأمر الإيجابي.

ثامناً: إن قرينة المقام لائحة في إرادة الأوامر الواجبة إذ هو في معرض التهديد والإنذار، والحاصل السياق قاض بإرادة العصاة.

تاسعاً: بأنه نزل في الأمر على المطلق لزم التحذير على المندوب ولا وجه عاما فخصوصا و إن أريد الإيجابي قلنا به ولا ضرر.

عاشراً: بما ذكره البدخشي1 وبعض القدماء من أن فاعل يحذر ضمير راجع إلى ﴿الّذِينَ يَتَسَلّلونَ لوَاذَا ويكون الحاصل فليحذر المنافقون المتسترون اللائذون عن الذين يخالفون عن أمره و﴿إن تصبهم على بدل اشتمال أي عن أصابتهم به الفتنة لهم.

الحادي عشر: إنا لا نسلم أن الأمر بمعنى الطلب بل المراد الفعل الذي هو الإصابة ويكون أن تصيبهم يدل عن الأمر وقوله عن أمره متعلق بحِذر والمخالفة على إطلاقها وجعل إصابة الفتنة فعلاً له لا أصاب بها.

الثاني عشر: إنه تعليق عن أمره بمحذوف يفسره أن تصيبهم بدل فيكون الحاصل فليحذر المخالفون أن تصيبهم فتنة ناشئة عن أمره تعالى إذ إن ما يصدر منه تعالى أعظم ما يصدر وما يكلف به ملائكته من العقاب أعظم العقاب.


57

الثالث عشر: إنها لا تدل على الصيغة بل على لفظ الأمر على ما تقدم.

الرابع عشر: إنها إنما تدل على إرادة الوجوب في الموارد أو على الاستعمال وهما لا يقتضيان الحقيقة.

الخامس عشر: إن غاية ما تدل عليه إن الأمر حقيقة في الوجوب في أوامر الله تعالى دون أهل اللغة ودون بواقي أوامر الشرع.

السادس عشر: أن يخالفون معنى الاستمرار والبقاء وهو مؤدٍ إلى ترك العمل بالأوامر الإيجابية والتحذير باعتباره.

السابع عشر: إن هذا ربما ينطبق على القول بالاشتراك أو التواطئ ويكون استحقاق العقوبة باعتبار ترك الفحص على نحو ما أورده البعض على بعض الآيات السابقة ويكون المراد أن يحذروا المخالفة قبل الاستعلام فتأمل.

والجواب عن الأول إن ندبية الحذر لا وجه لها إذ الظاهر من صدوره من ظان الضرر فإذا قيل هذا موضع الحذر فهم الضرر وقد تقدم منكم تسليم وجوب رفع الضرر المظنون ولما أخذ الظن في معناه أو في ظاهر معناه فهو على الوجوب دائماً وأيضاً ما ذكرتموه على فرض استقامته إنما يجري في الحذر العقلي وأما الشرعي فلا يكون إلا واجباً؛ بيانه أنه إن قام دليل الإيجاب كان واجباً وإلا فلا يوجد قطعاً لأنه مبني على الخوف وهو مفقود العلم بأنه لا تكليف إلا بعد البيان فالحذر من عذاب الله تعالى إنما يكون بعد العلم بمخالفة الأمر وأيضاً المفهوم من أمر الحذر الإيجاب يقيناً حتى لا يحتمل أحد إرادة الندب في قولنا ليحذر فلان عن كذا وأيضاً قرينة الحال إذ لو فرضنا إن سلطاناً قادراً قال ليحذر رعيتي من عذابي لما فهمنا من قوله إلا أنهم عاصون له قد دخلوا في غضبه وهو ظاهر لا يخفى على البصير، وأيضاً ندبه الحذر وإن استقام إلا أنه لا يدخل في مقام المكالمات يقيناً، والظاهر حمل اللفظ على الفرد الشائع. هذا والذي ينبغي أن يقرر الدليل بوجه آخر وهو أن يحذر تهديد الإيجاب والتهديد لا يكون إلا على معصية ونسلم من هذا التكلفات وما يرد على تلك التوجيهات من منع لزوم الوجوب في تحذير الشارع وإن وجود الخوف مع عدم العلم للمتدين معلوم ومن منع الدلالة للوجوه فيطول الخصام في هذا المقام والله الموفق.


58

وعن الثاني بأن التعليل هو المنساق إليه الذهن وإمكان إرادة غيره لا يقدح في فهمه ولأن الحلم المعلق على الوصف فيشعر بالعلية فيدل على المطلب واحتمال إرادة العنوان جارٍ في جميع الأحكام المعلقة كما لا يخفى.

وعن الثالث بأن الظاهر إرادة الأخروي إذ هو الذي ينبغي إن قيل به لا دعوى أنه لا يأبى المندوبية في خير المنع لما بينا من أن خصوص المبدأ يصرف عنه ذلك وإن مظنة الخطر في أمر دنيوي تحرمه فلا أقل من دلالة الآية على أن مخالف الأمر يظن وقوع الخطر عليه فيجب أن لا يخالف وإرادة الترتيب الاحتمالي بعيد من لفظ الخطر فليتأمل.

وعن الرابع بأن الظاهر من قولنا خالف عن الأمر معنى الانصراف ولا ترجيح وهو السر في التعدية بمعنى ويكون الحاصل فليحذر الذين ينصرفون عن أمر الله ولا يعملون بمقتضاه وما ذكرت من معنى التبديل وإن قد كان يقصد في بعض المقامات إلا أن الظاهر مما ذكرناه.

وعن الخامس لمنع الزيادة والحمل على التعدية وتضمين معنى الانصراف كما ذكرناه وتخيل إن كلاً من الانصراف والإعراض معنيان مجازيان ولا ترجيح لأحدها على الآخر فيقوم الإجمال ويبطل الاستدلال لا وجه له إذ الأول أظهر من اللفظ وأقرب إلى الحقيقة فتفكر.

وعن السادس بأن العموم موزعاً على المخالفين فالعموم في الأمر تابع للمأمور فإذا تعلق الحذر بكل مخالف لأمر توجه إليه صار التهديد منوطاً بالمخالفة لكل الأمر بالنظر إلى الجميع هكذا قالوا، وفيه إشكال. أو العموم الناشئ باعتبار التعلق لا ينفعنا إنه قد يتعدد النطق بالنظر إلى واحد، والأولى أن يقال الأمر للطبيعة والتهديد على مخالفة طبيعة الأمر.

وعن السابع بمثل الثالث مع أن التوزيع في غاية البعد. وعن الثامن بأن القرينة ليست إرادية بل استقالية ويتم الدليل على نحو ما تقرر مراداً وأيضاً الظاهر تعليقه على نفس الأمر مع قطع النظر عن القرينة. وعن التاسع التحذير على ترك الامتثال مع عدم العلم بالرخصة والحاصل المعتبر الأمر من حيث أمر. وعن العاشر إنه في غاية البعد بل لا يفهمه عربي وأيضاً أي معنى لتحذير المنافقين له المتسللين لواذا عنه إصابة للفتنة للمتجاهرين بالمخالفة إلا أن يراد أنها تصبهم لأنهم في الحقيقة أو تحذيرهم في حفظ رفقائهم والكل بعيد. وعن الحادي عشر بأنه خلاف ظاهر الآية وجعل أن تصيبهم مع ما فيه من التأويل المذكور بعيد عنه اللفظ. وعن الثاني عشر لمخالفة الأصل للحذف وأيضاً بعيد و لأن تصيبهم لا تصلح للعمل فلا تفسر على قول فتأمل. وعن الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر بما مر من الآيات السابقة. وعن السادس عشر الاستمرار معنى خفي قد يقصد باعتبار قرائن المقام. وعن السابع عشر بأن الذم علق على المخالفة لمضمون الأمر على الظاهر على عدم الفحص والبحث كما لا يخفى على الفطن.


59

وهذا وأنت إن نظرت في هذه الآيات القرآنية وجردت نفسك عن الخيالات الوسواسية حصلت لك المظنة بأن أوامر الشرع جميعها ظنية.

الرابع: من السنة وهو روايات كثيرة

منها أن دعى رسول الله (ص) أبا سعيد الخدري وهو في الصلاة فلم يجبه فقال (ص) ما منعك أن تستجب وقد سمعت قوله تعالى﴿ يَأيُّها الّذِينَ آمَنُوا استجيبوا لله وَالرّسُولِ إِذا دَعاكُم ولولا أنه للوجوب لما استفيد من استجيبوا الوجوب فلا يصح الرد على أبي سعيد بالآية وأورد القرينة في الآية واضحة وإن ذم النبي (ص) باعتبار عموم الرخصة فيشمل الصلاة وإجابة النبي (ص)لا كلام في وجوبها وإنما الكلام فيما إذا عارضت قطع الصلاة. وفيه بعض الأسئلة السابقة فتذكر.

الثاني لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، وجه الاستدلال إنه لو لم يكن الأمر للوجوب لصح وليس فيها مشقة لإمكان الترك على أن ذلك مندوب يقيناً. وأورد عليه أريد الوجوب بقرينة لولا أن الشق وبالدلالة على لفظ الأمر دون الصيغة وإيراد إن سيق نظيرها والجواب عنها معلوم مما سبق.

الثالث قال (ص) لبريدة بره وقد أعتقت تحت عبد وكرهه راجعة فقال إنما أنا شافع. وجه الاستدلال إنه جعل قسمة للأمر مع

يصح أن يكون هو القرينة وتترك القرينة اعتماداً عليه فهو في محل المنع، ومنها إن عنيت بالشيوع في زمانهم الشيوع في مخاطباتهم ومكالماتهم فهو في غير المنع إن هو صلوات الله عليهم لا زالوا يعلمون الناس الواجبات وشرائطها وخطبهم ومواعظهم مملوءة من ذلك، سبحان الذي يسأل عن المندوبات ويعتد بشأنها أقل قليل وأنت إذا نظرت هذا إلى زماننا هذا مع شيوع أمر الواجبات فيه وكثرت الفقهاء مع عدم الخوف والتقية وحدث الناس لاهمة لهم سوى السؤال عن الصلاة وكيفياتها والصوم وكيفياته والحج ونحوه من الواجبات و زمان أهل العصمة أحرى بذلك، وكشف الحال أنه إن طبائع المندوبات أكثر أو هي أكثر في أفرادها وكيفياتها فربما نقول به ولا ينفع وإن أراد تعلقات الأوامر ربما أكثر في خير المنع.

والاستناد إلى أن المسطور في الكتب من المندوبات أكثر بعد تسليمه لا وجه له إذ أمر الواجبات قد ظهر حتى إن بعضها ضروري وبعضها ضروري مذهب فلا حاجة في ذكر ما دل على وجوبها من الأوامر.


60

نعم يتعرض لأجزائها وشرائطها وربما قيل إن الأوامر واجب واحد قد تعدل أوامر أغلب المندوبات. فإن أراد الأكثرية باعتبار إن الرواة في الغالب لا يسألون عن الواجبات إلا عن النظريات منها والشاهد على ذلك ما ذكره فضلائنا المحدثون في كتبهم إذ هم جميع ما في تلك الأصول التي وجدها.

ولا ريب في أن المذكور في كتبهم مندوبات أكثر ففيه إن هذا على تسليمه لا يقتضي إلا أن الوارد في كتب الحديث أكثره مندوبات والملقى على الرواة لرواتها أكثره ذلك لأنهم لا يسألون إلا عنه غالباً لأنه صار شائعاً في زمن الأئمة(ع) بحيث يشك في إرادة الحقيقة إذ غايته متبوع الإرادة في مخاطبة وهذا الانصراف عن المعنى الحقيقي سوى معنى الروايات المشتملة على الأوامر منهم أو من غيرهم.

هذا وبعض فضلائنا المعاصرين أدامهم الله أورد كلام المعالم في كتابه المسمى ب(الحدائق ) وكان مما أورده عليه إنك إذا أتيت كون الصيغة في كلام الله ونبيه (ص) لزمك القول في كلام الأئمة (ع) لأن قولهم قول الله وحكمهم حكم الله إذ هم حملة العرش وبينوا أوامر الله، وأقول هذا لا يستقيم أصلاً إذ لا نرتاب في أن كثيراً من الألفاظ نقلت في زمانهم صلوات الله عليهم إلى معاني فتحمل عليها.

وهذا لا يستلزم حمل كلام الله تعالى ونبيه(ص) والحاصل هم (ص) خطاباتهم كخطابات غيرهم يتبعون فيها الأوضاع الجديدة والصوارف الحادثة وما استند إليه من ما ورد من أن أمرهم أمر الله يراد به وجوب إتباعهم فلم يبقَ لكلامه (قدس سره) معنى الكلام إلا أن يكون قد استند إلى ظاهر قولهم أمرنا أمر الله من عموم المنزلة يعني حتى وجوب بناء الأوامر على الوجوب حتى تجيء القرينة لكن عموم المنزلة مع ظهور وجه الشبه لا تعويل عليه فتأمل.

حجة القائلين بالندب وجوه

أحدها: إن أهل العلم نصوا على أنه لا فرق بين السؤال والأمر إلا الرتبة وهذا تصريح منهم بأن الأمر يلحقه حكم السؤال في جميع أحكامه ومدلولاته ومن الندب فإن السؤال والأمر إلا الرتبة وهذا التصريح منهم لا يدل إلا عليه. والجواب إن المراد بالأمر هاهنا معنى الطلب على جهة لا معنى الصيغة لأنه الذي يقابل السؤال ولا ريب في أنه لا فارق بينها سوى الرتبة لاشتمال كل منهما على جنس الطلب واختصاصها بالاستعلاء ومقابله وعلى تقدير أن يراد الصيغة نقول عدم الفارق من جهة دلالة السؤال على الإيجاب أولاً الرتبة يعني الفارق بين الصيغتين في حمل إحداهما على الإيجاب والأخرى على الندب و إلا لاستويا، وأيضاً نقول بأن السؤال مقصود به الإيجاب وإن لم يستدع الوجوب إن صدر عنه مستقلاً من دون علو فلا فرق بينهما. هذا كله على تقدير تسليم الرواية مع أنها ممنوعة من الأصل، ثم هذا لا يدل على الندب بل الأعم منه ومن الوضع لمطلق.


61

ثانيها: قوله(ص) (إذا أمرتكم بأمر فأتوا به ما استطعتم) توجيه الاستدلال أنه عليه السلام أوْكل فعل المأمور به إلى مشيئتنا و اختيارنا ولم يحتمه علينا وهو معنى الندب يقيناً ويرد عليه:

1- أنه لم يكل فعل المأمور به إلى مشيئتنا وإنما وكل إلى استطاعتنا وقدرتنا، وربما كان معناه التشديد ويكون الحاصل عليكم الإتيان به حتى يخرج عن المقدورية فلا اعتذار للتارك بأنه شاق أو مستصعب، ويكون الخبر مسوق للحث على الفعل حتى يصل المكلف إلى حيث يقبح تكليفه.

2- بأن الأمر أما أن يراد منه الفعل أو الطلب، وعلى كل حال فأما أن يراد الخصوص والشخص أو الجنس فعلى تقدير أن يراد الفعل والجنس صار مدلول الخبر إن أمرتكم بفعل فأتوا من أفراده ما شئتم يعني لا يجب عليكم التكرار إلى الأبد فيكون الخبر مسوقاً لدفع احتمال التكرار، و إن بقيت الاستطاعة على معناها انعكس الأمر وإن أريد شخص الفعل ويراد فأتوا من أجزاء الفعل ما استطعتم يكون حاصل الخبر لا يسقط الميسور بالمعسور فإذا تعسر بعض أجزاء الفعل فأتوا بالأجزاء الأخر ولهذا المعنى ثمرة عظيمة في الفقه وفي هذا والذي بعده لا يناسب إرادة المشيئة، و إذا أريد ماهية الطلب ويراد فأتوا من متعلقة ما قدرتم يرجع إلى شخص الفعل إن تعلق بالشخص وإلى طبيعة الفعل إن أريد بها وفهم، إذا أريد معنى الطلب وأريد معنى العموم يعني إذا أمرتم بأوامر فأتوا منها ما استطعتم يستقيم ما قلتم بجعل الاستطاعة بمعنى المشيئة سواء جعلت ما مصدرية ظرفية أو موصولة.

وثالثها: وهو لغير بها أن الوجوب ليس بثابت إذ الدليل قطعي والظني لا ينفع في المسائل الأصولية، وهذا الدليل نقله العلامة (ره) مردد بين أصل الطبيعة والندب وهو عجيب إذ لو صح لاقتضى الوقوف إذ لا أصل يقدم غيره اللهم إلا أن يوجه، وسنتعرض له إنشاء الله تعالى في حجج القائلين بالطلب مطلقاً.

الوجه الثاني: حجة القول بالاشتراك لفظاً

إن لفظ الأمر قد استعمل في الإيجاب والندب والأصل في الاستعمال الحقيقة على نحو ما قرره المرتضى(ره) في هذا المحل وغيره، وقد مر جوابه وانه يصح السؤال من سامع حقيقة أو أمر لمن ألقاها بأنك ما عنيت الوجوب أو الندب، وجوابه ظاهر أيضاً مما تقدم في الأبحاث السالفة غير مرة.


62

الوجه الثالث: حجة القول بالطلب أمور

أولاً: انه استعمل في هذا أو ذلك تاماً إن يكون لأنهما فردان من الحقيقة المشتركة فذاك عين المراد وإلا تاماً إن يكون موضوعاً لكليهما ويلزم الاشتراك أو لأحدهما فيلزم المجاز، ويرد عليه أن التواطئ في مثل هذا المقام غير مستقيم، بيانه إن الذي يلوح من استقراء كلام اللغة إن لفظ الأمر لا يريدون به الأشخاص من الطلب حتى إن الطلب الذي أريد في قولنا "اضرب" ليس إلا هذا الطلب الإيقاعي الشخصي ولا يصح أن يراد به إلى الطلب منك "الضرب" طلباً ما نعم هذا صحيح في التعلق لأن المطلوب باضرب ضرباً مطلقاً لشخصٍ خاصٍ من الضرب أما الطبيعة أو الفرد على الخلاف فإذا كان الأمر كما ذكرنا صار وضع الأمر للطلب كوضعه للنسبة بمعنى إن الصيغة وضعت لكل طلب خاص بمرآة المطلب الكلي.

أهل الاشتراك يلزمهم ما يلزمنا إذ الوضع الإيجاب الجزئي وكذا كل ندب جزئي بمرآة مطلق الوجوب والندب مع زيادة تعداد الوضع بالنظر إلى أصل الوجوب والندب فاللفظ حقيقة في كل جزئي جزئي على الرأيين إلا أن عندنا بمرآة واحدة وعندكم بمرآتين والأصل تعدد المرآة، هذا و إن استند إلى رأي القدماء مع أن الوضع في مثل هذا وللعام واستعماله في الخصوصيات مقتضى للمجازية فعليه إن هذا لا يرجح على خصوص الوضع لشيء والمجاز في آخر إذ هو أقل مجازية اللهم إلا من جهة لزوم الوضع في الجزيئات في الطرف الآخر إن بني فيه على رأي المتأخرين، هذا مع أن الحق إن المجازية لازمة على تقدير الوضع للأعم غالباً لأن الأمر لا يقصد إلا خصوص التحتم أو عدمه وأما إرادته للشرط فان تحققت فعلى سبيل الندرة والشذوذ.

ثانياً: إن اعتبار معنى الطلب معلوم وإضافة الفصل إليه غير معلوم فالأصل عدمه. ويرد عليه أن الموجود على تقدير انضمام الفصل ليس إلا واحداً يعني إنه ليس في الوجود أمران أحدهما الطلب والأخر المنع بل الطلب الحتمي أمر بسيط لا جزء له خارجاً، نعم إذا حلله العقل وفصله وجدته قائماً بالأمرين. ويمكن إن يجاب عنه بأنا لا نريد بقولنا انضمام الفصل إلى الجنس غير معلوم الانضمام الخارجي بل إن الواضع للنوع تصوره بجنسه وفصله، فنقول تصور الواضع للجنس معلوم وللفصل غير معلوم والأصل عدمه. ويرد عليه أن الأقسام التصور التفصيلي للواضع والإجمالي لا يستدعي تصور الجنس بل عليه إن ينظر إلى هذا الطلب المخصوص الموصوف في الواقع ويضع له لفظاً. ويمكن الجواب عنه بأن الوضع لو حلل لكان ذا أجزاء خلاف الأصل والحاصل كون المعنى ذا أجزاء بعد التحليل أمر وجودي وخلافه عدمي فهو أوفق بالأصل لكن هذا إذا جعل الملحوظ الطلب وتأملنا في أنه بسيط أو مركب، والحاصل إذا كان بالنظر إلى واحد فهو حق أما بالنظر إلى متعدد ففيه مما لا يخفى.


63

ثالثاً: إنا لا نعقل من صيغة "افعل" إذا أطلقت سوى مجرد الطلب من غير شعور لوجوب وندب فمن صح للسامع إن يستفهم عنه المراد بأن يقول أردت الوجوب أو الندب وهذا ظاهر لا يخفى. أقول عليه ما مر من إثبات التبادر فقد أثبتنا إن المتبادر عند الإطلاق هو الوجوب فتذكر.

تذنيب في الأمر بعد الحصر

اعلم أن الحاكمين بدلالة الصيغة على الإيجاب اختلفوا فيها عند وقوعها بعد الحضر على أقوال:

أحدها: الدلالة مطلقاً كما كانت.

والثاني: عدمها مطلقاً.

والثالث: التفصيل بين الحصر العقلي أو الشرعي.

ففي الأول تبقى الصيغة على حالها دون الثاني، والذي يظهر من كلام الذريعة والنهاية إن القول بقيد معنى الصيغة خاص بما إذا وقعت بعد الحصر الشرعي أما بعد العقلي فلا كلام في بقائها على ما كانت .فعلى هذا يظهر الخلاف في قولين أو تنزيهياً يقيناً أو احتمالياً مقتضياً للتردد عقلياً أو شرعياً مفصولاً أو غير مفصول مع حضوره عند المكلف وبناءه عليه، وعلم المكلف بذلك لا يقتضي سوى الإذن نعم إذا أدى الفصل إلى تناسي الحظر وعدم النظر وكذا مع عقليته إلى التغافل عنه فلا اقتضاء فالإجماع الذي نقل في النهاية والذريعة في محل المنع لاستواء الدلالة اللغوية والعرفية في ذلك فإنا نقطع بأن الحاكم إذا أمر في رعيته عين شيء ثم قال عقيب ذلك ثم قال افعلوه لم يفهموا سوى الإذن وهذا ظاهر، وكذا لو علموا بغير طريق القول بل علموا ذلك بغير ذلك الوجه بقي كلام وهو إنها في ذلك حقيقة باعتبار وضعها في خصوص هذا التركيب لمعنى الإذن أو مجاز الظاهر الثاني وقرينة العادة الغالبية فإن الغالب في المحظور عنه أولا رفع، ثم قد ينتقل منه إلى حكم أخر ثم قد يقارن الوجوب غيره من الأحكام الأربعة ولا يدل على خلاف الوجوب فيختص بالثلاثة إذ تخيله بعضهم، نعم إذا كان له حكم مستقر سابق على الخطر فلا يبعد ان إليه صلاة الحائض نظرا إلى أن هذا بمنزلة الاستثناء من الحكم السابق لكنه مشروط باستفادة العموم لفظا أو باعتبار ظاهر الحال فتأمل.


64

حجة موافقينا: إن الأوامر الإلهية منزلة على الإباحة لوقوعها بعد الحظر

كقوله تعالى ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنّ ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِروا ﴿فَإِذَا تَطَهّرْنَ فَأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُم الله وعورض

بقوله تعالى ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهرُ الحُرُم فَاقْتُلُوا المشْرِكينَ ويمكن إن يجاب بأنها مسوقه لدفع الخطر والوجوب معلوم من خارج إلاّ أن الأولى إن لا يستند إلى ذلك إذ لا نرتاب في استعمال الصيغة في الوجوب في مثل هذا المقام السابق واقع فيدور الأمر بين كونه ظاهراً في الأول والمدعى، والأولى الاستناد إلى ما ذكرت من شهادة العرف واللغة. واعلم أنهم اجروا الخلاف في النهي الوارد بعد الإيجاب يدل على الإباحة وقيل معناه الأصلي واحتمل بعضهم في المقامين الدلالة على الرجحان مطلقاً.

واحتج مخالفونا بأنا قد بينا أن الصيغة موضوعة للوجوب فتحمل عليه إلا مع القرينة الصارفة، والوقوع لا يصلح لذلك. والجواب قد علم مما سبق فلا حاجة إلى الإطالة والله اعلم.

بالحقيقة خارجية بان السرقة والزنى علته إذ الجلد والقطع لا تفارقهما ثم لا وجه للتكرار في آية السرقة إذ قطع اليد لما يتكرر لأن الحكم السابق عندنا السارق في أول مرتبه فقطع يده اليمنى وفي الثانية رجله اليسرى وفي الثالثة يمنى وفي الرابعة يعتق ثم إذا سرق في الأول ولا

…{ هل ينتقل إلى اليسرى من اليدين حال الرجل اليسرى؟ احتمالان وأما في الجلد فإنما يستقيم في حد التكبر وغير المحصن دون غيرهما إذ الحكم في غيرهما منظم إلى الرجم فلا يتحقق تكرار إذ الغالب عدم تخلف الرجم عن الموت فإن إرادة التكرار مقتضية لتقدير شرط أو تجوز وليس من أن يستفيد الحكم من أصل الآية والتكرار حيث تحققه من خارج، وأيضاً بعد قيام البرهان يتعين الخروج عن الظاهر فتأمل. وكذا آية الوضوء إذ لا يجب الوضوء لكل صلاة لجواز الجمع عندنا بين صلوات في طهارة واحدة وهو منافٍ لكل من القولين، وعن الثاني يمنع أن العلة أسوء حالاً أو مساوية والتمسك بأنها لا يلزم من عدم المعلول لا وجه الوجود و إن لم يلزم من عدمه العدم إلا أنه غير شائع. ثم نحن لا نمنع التكرر الشرط لكنا نمنع التكرار في الشرط إذ بوجود الأول حصل الشرط ووجود الثاني والثالث زايد على الشرط فتأمل ففي المقام دقة. وعن الثالث بانا لا نرتاب بان نسبة الجزاء إلى الأفراد في المرتبة الأولى واحدةٍ والفرد الأول إن قارن وقوع الجزاء صار له رجحان باعتبار حصول المعلق عليه بحصوله فيحصل الامتثال و إن تأخر الجزاء عنه فنسبته إلى الثاني كالأول والحاصل لا اختصاص إلا لما قارن الوقوع من المراتب لتحقق الامتثال فتدبر. وعن الرابع إن عنيت بان العبادة في الثاني والثالث مع الإتيان بفرد منها مع الأول تحتاج إلى الدليل قلنا بمضمونه ولا كلام وعدم الإتيان بها مقارنة الأول فلا حاجة إلى دليل لتحقق الامتثال في الدرجة الثانية والثالثة ولم يحصل امتثال قبل فتفكر. وعن الخامس إن وحدة الأمر مع النهي في الطلب لا تقتضي وحدته من كل وجه، وقد بان لك الفرق بينهما من جهة أن متعلق أحدهما الوجود والآخر العدم أو شبهة أيضاً النهي دال على التكرار إلى الأبد لا ما دم الشرط والمراد الثاني واللحوق في أصل التكرار لا وجه له. وعن السادس بان الشرط واحد لا يتصف بالدوام والمعنى بالدخول وجود الشهر المبارك لا نفس الدخول فليس من محل البحث على أن الظاهر إرادة التنازع في قولنا صم إذا دخل شهر رمضان أي صم إذا دخل على أن القرينة واضحة لا يخلو كما لا يخفى عليك فتدبر.


65

إن الأمر هل يقتضي الفور أو التراخي أو لا

قد اختلف الأصوليون في هذا المطلب فذهب بعضهم إلى دلالتِه على الفور وآخرون على التراخي مع جواز الفور و آخرون على المنع من الفور. و أهل الفور بين قائل بعدم إجزاء الفعل متراخياً وبين قائل بإجزاءه وبعضهم من ذهب إلى أنه مجمل لا يتعين أحدهما وبعضهم إلى الوقوف لعدم الدليل المعتبر. قالوا وهذا الخلاف إنما هو على تقدير القول بعدم دلالة الصيغة على التكرار إن كل من يقول بذلك بحكم الفورية مع بعض من قال بعدم التكرار كجماعة من الحنفية والحنابلة. أقول لكن ينبغي إن يراد الفوري في بعض المطلوب إذ لا معنى لقولنا دم على الفعل فوراً بل متعلق الفور أولى أفراد المطلوب والحاصل يجعل بمنزلة تكلفين أحدها تكليف بالبدار الثاني التكليف بالتكرار بل الظاهر أن الفور ليس مدلول اللفظ بل من لوازم التكرار ولا يبعد إن يكون هذا هو المراد لهم فيكون مخالفاً لمذهب أهل الفور من جهة كيفية الدلالة والله اعلم.

ثم ينبغي أن نعلم أن يكون هذا مراد القائلين بالفور الفورية العرفية دون الحكمية وهي تختلف باختلاف المتعلق فالبدار إلى الحجج لأنها في التأخير إلى شهر مع بقاء الوقت وعدم تيسر الرفقة وفورية سقي الماء الشروع مقدما حين الطلب. وربما تخيل بعضهم تطبيق القول بالتراخي على هذا فيكون مراده منع الفورية الحكمية لكنه بعيد من كلامهم كما لا يخفى.

ثم لابد من بيان محل النزاع من محل الكلام هل هو الدلالة اللفظية الداخلية أو الأعم منها ومن العقلية أو الأعم منهما ومن الخارجية؟ ظاهر كلام بعض التعميم وربما ظهر من بعضهم أن محل البحث في نفس الدلالة اللفظية وسنتكلم على وفق ما دل عليه كلام المشهور لحصول الثمرة الفقيه بناءً على التعميم.

إذا عرفت هذا فنقول الحق عندنا إن الأمر لا يشعر بفور و لا تراخي من جهة نفسه بل إنما وضع لطلب الماهية ونسبة الفور والتراخي كنسبة الشدة والضعف والمكان والزمان إلى غير ذلك على نحو ما مر في بحث الوحدة والتكرار ولكن لما كان الغالب إن الطالب لشيء يتشوق إليه ويطلبه على الفور وقد تحصل مظنة حالية تقتضي ذلك نعم إذا قامت قرينة قاطعة على الفور كالأمر بالسقي وإنقاذ الغريق ودفع الضرر عن الأمر وقتل الأفعى ونحو ذلك فلا كلام وليس من محل النزاع في شيء، وأما أصل الصيغة مع قطع النظر عن هذه الأشياء فلا اقتضاء لها لا لفظاً ولا معنى و لا باعتبار لزوم القصد، أما الأول فلعدم الفهم من اللفظ وأما الثاني فلأنه لا ملازمة بين طلب الفعل والتزام الفورية يقيناً وكذا لا يلزم من قصد المتكلم ثم ليس هذا دليل خارجي يدل على ذلك كما سيبين لك في حجج الخصم إنشاء الله تعالى. ولنا أيضاً إن القيدين بنسبة واحدة فيقال أفعل ويفعل بعد غد وافعل ويفعل الآن بغير تفاوت ولا ترجيح والحاصل إن الإتيان بالفعل في جميع الأوقات بنسبة واحدة في حصول الامتثال بكل منهما، ولنا أيضاً إن أهل اللغة حكموا بالمساواة بين الخبر والأمر إلا في الخبرية والأمرية ومقتضاه وحدة الدلالة من كل وجه ولا ريب في أن الخبر لا إشعار له بخصوصه بزمان أصلاً. هكذا استدل العلامة (ره) في النهاية وعليه فإن الظاهر من الحكم الاتصاف حين النطق لا مع قرينة داخلية كما في وضع لخصوص زمان.


66

أو خارجية وهي كثيرة؛ احتج أهل التكرار بوجوه

أحدها: لو قال السيد لعبده اسقني ماءً فأخر السقي عد عاصياً وذمه العقلاء على التأخر فلو أنهم فهموا الفور من مجرد الأمر لما وقع الذم منهم إذْ ليس في كلام السيد قرينة خارجية تقتضي ذلك.

الثاني:

قوله تعالى ﴿ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ذمه على ترك السجود عقب الأمر معللاً بأنه خلاف مقتضى الأمر وإن يكن للفور لاعتذر إبليس بأنك لم توجب عليّ فوراً.

الثالث: ﴿سَارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مَنْ رَبّكُم .

الرابع: ﴿فَاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ .

ويمكن أن يضاف إلى الحجج

قوله تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الّذِينَ يُخَالِفونَ عَنْ أَمْرِهِ لأنها وردت في ذم أقوام صدرت منهم المخالفة ولا يعلم حصول المخالفة منهم على تقديره عدم الفور إلا بعد مماتهم والآية مسبوقة لذم الموجودين بل من أخّر الامتثال منهم كيف ما اتفق. وكذا

قوله تعالى ﴿إِذَا قِيلَ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُون إذْ ليس المراد إنهم لا يركعون أبداً إذْ ذاك لا يعلم منهم إلا بعد ظن الوفاة وليس المراد بالآية سوى الذم على عدم الامتثال عقيب الأمر وكذا بأن يقال مؤخر الامتثال عاصٍ

لقوله تعالى ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْري لا يريد أنه تركه دائماً والعاصي معاقب لقوله ﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنّ لَهُ جَهَنّمّ خَالِدِينَ فِيها.

الخامس: قوله (ص) (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها وذلك وقتها به) على أن زمان الذكر هو زمان الأمر والأمر مقتضي للفور.

السادس: وإن لم يذكروه أنه(ص) دعى أبا سعيد الخدري وهو في الصلوة فلم يجبه فقال (ص) ما منعك أن تجيب وقد سمعت

قوله تعالى ﴿يَا أَيّها الّذِين آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرّسًولِ فلو لم يكن للفور لأمكن لأبي سعيد الاعتذار بأنك لم توجب على البدار.

السابع: طريق الاحتياط فإن الإتيان بالفعل فوراً قاطع لشغل الذمة يقيناً والشغل اليقيني يقتضي براءة يقينه وليس في التراخي براءة يقين.

الثامن: إن التأخير أما إلى غاية أو لا وكلاهما باطل. أما( الأول) فلأن الغاية أما معينة أو لا والتعين أما شرعي والمفروض خلافه أو عقلي وليس إلا لا فراغ القطعي وهو دليل للفور أو غير معينة أو معينة معلومة يلزم تكليف ما لا يطاق لأنه مكلف بعد التأخير عن تلك الغاية مع إنه لا يعلمها. وأما (الثاني) فللزوم خروج الواجب عن كونه واجباً إذْ لو أخر المكلف الفعل ومات قبل الفعل لكان خالياً من التكليف فلا يكون الواجب واجباً وهو خلاف المفروض.


67

التاسع: لولا ذلك لخرج الواجب عن الوجوب فإن المكلف لو أتى بالفعل في أول الإمكان لكان هو الواجب فلو جاز التأخير لفات الفرد وهو نفي لوجوبه.

العاشر: لو جاز التأخير أما إلى بدل أو لا والثاني باطل وإلا لزم فوات الفرد الأول من الواجبات بغير بدل والأول أيضاً باطل وإلا لقام مقام المبدل فيسقط وجوب المبدل وهو خلاف المعلوم.

الحادي عشر: الأمر بالشيء نهي عن ضده والنهي يقتضي الفور فكذا الأمر.

الثاني عشر: الأمر والنهي ضدان واشتركا في أصل الطلب فيحمل أحدهما على الآخر.

الثالث عشر: حكم الأمر حكم العقود فكما أن العقود تقع مضامينها فوراً فكذا شبهها.

والجواب عن الأول بمنع استناد الفهم إلى مجرد اللفظ بل إلى القرينة الظاهرة وهو ما علم من حال المستسقي بأن قلت بما يفرضه خالياً عنها قلنا مع صحة الفرض قلنا بعدم الدلالة فالذم الصادر من العقلاء مبني على إفادة القرينة فتأمل.

وعن الثاني بأن الذم لم يكن باعتبار دلالة اللفظ بل لإفادة القرينة وذلك ما اقتضاه الحال من جميع الملائكة في وقت تصوير تلك الصورة الجديدة المستغرق به وأمرهم بالخضوع والسجود عند تسويتها تعظيماً لله تعالى مع ما وقع من القرائن المعلمة بإرادة الفور.

وقد يقال إن القرائن وإن قضت بذلك إلا أن تعليق الذم على مجرد الأمر دليل على اقتضائه و إلا لكان اللائق في المقام أن يقال أمرتك مع قرينة الفور على نحو ما قررتم في إثبات الوجوب، ويمكن الجواب بأن قرينة الفور ظاهرة لا تحتاج إلى الإبراز والإظهار لقوله تعالى﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِين وبأن قد علم من إبليس عدم إمكان العذر إذْ يمكن أن يأمر حين إبداء العذر وهو لا يقبل. كما ورد أنه لو سجد لآدم (ع) وتاب لتاب الله عليه إلا أن هذا الجواب لا يخلو من شيء ونحن في سعة من هذا الجواب إذْ قد بينا عدم الدلالة بدليل لا ينقدح ولا يعارض بمثل هذه الأدلة والله أعلم.

وعن الثالث والرابع بأنهما لا يدلان على الفور بل يدلان على العدم، بيانه إن المسارعة إلى الشيء البدار إليه قبل منتهى إمكانه بل في أول درجاته ولو فعل مع مقارنة الإمكان لم يكن مسارعة فلو إن الفور واجب لم يكن الإتيان بالفعل في الزمن الأول إلا إتياناً في أواخر أزمنة الإمكان، واعترض على هذا الجواب بأن عدم إمكان التأخير لو كان عقلياً ما استقام معنى المسارعة إذْ هي إيجاد ممكن التأخر في أول إمكانه. أما لو كان شرعياً فلا بأس بإطلاق المسارعة والمراد إيجاد الفعل في أول أزمنة الإمكان عقلاً. على أنا نقول إن عنيتم بعدم جواز التأخير شرعاً عدم الإجزاء فهو ممنوع ولا يلزم من القول بالفور وان عنيتم حصول العقاب على التأخير قلنا به ولا يحقق عدم الإمكان إذ الوقت الثاني من إمكان الوجود الفعل مع أن نقول الفور المدعى عرفي وزمنه متسع فيكون فيه المسارعة، إن قلتم إن المسارعة أيضاً عرفية قلنا بنسبة الفورية.


68

وقد يجاب عن الدليلين بوجه آخر وهو إنكم لا تقولون به وأيضاً الطاعة التي أمرنا بالبدار إليها أما أن يراد بها الأعم من المحتومة والمندوبة وهو ينافي إيجاب المسارعة وتخيل الوجوب الشرطي لا وجه له فإذا الأمر بين تخصيص مؤدِ إلى إخراج أكثر أفراد العام أو تجوز في صيغة الأمر وهو أولى. ثم في آية المسارعة الوجه إبقاء المغفرة على ظاهره ويكون الحاصل من كان عليه فليبادر إلى نحوه عن سبب بفعل سببه القريب أعني الاستغفار وهذا هو المتبادر من مسارعة المغفرة ، وإن أريد السبب الأعم قلنا إن مدلول الآية إن من كان عليه ذنب وجب المبادرة إلى سبب من أسباب المغفرة وهذا مع أنه لا يقتضي سوى الوجوب التخييري ولا يقتضي بتمام الدعوى أعني فورية الطاعة مطلقاً، نعم يستقيم كلامك إذا أريد بالسبب ما من شأنه أن يترتب الغفران ودون ذلك خرط القتاد، وربما يقال عليه إن المأمور بالمسارعة فيه هو الطاعة مطلقاً ولو قامت قرائن عدم الفور أو بشرط عدم القرائن ولا كلام في أن الأول غير مراد فالدليل لا يتمشى على القول بدلالة الأمر على التراخي بل لا يكون معارضاً، نعم يتمشى على القول بالطبيعة. ثم لا يخفى عليك أن الاحتجاج بآية المسارعة مبني على قصد العموم بالمغفرة مع أن الظاهر منها إرادة الطبيعة فيراد افعلوا شيئا من هذه الحقيقة حتى إن قوله ﴿ اسْتَبِقوا الخَيْراتِ يراد به ذلك إلا أن الخصم له أن يتشبث بأنه جمع محلى فيفيد العموم، هذا ولا يخفى عليك الجواب عما لحقتا من الأدلة من آية الحذر والركوع والمعصية لأن القرائن لا يجد فيها ولأن المذمومين فيها تاركون مؤبداً فيهم مهملون ممتنعون عن أصل الفعل مع ورود من الإشكالات التي أسلفناها في بحث الوجوب فتفكر.

وعن الخامس والسادس فإنه قوله(ص) فذلك وقتها تنبيه وإعلام بأن وقت الذكر هو ذكر الوقت الذي أوصفه الشارع والفور مستفاد من هذا التوصيف لا من جهة الأمر وكذا قرينة فورية الجواب أيضاً ظاهره وقوله تعالى ﴿ اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرّسُولِ ظاهر في الفور لأن الاستيجاب في مقابلة الدعوى كرد التحية مأخوذ في معناها الفورية أو معروف فيه ذلك وهذه القرائن باعتبار ظهورها وبيانه لا حاجة إلى ضمها في الاستدلال فتفكر.


69

وعن السابع أولاً بأنه لا يتمشى على رأي القائلين بالتراخي وأما على القول بأنه مع المنع عن الفور فظاهر وأما على القول الأخر فلذلك أيضاً لأنه لا يبقى الاستصحاب الشغل وجه كما في الواجبات الموسعة أعني التي نص الشارع على اتساع وقتها فإن المكلف أن أخر وفعل فيها و إلا لم يعاقب لعدم خروجه عن الأذن. نعم قد يتخيل بناءً على أن الأمر للطبيعة بأن يقال مطلوب الشارع إيجاد الفعل بمعنى أن لا يرحل المكلف عن الدنيا إلا وقد أتى بالفعل فإن أخر وأتى أجزاء ولم يعاقب على التأخير إذْ وجوبه ليس لنفسه بل لغيره فحكمه حكم الواجبات الغيرية وإن لم يأتِ بها كان عليه عقاب عدم الفعل فقط. ويكون هذا فارق بين الفورية الشرعية والعقلية فإن في الأول على الشرعية عقاباً وفي الثاني عقابان بأن إلا أن يكون تكليف الشارع بالفورية أيضاً لتحصيل ما يترتب عليها ولا يزيد هذا على المقدمة الأصلية إذْ هو قريب من المقدمة العلمية إلا أن غالبها يكون بحيث الدوران بين الأمور الموجودة كالثوبين والإنائين وهذا بين أمور لا تجتمع في الوجود فتأمل.

نعم قد يتصور العقاب على التجري والتعرض لترك الواجب بل على نفس التأخير إن فهمنا من العقل الوجوب الأصلي وهذا الخيال في غاية الجودة وموافق لما يقتضيه العقل إلا أنه لا يبعد أن يقال عدم تعرض الشارح لتعين وقت الفعل فيه تقريب للعبد من المعصية والحاصل جرت عادة الشراح بيان الأمور النادرة الاحتياج فكيف بمثل هذا، وقد يقال أيضاً باستبعاد الحكم على الصحيح الظان للبقاء مظنة قوية إذْ هو يعتبر مثل هذه الظنون كما لا يخفى على من تتبع أحوال الشرع هذا مع أن هذا الدليل يقتضي بفورية العمل في الأوامر الإيجابية دون الندبية إلا أن يقرر استحباب الفورية على ذلك النحو فتنبه.

ثم هذا الاحتياط قد ينعكس كما إذا عارض فعل المأمور واجب آخر أن مع البناء على الفورية يحصل التعارض فلابد من التأمل بالترجيح والترجيح للمعارض للعلم بوجوب فوريته دون هذا فحمله على خلاف الفور أحوط. إلا أن الظاهر أن القائل بهذه الفورية يقول بها حيث السلامة من العارض والله أعلم.


70

وعن الثامن بأنك إن أردت الغاية الشرعية منعنا لزومها في الواجب وإن أردت الأعم منها ومن العقلية كما ينادي به آخر كلامك منعنا اختصاص الغاية بأول الأزمنة بل حدّه ظن الوفاة أو علمها إن عرض حصوله والقول بأنه تحديد من غير مستند غلط إذْ معلوم من نفس إرادة الفعل كما يظهر من حال امتثال العبيد مع السادات فإن العبد إن ظن الوفاة مع التأخير التزم بالفعل وأيضاً لما استثقلت الذمة بالفعل وجب أداءه، إلا أنه قد دل الدليل على جواز التأخير إلى الظن بناءً على مذاقنا فلا بد من الإتيان بعده إذْ لا أقله هو محل شك فتبقى الذمة مشتغلة والفراغ اليقيني مطلوب على ما تقدم فالقائل بعدم اعتبار الظن مطالب بالدليل لاسيما في غير ما نعرفها على تحديد الوقت وفيها أيضاً إن الفرد المعلوم عندنا هو من لم يظن الوفاة وشك في دخول غيره هذا مع أنهم لا يمكنهم منع تصريح الأمر لجواز التأخير فما يقولون به نقول به ومن منعه لا يقبل قوله لمخالفة الإجماع إن صرحوا بوجود الواجب الموسع مدى العمر.

نعم الشك في استبعاد مثل هذا التكليف فمن هنا صار الأظهر عندنا إن الغاية تحد بالوصول إلى حيث يسمى مهملاً مضيعاً هذه التكاليف العادية حتى إن الإذن ينصرف إلى مثل هذا، وما ذكرناه غير الفورية بقسميه خلافاً لبعض المتكلمين في هذا المطلب وليس ذلك الدعوى القبح في الإذن بل لأن الغالب التكاليف شاقة لا يحملها من قارب الممات بعارض من مرض. نعم يستقيم فيمن ظن القتل والصلب أو في التكاليف السهلة جداً، نعم تقرير الظن يشكل إذْ إن اعتبر في الجزء الزماني اللاحق لهذا الجزء كاد لا يتحقق وكان في حصة معتبرة من الزمان وتوسع الفعل مراراً كأنه يخرج من محل الكلام لكن الظاهر عندي إن الشرط في التوسعة ظن البقاء لا عدم ظن الموت بل زيادة على ذلك لابد من مظنة قوية فتأمل. أو نقلي خارجي فإن حللنا التكليف إلى المكلفين أي فعل وليكن ذاك فوراً ويكون كل منهما مغايراً بصاحبه ويكون باقيا مع فوات ثانيهما كان الإيجار في الزمن الثاني أيضا مستفاد من الأمر الأول وهو أراد أيضا هكذا قيل وأقول هذا مع بعده فيه إشكال إذ الظاهر بأن الأمر الثاني يكون مقيداً للأول.


71

والأولى أن يقال إن هذه الفورية المستفادة إن استفيدت لأنها مصلحة خاصة مغايرة للمصلحة العامة ويكون مفاد الأمر المصلحتين معادل على الزمن الثاني واقتضى أن يكون أداء فيه وهذا غير بعيد فأن العبد إذا أمر بالفعل فهم أن فيه مصلحة ما حيث وقع ثم مصلحة خاصة في وقوعه في أول الأزمنة على رأي الفورية وإن كان المستفاد منها حصوله المصلحة مقيدة لم يدل على الثاني وكان قضاءً، وللعلامة (ره) وجه أخر وهو إن الأمر إن كان بمعنى افعل في الزمن الأول وإلا ففي الثاني وهكذا ويكون بمنزلة الواجب المرتب اقتضى الوقوع في الثاني على طريقة الأداء وإلاّ فلا، وقد ارتضاه (ره) وأقول إن نزل كلامه على ما ذكرنا كان له وجه و إلاّ فلا إذ مقتضاه أن الأمر متعلق بالأفراد على الترتب كأنه عند عدم الفور يتعلق بها بطريق التخير والحق أنه متعلق بالطبيعة التي نسبتها إلى جميع الأزمنة على سواء ويمكن تنزيل كلامه على ما بينت. واعلم أن صاحب المعالم (ره) بنى على إجراء الحكم في الثاني على استفادة الفور من خارج عن الصيغة وعدمه على الاستفادة الداخلية، وفيه إشكال إذْ الظاهر الخارج التقيد فيكون بمنزلة الداخل، ويمكن توجيه كلامه بأن الدليل الخارجي لا يزيد على إثبات مصلحة خاصة وهو لا ينافي للمصلحة العامة وهذا بخلاف الداخلي إذ هو حكم واحد و فيه ما فيه. والذي عندي إن معنى الفور أمر زائد على أصل المراد وليس قيد فيه وهذا كما في التكرار فإنا لا نقول بأن المأمور به شرط التأييد حتى لو ترك أول أجزاءه الزمانية التي يمكن أداء الفعل فيها عرفاً لا يكون مخاطباً بالفعل بل نقول ببقاء مصلحة الفعل مع فوات التكرار إذْ مقتضى الأمر إن أحدهما إن في الفعل مصلحة.

الثاني: إن في التكرار مصلحة خاصة وبفوات الأخيرة لا تفوت الأولى والتزام الفورية في الأمر إنما يدل على شدة الشوق إلى الفعل وكثرة الحث عليه وهذا يقتضي بقاء التكليف لا فواته فلا يكون حكمه حكم الموقت يظهر من المؤانسة فيما نقطع بفوريته باعتبار القرائن فإنا نجزم بأن مصلحة الفعل لا تزول حيث فوات الفور وهذا ظاهر ولا يزيد قولنا افعل فوراً على قولنا اسرع للفعل أو عجل أو آت به على العجلة أو أفعله سريعاً ولا كلام في أن هذا يدل على حسن الفعل مطلقاً اختصاص من الزمن الأول بجهة حسن زائد على الأصل والفرق بينه وبين التوقيت كاد لا يخفى على أحد.


72

فإن قيل الفورية المعتبرة أما شرط للمأمور أو شطر منه وعلى كل حال ففواته مفتضي لفوات المأمور به فتحتاج في ثان الأزمنة إلى دليل أنه ما كلف به لا يمكن الإتيان به وما أمكن غير مكلف به؟ والجواب إن الفورية ليست قيداً للفعل بل محصلة من طلب الفعل لقضاء الشيوع والاجتهاد بأن الطالب لفعل يطلب البدار إليه زائد على أصله حتى إنه صار ظاهر من اللفظ لكثرة وروده في تلك المحال ثم على تقدير أن يكون قيداً للفعل فنقول يخرج عن مقتضى التقييد لظهور الحال كما افعل سريعاً وبالعجل وعليك بالتأمل في هذا المقام فانه من مزال الأقدام وفقنا الله للاطلاع على الدقائق وهدانا إلى الوقوف على الحقائق.

في تعليق الحكم بأداة الشرط

قد اختلف علماء الأصول في أن تعليق الحكم على الشرط هل يقتضي عدمه عند عدمه أو لا؟ أما اقتضاء الثبوت الثبوت والنفي في طرف الأخير النفي فلم يتعرض له لعدم الخلاف فيه. أما القائلون بالاقتضاء فهم قاضي القضاة والقاضي أبو بكر وأبو عبد الله البصري وأبو الحسين البصري وابن شريح وجماعة من الشافعية وأبو الحسن الكرخي والرازي وهو الحق ولنا وجوه:

الأول: شهادة العرف بأنا نقطع أن أهل العرف إذا سمعوا قائلاً يقول إذا وصلت إلى موضع كذا فقد أدركت كذا و إذا سمعت كلامي فافعل الشيء الفلاني لا يتأملون أن في هذا القائل قصد إنه مع عدم ذلك لا ترتب ولا وقوع وهذا ظاهر. فإن قلت ذلك من جهة القرائن لا من حق اللفظ ولا كلام لنا فيه إذْ البحث في الأمر المطلق و إلاّ فلا كلام في أن الشرط إذا ظهرت عليته على وجه التمام ولا يتأمل فيه أحد وجوابه بفرض صدور هذا الخطاب حال القرينة.

1 نور الدين جعفر البدخشي صاحب كتاب الأخبار وكتاب خلاصة المناقب وهو تلميذ السيد علي بن شهاب الدين محمد الهمداني العارف الشهير الذي توفي 786.

2 مابين القوسين ساقط من الأصل.

??

??

??

??

(72)………………………………………………………………غاية المأمول في علم الأصول

مباحث الألفاظ…………………………………………………………………………(71)

مباحث الألفاظ……………………………………………………………………………(59)

في أن صيغة افعل لا تقتضي وحدة و لا تكرار


73

قد اختلف أهل العلم في الصيغة المجردة من القرائن فقال أبو إسحق الاسقرائي وجماعة من الفقهاء والمتكلمين إنها تقتضي التكرار المستوعب لمدة العمر مع الإمكان وقال السيد المرتضى (ره) وأبو الحسين البصري وفخر الدين الرازي إنها لا تقتضي وحدة و لا تكرار. وقال قوم إنها تقتضي المرة الواحدة لفظاً، وآخرون توقفوا أما لدعوى الاشتراك فبكون الجهل بالجمل أو لعدم العلم بالوضع فيكون الجهل بالأصل، ثم القائلون بالوحدة أما إن يريدوا الوحدة مع المنع من الزائد أو مع القطع بعدم وجوب الزائد أو مع رجحان الزائد أو مع الغفلة عن الزائد. والحاصل أن يراد الوحدة لا بشرط أو بشرط لا، والأول أما مع إرادة عدم الوجوب في الزائد قضاءً لمفهوم العدد أو مع السكوت.

ثم هل يستفاد الرجحان لمماثلته أولا؟ احتمالات بل أكثرها أقوال، ثم التكرار أما أن يراد مدة العمر وهو الظاهر من كلامهم على ما تقدم أو على نحو ما علق به فالتكرار في قولنا اضرب عن التكرار فيه واضرب سنة التكرار فيها إلى غير ذلك فعلى الأول هذه مجازات وهذه قرائنها، وعلى الثاني هذه حقائق. والمراد بالتكرار ما يعم الدوام حتى إن المأمور الكون إذا كان فيها لا يجب عليه أن يخرج ثم يدخل بناءً على بقاء الأكوان بل ربما كان هذا خروجاً عن مقتضى الأمر والفرق بين مذهبي الوحدة بمعانيها والتكرار أظهر من أن يبين.

أما بين الوحدة والطبيعة فمن جهة الخواج أيضاً ظاهر إذْ يتعلق إليه في الأول هو الفرد وفي الثاني هو الطبيعة، ثم على القول بأن الواجب المخير حكمه حكم المعين في الأبدية كونه مصلحة خالصة لأن مدلول حسن الشخص يظهر الفرق من هذا الوجه لأنه يمكن الإتيان بالطبيعة في ضمن الفرد المنهي عنه بخلاف الفرد المنهي عنه بخلاف الفرد وأما من جهة الأصل أصل الامتثال فإن كان الأمر متوجهاً إلى غير الأمور التوقيفية فالفرق ظاهر فيما إذا أريد بالوحدة بشرط، إذْ على الوحدة يمتنع الإتيان بالفرد الآخر بل قد يفسد الفرد الأول دون الطبيعة وأما في التوقيف فيستويان في العمل مع دليل الرخصة دون المدرك لأن مدرك التحريم هناك خارجي وهنا داخلي ودليل الرخصة في الزائد على تقديره معارض بالأمر لمنافاتها له على الوحدة وليس كذلك في الطبيعة، وهذا مع القول بمنع الامتثال بالطبيعة في ضمن أفراد عديدة على طريق التدريج لتحققها في الفرد الأول وعدم تأثير البيئة في الامتثال بالمجموع وأما مع وقوع الأفراد دفعه فالفرق بينهما ظاهر و أما على إرادة الفرد لا بشرط فالفرق في الدفع ظاهر إذْ الامتثال فيما إذا أمر بالضرب إذا ضرب بكلتا يديه دفعه بإيجاد الطبيعة بالفردين وعلى الثاني الامتثال بإحداهما فإذا ترتب حكم فقهي يبنى على القرعة كما إذا أمر بالعتق واعتق عشرة دفعة وقلنا إن العتق عن الأمر الحادث في المتعلق كالضرب بمعنى الأثر حتى يتعدد استخرج بالقرعة إن أجزنا أنها تدفع الجهالة الواقعية والعلمية وقلنا بأن هذا التحق منه العتق جائز وفي غيره على القول بتأثير البنية في المجموع ظاهر وعلى القول بالعدم لا تفاوت إلا على القول بالدلالة على عدم الوجوب والرجحان في الزائد ربما مال إليه الشيخ حسن صاحب المعالم وربما كان في اللفظ إشعار به فتأمل، والفرق بين نوافي المذاهب وبين السابقة وكذا بينها أنفسها ظاهر لا يخفى.


74

إذا تقرر هذا فلنرجع إلى تحقيق الحق في المقام فنقول المختار عندنا إن الصيغة لا تدل على وحدة ولا تكرار و إنما تدل على إرادة الطبيعة و أما الوحدة والتكرار ليس إلا كسائر الأمور الخارجية عن معنى الفعل من خصوص الزمان والمكان و الآلة وغير ذلك فكما إن قولنا افعل لا يدل على زمان خاص و لا مكان دلالة بل يصلح أن يقيد بالأمكنة المختلفة و الأزمنة المختلفة والشدة و الضعف إلى غير ذلك فكذلك لا يفيد وحدة و لا تكرار وليس هذا قياساً بل أمراً محصلاً من ملاحظة العرف و استقراء كلمات العرب فإنا لا نفهم من افعل إلاّ طلب إيجاد الطبيعة وأيضاً أصل الطلب معلوم وهذه القيود غير معلومة فالأصل عدمها، و أيضاً قد روي عن أهل اللغة أن لا فرق بين افعل و فعيل إلا بالدلالة على الطلب وعدمها أيضاً يصلح تقييده بكل من الأمرين مع عدم حصول نفرة لظاهر اللفظ كما في المجازات و الأمر في غاية الظهور.

واستدل على بطلان التكرار بان يستلزم استغراق الأزمنة على المأمورية و اللازم باطل فالملزوم مثله أما الملازمة فظاهرة إذْ معنى التكرار على ما أرادوا أن يشغل المكلف جميع الآلات الزمانية بالمأمور به بقدر الإمكان أو بحيث يصدق عليه شغله عرفاً وعلى كل حال فالاستغراق لازم وأما بطلان اللازم فبالإجماع ولأنه يلزم إذا أمره بعبادتين أن يكون أحدهما نسخاً بأن يكون الأخيرة ناسخة للأولى فيلزم أن يكون كل عبادة ناسخة لأخرى وهو خلاف البديهة والإجماع أيضاً. وقد يجاب بأن الإجماع مقتضٍ لعدم الحمل على الاستغراق لا لعدم فهمه من اللفظ والمدعى هو الأخير و أمر النسخ موقوف على قصد الاستغراق بان يكون المراد و لا شغل الزمان بالعبادة ثم تجيء الأخرى ناسخة أما إذا كان القصد من الأول خلاف ظاهر اللفظ اعني عدم الاستغراق فهو عن النسخ لما كان لأن النسخ إبطال الحكم لا إبطال الدلالة والأمر ظاهر، و أيضاً المعَروف من نسخ العبادة عندنا إبطال الحكم الأول اعني إبطال اصل الطبيعة كإبطال الأحكام لأهل الدين السالف فههنا إن أريد بالنسخ اللازم فهو ممنوع و لا دخل له في التكرار و إن أريد نسخ وجوب التكرار وهو زائد على الطبيعة فلا نسلم بطلانه وما أخذته في الاستدلال و أقمت الإجماع على خلافه هو الأول هذا مع أنا نقول بإفادة التكرار حيث التعلق فالتكرار في اضرب غداً خصوص غداً وهكذا ساعة و أمثال ذلك فعند ورود العبادة الأخرى نعلم أن التكرار مقيد بحال عدم لزوم صدورها فكأنه قال اضرب في وقت كذا لا وقت كذا و لا يخفى عليك ما في هذا الأخير من المنع إذْ لا فرق بين هذا وبين دخول القيد في نفس الخطاب كما لا يخفى على المتأمل.


75

احتج القائلون بالتكرار بوجوه:

الأول: استدلال الصحابة على تكرر الزكوة بآية ﴿ آتوا الزكوة و أضرابها.

الثاني: الأمر و النهي كلاهما يدلان على الطلب إلاّ إن أحدهما في الفعل و الثاني في الترك وليس له أحدهما زيادة على الأخر فما اقتضاه أحدهما يقتضيه الآخر و النهي يقتضي التكرار يقينا فالأمر كذلك.

الثالث: لو لم يكن للتكرار لما جاز الاستثناء منه إذْ هو فرع الاستغراق و لا يحصل إلاّ بالتكرار.

الرابع: لو لم يكن له لبطل النسخ إذْ هو فرع شمول الحكم للزمن اللاحق فيلزم من بطلانه في اللاحق بطلان مقتضى الأول بطلان اللازم غني من البيان.

الخامس: إن الصيغة أما أن لا تدل على الإيقاع في زمن وهو خلاف الإجماع أو تدل فأما على زمن وهو مقطوع بعدمه أو زمن غير معين لزم خروج الواجب عن كونه واجباً إذْ يؤخر فيترك أو جميع الأزمان وهو المطلوب.

السادس: طريق العقل وهو إن التكرار يعلم فراغ الذمة به يقيناً بخلاف غيره واحتمال إرادة الوحدة بشرط لا في غاية البعد.

السابع: وهو أغربها إذْ الأمر يتعلق بالأشخاص ويعم

كقوله تعالى ﴿ اقتلوا المشركين فينبغي أن يكون في الأزمان أيضًا كذلك إذ لا فرق بين الأمرين.

الثامن: قوله (ص) إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم أي فأتوا به ما قدرتم وهو معنى تكراره.

التاسع: سئل عنه رسول الله (ص) وقد جمع صلاتين بطهارة واحدة عمداً فعلت ذلك يا رسول الله؟ ولولا أن عرفهم التكرار الطهارة من قوله إن قمتم للصلاة فاغسلوا لما كان السؤال.

العاشر: إذا قال لغيره أحسن عشرة فلان فهم الدوام وليس إلاّ من الصيغة.

الحادي عشر: لو لم يقتضي التكرار لكان الفعل في الوقت الثاني قضاء لا أداءً.

الثاني عشر: إن المكلف إذا ترك الفعل في الزمن الأول أحتاج إلى دليل بناءاً على عدم التكرار وهو باطل.

الثالث عشر: الأمر نهي عن ضده و النهي يقتضي التكرار فكذا الأمر.

الرابع عشر: إن الأمر ضد النهي فيحمل على ضده.

والجواب أولاً عن الأول أو لاً بمنع استناد الصحابة إلى نفس الأمر في مثل تلك العبادة على تكرارها، وثانياً بأن التكرار هاهنا غير التكرار المراد لكم فعدم إمكان الاستناد إلى نفس الأوامر مسلم بيننا وبينكم وكونهم استندوا إلى عدم التكرار واحتاجوا إلى إخراج بعض الأجزاء الزمانية إلى دليل ليس بأقرب من أن يكونوا قد استندوا في إثبات الزائد إلى دليل مع أن الخارج أكثر من الداخل فيقوى الثاني، وثالثاً بالمعارضة فإنهم قد استندوا في العبادة الخالية من التكرار أيضاً بالأوامر ودعوى أنهم أرادوا إثبات أصل العبادة دون عدم التكرار بل حصلوه من خارج يمكن أن تقرر هناك حرفاً بحرف فتأمل.


76

وعن الثاني بأنا قلنا بدلالة الفعل على الأفراد دون الطبيعة و إن معنى يضرب فرداً من الضرب كان الأمر مقتضياً لوقوع النكرة بعد شبهة الإيجاب ولا تعم كما في قولنا اضرب رجلاً والنهي مقتضياً لوقوعها بعد شبه النهي فتكون عامة كما في قولنا لا تضرب رجلاً فكما لا يمكنك إلحاقه به في نفس المبدأ والأمر ظاهر، و إن قلنا أنه موضوع للدلالة دون الأفراد وهو الذي يتخيل فيه عدم الفرق بزعم عدم التفاوت بين قولنا أوجد طبيعة الفعل وحقق طبيعة الترك في أن كلاً منهما إذا اكتفى فيه بالوحدة يوجد بوجود الطبيعة فيه لزم ذلك في الآخر وإن حكم بعمومه وعد الاكتفاء بالواحد جرى في الكل فالفرق بينهما أيضاً ظاهر.

إن وجود طبيعة الفعل يتحقق في فرد وأما طبيعة الترك فلا تتحقق إلاّ بعدم الإتيان على الدوام، يكشف لك عن ذلك أن قولنا ما يقوم زيد ليس معناه لأن المستقبل مشتمل على طبيعة عدم قيام زيد مع أنه لا يتحقق إلاّ بالعدم دائماً ومدلول النهي طلب نفي الفعل فهو تابع لاقتضاء النفي وما بين من ذلك إن قولنا لا يقوم زيد نفي لاشتمال المستقبل على قيام زيد يعني لا يدخل القيام في الوجود ومدلول النهي كما طلب مدلول النفي مع أن

بنينا{ أن نقول إن النهي موضوع لطلب خاص أعني عدم الماهية بطريق الدوام بخلاف الأمر وتستأنس لكلا الدعويين بالنثر في كلمات العرف، ثم الفرق بين اشتمال الزمان على العدم وبين عدم الاشتمال على الوجود الذي هو مدلول النهي أظهر من أن يبين فتأمل.

وعن الثالث بأنه مجاز قرينته إلا يقيناً إن أجزنا الاخراج لنفس العموم إلاّ لظهوره و إلاّ حكمنا بقرينة أخرى سوى الاستثناء قد ورد الاستثناء عليها والمجاز لا بأس به مع قيام الدليل فتفكر.

وعن الرابع بأن الاستغراق لا يختص مدركه بصيغة الأمر بل قد يستفاد من حكم آخر أو من قرينة متصلة أو منفصلة على أمثال قوله (ص) حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة كان في فهم الاستغراق مع أن الاستغراق قد يستفاد من ظاهر التكاليف فإن شأن الأنبياء السالفين وكذا أنبياء تكاليفهم باقية إلاّ بعض الأفراد النادرة فتأمل.


77

عن الخامس بأنه خروج من محل النزاع إذ البحث في دلالة الصيغة في استفادة الحكم من العقل وأيضاً نختار عدم تعين الزمان ولا يلزم خروج الواجب لأنه متحد بظن الوفاة أو الوصول إلى حيث يسمى متهاوناً على نحو ما سيجيء في بحث الفور إنشاء الله تعالى.

وعن السادس بأنه خروج من محل النزاع أيضاً. ثم نحن نعتقد فراغ الذمة بعدم البيان فلا نحتاج إلى بيان العدم ولا تكليف إلاّ بعد البيان والأصل عدم شغل الذمة.

وعن السابع بأنه قياس في اللغة وأيضاً العموم مستفاد في الأشخاص باعتبار الجمع المحلى وأين هذا من ذلك وأيضاً الرابط بين المطلوب والمطلوب منه إن تخيلت فلا يحصل منها الإلحاق.

وعن الثامن بما مر من تحقق إجمال هذه في البحث المتقدم مع أنه خروج عن محل النزاع فتذكر. وعن التاسع بأن عمر لعله فهمه لتعليقه على الشرط فيكون المسألة الآتية أو أنه فهم العلية أو أن الصلاة لما كانت لتفريق في بدو الشريعة كانت عادة النبي (ص) التحديد ففهم عمر لزوم التكرار. وعن العاشر إن القرينة واضحة ولذا لدوام مأخوذ، فالمقام موضح. وعن الحادي عشر كيف يكون قضاءً ولم يخصه بالأول من الأزمنة وتخيل أنه لما دار عليها والأول أولى فتختص به غلط إذْ مقتضاه راجحية الإتيان في أول الأوقات ولا قضاء له بالقضاء. وعن الثاني عشر بأنا لا نخص مدلول الأمر بالزمن الأول حتى نحتاج إلى دليل في الزمن الثاني وما ذكرته من التخيل السابق لا يحد كما مر. وعن الثالث عشر بأنك إن عنيت أنها حقيقة فالمنع عليه واضح بل هو خلاف البديهة وسيزداد فساده ظهوراً إنشاء الله تعالى في مسألة النهي عن الضد وإن أردت أن نقيضه فبعد تسليمه نقول إنه تابع للأمر وقوع عليه وحاصله النهي عن عدم الإتيان بمقتضى التكرار الأمر فأن دل الأمر والتكرار فالنهي عن الإخلال ولو بفرد وإن كان الوحدة فالنهي عن الإخلال أثمار هو تابع له باقي القيود المرتبطة بالأمر ثم مدلول الصيغة ليس نفس صيغة النهي بل التحريم متعلق بما ذكرنا، خفية بالنظر إلى البقاء بل وإن قلنا بدلالة اللفظ لأنا نحكم فيه بالاشتراط أيضاً ويجوز أن يكون مورد الآية أشخاصها يكرهون الفتيات على البغاء مع إرادة التحصن فنص عليهم تعالى بخصوصهم لأنه أشد زجراً لهم وإن الآية وردت في مقام التعين للموالي يعني إن الفتيات على قلة عقولهن بين البقاء وإرادة التحصن فالموالي بأدنى منهن عقلاً وأضعف رأياً وقد صرح أهل البيان بأن الحكم هنا إظهار الرغبة في إرادتهن التحصن وهم وإن جعلوه نكتة للماضوية يمكن أن يجعل الأصل الفعل أيضاً نعم كثيرة من هذه الأجوبة لا ينطبق على رأينا والله أعلم.


78

الثاني: لهم

قوله تعالى ﴿ وَكَاتِبُوهُم إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَاشْكُروا نِعْمَةَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهً تَعْبُدون فَإِنْ لَمْ تَجِدوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَة إلى غير ذلك من الآيات التي فيها المفهوم. والجواب عن الكل بأنه ينصرف عن ظاهر اللفظ لغرض وداع وبعد دلالة الدليل فالأمر عندنا سهل بل هو معارض بمثله وبأنا نشترط عدم ظهور المصلحة في البناء على الدلالة على ما مر في كلام بعضهم والمصلحة هنا لا تخفى. إذْ الآية الأولى تدل على أن الكتابة حيث العلم أهم في نظر الشارع، والثانية فيها حث على العبادة وكذا الاحتياج إلى الرهان حيث عدم الكاتب أعظم إلى غير ذلك من المصالح، وتقرير هذا الجواب على غير مذهبنا ظاهر وقد يقرر أيضاً على رأينا بأن يدعى أن ظهور المصلحة يقضي بسلب المعنى الأصلي وعدم اعتباره على نحو ما ذكرنا في الأوامر بعد الحضر إلاّ أنه أبعد فتذكر.

الثالث: إن التعليق لا يدل على أكثر من الاشتراط فغاية ما يستفاد إن الصلاة عليه شرط وهو لا يقتضي كون غيره ليس شرطاً أو على ذلك فلا يترتب العدم على عدمه وهذه الحجة هي التي عول عليها المرتضى (ع). والجواب إن المفهوم من الشرط ما يترتب عليه العدم و الشرط إن المطلق على ماله دخل في العدم وإن كان بطريق البدل كما يقال للوضوء شرط والغسل شرط إلى غير ذلك إلاّ أن الظاهر من الشرط هو المعنى السابق وهو كالعلة، وهي وإن أطلقت على مقتضى الوجود والعدم على البدل إلاّ أن المعروف منها العلة التامة وقد أجاب بعضهم بطريق آخر وهو إن المفهوم من قولنا إن تقم أقم ليس إن قيامك شرط بل إن الشرط هو القيام مقتضياً لحصر أفراد الشرط في القيام، أقول هذا إن استفيد من جهة المقام بعد أن يذكر فرد من أفراد الشروط دون البواقي مع عدم المدخلية والأولية ثم يشم أن الاختصاص أولى النكت فله وجه، وان ادعى دلالة اللفظ عليه ففيه كلام إذ المفهوم من قولنا إن قام زيد أقم إن قيامي مشروط بقيام زيد نعم يستفاد الحصر لحق معنى الشرط وانه ظاهر فيما يترتب عليه العدم استقلالاً حتى لو قيل شرط إكرامك مجيئك دل على وحدة الشرط وهو ظهور الشرط في الأشياء المتعاقبة وهو أحدها لا كل منها فتأمل.


79

الرابع: لو قال إن جئتني و إن أعطيتني و إن أكرمت عبدي أعطيتك كذا لا يكون هنا تناقض وعلى ما قلتم يلزم ذلك إذ مقتضاه إن كل وجود يترتب عليه وجود و كل عدم يترتب عليه عدم فإذا اجتمع وجود وعدم لزم الوجود و العدم وهو تناقض. والجواب إنه مجاز وقرينته ظاهره، وقد يجاب بان هذا يؤول إلى التعارض بين المناطيق و المفاهيم فلا بد من الترجيح كسائر الأدلة. أقول هذا إذا اختلف زمان الصدق فهو حق وأما مع الوحدة فلا استقامة له ،والجواب الحق مفهوم كل ومقيد بعدم منطوق الآخر إن أريد التعدد وإن أريد الوحدة اندفع الأشكال فتأمل.

فائدة في كشف المفهوم

اعلم أن المعلق أما إن يكون بسيطاً مطلقاً أو مقيداً معتبر القيد أو مركباً مع الإطلاق أو التقيد فإن كان الأول كان التعليق دالاً على عدمه عند عدم الشرط يقيناً إذْ لا بعدم إلاّ وبوجه واحد وان كان الثاني كان ذا وجهين فعدمه أما بنفسه أو بمقيده إذ المقيد يعدم بانعدام قيده من حيث هو مقيد وان كان الثالث و الرابع فانعدامه أما بانعدام أحد أجزائه أو بتمامه أو بقيده فالمركب من الاثنين لكن بشرط أن تكون الأجزاء مفهومة مقصودة بالأصالة وإذا انعدم بانعدام أجزاءه فأما أن يبقى جزءه الآخر بإضافة جزء إليه إذا احتاج كما في الجنس أو ينعدم بانعدام صاحبه أو يثبت له ضده فعلى هذا لو تعلق الأمر و النهي مثلا بشرط قضى التعليق بانعدام الوجوب و التحريم المأخوذ فيها أو غيرهما على غير المشهور لكن يبقى الكلام في أنه هل تبقى الدلالة على الأذن في الفعل أو الأذن في الترك بعد رفع تحتمها فيبقى دائراً بين ثلاثة لأن الأصل بقاء الكائن على حاله خرجنا عن الأصل في الفصل الخاص فيبقى الباقي على حاله أو لا لأن الجنس قد انعدم بانعدام الفصل أما بناءً على العلية فظاهر إذْ لا يتخلف المعلول عن العلة وأما أنهما ليسا شيئين في الخارج بل هما أمر واحد بسيط نعم يحصل لها التعدد بتحليل العقل فانعدام أحدهما هو انعدام الآخر فيبقى دائر بين الأربعة والأخير هو الأقوى وللكلام مقام آخر سيتحقق إنشاء الله تعالى. أو نقول بان الباقي هو المقيد حتى إن المفهوم من قولنا إن جاء زيد فاضرب عمرا إن لم يجيء فلا تضربه وضربه محرم عليك وكذا لا تضربه المفهوم إن لم يجيء فاضربه فيدل على الوجوب إذ الظاهر سلب كل منهما بجنسه وفصله ولدعوى الفهم عرفاً و الحق إن هذا غير مفهوم من التعليق ولا يقتضيه عرفاً و لا لغة والحق إن المفهوم ليس إلاّ رفع الوجوب والتحريم ثم معرفة خصوص الحكم راجعة إلى أصل الإباحة فالحكم الإباحة ونحو ذلك فذهبنا إلى أنه بعد سلب الوجوب أو التحريم يحصل الدوران بين أربعة الأحكام الثلاثة كما في ثاني الوجوب و لا يتعين واحد كما في الأخير و الأمر في تعيين الحكم راجع إلى الأدلة و إنما اعتبر ظهور الأجزاء وقوة القيود إذْ من دونها لا يتوجه النفي إليها مثلاً إذا قلنا بان الأمر المفرد أو التكرار وعلق هل عدمه بعدمها لدخولها أو قيديتهما فلا دلالة على دفع الوجوب وكذا النهي بعدمها أيضاً فلا يدل على رفع التحريم ويكون الحاصل في قولنا إن جاء زيد فافعل إن لم يجئني فلا فور أو فلا تكرار إن قلنا إن التكرار أوسع من دائرة الشرط أو لا والمفهوم دفع الوجوب والتحريم الظاهر الثاني فتلك سوى أخذت أجزاء أو قيود فلا اعتبار لها لعدم ظهورها وقوة انصراف الذهن إليها، وقول البيانين إن النفي يتوجه إلى القيد يريدون به القيد الظاهر و إلاّ فهم لا يقولون في قولنا لم اضرب رجلاً أو ضربه إنه لسلب الوحدة وان قيل باستفادتها فتأمل.


80

تذنيب

اعلم أن الخلاف هاهنا في مقامين:

الأول: في إثبات أصل المفهومية.

الثاني: في حجيته.

وإنما لم أحرر محل النزاع سابقاً و أشير إليهما معاً لأن القدماء لا يتأملون في الملازمة بين الفهم والحجية وكلامهم ينادي بذلك وهذا البحث قد صدر من بعض العجم وارتضاه بعض المتأخرين بشبهة وردت عليهم وهي قد نهينا عن العمل بالظن واتباع الظن و إنه لا يغني من الحق شيئاً و إن الأصل عدم الحجية حتى يقوم الدليل وغاية ما علمنا بالأدلة حجية المناطيق للعلم الضروري والإجماع و ضرورة التكليف بل ربما نقول بالمفهوم الذي نقل عليه الإجماع كما في مفهوم الغاية والباقي تبقى تحت الأصل فهو على عدمها حتى يقوم البرهان أقول مما لا يخفى على أحد أن أهل الشرع حالهم كحالنا في المكالمات والمخاطبات فكما إن العبد مأمور بما يفهمه من قول سيده فعبيد الشارع كذلك وهذا معلوم، ثم نحن لا نرتاب في أن أصحابنا خلفاً بعد سلف يحتجون بمداليل الألفاظ من غير نظر في كون هذا منطوقاً أو مفهوماً وما سمعنا أن أحداً أبطل التعويل على فهمه لأنه بطريق المفهوم ثم على تقدير ما ذكرت من دلالة التضمن يكون منطوقاً وعلى أفراد المنطوق و واعجباً كيف خفي على هذا القائل الفرق بين الأحكام وموضوعاتها وكيف لم ينتبه بطريق السلف مع أنه قد ورد في كلام أهل العصمة ما يرشد إليه وهي كثيرة منها قول الصادق (ع) في تفسير

قوله تعالى ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبيرُهُم هَذا فَاسْأَلُوهُم إِنْ كَانُوا يَنْطِقُون والله ما فعله كبيرهم وما كذب إبراهيم قال إنما قال فعله كبيرهم هذا و إن لم ينطق لم يفعل كبيرهم شيئاً.

ومنها ما رواه الشيخ في تهذيبه في

قوله تعالى ﴿ مَنْ تَعَجّلَ في يَوْمِين فَلا إِثْمَ عَلَيْه وَمَنْ تَأَخّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْه إنه (ع) قال لو لم يقل ومن تأخر فلا إثم عليه لم يبقَ أحد إلاّ تعجل.

ومنها ما رواه في كلامه عن عبيد بن زرارة قال قلت لأبي عبد الله (ع) في قوله من يشهد منكم فليصمه قال ما أبينها من شهد فليصمه ومن سافر فلا يصمه، وقد ورد نظيرها عن هشام ابن الحكم. فلا يخفى على المتأمل أن هذه الروايات و إن لم تكن ضرورية في الدعوى إلاّ أنها ظاهرة ظهوراً تاماً ومقتضاه حقية المفهوم وحجيته وهو ظاهر فيثبت أن الحق خلاف ما عليه المرتضى ومتابعوه وكذا لا وجه لقول الحر العاملي والسيد نعمة الله الجزائري. وعليك بالتأمل في هذه الروايات فإنك ستجدها غير دالة بنصرتك الحمقى فإذا تأملت وجدت ماقلنا والله الموفق هذا وقد شفينا الكلام في مثل هذا المقام فتذكر.


81

الوجه الرابع: في تعليقه على الوصف

اعلم أن الوصف أما أن يراد به معناه المشهور أعني اللغوي وهو المطابق لبعض فهمه حيث قرروا إفادة العلية وهذا ظاهر في المعنى المعروف إذ هو الذي جعله البيانيون مقتضياً لفهم العلية، وقد يراد به ما يعم القيود مطلقاً حتى يشمل التقييد بالظرف كما في اضرب رجلاً في الدار، وضع درهمك في جيبك، وكذا التقييد بالآلة كاضرب عمراً بالسوط وخالداً بالسيف ونحو ذلك. وهذا المعنى هو المناسب لبعض أمثلتهم كعدهم

قوله تعالى ﴿ وَلا تَقْتُلوا أَوْلادَكُم خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ونحوها ولعموم بعض الحجج كما إن التقييد يستدعي حكمه إلى آخر الدليل وهو المناسب لما في كتبهم الاستدلالية فإنهم يمحقون جميع هذه الأشياء بمفهوم الوصف ويبنون الحكم فيها على هذه المسألة كما لا يخفى على من اقتفى أثرهم ونظر بسيرتهم.

ثم التقييد بالوصف يكون بعد ذكر الموصوف كما يقال اضرب الرجل الشقي وأعطِ الرجل العالم، وقد يكون من دونه مع عدم التقدير كما في اضرب أو معه أو مع احتماله والظاهر من بعض كلماتهم هو الأول أو الثالث وهو أظهر في تقرير الحكم التي ستبين في كلامهم لكن كلام المشهور ظاهر في العموم وكلام أبي عبيده ظاهر في ذلك فإنه أثبت المفهوم على ما سيجئ في الواجد ومطلق الغني ونقله له صريح في إرادة التعميم. ثم محل النزاع وهو التعليق على الوصف من حيث إنه كذلك أما مع حصول خارجي كما في إذا ظهرت العلية كما في ﴿ الزانية والزاني ﴿والسارق والسارقة فلا كلام في ترتيب العدم على العدم وكما إذا ظهر عدم اعتبار المفهوم كما في ﴿ وَلا تَقْتُلوا أَوْلادَكُم خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ومرادهم حصول المفهوم أعم من أن يكون من نفس اللفظ أو من خارجي لازم للوصف مع عدم العارض وكلامهم صريح في أن المراد إثبات المفهوم سوى كان لحق اللفظ أو باعتبار الحكمة مثلاً فلا تغفل.

إذا تقرر ذلك فنقول اختلف القوم في مفهوم الوصف فقيل بعدمه وبه قال أبو حنيفة وأصحابه و أبو بكر بن سريح والقفال وجماهير المعتزلة وقيل بالأدلة و إليه ذهب الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وأبو الحسن الأشعري وجماعة من الفقهاء والمتكلمين وأبو عبيدة وجماعة من أهل العربية وقيل بالتفصيل فيدل في ثلاثة مواضع دون غيرها؛ أولها أن يكون الخطاب وارداً في مقام البيان، الثاني أن يراد في مقام التعميم، الثالث أن يكون ما عدا الصفة داخلاً تحتها كما في الحكم بالشاهدين فإنه يدل على عدم الحكم بالشاهد و إليه ذهب أبو عبد الله البصري. وفي ظني إن هذا ليس قولاً مستقلاً إذْ مداره على وجود القرينة المحققة للمفهوم وهذا خارج عن محل النزاع إذْ البحث حال الخلو عن القرينة وعليّ إلى الله أن يستثني غير هذه الصورة مكتفياً بالتفصيل بين وجود القرينة وعدمه.


82

حجة الأولين أمور

الأول: إنه لو دل التعليق على العدم عند عدمه لكان بأحد الدلالات الثلاثة أما المطابقة أو التضمن أو الإلتزام والثلاثة مفقودة أما المطابقة فظاهر إذْ معنى التعليق بالوصف ثبوت الحكم عند الموصف وأما سلبه عند عدمه فليس يقيناً وأما التضمن فكذلك إذْ عدم الحكم عند عدم الوصف ليس جزءاً من وجوده مع وجود وهو ظاهر وأما الإلتزام فلأن الحكم بعدم الملازمة بين ثبوت الشيء عند الشيء وبين عدمه عند عدمه و إلاّ فيكون جميع التعلقات مقتضية لعدم الحكم وهو مقتضي لتحقق مفهوم اللقب فتبطل الدلالة من أصلها لبطلان محالها. وأورد عليه:

أو لاً منع الحصر إن أردت بالالتزام معناه بالمعنى المصطلح وهو يرجع إلى منع الملازمة، وكشف الحال إن دلالة اللفظ على غير الموضوع له وجزءه أما لاعتباره قيداً في الموضوع فيتوقف تصوره على تصوره كما في دلالة العمى على البصر والمشتق الوصفي على النسبة ونحو ذلك وهو الفرد الظاهر من الإلتزام أو الدلالة من جهة أصل اللفظ بل باعتبار جري الاستعمال في محل خاص فيفهم ذلك الخاص باعتبار ورود اللفظ غالباً في مثل ذلك المحل أو باعتبار مقارنته لوصف شاع في معناه فيفهم من إطلاقه باعتبار الشيوع، مثال الأول قول القائل سأفرغ لك وأمثاله فإنه لكثرة وقوعه في مقام الفراغ للعقوبة يشعر ويدل عليه، ومثال الثاني لفظ حاتم وفرعون في دلالتهما على الجود والظلم وهذه الدلالة عرفية يمكن جريها في مثل هذا المقام على أنا نقول إن لزوم المعنى قد يكون لطبع اللفظ أو باعتبار قرينة لازمة وهو من الإلتزام غير المشهور ومدعانا أعم منه، ثم مدعانا هذا الاقتضاء وهو بمراحل عن الدلالة إذْ الاقتضاء قد يكون لخارج عنه كما في تنقيح المناط وقياس الأولوية حيث لا يشتهر بحيث يدل اللفظ مثلاً من نهي عن الاستظلال بجدارة قضى نهيه بمنع التصرفات بأمواله بأي نحو اتفق لالدلالة اللفظ بأقسامها بل علم من حالة ذلك باعتبار الأولوية. وفي صورة التنقيح أظهر حتى إنا نعلم ذلك منه فإن لم يخطر بباله لكن العقل يحكم بأنه إذا نبه عليه أراده وهذا الإخفاء فيه في كثير من المقامات فإن حررنا محل النزاع وجعلناه الاقتضاء لا يبقى للحصر وجه ويكون هذا مانعاً لأصل الدليل وإن أراد الإلتزام بالمعنى الأعم منعنا فقد اللوازم بل نقول تعليق الوصف يدل على النفي بواسطة اللزوم العرفي الناشئ من كثرة وقوع اللفظ في مثل هذا المورد أو من قرينة لازمة كالحكمة ونحوها مع ورود السابق أيضاً ظاهر وهو إن النزاع في الاقتضاء فإثبات حصر الدلالة لا ينبغي الدعوى وإن أريد بها الأعم من الاقتضاء ورد منع الحصر فليتأمل.


83

وثانياً (بالمعارضة بالشرط) بأن يقال لو دل لكان بإحدى الدلالات الثلاثة وكلها منتفية إلى آخر الدليل فما هو جوابك فهو جوابنا إذْ ليس لك أن تقول باللزوم المنطقي ولا بالتضمن ولا بالمطابقة فلم يبقَ سوى العرفي وهو مشترك بيننا إذْ لا ملازمة بين ربط الوجود بالوجود وربط العدم بالعدم. أقول قد يقال إنا نختار التضمن على ما سبق وإن المدعي بالشرط هو الزوم العرفي وليس من جريانه في الوصف لأنه أضعف اقتضاءً أو نقول الشرط أكثر ونقول الشرط موضوع لتعليق الوجود بشرط تعليق العدم فيكون إلتزامياً حقيقياً وهذه الدعوى في الوصف تكاد أن لا تصدر من عاقل إذ لا يذهب أحد إلى المفهوم جزء من معنى الكلام المشتمل على الوصف.

الثاني: لهم إن دعوى الدلالة على خلاف الأصل إذْ المعلوم من التوصيف تعليق الوجود فتعليق العدم زيادة بتمسك بالأصل في عدمها وما احتججتم به في غاية الضعف. أقول جواب هذه الحجة موقوف على قيام براهين المثبتين ويتقرر لك كلامهم إنشاء الله تعالى.

الثالث: إنا لا نرتاب في الوصف قد أتي به على كلا الوجهين والأصل في الاستعمال موافقة ظاهر اللفظ وعلى ما قلتم يلزم الخروج عنه يقيناً فيثبت المدعى وهذه الحجة بعد قيام الدليل لا يبقى لها وجه أصلاً، والعلامة (ره) قرر هذا الدليل بأنه قد يستعمل اللفظ في كل من المعنيين والمجاز والاشتراك على خلاف الأصل وهذا التقرير لا يخلو من إشكال إذْ المفهوم من اللفظ غير المستعمل فيه والخروج عن المفهوم لا يلزمه التجوز إلاّ في بعض الصور فليتأمل ففيه دقة.

حجة المثبتين وجوه

1-إن أبا عبيدة القسم بن سلام معترف به فقال في قوله (ع) لي الواجد يحل عقوبته وعرضه لي غير الواجد لا يحل وكذا في قوله (ع) مطل الغني ظلم، إذ مطل غير الغنى ليس بظلم وقال في قوله لئن تملى جوف أحدكم قيحاً خير له أن تملى شعراً وقد قيل له أريد بالشعر هجاء النبي (ص) فقال لو كان كذلك لم يكن للتعليق بأكثره معنى إذْ الهجاء قليله وكثيره واحد.


84

2-إبن عباس منع من توريث الأخت مع الولد

بقوله تعالى ﴿إِنِ امْرءٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدُ وله أخت فلها نصف ما ترك حتى يمنعه مع البنت لأنها ولد

بقوله تعالى ﴿ إن امرء هلك ليس له ولد وله بنت فلها نضف ما ترك حتى منعه مع البنت لأنها ولد.

3-إن الصحابة اتفقوا على أنه قوله (ص) إذا التقى الختانان وجب الغسل، ناسخ لقوله الماء من الماء لأنه يدل على عدم الغسل مع عدم الإنزال.

4-لو قال لوكيله اشترِ لي عبداً أسود أفهم منعه من الأبيض.

5-لو لم يعد ذلك لما قبح قولنا الإنسان الأبيض لا يعلم الغيب والنصراني الميت لا يرى الحاضر.

6-التخصيص لا بد له من مخصص و إلاّ لزمه الترجيح بلا مرجح وأقرب الأشياء ترجيحاً هو الاختصاص.

7-تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلية فتحصل الدلالة.

8-فرق أهل اللغة بين المطلق والمقيد بالوصف وفرق بعضهم بين المقيد بالاستثناء وغيره.

9-قوله (ص) طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعاً، يقتضي عدم التطهير بالأقل و إلاّ ورد الغسل على محل طاهر.

10-كثرة الفائدة على القول بالمفهوم دون عدمه وما هو أكثر فائدة أولى بالاعتبار.

والجواب عن الأول والثاني بأن قول ابن عباس وأبي عبيدة يجوز أن يستند إلى قرائن ملحوظة في خصوص موضع الدعوى وعلى تقدير أن يكون محصلاً لهم من نفس اللفظ فليس إلاّ لأنهم اجتهدوا في ثبوت مفهوم المخالفة لأنهم قاطعون إذْ لا يمكنهم القطع في مثل هذه المقامات مع أنهم كلامهم معارض بمذهب الأخفش فأنه لايرى مفهوماً للمخالفة أصلاً وعلى تقدير علمهم فخبرهم خبر آحاد لا يقبل في مطالب الأصول. أقول بمنع هذا الطرق في الجواب مشكلة أما الأول فلأن صريح كلام أبي عبيدة ينادي بأن هذا مفهوم من التعليق لا من قرينة خارجية وكذا كلام ابن عباس نعم ينسب إلى القرينة اللازمة على تقديرها ثم في المعارضة بكلام الأخفش إذ كلام النافي لا يعارض كلام المثبت والواحد لا يعارض المتعدد مع أن أبا عبيدة أدرى بكلام العرب اللهم إلاّ أن يقال هذا لا يدخل في المنفي وباعتبار خصوصه يكون كالإثبات وعلى آخر كلامهم ما سبق من فساد دعوى العلم على نحو ما تقرر. وعن الثالث إنه اجتهاد أو محصل من القرائن وبأنه خارج عما نحن فيه إذْ هو مفهوم الحصر المستفاد من تعريف المسند إليه. وعن الرابع بأن مستند الفهم أمر خارج وهي كون المقام بيانها أو منع التصرف بغير معلوم الإذن ودعوى الاستناد إلى اللفظ في محل المنع. وعن الخامس بأن مستند القبح كونه إعلاماً بالواضحات ولأن التقييد مع العلم بعدم الثمرة قبيح ولا يلزم منه ثبوت المفهوم لتعدد المصالح لكن الجميع هنا مفقود. وعن السادس بأن المخصصات كثيرة منها الاهتمام بالمذكور ومنها كونه أسبق بالمؤال ومنها كونه أقرب إلى الخطور في حق غير الله تعالى ومنها اختصاص حاجة السامع ومنها وكول غيره إلى الاجتهاد لتحصل المثوبة إلى غير ذلك. وعن السابع بالمنع من الدلالة على العلية نعم قد تحصل في بعض المقامات لقيام القرائن. وعن الثامن بمنع إرادة المساواة من كل وجه وإن أريد في الجملة فلا ينفع. وعن التاسع بأنه تكليف يطلب فيه التكليف تذكر لا التي بدل على عدم إجزاء الأقل وبأنه ربما أدرج تحت مفهوم العدد. وعن العاشر لا تثبت اللغة بالاجتهاد. ثم الفائدة في عدم السبب أظهر.


85

هذا أقصى ما ذكروه في الاحتجاج لكل من الطرفين. أقول تحقيق المقام بحيث يندفع عن ظلمات الأوهام وهو أن يقال لا كلام في ارتباط الحكم بالوضوء من حيث هو لا يقتضي شيئاً كما في جميع الأخبار فإن إسناد القيام الضارب والقاتل والشارب والأكل لا يقتضي رفع الحكم عن غيرهم مثلاً إذا قيل قام الضارب ونجى القاتل ونحوها لا يدل على عدم قيام غير الضارب وعدم نجاة غير القاتل يقيناً.

والحاصل تقيد الأحكام الإخبارية بتمامها لا يقتضي شيئاً إلاّ مع القرائن كما إذا قيل سوف يهان الضارب ويفتضح الكذوب لظهور العلية فيهما مع احتمال العدم وكذا تعليق الأحكام الأمرية لا يزيد على ارتباط المحكوم به بمحل الوصف فاضرب الضارب وأهن القاتل يدل على ارتباط الإهانة والضرب محل وصفي الضرب والقتل.

نعم يجوز للمتكلم أن يقصد الاختصاص وعدم التجاوز والتجاوز والعلية في الوصف مع إقامة القرينة لقابلية المحل لأن قصد العلية بالوصف أمر شائع لكن الجواز لا يزيده على كونه نكتة بيانية قابلة للفقد كما في قولهم إن تعريف المسند إليه بالموصولية للتفخيم والتعظيم أو الإشارة إلى وجه بناء الخبر أو تعظيم الخبر أو غير الخبر لا يريدون أنها معانٍ لازمة للموصولية بل أريد إمكان قصدها فالأمر المعلول للتعليق على الوصف عند إمكان إرادة الاختصاص على وجه مناسب لمذاق أهل اللغة وموافق للنكتة البيانية إلاّ أن الظاهر عندي اقتضاء المفهوم مع عدم ظهور مصلحة للتقيد لقضاء الحكمة فيما إذا ذكر الموصوف فإن قولنا اضرب رجلاً عاصياً يستدعي حكمه في العصيان عدم الاكتفاء بالرجل وكذا إذا لم يذكر إذ العادة ذكر ما لا ينافي الأحكام فالخروج إلى الأوصاف لا بد له من داعٍ ومع التقدير يرجع إلى السابق وتضم إلى ذلك إن أظهر المصالح وأبينها هو الاختصاص غالباً نعم إذا قام احتمال مصلحة مساوية أو أعلى بلطف الحكمة فهذه المظنة راجعة إلى الموضوع وإن كانت مستندة إلى العقل ودعوى أولوية هذه المصلحة أمر مؤكد إلى العرف وعلى تقدم عدم اقتضاء الحكمة فيمكن استفادة الحكم في أكثر كلمات الشارع لأن أحكامه غالباً ترد في مقام البيان الكلي لا في خصوص واقعة بل مع الخصوص في الغالب يريد العموم فإذا أصدر منه التخصيص بالوصف وسكت من غير علة فهو أدل دليل على اختصاص الحكم وأنت بعد تتبع كلمات الشارع تجد أكثرها من هذا القبيل، ثم لا يخفى عليك جريان هذا التقرير بمفهوم الشرط.


86

والحاصل المدرك تخصيص الخاص بعد تصور العام وهذا جارٍ في جميع القيود والأوصاف ولو قدر موصوفها لأنه مقصور ولا ينتقض بمفهوم اللقب لعدم الداعي إلاّ إذا رجع إلى هذا بنوع اعتبار كما إذا قيل اضرب رجلاً زيداً والشبهة السابقة من بعض المتأخرين في إنكار الحجية مع الاعتراف بالفهم جارية هنا والرد الرد والبطلان البطلان.

وهنا فوائد

الأولى: إنه قد نقل الإجماع من القائلين بالمفهوم على أنه حيث لا تظهر للتخصيص فائدة، ممن نقل ذلك العلامة (ره) في النهاية وهذا على تقدير كون المدرك هو الحكم لا كلام فيه وأما على القول بالدلالة اللفظية فلابد من ارتكاب كونها مشروطة بعدم ظهور المصلحة، قيل في الأمر بعد الخطر فإن الخطر غير منافٍ للوجوب إلاّ أن جري العرف واللغة على عدم إرادته بعده قضى بصرفه وهنا ندعي جري اللغة والعرف على عدم إرادة المفهوم حيث ظهور المصلحة فدقق النظر.

الثانية: بأن تعليق الحكم بالوصف بناءً على المفهوم يقضي سلب الحكم عن غير الموصوف بما اتحد معه جنساً وهذا يقتضي سلبه عن غير الموصوف من غير الجنس الظاهر خلاف ذلك مثلاً قولنا في سائمة الغنم زكاة يدل على عدمها في الغنم المعلوفة لكن هل يدل على البقر كذلك أو لا؟ مالَ إلى الأول بعض الشافعية واحتجوا عليها بأن السوم كله بمقتضى الوصف فالعلة تستدعي المعلول وجوداً وعدماً حيث اتفقت، والحق عندي خلافه بأن المفهوم من العرف بناءً على القول بالمفهوم ليس إلاّ العدم في معلوفة الغنم دون غيرها. فإن قلت قد حكموا بأن قولنا حرمة الخمر لإسكارها يدل على حرمة النبيذ وباقي المسكرات مع اختلاف الجنس؟ قلت لا يخفى على المتفطن في مقتضيات الألفاظ أن العلة إذا وقعت على جنس تشترك أفراده فيها ولا يختص بها بعض دون بعض اقتضت السراية كما في حكاية الخمر و إن وقعت على أفراد الجنس المخالفة لأفراده الباقية في حصولها لم تدل على سلب الحكم عن تلك الأفراد وثبوتها لتمام الأفراد المتصفة بها، مثلاً إذا قيل هذه النخلة لأنه ثلاثة أذرع تسوى كذا وهذا الحرير طوله يسوي كذا يكمل على أن كل نخلة بهذا القدر هذه قيمتها ولا يدل على ذي الثلاث من الجدران فالقصب والشجر ولا على غير ذي الثلاث من تلك الأشياء لا يسوي هذه القيمة بل على أن غير ذي من النخل لا يسوي، وكما إذا قلت حرمة الفلان لثخنها من أن في الخز الثخين وغيره يدل على حرمة الثخن من الخمر دون العسل وعلى إباحة الخفيف من الخمر دون الدم والسر في الفرق ظاهر إذ في الأول العلة مع ثبوتها في كل الأفراد يكون بمنزلة التأكيد ولا ينصرف فائدة كلية إلاّ إلى غير أفراد الطبيعة بخلاف هذا والمقام محل نظر فلا تغفل.


87

الثالثة: إنا بعد أن حكمنا بأن تعليق الوصف يقضي بعدم الحكم في الضد فهل يقضي العدم في النقيض أو لا؟ احتمالان أقواهما الثاني مثلاً إذا قلنا اضرب ذا ثوب أسود فيدل على عدم ضرب الأبيض وهل يدل على عدم ضرب العريان له أو لا؟ احتمالان أقواهما الثاني إذ هو المتيقن من ملاحظة مخاطبات أهل العرف كما لايخفى على المنصف الفطن.

في التقييد بالغاية

قد أسلفنا البحث في منطوق الغاية أعني مدلول الأدوات باعتبار نفس مدخولها والنظر الآن في مفهومها باعتبار ما بعد الدخول، مثلاً في قولنا سرت إلى الكوفة مقامان أحدهما في حال الكوفة من المنطوق والثاني فيما بعدها وهو المفهوم نعم إن كان مدخولها بسيطاً كان البحث فيه من المنطوق وفيما بعده من المفهوم و إن كان مركباً احتمل أن يكون بتمامه حالة ستعلم من المنطوق فيكون كالأول أو إن منطوقها أول أجزاءه فيما بعده من الأجزاء مع الخارج ويندرج في المفهوم على أن مدخول الأداة هو الجزء الأول وكلامهم في هذا مضطرب لأن بعضهم جعل حكم الليل من المفهوم سوى أول الأجزاء وقال بناءً على المفهوم يخرج الليل عن الصوم وبعضهم من اعتبر ما بعد الليل فالمذاهب السابقة أعني إطلاق الدلالة وعدمها والتفصيل بين الجنس وغيره والمفصول وغيره وحتى والى إنما نشأت من المنطوق نعم قد يتقرر بعض الأقوال هنا باعتبار آخر كما سيجيء وهذا النحو من الفرق هو المعروف في المقام.

وربما يتخيل كون البحثين إنما هو باختلاف المدرك فإن قلنا بدلالة المنطوق على الخروج فيها و إلاّ احتملنا دلالة المفهوم وتوجيه ذلك إنا إذا ادعينا أن "إلى" مثلاً إنما تدل على خروج مدخولها عن الدخول تحت الحكم اللفظي من غير تعرض لحال الحكم الأصلي، مثلاً إذا قلنا إن معنى قولنا سرت من البصرة إلى الكوفة قطع المسافة المحدودة بحدين البصرة والكوفة فهما خارجان عن شخص الحكم إلاّ أنه يقوم أمر المفهوم بتقرير إن التحديد بهذا ظاهر في خروج الحد عن أصل الحكم أما لحكمة أو لقضاء العرف ولا يستبعد وإن كان حد التعلق لا لأصله فعلى هذا تكون دائرة المفهوم أوسع أن ينطبق على نفس الدخول وأجزائه وما بعده. ومما يؤيد ذلك أن العلامة (ره) لم يفرد بحثاً لمفهوم الغاية لدعوى المقاربة بين البحثين وقد أشار إليه إشارة جزئية.


88

إذا عرفت ذلك فنقول اختلف الأصوليون في هذا المفهوم فذهب المرتضى وبعض العامة إلى عدمه وإليه مال بعض المتأخرين كالحر والسيد نعمة الله الجزائري ومالَ المشهور إلى تحققه وهو الحق عندي. لنا شهادة العرف بذلك فإن كل من يسمع غسل اليد إلى المرفق يفهم عدم وجوب ما فوق المرفق وكذا قراءة السورة إلى نصفها صريح في عدم قراءة ما بعد النصف بل بعد تتبع المظان اللغوية في موارد الغاية لايخالطنا شك في ذلك على أنا قد بينا حجية مفهوم الشرط وأقمنا البرهان عليها وبضميمة الإجماع المركب يتم المطلوب، بأن يقال إن كان مفهوم الشرط حجة كما في الغاية كذلك لكنه حجة، أما الملازمة فللإجماع و إما ثبوت اللزوم فالدليل على أن الإجماع البسيط فالنقل هنا على أنه قد يحصل العلم بالاستقراء أقوالهم إذْ خروج معلوم النسب غير قادح وخلاف بعض العامة غير معلوم ولو علم غير قادح أيضاً إذْ لا يخل بتحققه على ما سيجيء في بحث الإجماع إلاّ أن يمنع التتبع والسكوت غير نافع وبثبوت المفهوم تثبت الحجية والواسطة غير معقولة كما مر فتذكر.

بقي الكلام في تعين المفهوم

لا كلام في خروج ما بعد الغاية على القول بالمفهوم وبعدم دخوله على القول بعده، ونعني بالغاية مدخول حرف الجر أما ثبوت ضد الحكم له فيكون مفهوم اغسل إلى المرفق تحريم ما فوق المرفق أو بنفيه فقط فيبقى دائرة بين الأحكام الأربعة، والمفهوم من حال العرف هو الثاني وهو ظاهر بعد التدبر أما نفس المدخول فإن بنينا على المغايرة على البحثين في المنطوق فنخرج عما نحن فيه و إن عممنا أمكن تخيل التفصيل وكذا إذا قلنا بأن المدخول في المركب أول الأجزاء يجيء ذلك احتمال فيما بعده لكن هذا مع البناء على عدم المنطوق بشيء أما لو قلنا باقتضاءه الخروج في المدخول فلا ريب في خروج ما بعده.

ثم كشف الحال بحيث ينكشف الأمر هو إن الكلام هنا في مقامين:

المقام الأول: في الدخول والخروج عن الحكم اللفظي فهنا لا كلام في خروج ما بعد الغاية عنه، أما الغاية فقيل بدخولها لأن آخر الشيء جزءه وغايته آخره وقيل بخروجها ومبنى الأمرين على أن الغاية ما ينتهي به الشيء أو ينتهي إليه الشيء فدخولها على الأول ظاهر بخلاف الثاني، ومنشأ التفصيل أيضاً ذكر في محله فليتذكر.


89

المقام الثاني: في الخروج عن الحكم الأصلي وعدمه هو يجيء في نفس الغاية بناءاً على خروجها عن الحكم اللفظي وفيما بعدها ومنشأهما إن خروج الشيء عن ظاهر الحكم هل يقتضي الخروج عن أصله أو لا؟ وهذا البحث مغاير للسابق يجري في الغاية وما بعدها أما الأول فهو من خواص الغاية.

وبعد أن اتضح لك الحال فلا يخفى عليك أمر التفاصيل، حجة المرتضى وأتباعه إن الغاية لا تزيد على الوصف وهو معها في مرتبته وبعد أن بينا عدم الدلالة في الوصف فالغاية مثلها على حد سواء وبأنها قد تطلق في مقام الثبوت والنفي فهي أعم منها والعام لا يدل على الخاص. وجواب الحجتين ظاهر لنا، الأولى يمنعها للجزم بالتفرقة عرفاً بين الأمرين فإن الوصف بناءً على دلالته إنما هو في أعلى درجات الضعف بخلاف الغاية يظهر من تتبع المقامات الخطابية، والثانية لا أثر لها مع قيام الأدلة، والاستعمال في المرجوح جائز فتدبر.

فائدة جليلة

اعلم أن أصحابنا أشبعوا القول في منطوق الغاية ومفهومها ولم يتعرضوا لذلك في البداية مع جريان الكل إذ منطوق من يمكن أن يدل على الخروج أو الدخول أو بالتفصيل بقسميه فقولنا سرت من البصرة يحتمل أن تكون البداية بالبصرة أو من البصرة وعلى الأول تدخل وعلى الثاني تخرج ثم احتمال التفصيل بين أن تكون البصرة مفصولة أو موصولة وبين الجنس وغيره كأن يقال اقرأ السورة من أولها إلى آخرها وافصل الحبل عن آخر الحبل.

ثم أمر المفهوم جارٍ بذلك النحو إذْ كون الشيء بداية يقتضي أن لا بداية قبله فلا يدخل في الحكم اللفظي يقيناً وهل يقتضي هذا الخروج عن أصل الحكم وجهان يعلمان مما سبق في مفهوم الغاية فتركهم التعرض أما ليعلم بالمقايسة أو لعدم ترتب نزاع يبنى عليه في مباحثهم الفقهية أما القول بعدم جريان الكلام فيها أصلاً فهو بعيد عن التحقيق كما لا يخفى على الناظر. ثم اعلم أن كلاً من البداية والنهاية قد يذكران لتحديد متعلق الحكم من الطرفين من غير تعرض أخذت معينة اتحدت على وجه التعيين والتشخص فتدبر.


90

هذا ويمكن الاستناد في أصل الحكم إلى أن عهد المسند حيث لا عهد دليل على الاكتفاء المتكلم بالعهد في الجملة بمعنى إن المخاطب إن علم بضارب فهو زيد إذ كل ما يتخيل وصفه بالضرب فهو هو، وحيث يتبين العهد الشخصي حقيقة فلا حصر فيكون الحاصل زيد الذي يعهد منه الضرب فإن عهدت ضرباً فهو لزيد ولوجه آخر وهو إن مثل هذا التعريف لما كان بحيث يقع في التعاريف كثيراً لقولنا الإنسان الحيوان الناطق فالإتيان بمثل الصور فيه إشعار وإرشاد إلى هذا الوصف صار معرفاً لزيد حتى كأنه قال إن أردت معرفة زيد فاعرف الضارب فإن معناه الضارب على أنه بعد قيام الضرب الحكم على استفادة الحصر لا يبقى كلام أصلاً ولا خفاء على كل من تتبع مظان الاستعمال حال الحصر والله أعلم.

وأما الحصر المستفاد من تعميم الموضوع وتخصيص المحمول فقد استدلوا عليه بأنه إن عنى به الاستغراق فالمدعى ظاهر وإن أريد الطبيعة فلا يبقى على العلوم إذ من المعلوم إن من الخاص لا يصح حمله على العام أن يقتضي اتحاده معه فلا يكون خاصاً هو ما ورد عليه بأن هذا يجري في عموم المحمول أيضا فيكون الأخبار بالنكرة مقتضياً له مع أنه إجماعي البطلان واعتذر بالفرق بين كون العام موضوعاً وكونه محمولاً لإرادة المفهوم ثانياً بخلاف المفهوم الأول و لا ريب في أن المفهوم باعتبار جريانه على المصداق لا يأبى الثبوت لغيره أما المفروض فلا يمكن ذهابه عن العارض تصديقي إن أخذ موضوعاً بطل إنفكاكه عن زيد بخلاف ما إذا اخذ محمولاً، وقد يورد عليه بأن الذي أخذ مفروضاً في صديقي زيد ليس هو مفهوم صديقي بل مصداقه وهو يتبع حال القضية فإن كانت كلية دلت على حصر أفراده على زيد وإن أخذت مهملة أو جزئية فلا قضاء لها بل إنما تدل على أن فرداً ما يتحد لزيد. وقد يجاب بأن حمله على المصداق منصرف إلى الكلية لأنه حمل عليه من حيث هو مصداق لا لخصوصية وفيه نظر. وهذا المثال اعني صديقي زيد ذكره العلامة نور الله مرقده وفيه إن إضافة صديقي معنوية فلا يكون فيه عموم وقد يعتذر بإرجاعه إلى مصداقي وقد يورد على هذا سؤال آخر وهو إنكم تختبرون الأخبار لنكره عن أخرى مع تخصيصهما وان كان الموضوع منهما أعم مع أنكم لا تقولون بالحصر فيها لأن أهل البيان اشترطوا تعريف المسند إليه ولم يكتفوا بمطلق الأخص ولا صدقوا عن هذا إلاّ بالقول به هنا ويكون اعترافاً بالدليل وكلام الأصوليين لا يأباه هذا مع أنه يمكن الاحتجاج عليه بما تقدم من أمر العرف وحال المخاطبات ومن التقريبات السابقة من وروده في التعاريف بل ما ذكر من أمر الحمل وان ظاهره العينية إذْ هم لا يريدون بالأخص سوى الأخص بالأصل و أما حال الحكم فالمطلوب منه اليقين فيندفع بهذا الإشكال السابق على تمثلهم بصديقي زيد و لا حاجة إلى ذلك الجواب بل منه إن إرادة الطبيعة في مثله خلاف الظاهرة و إرادة العهد حيث لا عهد قرينة الحصر وقد مر فتذكر.


91

في مفهوم العدد

ونعني به سلب الحكم عما زاد عن العدد الذي تعلق به الحكم، مثلاً إذا قيل اجلد زيداً ثمانين جلدة فهل يدل على عدم وجوب الزائد قضاء نحو العدد أو لا تعرض فيه لذلك لا نفياً ولا إثباتاً وكون المراد بالمفهوم هذا المعنى هو المعروف في لسانهم وبه صرح القرافي ويمكن أن يراد به الأعم من سلب الحكم الزائد و الناقص حتى إذا قيل في خمس من الإبل بشاة كان دالاً على العدم في الأقل لقضاء التعليق بالعدد ويراد بالعدد على هذا اعم من الدال على مرتبة بعينها أو أعلى لا يستدرج في المسألة إذ الحكم على الجمع هل يقتضي عدمه في التنبيه وفيها هل يقتضي النفي على المفرد مثلاً، إلاّ أن هذا من لواحق المسألة وليس مندرجاً تحت الموضوع صريحاً.

إذا عرفت ذلك فنقول لا كلام في أن التعليق على العدد في حد ذاته لا يقتضي شيئا أعني إنه لايدل بالمطابقة ولا التضمن ولا بالالتزام العقلي بل يختلف باختلاف الأحكام، مثلاً إيجاب الناقص وندبيته و إباحته إن كانت لا بشرط جامعة الزائد متعلقة بما اشتمل عليه عن الناقص كما إذا

...{3 ثلاثة دراهم فأعطى خمسة، وإن كانت بشرط لا لم تجامع الزائد وهذا كما في إيجاب ركعتين عند الصبح فإنه مانع من الإثنين بأربع مع الوحدة وكذا التحريم والكراهة فإنها من الناقص لا بشرط يقتضي الرواية في الزائد من ذلك الوجه منهما مفهوم بدل إلى الوصف البعض مثلاً قولنا أكلت الرغيف ثلثه يدل على ترك الثلثين بل قد يقال مفهوم البعض مطلقاً إلاّ أن يرجع ومفهوم بدل الاستثمار مثلاً نفعني زيد علمه وقد يقال بدلالته على عدم نفع غير العلم، ومفهوم التأكيد فقولنا جاء زيد نفسه يدل على عدم كون الجائي كتابه أو عبده أو أحد أقاربه والقضية من أصلها وإن قضت بذلك إلاّ أنه منصرفاً من اللفظ وأمثال هذا إلاّ أنه اتساع ذكر هذا المفاهيم لكثرة ورودها في كلام الشارع واختلاف الأحكام بها كل الاختلاف والكلام السابق في إثبات أصل المفهومية وحجيتها على ما أورده بعض المتأخرين جار في الجميع فالواجب على الفقيه النظر في دقائق كلام الشرع والتبصر في مداليل خطاباته مناطيقها ومفاهيمها ولا يقتضي على ما فرض له أهل العلم في كتبهم الأصولية ثم عليه النظر في الراجح منها بعض التعارض، والظاهر عندي إن الشرط والغاية في مرتبة مع رجحان جزئي للغاية ربما لا تصلح للتعويل ودونها الحصر ودونه العدد وأمر اللقب ظاهر ثم لابد من النظر في المرجحات الخاصة العارضة للأشخاص في مقام التعارض والله الموفق.


92

في تفسير بعض الحروف

اعلم أن للعلوم استمداد بعضها من بعض لافتقار كل منها إلى مثله، ثم أما أن يكون بحيث تدخل بعض مطالب أحدها في الأخر كما في دخول بعض مطالب الحكمة في الكلام ونظيره بعض مطالب الكلام في الأصول وكذا بعض مطالب اللغة ككون الأمر للوجوب والنهي للتحريم باعتبار الجهة المختلفة إذْ النظر في مثلها وقد يرجع إلى أمر العقيدة فيبحث من هذه الجهة فيكون الحسن والقبح من مباحث الكلام وكذا قد يكون النظر في مباحث الأوامر والنواهي بالنظر إلى المداليل اللغوية مع الغفلة عن ترتب الأحكام الشرعية وقد يكون من هذه الجهة فيكون بحثاً أصولياً و أما أن يكون أصولياً و أما أن يكون دخوله لا على وجه الجزئية كما في دخول مبحث أبنية المصادر في العربية فهذا على طريق الاستعارة لا على طريق الأصالة.

ولما كان غرض الأصولي البحث عن المداليل التي يتوقف عليها الأحكام أن يبحث عن الحروف التي تكثر دورانها ووقع النزاع فيها كما يبحث عن غيرها مما له تعلق بكيفية الاستدلال أو حال المستدل وفيها مقاصد:

المقصد الأول في الواو العاطفة

وقد اختلف في معناها على أقوال:

الأول: إنها للجمع المطلق أي الخالي عن اعتبار التقيد لا عن مصاحبته بمعنى أنها تدل على اشتراك المحكوم عليه في المحكوم به كجاء زيد وعمر أو المحكوم به في المحكوم عليه كضرب وقعد زيد أو فيه وفي المتعلق كضرب وأكرم زيد عمرا أو في ثبوت نحو قام زيد وقعد عمر وفي الانتفاء كما قام زيد وما قعد عمر. وفائدة الواو هنا و إن حصلت من دونها إلاّ أنها ترفع احتمال الإضراب والغلط فالمعنى بالجميع في كلامهم الاجتماع في هذه ونحوها لا في الزمان والمكان اجتماعاً أو افتراقاً.

الثاني: إنها للترتيب المطلق أي الخالي عن ملاحظة التعقب أو التراخي مطلقاً أمكن الجمع أولا.

الثالث: إنها للترتيب مع تعذر الجمع أي إن الجمع المعية مقدمة ومع تعذرها فلابد من الترتيب.

الرابع: إنها للمعية، نقله الجويني عن بعض الحنفية وأنكره العلامة (ره) في النهاية قائلاً كلام الحنفية على ما نقل لا يدل إذْ قالوا إنها للجمع وهو لا يدل على المعية. وأقول قد نقله الإمام في البرهان أيضاً عن بعض الحنفية كما نقله علماء العربية وما نسبه هذين الفاضلين إلى الاشتباه مما لا ينبغي.


93

الخامس: إنها للترتيب لحق التقديم فإن الظاهر منه التقدم النفس أمري وإن أمكن كونه معللاً بأمر آخر إلاّ أنه أظهر وهذا ليس قولاً صريحاً لأحد إلا أنهم في أثناء الاحتجاج على الترتيب يستندون إلى أن الفائدة الظاهرة للتقديم هي التقدم في الواقع. وقد يستأنس لهذا لما ورد من الأخبار المستفيضة من الطرفين من وجوب البدأة بما بدء الله به كما ورد في الخبر النبوي عند سؤال الصحابة من السابق من الصفا والمروة إنه قال ابدءوا بما بدأ الله به وكذا قال أبو جعفر (ع) ابدأ بالوجه إلى أن قال والرجلين لا تقدمن شيئا بين يدي شيء مخالف ما أمرت به إلى أن قال وإن غسلت الذراع قبل الوجه فابدأ بالوجه إلى أن قال ابدأ بما بدأ الله به وفي آخر عن رجل فعل كذا قال يبدأ بما بدأ الله، وغير ذلك من الأخبار الدالة أما على كون التقديم مفيداً للتقدم مطلقاً أو في القرآن لإشعارها بأن العلة هي التقدم مع أن ذلك غير بعيد عن قواعد البيانين والبلاغة كما لا يخفى على الناظر البصير.

واعلم أن أهل الأصول وضعوا احتجاجاً لأهل الرأي الأول والثاني وتركوا البواقي أما لإنكارها أو لهجرها حتى إنهم بإبطال أحدهما يثبتون الآخر كأنهم بنوا على الإجماع المركب في البين فلا تكن في ريب من أدلتهم مع أن أكثرها إنما ينبغي أحدهما مثلاً وهذا لا يثبت الآخر. احتج الأولون بوجوه:

أحدها: الإجماع المنقول عن أبي علي حيث قال اتفق اللغويون والنحويون والكوفيون على أن الواو للجمع المطلق وقد ذكره سيبويه في سبعة عشر موضعاً من كتابه.

الثاني: إنها ترد فيما يمتنع فيه الترتيب كالمفاعلة والتفاعل والاشتراك والبين بخلاف الفاء وثم وليس بخصوص الترتيب فيهما مدخلية و لا لورود اللغة من غير سبب وجه.

الثالث: إنها ترد حيث لا يراد الترتيب قطعاً كما في قوله تعالى﴿ السارق والسارقة ﴿الزانية والزاني وأمثالها مما لم يكن لقصد الترتيب فيها وجه أعني الترتيب الحكمي.

الرابع: ورود اللاحق سابقاً أو بالعكس مع وحدة القضية كما في قوله تعالى ﴿وَادْخُلوا الْبَابَ سُجّداً وَقُولوا حِطّة مع الآية المعاكسة.


94

الخامس: لزوم التناقض فيما يصح اتفاقاً كقولك قام زيد وعمر قبله ونعني به لزوم ذلك في مبدأ النظر وكذا التكرير في قولك وعمر بعده، والمراد في مبدأ النظر أيضاً.

السادس: لزوم الكذب في قولنا جاء زيد وعمرو فيما إذا جاءا معا.

السابع: عدم فهم الترتيب عند الإطلاق.

الثامن: حسن الاستفهام.

التاسع: سؤال الصحابة عن المقدم من الصفا والمروة ولو كانت للترتيب لفهموه في الآية.

العاشر: الجمع معنى تشتد الحاجة إليه فوجب وضع لفظ بأزاءه.

الحادي عشر: لو كانت للترتيب لجرت عليها أحكام إلغاء من الوقوع رابطة لجواب الشرط والقسم ونحوه من الأحكام. هذه حجج القوم وأوردوا عليها بتمامها أسئلة.

فعلى الأول إن الإجماع في المقام ممنوع؟ والجواب إن نزاع الواحد والأكثر لا يخل به لإمكان اختلاف الزمان كما تبين في الأصول. وعلى الثاني عدم إمكان الترتيب قرينة؟ وأجيب لم لا يجوز في الفاء وثم وأورد أشتهر فيها وأجيب مع الغفلة عن القرينة، وأورد أيضا الفرق بين الترتيبين وأجيب لا أثر له. وعلى الثالث ورودها للقرائن الصارفة؟ وأجيب من غير نفره ولا اشمئزاز ولعدم قبول الفاء وصاحبتها والعذر السابق لا وجه له. وعلى الرابع أنها بنسبة على تعدد الدخول أو القول؟ وأجيب خلاف قول المفسرين، وأورد أيضاً معه قرينة بل الاختلاف كافٍ وأجيب لم يحصل اختلاف بحسب الذوق. وعلى الخامس التناقض مع الإرادة وقد صرفت بالقرينة. وعلى السادس إن كانت قرينة فلا كذب و إلا قلنا به ولا ضرر. وعلى السابع إنها ممنوعة. وعلى الثامن يجوز لدفع الاحتمال واحتمال القرينة. واعلم أن الحاجبي بعد أن نقل هذه الحجج الأخيرة ونظايرها مما يندفع بالقرينة قال وأجيب بأنه مجاز لما سنذكره وأورد عليه المنهاج إنه لا معنى لاختياره الترتيب مع قيام الإجماع عليه وثبوته وثانياً بأنه الأصل في الاستعمال الحقيقة؟ وأقول لا وجه لكلام ذلك الشارح إذْ الحاجبي قال ذلك على طريق المنع من قيل الخصم بعد أن حقق كونها للجمع وقضية الأصل لما وجه لها لأنها مدفوعة بما أحال عليه من الأدلة على تقدير تسليمها. وعلى التاسع سؤالهم لدفع الاحتمال وخوف الفسخ مع أنه لا معنى للترتيب في هذا المقام كما لا يخفى على الناظر. وعلى العاشر بالمعارضة بالترتيب والاكتفاء بالوضع الخاص. وعلى الحادي عشر المعارضة بثم و إن خصوص الفاء كأنه له مدخلية وأقرب ما يرجح في خاطري من طرق الاحتجاج الإجماع المنقول بل المحصل من طريقة أهل العلم فإنا لم نجدهم يستندون في ترتيب شيء على آخر بكونه مدخولاً للواو كما لا يخفى على من نظر. وسيرة اللغويين في أنحاء الاستعمال الواو على وجه يمتنع اعتبار الترتيب في مقام والمعية في آخر على نحو باني كونه مجازي لعدم مشاركة غيره ولعدم الاشمئزاز والوقوف على القرائن كما هو ظاهر للفطن. وقد يستند أيضاً إلى الأصل بان يقال لاريب في اعتبار الجمع والترتيب أمر زائد الأصل عدمه، وقد يورد أن الترتيب بسيط وليس له تحليل إلاّ في العقل؟ وقد يجاب بان الوضع يتبع التعقل، وقد يورد إنه قد يكون إجمالياً. والجواب إنه حاصل المحلل فهو معتبر في الضمن فيرجع الأصل وهذا بعد تمامه مثبت بنفسه لا يحتاج إلى ضميمة.


95

بقي كلام وهو إن الجمع هل هو معنى للواو وقد استعملت فيه أو دل بها عليه أو لا بل إنما تدل على ربط العامل بالمعمولين وتسلطه عليهما وبذلك الارتباط يستفاد الجمع فهو بمنزلة المعدي؟ احتمالان، ظاهر أهل العلم ثانيهما.

حجة الآخرين أمور:

أولها: وقوع الواو في مقام الترتيب

كقوله تعالى ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا.

ثانيها: قول النبي (ص) عند سؤال الصحابة عن سؤال الصحابة عن البداءة هل هي بالصفا أو بالمروة؟ ابدءوا بما بدء الله به.

ثالثها: إن شخصاً قام بين يدي رسول الله (ص) فقال من أطاع الله ورسوله فقد اهتدى و من عصاهما فقد غوى فقال له النبي (ص) بئس خطيب القوم أنت قل ومن عصى الله ورسوله و لا فرق إلاّ على الترتيب.

رابعها: قول عمر لشاعر في قوله:

كفى الشيب و الإسلام للمرء ناهياً

لمَ لا قدمت الإسلام؟ والفرق مبني عليه.

خامسها: إنكار الصحابة على ابن عباس حيث أمرهم بالعمرة قبل الحج مستمسكين

بقوله تعالى ﴿وَأَتِمّوا الْحَجّ وَ الْعمْرَةَ.

سادسها: لو قال لغير المدخول بها أنت طالق ثلاثة وقعت الثلاثة ولو قال طالق وطالق و طالق لم تقع إلاّ واحدة والفرق بين العبارتين مبني على الترتيب.

سابعها: الترتيب معنى تشتد الحاجة إليه ولم يوضع له على عمومه حرف فليس سوى الواو.

والجواب عن الأول إن الترتيب مستفاد من خارج و استفادته منها ممنوعة. وعن الثاني إن قول النبي (ص) لنا لا علينا إذْ كلامكم يكون كالعبث و ليس مراده بيان المعنى اللغوي مع أنه على تقدير الدلالة لا يدل على أكثر من الاحتمال الخامس ومستنده غير الواو. وعن الثالث إن الاعتراض الإساءة الأدب من جهة الإضمار أو بالنظر إلى الواجب لعدم تميزه أو لفقدهم العلية مع لطفها أو لاقتضاء المقام تخلية الكلام بالتنصيص أو لعدم الظهور كالإظهار فعدم الفرع ممنوع. وعن ا لرابع إن عمر قصد تقديم الاشرف. وعن الخامس المعارضة بأمرين ابن عباس أو إنهم قد استفادوا ذلك من قوله (ص) ابدوا أو اعتراضهم على التعيين مع إطلاق الآية أو باعتبار النكتة البيانية فتأمل. وعن السادس بالمنع من عدم الثلاث و الإجماع المتوهم في محل المنع وثانياً بالفرق بين العبادتين من وجه آخر وهو إن الطلقات هاهنا وقعت على طريق التدريج فبوقوع الأولى امتنع وقوع الأخريين لامتناع الرجوع نعم ذلك صحيح في المدخول بها على ما ذهب إليه مالك لدورانه حينئذ بين التأسيس و التأكيد والتأكيد في الأول خبر فيدل على الرجوع وهو ممكن فتحصل الثلاث، وقد يقال لم لا يكون الإخبار بالمجموع كما في قولهم الرمان حلو حامض؟ والجواب قد منع النحاة العطف في مثل هذه الصورة وتنزيل كلامهم على عدم دخول الواو في الخبر مما ليس له مساعد في مباحثاتهم. وعلى تقدير الجواز فهو احتمال ضعيف لا يحتمله اللفظ و القصد يبنى على الظاهر و ليس هذا كقولنا أنت طالق ثلاثاً لأن الثلاث وقعت بغير الطلاق الواقع فوقوعها دفعي و الأمر ظاهر فتفكر. وعن السابع إن عني الاشتداد الموجب فهو ممنوع و أيضاً معارض بالجمع وتخيل أن الأخص أولى لوجود الأعم فيه معارض بأولية الأعم لصحة إطلاقه على الأخص مع أن هذه الأرجحية لا تنفي الاشتداد في الجمع فلابد من لفظ إلاّ أن يقال إن الوضع لأحدهما ينفي الاشتداد بالنظر إلى فدار بينهما وما نحن فيه و هذا في غاية الضعف كما لا يخفى على المتدبر، و إن عنى غير الموجب فلا يتم الدليل إلاّ على الدوران.


96

المقصد الثاني في الفاء ومعناها

الترتيب و التعقيب، خلافاً في الأول لبعض النحويين في الثاني ومقتضى الترتيب فيها ثبوت الحكم للاحقها بعد متابعتها بغير فاصل معتد به عرفاً في أمثال ذلك التركيب وتفصيل المقام:

إن الحكم اللاحق أما بسيط لا يتوقف على مقدمات أصلاً فتعقيبه بالشروع فيه من دون مهلة عرفية، وأما أن يتوقف على مقدمات فيبنى على الشروع فيها وعلى النحو المذكور، وأما مركب بغير مقدمات أيضاً فالمعتبر فيه الشروع في الأجزاء وإلاّ ففي المقدمات فقد بان أنه قد ينتفي بمقدار ما من الزمان وقد لا ينبغي مع الأزمنة المتطاولة. لنا على الدعوة الأولى الإجماع المنقول عن أهل العربية مع الاستعمالات العربية من توقف على علاقة أو قرينة أو التبادر المعلوم لكل أحد فالأمر في غاية الوضوح.احتج الخصم بما دل على سبق اللاحق

كقوله تعالى ﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا و أمثال ذلك. والجواب مجازاً يصار إليه للبراهين القاطعة. ولنا على الثانية ما أجريناه في إثبات الأولى. واحتج المخالف بما أريد بخلاف ذلك، والجواب الجواب.

المقصد الثالث في ومعناها

في وهي ظرفية زمانية أو مكانية حقيقة أو مجازاً، وهل المجاز في المعروض فقط أو مع تبعية العارض؟ احتمالان ظاهر أهل العربية؛ أولها الظرفية الاشتمال بنحو خاص لا بشرط إحاطة الظرف بجميع أجزاء المظروف كالمكان وجوف الشيء و إلاّ لم تكن ظرفية الكون حقيقة لخلو السطح الأعلى عن الإحاطة و كذا المكان العرفي ولا على وجه الارتباط المطلق وإلاّ لصح ظرفية المحمول في الحامل بل المعتبر الإحاطة أو ما قاربها. و اعلم أن أهل العربية ذكروا لها معاني أخر انهوها إلى تسعة وهي المصاحبة والتعليل والاستعلاء ومرادفة الباء وإلى ومن والمقاييسة والتعويض والتوكيد. وهل هي بطريق الحقيقة في الجميع فتكون مشتركة فيها أو في البعض دون البعض؟ احتمالان جارياً في اكثر معاني الحروف فتأمل.

المقصد الرابع في من ومعناها

الشائع فيها ابتداء الغاية حتى ادعى بعضهم رجوع جميع المعاني إليه والغاية أما بمعناها وإضافة الابتداء إليها مجازاً أو بمعنى المسافة على نحو ما ذكر الشارح الرضي(ره) من أن الغاية تطلق على الآخر وعلى أعني جميع المسافة، وهل مدخولها داخل في الحكم فيكون به الابتداء أو خارج فيكون منه وإن كان من الجنس دخل و من دونه لا يدخل أو إن لم يتميز دخل و إلاّ فلا؟ ومع عدم الدخول هل يدل على الخروج إلاّ مع القرينة الصارفة، ثم هل تختص بالابتداء بالمكان أو مع الزمان؟ قولان أولهما بصري و ثانيهما كوفي، و الثاني أوفق بالاستعمال كقوله (من أول يوم من يوم الجمعة) إلى غير ذلك و التأويل في غاية البعد، وقد أنهى النحاة معانيها إلى خمسة عشر. ثانيها التبعيض و عرفت بعض مقامها، ثالثها بيان الجنس وقد أنكره قوم مؤولين ما يدل عليه بالمعاني الباقية، رابعها التعليل، خامسها البدل و أنكره قوم مؤولا ما دل عليه. سادسها المجاوزة و ألحق به ابن مالك زيد أفضل من عمر. سابعها مرادفة الباء قاله يونس ومال بعضهم إلى إنكاره. ثامنها مرادفة في وربما أنكره بعضهم. تاسعها مرادفة ربما ذكره السيرافي وابن خروف و ابن طاهر و الأعلم و أنكره بعض. عاشرها مرادفة عند قاله أبو عبيدة و شك فيه. حادي عشرها مرادفة على وأول دليله. ثاني عشرها الفصل وأرجع دليله إلى غيره. ثالث عشرها الغاية قاله سيبويه و نزل دليله على الابتداء. رابع عشرها تنصيص العموم وهي نوع من الزائدة. خامس عشرها توكيد العموم و هي الزائدة بعد النفي و شبهه و في حقيقتها ومجازيتها كلام تقدم.


97

المقصد الخامس في "إلى" ومعناها

انتهاء الغاية زمانية و مكانية بلا خلاف ولا ريب في عدم دلالتها على دخول ما بعد مدخولها أو في أنها هل تدل على خروجه بمفهوم الغاية أو لا تدل بل هو مسكوت؟ خلاف سيجيء تحقيقه في مباحث المفهوم، وأما نفس المدخول فهل هي ظاهرة في دخوله مطلقاً أو خروجه كذلك أو مسكوت عنه كذلك أو على التفصيل بين ما هو من جنس فيدخل أو لا فلا يدخل أو لا يعلم دخوله وخروجه؟ احتمالان في مذهب أو بين ما ليس له فاصل مميز فيدخل تحت الخطاب بالأصالة إلا من باب المقدمة وما له فاصل فيخرج أو يسكت عنه؟ على ما في التفصيل الأول أقوال منشأها إلى أن موضوعه لتصل بحكم ينتهي بمدخولها أو إلى مدخولها و الحق إن ما بعد إلى على الخروج حتى تقوم قرينة الدخول كما إذا كان مدخولها أمراً بسيطاً دفعياً أو حدثاً وإن كان ذا أجزاء أو مع عدم الفصل إن قام استبعاده إرادة التحديد به أو ظاهراً في العلية كما في لأضربنك إن تسلم وأعذبك إلى أن تعطيني كذا و مع ذلك يكون الدخول ظاهراً فيها بخلاف ما لم تقم فيه اعتماداً على ظاهر العرف و سيرة اللغة فتأمل.

و قد أنهى أهل العربية معانيها إلى ثمانية ثانيها المعية قاله الكوفيون وجماعة من البصريين في قوله تعالى ﴿مَنْ أَنْصَاري إِلى اللهِ والذود إلى الذود بل و هو قوي،، ثالثها التبيين وهي المبينة لفاعلية مجرورها بعدما تفيد حباً أو بغضاً من اسم تفضيل أو فعل تعجب

كقوله تعالى ﴿ رَبّي السّجْنُ أَحَبُّ إِليّ رابعها مرادفة اللام و الأمر إليك و تؤول على الانتهاء، خامسها معنى "في" قوله

فإنني إلى الناس مطلبي به القار

وألحق به ﴿ ليجمعنكم إلى يوم القيامة وتأول البيت على حذف أي مضافاً إلى الناس، سادسها الابتداء كقوله:

أيسقى فلا يروى إلى ابن احمرا

وقد يؤول بتأويل راجع، سابعها معنى عند قوله

أشهى إلي من الرحيق السلسل

وقد يؤول بما يقرب مما تقدم، ثامنها التوكيد أثبته الفراء مستشهداً


98

بقوله تعالى ﴿ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوى إِليْهِمْ ونزل على تضمين تهوي تميل و نزلها ابن مالك على أنها تهوي ثم قلبت الياء ألفاً بعد قلب الكسرة فتحة وفيه بعد.

المقصد السادس في الباء

والشائع من معانيها الإلصاق بل قيل إنه معنى لا يفارقها ولهذا اقتصر عليه سيبويه في الكتاب وهو حقيقي إن اتصل حكم بالمدخول اتصالاً عرفياً ليدخل أمسكت بزيد إذا أمسكت ثوبه ومجازي إن لم يكن كذلك فإن كان ملاقياً لما يقرب من المدخول أو يناسبه، وهل المجازية سارية إلى اللفظ أولا؟ احتمالان ظاهرهما ظاهر وثانيهما على نحو ما مر قبل. وللتبعيض وإليه ذهب الأصمعي والفارسي والقبيتي وابن مالك ناقلاً له أيضاً عن الشافعي قال وقال بمقتضاه أيضاً أحمد وأبو حنيفة إذْ اكتفى أحمد بمسح أكثر الرأس وأبو حنيفة بمسح الربع بل نسب بعض العلماء إليه القول بالإجماع على هذا المطلب. قيل وممن قال به الكوفيون في كلام قدماء الأصوليين صريح أيضاً في إثباته فإنهم قالوا إن الباء إن وقعت في خبر لازم كانت معدية أو متعد كانت للتبعيض وأنكر أبو الفتح ابن جني ذلك قال هذا لم نعرفه في كلام أهل اللغة وإنما لهجت به الفقهاء و إليه الحنفية على ما ذكر في شرح المنهاج وأنكر سيبويه في سبعة عشر موضعاً في كتابه مجيئها للتبعيض.

حجة المثبتين أمران أحدهما إن ورودها بعد المتعدي أما على الزيادة وهي خلاف الأصل أو التبعيض فيكون أولى، ولي في هذا الاحتجاج نظر، أما اولا فبمنع الحصر لإمكان التضمين فيقوم معنى التعددية وقد صرح الشارح الرضي بأن الحرف إذا ظهر له معنى جديد يندفع بالتضمين فلابد منه و إنه خير من إثبات المعنى، وثانياً بأن لا نسلم أولوية المعنى الجديد على الزيادة، سلمناها لكن فيما إذا لم تكن الزيادة شائعة ذائعة لا يحيط بها الحصر ودعوى الاقتصار على مواضعها لا يخفى فيه. الحجة الثانية وروده في القرآن وكلام العرب أما الأول

فكقوله تعالى ﴿ عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ وكذا ﴿ امْسَحوا بِرؤوسِكُم على رأينا وأكثر العامة، وأما الثاني فكقوله: شربن بماء البحر


99

وقوله : شرب النزيف ببرد ماء الحشرج

ونظائرها، وعلى هذه الأدلة أيضاً إشكال إذْ ربما كان المقصود الإلصاق للإشارة إلى أن عباد الله المخلصين لهم أن يشربوا من نفس العين لا بآنية يقدر بها الماء و أن المسح بنفس الرأس لا على العمامة رفعاً لما يتوهم عرفاً وكذا في البواقي ومع هذا فالتجوز بالفعل أمر لابأس به فليست الأدلة نصاً في إثبات المطلب على أن المدعي إن الباء بعد المتقدمي معنا المتبادل الحقيقي التبعيض والاستعمال أعم. فإن قلت المجاز خلاف الأصل؟ قلنا خير من الاشتراك والخبر المروي عندنا لا يدل على أكثر من هذا ويساعد ذلك إنكار زراره وتقرير الإمام قرائن المقام كقوله (ص) تعليما لزراره إن الله ترك الباء في الوجه واليدين وأنابها في المسح فعلمنا الاختيار، وليس سوى إن الكل مراد هنا وليس مراداً هنا والحق إن الأولى في الاحتجاج نقل الأئمة فإن كانوا نقلوا ذلك بطريق الرواية فكلامهم مقبول ولا يعارضهم كلام أبي الفتح لأن شهادته لا تسمع وقول شارح المنهاج إنه يمنع الورود لا يقول بعدم الورود وليس له وجه لأن المثبت آمن وكذا قول القرافي إنها في أمر خاص لأن خصوص المطلب مع عموم الزمان والمكان والمحل لا ينفع، نعم لو اتحد الجميع لكانت المعارضة في محلها و إن كانوا حكموا باجتهاد منهم لاستنادهم إلى مثل هذه الأدلة فنحن معهم على المخاصمة فتأمل في هذا المقام فقد جالت فيه أفكار ذوي الإفهام.

وينبغي أن يعلم أن المراد بالبعضية هاهنا على ما فسره بعضهم عدم لزوم الكل فيكون المجموع فرداً من المطلوب لا محتوياً عليه إلاّ أنه خلاف المعروف من لهج ألسنتهم كما لا يخفى على من نظر.

واعلم أن أهل العربية قد أنهوا معانيها إلى أربعة عشر معنى.

ثالثها: التعدية وهي المقاصرة غالبا ولغيره قاصره، وهل هي مرادفة للهمزة أو تزيد عليها بالمصاحبة؟ قولان يبعد ثانيهما ﴿ ذَهَبَ اللهُ بنورِهِم وقد يجاب بالتأويل ويقوى بالفهم عرفاً فتأمل.

رابعها: السببية ويلحق بها باء التجريد.

خامسها: الاستعانة وهي الداخلة على آلة الفعل أو ما نزل بتلك المنزلة.


100

سادسها: المصاحبة كاهبط بسلام أي معه.

سابعها: الظرفية ك ﴿ نجيناهم بسحر ، ﴿ نصركم الله ببدر .

ثامنها: البدل كليت لي بهم قوماً إذا ركبوا.

تاسعها: المقابلة كاشتريته بألف وقابلت بضعف.

عاشرها: المجاوزة ك ﴿ اسأل به خبيراً .

حادي عاشرها: الاستعلاء نحو ﴿ من إن تأمنه بقنطارٍ ، ربما يبول الثعلبان برأسه.

ثاني عشرها: القسم وهي أصل حروفه وكذا خصت بمجامعة الفعل والدخول على المضمر و استعمالها في الاستعطاف .

ثالث عشرها: الغاية نحو وقد أحسن بي وقيل ضمن معنى لطف.

رابع عشرها: التوكيد أما في الفاعل أو المفعول أو المبتدأ أو الخبر أو الحال أو النفس والعين وربما رجع بعض المعاني إلى بعض فتأمل.‌‌‌‌‌‌‌‌‌

المقصد السابع في إنما

وهي حرف مركب لا بسيط موضوع بالوضع النوعي كسائر المركبات للحصر وتركبه من إن وما الزائدة لا منها وما النافية كما نقل عن الفارسي في الشيرازيات وهو الظاهر من كلام أكثر الأصوليين والبيانيين ولا من إن وما الاسمية المبهمة وهو مذهب ابن درستويه وبعض الكوفيين أما فساد الأول فلازما مع أن مثلها مع أخواتها ولاريب في أنها معها غير نافية كما هو متفق عليه وللزوم بطلان صدرية ما إذ ليس شأنها كشأن الحروف غير المخلة بالصدرية ولاجتماع حرفي النفي والإثبات من دون فاصل ولأنه لو كان كذلك لأمكن توجه النافي إلى المدخول فينص الخير قبل ولأن أن لا تدخل على الحرف، وأورد عليه إن هذا وارد إلاّ على القول باسمية ما، وربما يجاب بأن الزائد في حكم المعدوم ويورد عليه إنما من البصرة سرت، وربما عدم اعتبار الزائد لا يعارض يبقى اعتبار ما بعده وقد يوجه بأن مراد القائل خصوص حرف السلب والإيجاب و لأنه يلزم منه كون "ما" تنفي غير المدخول وهو خلاف الإجماع ولان النفي غير مفهوم من العرف واللغة.

واعلم أن ابن هشام في مغنيه أنكر النقل عن الفارسي وتأول جماعة كلام أهل الأصول والبيان على ما نقل صاحب الإيضاح عن علي بن عيسى الربعي من أن السر في القصر وضع للإثبات وما للنفي وملاحظة أصلها أوفق بالطبع وبعد الملاحظ لابد من الجمع إلى آخر ما سيبين في بيان السر فعلى هذا لا يبقى قائل بهذه المقالة السخيفة أصلاً. وأما الثاني فلما بين من وحدة ما في جميع الحروف المشبهة ولو كانت اسماً لمنعت نصب ليت ما بعدها ولما صح نصب المعطوف على المحل إذا عطف على بدخولها حال الرفع ولأنا لم نعثر على حكم يثبت لما هذه من أحكام الأسماء كالعطف عليها بالأسماء وأمثال ذلك ولأن ذلك لا يفهمه عرف ولا لغوي كما لايخفى. وأما سبب إفادة القصر فهو إن "إن" و"ما" وضعا بالوضع التركيبي للقصر كما في "أن" الناصبة مع المضارع ونحوها وكما في لم معه فالقصر معنى جديد نشأ من التركيب وليس من فروعه بل باعتبار جعل الواضع يدلك بقاء أحكام "إن" معها في ليت وشبهها، والقول بأن السر اجتماع حرفي الإثبات والنفي إن عنى به إنه سر الوضع كما مر فصحيح و إن ما هو الظاهر ففاسد لما بينا من فساد كون ما للنفي وعلى تقديره لا يترتب عليه إذْ لا نسلم أن "إن" موضوعة للإثبات بل لتأكيد مدخولها مطلقاً، فنقول إن زيدا قائم و إنه ليس هو بقائم ثم لابد من الرجوع إلى أمر الوضع لأن رجوع إن الموجود وما إلى المتروك ليس له إلاّ مناسبة ضعيفة لا تقبل التعويل وكذا التوجيه بأن ما إسم مبهم فقولنا إنما زيد قائم معناه إن الذي يتخيل ويخطر بالبال قيام زيد وهو معنى الحصر وأقول هذا باطل أيضاً لأن الإبهام لا يستلزم الحصر و إلاّ لزم الحصر في كل ما هو بعد ضمير الشأن وهو باطل فتأمل واحسن النظر.


101

(1) سقط في العبارة.

(2) سقط في العبارة.

(3)سقط في العبارة.

??

??

??

??

(98)……………………………………………………………غاية المأمول في علم الأصول

مباحث الألفاظ …………………………………………………………………………(115)

((

في تحرير مهمات المطالب الأصولية

وفيه مباحث

المبحث الأول: في الحكم الشرعي

وفيه مقصدان

المقصد الأول في كشف معناه

الحكم يطلق على معان:

الأول: ما عليه المنطقيون وهو الجزء الثالث والرابع من القضية.

ثانيها: نحوي وهو ما يستحقه اللفظ من الإعراب و البناء يقال هذه الكلمة حكمها كذا.

ثالثها: معنى الحتم والإلزام يقال حكم السيد على عبده أي الزمه.

رابعها: ما عليه الفقهاء من القضاء ومنه الحكم و المحاكمة و ربما رجع إلى السابق.

خامسها: ما عليه الأصوليون و اضطربت كلماتهم في تعريفه فقيل خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التميز أو الوضع و الذي في تهذيب الأصول وعليه أن الحكم بما سيجيء منقسم إلى الإيجاب و الندب وهما غير القول و سيجيء في كلامه أن الخطاب هو الكلام ويلزم خروج خطابات التروك و العقائد كما علم أن مع أنها من التكليف على المكلف بإرجاع الترك إلى المكلف و أيضاً يلزم خروج خطابات غير المكلفين من راهق الحلم بناءً على أنه مخاطب وقد يمنع، و اعظم ما عليه الأول و قد يقال إن الخطاب له معنيان و الآتي أحدهما وقيل خطاب الشارع بفائدة شرعية تختص به وهو للأمري و يلزم عليه أخذ الخطاب جنساً كما في كلام العلامة (ره)مع زيادة إن الفائدة إن اراد بها متعلق الحكم فالدور ظاهر و لو سلم فلأدلة اللفظ و إلاّ ورد على طرده الأخبار بما لا يحصى من المغيبات اللهم إلا أن يراد به الاختصاص الحصول أي تحصل بسببه لا العلمي حتى إنه على ذلك التقدير وقيل مع تعددها إلاّ أن يقال كل مدلول مغاير للمدلول الآخر إذ الإنشاء مختلف وهذا بخلاف الواقع فتأمل.

وقيل خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بغير قيد وعليه ما على الأول مع خروج خطاب الأنبياء، وقد يقال ذلك خطاب الله وكذا مثل ﴿ والله خلقكم وما تعملون وليس من الحكم يقيناً و لهذا زيد بالاقتضاء أو التميز أو الوضع، وبعضهم ذكر القيدين الأوليين وترك الوضع فورد الوضوء شرط و العقل ناقل ونحو ذلك وله أن يرجعه إلى الأوليين وهو ظاهر.


102

هذا و ينبغي إن يعلم أن بعض الأشاعرة بعد أن أورد ما أوردنا اخذ الخطاب جنساً للحكم مع أنه من مقولة القول أجاب بأن هذا لا يرد علينا جماعة الأشاعرة إذ الخطاب عندنا هو الكلام النفسي وهو الخطاب وهذا هو الذي أجاب به شارح المنهاج و شارح المنتخب.

وأقول يرد عليهم أولاً إن كون الخطاب عبارة عما يعم الكلام النفسي خلاف الظاهر إذْ الظاهر إنه عبارة عما يعم عنه الكلام المسموع وقد أشار بعضهم إلى الخلاف في دخوله وعلى تقدير تسليمه فليس الخطاب مختصاً بالنفس بل يعمه وغيره فيدخل غيره في التعريف على أن كون الكلام النفسي بناءً على ثبوته شامل للحكم المنقسم إلى الإيجاب و الندب محل كلام كيف وقد صرح بعضهم بأنه غير العلم وغير الطلب وغير الإرادة بل هو بمنزلة مبدأ لهذه الحروف المسموعة بل الحق في الجواب إنه قد يطلق أو تميزه على مدلول القول وعلى نفس القول و المعنى هذا وفيما سيأتي الثاني والأولى أن يقال هو طلب الشارع أو وصفه لما هو مصلحة لمن توجه إليه.

المقصد الثاني في أقسام الحكم

حكم الشارع أما طلب أو لا والثاني أما بطريق التخيير وهو الإباحة أو لا وهو الوضع وربما عاد إليهما والأول أما أن يكون إلزامياً أو لا والثاني أما بالفعل أو بالترك و الأول الندب والثاني الكراهة والأول أما بالفعل أيضاً أو بالترك والأول الإيجاب والثاني التحريم هذا في الأفعال و قد نكتب التروك هذه الأوصاف بمقابلتها فإلزام ترك الفعل و إن كان تحريماً للفعل إلاّ أنه إيجاب للترك وكذا قد ينهى عن ترك الفعل فإلزام ترك الترك وان لزمه إيجاب الفعل أو هو عينه إلاّ أنه تحريم للترك و كذا تعلق الطلب غير الإلزامي بالترك يقتضي مندوبيته نطلبه ندب ثم طلب ترك تركه لا على وجه الإلزام كراهة إلاّ أن المعروف هو الأول فعبارتنا أسد من عبارة الحاجبي حيث أخذ الوجوب قسيما للإباحة و التحريم وعذره إنه قد يطلق على الإيجاب وكذا عبارة مولانا العلامة طاب ثراه حيث جعل الأقسام الواجب والحرام وكذا من عبارة المنهاج حيث أخذ الوجوب والحرمة في مقابل البواقي وكذا من عبارة التهذيب حيث جمعت بين الوجوب والمكروه والحرام والندب والإباحة ولا بأس عليهم إذْ طريقتهم المساهلة في التعبير بعد ظهور المراد.


103

و ما يقال لا فرق بين الوجوب و الإيجاب، إن أريد به أنه لا فرق بين المفهومين ففساده غني عن البيان أو هما فعل وانفعال وهذا من وصف الفاعل وذاك من أوصاف الفعل وإن أريد الملازمة بينهما فمع كونه لا يدفع المسامحة على تقدير صحته في محل المنع أيضاً وإن أريد الوجوب الواقعي أعني الكون على صفة كذائية عند المعتزلي أو كونه محتماً للشارع عند الأشعري إذْ الإيجاب وإن كان يلزمه انفعاله إلاّ أن الانفعال هو الوجوب عند الموجب لا في نفس الأمر، يكشف لك عن ذلك حال الترجيح والرجحان والتحسن والحسن، نعم هذا الاشتباه قوي عند الأشعري إذْ هو منكر صفة الفعل مع أنه على رأيه الفرق في غاية الوضوح. وإن أريد الوجوب عند الموجب فلا يستقيم أيضاً إذْ ليس من أقسام الحكم الذي هو الخطاب فتأمل.

ويسمى المتصف عند الوجوب بالواجب والحتم والمفروض وعند الحنفية إن المفروض أخص من الواجب إذْ هو الثابت بدليل قاطع بل ربما قالوا قرآن وكلامهم وإن كان قد يقصد في كلام الفقهاء إلاّ أنه ليس بحيث صار حقيقة في هذا المعنى فتأمل.

وما ندب إليه بالمندوب والمرغب فيه والنقل والمقطوع به والسنة وقيل تشمله مع الواجب القرآني وهذا وإن أريد في بعض المواضع إلاّ أن الظاهر المعنى الأول وما حرم بالحرام والمحظور والمعصية لا به والذنب لذلك، ومتعلق الكراهة بالمكروه وبالمرجوح وقد يعم الحرام وما أبيح بالمباح وبالمأذون وبالرخصة وربما خصت بغير الأصلي والظاهر أن الاتصاف عندنا بهذه الأوصاف أما التي باعتبار المصالح أو المناسبة تقتضيها أو باعتبار خطاب الشرع بها فبذا يمكن أن يقال الواجب والحرام إلى آخر الأقسام ما كانت على أوصاف كذائية أو باعتبار الشرع وبهذا يصح أن يقال الواجب ما ألزم به الشارع وكذا الحرام والمكروه والبواقي والملازمة بين الأمرين ظاهرا فالاعتماد على كل من الطريقتين حسن فتأمل.

المبحث الثاني

في الخطاب وفيه مطالب

المطلب الأول: في مظان الخطاب

قد يطلق على إلغاء الكلام نحو السامع وعلى نفس الكلام الملقى وعلى إلقاء الكلام الدال على المخاطب فيكون مقابلاً للتكلم والغيبة وعلى نفس الكلام الملقي وعلى مدلول الكلام يقال خاطبه وكذا طلب من كذا والمشهور في معناه هو الثاني أعني الكلام نفسه وتعريفه المشهور الكلام المقصود به الإفهام فلابد من قصد اللفظ والمعني والإفهام إن صدر من حكيم إذْ المقصود لابد أن يكون ممكناً ثم بعد أخذ قصد الإفهام لا يبقى كلام في عدم صحة وقوع الخطاب بالمهمل من الحشوية وغيرهم وكأنهم إنما جوزوا وقوع الخطاب بالمهمل لأنهم لم يأخذوا قيد القصد وينبغي النزاع في أن القصد هل هي من لوازم الخطاب فلا من المضي أو لا فيصح الخطاب بالمهمل فالمسألة هل يجوز أن يكلم الله أحدا بلفظ مهمل أو لا؟ وتفصيله إن اللفظ أما أن يكون له معنى أو لا وعلى الأول فأما أن لا يفهم معناه أصلاً للسامع أو لا وعلى الثاني فأما أن يفهم المراد أو لا وعلى الأول فأما أن يفهمه بعينه ويعلم كونه مقصوداً أو لا بل إجمالاً، والظاهر أنهم أرادوا بالمهمل ما يعم ما لا معنى له أو له ولا يفهمه السامع منه كالمتشابه، ولا ريب في قبح الخطاب بهذين أما ما فهم من غير المراد كما إذا أريد باللفظ خلاف ظاهره من غير قرينة أو فهم من المراد لا بخصوصه بل على الإجمال فإن أصل على بيان لاحق أما بقرينة الحال أو المقال فلا بأس به و إن تجرد عن البيان بالمرة فالظاهر قبحه واستدلال الحشوية بالحروف المقطعة لا وجه له إذْ هي مقطعة من كلمات أو من أسماء الله والسور أو البيني أو إشارة إلى حروف النزاع في الألفاظ الخطابية وهذه قد يقصد مرار كما في بعض المطلسمات فلا يخفى عليك أن علمنا لا يقتضي عدم علم المشافهين على أن محل النزاع إن أخذ في الخطاب أعني الكلام المقصود به الإفهام فلا وجه لكلام الحشوية يقينا لامتناع القصد بديهة ودليلهم لا يدل على تقدير وجود المهمل إذْ ربما لم يكن القصد به الإفهام وفي تلك الحروف أسرار وفي ﴿ كأنه رؤوس تهويل إلى غير ذلك و إن كان البحث في أنه هل يجوز أن يتكلم الله بمهمل لا معنى لا له فالحق معهم و أي ضرر في ذلك إذا اقتضته مصلحة كما إذا أراد بيان المهملات أو التوطئة لما يأتي من الكلام إلاّ أن يراد بالمهمل ما لا فائدة فيه أصلاً. ثم أدلة الحشوية مقدوحة أما الحروف المقطعة فقد مر الكلام فيها و أما التمثيل برموز الشياطين بالمستنكر. وأما كامل فتوكيد يدفع به احتمال التخير بالواو وأما ﴿ لا يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إلاّ اللهُ والرّاسِخونَ فالجواب باختيار العطف قولكم ولا يصح إرجاع واو يقولون إلى المعطوف عليه وإليه فقط باطل، قلنا أي مانع من عود الضمير إلى المعطوف فقط وإن أبيتم قلنا الواو بتقدير والراسخون يعلمون وأيضاً عدم العلم بالتأويل والاطلاع على الحقيقة لا يقتضي عدم الفهم بالمرة فتأمل.


104

وما أستدل به المرجحية على جواز الخطاب بما له ظاهر وعدم إرادة ظاهره بآيات الوعيد وأعفا لم يروِ بها ظاهرها لأن رحمة الله أعلى من ذلك لا وجه له، إذْ لانرتاب في أن القرائن قد أفادتنا أن الوعيد ليس إلاّ تهديداً مشروطاً بعدم العفو ومعلماً بالاستحقاق فلا يلزم ما ذكروا إلاّ من جهة القبح الذي أدعوه وإلاّ فأي فائدة في الوعيد مع العلم بعدم صدور العقوبة منه ولأن ما ادعوه مخالف لما عليه أهل الملل وهو أبين من الشمس في رابعة النهار أعوذ بالله من هذه الآراء السقيمة بل لما ذكرنا من القرائن القاطعة فتأمل. وكذا احتجاجهم ببعض الآيات المتشابه بزعمهم كما دل على اليد واليقين والروح والوجه والمكر والاستواء على العرش لا وجه له إذْ طريق المجازية بين لا خفاء فيه فليتأمل.

المطلب الثاني: في أقسام الخطاب

باعتبار الدلالة خطاب الشارع إذْ لم يحتمل غير معناه فهو النص وهو الراجح المانع من النقيض وقد يطلق على مطلق الدليل كما في كلام بعض المحدثين للنصوص يعني الأدلة وقد يطلق على ما دلالته قوية كما يقال هذا نص في كذا أي ظاهر ظهوراً تاماً فيه بل المعروف في كلام الفقهاء هما الإطلاقان الأخيران فاشتراط عدم الاحتمال في كلام أهل الأصول فيه تأمل.

أما على مخالفة اصطلاحهم أو عدم الاحتمال القريب فيتوافق أو ينزل كلام الفقهاء على التجوز و إن قام الاحتمال فأما على التساوي أو التخالف والأول المجمل وأما الثاني فطرقة الأعلى الظاهر ومقابلة المأول والمشترك بين الظاهر والنص المحكم وبين المجمل والمأول المتشابه ثم الدلالة أما أن يستند إلى صريح اللفظ مع قطع النظر عن ملازمة و ارتباط بل من أجل الوضع فهي صريحة وقد تستند إلى اللزوم فأما آت باعتبار معنى اللفظ أما للزوم شرعي كدلالة نذر العتق على الملك أو باعتبار أمر عقلي كرفع الخطأ و المراد الأثم أو الحكم الشرعي و يسمى دلالة الاقتضاء و ربما عرفت بجعل غير المنطوق منطوقا تصحيحاً للمنطوق وفيه ما فيه أو باعتبار حال المتكلم لأولوية إرادته كدلالة تحريم التأفبف على تحريم الضرب و يسمى فحوى الخطاب ولحن الخطاب أو باعتبار غير ذلك كتخصيصه بالذكر أو الوصف أو العدد أو الشرط ويسمى مفهوم المخالفة ودليل الخطاب وسيجيء أقسامه إنشاء الله تعالى.


105

هذا كله فيما إذا استندت الدلالة إلى خطاب واحد وقد تستند إلى خطابين أو خطاب و غيره أما (الأول) فكما في قوله تعالى ﴿حَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثونَ شَهْراً مع قوله ﴿ وَفِصالُه في عَامَيْن فإنهما يدلان على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، أما (الثاني) فكما إذا دل الإجماع على تساوي الخال والخالة في الإرث ودل النص على إرث الخال ولا فرق في الدلالة بين تستند إلى نفس اللفظ من غير قرينة أو إليه مع القرينة الحالية أو المقالية المتصلة أو المنفصلة أو منفصل عقلي إذا المدار على فهم كلام الشارع بأي نحو اتفق وهذا معلوم لا غبار عليه فتأمل.

مسألة

في شمول الأمر للأمر وعدمه

الأمر أما أن يكون أصلاً في الأمر وهو الموجب بنفسه أو راديا لأمر غيره وعلى الثاني فأما أن يروي كلام غيره بكلام نفسه أو بنفسه فهنا ثلاث مقامات:

المقام الأول فلا كلام في عدم الشمول مع عدم الصراحة كما فعلوا كذا لأنه على تقدير جواز أمر الشخص نفسه خلاف الظاهر ومرجوح كل الرجحان فإذا أورد مثل هذا الخطاب أبقي على ظاهره من الاختصاص بالمخاطبين، وهل يجوز إدخال النفس تحت الأمر ويكون ممكناً أو هو ممتنع و يتفرع عليه أنه هل يجوز أن يقول الأمر فمأمورون من قبل نفسي بفعل كذا أو ينص على الشمول أو لا يجوز؟ و المسألة مبنية على أنه هل يجوز للشخص أن يأمر نفسه أو لا؟ والحق عندي الجواز مطلقاً سواء أدخل غيره معه في الأمر أو لا، تنزيلاً للنفس منزلة الغير أما على التجريد وهو أن يجرد منها غيرا أو يجعل الإلزام بمعنى الالتزام و هذا كما يقال أنا ألزمت نفسي بفعل كذا و حتمت على نفسي هذا الشيء بالنذر إلاّ أنه ليس أمراً حقيقة لاستدعاء الأمر المغايرة الحقيقية لتضمنه معنى الاستعلاء وهو معنى إضافي يستدعي أثنين حقيقة، والتنزيل يقتضي الجواز تنزيلاً ثم إنه هل يحسن أو لا يحسن وهو ثالث المقامات التي ذكرها أبو الحسين فالظاهر فيه عدم الحسن إلاّ لمصلحة كترغيب المكلفين إلى الإقدام باعتبار شراكة نفسه معهم أو نحو ذلك والقول بالفرق بين ضم الغير فيجوز وعدمه فلايجوز لا وجه له إلاّ أن يريد تقرير الحكمة فتأمل.


106

المقام الثاني إن يروي أمر غيره بكلام نفسه فهنا أما أن يكون لفظاً صريحاً في شموله أو عدم شموله أو ظاهراً في أحدهما أو محتمل، مثال الأول: إن الله يأمرنا بكذا ولا كلام في دخوله. والثاني: إن الله يأمركم والظاهر عدم الشمول لبعد التنزيل. والثالث: إن الله يأمر المكلفين أو الناس، فهنا وجهان أحدهما موافقة الظاهر في تنزيل الإفادة فإن الظاهر قصد إفادة القوم حكمهم اللازم لهم ومن جهة ظاهر عموم اللفظ والظاهر في نظري هو الأول كما لا يخفى على من تتبع الخطابات العرفية، والحاصل هنا مقامان:

الأول: إن نفسه لا تدخل تحت الإرادة.

الثاني: الدخول تحت أصل الأمر و الذي ادعينا ظهوره.

و أما الثاني فقد يفهم من تعليقة الحكم بالناس إنه متعلق الحكم الأصلي أيضاً فتفكر. أما المحتمل فكما إذا قيل إن بكذا و ربما كان فيه ظهور في المعنى الأول إلاّ أنه لاينبغي الشك في ترجيح تخصيص المخاطبين قضاء الظاهر على النحو السابق وهو ظاهر أما إذا كان ظاهراً في عدم الشمول فلا كلام إذْ يتساعد هنا ظهور الخطاب وعدم الشمول فلا يكون مشمولاً قطعاً فتدبر.

المقام الثالث إن يروي كلام غيره بنفسه كأن يقول قال الله تعالى ﴿ أَقِيمُوا الصّلوةَ وَآتُوا الزّكَوةَ إذا لم يقصد الخطاب بهما من تلقاء نفسه وإلاّ فإذا قال من لدني نفسه أقيموا الصلاة و إن كان مشيراً إلى الآية لا يكون مشمولاً، و اتخذ اللفظ ولا ريب هنا في العموم الحكمي قضاءً لحق اللفظ وجريانه على لسان الغير لا يقتضي صرفه عنه معناه والملحوظ حاله في نفسه نعم يبقى الكلام في دخول نفسه تحت القصد و إنه هل ذكر العام مريداً به المخاطبين وإن ذكر ما يعم معهم استناداً في الخاص إلى ما يعم أوامر أراد تمام المعنى ولا يبعد أن يكون الظاهر هو الأول كما لا يخفى على الفطن فتدبر.

في تعاقب الأوامر

مدلولا الأمرين أما متوافقان أو متخالفان وعلى الثاني فأما متضدان أو غير متضادين فالكلام في ثلاث مواضع

الأول: صورة التوافق في نفس المبدأ ومتعلقة وصرفه وجهاته والحاصل يراد التوافق من كل وجه نعم اختلاف التعريف ونحوه لا تميزه به، فنقول أما أن يكون المدلول غير قابل التعدد عقلاً كما في اقتل زيداً أو شرعاً كما في اعتق رقبة عمر وأوقف دارك إذا ولا كلام في حمل الأخير على التأكيد لتعذر التأسيس و ن كان قابلاً له فأما أن يكون الأخير معطوفاً أو لا وعلى كل حال أما أن يصاحب مدخوله اللام أو لا وهي أربعة عطف بلا مصاحبة وبها وغير عطف بمصاحبة أو بغيرها.


107

أما (الأول ) فلا كلام في حمله على التعدد إذْ العطف يقتضيه أما في الفاء وثم ونحوها فظاهر لأنها لا تجيء لتقرير و تفسير أصلاً والتفصيل في المقام لا يراد قطعاً وأما في الواو فكذلك لظهور المغايرة والأصل لا يصلح لمعارضة ظاهر اللفظ لانقطاعه به. أما( الثاني) ففيه معارضة بين مقتضى العطف و مقتضى اللام فمنهم من رجح الأول نظراً إلى أن اقتضاء الواو أقوى إذْ لا مندوحة عن المغايرة أما اللام فيمكن إرادة الطبيعة فيها وربما رجح حال اللام لموافقة الأصل وهو خروج عن محل النزاع إذْ الكلام في مدلول اللفظ والحق عندي أن فيه إجمالاً للمعارضة وضعف المرجح من الطرفين نعم في المغايرة إشعار ضعيف لا يستأهل لأن يعول عليه ودعوى عدم المندوحة لا وجه لها كيف واحتمال بمقدار قائم كما لا يخفى على المتأمل، نعم هو في حق غير الواو غير خفي ولا كلام فيه إذْ هي كالنص في إرادة التأسيس فتدبر. و(أما الثالث) فينبغي أن لا يشك في عدم التعدد لصراحة اللام في الوحدة مع عدم المعارض وإرادة الطبيعة من اللام يستقيم حيث لا يظهر أمر العهد. أما(الرابع) فقد اختلف فيه فقال القاضي عبد الجبار باقتضاء المغايرة فإذا قيل صلّ ركعتين صل ركعتين كان المطلوب أربعاً و قيل يترجح الاتحاد والبناء على التأكيد وتوقف أبو الحسين في ذلك. احتج القاضي بوجوه أحدها إن البناء على المغايرة يقتضي تأسيساً وعلى عدمها يقتضي تأكيداً والتأسيس خير من التأكيد لأن الإفادة خير من الإعادة،إن الأمر الثاني أما أن يؤخذ علة لإفادة الوجوب أيضاً أو لا وعلى الثاني يخرج عما وضع له وعلى الأول فإن أريد الوجوب أو لا على ما قلتم لزم اجتماع العلل على معلول واحد وان أريد غيره ثبت المدعى، إن الثاني لوجود عن الأول لاقتضى معنا بالاستقلال فيكون كذلك عند الانضمام إذْ هو لا يضاده وهذه الحجة يتخيل له وإن لم يذكرها.

وأورد على الأول منع رجحان التأسيس على التأكيد في مثل هذا كيف وأغلب المذكورات من قبيل التأكيد وعن الثاني أو لا لأنه يقتضي عدم جواز التأكيد أصلاً إلاّ أن يراد الظهور ثم يمنع كون شخص اللفظ عليه نعم طلبيته قد يتخيل فيها العلية مع أنها ممنوعة فيه وأقصى ما يتخيل أن اللفظ علة لالتفات النفس لا لأصل الفهم فليتدبر. وعن الثالث إن عنيت عدم المانع العقلي أو القطعي في المقام فمسلم وإن عنيت عدم مانع الظهور فهو في محل المنع.


108

حجة الآخرين أمور

منها غلبة التأكيد فيما ظاهره التكرار فإن الغالب في إطلاق نحو اضرب زيداً اضرب زيداً إن أداة التأكيد ومنها إن التأكيد هو المفهوم عرفاً فإن كل من يسمع اضرب زيداً اضرب زيداً لا يفهم سواه كما لا يخفى على من نظر في المقامات الخطابية و تتبع سيرة أهل اللغة وهذه حجة قوية وإن لم يذكروها وهي المعتمدة عندي في تقديم التأكيد على التأسيس وبها استقراري على هذا المذهب فإنا لا يعترينا شوب الريب في تقديم التأكيد إن اللفظية في الألفاظ المكروهة ولا يبقى لنا تردد بع سماع مثل هذا الخطاب. ثم إذا اتفق صدور اللفظ بعد الأول بمهله فرجح التأسيس بل امتنع التاكيد ظاهراً إلاّ أن هذا كان خارجاً عن محل النزاع.

ومنها إن الأصل عدم زيادة التكليف فيترجح التأكيد، وفيه إن البحث في دلالة اللفظ وأما الحكم مع عدم ظهور التأسيس فلا كلام فيه، حجة أبي الحسين عدم ظهور أحد الطرفين لتعارض الأدلة وعدم الترجيح.

الموضع الثاني التحالف مع التضاد أي مع عدم إمكان اجتماعهما في الوجود أما شرعاً كما في اعتق عبدك بع عبدك أو عقلاً كنمْ أول دخول الظهر صل أوله ولا كلام في أن أحدهما ناسخ للأخر ومبطل لحكمه ولبطلان التكليف بالمتعاقدين لامتناع تكليف ما لا يطاق.

الموضع الثالث أن لا يكون متضادين فهنا لا كلام في وجوب العمل بهما مطلقاً مع العطف كما في قولنا صل ركعتين عند الصبح وصل قبل الصبح أو من دونه ومع اللام ومن دونها كما في صل ركعتين عند الزوال صل ركعتين بعد الزوال وحال اجتماعهما معا كذلك أيضاً إلاّ أنه يقوم احتمال العدول في غير المفصول كما في صل ركعتين بعد الزوال صل ركعتين قبل الزوال بل وفيه أيضاً احتمال الرجوع عن الحكم و لعله ظاهر من اللفظ فتدبر.

وهذه الأحكام أغلبها وهو ما كان مقتضاه من ظاهر اللفظ يجري حيث لا قرينة أما مع بيانها فهي المعول فلا بد للفقيه بعد النظر في هذه القاعدة من التأمل فيما يوافقها أو يعارضها من القرائن وليس له أن يتكل على هذه الضابطة الكلية لئلا يكون مقصرا ًفي بذل جهده والله الموفق.


109

في مباحث الوجوب

الوجوب ينقسم باعتبار نفس معروضة إلى معين ومخير ، أما المعين فهو ما تعلق به الإيجاب لا إلى بدل و يقابله المخير سواء أكان في تمام المراتب كما في صوم كفارة شهر رمضان على الأقوى أو في ثانيها دون أولها أو بالعكس ثم قد يكون اعتبار المصلحة الدائرة على الإطلاق وذلك المخير بالمعنى المعروف أو بعد العجز عن آخر وهذا يسمى بالمراتب وهل يدخل في المعين أو المخير أو قسم ثالث الظاهر الأول وقد يقترن الترتيب بالتخير فيكون بعده أو قبله كما تقدم وباعتبار دقته إلى موسع ومضيق وسيجيء الكلام فيهما إنشاء الله تعالى، وباعتبار فاعله إلى كفائي وعيني وسيجيء أيضاً إنشاء الله فالكلام هنا في أربع مقامات:

الأول: في الوجوب التخييري

ولا كلام في إمكانه وتحققه في الكتاب والسنة شاهدان على ثبوته والإجماع منعقد عليه أيضاً وإنما الكلام في تعين المتعلق وقد اختلف فيه على أقوال (الأول) إن الجميع واجب تخييراً و يسقط التكليف بفعل البعض كما أن الكفائي يسقط بفعل البعض أيضاً وإليه يذهب جمهور المعتزلة وأهل الأصول وقد يقال بوجوب الجميع يقيناً ويسقط بفعل البعض عفواً فإن لم يفعل عوقب على الجميع كما في الكفائي ولا يعترض بقبح التكليف كما في الكافر وربما ظهر من بعضهم ولم ينصوا عليه صريحاً، (الثاني) إن الواجب واحد لا بعينه وإليه ذهبت الأشاعرة وجمهور الفقهاء، (الثالث) إن الواجب معين عند الله وغير معين عندنا فما وقع من المكلف إن طابق فيها وإلاّ كان بدلاً وهذا المذهب ظاهر من بعض عبارات أهل الأصول حيث أطلقوا عدم التعين عندنا وقد يقال بالتعين عنده تعالى وأنه يظهر مما فعله ففعله كاشف وهذا الرأي كما بين أو لا فقد نسبه كل من الأشاعرة والمعتزلة إلى صاحبه وتبرأ عنه، ( الرابع ) إن الواجب غير معين ويتعين بفعل المكلف نعم هو معين عند الله لعلمه تعالى بأن المكلف يوقعه ويظهر من عباراتهم وحدة هذا المذهب مع ما قبله إلاّ إن تقريراتهم مختلفة فليتأمل. ( الخامس) إن الواجب منهم لا يتعين بوجه في أصل الخطاب وهو رأي الأشاعرة على ما نسبه إليهم وقيل لأنه التكليف مفهوم ونفس الطبيعة وهو المعنى الثاني، ولا كلام في اختلاف هذه الأقوال معنى وثمرة إلاّ في القولين السابقين فإن العلامة(ره) في النهاية أرجع النزاع بين المعتزلة والإشارة لفظياً.


110

وحاصل ما ذكره أن الأشعري لا يعني بالواحد لا بعينه إذ محل الوجوب بهم والمعتزلة لا يريدون أن الجميع واجب يقيناً فمراد كل منهما وجود المفهوم المنطبق على الأفراد فيتحد القولان قولاً واحداً ويرتفع النزاع. وأقول تقريراً والظاهر أنه هنا سقط بعض الأوراق والعلم عند الله سبحانه وتعالى المقال بوجه أسرار هذه الأقوال هو أن يقال إن التكليف أما أن يتعلق بواحد شخصي ولا كلام فيه أو بمتعدد وهو أما بلزوم الإتيان بالجميع وعدم أجزاء البعض ويكون تعلقها بالأفراد شمولاً من غير سقوط ولاكلام في دخوله تحت المعين كالأول أو يتعلق به شمولاً ويسقط بفعل البعض فإذا لم يأتٍ بشيء عوقب على الجميع وإن أتى ببعض سقط الآخر كما في الغريم المطالب بمئة مثلاً إذا أعطى بعضها عفي عن الباقي وإن كان مستحقاً له وإلاّ كان حقه الجميع وكما في الكافر المأمون بالعبادات مع بعضها باقياً وقته فإنه إذا أسلم وأتى به سقط تكليفه بمقتضياته. وربما ظن أن المخير من هذا القبيل وفي كلامهم إشعار بأنه قول لبعض أهل الأصول ولا كلام في فساده لخروجه عن حق اللفظ وظاهر الأدلة ولأنه حكم من غير دليل لا لما ادعاه بعضهم من منافاة الحكمة فتدبر، أو يتعلق بالطبيعة أو مفهوم الفرد بالأصالة وبالأفراد تبعاً من قبيل المقدمة كما في قولنا ائتني بفرد من أفراد الإنسان أي فرد شئت تريدان مصلحة الإتيان بطبيعة أو مفهوم فرد الإنسان حاصلة بالكل من غير تفاوت وليس للتعين خصوصية وكما في التكاليف بحقائق الأفعال إذا أخذت في صورة الفرد والواجب على هذا واحد واتصاف الفرد بالوجوب التخييري ليس إلاّ باعتبار كونه أحد الأفراد الذي هو شرط في حصول الطبيعة فوجوبه غير تخييري وكأن هذا المعنى هو الملحوظ في كلام الأشعري فهنا إيجاب معنى مردد والحصول يمكن حصوله بكل فرد فرد وكلام القرآن صريح في ذلك وفيها سيجيء ترديد في واجب فالوصف سابق على الترديد حاصل به كما في السابق فتأمل هذا. وللفرق وجه أخر سيجيء ولعله المشهور فيما بينهم تنقل وأما أن يتعلق بالأفراد التي تختلف مصالحها وتتفاوت أغراضها باعتبار المصالح الخاصة فكل فرد بنفسه تترتب عليه مصلحة خاصة وغرض شخصي لا باعتبار حصول الغرض المترتب على أصل الطبيعة وهذا كما إذا قال السيد لعبده إما أن تحج عني أو تتجر لي أو تحملني إلى موضع كذا يريد أن كل واحد من هذه الأشياء له مصلحة خاصة إلاّ أن أحدها يصلح للقيام مقام الآخر فالحسن لاحق لوصف في خصوصيات الأفراد لا لأصل الطبيعة ومفهوم الفرد فقط فيكون الجميع واجباً أصلياً بدلياً وهذا مراد المعتزلي في الواجب المخير إذْ جعل كل فرد واجب بالاستقلال وأين هذا عن المعنى السابق وكيف يظن وحدة القولين مع أن علماء الأصول لازالوا يتنازعون في هذا وينقلون كلاً من المذهبين كما لا يخفى على الناظر في كلامهم والمغترف من بحار أفهامهم هذا إذا تعلق الجميع ظاهراً أو واقعاً وأما أن يتعلق به ظاهراً فقط ويكون الواجب معيناً عند الموجب أما في نفسه سواء وافق الفعل أو لا كما هو مذهب البعض أو بفعل المكلف أي عين حين الأمر أن الواجب هذا وهو الذي يفعله المكلف ويكون الغرض من عدم اليقين إيهام التوسعة على المكلف وإفادة سقوطه وان لم يصبه على الوجه الأول وحصول توسع حقيقية على الوجه الثاني وأما إذا علم المكلف أيضاً حين الخطاب فلا يثمر النعيم أمراً نافعاً وأما أن يتعلق بمبهم في نفس الأمر وأصل الواقع وربما نسب بعضهم ذلك إلى الأشعري وهو ظاهر كلام الحاجبي وصريح كلام العضدي إلاّ أنه في تقريره اضطراب وانحراف عن الإبهام الطلق وكيف ما كان فالفرق بين الرأيين ظاهر ولابد من سوق دليل الأشعري على كل من النحوين وهذا باطل عندنا إذْ الإيجاب عندنا يستدعي وصفاً في الواجب تقتضي حسنه التام المقتضي لا إلزامه والمبهم لاوجود له في نفس الأمر فلا يصبح معروضاً للوصف الأمري و إلاّ لوجود العارض من دون المعروض وقد يورد عليه أنكم أجزتم عتق العبد المبهم وطلاق المرأة المبهمة مع اقتضائهما التحرير والفرقة وهما وصفان وجوديان، إلاّ أن يقال إن كلا منهما لاأثر له حتى التعين ويكون التعين شرطاً للتأثير أو شرطاً من المؤثر كما في بيع الفضولي فلايكون هناك وصف وجودي فتأمل. وقد يقال أيضاً إن المبهم وإن لم يكن له وجود في الخارج إلاّ أن له وجوداً في الذهن فيتعلق به الأمر على أن يوجد في ضمن فرد معين وهذا كما في الكلي الطبيعي بناءً على عدم وجوده، أقول الفرق بينهما ظاهر إذ انطباق المبهم على الخارجي متعذر بخلاف الطبيعة فإن نسبته إلى كل الأفراد على السوية فلا يختص به واحد دون واحد نعم قد يتخيل انطباقه إذا وجدت جميع الأفراد هذا مع أن دعوى الإبهام في هذا المقام لا يذهب إليها عاقل كيف وهي و إن لم نقل بتمحلها لا كلام في خروجها عن دلالة البراهين القاضية بالتخير مع أنا نعلم أن الآتي بالفرد آتي بنفس الواجب مم سيجيء إنشاء الله تعالى. في تقرير الحجج ما بين لك الحال.


111

إذا تمهد هذا فأقول المختار عندي ما عليه المعتزلة من وجوب الأفراد تخيراً لاتبعاً للطبيعة كما يقول الأشعري لا لأن الكلي الطبيعي غير موجود فالتكليف به تكليف بالممتنع لأن الحق عندي وجوده وعلى تقدير العدم فأي بأس في تعلق الأمر به لإيجاد أفراده وهو غير الأمر بالأفراد كما لا يخفى على الخبير المتدبر، بل نقول بعدم إرادة الطبيعة هنا مع إمكانها لأن الظاهر من التخيير بين الأفراد المختلفة الماهية بل إن كل فرد من أفراد تلك الماهية مطلوب لوجود مصلحة خاصة وهي مصلحة تلك الماهية الخاصة به بخلاف متحد الماهية فربما كان الظاهر خلاف هذا، يعني إن وجوب الأفراد غيري، إن قلت المدعى أعم؟ قلنا نحن نتكلم في هذه الصورة وهذا هو المعلوم من حال أهل الشرع أيضاً وكذا لا وجه للقول بالإبهام على النحو المتقدم وقد قرر البرهان على ذلك ويتأكد إنشاء الله تعالى. وكذا لا وجه للحكم بالتعين لعدم وجود الصارف عن ظاهر اللفظ والخروج عن ظاهر الدليل لا لداعي لا وجه له وليست هذه المقالة فاسدة لقضاء العقل بالقبح محققاً للمصلحة وعلى تقدير التعين لا يكون كذلك والسقوط بغيره لا يدفع ظهور ما قلناه كما قاله

ولو قيل إن التعين بفعل المكلف لا ينافيه؟ قلنا بل المنافاة فيه أيضاً ظاهرة إذْ قد يعلم الله تعالى ما فعله المكلف فالواجب عنده واحد فلا يوافق التخيير ثم المأتي به على هذا هو الواجب وهو التخير إذْ هو ينافي التعين والله اعلم.

حجة القول بالطبيعة أو المفهوم المرددان التكليف

لا يمكن الحكم بتوجيهه إلى فرد معين بقسميه لأنه خلاف الظاهر ولا إلى غير المعين لاستحالة التكليف بالمبهم على نحو ما سبق فلم يبقَ سوى التكليف بالطبيعة. وأورد عليه منع الحصر بأن يكون توجيهه إلى الأفراد لوجود المصالح الخاصة فيها وإن الطبيعة والمفهوم ليس لهما وجود في الخارج وغير مفهومين للإعراب المخاطبين إذْ ليس التكليف منحصراً بذوي العقول السليمة وفيه ما فيه فتدبر. ثم بطلان المعين والمبهم مبني على فساد وسيجيء إنشاء الله تعالى.


112

حجة القول بالمبهم أمران

أولاً: إن أمر التخير لا يزيد على إفادة وجوب أحد الأمور بغير تعين فمعناه إن أحدهما لا بعينه واجب وهو معنى الإبهام ولا قرينة تقتضي صرف اللفظ عن ظاهره فيحمل عليه على وفق القاعدة.

ثانيهما: إن الأمة متفقة على تزويج أحد الكفئين الخاطبين بالتخيير وعلى وجوب أحد الرقاب في التكفير وكذا فيما لو نذر عتق أحد العبدين ولا يمكن دعوى التعين إذْ الإجماع منعقد على الإتيان بالواحد مجزٍ وهو ينافيه.

وقد يورد على الحجة الأولى إنا لا نسلم عدم ظهور الطبيعة أو المفهوم مطلقاً أو الفرد على النحو الذي اخترناه بل الظاهر ذلك، والحاصل إن أردت بقولك إن أحدهما لا بعينه إذ هذا المفهوم واجب فهو غير الإبهام وإن أردت المعنى الآخر فغير مسلم، وعلى الثانية أنه لا امتناع في إرادة تخييراً بالنظر إلى كل من الفردين كما ندعيه وأمر المفهوم أيضاً ممكن في إعتاق أحد الرقاب وفي صورة النذر والأحرى لهم الاستناد إلى مثل الطلاق المبهم والعتق المبهم بناءً على الصحة فيهما حيث يجب في الأول نفقة البعض وفرقة البعض إبهاماً وفي الثاني تخلية العبد إبهاماً و إذا نذر عتق عبد من عبيده الذين صار فيهم المعتق وجب عتق المبهم ومثل كثير وهذا إلى المسألة كما لا يخفى على الفطن، والجواب عنه أولاً بالمنع وثانياً بكون التعيين جزء من المقتضى أو شرطاً في عهد، فالواجب عليه إذاً أن يعين فيثبت الحكم وليس حكم قبل التعين نعم تشبث لا يستدعي وجوب التعين ليثبت الحكم هذا كله بطريق الحل وقد يجاب بالمعارضة بأن يقال غير المعين مجهول والمجهول لا يكلف به إذْ شرط العلم التكليف بطريق آخر وهو أن غير المعين لا يمكن وقوعه فيتعذر إيقاعه وطلب إيقاعه لأنه طلب للمحال وهذا التقرير قد سبق مفصلاً فلا حاجة إلى التكرار.

وقد أجاب الأشعري عن ذلك بأنا لا نعني بالمجهول هذا المجهول مطلقاً بل عن وجه المعلوم من وجه آخر فلا يلزم محذور وأورد عليه أنه يمتنع وجوده من ذلك الوجه فلم يبقَ له محيص سوى الرجوع إلى أنا لا نريد الإبهام الحقيقي بل نعني إن التكليف بالطبيعة وإيجادها لا يختص بفرد دون فرد فلا يكون إجمالاً في نفس المأمور به بل في الحقيقة وهذا غير مخل وبمثل هذا اعتذر العضدي وقد تشبع شطره بل ثلاثة حيث أنه أولا ساق التقرير على الإبهام الحقيقي ثم عدى ما يقرب منا وهو القول بالطبيعة أو المفهوم الواحد من الثلاثة، ولمثل هذا إلى العلامة (ره) تزيل كلام الأشعري على إرادة الإبهام ثم نقله درجة ثانية حتى نسيه إلى القول بمقالتنا.


113

حجة القول بالتعين عند الله فقط وجوه

أولاً: إن المكلف إذا فعل الجميع دفعة فإنه سقط الفرض بذلك كان الجميع واجباً وهو باطل إجماعاً وإن سقط بواحد لا بعينه كان المعين أعني سقوط الفرض مستنداً إلى المطلق وهو باطل لأن وجود الأثر خارجاً يستدعي وجود المؤثر كذلك ولا ريب في عدم وجود غير المعين في الخارج إذْ الشيء ما لم يتشخص لم يوجد فكلما هو في الخارج معين وإن سقط بكل واحد لزم اجتماع العلل على معلول واحد وهو باطل على ما قرر في موضعه لاستدعاءه جواز وجود الشيء حال عدمه ولاقتضاءه الاستغناء عن كل من العلتين بالأخرى فلا يكون عليه وهذا تهافت فيتعين المعين إذْ لا غيره وليس عندنا بل عند الله وهو المدعى.

الثاني: وصف معين وجودي يستدعي محلاً قائماً به فنقول أما أن يكون هو الجميع فيلزم عدم براءة الذمة حال عدمه فيلزم تحتم الجميع ولا قائل به وأما أن يكون واحد لا بعينه لزم حلول المعين في غير المعين ويلزم منه أما خروج المعين عن التعين أو غير المعين عن عدم التعين وهو سخيف فتعين التعين وليس عندنا يقيناً فهو عند الله تعالى ولأنه لو لم يكن معيناً عنده تعالى لتعذر التكليف به إذْ يتعذر القصد فثبت المدعى.

الثالث: إن المكلف به فيه صفة حسن قائمة به هي العلة في التكليف به عندنا وإرادة متعلقة به وكل منهما وصفان وجوديان يستدعيان القيام بموصوف موجود قطعا فليس إلاّ واحد بعينه وليس عندنا يقيناً فهو عند الله وهو المدعى.

الرابع: إنه إذا فعل الجميع أو في فعل غير معين وهو محال لتعذره عليه إذْ لا يمكن وجوده فيتعذر إيجاده فيتعين المعين وهو عند الله لا عندنا وهو المدعى.

الخامس: إذا أخل بكلها فأما أن يعاقب على الكل أو على غير المعين ولا يمكن إذْ الاستناد يستدعي مستند إليه ولأنه يتعذر وأفراد واحد بخصوصه ترجيح بلا مرجح فلابد من التعين يقيناً وليس عندنا على ما قرر سابقاً وهو ظاهر عند الله وهو المدعى.


114

والجواب عن الأول بوجوه: أحدها إنا نختار السقوط بالمجموع، قولكم خلاف الإجماع؟ قلنا المخالف للإجماع لزوم المجموع على المجموع على المكلف وعدم السقوط بواحد ونحن لا نقول به بل نقول به بل نقول هو واجب ويسقط بفعل بعضه على نحو ما سبق، وبأنا نختار أن السقوط بإيجاد الطبيعة أو المفهوم على رأي من قال بهما ولا يلزم محذور إذْ لا يلزم وجوب المجموع ولا عدم التعين فإن أردت بالواحد لابعينه ما يعم هذا المعنى اخترناه ولا يلزم محذور و إلاّ صار المنع على الحصر أو نختار أن السقوط بالجميع، قولكم يلزم وحدة المعلول وتعدد العلل وهو ظاهر البطلان؟ قلنا ذلك في العلل الحكمية أعني ما يلزم من كل من وجودها وعدمها مثله في المعلول وهذه علل وجودية والعلة الأصلية هو الدائر بينها وكان هذا هو مراد القائل بأنها معرفات إذْ لا يستقيم أن يريد أنها عناوين وكواشف فقط بمعنى إن الشارع جعل علامة فراغ الذمة وجود أحد هذه الأفعال كما لا يخفى على المتدبر. ثم هذا الكلام يعد من الهذيانات كيف ونحن نعلم يقيناً صحة الأمر من كل عاقل بفعل أحد أمور معينه مثلا يصح أن يقال للعدل أما أن تشترِ اللحم أو تذهب إلى فلان ونحو ذلك من غير قصد إلى معين فهذا الدليل قاضٍ بإبطال الضروريات وتكذيب البديهيات إذْ مقتضاه قصد التعين مع أنا نعلم عدم قصده في جميع الضروريات أو أغلب هذه المقامات كما لا يخفى على المتدبر الفطن.

وعن الثاني باختيار القسم الأول من الترديد بكلا احتمالية يعني نختار أن المحل المجموع ولا يلزم محذور على ما مر وكذا الجميع ولا محذور. قولكم يلزم تحتمه؟ قلنا ذاك حيث يراد الوجوب التعيني و المراد هنا التخييري و إن قصدتم التعيين قلنا محله هو الدائر بين الأمور على أن هذا لا يستقيم على رأي أهل الطبيعة يقيناً فلا تغفل.

وعن الثالث والرابع والخامس بمثل هذا التقرير، أما في الثالث فظاهر ،وأما في الرابع والخامس فلأنا نختار أن متعلق النية المجموع أو الجميع أو الطبيعة وكذا العقاب أما عن الأول أو الثاني أو الثالث على نحو ما تقرر سابقاً حرفاً بحرف.


115

المقام الثالث حجة القول بالتعين عندنا أيضاً مؤلفة من الحجة أعني منع عدم التعين مع إضافة أنه لا يمكن عدم صدور المعين للزوم القبح لكن على أن العبد متهاون في الإتيان بالفعل بل لما علم أن يأتي به كلفة والعلم لا يؤثر في المعلوم فيكون مغايراً للاحتمال الآخر أعني أنه معين عند الله و إن العبد مجبور من قبله تعالى على الإتيان به فبينه وبين الأول فرق ظاهر.

تنبيهات

أولها: إن وصف التخيير وإن ذكرناه في الواجب لكن لا نعني اختصاصه به إذْ يجري في غيره من الأحكام الخمسة أو لا احتمالان من إمكان تحقق التخيير وعدم كونه مصطلحاً مثلاً إذا أباح شيئاً بعينه كان معيناً وهو ظاهر أو مردداً على وجه منع الجمع كان تخييراً فالمباح في زواج الأختين أحدهما لا بعينها وكذا فيما لو أذن له في أخذ أحد الدرهمين فالمباح أحدهما وكذا في المحرم إذْ تحريم أحد الأختين المتأخرة الدائرة بينهما متعلق بأحدهما معناه أن المتأخرة أيا ما كانت محرمة لا واحدة بخصوصها وكذا في الكراهة إلاّ أن جريانه في غاية الخفاء فتدبر.

ثانيها: إنا وإن ذكرنا الوجوب التخييري في سياق البحث عن الأمر ودلالته لكنا لا نعني به إن مدلول الأمر يعمه بل الظاهر منه الوجوب التعيني إلاّ إذا قامت التخيير والحاصل ذكر أحد الأفراد المخير فيها بعد الأمر على إرادة إن أحد الأفراد خروج عن مقتضى صريح الأمر وتعلقه منضماً إلى الأفراد يصح إذْ تعلقه حينئذٍ كتعلق المعين كما لا يخفى على المتدبر.

ثالثها: إن تعين أحدها واختصاصه دون نظائره هل يتحقق بتمام الفعل أو بالاشتغال بأحد الأفعال الظاهرة الأول نعم إذا كان الاشتغال بعبادة وقلنا بحرمة قطع العمل في غير الصلاة أيضاً أو كانت صلاة حرام قطعها لا لتعينها في نفسها بل لعارض والفرق بين الأمرين ظاهر.

رابعها: إنه لا كلام في جواز التخير بين المتباينات أما الكل والجزء والمطلق والمقيد فهل يصح أولا؟ احتمالات وتفصيل المقام في الأول إن جزء الشيء أما أن يطلب بشرط لا بطلب أخر ولا بشرط، وعلى الأول فأما مع عارض يعرض له كم في التخيير بين الركعتين والأربع مع زيادة التسليم بناءً على خروجه والظاهر في كل من القسمين و أما القسم الأخر فقيل لجوازه أيضا نظراً إلى ملاحظة النية، وفيه إن المكلف مع دخوله في الفعل قد نوى الجزء ضمناً والنية الضمنية كافية فيأتي بالمأمور به وذلك كما في غسل الوجه مع زيادة معتبرة في النية وكذا في المرفق كيف وعامة الأعوام قاطعون بذلك حتى إن خروج المرفق لا يعرفه سوى الحذاق فهو عام البلوى نعم إذا قلنا بعدم إجزاء النية الضمنية كان له وجه، وقد يفرق بين الكل ذي الأجزاء التدريجية وبين ذي الأجزاء الدفعية فإذا قيل أما أن تعتق عبداً وعشرة فإن أوجدها تدريجيا تحقق الأقل قبل الأكثر فيقوم الأشكال وإن أعتقها دفعه لم يتحقق فيرتفع المحذور فتبصر. وأما بين الكلي والجزئي فهو أقرب إلى الصحة إذْ هما موجودان بوجود واحد فلا يلزم إلاّ باختصار المسبق كما في السابق فاحتمال النية في القرب من الله بالطبيعة أو الصلاتين الشخص مختلف وأثره مختلف من جواز حرمة الشخص وعدمها وبهذا يظهر حكم الأذكار الصلاتين فتأمل.


116

خامسها: إن المكلف إذا أتى بواحد من الأفراد فهل يكون باقي الأفراد خالياً عن الحكم بل هو على الرجحان الظاهر إنه ليس في نفس اللفظ دلالة على الباقي ويجوز أيضاً اجتماعه مع الخطر في البواقي أيضاً كما إذا وجب عليه بأمر سيده تزوج هنداً أو اختها إلاّ على وجه أخر نعم غالب الواجبات التخيرية لا يفارق الرجحان النفسي فتحصل مظنة قوية ببقاء الرجحان حيث إيجاد أول الأفعال. ثم ينبغي أن يعلم أن صفة الحسن لأنه أحد الأفراد لا تنافي قبحه الشخصي فتجوز التخييرين فردين مع حرمة أحدهما أما على الطبيعة فظاهر وأما على الفرد فلإمكان حصول المصلحة المشتركة مع مفسدة خاصة لكنه و ن جاز عقلاً إلاّ أنه خلاف ظاهر صريح التخيير فتدبر.

في الواجب الموسع

اعلم أن للواجب مع زمانه قسما (أحدها) نسبة الانطباق والوفاق بحيث لا يزيد أحدهما على صاحبه وهذا كما في صوم شهر رمضان والنذر المعين أو المقسم عليه المعين ونحو ذلك ولا كلام في إمكانه ووقوعه وعلى هذا يكون الواجب لا تحصل مصلحته الخاصة إلاّ بذلك المعين. (الثانية) أن يزيد عليه زيادة غير محدودة وذلك بأن يتساوى جميع آنات الآفاق في وقوعه ولا يكون لأن اختصاص دون آخر فيكون الزمان معتبراً لأنه من شرائط الوجود لا لكونه قيداً في حصول المصلحة والمصلحة تستوي في جميع الأزمان وهذا فرد من الموسع مثاله النذر المطلق وقضاء صلاة الزلزلة ونحوهما و الكلام هنا في مقامين (أولاً) في ثبوته و (ثانياً) في نهايته،أما الكلام في الأول فيغني عن البحث في القسم الآخر من الموسع، وأما الثاني فقد اختلف فيه فقيل يتحدد بظن الوفاة أوعلمها بل قد يقال في الشك بها واعترض عليه بعدم الدليل على حجية مثل هذا الظن والعلم عزيز.

والجواب إن التعويل على الظن لا يحتاج إلى دليل آخر غير التكليف بالفعل فإن مقتضى الإلزام بالفعل لزوم البدار وقد خرجنا عنه للإجماع والأدلة في صورة عدم ظن الوفاة بل قد يقال في ظن الصحة فقط ويبقى الباقي تحت قضاء العقل وإن أبيت دلالة العقل قلنا قد ثبت جواز التأخير في مثل هذا الفعل والأصل بقاء ما كان بل قد يقال على مذاقك إن الاشتغال بالفعل متحقق وأما تقدمه وتأخره فوائد.


117

إن على وجوده فوجوب الإيجاد لا يقتضي شيئاً منهما فالأصل فراغ الذمة عن التعين فلا يكون واجباً بل قد يقال إن المعلوم توجه الخطاب بإيجاد الطبيعة وإنها مقصورة للأمر والأصلي عدم دخول خصوصية في قصده وإذا تقررت هذه الأصول خرجنا عنها في صورة الظان للإجماع وأنت أيضاً في موافق في ذلك حيث تذهب إلى أضيق من ذلك فمدعانا بناءً على قضاء العقل ظاهر وكذا على خلافه واعترض عليه بوجه آخر وهو إن الظان لا يتحقق ظنه إلاّ قرب زهوق نفسه بل قد يخرج من الدنيا وإبليس يقرر في ذهنه البقاء إلاّ إذا رفع عنه حجابه وحصول الظن بغير هذا الطريق عزيز الوجود كحصوله لأمر الحاكم بالصلب في مكان ناءٍ أو قريب مع سهولة الفعل فإذا كان كذلك بطل التحديد بهذا الحد كيف وهو مقتضى تفويت الواجب سيما مع صعوبة الفعل المطلوب فإنه لا يتحقق أصلاً إلاّ في الصورة الأخيرة مع أن ذلك المكلف في المقامين في شغل شاغل وآنية وأين الانقياد وطلب الامتثال أقول وقد يسهل الخطب حيث يكون المدار ما ذكرنا وهو عدم المظنة القوية بالبقاء إلاّ أنه أيضاً بعيد وأما على هذا فمشكل لأن متعلق الظن لا يكون إلاّ أن المتصل يقيناً إذْ لا يحصل ذلك أصلاً ولاينفع إلاّ أن المطلق وكذا حصول العجز ذلك إذ نسبته إلى الأزمنة لا تطيق الحكم به في هذا الزمان المتصل كما لا يخفى على المتدبر.

فمن هذا قوي في نفسي إن الغاية إنصاف الشخص بالتهاون عرفاً مثلاً إذا حصل التكليف في مبدأ بلوغه وبقي حتى صار عد متهاوناً متكاسلاً بل العقلاء يذمونه على ذلك لنسبته إلى فعل القبح بذلك فينبغي أن يرجع جميع الموسعات غير المحدودة إلى مثل هذا والمقام محل تأمل فتدبر وقد مر شطر من الكلام فتذكر.

الثالثة نقصان الزمان عنه ولا كلام في عدم جوازه عندنا إذ تكليف ما لا يطاق باطل على مذاقنا فالتكليف بإيجاد الفعل في هذا الزمان بحيث لا يخرج عنه شيء من غير مقدور وإلا لخرج على الفرض ولا تفاوت عندنا بين النقصان العقلي والعادي،أما الأشعري فلا يتأمل في جواز النقصان العادي إذْ هم بتمامهم متفقون على ذلك، أما العقلي فالظاهر منهم ذلك أيضاً إلاّ أن بعض متأخريهم لما وردت عليه الشناعة رام التفصيل وإن أرجع إلى التكليف المحال لا تكليف المحال استقام المنع على رأيهم لكن رجوعه إلى ذلك لا وجه له، ثم على جوازه عند الأشعري قد يعرف أيضاً بعدم الوقوع بل الظاهر أنه كذلك كوجوب البدار إلى الفعل مع ضيق الوقت عن تمامه فليس منه إذ المكلف مأمور بإيجاد الفعل في وقت مشترك بين الأول والآخر يعني يوجد بعضاً في الوقت الأول وبعضاً آخر في الآخر ولا يجوز له إيجاد التمام في الأخير و إلاّ فمن يقول بأن الحائض إذا طهرت والمجنون إذا فاق وقد بقي يسير يكونان مستحقين للعقاب؟ فإن قلت فما هذه الصلاة مؤداة أو مقضية؟ قلت إن فسر القضاء بالفعل في خارج الوقت كانت مؤداة وإن فسر بعدم الفعل فيه كانت مقضية و إن فسر الأداء بالفعل في الوقت والقضاء خارجه كانت واسطة وإن لوحظ حال الأجزاء كانت ملفقة ولاختلاف تفاسيرهم اختلفت أقوالهم فلا يلزم من القول بأدائيتها وجوب الفعل في ذلك الوقت القاصر نعم ذلك لازم على اصطلاح آخر فتدبر.


118

الرابعة زيادة الوقت بحيث يكون محدوداً منه والمفتهم يعني يكون الوقت شرطاً في المصلحة إلاّ أنه زائد على الفعل ونعني بزيادته على الفعل إمكان إيجاد الفعل في بعض منه و إن أمكن تطبيق الفعل عليه بإطالته، وهذا كما أوقات الصلوات الخمسة على المعروف وقد اختلف فيه فقيل بثبوته وقيل بعدمه. واختلف المثبتون على ثلاثة أقوال:

الأول: إن الفعل يجوز الإتيان به في كل آن مما يدخل تحت الحد بنسبة واحدة في أصل الوجوب و إن حصل رجحان آخر ولا يستدعي بدلاً و إليه ذهب أبو الحسين البصري.

الثاني: الاعتراف به مع وجوب بدل على مريد التأخير و أنه الغرم وإليه ذهب الجبائيان والسيد المرتضى.

الثالث: القول به مع حصول بذل يفعله الله عن المكلف. واختلف القائلون بالعدم أيضا على أقوال:

(1) إنه مختص بأول الوقت و إن أتى به في آخره كان قضاءً و إليه ذهب جماعة من الأشاعرة.

(2) إنه مختص بآخر الوقت ولو قدم كان نفلاً مسقطاً للغرض وإليه ذهب جماعة من الحنفية وقد نقل عن الكرخي أقوال (أحدها) وهو المشهور عنه إن الصلاة المفعولة في أول الوقت موقوفة فإن أدرك المصلي آخر الوقت وهو على صفات المكلفين كان ما أتى به واجباً وإلاّ كان نفلاً. (الثاني) ما حكاه عنه أبو عبد الله البصري إن أدرك آخر الوقت كان ما فعله مسقطاً للفرض قال أبو الحسين وهذا أشبه من السابق أقول ولعله يرجع إلى رأي الحنفية. (الثالث) ما حكاه عنه أبو بكر الرازي وهو أن يتحقق وجوبها أما بالفعل أو التضيق.

وهذه الأقوال تجري في غير المحدود من الموسع ويراد بالآخر فيه ما قيل ظن الوفاة أو ما قبل الوفاة وتقرر الأدلة فيه على هذا النحو والحق عندي ما ذهب أبو الحسين البصري من القول وبالتوسعة وعدم التضيق.

قلنا في المقام دعويان أحدهما مع النافين والأخرى مع المرتضى والجبائين وبعض الحنفية ولي على الأول منهما أن لا يخفى على ذي بصيرة إن غرض المكلف قد يكون مقصوراً على خصوص وقت بمعنى إن مصلحته وحكمته الباعثة على التكليف محصورة في وقت مضيق بعينه لا تتعداه أصلاً وهذا ظاهر لا شبهة فيه وقد تكون بحيث لا تختص بل كما تحصل في إن تحصيل في غيره مثلاً إذا أمر السيد عبده برؤيا داراً ليعلمه حالها غداً فليس قصده سوى إيجاد الرؤيا في هذا إن صرف المستطيل بل قد يقال إن أغلب التكاليف الجارية على ألسنة العقلاء من هذا القبيل فإنه قلما يتفق أمر بفعل منطبق على وقت معين لا يزيد عليه أصلاً وفي مثل هذا لا يمكن دعوى إرادة التعين إذْ هو خلاف البديهة فالناظر بعين البصرة في حال المخاطبات العرفية لا يدخله شوب الريب في ذلك، على أنه يكفينا تقرير الجواز عقلاً إذْ بثبوت الجواز العقلي وضميمة الظهور اللفظي يثبت المطلوب، وكشف ذلك أنه لا يتأمل أحد في صحة مثل ذلك الخطاب وإمكانه ولا ريب في أن ظواهر التكاليف أيضاً ذلك فإنه لا اشتباه في أن الظاهر من


119

قوله تعالى ﴿ أَقِم الصّلوةَ لِدِلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ الليلِ ونحو ذلك من الأخبار الدالة على التوسعة ما قلناه فعلى هذا يبقى ظاهر اللفظ بغير صارف ولا قرينة تدفعه وما استند إليه من دعوى القبح وغيرها في محل المنع على ما سيجيء مع أن ما ذكروه لو كان صحيحاً لذكر في بعض الأخبار ولعثر عليه في بعض الآثار والسنة خالية منه مع ظهورها والناس خلفاً بعد سلف لا يفهمون سوى ما ذكرناه ونبهنا عليه مع أن كثيراً من الأحكام تأبى ذلك مثلاً إذا قلنا بأن الصلاة في آخر الوقت قضاء وفوت المكلف أول الوقت مسافراً ينبغي أن لا يختلف اثنان في لزوم القصر عليه وكذا العكس يعني إذا فوت أول الوقت في الحضر كان اللازم عليه أحق الوقت في السفر تمام الصلاة من غير تأمل. وعليه أيضاً إنه فقد المقتضى للوجوب في أول الوقت كما إذا بلغ في ثاني الزمان لم يجب عليه ودعوى التكليف الجديد في غير الوقت في ظاهر الفساد. وكذا على القول بالآخر لا يكون المصلي في الأول مصلياً في أول الوقت ومن فوت ومات في آخر الوقت لا يجب على الولي القضاء عنه مع أن كون الصلاة في أول الوقت ظاهر بديهي والسنة ناصة عليه وقد كثر في الأخبار إطلاق أول الوقت وآخر الوقت والصلاة في أول الوقت جزور وآخره عصفور والخروج عن مثل هذه الأخبار وادعاء مثل تلك الدعاوى يأباه ظاهر الشرع.

ومما يوضح بطلان القول بالتعين إن الأول والآخر في كلامهم أما أن يراد به الاول والآخر الحقيقيان أعني الذي ليس قبله جزء من الوقت وكلما قبله فهو خارج الوقت وهذا التحديد إن الآخر أن يراد به ما لو تأخر عنه المكلف لا يمكن الإتيان بالفعل إلاّ خارج الوقت وهذا التحديد إن أخذ في الأول محدداً للمبدأ فقط لزم أن لا تكون صلاة في الوقت أصلاً إذ انطباق أول الفعل على أول الوقت محدداً للمبدأ فقط لزم أن لا تكون معلومة في الوقت أصلاً إذ انطباق أول الفعل على أول الوقت محال إذ ذهاب أول الوقت من باب المقدمة لازم. نعم قد يتصور في المشتبه الزاعم لمضي الوقت مع بعده فيه فيلزم أن لا يقع فعل في وقت أصلاً وإن أريد العرفي كانت دائرته متسعة فإذا أخر لزوم خروج الواجب عن الوجوب على نحو ما تستدلون وإخراج ذلك من الدليل في غاية الإشكال. ثم إن أبقينا آخر الأول وأول الآخر بغير تحديد لزم التوسعة ولا ينفع الاشتغال بالواجب إذْ صار زمانه زمان أفعال كثيرة ولا ينفع التوجه إلى الأجزاء في كلام ما يدل الزيادة مبطلاً فتأمل وتدبر. وإلا لزم أن يكون لكل شخص وقت مغاير للآخر بل للإنسان الواحد أو قامت في أغلب الأحوال إذْ لا زالت قوية تزيد وتنقص ومقدمات صلاته تتيس وتتعس ثم ما معنى الاختصاص بالأول هل يراد منه مع تمكن الفعل بالأول ويكون فيه فإذا كان الإمكان ويكون الأوسط آخراً إذا علم العجز في آخر الوقت وهذا خلاف ما تدعون إذْ ما نفهم من الأول والآخر سوى الزمانيين دون الإمكان وإن عنيت الأول حقيقة لزم وجوب الطهارة الاضطرارية ولو علم بإصابة الماء بعد دقيقة زمانية ولا قائل فيه ولا بل لا يشك في جوازه. واستثناء مثل هذا من عموم فوات الوقت لا وجه له وكذا من علم لتعذر آخر الوقت يلزم عليه الإتيان بالفعل قبل الوقت وأقصى ما كذا نتخيل صحة النفل المسقط أما لزوم النفل حيث عدم الفرض فهو بعيد كل البعد ودعوى عدم الوجوب خلاف الإجماع. هذا ويرد عليهم غير هذا وسنذكره عقيب نقل حجتهم إنشاء الله تعالى.


120

هذا وينبغي أن يعلم أن القائلين بالاختصاص بالأول لا يريدون أنه بعد فوات الأول تستوي الأوقات بل وضعوا مراتب فالأول أول الواجبات ثم الثاني ثم الثالث وهكذا إلى آخر الوقت ثم تجيء درجة أخرى أخسى من تلك الدرجات لا يجوز الرجوع إليها إلاّ بعد فقد تلك فالثاني أخس من الأول وخير من الثالث ولا ينتقل إليه إلاّ بعد العجز حتى لو قلنا بالقضاء لكان ما بعد الأول أول مراتبه فهو بمنزلة الأداء لما بعده ثم جميع ما قبل الغروب بمنزلة الأداء لما بعده وما بعده كالدرجة الواحدة فلايلزم على هؤلاء القائلين مكابرة الضرورة لدعوى الاتحاد إذ لكل قضاء على قولكم بل ربما تندفع عنهم بهذا بعض السابقة، ودعوى بينة الفساد أما ما نسبه المشهور إليه أعني لو فعل في أول الوقت فإن أدرك آخره مع جمع الشرائط بأن وجوب الأول إن أراد به أن يخل الوجوب أول الوقت فقط بشرط التمكن في آخره رجع إلى ما يكون لأن ما لأهل الأول مع مفسدة أخرى وغرابة خاصة وإن أراد إن الوقت كله وقت وجوب لكن بشرط التمكن آخره ويكون معنى التوسعة كون الوقت قابلاً للفعل بشرط كون آخره محلاً للإمكان فهو أشد شناعة لمخالفته جميع الظواهر بل أكثر من القواعد السابقة وإن أراد أن وقت الوجوب هو الآخر وهذا بد وليس مطلوباً بالاستقلال فلا يخفى عليك فساده أيضاً لمثل ما أوردناه على الحقيقة مع غرابة أخرى. وأما ما نقله عنه أبو عبد الله البصري من أنه موقوف على آخر الوقت فإن بقي مكلفاً كان الأول نفلاً مسقطاً للفرض وهذا النقل هو الذي ارتضاه أبو الحسين ففيه إنه راجع إلى قول الأشاعرة وعليه ما عليهم وما حكاه أبو بكر الرازي من أن الوجوب يتحقق أما بتضييق الوقت أو بإتمام الفعل فهو غريب إن لم يرجع إلى ما قلنا بأن يريد في أحدهما التحقيق اليقيني والآخر الفراغي أي فراغ الذمة من الواجب به دون باقي الأفراد المقصورة في الوقت وعلى غير هذا فلا وجه له إذْ لا دخل للفعل في التعين يقيناً إلاّ على معنى آخر مع أنه يرد عليه ما ورد على القوم كما لا يخفى على الناظر فتفكروا.


121

وأما على الثاني منهما إن القول بوجوب العزم قول بغير برهان إذْ ما يذكره من الأدلة ويستند إليه من الحجج كله مقدوح ثم هذا البدل إن كانت بدليته على المعنى المعهود من البدل و إن أريد أنه بدل عن أشخاص الأفعال فهو أظهر بطلاناً، وكشف المقام إنه أما أن يراد ببدلية العزم عن الفعل بدلية طبيعية عن طبيعة الفعل فيلزم أن يكتفي بفرد من العزم في الوقت المستطيل لتحقق الطبيعة وأنت لا تقول به مع لزوم المحذور الأول وإن أريد المطلوب أفراد الصلاة المتوهمة المنطبقة على الوقت ويكون كل جزئي من الجزئيات المتوهمة أيضاً بدلاً عن مقابله ورد المنع إذْ الحق عندنا إن التكليف بالطبيعة وإن أردت العزم بشرط الاستمرار عليه بدل عن الطبيعة لزم عدم التخلف عنه في أثناء الوقت مع أنا نعلم إنه يجوز الخلو عن العزم في أثناء الوقت حتى إنه يجوز التغافل الاختياري والتشاغل بالمنسيات في أثناء الوقت وقد يعتذر بأنه مع الغفلة لا تكليف ومن دونها لا يتحقق العدم وكذا إن أريد العزم في الأول على الفعل في الآخر إذْ عليه لا يضر نقضه ولا يقول به إلاّ أن يريد العزم الأول على الفعل في الآخر مع البقاء الحكمي والكل بما لا يخفى. والحاصل أخذ الطبيعة فيهما والفرد فيهما والتعاكس مع أخذ الدوام وعدمه في جميع الوجوه يلزم عليه المحذورات السابقة وإن أريد أنه بدل بشرط عدم الإتيان بالفعل مع عدم الإتيان بالفعل مع عدم التقصير والغرض دفع لزوم وخروج الواجب عن وصف الوجوب للتارك المعذور، ففيه أنه على هذا يلزم على الولي قضاء صلواته التي فاتته من دون تقصير وفي الحائض أيضاً إذا أخرت فجاءها الحيض آخر الوقت ولم تتمكن من الفعل لا يكون عليها قضاء وكذا في المجنون ونظائرهما فلا وجه لإرادة البدلية يقيناً، فلم يبقَ سوى القول بأنه ليس بدلاً عن نفس الفعل بل عن الإتيان به في أول الوقت وهو واجب آخر وعليه إنه ليس فيه خروج عن شبهة الخصم كما سيجيء مع أنه هو الذي حداك على القول بوجوب العزم مع أنه مبني على وجوب البدار وهو في محل المنع، نعم قد يتخيل وجوب بعض أفراد العزم لتوقف وجود الواجب عليه وهو العزم المقارن للفعل المتوقف عليه فيكون حاله كحالة بناء على المقدمة وهذا على تقديره ليس لأنه بدل وهو ظاهر ثم أصل الداعي إلى ارتكاب هذه الدعوى مدفوع إذْ ليس إلاّ لزوم خروج الواجب بجواز الترك على نحو ما يقررون وسيجيء بطلان الأصل فلا تغفل وأما القول بالبدل المفعول لله فهو أظهر بطلاناً وأبعد عن الحق مكاناً وكثير مما أوردناه جارٍ فيه فتذكر.


122

المقام الرابع: حجة القول باختصاص أخر الوقت

بأنه لو وجب في الأول لما جاز التأخير عنه ولكنه يجوز إجماعاً ببيان:

الأولى: إن في التأخير ترك الواجب حيث ينافي البدار وهو واجب.

الثاني: فبديهية.

والجواب إن عنيت أنه أحد أوقات الواجب فيكون الحاصل لو كان الأول محلاً للوجوب لزم العصيان بالتأخير منعنا الملازمة إذ العصيان إنما يتحقق بفوات تمام الوقت الموظف المحدود بالحدود المعلومة إذ المكلف مبني عن التأخر عنه وأما أوله فنمنع إنه كذلك والحاصل التكليف بالطبيعة في أي جزء اتفق عن أجزاء الزمان فيكون المكلف مخيراً في الأجزاء الزمانية ولا حاجة أيضاً إلى القول بأن التكليف إنما هو بالأفراد الموهومة حتى يرجع إلى المخير في العبادة المفروضة و إنه لا فرق بينها وبين الواجب التخييري إلاّ بتماثل الأفراد واختلافها إذ هو خلاف المعقول والمفهوم من الإطلاق مع بعده كما قررناه أنفاً.

واعلم أن هذه الشبهة هي التي ألزمت المرتضى بالقول بوجوب العزم وأركبته هذه الورطة. وقد أجاب عنها بأن الواجب لا يجوز تركه حيث عدم البدل وأما معه فلا أشكال.

وعندنا إن العزم بدل فلا إشكال، أقول حجة هؤلاء ضعيفة على قولنا وكذا على القول بالاختصاص بأول الوقت لأنهم يحكمون بالعصيان فلا حاجة إلى الجواب عن القولين وهو ظاهر، أقول ويمكن أن يحتج لهم على فساد رأينا بأن المكلف جاز له التأخير وأخر فاتفق فوات الفعل، فأما أن يستحق عليه عقاب وهو ظلم حيث مسوغ له التأخير أو لا فيخرج الواجب عن الوجوب؟ والجواب عن هذه الحجة إنك إن عنيت عدم الوجوب النفس الأمري وهو حصول مصلحة خاصة في خصوص وقت لو اطلع عليها المكلف لعوقب منعناه، كيف وعندنا إن زمان العمل مقصور على زمان الإمكان أعني زمان الوجوب لازمان الصحة و إن عنيت الظاهري سلمناه لكن لايضرنا كيف وهو بديهي الكلام فيه وعليك بالنظر في الواجب المخير إذا ترك بعض أفراده مع تمكنه من البدار إليه إلى آخر ثم انتقل ولم يصلِّ فإنه لا عقاب عليه فتدبر.

احتج القائلون بالاختصاص بأول الوقت إن زيادة الوقت ممتنعة فيدور الأمر بين الأول والآخر ولو كان الآخر لما خرج عن العهدة بالفعل الأول وهو خلاف الإجماع والجواب: ( أولاً ) بمنع عدم جواز زيادة الوقت وقد مر سند المنع أيضاً. (ثانياً ) بالمعارضة بأنه لو وجب في الأول لزم العصيان بتأخيره إلى الآخر وهو خلاف الإجماع. ثم نمنع عدم الخروج عن العهدة بالفعل قبل الآخر إذْ هو كالنفل المسقط للفرض ومثله كثير فانه يجوز إغناء الوضوء المندوب قبل الوقت عن الواجب وكذا مندوب الغسل عن واجبه وليس في العقل إحالة لمثل هذا كما لا يخفى على الفطن، ولا حاجة إلى التمثيل بالزكاة مع ما يرد عليه من أنها تقدم فرضاً وليست زكاة إلاّ أن يراد إغناء مندوب عن واجب ولو مع اختلاف الحقيقة فافهم.


123

احتج المرتضى (ره) بأن الاختصاص باطل والاشتراك مقتضٍ لعدم الانفصال عن المندوب؟ وجوابه قد علم سلف ونزيده بياناً بأن الواجب ليس أفعالاً بل هو فعل واحد إلاّ أنه وسع في ظرفه فتركه في جميع ظرفه مقتضى للخروج عن أداء الواجب فيستحق بالعقاب بخلاف المندوب في الوقت الموسع كالنافلة مثلاً ولا دخل لأجزاء الزمان وتحتمل الانفكاك عنه في بعض الأحيان على نحو ما مر في من آتاه الموت قبل العمل قد مر رده بما لا مزيد عليه و إن أردت وجوب البدار وهذا بدله فالمنع على وجوب المبدل منه ثم على تقدير إرادة التخير في الجزئيات إنما يلزم وجوب العزم تخيراً لا يقيناً وهو غير المدعى، واعلم أن بعضهم حاول صحة كلام المرتضى بأن المكلف إن لم يكن له شعور فهو خارج عن التكليف و إلاّ فإما أن يعزم على الترك وهو حرام يقيناً فليس سوى العزم على الفعل وخلاف الحرام واجب، وعليه:

( أولاً ) منع عدم الواسطة إذْ الشاك المردد خالٍ عن العزم وعلى تقديره فلا نسلم أن النهي عنه يقتضي بضده ولو سلمنا في نفس العام فلا نسلمه في محله إلاّ من باب المقدمة والمطلوب هو النفسي. وأيضاً نمنع حرمة العزم على المحرم و إن كان تجرياً عليه ورغبة عن أوامره عفواً منه تعالى وفي هذا الأخير نظر لما يخفى وعلى تقدير وجوبه فالواجب لا يستدعي البدلية والعوضية غاية ما هناك يلزم على المكلف باعتبار لزوم الانقياد والعبودية البناء على فعل الواجبات حيث ما ذكرها وهو المراد من قولهم حكم من أحكام الأيمان. وأما القائل بأن البدل من الله فلم نعتزله على حجة ركانه الذي دعاه إلى هذا القول هو إن البدل لابد منه على نحو ما بين في كلام علم الهدى إلاّ أن جعله القوام باطل على نحو ما أبنتم فتغير البدل من الله وسخافة هذا القول غنية عن البيان.

فائدة للمرتضى

هذا وقد أورد أصحابنا أموراً كثيرة في إثبات المختار غير ما ذكرناه ولنقتصر على ذكرها على نحو ما ذكر وكذا على القوم أوردها في ضمنها وأشبها أحرى و إنما لم اعتبرها في أصل الاحتجاج أما لمقاربتها وليس بينها فرق يثمر أو لعدم صحتها عندي وها أنا أورد كلامهم بعينه لتكون على بصيرة منه.


124

أما حججهم على إثبات الدعوى فأمور:

الأول: ما حاصله إن الأوامر التي ادعي فيها التوسعة قد تعلقت بوقت مستطيل فأما أن يراد تطبق الفعل على تمام الوقت أو إيجاده في جزء منه أي جزء كان.

الثاني: هو المطلوب والأول أما أن يراد به الإتيان بفعل واحد ينطبق على الوقت أو بأفعال متعددة تنطبق وكلاهما خلاف فتعين المدعى، الثاني إن الأمر لم يتخصص بجزء من أجزاء الوقت يقيناً فيكون كل جزء قابلاً له و إلاّ لزم الترجيح بلا مرجح فثبت المدعى.

الثالث: إن مقتضى الأمر حصول المصلحة في كل جزء من أجزاء الوقت بغير تفاوت ولا خارج يدل على خلاف الظاهر فيقبح الاختصاص إذْ لا داعي إليه كيف والمصلحة مشتركة.

الرابع: إن إيقاع الصلاة في كل جزء من أجزاء الوقت مخير بالإجماع وما ذلك إلاّ لتساوي الأوقات وإلا لزم فوات المصلحة في بعض الأجزاء فلا يتحقق الإجزاء فثبت المطلوب.

الخامس: لو المصلحة في جزء معين لفائت بفواته فإن قدم الفعل عليه كان تقديماً على الوقت وإن أخر كان قضاءً وكلاهما خلاف الإجماع.

السادس: لو اختص بأول الوقت لما جاز تأخيره لأنه قضاء ولو كان بآخره لزم محالات: الأول أن يكون في الأول نفلاً كما ادعي فتجب نية النفل. الثاني يلزم تحريم الآذان والإقامة لاختصاصهما بالفرائض.الثالث إن من لم يصل إلا في الأول لا يكون مؤدياً لفرائض الصلاة وهو خلاف البديهة. الرابع تقديم المغرب أفضل من تأخيرها فيرجح النفل على الفرض وهو باطل. وعليك بالتأمل في هذه المقالة فستجدها لاتزيدها على ما ذكرنا. وأوردوا على المرتضى وجوهاً:

(1) لو كان العزم بدلاً لامتنع مع إمكان المبدل، واعترض عليه بأنه لو كان الواجب المخير لا المراتب كالوضوء والتيمم.

(2) العزم من أفعال القلوب ولم نعهد بدلاً كذلك في الشرع.

(3) لو كان بدلاً لزم مقارنة وجوبها مع أنه واجب قبل دخول الوقت فاعترض بالمنع.

(4) لو كان بدلاً في أول الوقت فالثاني أما أن يجوز فيه تأخير الفعل أولاً والثاني باطل بالإجماع وإذا جاز فأما إلى بدل أولاً والثاني خلاف الإجماع وعلى الأول يلزم تعدد البدل بتعدد الأزمنة وهو باطل.


125

وقد مر الكلام على علم الهدى مفصلاً وأمثال هذه الحجج لا تجدِ نفعاً وقد أوردتها للإحاطة بالأدلة ولا بد من النظر فيما يرد عليها والجواب عنه، ونحن نذكر ذلك إلى الناظر والله الموفق.

فائدتان

الفائدة الأولى

أنه ينبغي أن يعلم إن الفعل قد يكون داخل الوقت وقد يكون خارجه أو داخله، وخارجه أما من الوقت وما قبله أو منه وما بعده ولا كلام في أداءه وقضاءه، الثاني وقد مر حال الرابع من أنه أداء على وجه وقضاء على آخر و واسطة على وجه وملفق على آخر ويقوي الأخير فيما لو كان العمل ممكن التفريق كما في صلاة الوتر بناءً على الوحدة وصلاة الزوال ونحو ذلك وقد يتخيل فيه الاعتبار أي للكل ملاحظة وللأجزاء أخرى وربما جرى في غير ممكن التفريق بناءً على اعتبار الأمر الضمني في الاسم فلا تغفل، الثالث ومثاله لو صلى جاهلاً بالوقت فدخل عليه الوقت في الأثناء وحكمنا بصحة صلاته أشكل الأمر إلاّ أن نقول هناك وقتان أحدها للعالم والآخر للجاهل فيكون أداءً يقيناً وإن قلنا بوقوع الجزء خارجاً عن الوقت والجهل لا أثر له ابتنى على أنه هل المعتبر في الأداء عدم خروج الكل أو دخول الكل فعلى الأول أداء وعلى الثاني واسطة ملفق.

الفائدة الثانية

اعلم أن الوقت أما أن يؤخذ عنواناً لا اختصاص له لمصلحة الفعل بمعنى إن مصلحة الفعل كما تتأتى به تتأتى بغيره وقد يختص لا لأمر راجع إلى صحة الفعل لكن حكمة أخرى تكون سبباً في لزوم الإتيان به وهو ظاهر فإن طلب الغريم وإن كان للفعل في وقت خاص لأن يقول اعطني قبل فراغ الأذان لا يريد فساد الفعل في غيره بل إن هذا لازم عليك لا قرينة الفعل وحصول مصلحة خاصة به وكذا في كثير من التكاليف الشرعية كإزالة النجاسة من المسجد ووجوب الحج ونحو ذلك مما لا يفوت بفوات الوقت و قد يتعلق على وجه تختص مصلحة الفعل به فالأمر في الوقت حامل لكل هذه الاحتمالات إلاّ أنه إذا تعلق أمر بالفعل في وقت لم يعلم حال الوقت الآخر منه فهو على الحرمة إن آل إلى التشريع والحكم بالقضاء لنفس الأمر هو الحكم بالأداء على قول إذْ لا يفوت الجنس بفوات النوع باطل وسيجيء إنشاء الله تعالى. نعم يظهر من تعلق الفعل بالوقت الخاص اختصاص مصلحة الفعل به وهو الظاهر من الإطلاق كما لا يخفى على المتدبر الخبير والله اعلم.


126

تذنيب

من أخر مع ظن الفوات أثم يقيناً فإن تمكن من الفعل وفعل فهو أداء على المشهور وقضاء عند القاضي وقول المشهور أحق أما دعوى التأثيم فقد أقمنا عليها البرهان بما لا نزيد عليه وقول المنكر لا وجه له، وأما الأداء فلأنه فعل في الوقت غاية ما هناك إنه تضيق باعتبار خوف الفوت و مظنة عدم الامتثال فإذا تمكن انكشف فساد الظن وظهر الحكم الواقعي ولا اعتبار للظاهر معه. ثم التضيق هنا لخارجي لا لاختصاص مصلحة الفعل بهذا الوقت فمن نذر أن يأتي بالفعل في جزء معين من الوقت لا يقتضي تأخير و القضاء وإن كان هذا باعتبار نفس الفعل إلاّ أن المصلحة منوطة بالظن فإذا فسد لغي وهو خارجي واعتقاد خروج الوقت ليس إلاّ كاعتقاد دخوله فمن اعتقد دخول الوقت وجب عليه الفعل باعتقاده ولا يجزي لو صدر منه باعتبار مخالفة الواقع وفساد المقتضي، ثم اقتضاء القاضي لازم على من اعتقد خروج صدق الوقت قبل دخوله وانكشف فساد ظنه وهو خلاف الإجماع، وأيضاً مناط الأداء الفعل فيما الزوال والغروب مثلاً كيفما تحقق، واللزوم لعارض لا يقتضي استثناء بعض أجزاء الوقت. وهذا الكلام كما يجري في الموسع المحدود ويجري فيما وقته العمر إذا أنهيناه إلى ظن الوفاء فلو مات فجأة لم يقض ولو ظن ففسد الظن كان إذا عندنا دون القاضي، ومنهم من حكم بالتأثيم هنا ولو مع الفجأة للزوم الفوات وأقول إن كان المستند في التأخير توسعه الشارع فلا إثم و إن كان باعتبار عدم التضييق فالعقل حاكم به على نحو ما مر نعم إذا منع التحديد بالظن كانت التوسعة أضيق لأنها تجد بحصول وصول التهاون عرفاً وهو قد يوافق الظن ويخالفه إلاّ أنه مع تأخر الظن فحكم بعضهم بالتأثيم مطلقاً لا وجه له.

أما القاضي فليس له مستند سوى ما يظهر من الفورية باعتبار الظن فيكون كتعين آخر وأحداث وقت ناسخ للأول وهو باطل لما أسلفناه في الواجب الكفائي.

اعلم أن غرض التكليف أما أن يتعلق بالفعل من دون تعين بل مراد المكلف إبراز ذلك الفعل كيفما تحقق وممن تحقق ومثل هذا كثير في الأوامر العرفية مثلاً إذا أمر الحاكم بعض رعيته بالدفاع عن أنفسهم إذا دهمهم عدو لا يريد به خروج كل من في البلد بل ما تتأتى به المصلحة وكذا إذا أمر السيد عبيده بالسقي أو إصلاح الدار وهو ظاهر إلاّ أنه قد تكون مصلحة الموجبة خاصة بفريق خاص من المكلفين أولاً، والأول كما في الجهاد حيث يأمر السيد به الرجال دون النساء والمبصرين دون غيرهم وقد لايكون كذلك كما في إنقاذ الغريق وإخراج الحريق وسواء أمكن صدوره عن كل فرد فيحصل الخطاب الأصلي أو لا بد من مجموع أما وكما في صور الجهالة وكالأمر بحمل التقبل وهو ظاهر وسواء أمكن اشتراك الكل فيه كأن يكون ذا أجزاء كما لو أمر جماعة بأداء مبلغ من الدراهم فيمكنهم الصحة بالسوية وإن يختص به واحد أولا.


127

ثم أما أن يكون فيه ترتيب كما في الأب العاجز مع تمكن الولد فإنه مع قيام الأجنبي يسقط عنه يقيناً مع أنه هو المقدم في توجه الخطاب، فهناك أمران متوجهان إليه فإذا ترك عوقب عقابان والباقي عقاب واحد فهو بمنزلة من نذر فعل الواجب الكفائي ولم يأت به أحد أو يكون بحيث يستوي فيه الكل بنسبة واحدة.

وجميع هذه الأقسام شائعة ذائعة في الأوامر المتداولة وفي كلام الشارع غير خفية أيضاً فإنه قد تقتضي أصل الفعل كما في الحرف والصناعات والعلوم ورفع شبه الضلال والقضاء ونحو ذلك فنسبة الكفائي إلى الفواعل كنسبة التخييري إلى الأفعال ونسبة الفعل إلى أجزاء الوقت في الواجب الموسع فكما أنه بطلب الفعل مع عدم تعين الزمان لوجود المصلحة حيثما تحقق الفعل وبطلب أحد الأفعال مع وجود المصلحة في جزء منها إذْ لا خصوصية لزمان دون زمان وفعل دون فعل. كذا يصح طلب الفعل مع التعرض لخصوص الفاعل مطلقاً أو من قيل خاص وهو ظاهر فإذا صدر من البعض سقط عن البعض الآخر إذْ المصلحة منوطة بنفس الفعل وقد تحقق وهو المأمور به فكيف مجزياً وهذا لا شبهة فيه .

إذا عرفت ذلك فنقول اختلف القوم في متعلق التكليف فقيل الجميع ويسقط بفعل البعض وإليه مال الجمهور وقيل بل بعض بهم. والحق هو الأول لنا إن الظاهر من الخطابات ذلك إذْ كل من يسمع أمر الناس أو أهل البلد بشيء يفهم توجه الأمر إليهم لا إلى بعض منهم وهو ظاهر من ملاحظة المقامات الآمرة به في التكليفات فإن السيد إذا أمر عبيده بإسقاء الماء وأهل بلده ببناء القصور لا يريد مباشرة الجميع للفعل ولا بعض خاص منهم بل أراد وجود الفعل وله أنحاء فتارة بفعل الجميع وتارة بفعل البعض دون البعض ولا تعرض له في خصوصية فاعل. نعم ليس الواجب على الجميع سوى إيجاد الفعل وليس هناك تعرض لأمر المباشر من كون الكل أو البعض ولا بعد في الوجوب على شخص مع فراغ ذمته لفعل غيره إذ المطلوب الفعل لا بشرط مباشرته ولهذا مقربات مثلاً أمر زيد ببيع شيء من أمواله لا يراد به مباشرته بنفسه بل به أو وكيله وإن كان هو الفعل والحاصل بأي نحو اتفق وكذا من استؤجر على عمل ولم يشرط علية المباشرة هو مكلف بالعمل وإن باشره غيره ولا استبعاد في ذلك. وكذا الأيدي المرتبة على يد الغاصب لا يجب أداء المغصوب على الجميع على معنى وقوع الأداء من الكل بل منهم عليه أن يؤدي ويجب عليه الرد فإذا تحقق سقط عن الآخر وإذا لم يتحقق وجب على الجميع وما نظرنا بأمر الحاكم بأداء مبلغ لأهل قرية إذا تركوا عاقبهم ولم يذمه العقلاء وإن أدى بعضهم سقط عن الباقين فلا يتوهم إن عدم المباشرة تقتضي بعدم الوجوب فإذا أثبت ظهور الأدلة بهذا مع عدم المانع العقلي ثبت المطلوب. هذا ولا يخفى عليك أن ممكن التوزيع أقرب إلى حسن الخطاب كما لا يخفى على الناظر.


128

ولنا أيضاً إن العقاب مع الترك إن وقع على الجميع فذاك دليل الوجوب على نحو ما ذكرنا وإن كان على البعض دون البعض فغير موافق لما ذكرنا وذلك إن حكمه صدور الفعل ومصلحته المقتضية للأمر به مشترك بين الكل إذْ لا أثر للخصوصية فعقاب البعض دون البعض استحقاقاً ترجيح بلا مرجح، وبتقرير آخر وهو التكليف بالشيء وإيجابه يستدعي مصلحة بل هو معلول لوجود المصلحة فإذا فرضناها مشتركة بين الجميع كان التكليف للجميع ودعوى الاختصاص بالبعض دون البعض خروج عن محل النزاع. وإذا وجب على البعض بغير بيان أمكن الكل الانصراف عن الفعل لحق الإجمال وعدم البيان و إن لزم منه فوات الفعل والعقل وإن اقضى مثل هذا الدفع احتمال الضرر إلاّ أن الشرع دفعه بدفع سببه إذ الحكم بالعفو مع البيان يدفع الاحتمال الموجب والإبهام في البعض لا يقضي إلاّ بالاحتمال إلاّ أن يقال إن هناك تكليفين واقعي للبعض وظاهري للجميع والعقاب إنما هو على الثاني أو إن هذا مخصوص ومخرج من تلك القاعدة.

ولنا أيضاً إن جماهير العلماء وأساطين الفضلاء بل أعوام المسلمين خلفاً بعد سلف لا يفهمون سوى ما ذكرنا كما لا يخفى على من فتح بصر الهداية وأغمض عين الغواية.

احتج الآخرون بوجوه

أولاً: أنه لا فرق بين الكفائي والتخييري فالأول في الفواعل كالثاني في الأفعال فكلما حكمنا بالبعض المبهم هناك فكذا هنا وعليه أو لا منع الأصل فإنا قد أفسدنا القول بالإيهام في التخييري وقد مر وعلى تقدير التسليم فذاك إنما يقتضي الجواز لاالوجوب فلو ورد دليل يعطي الإبهام في المخير على دعواكم لحكمنا به إلاّ أنه لم يرد بل هو نص أو ظاهر في خلافه وأيضاً فرق بين التخيير وقد مر وعلى تقدير التسليم فذاك إنما يقتضي الجواز لا الوجوب فلو ورد دليل يعطي الإبهام كما في المخير على دعواكم لحكمنا به إلاّ أنه لم يرد بل هو نص أو ظاهر في خلافه.

وأيضاً فرق بين التخييري والكفائي لأن الأول يتعلق بفعل مبهم يقوم غيره مقامه أو يتعين على الاحتمالين وهنا يترتب الثواب والعقاب ويقتضي عدم وقوع الواجب ولا بد له ودعوى بداية فعل الغير لا وجه له لأنه يرجع إلى شبه التخيير وهو لا يقول به ثم عليك بالتأمل فيما سقناه سابقاً من الأدلة على عدم إمكان الإبهام في المخير وقد أشبعنا القول بما لا مزيد عليه فتذكر.


129

ثانياً: فهم إن الواجب ما يذم على تركه ولا ذم على التارك مع فعل البعض فيكون غير واجب عليه؟ وجوابه إنه واجب عليه وسقط بفعل البعض لسبقه عليه ولايزيد هذا على المعين مع سبق الفاعل وقد ذكرنا لذلك لمثله ونظائر فتذكر.

ثالثاً: لو كان واجباً لما سقط بفعل الغير لكنه سقط؟ وجوابه إن ذاك حيث تختص المصلحة وتقصر على فعله أما مع حصولها بفعل غيره فلا وهو ظاهر مما تقدم.

تنبيهات

(1) أنه لا كلام في أن السقوط عن المكلفين يتحقق بتمام الفعل على وجه الصحة إذا صدر من بعض مع علم الآخر بذلك يقيناً سقوطاً واقعياً أما مع عدمه فلا يخلو أما أن يقطع بعدم القيام أو يتوهمه ومع القيام فأما أن يعلم الفراغ أو يظنه أو يتوهم كذلك. وكشف المقام إن السقوط أما إن يتعلق بالحكم الظاهري أعني التي تدور معه المثوبة والعقوبة أو الواقعي المنوط بالمصلحة والمفسدة والذي أرى أن السقوط الظاهري يتحقق مع علم القيام وظنه مع ظن التمام أما مع الشك أو الوهم فهو مكلف معاقب على الفعل.

بل الظاهر أن المظنة لا تغير مطلقاً بل إذا كانت بحيث تقول النفس عليها وتطمئن بها وكذا لا بد من العلم بالتمام أو ظنه مظنة قوية فلو علم أو ظن أو شك في تأخيره عن الفعل لم يجز له والتعويل على الأصل في مثل هذا استصحاباً لحالة الفاعل لا يخلو من نظر هذا كله إذا لم نقل بالتعين على الشارع بشروعه وسيجيء الكلام فيه إنشاء الله تعالى.

أما الفراغ الواقعي فموقوف على حصول الفعل واقعاً فلو انكشف فساد ظن الفعل أو علمه رجع واجباً وليس حكمه حكم الواجب المشروط بالنظر إلى الظن بل الظن إنما أخذ دليلاً على الواقع وإنما يقضي بالعذر فعلى هذا لو ظن الجميع الفعل لم يعاقب أحد عليه حال العدم أو البعض عوقب الآخر وكذا ظن العدم والحاصل هو منوط بالمظنة حيث ما كانت.

(2) إن الشروع بالفعل هل يقتضي التعين أو لا فعلى الأول يسقط عن المكلفين لمجرد الشروع إلاّ إذا علم العدم فيعود فيكون كالواجب المرتب وعلى الثاني يتأخر إلى الفراغ، وكشف الحال إن العمل أما أن يكون مما يحرم قطعه كالصلاة ونحوها أو لا وعلى الفراغ وكشف الحال إن العمل أما أن يكون مما يحرم قطعه أو لا وعلى الأول فأما أن يكون مما يصح فيه التلفيق من فاعلين أو فواعل كحفر القبر مثلاً أو لا كالصلاة. وعلى كل حال فأما أن يكون القطع اختيارياً أو لا ولا كلام في أن محرم القطع والتلفيق يلزم لا لوجوبه الكفائي بل في حد نفسه أما بالنظر إلى وجوبه فيلحقه الحكم الآتي وأما في غيره فإن ظهر تمكن ذلك الفاعل لعجز في الأثناء فقد انكشف عدم اشتغاله أو عدم دخوله في أصل التكليف على تقدير آخر وإن لم يكن كذلك فإن كان فورياً ولا يمكن التلفيق فيه حرم القطع وإلا جاز.


130

وعلى هذا فهل يعود إلى الحكم السالف من الوجوب على الجميع أو لا والحق الذي لا شبهة فيه والظاهر عندي هو الأول لأن عدم الإلزام على المكلفين إنما هو لقيام البعض به فلما رجع بطل الحكم ثم الحق عندي إنه لا يرتفع حكمه السالف بمجرد الشغل والدخول فيه للبعض بل على فراغ ذمم الباقين إنما تحصل بتمام العمل.

نعم قد يرتفع عنهم فيما إذا ضاق الوقت عن الفعل وقد شرع البعض فيه حتى بلغ النصف ولو رجع إلى الأول لفات وكان مما يتعذر فيه التلفيق لغيره عليه ومع إمكان التلفيق قد يتخيل أيضاً لأن النصف لم يتعلق به طلب والمطلوب كفاية تمام الفعل فالتكليف بالنصف تكليف آخر وفيه ما فيه فثمرة الدخول في غير ما أستثني تحقق فراغ الذمة ظاهراً مع ظن التمام أو شكه إن أثر الأصل والمقام محل تأمل فلا تغفل.

(3) إن كلاً من تمام الفعل أو ظن القيام به إن كان من عدل فلا كلام فيه وكذا إن كان من فاسق مع أن الفعل مما تظهر شرائطه وموانعه ولا كلام أيضاً إذا لم يكن للنية مدخل فيه ولا يتوقف على ما يتوقف على أمر خفي أما ما كان متوقفاً كذلك فهل يكتفي بقول الفاسق فيه وكذا في الصورة الأولى مع عدم الإطلاع على الصدق والكذب أو لا؟ ومحصل الكلام إن الفاسق أما أن يدعي أصل الفعل ولا نعلمه أو يدعي صحته مع العلم بأصله وفي الثاني إن قامت عليه قرائن الصدق أما لحق الإطلاع كما في ذوي الشرائط الظاهرة أو لعدم حصول مصلحة فيه له مثلاً. وكذا الأول فلا كلام فيه فيحتمل التعويل على قوله فيهما لظهور صدقه ولإسلامه واشتراكه في التكليف وعدم قبوله فيهما، لأن الشارع ألغى خبره إلا في حق نفسه ودفع الشغل عنا راجع إلينا ويحتمل الفرق بين دعوى الأصل ودعوى الصحة فيقبل الثاني دون الأول وهذا هو الذي يقوى في نفسي إذْ الصحة في صفة ثابتة يقيناً دون الفعل والشك في مثله كافٍ والقبول مطلقاً لا يخلو من قوة لاشتراكه في التكليف فتأمل.


131

(4) إذا استؤجر على فعل كفائي لزم على الأجير وكذا في الجعالة ونحوها إلاّ أن لزومه لعارض وليس لحق الفعل ذلك فلا يسقط عن المستأجر ولا عن غيره بمجرد الاستئجار نعم إن كان الأجير ممن يدخل تحت الخطاب وجوزنا استئجاره لزم عليه عيناً بالعارض واشترك معهم في الحكم لحق الأصل وإن خارجاً عن أصل الخطاب توجه إليه الخطاب العارض فقط كما لو استأجر نساءً للجهاد مع حصول المصلحة بهن فعليهن الوجوب العارض فقط.

(5) لا كلام في أن الفعل إذا تعذر من بعض المكلفين عقلاً وجب على الباقين فقط وكذا مع تعذره شرعاً لفقد الشرائط أما مع معارضة واجب آخر مضيق فهل يسقط عن الكفائي مطلقاً لأن ذمته غير قابلة للاشتغال بغير المضيق أو لا بل يدخل في التكليف إذا لم يفعل؟ الحق هو الثاني وقد تبنى المسألة على حكم النهي عن الضد قد يطلق على وجه أو بفصل بين والمعاملة على آخر فتفكر.

(1) سقط في العبارة.

في مقدمة الواجب المطلق

هذا رابع العناوين الأصولية فإن منهم من أطلق الواجب ومنهم من اعتبر قيد الإطلاق فقط ومنهم من اعتبر المقدور فقط ومنهم من اعتبرهما ومنهم من لم يعتبر شيئاً منهما. وقد اخترت هذا لما سيظهر لك إنشاء الله تعالى هذا وقد وقع للفضلاء اختلاف عظيم واضطراب كلي جسيم وخلط في محل النزاع وتباعد في فهم الموضوع يحيل الاجتماع و ها أنا أبين ذلك كله إنشاء الله تعالى على وجه يكشف الحجاب ويزيد عنك الزيغ والارتياب وينحصر البحث في مقامات.

المقام الأول: في تحقيق معنى المقدمة وبيان المراد منها

اعلم أن الشيئين أما أن لا يكون بينهما ارتباط اقتضائي في الوجود ولا العدم فيوجد أحدهما مع عموم الآخر ويعدم مع وجوده أو يرتبطا وجوداً أو عدماً فيلزم من الوجود الوجود والعدم العدم وذاك هو العلة والمعلول ويطلق عليه اسم السبب والمسبب وقد يطلق السبب على الجزء الأخير من العلة سواء كان منحصراً فيدخل تحت تعريف السبب وقد يكون للسبب فردان أحدهما تمام ما يتوقف عليه الشيء يعني مجموع الشرائط والمقتضيات والآخر آخرها أو غير منحصر كالجزء الأخير من أجزاء المسافة الموصلة إلى مكان ذي طرق وهذا مباين للمعنى الأول في خصوص هذا الإطلاق وأعم منه من وجه في الحقيقة وقد يكون بينهما ارتباط الوجود فقط أي يتوقف الوجود على الوجود ويرتبط به دون العدمين وهذا هو العلة الوجودية. وذاك فيما إذا كان للشيء أسباب مجتمعة كل منها لو انفرد لاستقل بالاقتضاء فكل واحدة علة وجود به والمفهوم المردد علة حكمية وتمحل اجتماع العلل إنما هو في العلل الفاعلية وقد يكون بينهما ارتباط العدمين فقط بمعنى إن أحد العدمين مقتضٍ للآخر دون الوجودين وهذا هو الشرط الحكمي وقد يرتبط العدم بمثله ارتباطاً بدلياً بمعنى إن عدم هذا بعد عدم آخر ملزوم للعدد وهذا هو الشرط الناقص ونسبته إلى الأول كنسبة العلة الثانية إلى الأولى ونقصانه كنقصانها وهذا إن كان ارتباطه مستنداً إلى العقل يسمى شرطاً عقلياً كما في نصب السلم لصعود السطح، أو إلى الشرع يسمى شرعياً وقد يطلق عليه المقتضى إذا كان باعثاً فيقابل المانع وقد يتوقف الوجود على العدم فوجود أحد الشيئين مانع من الآخر ويسمى المعدوم مانعاً وعدمه ارتفاع مانع وقد يتوقف العدم على الوجود ومن هنا يسمى بالمانع التام ويقابل تلك المقابلة في العلل والشروط.


132

هذا بالنظر إلى الاقتضاء وأما في استلزام الصدق فمستلزم الوجهين مساوٍ ومستلزم العدم فقط أعم أو الوجود فقط أخص وغير المستلزم أعم من وجه ومستلزم الوجود العدم المباين الخاص وهو الضد مثلاً ومستلزم العدم الوجود المباين المساوي للنقيض هذا إذا كان بين الشيئين ارتباط واستدعاء. وقد يكون بين الشيئين ارتباط اتفاقي على النحو المذكور لا اقتضائي وليس داخل تحت تلك العناوين كالقرب من جبل أبي قبيس للحاج ورؤية الخلائق له مثلاً ويجري فيه التقسيم السابق والتفصيل الماضي وقد يكون الارتباط ليس بمحض الاتفاق بل لاشتراك كل منهما في علة فيستحيل انفكاك أحدها عن الآخر إذا عرفت هذا فنقول لا كلام في دخول السبب بمعنييه بل الأخير بقسميه.

وكذا الشرائط بقسميها أعني المعين منهما والمخير فيهما إلاّ أن الوجوب فيهما بناءً على تحققه لمحقه وصفهما فمخيرهما وجوبه تخييري ومعينهما تعييني وكذا المقتضيات أيضاً وهي نوع خاص من الشرائط فإنها أما مقتضيات أو مقربات والأول كإرادة المكلف واستدعاء المولى ونحو ذلك والثاني كقطع بعض المسافة وهو ظاهر وهذا كما يجري في العقلية يجري في الشرعية أيضاً كالطهارة وربما يرجع بنوع من الاعتبار إلى الأول وهذه كلها داخلة في العنوان يقيناً.

كما إن التابع اتفاقاً أو لزوماً لا بجهة الاستدعاء لا ينبغي أن يشك في خروجه عن العنوان نعم يبقى الكلام في ارتفاع المانع بقسميه هل هو داخل في الموضوع ويجري فيه الخلاف أو لا؟ ويقوي الأول إطلاق كلماتهم من أن المقدمة ما يتوقف عليها الشيء والثاني بعد اعتباره، وكيف ما كان فالذي عندي خروجه فإذا حكمت على المقدمة بحكم فلا يدخل تحته وإن كان دخوله في كلامهم يظهر من سوق أدلتهم إلاّ أني سأضرب عنها فلا يلزمني لازمها فلا تغفل.

المقام الثاني: في تحقيق الوجوب المطلق المأخوذ في ذي المقدمة

اعلم أن أخذ الوجوب في كلامنا لذي المقدمة ليس لعدم سراية الأحكام الشرعية إليها مما يتوقف عليه إلاّ وجوب الواجب بل الظاهر عندي إنه يتوقف في المندوب بذلك النحو فندبية الفعل تقتضي ندبية مقدماته بما يثبت وجوب مقدمة الواجب وإن كان بعض أدلتهم لا يخلو جريانها من نظر بل مقدمة المباح أيضاً كذلك نعم الحق عندنا عدم سريان وصف التحريم والكراهة إلى المقدمة وسنبين لك ذلك اللواحق المذكورة في ذيل البحث إنشاء الله تعالى. لكنهم لما عد مبحث الأمر ببحث المقدمة هو لأن عندهم أنه دال على الوجوب خصوا البحث في الواجب.


133

ثم ينبغي أن يعلم أن الوجوب منه ما هو تبعي مصلحته التوصل إلى الغير ومنه ما هو أصلي يتعلق الغرض بحصوله سواء كان غير مصلحة المكلف أو تترتب عليه ترتب الغاية وقد يجتمع الأمران كالمعارف الخمس فإنها مطلوبة لهويتها ولتوقف العبادات عليها. والمراد من الوجوب المدعى في المقدمة هو الأول، ثم المقدمة قد تكون مقدمة وجود بمعنى إن وجود المكلف به موقوف عليها فلابد من إيجادها فوجوبه سابق على وجودها إذا لم تكن موجودة ويسمى الموقوف عليها واجباً مطلقاً أي لايتوقف وجوبه على وجودها بل واجب مطلقاً وجدت أو عدمت، وقد تكون مقدمة وجوب يتوقف وجوب الواجب على حصولها ولا يجب عليه تحصيلها كما في وجوب الزكاة فإنه موقوف على حصول النصاب والحج موقوف على الاستطاعة وقد يجتمع الإطلاق ومقابله من وجهين كما في مناوله الفقير واجب الزكاة وإخراج الحق في الزكاة وكذا ركوب الراحلة وتحميل الزاد ونحو ذلك بل هذا جاري في جميع الأفعال لأنها مشترطة القدرة فعلى هذا يكون معنى الوجوب المطلق الوجوب بشرط عدم التقييد فيكون النزاع في أن مقدمة الوجود مع العلم بأنها كذلك هل هي واجبة أولا، وقد يراد بالواجب المطلق الواجب مطلقاً أي الذي دل عليه أمر لم يعتد بقيد ظاهر أو يقابله ما قيد بقيد ظاهرا ويكون النزاع في أن معدوم القيد ظاهراً هل يحمل على معدومة واقعاً فيكون الخلو اللفظي دليلاً على الخلو الأصلي أو لا بل يبقى مجملاً محتملاً لهما حتى تدل قرينة معينة ويكون صور الأمر على هذا ثلاثة:

الأول: الأمر بشرط شيء.

الثاني: لا بشرط.

الثالث: ما لم يتعرض فيه لشيء منهما.

والكلام في الأخير هل يبنى على الثاني أو يبقى محتملاً وهذا هو الذي عنون المرتضى به المسألة فإنه قال في أثناء الاحتجاج ومما يوضح ذلك إن الأمر ورد في الشريعة على ضربين:

الأول: يقتضي وجوب الفعل دون مقدماته كالزكاة والحج.

الثاني: يجب فيه مقدمات الفعل كالوضوء ونحوه.

وإذ انقسم الأمر إلى قسمين فكيف تجعلهما قسماً واحداً، وكذا كلامه في الثاني في نقض استدلال المعتزلة على وجوب نصب الأمام على الرغبة بأن إقامة الحدود واجبة وهي موقوفة على الإمام فيجب نصبه قضاء المقدمة وحاصل ما ردهم به إن الواجب ينقسم إلى قسمين على نحو ما ذكر في الذريعة فكلامه صريح في إرادة المعنى الثاني وقد بني فيه على التفصيل في السبب وغيره فإنه حكم بتمحل جعل السبب عن مقدمات الوجوب فلا يبقى احتمال في الأمر بخلاف غيره فقوله غير منافٍ للقول بوجوب الشرائط وغيرها من المقدمات لما علم الإطلاق فيه وهو رحمه الله في هذه المسألة جرى على عادته المعلومة من أن ورود اللفظ على وجهين قاضٍ بإجماله حتى يجيء الصارف.


134

ونحن نمنع الأصل والفرع فإنا لا نرتاب في أن كل من سمع أمراً بناه على الإطلاق ولا يحمله على التقييد حتى يجيء برهان قاطع وهذا ظاهر من المقامات والمخاطبات كما لا يخفى. وقد اتضح لك أن اعتبار الإطلاق في ذي المقدمة للاحتراز عن المقيد وهو وإن لم حال عدمها تحت الوجوب الواقعي لكن الغرض أنه إذا صدر أمراً من الشارع بالمقيد فالمراد بعد حصول القيد.

فالثمرة في ظاهر الأمر لا حقيقة أو يراد إن المقدمة الوجوبية وإن لم يخاطب بها تنجيزاً إلاّ أنه قد خوطب به تعليقاً فهو واجب من دون المقدمة أو المراد بالواجب الواجب في الجملة وعلى كل حال فثمرة القيد ظاهرة فلا يرد اعتراض بعض الأفاضل رحمه الله تعالى بأن هذا القيد غير لاغٍ إذْ فيه كمال الغرض ومعظم المصلحة كما تبين.

نعم اشتراط القدرة وأخذها قيداً كما قيل الأمر بالشيء يقتضي إيجاب مقدماته بشرطين القدرة وإطلاق الأمر الفائدة فيه كلية نعم هو تنبيه وإعلام وهذا من فوائد القيود المقيد.

المقام الثالث: في تحقيق المراد من الوجوب فيها

اعلم أن الوجوب في هذا المقام قد يراد به اللزوم واللابدية فمعنى وجوب المقدمة لابد فيها في حصول المأمورية وهذا لا ينبغي أن يشك فيه عاقل إذ لا كلام في أن المقدمة ما يتوقف على الشيء فلو أمكن وجوده من دونها لم تكن مقدمة وهو تهافت، وقد يراد من الواجب فيها ما يستحق عليها الثواب ويكون النزاع في أن مقدمة الواجب هل يلحقها وجوب كوجوب الموقوف عليها فيثاب على فعلها ويعاقب على تركها على حد الواجبات الأصلية أو لا.

أما اللابدية فلا كلام فيها وهذا محصل ما ذكره بعض الأفاضل وهو مردود إذْ لم نعلم أن أحداً ذهب إلى أن وجوب المقدمة أصلي أو أصلي شبه الأصلي في ترتيب المثوبة والعقوبة بل الظاهر منهم الاتفاق على زمن ترك الحج أو الجهاد لا يعاقب على عدم خروجه من داره وعدم قطع كل جزء من أجزاء المسافة إلاّ في بعض الواجبات المنصوص على حصول الثواب على مقدماتها كما في قضية الخطأ في كثير من طرق الطاعات فتنزيل محل البحث على هذا ظاهر البطلان وقد يراد به الوجوب العقلي الكاشف عن الوجوب الشرعي يعني إن العقل أوجبها وكل ما أوجبه العقل أوجبه الشرع على ما تقرر في مباحث الحسن والقبح العقليين وهذا غير اللابدية ظاهراً إذ على هذا التقدير ينكشف الوجوب الشرعي أما على الأول فلا وعليه أنك إن أردت بالوجوب العقلي اللابدية العقلية وهي مقتضية للابدية الشرعية وإلا خرج الواجب عن كونه واجباً فهو رجوع إلى الأول، وإن عنيت الوجوب الأصلي ورد المنع ظاهراً مع أن هذا خلاف ظاهر كلامهم أيضاً، والحق أن يحصر محل النزاع الوجوب الشرعي ويكون البحث في أن الأمر بالفعل هل يقتضي الأمر بالمقدمات أو لا، فيكون الكلام في الاقتضاء الشرعي وهذا لا يلازم ترتب المثوبة أو العقوبة إذْ هي من فروع الأساس الأصلية لزوماً وربما في التبعية باعتبار الدليل إلاّ بطريق اللزوم وهو ظاهر.


135

وأعلم أنه ربما أُوّلَ بعضهم جعل النزاع لفظياً بأن مراد المثبتين اللابدية والنافين أما المثوبة ومقابلها أو المطلوبية أنه لا وجه له فإن المثبتين ينفون على المطلوبية والنافين عليها أيضاً.

المقام الرابع: في تحقيق الاقتضاء

اعلم أن الاقتضاء قد يكون لفظياً مطابقياً أو تضميناً التزامياً أما الأول والثاني فظاهر وأما الثالث فقد يكون للزوم معنى اللفظ وهذا هو المعروف في معنى الالتزام وقد يكون باعتبار القصد وذلك بأن يدل اللفظ على قصد معناه وبذلك القصد يهتدي إلى قصد آخر وهو بالنظر إلى المعنى وهذا كثير في المقامات الخطابية كما في الأمر بستر الوجه الدالة على النهي عن التهتك والأمر بتغميض العين الدال على إرادة عدم الإطلاع والعلم ونحو ذلك، وجميع الكنايات من هذا القبيل وإن كان لها منشأ آخر وهذا حاله في المدلية حال الأول فإن من هذه الألفاظ اهتدى إلى القصد المقارن للنطق وهذه الدلالة تابعة ومتفرعة عليه ولو بوسط، والحاصل أمثال هذه الأشياء غير خفية على الناظر المتأمل، وقد تكون اقتضائية وإن لم تدخل تحت القصد كما في الخاص الوارد مع العام من شخص ولو اشتبه قصد العموم فإن الخاص وإن صدر حال غيبة العام عنه فهو خالٍ عن القصد. إلاّ أنك إذا ألفت وجمعت تبينت أن المراد الخاص فهو محصل من نفس اللفظ وقد يكون الاقتضاء خالياً بعد التنبه بمعنى أنه أذنبه وسأل المتكلم هل أردت هذا بانت إرادته وهذا كما في جري الحكم من المرجوح إلى المرجح أو المساوي فإنه وإن لم يخطر بباله حين النطق لكنه لو نبه لظهرت إرادته لا حين النطق كما في السابق. وأكثر أفراد الأولوية وجميع أفراد التنقيح من هذا القبيل وهذا أيضاً في الحقيقة قسمان أما أن يكون بحيث يجب على المتكلم قصده عند العلم به أو لا والقسم الأول لا يصدر ممن يعلم الغيوب إلاّ وجميع تلك التوابع داخلة في قصد نعم صدورها من غيره لا يجامع الأمرين وهو ظاهر بخلاف الثاني.

فالاقتضاء أما بمعنى الاستدعاء أو بمعنى الدلالة المستفادة من قصد المعنى وهو تابع له والأخير هو الظاهر وإن ساوى الأول في الثمرة. إذا تمهد هذا فنقول اختلف الأصوليون في هذا المطلب اختلافاً عظيماً وعلى أقوال شتى فمنهم من قال إن الأمر بالشيء يقتضي إيجاب مقدماته على اختلاف في معنى الوجوب وهذا في الحقيقة ينحل إلى أقوال تتبع معنى الوجوب وقد مر من غير فرق بين السبب وغيره أو الشرط الشرعي وغيره وقيل بخصوص السبب وإليه مال علم الهدى على ما نقل عنه وجمهور الواقفية ونقل عن ابن زهرة والقاضي ابن البراج وقيل بخصوص الشرط الشرعي دون غيره وإليه ذهب الحاجبي وربما قيل بعدم الوجوب مطلقاً ولم يستدعي في كلام القدماء إلى قائل سوى ظاهر كلام المنتهى على ما نقل لكن يظهر من بعض المتأخرين الميل إليه والمختار عندي هو الأول على تفصيل سيأتي.


136

ولابد أن نضع لإثبات المذهب المختار مقدمة وهي إن استفادتها أما بالاستقلال أو بالتبع، مثلاً نحن لا نرتاب في أن بيع الدار يدخل فيها أبعاضها أصالة كالجدار والسقف ونحوهما بخلاف الأشياء المثبتة فيها من الود ونحوه فإنه يدخل فيها تبعاً وكذا توابع الملك من المياه الجارية تحت الأرض فإنها وإن لم تدخل صريح اللفظ إلاّ أنها تتبعها عرفاً وهذا بعينه جارٍ في الأوامر فإن منها ما هو أصلي ومنها ما هو تبعي. فالأمر بالمقدمات وإن لم يكن مستفادة بالأصالة لكنه يتبع الأمر بذي المقدمة مثلاً تناف القلم وقبض القرطاس والنظر إلى موضع الكتابة يتبع الأمر بالكتابة إلاّ أنه داخل تحت صريح اللفظ فإن أريد الأمر بالمقدمة قصدها فعلاً لا بعد التنبيه اختص ذلك المقدمات القريبة دون البعيدة إذْ يجري في الكل إذا صار الأمر صادراً ممن لايغيب عنه شيء فالأوامر القرآنية أو يكون المراد الأمر بما يتوقف عليه الواجب إجمالاً بمعنى اكتب مع الأصل حصل بما يتوقف عليه الكتابة.

نعم بعض جزئياته تدرك تفصيلاً لقربها أو لظهور التوقف عليها فالمأمورية من المقدمة قسمان مع اختلاف المدرك وإن اقتضاء معنى الأمر ولو بعد التنبيه جرى الكل من غير تفرقة بل ربما سرى إلى ارتفاع المانع أيضاً لكن المعنى الأول فيه بعيد كل البعد واستفادة الأوامر التبعية معلومة لكل عاقل فإن من اعتذر عند الأمر بعدم القلم أو السكين لا يقبل السيد عذره أمراً له بالإتيان بل يعلم يقيناً أن هذا ليس أمراً جديداً بل محصل من أن أمر الفعل فكان كلاً من الأمرين جعلاً بجعل واحد فهو من قبيل ما إتحد فيه الوجود وتعدد الوجود حتى إنه بمنزلة ما يتحلل إلى أوامر عديدة من غير حاجة إلى أوامر جديدة .

فالحاصل إن من المقدمات ما يفهم تفصيلاً ومنها ما يفهم إجمالاً بالنظر إلى بعض دون آخر ومنها ما لنا تأمل في فهمه بكلا الوجهين ولعل هذا الذي تعمده بعض الأفاضل حيث قال السيد لعبده اكتب فهم الأمر بالقلم ولو أراد الدلالة الأصلية المستندة إلى حق اللفظ لاح الغبار على كلامه.


137

فبعد هذا التمهيد ظهر لك حقيقة القول بالوجوب في المقدمة مطلقاً لا بمعنى الثواب والعقاب فإنه غير لازم وقد أبنت فساده ولا بمعنى اللابدية فإنها إجماعية ولا العقلي بل الشرعي على نحو ما مر وكذا ليست الدلالة لفظية مستفادة من نفس اللفظ أصالة بل لأعراض على ما ذكرنا والمدرك في ذلك كله ما ذكرته مفصلاً.

وبعد لا يبعد تحقيق الإجماع على الدعوى إذْ حكم الحاجبي غير قادح لتأخره عن الزمان السابق ويكفي تحقق الإجماع فيه مع أنه لا يبعد أن يريد عدم الأمر صريحاً أو شبه الصريح إلاّ في الشرط الشرعي فلا يكون خارجاً عن الأقوال.

وأما المرتضى نور الله مرقده فالظاهر منه على ما سلف البحث في أن غير معلوم الإطلاق هل ينزل أو يبقى محتملاً بل متأخر وفضلائنا إذا نقلوا دعواه أوردوا الدليل الذي أخذناه شاهداً على قصده وأوردوا عليه إن غير الدعوى ولا ينطبق على أهل النزاع فلم نعلم بأنهم أطلقوا على تصريح له في محل آخر أو إنهم نزلوا الإطلاق في كلامه على مذاقهم فأوردوا الإشكال ويكون من شأنه اختلاط الموضوع وجعل علم الهدى بصدد إثبات دعويين :أحدهما التي يبنى عليها رد المعتزلة والثانية هي المذكورة في كتب الأصول بعيد من كلامه وعلى تقدير صحته فهو تقرير احتمال فلايثبت قولاً. والرواية عن السيد ابن زهرة وابن البراج ليست مستندة إلى أحد ولم نعثر عليها مروية من معتمد ومن نقلها على أن اتفاق أقل من هذا الجم الغفير يحصل المظنة الغالبة التي تزيد على مظنة الغالبة التي تزيد على مظنة خبر الثقة العدل مع أن المسألة من الموضوع وفي هذين نظر لا يخفى على المتأمل، والله الموفق.

حجة موافقينا وجوه

الوجه الأول: المشروط ينتفي بانتفاء شرطه

لو لم يجب لزم أحد الأمرين أما تكليف ما لا يطاق أو خروج الواجب المطلق عن كونه واجباً والتالي بقسميه باطل فالمقدم مثله، بيان الشرطية أنه لو أباح ترك الشرط لكان للمكلف من غير منع فعلى تقديره أما أن يكون مكلفاً بالفعل أو لا.


138

فإن كان الأول لزم تكليف ما لا يطاق فإن وقوع المشروط حال عدم الشرط محال وإن كان الثاني لزم الخروج عن الوجوب وهو خلف وبطلان كلا القسمين في ترديد الثاني ظاهر أما الأول فبالعقل وأما الثاني فبالفرض. أقول عليه (أولاً) إنا نمنع الملازمة وما ذكره في إثباتها من أنه لو أباح ترك الشرط لكان جائزاً للمكلف إن عنى به إنه إذا أخر وتعذر الإتيان به لضيق وقت الفعل لزم أحد المحذورين فعليه إن هذا الامتناع مستند إلى سبب اختياري ويكون كالاختياري فإن الامتناع المستند إلى أمر اختياري كامتناع الخروج عن البئر المغصوبة لا يدافع التكليف وكإخراج العورة عن فرج الزانية ونحو ذلك. نعم قد يمتنع في ذلك الخطاب لقبحه لا التكليف والمدعي هو الثاني وإن أراد لزوم ذلك مع جواز عدم الإتيان بالشرط ولو بقى الوقت إذْ يلزم منه التكليف حال العدم أو عدم التكليف وهما ما ذكر من المحذور فعليه ظهور الفرق بين التكليف بشرط الوضوء وبين التكليف ما دام الوصف فإن أردت لزوم التكليف بشرط العدم فهو باطل ولا يلزم منا القول به وإن أردت لزومه حال العدم قلنا به ولا يلزم محذور إذْ على المكلف أن يأتي به قبل الفعل وإمكانه محقق وهو كافٍ في التكليف لما يتوقف عليه.

وبتقرير آخر إن أردت بعدم الوجوب الذي رتبت عليه ما رتبت عدم اللابدية فيبطل فتتحقق اللابدية قلنا به لأنا متفقون على الوجوب وهو غير المدعي وإن عنيت به عدم المطلوبية الشرعية كما هو المدعى فلا يتفرع عليه بطلان إذْ لا دخل للإيجاب الشارع وعدمه في تحقق الإمكان وعدمه بل قد يقال إن الدليل لو تم لدل على لزوم كون مقدمات الواجبات لابدية الوقوع بتمامها لأنه حيث ما يجوز تركها عقلاً. ويفرض لزم المحذور، فهذا الإشكال وارد عليك بعينه ولا ينفعك تحقق الوجوب الشرعي لأنه إذا ترك مقدمه مقصراً فيتركها إن عوقب بعده على التقصير الأول في المقدمة فلا عدل وإلا فلا عقاب وأكملية التقصير لا دخل لها ويلزم عدم العقاب على ترك الواجبات بل فعل المعاصي إذْ غاية ما يلزم العقاب على نفس المقدمات وأما غيرها فلا والاعتذار بالاختيار هو اختيارنا. ثم غاية ما يلزم من دليلك لزوم إيجاب الشارع تصريحاً أو ضمناً أو واقعاً والمدعي أحد الأمرين السابقين ومع اقتضاء دليلك لزوم التصريح فليكن آخر ويندفع القبح المدعي إذْ غاية ما لزم من الدليل لزوم التكليف الشرعي لدفع المحذور وهذا يحصل بدلالة أمر ذي المقدمة وغيره ولعل الأوامر الصريحة أبعد عن المحذور كما لا يخفى.


139

ثم ما أخذته في بيان الشرطية منه ثم إن الشارع لو أباح ترك الشرط إلى آخره مردود فإن عدم إيجاب الشرط لا يقتضي إباحة تركه. وكشف الحال إن هناك حكمين أحدهما نفس أمري وثانيهما ظاهري وأحدهما يلازم الآخر فالإيجاب للنفس الأمري يقارن الظاهري ويفارقه والمدعي هنا الوجوب المحصل من اللفظ وعدمه لا يقضي بعدم ما في نفس الأمر ثم ما في نفس الأمر أما أن يكون طلباً فتكون المقدمة مطلوبة مراده إن قلنا بالوجوب فيها، ويتفرع على هذا ما يتفرع على المطلوب من الأحكام وعلماً بأنها لابد منها لغرض التوصل ولو قبح طلبها والخطاب ولو واقعاً وهو غير اللابدية للغير. وهذا يستلزم الإباحة النفسية وإن قارن لزوماً غيرياً إذْ كل الإباحة النفسية لا تزاحم بل اللزوم الغيري لايزاحم الحرمة ولكراهة النفس الآمرين بالإباحة إن كان هذا المعنى وإن قبح التصريح به بل لا يقبح أيضاً فلا كلام فيه وإن أريد المعنى الآخر أعني مباح متساوي الطرفين من كل وجه فغيري لازم. ولعل المعنى من الإباحة في كلامهم هو المعنى الأول فلا يرد محذور لكن هذا الدليل مع كونه إنما يتمشى على مذهب العدلية مع فرض صحته لا يلزم منه إيجاب المقدمة مع علم الأمر بصدورها منه قبل وقت العمل اتفاقاً وكون الإمكان النفسي قاضياً بالقبح للماضي لا يخلو عن نظر.

ثم على ما ادعيناه من دلالة صريح الأمر على الأمر بالمقدمة يقتضي دلالته ولو وجبت واقعاً ولا يبعد القول به بعد الإطلاع على الوجوب إلا أن يكون ذلك قرينة لعدم الفرق بين الوجوب النفسي والغيري في قبح التكليف بالواجب في نفسه ووحدة الجعل المحصل للدلالة يختص بعدم القرينة وعلى هذا فلا دليل على تمام الدعوى إذ غاية ما يلزم منه وجوب غير الحاصل والواجب ولو واقعاً مع عدم العلم وهذا غير ما ذكرناه من العموم فتدبر.

وقد يقال إن هذا الدليل إنما أورده من اختلط موضوع البحث عليه حيث إن الوجوب على ما ذكرت قد يراد اللابدية أو المطلوبية علة نحو ما مر والذي ينطبق عليه الدليل إثبات الوجوب بمعنى اللابدية إذْ لزوم عدم وجوب الواجب أو تكليف ما لايطاق حيث تنتفي ظاهرا إذْ لابدية الغير تتبع حال الغير فترتفع بارتفاع لزومه وكذا عدم اللابدية إنما يتحقق حيث التكليف بذي المقدمة ولو تمحل وهو يلازم تكليف ما لا يطاق.


140

أقول كان قدماء أصحابنا رحمهم الله تعالى راموا ما رمنا وحاموا حول ما حمنا فلم يعثر بعض المتأخرين على مرامهم ولم يهتدوا إليه بدقيق أفهامهم وتطبيقه على ما ذكرنا إنهم أسقطوا مقدمة ادعوا ظهورها وأبقوا أخرى لخفائها وتقرير أصل الحجة إن المقدمة أمر لابد منه في تحصيل الواجب وكلما هو كذلك فهو مطلوب بما دل على طلب الواجب فوضعوا الأخيرة وبرهنوا عليها بما برهنوا إذْ المعنى بالوجوب في كلامهم هو المطلوبة. والدليل إنما ينطبق على الأولى وأورده على الثانية لظهورها عندهم بعد فرض الأولى فما دل على الأولى يدل عليها فالثانية بعد فرض الأولى عندهم غنية عن الدليل فاكتفوا بما دل على الأولى وطبقوه على لازمها وليس عليهم سوى إثبات لزوم اللاحقة للسابقة وهو محال على بديهة العرف عندهم والأولى وإن كانت ظاهرة إلاّ أنه لما كانت اللابدية فيها غير له وكان هناك أمر إذ لابدية غيره وعدم لابدية نفسية غالباً خيف من الوهم فأقيم البرهان والله أعلم بحقائق الأمور.

الوجه الثاني في الاحتجاح لهم: إن العقل يحكم بوجوب المقدمة

وكل ما يحكم به العقل يحكم به الشرع فتكون واجبة في الشرع أيضاً وهو المطلوب أقول عليه أولا إنك إن عنيت بحكم العقل بالوجوب حكمه باللابدية الغيرية فمسلم ولا يلزم منه سوى حكم الشارع بها وهذا إجماعي لا كلام فيه وإن عنيت حكمه بأنه مصلحة خالية من المفسدة بل صلاح من كل وجه فهو في محل المنع إذ اللابدية الغيرية لا تزاحم المفسدة من وجه آخر وعلى تقدير لزوم الخلو عن المفاسد فلا يلازم الأمر به وطلبه لعدم المصلحة فيه سوى إيصاله وهو عائد إلى المكلف ولزومه عليه شرعاً كلزوم الحركة والسكون عقلاً فكما أن العقل لا يوجبهما وإن حكم بلابديتهما فكذا الشرع فيما حكم بلابديته وعلى تقدير لزوم الوجوب إن عنيت به الإيجاب الخطابي فهو محل منع وإن عنيت النفس الأمري فلا ينفع إذ البحث في غيره وعلى تقدير لزوم الخطابي فكونه محصلاً من نفس الأمر أيضاً غير معلوم وهو المدعى والكلام في هذا مبني على ما مر من تغير معنى الاقتضاء فتفطن.


141

الوجه الثالث في الحجج:
أنها اذا لم تكن من الواجبات الشرعية فهي من المباحات

كذلك فيلزم إباحة الشارع لها وهو باطل للزوم القبيح وذلك إنا لا نرتاب في قبح الأمر بالكتابة مع إباحة ترك الإتيان بالقلم والدواة وأمثالهما من المقدمات حتى لو صدر ذلك من مكلف لذمه العقلاء وعدوا إباحته منها وعبثاً وهو ظاهر. فعلى هذا لا يجوز أن يأمر واجب الطاعة رعيته بفعل ويجيز لهم ترك المقدمات الموقوف عليها وحاصله أما بعد أن نحكم بعدم الوجوب فيها دارت بين الأحكام الأربعة والثلاثة الأخرى منفية إجماعاً فيبقي الإباحة ويلزم المحذور وهو المراد.

وفيه أنه إن أراد لزوم وضع الإباحة للمكلفين بحيث يعلمهم ذلك منعنا الملازمة وإن أراد الإباحة النفس الآمر به قلنا بها ولا قبح، وبتقرير آخر إن الإباحة إن أريد بها كون الشيء في نفسه كذلك فلا مضايقة ولكن هذا لا يقتضي جواز التصريح إذ يظهر منه جواز الترك من كل وجه وهو خلاف المفروض وإن أريد كونه مباحاً جائزاً لترك لنفسه وغيره فغير لازم.

والحاصل الوجوب الشرعي إن أريد به ما يتبع العقلي وهو كون الشيء لابد منه لغيره فلا كلام فيه وإلا لجاز تصريح الشارع بالإباحة وإن أريد الوجوب الخطابي فبينه وبين الإباحة واسطة وإن أريد المحصل من ذلك الأمر فبينه وبينها وسائط كما لايخفى عليك، فعدم الملازمة بين الأمرين ظاهر وبهذا يندفع الإشكال المورد على القول بعدم وجوب المقدمة والله أعلم.

الوجه الرابع في الحجج: إن الشارع لو لم يوجبها لزم تقض الغرض المطلوب من التكليف

بيانه إن مصلحة الأمر إقدام المكلف على الفعل فإذا لم يحتم عليه المقدمة أمكنه تركها تهاوناً فيمتنع الفعل وتذهب فائدة التكليف والغرض المطلوب منه بخلاف ما إذا أمر بالمقدمة فإنه يأتي بها ثم يأتي بالفعل وتنسد أبواب إبليس وتسويلاته عنه. أقول عليه إن العذر الشرعي قد ارتفع عنه يقيناً حيث تعلق الأمر بالموقوف عليه فيلزم الإتيان به باعتبار ذلك الأمر وإن يفعلوا به أمر وأمر الفضل في التقريب من الطاعة لاينحد بحد إذ كل ما زيد في الحث صار الفعل أقرب إلى الحصول فيلزم ورود أوامر سماوية في كل يوم مرات غير محصورة على القول بلزوم التقريب بأنواعه، كما يظهر من الدعوى لاشتراك الكل في التقريب وعدم الدليل والخصوصية ولو قارنت رجحاناً غير بينة الترجيح والمقدار الذي توقف التكليف عليه قد حصل فتبقى الدعوى دليلها مجرد الاستحسان والأولوية به.


142

ثم على ذلك التقدير ورود الخطاب الخارجي كافٍ فلو أمر بأمر مستقل الأجزاء ولحصل المراد التقريب المراد فلا يدل على المطلوب وعلى هذا التقدير فلا يتبين إن الاقتضاء لحق الدلالة أو للاستدعاء ولعل المراد هو الأول على نحو ما مر مع إنه يستظهر لك عن قريب بحول الله إن تحريم المقدمة أيضاً غير منافٍ.

والحاصل الحكم بعد اللابدية ناقض ونحن نقول به فلم يبقَ شيء والوجوب الآخر غير ملزوم لعدم النقض إذ يحصل بغيره بل كاد أن لا يكون بينهما فرق مع علم المأمور بالوجوب الغيري غير القليل والله الخبير.

المسألة الأولى

حجة القول بالسبب دون غيره

إن المسبب عند وجود السبب واجب لا عند وجود الشرط فيجوز التكليف به تكليفاً بالواجب وهو باطل يمانع التكليف كما سيحقق إنشاء الله تعالى .

هذه حجة علم الهدى له وأورد عليه إن هذا خروج عن محل النزاع فإن البحث كما تقدم في أن مقدمة وجود وهذا لا يخرجه عن الشك في وجوبه. أقول كأنه (ص) غافل عن النزاع الآخر لدعوى الظهور فيه على ما ذكرناه في كلام وجوبها وعلى هذا لا يبقى بيننا وبينه كثير فرق لكن يبعده نسبة جمهور المتأخرين إليه خلاف ذلك والله أعلم. وأورد عليه إن بين القول بوجوب السبب وعدم وجوب غيره مدافعة ظاهرة إذْ كل من المقدمات جزاء من السبب حيث إن المراد به التام فتكون المقدمة واجبة بأقسامها. وقد يجاب عنه بأن الكلام في إثبات الوجوب بالأصل وغاية ما يلزم من ذلك كون جميع المقدمات واجبات ضمنية ولا يضرنا القول إذ الضمن لا يستلزم الأصلي فلا إشكال وقد يدفع الإيراد بطور آخر وهو إن المعنى بالسبب هو المعنى الآخر أعني الجزء الأخير من العلة لأنه هو الذي لا يقبل أن يكون شرط وجوب بخلاف غيره من المقدمات.

أقول وقد يورد عليه إن الحكم بوجوب الأخير من الشرائط يستدعي وجوب الأخير من شرائطه ثم الأخير من شرائط ما قبل الأخير أيضاً وهكذا فيلزم وجوب المقدمات. والجواب أولاً إن هذا الإشكال إنما يتقرر إذا كان الجزء الأخير موقوفاً على ما قبله كما إذا كان الموقوف عليه أمر ذا أجزاء مترتبة يتوقف لاحقها على سابقها أما إذا كانت متباينة متخالفة كما إذا كان الأخير أخيراً بالاتفاق فليس هناك توقف في نفسه نعم توقفه في وصف الأخير به وليس بضار فلا يلزم وجوب المقدمات. لكن هذا الجواب إلزام للخصم حيث ادعى لزوم وجوب الكل أما لو رجع الاعتراض على مادل عليه قيد فقط فلا يندفع بهذا، والحق في الجواب أن يقال لا كلام في لزوم الوجوب بمعنى اللابدية لجميع المقدمات وشرائطها وأجزائها وإنما الكلام في دخوله تحت المطلوبية وكون الشيء محصلاً بالتبع لما هو محصل بالأصل لا يلزم كونه محصلاً لما يتبعه لأن فرع الأصل غير فرع الفرع إذْ مراتب الدلالة لتسافل بحساب درجات الفرعية والحكم في الأعلى وفرعه لا يقتضي الفرع وفرعه ثم المدرك الفهم وهو منحصر في السابق.


143

ثم لا يخفى عليك أن دعوى استحالة كون السبب مقدمة وجوب إنما يتمشى على رأينا جماعة أهل العدل، أما الأشاعرة فبناؤهم على أن التكليف إلاّ بعد الدخول في الفعل وقد ينطبق على قولهم بوجه آخر فتأمل.

هذا والذي عندي وجوب السبب بالأدلة الماضية إلاّ أن السبب أقرب فهماً وأسرع خطوراً في البال حتى كاد أن يكون بعضاً من المدلول فإن انتقال الذهن من الكتابة إلى حركة اليد المتصلة بها كاد لا يخفى على أحد بل كلما زاد الشيء قرباً من السبب صار أقرب خطوراً كما لا يخفى، قيل لا يخفى على من تتبع أوامر الشرع وخطاباته أنها بتمامها متعلقة بالأسباب دون المسببات. أقول كان هذا القائل رحمه الله تعالى زعم أن المراد بالسبب ما تترتب عليه الآثار كطهارة وارتفاع الحدث وحياة الغريق ونحوها والمراد من السبب فيما ذكرناه أسباب الأمور المتعلقة للخطاب كسبب الوضوء والغسل ونحوها وخطابات الشارع ليست مقصورة عليها وإلا لزم قصر الأمر على الشرط الذي لو يسبقه شرط من المتماثلات. على أن هذه الدعوى ممنوعة فالأمر بالصوم والصلاة ليس أمراً بالأسباب بل هي مقاصد وحصول كسر النفس والخضوع على الأصل كالنظافة في غسل الجمعة والفوز غاية لا يتعلق به الطلب ودعوى امتناع الأمر بالمسببات لامتناعها عند عدم الأسباب ووجوبها عند وجودها يمنع التكليف إلاّ بأول الشرائط.

ثم حل شبهته بأن التكليف حال عدم السبب لا بشرط عدمه وفرق بينهما ولاريب في أن الفعل حال عدم السبب مقدور فيتعلق التكليف به بأن يوجد السبب فيوجده وهو ظاهر.

حجة القول بخصوص الشرط الشرعي: إنه لو لم يأمر به لكان المكلف حال عدم الإتيان به أتيا بتمام المأمور به وهذا نقيض لعدم شرطيته لأن الإتيان بتمام المأمور به مقتضى لصحة الفعل فيصح من دونه فلا يكون شرطاً هذا خلف.

أقول عليه إن أردت بلزوم الأمر فيه أنه لابد من تعلق أمر به ولو كان خارجياً فبعد تسليمه لا يدل على المدعى إذْ المراد أنه مأمور به بأمر ذي المقدمة وإن أردت الأعم منهما في موضوع البحث عدنا وقلنا شرطية الشيء لتتبع حكماً وضعياً بأن يقول الشارع هذا شرطه. هذا ولا تستلزم أمراً ولزوم الخلف ممنوع إذْ لزوم الإتيان بتمام المأمور به لا يقتضي الصحة فالشرط ليس معتبراً في وجود ماهية وحقيقة المأمور به بل معتبر في صحته.


144

إن قلت الأمر إنما يتحقق بصحيح الفعل لا بفساده؟ قلت قد يتعلق به مع الذهول عن الشرط وعن اعتباره فيكون الشرط غير ملحوظ حين الأمر وعلى تقدير أن يكون ملحوظاً معتبراً حين الأمر فلا يلحظ بعنوان الشرطية ويكون المراد كشف الشرطية مشرعاً كما إذا بين التوقف العقلي وهو ظاهر.

المسألة الثانية

حجة القول بالعدم مطلقاً أمران

أولاً: لو وجبت لزم صحته قول الكعبي في نفي المباح وهو باطل إجماعاً والملازمة ظاهرة حيث إن المعتمد في إثبات النفي وجوب المقدمة. والجواب إن شبهته مندوحة مع القول بالوجوب كما يظهر في ذيل البحث إنشاء الله ثم هذا لا يمنع التفصيل إذْ لا ترد الشبهة على تقديره.

الثاني: إن الأمر لو دل بأحدى الثلاثة والكل منتفية على نحو ما ذكر مراراً؟ والجواب أيضاً معلوم مما سبق. فإن قلنا بالاستدعاء فلا يستلزم الدلالة، وإن قلنا بالدلالة فلا يجب أحد الثلاثة على المعنى المعروف بل اللزوم عرفي ولا يلزم محذور مع أنا بعد أن أقمنا البرهان القاطع فدليلهم لا يعارضه.

فوائد

الفائدة الأولى:
إنا بعد أنباءك حكم المقدمة الوجودية والوجوبية بقي قسم آخر يسمى بالمقدمة العلمية ومحلها ما إذا أمر الشارع بأمر متردد بين أمور فهناك يجب تحصيل العلم بالفراغ.

وكشف المقام إن الأحكام منها ماهي واقعية فحسنها وقبحها يدور مدار الواقع وهذا كما في أكثر الواجبات، ومنها علمية وهي ما دار الحسن والقبح فيها على العلم كان له النجاسة والأكل والشرب والارتماس في تأخير الصوم.

فما هو من الأول يجب فيه تحصيل الواقع والوصول إليه فمتى قام الاشتباه بين النكاح الجائز والحرام وجب الاجتناب وإن لم يعلم بالحرام إجمالاً إذْ الذمة مشغولة بترك الحرام واقعاً فلا بد من يقين الفراغ بخلاف دوران الثوب بين الطهارة والنجاسة مثلاً فإن القبح علمي إلاّ أن العلم قد يكون شخصي كثوب معين أو مع الدوران كما إذا دار النجاسة بين ثوبين أو ثلاثة إذْ الشغل في مثل هذا يقيني لأنا قد علمنا أن الشارع قد كلفنا باجتناب النجس واقعاً باعتبار العلم فيجب العلم بالفراغ الظاهر من أحكام الشرع.


145

المسألة الثالثة

الأحكام الواقعية والأصل في الطهارة مقطوع بالعلم

والرواية المغياة بالعلم يظهر من حال العرف إرادة العلم فيها على وجه يعم ويتتبع حال الشرع وإجماع الفقهاء قاضٍ بوجوب الاجتناب، والطهارة معنى واقعي جعل أولويتها دليل وجودها كما في العدالة فليس عدم العلم بالنجاسة من حيث أنه كذلك محقق لمعنى الطهارة بل الطهارة أصل أصله الشارع كأصل الصحة وأصل العدالة على قول يتبع فيه حال الشرع والشك في استفادته من النص كافٍ في بطلان التعويل عليه. هذا ويمكن إدراج هذه تحت المقدمة السابقة بجعل العلم واجباً وما يتوقف عليه الحكم كما يتوقف عليه الواجب المطلق وفيه نظر، إذْ العلم ليس مطلوباً بل تابع للمطلوب والله أعلم.

ويتفرع على هذه أمور كثيرة منها وجوب الصلاة على قدر ما فيه الاشتباه من الجهات خلافاً لبعضهم فإنهم جعلوها من هذا الوجه بمنزلة المقدمة العلمية بمعنى إنه يجب أن لا يصلي إلى جهة يعلم أنها غير القبلة لكن ذلك في صورة التخير والموافق للقاعدة هو الأول. وبالنظر إلى الخارج يقوم كلام بين في الفقه. ومنها لبس الثوبين وامتناع نكاح المشتبه بالأخت وكذا يحرم من طلقت واحدة منهن على الإجمال بناءً على صحة تمثل هذا الطلاق أو من طلقت فيهن واحدة على التعين ثم اشتبهت فيستخرج بالقرعة ولا يصح الإقدام قبلها ثم إذا وطئ فاتفقت القرعة على الموطوءة فالظاهر أنه لا يطلب بشيء والولد ولده وإذا لم يكن وكان الطلاق بائناً طولب والولد ولد زنا على الأصح.

وربما قيل في القسم الأول بإخراج ولو بقي قسم آخر يسمى بالمقدمة الاحتمالية مثلاً لو وجب عليه لبس الثوبين والوضوء بالإنائين للاشتباه وتعذر أحدهما وبقي الآخر فهل تجب الصلاة فيه لاحتمال الانطباق على الواقع أو لا لخروجه عن القسمين الأولين احتمالان مدرك عدم الوجوب فيهما ظاهر ومدرك الوجوب مبني على أن وجوب المقدمة واقعي، بمعنى إن ما يتوقف عليه الواجب واقعاً واجب أو علمي فما علم بالتوقف عليه واجب وما لم يعلم فليس كذلك والأقوى عندي عدم الوجوب ووجوب المقدمة بعد العلم بكونها مقدمة، لكن قد يتصور في خصوص مسألة المشتبه باعتبار بقاء الشغل يقيناً حيث يكون هناك ظهور آخر لنا مع الفقد فلا والاستصحاب في حكم الإنائين مقدوح بأن الوجوب الضمني لا ينجز أما الاحتمالي الطلق فلا شك لي في عدم وجوبه والله أعلم.


146

الفائدة الثانية:
اعلم أن الكعبي القسم ابن سلام ربع الأحكام وخالف ما عليه أولوا الإفهام من تخميسها حيث قسموها إلى الواجب والمحرم والمكروه والمندوب والمباح فأنكر المباح منها لشبهة وردت هاهنا حاصلها إن ترك الحرام واجب مطلق وهو موقوف على فعل المباح فيكون واجباً إذْ ما يتوقف عليه الواجب المطلق واجب ومحصل الدليل فعل المباح يتوقف عليه الواجب المطلق وكلما يتوقف عليه الواجب المطلق فهو واجب. واعترض عليه

أولاً: بمنع الكبرى إذْ لا نسلم وجوب المقدمة، أو نعترف بها في بعض الصور كالأسباب أو الشرائط الشرعية.

ثانياً: بمنع الصغرى إذْ لا نسلم توقف ترك الحرام على الفعل مباح. والحاصل إن أردت أن ترك الحرام يتوقف على فعل ما من الأفعال المباحة فمسلم، إذْ لا بدل على نفي المباح مطلقاً بل على أن مباحاً ما واجب وذاك لا يضرنا وإن أردت على كل فعل فعل فهو ظاهر البطلان. وأورد على المنع إنا نختار القسم الأول، قولكم لا يقتضي وجوب الجميع قلنا يقتضيها أو هو كافٍ في رفع الإباحة وقد يفرق المنع بوجه آخر وهو إنا نمنع التوقف من أصله وإن اعترفنا بعدم الانفكاك إذْ فعل المباح ليس من مقتضيات ترك الحرام بل بما يقارنه. وقد بينا أن المقارن أعم من المقدمة والحكم في الخاص لايلزمه السراية في كل الناس في العام والحاصل فعل المباح كالنظر إلى جبل أبي قبيس ونحوه من الاتفاقيات والمقتضي لترك الحرام هو العزم والصارف عن فعله، نعم قد يكون لنفس الفعل دخل فهناك يجب ولا ضرر على أنا نمنع لزوم المصاحبة لأنها إنما تتم حيث لا نقول ببقاء الأكوان بل هي عين فارة فيعدم فعل ويوجد آخر كما قيل والأعراض بل الأجسام وكذا على القول بالبقاء وعدم الاستغناء عن المؤثر وإنها باقية لا لوجودها السابق محتاجة في بقائها إلى فاعل أما على القول بالبقاء والاستعانة فلايتم التقريب.

ثالثاً: بأنا وإن قلنا بالوجوب الغيري فلا يزاحم الإباحة النفسية فما دل على وجوب المقدمة لا ينافي الإباحة الحيثية لا محيص لك عنها فإنه يلزمك بنحو ما ذكرت رجوع جميع الأحكام إلى واحد فإن ترك الحرام إنما يلازم فعلاً ما حراماً كان أو مكروهاً أو مندوباً أو مباحاً ويلزم على هذا وجوب الجميع ولو تخييراً فتنحصر في الوجوب وإذا حققنا مندوبيته مقدمة المندوب انحصرت في الندب. وكذا في مقدمة الحرام بناءً على حرمتها ونحوها فتختلط بالأحكام ويلزم الانحصار مع عدمه وليس سوى اعتبار الحيثية وهو بعينه جوابنا، إلاّ أنه قد يقال ظاهر كلامكم إثبات الإباحة الصرفة وبعد التسليم هذا لابد من الأجوبة الماضية وهذا قد أورده بعضهم نقضاً عليه إذْ يلزم من كلامه وجوب الحرام وهو باطل عند الكل ولابد أن يضم إلى ذلك إن ما يستند إليه في دفع المحذور هو مستندنا، أقول وكلام الكعبي خارق لإجماع الفقهاء خلفاً بعد سلف بل تخميس الأحكام ظاهر على ألسنة الأعوام فضلاً عن العلماء فبطلان كلامه أظهر من أن يبين.


147

واعلم أن فريقاً من أصحابنا قوى دعوى الكعبي وإن خالفه في الدليل مستدلاً بأن الأفعال الصادرة عن المكلفين أما اضطرارية ولا كلام فيها أو اختيارية ولابد فيها من داع قضاء لحق الاختيار وذلك الداعي أما أن يساوي المشقة أو يزيد عليها أو ينقص فمع المساواة عبث ومع النقصان مفسدة وكلاهما مرجوح في نظر الشارع فيكون مكروهاً ومع الزيادة يكون مصلحة موافقة للحكم لرجحانه ويكون مستحباً فإذا هي بين المكروه والمندوب، وقد أجيب أو لا باختيار المساواة قولكم يلزم العبث قلنا قبحه يستلزم عدمها إذْ كل من الفعل مع مشقته يساوي الداعي فلا يبقى ضرر بل وجوده وعدمه في درجة واحدة.

وقد يقال عليه إن إيجاد غير الموجود مع عدم الأولوية أصلاً لا يخلو من قبح بل لعله مستحيل لبطلان الترجيح من غير مرجح نعم إنما يلزم الرجحان في نظره وقد يوافق الواقع وقد لا يوافق لكن يعود الكلام في ذلك المرجح ويلزم الخلاف المذكور فتأمل.

وربما أجيب بأن المندوبية والمكروهية يتبعان النية فالإباحة حال عدمها. أقول عليه إن المندوب مندوب في نفسه وكذا الواجب والنية لترتب الثواب في غير العبادة وللصحة فيها ولا معنى لقولنا إنقاذ الغريق مباح بمعنى عدم ترتب الأجر حال عدم النية عليه، أقول والقول الأحق في المنهج الأصدق إن جهات الرجحان منها ما يتعلق بحسن المعاش وتغذية البدن وراحة النفس إلى غير ذلك. وهذه هي التي تتعلق بها الأوامر الإرشادية كمنافع المعاملات والمكاتبات ونحو ذلك وهذه لا تستلزم المندوبية أعني الراجحية بحيث يترتب عليها أثر أخروي فمن ليس مؤذياً تأذى وفعل المبغوض لنفسه ومن عكس فإن فعل الراجح لنفسه فالأكل والشرب للاستلذاذ سائغ وهي منفية مقصودة للعقلاء لكنه لا يستحق عليها أجراً ولهذا من أكل اللحم لقصد حصول القوة والقهر مثلاً لا يستحق ثواباً ومن قصد به التوصل إلى القدرة على العبادة والتوصل إلى الطاعة صيره راحجاً فهذه المنافع في حد ذاتها ليس لها رجحان أخروي إلاّ طرباني وفاعلها غير عابث لتحقق المصلحة. بل يمكن أن يقال نمنع كراهة العبث مطلقاً إذْ العبث الحقيقي مستحيل والعبث الحكمي مرجوح عرفاً ولا يستلزم الشرع إلاّ على نحو العرف والحاصل مرجوحيته عند الشارع نظامية تتعلق بعلم الأخلاق والله أعلم.


148

الفائدة الثالثة:
اعلم أن وجوب المقدمة ليس على حد الواجبات الأصلية بل معنى وجوبها لا مطلوبيتها لتوقف الواجب عليها لا لأنها مرادة في نفسها فعلى هذا يجوز أن تكون محرمة في نفسها أو مكروهة أو مندوبة أو مباحة إذْ الأمر بها لا يزيد على كونه لابد منها في حصول الواجب نعم إذا انحصر ما يتوقف عليه الفعل في المحرم استحال وجوديته إذا كان الانحصار أصلياً أما إذا لم ينحصر كما في الصلاة في الدار المغصوبة مع إمكان الخروج عنها حيث نقول بأن المأمور به الطبيعة والفرد من مقدمات الوجود فشخص الصلاة إذاً واجب تخيري غيري وحرام عيني نفسي ولابأس بالاجتماع فأن المنفعة الغيريه لاتمانع المفسدة النفسية بل أكثر المفاسد تترتب عليها مصالح جزئية وكذا إذا كان الانحصار اختياريا آل إلى الامتناع كما إذا دخل الدار وامتنع عليه الخروج إذْ الممتنع بالاختيار يلحقه حكم الاختيار على الأصح. أما في صورة الانحصار الأصلي فممتنع للزوم تكليف ما لا يطاق.

قد يقال إن وجوب المقدمة على ما ذكره يستدعي الشارع بها وما ذكرت من عدم المنافاة يجري في الوجوب بمعنى اللابدية أما الخطاب فقبيح مطلقاً. أقول لا ينبغي أن يشك في جواز توجه الطلب على وجه التخيير بين محظور وغيره لحصول المصلحة بهما ومع الإتيان بالمحظور يقوم التقصير فيستحق العقاب أما مع التعين الاختيار فهو كذلك أيضاً إذْ المراد منه إيجاد جزئي أي جزئي كان وهو قد عين على نفسه فهو مطلوب على وجه الوصلة وإن قبح في نفسه والجمع بين الجهتين اختياراً لا يمنع الجمع بين الحسن والقبح نعم صريح الأمر والنهي إذا وردا قد بتحقق فيهما قبح أما صريح أحدهما دون فلا فتأمل.

الفائدة الرابعة: تقرير ثمرة هذا النزاع:

أعلم أن الثمرة في النذور والأيمان ظاهرة مثلاً إذا حلف أن يأتي بمطلوب شرعي في وقت مخصوص ثم شرع بمقدمات لفعل واجب فانطبق ذلك الوقت على مقدمة منها هل يحنث أو لا مبني على المسألة، وقد يتقرر بالنظر إلى النية فإن فاعل المقدمة ناوٍ موافقة الطلب على الحكم بالمطلوبية وعلى الآخر يريد فعل الواجب فالمدعى عقلي فقط وهذه الثمرة ردية كل الرداءة كما لا يخفى. وربما يقرر بوجه آخر وهو إنا مع القول بمطلوبية المقدمة فلابد أن تكون حاضرة في ذهن المكلف إذْ تكليف الغافل فمع غفلة المكلف عنها يتركب برهان يدل على عدم وجوب الفعل بأن لو طلب الفعل لطلب مقدماته لكنها غير مطلوبة فيكون غير مطلوب. أقول أولا هذا يبتني على أن الاقتضاء قطعي لا يتخلف وطلب المقدمة من اللوازم العقلية ودون هذا خرط القتاد مع أنه يبنى على أن الطلب مدلول اللفظ حين الصدور لا ينتهي وفي الكل كلام.


149

يعلم مما سبق آنفاً إلى أهل البيت صلوات الله عليهم ولا أدري ما الذي عنى قدس سره وما أراد إن أراد منع أصل التحسين والتقبيح فهو احتجاج بالظنون في مقابلة الوجدان والعلم اليقيني فإنا نقطع بقبح الظلم وحسن العدل والصدق وبر الأبوين وأمثال ذلك من الفروع مما لا يكاد يحصر وإن عنى به إنه وإن حكم إلاّ أن حكمه لا يعتبر ولا يجدي في إثبات حكم الشرع فقد اتفقنا عليه الملازمة الظاهرة التي لايمكن إنكارها على أدلته هذه إنما تنفي جواز إتباع الظن والأخذ بالاجتهاد وهذا غير ما رمنا مع البراهين الدالة على حجية العقل من الآيات والأخبار لا تكاد تحصر واستناده إلى ما ذكرنا من اضطراب العقول قد عرفت ما فيه.

في مقدمة الواجب المطلق (173)

مقدمة الواجب.()

المبحث الثالث

في تحقيق التحسين والتقبيح العقليين

هل يترتب عليهما ثواب وعقاب كما في المطلوب أو النهي عنه صريحاً في الشرع أو لا؟

اعلم أن بعض المتأخرين من الفضلاء كالفاضلين المحققين ملا عبد الله صاحب الوافية والسيد صدر الدين (ره) بعد أن تحققا تينك المقدمتين اللتين أسلفنا البحث عنهما أنكرا هذه المقدمة قائلين إن العقل وإن حكم بالحسن والقبح وكذا الشرع إلاّ أنه لم يقم دليل على ترتب الثواب والعقاب إلاّ على الأوامر والنواهي الصريحة دون الحكم الواقعي الذي دل عليه العقل واستندا في ذلك إلى وجوه:

الوجه الأول:
من العقل وهو إن العقل يحكم بأنه يبعد من الله تعالى وقول بعض أحكامه إلى مجرد العقل مع شدة اختلافه على الإدراكات والأحكام من غير انضباط بنص وشرع فإنه يوجب الاختلاف أو النزاع.

والجواب إن هذا الدليل إن استقام منع من التكليف يحكم العقل في الأصول والفروع إذ الخلاف كما يتحقق في الفروع كذلك يتحقق في الأصول ثم الخلاف والنزاع لا يندفع بعدم التكليف بالعقل بل بورود الشرع وليست الدعوى إلاّ أن الاستغناء عن الشرع وكذا العقل لا يدفع النزاع في الفعل، بيان ذلك إنه كما للشرع طريق لو سلكوه لسلكوا طريق النجاة فكذا للعقل طريق كذلك وأمر العصبية والعناد جارٍ فيهما. فمن ذا ترى المتشرعين يختلفون في شرائعهم ولا نعني بذلك الاستغناء عن الشرع فإن الكلام إنما هو فيما يصل إليه العقل ويتمكن من معرفته كحرمة الظلم والقتل والسب وأمثال ذلك وبطريق آخر إذ التكليف بما يستقل العقل به لطف والعقاب من دون اللطف قبيح.


150

والجواب إن عنيت بقولك التكليف لطف من جهة كونه دافعاً للنزاع وموجباً لاجتماع الآراء في الجملة فذلك لا يترتب عليه عدم العقاب وإن عنيت اللطف بمعنى كمال الحجة فلا نسلم إنه اللطف الذي يوجبه المتكلمون فإن الحجة في غاية الكمال وإلا فمراتب الكمال لا تحصر حتى إنه ينبغي على هذا أن يصل المكلف إلى أعلى درجات العلم في التكليف وهو ظاهر الفساد.

وبطريق آخر إن العقل دال على عدم خلو الزمان من معصوم ليعرف الناس ما يحتاجون إليه وإن أهل الفترة معذورون؟ وجوابه إن هذا لا ينفي ما قلنا فإن كثيراً من الأحكام في مثل عصرنا نثبته بدليل العقل وهذا لا ينفي عدم النقل وإذا لم يطلع مطلع على النقل يكون معاقباً من جهة العقل وعذر أهل الفترة إن سلم في الأمور التي حكم العقل بها فإنما هو بطريق العفو وهو غير ما قلنا.

الوجه الثاني:

قوله تعالى ﴿ وَمَا كُنّا مُعَذِّبِين حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً وجه الاستدلال إنه التعذيب قبل البعثة ما ذلك إلاّ لعدم الأمر والنهي الصريح.والجواب:

(1) بما ذكرنا من أن المراد بالآية مطلق العلم وإن الآية مسوقة لرفع العذاب الدنيوي.

(2) إن الآية سيقت لدفع العقاب تفضلاً وهذا لا ينفي الثواب والمدعى أعم وعدم التعذيب على مطلق الأحكام قبل البعثة لا يقتضي عدم التعذيب على ما علمناه بالنقل بعدها.

ولنا على إفساد هذه الدعوى وجوه منها إن المخالفة والموافقة صفتان مترتبتان على الإرادة بل الطاعة والمعصية أيضاً كذلك فإنا نعلم أن العبد إذا انتهب من مولاه شيء أو أكتسب له شيئاً يسمى مطيعاً وعاصياً وموافقاً ومخالفاً فهي لا تتوقف على الأمر والنهي الصريح بل على الإرادة الجازمة. فعلى هذا لو علمنا بطريق العقل إن الله كاره لهذا وفعلناه كنا عاصين ومخالفين فجميع الآيات الدالة على ذم العاصي والمخالف ومدح المطيع والموافق ناهضة على مطلوبنا واستبعادهم معارض باستبعاد آخر وهو إن الشارع قد كلف بالظنون كالشهادة والخبر والاستصحاب وأثاب وعاقب على خلاف العمل بها ولم يجعل البرهان القاطع والحق اللامع بذلك المرتبة.


151

ومنها ما دل على الذم على عدم الأخذ بالعقل غير معلل إلاّ به وهو ظاهر في أنه من حيث هو يجب إتباعه إلاّ بخصوص كونه في مطالب الأصول كما لا يخفى على المتدبر. ومنها الأخبار الكثيرة التي لا تحصر منها ما رووا في الكافي عن محمد بن الحسن ينتهي إلى محمد عن أبي جعفر (ع) قال ( لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر فقال وعزتي ما خلقت خلقاً أحسن منك إياك آمر وإياك أنهي وإياك أثيب وإياك أعاقب. وفي آخر بك آخذ وبك أعطي ) وهو صريح في المطلوب وفي آخر ( إنما يداق الله الناس في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا ) وفي آخر ( إن الثواب على قدر العقل ) وفي آخر ( إذْ أبلغكم عن رجل حسن حاله فانظروا في حسن عقله فإنما يجازي بعقله) وفي آخر يا هشام ( إن لله على الناس حجتين حجة ظاهرة وحجة باطنة فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة وأما الباطنة فالعقول ). وفيه إرشاد إلى أنه مبلغ للأحكام ومهد إليها بنفسه ومثل هذا من الأخبار كثير ومن مجموعها تظهر دلالة واضحة على ما قلناه فأحسن النظر وفقك الله لغوامض التحقيق وهداك إلى سواء الطريق .

تفريعان

التفريع الأول: في أنه هل يجب شكر المنعم أو لا؟

اعلم أن الأشاعرة أبوا حكم العقل بوجوب شكر المنعم على القول بالتحسين والتقبيح وأصحابنا أثبتوه وهو الحق ولابد قبل الخوض في الحجة من بيان ما المراد بالواجب من الشكر والآخر كشف معناه:

أما الأول: فهو إنا لا نعني بوجوب الشكر أنه يجب على المنعم عليه صرف عمره في الطاعات حتى أنه لا يأكل إلاّ مقدار الرمق ولا يشرب ولا ينام إلاّ مقدار الضرورة فإن هذا إن لم يمنعه العقل لا يوجبه بل المراد بالشكر الواجب ما يخرج به العبد عن الاتصاف بالكفر وهذا المعنى بالعرف.

وأما الثاني: فهو أنه مقابلة النعمة بجزاء ما ذكر باللسان أو خدمة بالأركان أو اعتقاد بالجنان فيشمل فعل العبد إئتماراً وتركه انزجاراً واعتقاد الإحسان وأعلام اللسان. لنا وجوه:


152

(1)أنه دافع للخوف فيكون واجباً، بيان الأولى إن كل أحد يعلم أن المنعم قد يوصل لنعمته طالباً للجزاء وإن كان صورة وقد يعطى مجاناً ولا يريد صورة الجزاء وإذا كان كذلك قام الاحتمال عند العقل فيبقى مضطرباً وهو معنى الخوف بل قد يزاد على أنه يظن الأول لا يحتمله فقط ودفع المظنون أظهر وجوباً. وقد يقال هذا وإن قام في غير الواجب لكنه لا يقوم فيه تعالى إذْ هو منزه عن الحاجة والنقص؟ وجوابه إن المصلحة في الحقيقة راجعة إلى العبد ليزيد عليه النعم إذا وجده شاكراً و يكون ذلك في صورة الاستحقاق فإذا قام احتمال التحتم لما ذكرنا ثبت المطلوب.

(2) إنه لو لم يجب لم تجب المعرفة، بيانه إن المعرفة لا لداعي عبث فلا تكون واجبة وإن كانت لداعي ثبت المطلوب لأن الغرض منها التهيؤ لامتثال الأوامر والنواهي إذا طلب وذلك من جملة الشكر وأيضاً لا نرتاب في أن جحود النعم وكفرها قبيح بدبهية فالاعتراف بها واجب وهو معنى الشكر والواسطة بين الكفر والشكر أعني الاعتراف والإنكار حين ورود النعم غير معقول.

وقد يقال إنما وجبت لدفع الخوف لا للشكر؟ والجواب الخوف موقوف على الاحتمال المتقدم وهو لازم لوجوب الشكر.

(3) الضرورة القاضية بذلك فإنه لا يخفى على الأطفال والجهال إذ من ضمن مؤنة شخص مدة دهره وقام بلوازمه طول عمره ولم يسأل حاجة إلاّ قضاها وطلبة إلاّ أداها ثم تناول غذاءً فيه سم أو جاءه حيوان يقتله يمكن دفعه بسهولة وكان ذلك قادراً على إعلامه وتخليصه بأدنى يسر وجب عليه تخليصه لإنعامه وذم كل أحد على خلافه.

(4) الآيات الدالة على الذم على عدم الشكر وليس معناها إني أوجبته عليكم فكيف لا تأتون به كما يخفى على الناقد البصير.

احتج الأشاعرة بوجهين:

الأول: إن الوجوب لا لفائدة عبث وإن كان لفائدة فإن كانت عاجله فالمعلوم عدمها وإن كانت آجلة أمكن الإيصال من دونها؟ والجواب نحتار الأول وكون المعلوم عدمها ممنوع فإنا نعلم أن الشكر له مدخل في ترتيب الأغراض وحصول المطالب وأيضاً العاجلة إلاّ منة وأيضاً لم لا يجب كونه شكراً لله لا لفائدة أصلاً. وأيضاً لاتكون الفائدة آجله في وصول النعم على جهة الاستحقاق، وأيضاَ يمنع إمكان الوصول من دونها إذْ عنى به غير القدرة فربما تكون المرتبة المعطاة بمقابلة الشكر قبيح إعطائها لغير الشاكر، وأيضاً لا ريب في إعطاء الشاكر ما يخصه والفصل مشترك بينهما فيتعذر وصوله.


153

الثاني:

قوله تعالى ﴿ وَمَا كُنّا مُعَذّبينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً وجه الدلالة إن الله نفى العذاب قبل البعثة ولو أن العقل استقل بوجوب الشكر لوجب قبلها فيترتب العقاب واللازم باطل بمقتضى الآية فالملزوم مثله؟ والجواب قد مر سابقاً فلا يفيد التفريع.

التفريع الثاني: في حكم الأشياء قبل الشرع

اعلم أن الأفعال منها ضرورية لا يمكن التعيش من دونها كالتنفس بالهواء والحركة الاضطرارية وما يحتاج إليه الجسم من الخير وأمثال ذلك ومنها لم يكن كذلك كأكل الفاكهة والغذاء زائداً على مقدار الضرورة. أما الأول فاتفقوا على عدم المنع عنه سوى من جوز التكليف فوق الطاقة، وأما الثاني فهو محل النزاع بينهم ولابد من كشف الحال قبل الخوض في المقال. فنقول لا ريب في أن الأفعال منه ما يعلم حسنه وقبحه ومنها ما نجهل حاله وما نعلم حسنه أو قبحه أما بنظرة أو بضرورة. والعلامة (ره) في النهاية جهل النزاع في القسم الثاني منهما فقط على ما نقله بعض شراح تهذيبه عنه في النهاية وكذا الحاجبي وشارح كلامه والذي رأيته فيها جعل الشق الأول من القسم الأول أيضاً من محل النزاع وأطلق في التهذيب وهذه عبارته ( ذهب جماعة من الإمامية ومعتزلة بغداد إلى تحريم الأشياء التي ليست اضطرارية وكذا كلمات القوم في غاية الاضطراب) .

إن هذا النزاع راجع إلى المقدمة الأخيرة القائلة كل ما حسنه الشرع أو قبحه فقد أباحه أو حظره وهذا غير لازم لتحسين العقل إذْ لا ملازمة بين قبح الأشياء وحرمتها شرعاً بل بين القبيحين فإنا نقطع بقبح الثياب الخلعة أو المنكرة على الرجل الجميل إذا لبسها في مجمع من الخلق مع أنا لا نقول بحرمتها شرعاً وكذا أمثاله نعم إذا أدرك العقل قبح الشيء وحكم بأن ترك النهي عنه للحكيم الخبير بمفسدته قبيح كنهب الأموال وغصب الحقوق وأمثال ذلك.

كلمنا بالحرمة أما ما كان قبحه مما يتسامح فيه كسرقة حبة الحنطة أو أخذ شعرة من فرس الغير وإن حكم العقل بقبحه إلاّ أنا لا نعلم بأن هذا القبيح يجب الزجر عنه وإن يترتب عليه استحقاق عقوبة فالقائل بإباحة الأشياء وإن اعترف بقبح بعضها عقلاً وشرعاً لكنه يمنع من أن قبحها مؤدٍ إلى الحرمة وإن علم فالمجهول بالأولى.


154

والقائل بالحرمة ظن أن القبح العقلي وإن لم يقتص ذلك لكن عدم العلم بالإباحة مع كون التصرف تصرفاً في مال الغير يقتضي تحريمه وهذا اختيار منا لجعل النزاع عاماً في جميع الصور على هذا إلا أن المختار لنا في هذا المقام التفصيل بأن يقال إن أدرك العقل الحسن أو القبح على وجه يعلم نهي المكلف عنه فلا ريب في حرمته. وهذا كثير فإنا نرى من لم يطلع على الشرائع ولا سمع بها يقبح الظلم وليحضره وينهى عنه معللاً بأن الله حرمه، وهذا معلول لكل عاقل وإن كان بحيث لا يدرك القبح أو أدركه على وجه لا ينافي المساهلة بفعله أو أدرك حسنه فلا ريب في إباحته أما الشق الأول من الدعوى فقد أشعر بدليله وأما الثاني فلأن التحريم تكليف ولا يكون من دون البيان ولم يحصل لا بالفعل كما في الأول ولا بالنقل كما هو المفروض. إن قلت لا حاجة إلى البيان بالشرع إذْ العقل حكم بوجوب ترك الجميع لوجود الخوف فيكون مبيناً فلا يلزم ما ذكرتم؟ فنقول العقل لا يرضى باعتماد الشارع على العقل في هذا مع أنه مؤدٍ إلى تفويت المنافع العظيمة واندراجها في سلك المحظور.

ولنا على عدم التحريم أيضاً إن المحظور على ذلك التقرير أما الجميع إلاّ الضروري أو البعض دون البعض والأول باطل للزوم ضيق لا يرضى به العقل والثاني كذلك أيضاً لأن اختصاصه بالبعض دون البعض ترجيح باطل ودورانه مع الحاجة يكاد يستوفي الجميع فيحرم الشيء صباحاً ويحل ضحى ويختلف دائماً وهذا لايرضى به العقل.

ولنا أيضاً العلم اليقيني بأن هذه الأشياء إنما خلقت للمنافع لا للاعتبار أو الاختيار فقط وما كان منها كذلك فليس له نسبة إليها فالمحظور مغمور في جملتها فاحتمال دخوله رديء لا يعد احتمالاً عند العقلاء ودعوى إنه تصرف في مال الغير مردود بأنه كالاستظلال ولقد أحسن الأستاذ بقوله من ملك بحراً لا ينزف واتصف بغاية الجود وطلب مملوكه قطرة من ذلك الماء هل يجوز عليه أن يمنعه؟ هذه خلاصة القول في البرهان على ما فهمنا من كلام القوم.


155

أما العلامة رحمه الله تعالى فقد بينا أنه خص النزاع فيما لم يعلم حاله من الحسن والقبح بالضرورة وربما خصه بعضهم بما علم جهة حسنه ولم يقم فيه احتمال سوى أنه تصرف في ملك الغير ولا أرى لهذا الأخير وجهاً إذْ أمر الإباحة على هذا التقدير ظاهر لا ينبغي أن يختلف فيه اللهم إلا أن يقال لعل الشارع يقبحه لمصالح أخرى خفية وهذا خروج عن محل النزاع الذي فرضه.

أما العلامة (ره) فيمكن تنزيل كلامه على ما أردنا فإن ما علم بالضرورة قبحه في أعلى درجات القبح فيعلم حضر الشارع له ومنعه منه بخلاف غيره فيوافق ما قلنا هذا كله على مذاقنا جماعة الأمامية ومن وافقنا من المعتزلة.

يترتب على ما قلنا إن الأشياء كلها مباحة شرعاً للمكلفين حتى يعلموا فيقوم الأصلي العقلي الذي أثبته القدماء وأنكره المتأخر وربما استندنا إلى وجه آخر وهو إن القبح يستدعي مفسدة وكذا أكثر أنواع الحسن تستدعي مصالح سوى الإباحة فإنها موقوفة على عدم وهو عدم المفسدة. ولا ريب في أن الأصل عدمها إلى أن تثبت وطريق ثبوتها الشرع والأشاعرة فمذهبهم التوقف. وقد فسر بوجهين:

الوجه الأول: عدم العلم بالحكم الشرعي إذْ العقل لا ينهض مثبتاً والنقل مفقود كما هو المفروض.

الوجه الثاني: إنا نعلم عدم الحكم فيكون الشيء قبل ورود الشرع خالياً عن الحكم وهذا وقفاً في الحقيقة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى ﴿وما كنا معذبين .

وفيه ما فيه وقد سبق مكرراً فقد ظهر أن مختارنا على خلاف مذهب معتزلة البصرة من الإباحة مطلقاً إلاّ أن يريدوا بقولهم قبل ورود الشرع وخلاف معتزلة بغداد بالتحريم مطلقاً وخلافنا مع الأشعري ظاهر فعليك بالتثبت في هذا المقام فإنه من مزال الإفهام وفقنا الله للدقائق والوقوف على الحقائق.

المطلب الثاني: في تحقيق الفاعل

اعلم أن من الأفعال ما هو مختص بالواجب تعالى لا شريك له فيه كخلق الأجسام وإصلاح النظام وخلق السماء وإرسال الأنبياء وبدء الكون وإيجاد الأين وإضرابها مما لا يحصره قول واحد، وهي صادرة بطريق الاختيار لا بالإيجاب وفاقاً بين الملّيين، ومنها صادرة بمباشرة العبد وهي إما أن تكون بالاختيار كالحركات الاختيارية والأفعال الجارية بشعور وإرادة كالأكل والشرب وأما أن يكون بمقتضى الجبر وميل الطبيعة كالحركة الطبيعية والعارضة بالاضطرار كالارتعاشية ولا كلام لهم في القسم الأخير وإنما النزاع في الأول وأقوالهم فيه مختلفة.


156

فالأشاعرة على نفي الأفعال عن العبيد وأنه لا قدرة لهم مؤثرة وأن القدرة كاسبة والإرادة موافقة لفعل الله تعالى بمعنى إن الله عز وجل أوجد في العبد إرادة وقدرة وخلق الفعل على مقتضى تلك الإرادة وهاتيك القدرة المغلوبة فاستحقاق العاصي للعذاب على تلك الإرادة وذلك الاختيار فلا يلزم المحذور ولا الظلم. وبعض الحكماء وجمع من الأشاعرة بعد أن علموا شناعة مذهبهم إلى أن الأفعال مخلوقة لهم إلاّ أنها بطريق الجبر دون الاختيار وأن العبد لا اختيار له في شيء من أفعاله بمعنى إن الله إذا أراد وقوع الفعل من العبد جبره على الفعل وبعض ذهب إلى اشتراك القدرتين وإن الفعل إذا أراده العبد فباشر بقدرته انضم إليه قدرة إلهية فالفعل مشترك وعندنا جماعة الإمامية وعند من وافقنا من المعتزلة وغيرهم إن أفعال العبد مخلوقة له وصادرة باختياره بمعنى أنه تعالى أوجده على حالة يتمكن فيها من الحسن والقبيح ثم وكل الأمر إليه فإن أحسن أثابه وإن أساء عاقبه ولم يتركه سداة. بمعنى أنه يفعل كلما أراد أن يفعل ويترك كلما أراد أن يترك إذْ لو كان الأمر كذلك لفسد النظام بل حرسه وحفظه مما يهلكه ويؤدي إلى تلفه وحل عزمه عن أشياء وحثه على أشياء فهو متقلب في تدبيره له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله فلا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين ولنا على هذا وجوه من الأدلة:

الدليل الأول: الضرورة الحاكمة بذلك فإن كل من يفهم شيئاً حتى الطفل والمجنون بل الأشاعرة أيضاً على هذا إلى أن سمعوا خالف تعرف ووقعت عليهم الشبهة حاكمون بأن هذا الأفعال الصادرة عنهم ناشئة منهم بل إنهم يصرحون به في غير وقت المناظرة إذا عاقبوا من أساء إليهم أو أحسنوا إلى من أحسن لا يخطر في نظرهم سوى أنه هو الفاعل ومواعظهم ومكارم أخلاقهم مملوءة من ذلك. وليس تجويز هذا إلاّ كتجويز أن الأفعال الصادرة منا إنما كانت بمباشر من ملك أو شيطان أو غير ذلك إذْ يجوز أن الحركة في اليد والبطش بها بقوة ملك وهي آلة حتى لو عوقب أهل المعاصي وفاعلو المحظورات لا يتشبثون بهذا العذر وهو إن الله قد أوجد فينا الفعل مع أنهم صرحوا يعتذرون بأدنى كقولهم الشيطان غلبني والشهوة غلبتني وأمثال ذلك فتدبر.


157

وما اعترضوا به من أنه لو كان ضرورياً لاعترف به جميع العقلاء قلنا كذلك ولكن لستم منهم والشبهة في البصيرة كالعمى في البصر فكما يخفى على الأعمى المحبوس كذا المعقول البديهي على أعمى البصيرة فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.

الدليل الثاني: إنا نعلم يقيناً قبح بعض الأشياء كالكذب والظلم والزنا واللواط وكل الفواحش وليس القبح بقيامها في الشيء بل بإيجادها بل إيجاد الشركة بل نعلم قبح الإعانة عليها بل الرضا بها وأي عاقل يرضى بأن الله تعالى يوجد سبه والبراءة منه وشتم أنبياءه وهتك حريمهم وأمثال ذلك من الفواحش في عباده تعالى عن ذلك علواً كبيراً.

الدليل الثالث: إنه يلزم من الظلم على الله تعالى إذْ يوجد المعصية والفاحشة في العبد ويعاقبه عليها بل يخلده في النار ويفعل السفه والقبائح بأسرها ويذم ويعاقب عليها.

الدليل الرابع: إن هذا خلاف المعهود من جميع الملل فإن أهل الأديان بأسرهم حاكمون بأن الله أوجب عليهم إيجاد كذا وزجرهم عن إيجاد كذا ولم يخطر ببال أحد منهم أنه أمر بإرادته عنها أمر بفعله ونهى عنه.

الدليل الخامس: الآيات القرآنية وهي أقسام منها:

(1) ما ورد من مدح المؤمن على إيمانه وذم الكافر على كفره ووعدهما وتوعدهما على الطاعة والمعصية

كقوله تعالى ﴿ اَليَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴿ اَليَوْمَ تُجْزَونَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلون ﴿ لِتُجْزَى كُلّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴿أَلاّ تَزِرَ وازرةً وِزْرَ أُخْرى ﴿ أُولَئِكَ الّذِينَ اشْتَرَوا الحَياةَ الدّنيا ﴿ وَالّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيْمَانِهِمْ ونظائرها.

(2) ما دل على أن الله تعالى منزه عن مماثلة أفعال المخلوقين من وقوع القبائح

لقوله تعالى ﴿ إِنّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرّةٍ ﴿ وَمَا رَبّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبيدِ وعلى دعواكم لا ظلم إلاّ من الله ﴿ وَمَا ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون إلى غير ذلك.

(3) ما دل على التوبيخ على المعصية

كقوله تعالى ﴿ كَيْفَ تَكْفُرونَ بِاللهِ وأضرابها.

(4) ما دل على تعليق أفعال الله على المشيئة كقوله تعالى﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر ﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ )+( لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدّمَ أَوْ يَتَأَخّر )+( فَمَنْ شَاءَ اتّخَذَ إِلى رَبّهِ سَبِيلاَ .


158

(5) ما دل على المسارعة والاستباق ﴿ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ ﴿ فاستبقوا الخيرات إلى غير ذلك.

(6) ما دل على الاستعانة ﴿ إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعينُ وأمثاله.

(7) ما دل على اعتراف الأنبياء كقوله ﴿ إِنّي كُنْتُ مِنَ الظّالمين ﴿ بَلْ سَوّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ .

(8) ما دل على اعتراف الكفار

كقوله تعالى ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبّهِمْ إلى قوله ﴿ نحنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم بَلْ كنْتُمْ مُعْجِزينَ وأمثالها.

(9) في الآخرة ما دل على تحسرهم في الآخرة على عدم العمل ﴿ فَنَعْمَل صَالِحَاً غَيْرَ الّذِي كُنّا نَعْمَل ﴿ لَيْتَنَا نُرَدّ وَلا نُكَذّبُ بِآياتِ رَبِّنَا إلى غير ذلك من الآيات.

الدليل السادس: من الروايات ولا يمكن حصرها فإن جميع الأخبار الدالة على النهي والزجر والمدح والذم متعلقها الأفعال دون الإرادة والقدرة الكاسبة وأمثال ذلك وهذه الآيات والأخبار إذا تأملت مجموعها حصل لك الجزم اليقيني الذي لايعتريه شوب الاحتمال لما ادعيناه. إن قيل نحن لا نفكر إن إسناد الفعل إلى العبد على طريق الحقيقة إذْ لا نرتاب في أن ضرب زيد وقعد عمرو وأمثالها ليس من المجاز في شيء وأدلتكم إنما اشتملت على أن الفعل قد أسند إلى العبد ونحن لا ننكره ولايدل على مدعاكم؟ فجوابه إن المسند ليس نفس الإطلاق بل حصول العلم القاطع من المجموع بأن الباعث على العقاب والثواب والمدح والذم كونه فاعلاً لا كونه مريداً وهو ظاهر على من تدبر.

احتج الأشاعرة بوجوه

الوجه الأول:
إن فعل العبد ممكن في نفسه فيكون مقدوراً لله تعالى ولا شيء مما هو مقدور له تعالى واقع بقدرة العبد لامتناع اجتماع قدرتين مؤثرتين على مقدور واحد لما تقرر في محله. والجواب أما (أولاً) فيمنع إن كل ممكن من العبد مقدور له مقدور تعالى إذْ بعض الصادر عن العبد ممتنع عليه كالحركة والسكون والنوم والسهو وأفعال المزاح فلا يتم دليلكم على العموم، والمعتزلة في غنية مما قلنا إذْ هم يمنعون صحة قدرة الواجب بالأعراض وخصوها بالأجسام فقالوا لا شيء من مقدور العبد بمقدورلله وبالعكس وهذا وإن لم نقل به إلاّ أنا ذكرناه في مقام المنع. وبتقرير آخر إن عنوا أنه قادر ولو بالوسط فهو مسلم ولا ينفعهم وإن عنوا القدرة بالذات فليس بمسلم في الجميع. أما (ثانياً) فبأنه إن عنوا تعلق قدرته بمعنى الإيجاد بالفعل فهو في محل المنع وإن عنوا تعلقها بإيجاده ولو بالإمكان فلا يضرنا إذا الممتنع اجتماع قدرتين مؤثرتين بالفعل لا أن يكونا بالإمكان أو أحدهما بالفعل والأخرى بالإمكان وما نحن فيه من هذا القبيل.
159

الوجه الثاني:
إن العبد لو قدر على الإيجاد للأعراض لقدر على إيجاد الأجساد وليس بقادر هنا فليس بقادر هناك. بيان الملازمة أن لا داعي إلى القدرة سوى الإمكان وهو موجود في الطرفين ومشترك بينهما؟ والجواب إنا لا نرتاب في أن مجرد الإمكان ليس علة تامة في القدرة والقدرة قد تتوقف على شرائط توجد في محل دون آخر وهذا ظاهر لا يخفى على أحد.

الوجه الثالث: ما دل على أن جميع الأشياء مخلوقة له تعالى

كقوله تعالى ﴿خالق كل شيء وقد تكرر ذلك في القرآن والأدعية والخطب بل في ألسنة الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وقد تلقى هذا خلفاً بعد سلف. والجواب أما (أولاً) فبأن ما ذكرتم مقابل بمثله من الأدلة بل هذا مغمور فيما دل على دعوانا مع أن أدلتهم أقرب للتأويل فإن الأمير إذا بنى قصراً لهجت الألسن بأن الأمير بناه وإن بناه غيره ويؤيد ذلك أن من نسب هذا المعنى إليه بقوله خالق كل شيء منهم العاصي والجاهل والطفل مع أن دعواكم على تقدير صحتها لا يعرفها سوى الحذاق وأهل العلم والعامي لا يهتدي إليها. و( ثانياً) بأن هذا التركيب ظاهر في الأجسام وغيرها مما عدى الأعراض كما لا يخفى على المنصف فإن كل من يسمع هذا لا يفهم منه إلاّ ما ذكرنا فيبطل الدليل من أصله فتأمل.

أما القائلون بالجبر فدليلهم ما مر من لزوم التسلسل على تقدير خلافه إذْ لابد من المرجح على تقدير الاختيار وهو اختياري فلابد له أيضاً فأما أن تعود ويلزم ما ذكرنا أولاً فيتسلسل. وقد بينا فساد حجتهم في مبحث الحسن والقبح وأشبعنا القول فيه فلا يفيد على أن جميع ما مر أو أكثره مما أوردنا على الأشاعرة وأورد عليه فتذكر.

وأما القول بتشريك القدرتين فهو أمر لا مستند له مع أنه مردود بما ذكرنا إذْ قبح التكليف كما يتحقق على تقدير الاستقلال للعبد للزوم ما ينفره العقل من تحريمه تعالى للقبيح مع صدوره منه كذلك يلزم على والأدلة التي أفسدنا بها كلامهم مفسدة لهذا القول فعليك بالتبصر والتدبر فإن هؤلاء كادوا يلبسون على الخلق وجد لنياتهم عصمنا الله وإياكم من الزيغ والزلل وأذهب عنا السهو والخطل.


160

المطلب الثالث: في تحقيق فهم متفرعة على التحسين والتقبيح وهي شرائط التكليف

اعلم أن العدلية جعلوا للتكليف شرائط أنكرها الأشاعرة منها أن لا يخرج الفعل عن الطاقة بأن يكون مقدوراً للمكلف وأنكر ذلك الأشاعرة وهو بين مطلق الصحة غير متعرض للفرق بين أنواع المحال وبين مفصل وهم على أنحاء فمنهم من استثنى ما تؤدي محاليته إلى المحل تعلق الإرادة به كالتكليف بالنقيضين دون غيره ومنهم من منع التكليف بالمحال الذاتي أيضاً دون العادي. ثم هم بين قائل بالإمكان والوقوع معاً وبين قائل بالإمكان فقط دون الوقوع إلاّ أنهم في وقت المناظرة يلتزمون بالوقوع ليأخذوه دليلاً على الإمكان والحق.

(

هذا هو المقصد الأقصى والمطلب الأعظم إذْ جميع المقدمات وتمام العلوم الآلية إنما بحث عنها لإيصالها إلى معرفتها من جهة الدلالة وكيفية الاستدلال وحال المعادلة والترجيح إلى غير ذلك. وكشف الحال إن الفقه ليس إلاّ عبارة عن العلم بالأحكام الشرعية عن الأدلة ولا ريب في أن العلم عن الدليل موقوف على إثبات الحجية وعلى معرفة معانيه البسيطة ومعرفة المعاني الحاصلة بالتركيب وكيفية الاستدلال وأحوال التعارض من التعادل والتراجيح.

ثم على معرفة القابل لتلك المعرفة بمعنى أن يعرف أن كل ما أدى إليه نظره حجة عليه وعلى رعيته ثم الدليل إن أخذ بواسطة توقف على معرفة الواسطة وشرائط قبول خبره إلى غير ذلك فمن الواجب على كل من لم يمكنه تحصيل شيء بالمشافهة أن يتبين هذه المقدمات ويبذل جهده ووسعه في معرفتها ولا يعول على طريق الماضين إذْ طبقات أصحابنا مختلفة فأهل الصدر الأول لا يحتاجون في معرفة الموضوع إلى بحث ونظر لأن صاحب اللسان أدرى به فلهم غنيته عن اللغة إذْ هم أهلها وعن التصريف والنحو إذ هما مستنبطان من لسانهم بل وعن أكثر القواعد الأصولية إذْ أكثرها آيلة إلى اللغة كالأمر والنهي والعام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين.

وكلامهم في مثل هذا وتدوينهم لم يعد سفيهاً كما لو صنف منا شخص كتاباً معروفاً يعرفنا به لسان عصرنا، نعم يحتاجون إلى تعريف نزر منها وذلك فيما لو تعرفوا قول المعصوم بالواسطة فإنهم يحتاجون إلى معرفة قوة الرواية وضعفها وحسن الراوي وإثبات أصل الحجية وهم أشد مواضبة وعناية منا في ذلك حتى إنهم لا زالوا يقدحون في بعض الرواة ويمنعون روايتهم وينقلون جرح المجروح ويزكون المزكى كما لا يخفى على من تتبع حتى إنهم وضعوا كتاباً لهذا التعريف. وأئمتنا صلوات الله عليهم لما علموا احتياجهم إلى مثل هذا أكثروا في ذم الفساق والخارجين عن الحق من الرواة وزكوا كثيراً منهم كما لا يخفى على من تتبع وكذا أحوال المعارضة كالعام والخاص لامعناهما بل كيفية العمل عند المعارضة كما ورد التعريف من أهل العصمة صلوات الله عليهم وكذا أحوال التعادل والترجيح كما ورد عنهم (ع) من العرض على كتاب الله والأخذ بالأصح والأوفق بالشهرة إلى غير ذلك. لكن مثل هذه الأشياء لا يلزم تدوينها لقلة النزاع والتشاجر في مثل هذا في زمانهم إذْ أمثال هذه الأصول والقواعد مع وجود مواصلها لا يكون فيها خفاء مع أن الاعتناء بتدوين مثل هذه الأشياء النادرة ليس من اللازم كما في أكثر القواعد المتروكة في كتب أصحابنا رضوان الله عليهم ومع ذلك كله فالتدوين غير لازم وعلى تقدير فرض الجهالة لهم في أمثال تلك الموضوعات فرجوعهم إلى أهل زمانهم ولغة بلدهم ولا حاجة إلى نحو أو صرف أو لغة ينقلها نحوي أو صرفي أو لغوي هذا كله بالنظر إلى الموضوعات.


161

وأما الأحكام فقد يعلمونها بلا وسط ولا يحتاجون فيه إلى مؤنة تعديل أو جرح أو غير ذلك وقد تعلم لهم بوسط فيحتاجون إلى مثل تلك المؤن على نحو ما ذكرت، نعم هناك أمر مشترك بيننا وبينهم في الاحتجاج وهو علم الميزان إلاّ أنا إليه أحوج لبعد العميد عن مصدر الأدلة. ومع ذلك فربما كانت لهم قوى قد سية بقتلهم عن تعلم هذا العلم ويؤيد هذا ما ينتهي من بعض التواريخ من وجود خواص لأولئك حتى إنهم بلغوا في الحفظ أقصاه حتى نقل أن بعضهم حفظ ألف حديث وعشرة آلاف بأسانيدها ولا يبعد أن الله نعمهم بخاصة زائدة علينا حتى يسددوا أحكام الفرع ويطلعونا على دقائقه ثم قياس الشاهد على الغائب باطل.

هذا بالنظر إلى فقيه أهل ذلك العصر أما من يأخذ منهم خبراً واحداً كسائر الأعوام فلا حاجة لهم بذلك مع أنه كان في أصحابنا الحكماء والمتكلمون وأرباب النظر كما لا يخفى على من اطلع، هذا حال الصدر الأول أما من بعد عهده عن المعصومين فهو محتاج في أحكامه وموضوعاتها إلى وسط غالباً أما من الأحكام فظاهر لأن بعدهم عن المعصومين وغيبة إمام زمانهم عجل الله فرجه وجعلنا من المنتفعين بظهوره مانع من شفاههم وهذا يقتضي أخذ اكثر الأحكام من الواسطة وإن كان بعضها قد يستفاد من العقل أو الإجماع أو السيرة وأما موضوعاتها فاللازم على المستدل أن يعرف مصطلح المخاطبين في الصدر الأول.

أما على القول بعدم عموم خطاب المشافهة للمعدومين فظاهر إذْ الخطاب إنما يراعى فيه حال الموجودين حين الخطاب بل بعضهم فمعرفة معنى الدليل تتوقف على معرفة مصطلحهم وعلى القول بالعموم وإن كان باطلاً كما هو رأي الأشعري فيلزم أيضاً ذلك إذْ هو حاكم بوجوب جريان الخطاب على اصطلاح الموجودين.

وما تسمعه من بعض أهل الجهل من أن الأشعري يراعي اصطلاح المعدومين فهو غلط نشأ عن ورود الشبهة على الأشعري حيث إنه عند المغايرة كخطاب العربي بالزنجية لكنه لا يعبأ بمثل هذا إذْ هو من لا يشترط وجود المخاطب كيف يشترط مهمه نعم إن قيل به حين الوجود فللقبيح الظاهري وإذا ثبت وجوب معرفة ذلك الاصطلاح من جهة الدلالة والإفادة في ذلك الزمن لزم علينا أن نعرف جميع ما يتوقف عليه فهم القضايا الملقاة من الشارع إذْ العلم بالقضية والتصديق بها يستدعي تصور الموضوع والمحمول والمتكفل به علم اللغة وعلم التصريف وتصوير النسبة والمتكفل به علم العربية والإذعان وذاك يحصل بالبرهان والمتكفل به علم الميزان.


162

ثم ذلك كله موقوف على معرفة حجية تلك القضية حتى يتم له الاستدلال بأن هذا ما وصل إلي بطريق كذا وكل ما هو كذلك لزم علي الإتيان به مثلاً وهذا إنما يتم بعد إقامة الدليل على حجية ذلك الطريق ثم إذا حصل معارض لزم معرفة كيفية الجمع أو الطرح ثم لابد من معرفة أن مظنته تلك مقبولة ونظره مقبول والمتكفل بذلك كله علم الأصول. ثم أهل الأصول تعرضوا لغير ذلك في كتبهم من المباحث اللغوية أو العقلية ولم يحيلوها على علم اللغة ولا على ما يبنوه من حجية العقل كما فعلوا ذلك في الأمور النقلية ومعظم الأمور اللغوية أما لطول التشاجر والتنازع فيها كما في الأمر والنهي والعام والخاص ونحوها وكذا مسألة النهي عن الضد والمقدمة كيفما حسبتا من العقل أو النقل وأما لكونها أصلاً يبتني عليه جل الأحكام كما في مباحث الحقيقة والمجاز والاشتراك ونحو ذلك. وهذا ليس من خواص هذا العلم بل في كل علم دساس من آخر قد اتصل معه إلى حيث تعد أجزاء منه وقد توجد فيه مع الحسبة كإدخال بحث الصفة وأسم الفاعل في النحو مع أنها من الصرف وإدراج مباحث اللام فيه أيضاً ومعانيها مع أنها من اللغة وكذا معاني حروف الجر وفوائد الإضافة إلى غير ذلك مع أنها كذلك منها فذكر أصحابنا لهذه المباحث وعزلها عن اللغة باعتبار هذه الخواص التي لولا إفرادها لضاعت في المباحث اللغوية.

هذا مع أن كثيراً منها إنما ذكر توطئة للمبحث الأصولي كالعام والخاص إذْ الغرض كيفية الجمع وإرجاع العام وكيفية المعارضة وكذا المجمل والمبين إذْ البحث في حال أحدهما مع الآخر يرجع إلى كيفية الاستدلال سيما أن مثل هذه المباحث يحتاجها الفقيه في كل مسألة غالباً بل قل ما ترد مسألة خالية عن أمثال هذه الأشياء وهذا هو السر في عزل هذه المباحث وأي باس فعلى ما ذكرنا لا نحتاج إلى دليل يدلنا على لزوم تعلم هذه العلوم أو راجحيتها إذْ الأمر بالشيء أمر بما لا يتم إلاّ به ومع ذلك فأخبارنا تنادي بلزوم هذه العلوم.


163

أما العربية وأعني بها النحو والتصريف فقد ورد الأمر بهما وكذا اللغة وأما علم الأصول فما فيه من المباحث اللغوية يلحقه حكم اللغة وذلك لكثره مع أنه في أخبارنا التوصية بالمحافظة على العام والخاص والمجمل والمبين والناسخ والمنسوخ إلى غير ذلك فعمدة مباحثه اللغوية مصرح بها في الأخبار، منصوصة في كلام أهل العصمة وكذا مباحث التعادل والتراجيح والاجتهاد والتقليد ونحوها.

فليس علم الأصول إلاّ شعبة ملفقة من مباحث لغوية ومطالب محصلة من الروايات وشيء من الأمور العقلية اجتثت من أصولها ليتم الكلام فيها ويحاط بأطرافها فالمانع من ذلك إن منع أصل المطالب فقد خالف السنة ومنع اللغة الظاهرة الاحتياج وكابر البديهة وإن أراد منع النقش فليس ذاك بعلم الأصول مع أنه لا أثر للنفش مع عدم المانع من إفادة المعنى.

وليت شعري كيف يتوصل إلى معرفة كلمات الشرع من غير بذل الجهد وإتعاب النفس في تلك المباحث في محالها إذْ دعوى البداهة في تلك المباحث بنية الغلط كيف ولم يزل التشاجر فيها من إجلاء العقلاء وأساطين العلماء ولقد سمعت ممن يرى هذا الرأي إنه لا يثق بمن ينكر أو يشك في أن الأمر للوجوب بدعواه البداهة في ذلك فينسب القول بالخلاف إلى العناد والعصبية لكن المنصف الناظر بعين البصيرة يجد أن لكل من الأقوال سوى الناظر فيها مدركاً متيناً ومستنداً قوياً يصح الميل إليه والبناء عليه.

وكأن أقصى ما يدعو هؤلاء إلى إنكار البحث والنظر في هذه الأشياء زهدهم وقلة ميالاتهم في المطالب العلمية والرضا منها باليسير وقصور الهمة وطلب الراحة والقناعة بالقليل على حد ما يصدر من الزهاد في أمر الدنيا وعلى الطالب للفضيلة الراغب في المراتب الجليلة بالاغتراف من بحار الفقهاء والاقتباس من أنوار الفضلاء وأخذ العلم من أفواه الرجال فإن العلم كله في العالم كله وقد أشبعنا الكلام في صدر كتابنا في كيفية العلم بموضوعات الأحكام والطرق المعتبرة فيها وغير المعتبرة وفقنا وإياك وهدانا وهداك.


164

في دليل العقل

وفيه مباحث

المبحث الأول: في حجية العقل في الجملة

قد اتفق أرباب العقول بل قيده عندهم أن العقل له استقلال في الجملة وإثبات المطالب من دون مساعدة الشرع إذْ لولا ذاك لما ثبت الشرع إذْ ثبوته على تقدير توقفه على الشرع مع توقف الشرع عليه دون ظاهر وثبوت الواجب تعالى مما يستقل به العقل ولا دخل فيه للشرع قطعاً وكذا قدرته وحكمته وعلمه إلى غير ذلك.

نعم جرى الخلاف في أمر آخر وهو إن إدراك العقل هل هو باللزوم والاقتضاء أو بجعل الشارع بمعنى إن الله أجرى عادته على خلق العلم بعد النظر في المقدمات والتأمل في القضايا المحصلة للإنتاج فالعقل إذا ظرف تنطبع به صور المعلومات بجعل صور الأشياء تبارك وتعالى وهذا مما بنى عليه الحسن الأشعري وخالف فيه أرباب العقول كما هي عادته بناءً على أصله الباطل وهو إن جميع الأفعال بل الكيف والانفعالات مفعولة لله تعالى وإن الله خالق كل شيء قبيحاً كان أو حسناً طاعة أو معصية نقصاً أو غيره.

فالعلم إذا من مخلوقات الله تعالى سوى كان اعتقاد حق أو باطل كعلوم أهل الأديان الباطلة واعتقاداتهم وهذا أمر تفرد عنه العقلاء من البراهمة والثنوية وغيرهم بجميع العلوم عادية عنده وليس هناك علم عقلي حتى العلم بأن الواحد نصف الاثنين وأن النقيضين لا يجتمعان والكل أكبر من الجزء والجزء أصغر من الكل إلى غير ذلك.فأصل استفادة العلم من العقل ولو بطريق الكسب إجماعي لا خلاف فيه إلاّ من بعض السوء فطابقة الذين كذبوا الحس والعقل محتجين بأن كلاً منهما يصيب مرة ويخطأ أخرى فلا معول عليهما، وجوابه: إنها شبهة في مقابلة الواجدان والبديهة فلا تسمع وجلها إن ما ذكروه يقتضي فساد العلم بالعلم لا فساد نفس العلم وذاك ما انكشف فساده ظهر أنه ليس بعلم وهو لا يقتضي فساد جميع العلوم فحال العلم هنا كحال المعلوم في أن تبدل العلم لايقتضي ببدله وبهذا البيان ظهر لك فساد ما ذكروه بعض المتأخرين من أصحابنا في عدم التعويل على العقل وعلمه من أنا نرى أرباب العقول مختلفين فبعض يكفر بعضاً بل الشخص الواحد قد يرى رأياً مباحاً فيعدل عنه ليلاً أو ليلاً فيعدل عنه صباحاً.


165

والحاصل اختلاف العقل وتبدله دليل عدم اعتباره وهذه كما ترى شبهة السوء فطابقة وبطلانها بنحو ما ذكرنا غير خفي وليت شعري هذا الفاضل مع علو قدره وجودة فكره كيف يذكر مثل هذا وفيه فساد الدين ونقض شريعة سيد المرسلين فإن الاختلاف جارٍ في أصول الدين مر في وجوب وجود رب العالمين مع أن ما ذكره يقتضي عدم العلم بالحس فإنه قد يقع الغلط فيه وأقليته لا تقتضي إلاّ أنه أقرب إلى الصواب.

وأما أصل العلمية فمنتفٍ أيضاً هذا مع أن الكتاب العزيز مملوء من الآيات الدالة على اعتبار العقل ولزوم الرجوع إليه قال الله تعالى ﴿ إِنّ في ذَلِكَ لآياتٍ لأُولي الأَلْبابِ ﴿ لأُولي النّهَى ﴿ لِقَوْمٍ يَعْقِلونَ ﴿ أَفَلا يَعْقِلونَ ﴿ وَلكِنّ أَكْثَرهم لا يَعْقِلونَ ﴿ ذلكَ بِأَنّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلونَ ﴿ أَفَلا يَتَدَبّرونَ القُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفَالُها إلى غير ذلك من الآيات الدالة على مدح العقل وأهله وذم ترك العمل على العقل والقرآن مملوء من ذلك.

وفي الحديث عن أبي الحسن (ع) حين سئل فما الحجة على الخلق اليوم فقال ( العقل يعرف به الصادق على الله فيصدقه والكاذب على الله فيكذبه ) وفي آخر عن الصادق (ع) حجة الله على العباد النبي (ص) والحجة بين الله وبين العباد العقل وفي آخر عن الكاظم (ع) قال ( يا هشام إن لله على الناس حجتين ظاهرة وباطنة فأما الظاهرة فالأنبياء والرسل والأئمة(ع) وأما الباطنة فالعقول ) وفي آخر ( خلق الله العقل فقال له أقبل فأقبل وقال له أدبر فأدبر فقال بك أثيب وبك أعاقب ) وفي آخر ( إنما يؤاخذ الله الناس بمقدار عقولهم ) إلى غير ذلك من الأخبار من أن الأمر على ما أوضحنا لازم لكل من يثبت شرعاً أو يرى رأياً بل هو غير خفي على كل من يرى رأياً ويعلم علماً.

مع أن هذا الفاضل سلمه الله إذا تتبعت كلماته رأيته رجع القهقرى إلى مراد الفقهاء والمجتهد حيث إنه بعد أن أورد على نفسه مثل هذه الأدلة الدالة على اعتبار العقل أجاب بأنها محمولة على العقول السالمة من مخالفة الحق والميل إلى الباطل بالعصبية والعناد واتباع الأهواء ولعمري هذا مراد أصحابنا لكنهم أثبتوا قطعاً للعقل نظرياً يقوم في مثله الاشتباه. وظاهر كلامه أبقاه لله فساد مثل هذا وهو عجيب وكيف كان فحجية العقل وبرهانيته غير محتاجة إلى مؤنة النظر وغوامض الفكر إذْ بفسادها نقص الشرائع القويمة وإبطال الملل المستقيمة بل فساد أكثر الموضوعات بل جميع المبصرات والملموسات والمسموعات.


166

المبحث الثاني: في تحسينه وتقبيحه

هذه هي المعركة العظيمة بين العدلية والأشاعرة فمذهب العدلية إن جميع أحكام الشرع آيلة إلى أسباب ودواعي نفس أمرته تتبدل تلك الحكام بتبدلها فأصل الشرع مبني على تلك الأحكام والمصالح وكذا تجديده كالنسخ مبني على فساد تلك الحكم أو حدوث ما يعارضها ويغلبها وبنوا ذلك على أصلهم من أوامر الشرع تتبع الحاكم والأغراض وإلا لزم السفه والعبث ويعفون بها الأغراض الراجعة إلى المكلفين المقتضية لصلاح أمر المبدأ أو المعاد.

ثم تلك الأسباب وهاتيك الدواعي قد يطلع عليها العقل من دون وسط كدواعي قبح الظلم وكبر الأبرار وشتم الأخيار أما بالضرورة أو بالنظر وقد يحتاج فيه إلى وسط فيحتاج فيه إلى الشرع فالعقل إذا حاكم مستقل يقبح إذا اطلع على مفسدة صرفة ويحسن إذا اطلع على مصلحة صرفة وادعوا أن نعرة العقل عن بعض الأفعال وميله إلى بعض ضروري وجداني يدرك بالبديهة على نحو اشمئزاز بواسطة السمع والبصر والذوق واللمس من منافيات الطبع وادعوا أن هذا يعرفه منكر والشرائع ومن لم يسمع بطرائق الشرع أو سمع ولم يعقلها كالأطفال والصبيان واستندوا في إثبات ذلك أيضاً إلى أنه من دونه يفسد الشرع وتقحم الأنبياء. ويلزم أن لا يقبح من الله شيء فيحتمل كذب الأنبياء وعدم تصديق المعجز وكذا كذب الوعد والوعيد وكذا أن يأمر بخلاف ما يريد وينهى عما يريد وأن يعاقب المطيع ويثيب العاصي مع أن الآيات القرآنية والأخبار النبوية والمواعظ في الخطب مملوءة من تعليل الأحكام بالمصالح كما لا يخفى، مع أن الأشعري ينفيه مبتغوه في مقام الوعظ والنصح والأمر بالمعروف وتهذيب الأخلاق بل مبنى حجية القياس وطريقته على ذلك بل أعمالهم مبنية عليه فإن السيد منهم والأب والولي يعاقب ويستند في ذلك إلى قبح العقل وقد لا يخطر بباله الشرع ولا يذم على ذلك ولا يعاب عليه وإرجاع هذه الأمور إلى المعاني التي ادعوا الإجماع عليها بعد تسليمها وإنها قول لقدمائهم إلاّ وجه له لأن معظم ما ذكرنا يتعلق بأمر المدح والذم وهو المدعى.

وأما الأشاعرة فقد منعوا ذلك وادعوا أنهما بمحض الشرع ومن دونه لا حسن ولا قبح بل الأمر يدور مدار أمره ونهيه فلو أمر بالقبيح صار حسناً ونهى على الحسن صار قبيحاً فلا موجب إلاّ الله والمحظور ما حظره الله، واستندوا في ذلك إلى أن جميع الأشياء على السوية ليس لأحدها رجحان على الآخر إلاّ بأمر إلهي وبيان رباني ثم على حصول الرجحان فأمور الشرع لا تبنى عليه إذْ أوامر الله لا تتبع الأغراض إذْ ربنا منزه عن الفرض وإلا لزم النقص والاحتياج فعلى هذا لو اعترفنا بوجود المرجحات وضدها لم نلتزم بتبعية أحكام الشرع لها.


167

ولا يخفى عليك أن هذا في الحقيقة نزاع في المقدمة الثانية القائلة كل ما قبحه العقل قبحه الشرع أما الأولى وهو ثبوت تقبيح العقل في الجملة فهذا الدليل لا يدفعه لكن مرام الأشعرية منع الأخيرة وهو من محل الخصام أيضاً. واستندوا أيضاً إلى أن أفعال العباد اضطرارية أو غير مفعولة لهم على اختلال التقريرين فلا توصف بحسن ولا قبح وابتنوا الاضطرار بأنه لولاه لزم الترجيح بلا مرجح فيلزم الترجيح لا مرجح والثاني مبطل فيبطل الأول. وبأنه لو قال القائل لأكذبن غداً دار أمره بين النقيضين على السواء وارتفاعهما معاً محال مع أنه مكلف به لوجود القبح فيهما معاً وبتكليف أبي بتصديق النبي (ص) ومن جملة أنه لا يؤمن فيلزم عليه الإيمان وعدمه وهو تناقض والجمع بينهما محال ومن النقل

بقوله تعالى ﴿ وَمَا كُنّا مُعَذّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً والجواب عنه إنها شبهة في مقابلة البديهة فلا تؤثر، والجواب تفصيلاً سبق في صدر الكتاب فلا يفيده وقد صدر عن بعض متأخرينا القدح في المقدمة الثانية التي أشرنا إليها بأن العقل يكذب كثيراً فلا تعويل عليه وقد مضى ما يكفي في رده.

بقي هنا كلام في أن التحسين والتقبيح المذكورين هل يترتب عليهما بمجرد هما إثم ويلحق المكلف بذلك العلم العقلي عقاب أو لا؟ فبعض فضلائنا المتأخرين بعد أن سلم بتفكر المقدمتين منع التكليف مستنداً إلى ما دل على نفي التعذيب، وأقول هذا لا يدفعه العقل إن ادعى العفو وإن كان أصيلاً وإن ادعى رفع الاستحقاق فهو ظاهر البطلان مع أن الدعوى على التقدير الأول عنونه لظواهر الأدلة التي أسلفناها والأخبار التي نقلناها إذْ هي صريحة في أن الله تعالى يعاقب بمجرد دلالة العقل وإن لم يرد شرع وإنه حجة باطنة. فالآية بظاهرها لا تصلح لإبطال ما تضمنه ذلك مع أن الوجوه المذكورة في توجيهها وجيهة جداً ثم هذا الفرع عندنا قليل الجدوى إذْ عندنا لم يكن من أبينا آدم(ع) إلى يومنا هذا زمان خالٍ من مبيني الشرع بل عندنا أن ذلك أمر لازم لا مخلص عنه وإنما ذكرنا المسألة من دون إطناب لأن مرامنا تذكير ما في أول الكتاب ولأن الذكر هنا تقريب وتعليم للطالب وتدريب.


168

في أصل البراءة

هذا الأصلي مما اتفقت عليه الفقهاء واستقرت عليه آراء الفضلاء بل ثبوته من قبيل الضروريات إذْ لولاه لزم تكليف ما لا يطاق وذلك أن التكليف بالشيء إذا كان عبادة استدعى قصد القربة وهي موقوفة من على المطلوبية وهي فرع معرفة المطلوب وكذا فيها وفي غيرها لابد في الطاعة من قصد الامتثال وذلك لا يكون إلاّ بعد معرفة الطالب والمطلوب فمع عدم معرفة التكليف أما أن لا يعرف المكلف به أصلاً وذلك قاضٍ بعدم توجه النفس أصلاً أو يعلم وذاك قاضٍ بعدم حصول الامتثال والانقياد إذْ هما لا يحصلان إلاّ بمعرفة الفعل، والقصد إلى طاعة الأمر مع أنه مما تشهد به السيرة والإجماع والضرورة بين الأمامية بل بين جميع المسلمين بل بين جميع الملبين بل مثل هذا الأصل جارٍ بين العقلاء فإن السيد والولي لا يستطيعان على عقاب من لهما سلطان عليه بمجرد إرادتهما ومحبتهما الواقعية وهذه طريقة أرباب العقول. ثم لا ريب في أن ذمة المكلف خالية قبل بلوغه وقبل توجه الخطاب إليه فيبقى على ما كان حتى يعلم وتكون المسألة على هذا جزئية من مسألة الاستصحاب وهي كذلك وإنما أفردناها لأنها لا تتوقف في ثبوتها على ثبوته بل لو لم يثبت لثبتت بالإجماع والضرورة والعقل إلى آخر ما ذكرنا.

وقد ورد في السنة ما يقتضي القطع بهذا الأصل كقوله (ع) ( ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم ) وكذا ( الناس في سعة ما لم يعلموا ) أو ( رفع القلم عن تسعة أشياء وعد منها ما لا يعلمون ) وفي قوله تعالى ﴿ وَمَا كُنّا مُعَذّبين دلالة ظاهرة وحجة بينة وينبغي أن تعلم أن مرادنا بأصل البراءة هنا رفع الوجوب لارفع الحرمة الذي سنفرد له بحثاً ونسميه أصل الإباحة.

بقي هاهنا شيء وهو إن مرادنا بأصل البراءة رفع التكليف الظاهري الذي يدور الثواب والعقاب عليه وأما الواقعي فكثير من هذه الحجج لا تنهض عليه ويمكن أن يقرر بأن المكلف قبل التمييز لا يطلب منه واقعاً بل لا يوصف فعله وعدمه بحسن ولا قبح ويرجع إلى إثبات الإباحة الواقعية وعدم المطلوبية أصلاً أو يقال رجحانية الشيء أمر زائد والأصل عدمها.


169

وكيف ما كان فمراد الفقهاء رفع التكليف ظاهراً ولو أريد الواقعي فيكون إتيانه أيضاً على نحو ما تقرر، ثم هذا الأصل إنما ينتفع به مع عدم اشتغال الذمة بيقين أما لو اشتغلت كذلك فالأصل بقاء الشغل وعدم الفراغ وهذا كما في من وجب عليه مقضيات متعددة فالواجب عليه أن يفرغ ذمته بيقين فلا يؤثر الشك في الفراغ بل ولا الظن وإن ظن بعض فقهائنا الاكتفاء بمجردهما.

وإذ نبهناك على هذه الدقيقة فلا يرد عليك شبهة في أصل المطلب بأن أصل البراءة من أصله غير مستقيم وذلك بأنا نعلم إذْ علينا في نفس الأمر واجبات فقد شغلت الذمة واقعاً بيقين فلابد من الفراغ اليقيني فينتفي هذا الأصل من أصله؟ وجوابه إن حسن الشيء مع عدم التكليف به لا يقتضي وجوب الفراغ خصوصاً مع عدم التمكن منه لعدم الحصر لما يدخل فيه وربما كان الداعي إلى عدم التكليف.

واعلم أن تمشيته هذا الأصل بناءً على رأي الأشعري من إثبات الكلام النفسي وقدمه محتاج إلى النظر ووجهة ظاهرة في أصل الإباحة وقد يدرج في أصل البراءة بأن يراد البراءة عن لزوم الفعل أو لزوم الترك فيجمعهما معاً وقد أدرجه فيها بعض المتأخرين وهو حسن. وهذا الأصل محل خلاف بين المسلمين كافة أما المخالفون فهم بين قول بأن الأصل في الأشياء الحرمة واقعاً وربما قيل ظاهر أو بين واقف وبين حاكم بأصل الإباحة وأما أصحابنا الأمامية رضوان الله عليهم فهم بين حاكم به على أن كل شيء حلال حتى يعلم الحرام وعليه كافة المجتهدين من أصحابنا وبين نافٍ له وهم أصحاب الحديث وأهل الأخبار وهم بين أقوال:

(1) إن الأشياء على الحرمة الواقعية.

(2) الحرمة الظاهرية يعني بالنظر إلى ظاهر التكليف لا في نفس الأمر وفيه تنقسم إلى الأحكام الخمسة.

(3) الوقف بمعنى إنا لا نعلم حقيقة الحال فما لم يرد فيه نص فحاله مشتبه عندنا ويلزم علينا تركه احتياطاً لأنا مأمورون بالاحتياط ولأنا قد أمرنا بالوقف في مقام الاشتباه.

الأول والثاني قولان نادران لهم وبناء جمهورهم على الأخير. والحق ما عليه كافة المجتهدين ورؤساء الفقهاء من أن الأشياء على الإباحة وذلك لوجوه:


170

الأول: ما قررنا سابقاً من وصف الإباحة مرجعه إلى عدمي أي عدم وصف مرجح ومفتح وأما غيرها من الأحكام الأربعة فتحتاج إلى زيادة وصف ذاتي وعارضي زائدين على أصل الذات أما هي فموقوفة على تساوي الوجود والعدم أعني عدم رجحان أحدهما على الآخر، ولا يرد أنه لو كان القبح ذاتياً وكذا أنواع الحسن بناءً على رأي أوائل المعتزلة لم يرد ما ذكرت، لأنا نقول وإن كان الداعي إلى ذلك بناءً على هذا الرأي ليس زائداً على أصل الذات لكن مقتضاهما من الفساد المترتب أو المصلحة المترتبة عليهما حادثان والأصل عدمهما والحاصل اقتضائية الذات بشيء. حتى نفرة العقل وميله أمر حادث بحدوث الذات زائداً عليها فالأصل عدمه وكيفما كان فلما عدى الإباحة لوازم وجودية والأصل عدمهما وسيأتي عن قريب إنشاء الله إثبات حجية هذا الأصل أعني الاستصحاب وهذا التقرير على رأي الأشاعرة جارٍ أيضاً بأن يقال كون هذا متعلقاً للأمر أو النهي عن الكلام النفس غير معلوم والشك فيه كافٍ لا لأن العدم سابق فيستصحب بل لأن الدعوى محتاجة إلى البرهان وموقوفة على البيان.

الثاني: إن كل واحد منا لم يكن محلاً لخطاب قبل بلوغه ولا أقل قبل تميزه والأصل بقاء ذلك والحاصل كنا بحيث يستوي منا الاتحاد والإعدام الوجود والعدم بالنظر إلى جميع الأفعال فالآن كذلك وهو لازم للإباحة.

الثالث: الطريقة العلمية لأصحابنا فإنهم رحمهم الله تعالى لا زالوا يطلبون البرهان على مدعي الوجوب أو الحرمة أو غيرهما من الأحكام الأربعة ويذكرونها ويقيمون الحجج عليها غير متعرضين لشيء من المباحات ولا التعرض لأدلتها بل غير خفي على الناظر في طريقتهم أن الإباحة أصل يرجعونه إليه عند العجز عن أدلة بواقي الأحكام فلا زالت همتهم لإقامة الدليل على الحرام والواجب وغيرهما من الأربع كما لا يخفى.

الرابع: طريقتهم العلمية فإنا لم نسمع أحدهم يتوقف في فعل من الأفعال من أكل وشرب واتكاء وجلوس وركوب وقيام وقعود بأنواعها وكذا جميع الأفعال من غير توقيف على دليل ولا نظر في حجة ولا ينفع الاعتذار بعمومات ﴿ وَأُحِلّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذلِكُمْ ونحو ذلك في المطاعم والمشارب فإنهم لا يلتفتون إليها أصلاً مع أن الكلام في غير تلك الصور المنصوصة كافٍ، ودعوى أن جميع هذه الأشياء تستعلم بالضرورة من الدين فرية بما فيها مرية كما لا يخفى على المنصف. بل يجيء في ظني أن هذا شأن الملل السابقة أيضاً وطريقة أهل الأديان السالفة بل شأن جميع أهل السلطان فإن من جعل لشخص بستاناً وجعل فيها مطاعم ومشارب خلقها لأجله لاريب في أن حكمه عليه أن يبني على ظاهر الحال حتى يجيئه ما ينافيه والحاصل هذا أمر مشترك بين كل من يلزم عليه طاعة غيره كما لا يخفى.


171

الخامس: جميع الخلائق حتى النساء والأطفال حاكمون بهذا الأصل حتى لو أمرهم أحد بترك فعل طالبوه بأن هذا ما سمعنا فيه بأساً ولا يرضون منه ولا يجتنبوه حتى يرونهم عن أهل العلم أنهم يزجرون عنه ويحرمونه والحاصل هذا كان من الأمور الضرورية التي استقرت عليه كلمة الكل.

السادس: كتاب الله قال الله تعالى ﴿ خَلَقَ لَكُمْ ما في الأَرْضِ جَميعاً تقريب الاستدلال إن الآية سيقت في معرض التفصيل فلا يراد بها إلاّ عموم المنافع فلو أريد بها بعض المنافع بطريق الإهمال لم تلائم الامتنان والتفضيل ثم لابد من أن تراد المنافع الظاهرة للعباد إذْ لو أريدت المنافع الخفية لما رغب إليها عامة الناس حد الرغبة ويحدوها كمال النعمة فدلت على جواز التصرف كيف أردنا وأي وقت شئنا وذلك المراد. وقال عز من قائل ﴿ قُلْ مَنْ حَرّمَ زِينَةَ اللهِ الّتي أَخْرَجَها لِعِبادِهِ وَالطّيباتِ مِنَ الرّزْقِ وفي هذه تقوية لدلالة الآية الأولى وذلك إن مقتضاها أن ما أخرجه الله وخلقه لعباده لا يجوز تحريمه فكل ما في الأرض مخرج لنا بمقتضى الأولى وكل مخرج لايصح تحريمه لكن في ذلك ما يخفى من النظر، ثم عموم الآية قاضٍ بما قلنا إلاّ إذا فهم منها تحريم ما خلق الله بجهة خاصة بالنظر إلى تلك الجهة ووقع الذم على ذلك.

وكذا الآيات الكثيرة لا سيما في المطاعم والمشارب قال الله تعالى ﴿ قُلْ حَرّمَ رَبّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴿ إِنّمَا حرّمَ عَلَيْكُمُ الميتَةَ وَالدّمَ ﴿ وَأُحِلّ لَكُمْ مَا وَراءَ ذلِكُمْ إلى غير ذلك. وبعض الأخباريين لما روي كثرة الإمامة في أمر الإباحة نزل العام منها على المأمول والمشروب واقتصرنا على المدلول الصريح للصريحة فهماً وجعل هذا الأصل سليماً في المطعم والمشرب دون البواقي.

السابع: الأخبار الكثيرة التي تبلغ حد التواتر كقوله (ع) ( كل شيء مطلق ) ( كل شيء حلال ) ( رفع القلم ) ( وعد منها ما لم يعلم ) ( ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم ) ( من عمل بما عمل لم يضره ما جهل ) إلى غير ذلك من الأخبار الصريحة الموافقة لكتاب الله ولعمل الأصحاب.


172

الثامن: ما دل من الكتاب والسنة على نفي الحرج ولا ريب في لزومه إذا لم يحكم هذا الأصل لأن الوقوف عند كل جزء حرج عظيم وضيق مفرط خصوصاً لأرباب الاحتياط إذا عملوا بما علموا.

التاسع: الإجماع الذي نقله الصدوق والمحقق والعلامة وكثير من المتأخرين وهو ظاهر الكليني والمفيد والشيخ على ما نقل.

العاشر: الآيات الدالة على نفي التكليف مع عدم العلم وهي كثيرة.

والنظر إلى هذه الأدلة يفيد العلم فضلاً عن الظن للمنصف وأما أصحابنا الأخباريون رضوان الله عليهم فقد استدلوا على دعواهم بضروب عن الأخبار وأنواع من الأدلة:

(1) الأخبار المستفيضة من أن لله في كل واقعة حكماً شرعياً مخزوناً عند أهله حتى أرش الخدش والجلدة ونصف الجلدة، وجه الاستدلال إن جميع الأحكام بناءً على هذا ورد فيها خطاب شرعي أو أحكام الله ظهرت بتمامها على لسان نبيه (ص) وأهل بيته صلوات الله عليهم قال الله تعالى﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فكيف يصح التمسك بأصالة الإباحة لعدم الدليل ومقتضى ما ذكرنا لابد من الدليل في كل حكم. فالبناء على أصل الإباحة ينفي التعويل على تلك البراهين الواردة في خصوصيات الأحكام المكنونة عند النبي (ص) وأهل بيته (ص) نعم تمشية ذلك الأصل بناءً على رأي المخالفين ممكنة إذْ هم حاكمون بأن كلما جاء به النبي (ص) ألقاه إلى الصحابة وبقيت بعض الأحكام عن الدليل فترجع إلى الأصل ولم يروا ما رأينا من وجود من هو محل للعلم الإلهي بعد رسول الله (ص) بل قد يقال تمشية على رأيهم لا يخلو عن غبار حيث إن القطع بعدم هاتيك الأدلة في تضاعيف الكتب عزيز بعيد الحصول.

(2) استفاضة الروايات في تثليث الأحكام حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك فاجتنبوا الشبهات لئلا يقعوا في المهالك ولو تم ما ذكروا من أصل الإباحة لم يبق سوى قسمين ولا يكون الثالث وهو خلاف صريح الروايات.

(3) الأخبار الكثيرة عن أئمة الهدى صلوات الله عليهم المتضمنة للوقوف على ما لم يعلم والجري على جادة الاحتياط وأصل الإباحة ينافي في ذلك أما لأنه لو كانت له حقيقة لظهر وبينوه (ص) في مقام البيان أو لأنه لو ثبتت لزم بطلان الوقف وطريقة الاحتياط وهو خلاف ما دلت عليه الأخبار.


173

(4) ما ورد في علاج التعارض حيث ذكروا صلوات الله عليهم عدة طرق ولم يذكروا البراءة الأصلية ولا رمزوا إليها فلو كان لها أثر لرمزوا إليه ونبهونا عليها بل قد اشتملت مقبولة عمر بن حنظلة على الإرجاء حتى تلقى إمامك معللاً بأن الوقوف في الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات.

(5) مدائح الاحتياط والأمر به في عدة طرق وأيضاً في تحسين العقل إياه لأنه أبعد عن الهلكة وأقرب إلى السلامة كفاية فإن من وقف عليه يقيناً وسلم من احتمال الهلكة ومن لم يكن كذلك فهو على خطر عظيم.

(6) إن هذه الطريقة أقرب إلى العبودية وأنسب بالانقياد والامتثال لأمر الله والجري على منهج أهل الشرع فإن أخذ ما يقولون وترك ما لا يقولون أقرب إلى طاعتهم والتسليم لأمارتهم.

هذا وإنما سقنا أدلتهم على وجه يثبت الوقف لأنه مشهورهم ومال إليه جمهورهم ولعلنا بعد الفراغ من هذا الرأي نذكر شبهة الآخرين.

والجواب عن الأول إن أقصى ما دلت عليه هاتيك الأخبار إن لله في أمر حكماً نفياً أمرياً وهذا معلوم لا كلام فيه ونحن معترفون بمضمونه وتأصيل هذا الأصل غير منافٍ له فإن الحكم الظاهري لا يلازم الواقعي البتة فإن جميع الأصول المفردة عند الفقهاء مبناها على الاختلاف مع الواقع غالباً، يدلك أن أصل الطهارة مثلاً تصادف النجاسة الواقعية في كثير من الأحوال وكذا أصل الملك يوافق الغصب كثيراً. وكذا كون أمور المسلمين مبنية على الصحة كذلك بل جميع الأدلة الظنية فضلاً عن الأصول كخبر الواحد وظاهر الكتاب وكذا الأصول المجمع عليها كأصل البراءة وما يقال من أصل الطهارة ونحوه وما ذكروه من أن هذا إنما يجري على رأي المخالفين من أنه بعد التفتيش يقطع بعدم الخطاب فيبنى على الأصل لا يخفى ضعفه حيث إن هذا الأصل لا يستدعي قطعاً بعدم الخطاب بل يجري مع الشك بل مع الظن الضعيف كما إن تلك الأصول التي ذكرتها لا تستدعي قطعاً بعدم الخطاب.

والحاصل هؤلاء الفضلاء قدس الله نفوسهم إن ادعوا الملازمة بين الظاهر والواقعي ولا أظنهم يدعونها فذلك غني عن الرد وظاهر البطلان وإن لم يكونوا على هذه الدعوى فأي بأس في تخلف هذا الأصل ما هو مكنوز في اللوح المحفوظ ومودع في صدور أهل بيت النبوة صلوات الله عليهم، ثم لا يخفى عليك أن الدليل كما يفسد رأينا على دعواهم يفسد رأي الفريقين الآخرين منهم.


174

أما أهل الحرمة الواقعية فظاهر وكذا الظاهرية إذْ نحن نقول بالإباحة الظاهرية أيضاً وأما قولهم المستفاض في أخبارنا إن لرسول الله(ص) علوماً أودعها عند أهل بيته صلى الله عليهم فإن عنوا به أن تلك العلوم والأسرار يمكننا الإطلاع عليها فذاك أبين الفساد كما صرحوا به وإن أرادوا إن ما لم يطلعونا عليه ربما جعلوا له قواعد وضوابط كسائر الأدلة العامة فهذا منها وإن نفوا هذا فسد عليهم كثير من أحكام الشرع بل أكثرها.

هذه الأخبار بل أكثرها كان الغرض منها تكذيب المخالفين والرد عليهم أو الرمز إلى وجوب الرجوع إلى أهل العصمة مع الإمكان ولا يجوز التعويل على أصل الرخصة وذلك مما نقول به وعن التنافي بأن أقصى ما يدل عليه إن الأحكام ثلاثة أقسام الحلال البين والحرام البين والشبهات وذلك معلوم عندنا فإن المجتهد إذا نظر دليل التحليل بانت الإباحة لديه ودليل التحريم كذلك ومع عدمها وعدم النظر والتفتيش تقوم الشبهة ولا يجوز له ولا لمقلديه إذا اطلعوا على حالة العمل على ما يؤخذ من غير دليل وهذا أمر بين عند المجتهدين من حيث لا يجوز التعويل على هذا الأصل قبل التفتيش ثم في بعض الطرق المسند إليها اجتنبوا وهو خطاب مشافهة.

ولا ريب في أن اللازم على أهل الصدر الأول الرجوع إلى أئمتهم (ع) ولاتعويل على الأصل هناك غالباً وإلا لبطلت سياسة الدين. وكيف ما كان فلا دلالة على المطلوب وبوجه آخر إن أقصى ما دلت عليه الرواية تتليث الأحكام في الجملة ويمكن تنزيله على الحلال الصرف والحرام الصرف أعني غير المخلوطين بغيرهما والممزوج على هذا هو الثالث فمن تناول حبة من صبرة ممتزجة من القسمين فقد تورط في شبهة.

إن قلت ذلك من الحرام لأنه في هذه الحالة منهي عنه؟ قلنا إن عنيت النهي الظاهري فأنت ملتزم به في الشبهة لدلالة اجتنبوا وإن عنيت الواقعي فلا يلزم هذا وقد يورد على الاستدلال إنه إنما يدل على الحرمة الظاهرية لأن قوله اجتنبوا نهي وهو مقتضي للحرمة فتنطبق الحجة على المذهب الضعيف ولا يلزم على هذا تثليث الأحكام. وقد يجاب بأن النهي هذا إرشادي حتى لا يقع الفاعل في الحرام الصرف وهذا لا يوطي أن الأصل في الأشياء الحرمة وفيه إنه مخالف لما عليه الأخبار بوزر من العقاب على الفعل أصاب الحرام الواقعي أو لا وهذا يخص العقاب بمخالفة الواقع ففي هذا تضعيف لكلام أهل الأخبار والله أعلم.


175

وقد أجيب بزمامنا أيضاً بوجه آخر وهو إن اللازم علينا القول بالوقف في الجملة وربما قلناه في الأدلة المتعارضة المتساوية وهو آراء المجتهدين ومن جملة ما دلت عليه الأخبار بالخصوص وإن لم نقل به ومما يضعف التعويل على مضامين هذه الأخبار مما ورد من وقع العقاب على الشبهة حيث إن فيه وفي الشبهة عتاب وهذا فيه أكمل قرينة على أن أمر اجتنبوا أمر تنزيه والله أعلم.

وينبغي أن الشبهة لا تخلو أما أن تكون في طريق الحكم أو في نفس الحكم وذلك إن الجهل بالحكم أما لاشتباه الموضوع كاشتباه المذكى بغيره وكذا حلال اللحم بغيره والطاهر بالنجس ونحو ذلك مما عرفت فيه الحقيقة وحكمها لكن جعل الاشتباه في أشخاص تلك الحقائق كما مر أو في أشخاص حقيقة واحدة كالكلام المطرب وغيره ونحو ذلك. وأما لاشتباه في نفس الحكم كأن تعرف التتن والقهوة وتجهل حكمهما، وأصحابنا المجتهدون حكموا أصل الإباحة في كلا المقامين وأما الأخباريون فمنهم من قصر الأصل المدعى على الشق الثاني أعني الشبهة في نفس الحكم أما لأنه المفهوم من هذه الأدلة أو لأن الأدلة وإن كانت عامة لكن السيرة القاطعة قاضية بعدم الوقوف عند اشتباه الموضوع ومنهم من عممه في كلا المقامين.

وعلى الأول رأي شيخنا الحر العاملي عامله الله بلطفه وعليه إن الروايات شاملة لكليهما أو تدل على أن حصول الاشتباه في أمر الواقع قاض بوجوب الاجتناب وهذا يعم أمر الموضوع والحكم وما يجاب به عن الأول فهو الجواب عن الثاني فهذا مضعف آخر لحجة الأخباريين والله أعلم، وأما مدرك أصحابنا المجتهدين بعموم أدلتهم التي استندوا إليها على نحو ما تقدم. وعن الثالث بالاعتراف بمضمونه أيضاً فإنه لا يتأمل إمامي في أن حكم الله عليه الرجوع إلى أهل العصمة صلوات الله عليهم وأنه لا يجوز له الرجوع إلى أصل عام كأصل الإباحة ونحوه في إثبات أحكام الله بل يجب الرجوع في كل جزئي من المطالب إليهم وكلما عنى أهل البيت فهو باطل لا أثر له وهذه عقيدتنا جماعة أهل الحق. نعم البيان منهم صلوات الله عليهم أما بالتنصيص على أشخاص الأحكام أو بإعطاء ضوابط كلية تكون أصلاً يتمسك به الفقيه بعد التفتيش وعدم وجدان دليل يدل على الخلاف كأصل الطهارة وعلى اليد ما أخذت الشامل لأيدي الأمانات ونحو ذلك وهكذا الأصول التي يعول عليها القضاة والظواهر التي يتمسكون بها عند عدم حصول البينة ومع العجز عنها فالحكم بالوقوف على الفقيه مع قيام الأصل كالحكم على القاضي به إذْ شرطه أن يعجز عن البينة.


176

هذا مع أن كثيراً من الأخبار تضمنت خطاب المشافهة ولوجوب الوقوف على المشافهين المتمكنين زيادة خصوصية على غيرهم مع أن في بعضها أوجه حتى تلقى أمامك وهو ظاهر في إمكان ذلك أما مع العجز فلا يعلم الحال ثم نحن بعد إقامة دليل أصل الإباحة جاءنا العلم فلا نقف فعلى ما ذكرناه تبقى منافاة بين هذه الأخبار وبين أصلنا الموصل والله أعلم بحقائق الأشياء.

وعن الرابع بأنا ربما نعترف به في خصوص هذا المقام عملاً بظاهر هذه الأخبار وهذا لا يقتضي ثبوت الأصل على وجه العموم كما هو المدعي وبوجه آخر وهو إنه ربما كان المعني بالوقوف الانتظار في الحكم حتى يصل إلى حد العجز عن المرجح أو الدليل المعاضد لأحد الخبرين ولعله المراد بقوله ( حتى تلقى إمامك ) وهذا مما نقول به الكل سيما أن هذه صدرت لخطاب أهل الصدر الأول من المشافهين المتمكنين من الوصول إلى نحو اليقين غالباً.

ثم لعل المراد بالوقوف عدم العمل بكل من الخبرين وأما لو رجعنا إلى أصل أو قاعدة فلم نعمل بهما ونحن واقفون عنهما وهذا المعنى لابد من التزامه وإلا فما يقولون في خبرين تعارضا في أمر الطهارة والنجاسة عند القائل منهم به وكذا في الوجوب وعدمه مع الرجوع إلى أصل البراءة بالاتفاق فالمراد والله أعلم بتلك الأخبار الوقوف عن ذينك الخبرين والسكوت عنهما ثم النظر فيما يقضي مع الغفلة عنهما.

وعلى هذا تحمل الروايات وتطبق على القواعد ومن دون ذلك لا يبقى للرجوع إلى الأصول بعد التعارض حتى المجمع عليها وجه بل القواعد الشرعية والعمومات من الكتاب والسنة لأنه إن أريد في ما قبل هذه المرتبة بالعرض على كتاب الله والسنة شخصيهما بطل التعويل على العموم وإن أريد الأعم دخل أصل الإباحة الذي هو قاعدة شرعية بناءً على القول به في تلك الدرجة.

والحاصل هذا الأصل ليس إلاّ كسائر الأصول المسلمة وأما ترك ذكر فهو كترك ذكر أصل البراءة وأصل الطهارة على القول به وكان السر في تركه في صور البناء في الاستدلال ما ذكرناه من أمر البداهة وحصول الضرورة سابقاً في حقيقة هذا الأصل والله أعلم.


177

وعن الخامس والسادس إن أقصى ما فيهما رجحان الاحتياط وطلب الواقع وهذا أمر يتعلق بالعمل وأصل الفتوى والحكم لا ينافي ذلك ثم ما ذكر من الاحتياط إن وجب فيما نحن فيه مع جميع الأصول كأصل اليد وإن أمور المسلمين مبنية على الصحة إلى غير ذلك. والحاصل بعد قيام الدليل على هذا الأصل لا وجه له لوجوب الاحتياط وإلا لزم مع جميع الأصول المسلمة بل مع جميع العمومات من الكتاب والسنة بل مع جميع الأدلة الظنية ومع ذلك فالاحتياط قد ينعكس كما في الأمور المحتملة مع عدم النص على حالها فالاحتياط أيضاً لا يثبت المطلب بتمامه وذلك ظاهر.

وبعد ذلك كله واستقامة دلالة هذه الأدلة على المطلب رجع الأمر إلى التعارض من الروايات جمع الغفلة عن الأدلة الأخر فأما أن تبنى على الجميع لأنه مقدم على الطرح ولا ريب في أن تنزيل أخبار الوقف على تلك له وجه ظاهر ليس فيه غموض كما أرشد إليه كلامنا المذكور في الجواب عنها وقد تقدم، وإن بني على الممانعة بالكلية إلى الترجيح والترجيح لتلك موافقة للكتاب وظاهر القرآن وموافقة للشهرة بين الأصحاب وللسيرة المعهودة والطريقة الظاهرة وأنسب بحنيفية الدين ورفع الحرج عن المسلمين وأوفق باعتبار العقل أيضاً وتلك الأخبار ليس لها سوى ما ظن إنهما مخالفة للعامة وأميل عن الهوى وعلى الأمرين منع. وعلى تقدير الأول فلا يصلح لمعارضة تلك المرجحات والثاني لا وجه للترجيح به فإن ذلك الترجيح فيقع في تحير العمل مع الدوران لا في الأمور العلمية كما لا يخفى.

حجة القائلين بالحرمة الواقعية

إن التصرف قبل العلم بالرخصة الشرعية تصرف بمال الغير بغير إذنه ليكون حراماً وإن كان مسلماً في الواقع كسائر ممالك الملاك فإنها وإن كانت حسنة في نفسها ويجوز الانتفاع بها إلاّ أنها عند عدم رضا المالك تكون حراماً واقعياً.

وبطريقة أخرى إن الشارع نهى عن الانتفاع بغير ما نص على إباحته فارتكاب الانتفاع بتلك الأشياع ارتكاب ما لا يرضي الله فيكون حراماً في الواقع والجواب عن الأول مع أنه مبني على الأصل نختلف فيه وهو إن الأشياء قبل الشرع على الحضر مشروط بعدم وجود الأذن وقد أثبتناها.


178

وعن الثاني إن نهي الشارع ظاهراً لا يقتضي نهيه واقعاً وإلا لزم التصويب إذْ ما يؤدي إليه نظر الفقيه يجب عليه إتباعه فهو منهي عن خلافه ولو كان النهي الظاهري ملزوماً للواقع للزم ذلك في جميع مفاد الأدلة الظنية وهو ظاهر البطلان على أن النهي ممنوع من أصله وأقمنا الأدلة على عدمه.

حجة القائلين بالحرمة ظاهراً

بالنواهي المذكورة فلا تدل على أكثر من الحرمة الظاهرية.

والجواب بالمنع عن ذلك، وقد استندوا على تقديره فلا تدل على أكثر من الوقف إذْ النهي أما لخوف الوقوع في الحرام الواقعي وهو معنى الوقف وأما لأن الحرمة أصل لا يعدل عنها إلاّ بدليل وبه تثبت الحرمة الظاهرية لكن الدليل لا يعين ذلك وإن أريد الحرمة الظاهرية ما ينطبق على معنى الوقف رجع إلى المذهب الأول وقد مر ما له وما عليه.

المسألة الثانية: فائدة مهمة

قد بينا لك حال الأشياء بعد ورود الشرع وقيام الأدلة وقد عرفت ما الحق في ذلك لما بسطنا لك من الأدلة وقد تلخص من ذلك إن الأصل عدم وجوب الأشياء وندبها وهو المعني بأصل البراءة، وأيضاً علم أن الأصل عبارة التحريم والكراهة فالأشياء على الإباحة بالمعنى الأخص. وأما حالها قبل ورود الشرع فللقوم فيها تشاجر عظيم فبين مبيح حاكم بأنها على الإباحة حتى يرد بيان الشرع كما عليه معتزلة البصرة وبين محرم حاكم بأن الأصل على الحرمة حتى يرد دليل الإباحة وعليه بعض الإمامية ومعتزلة بغداد وبين قائل بالوقف وعليه أبو الحسن الأشعري.

وقد أشرنا إلى حجج القوم تفصل ولابد من الإشارة الإجمالية هنا لقضاء المقام فنقول أولاً وبالله المستعان موضع الخلاف فيما بينهم إنما فيما لم يعلم حسنه وقبحه إذْ الأشياء قبل ورود الشرع أما أن يعلم حسنها وقبحها بالضرورة أو بالنظر ويجهل حالها بمعنى أن لا يعرف جهة حسن أو قبح في شيء بخصوصه فلا منافاة بين جهل الحكم باعتبار الجنس وإلى هذا نظر القائل بالإباحة أو التحريم هنا.

هكذا ينبغي تقرير محل النزاع فقول العلامة في النهاية موضع النزاع في غير معلوم الحسن والقبح بالضرورة لا يخفى ما فيه لأنه أخص وكذا إطلاقه من غير تقيد بالجهالة كما في تهذيبه إلاّ أن يؤول أو يدعي عدم الملازمة بين التكليف العقلي والشرعي لاحتمال قيام العفو الأصلي وأن المراد بالحضر والإباحة الشرعية. وفيه إنه منافٍ لصريح كلامهم ولمرجعه إلى أن الإحاطة بجميع مقتضيات التكليف وارتفاع الموانع متعذر أو متعسر أيضاً. وفيه إنه على تقديره لا يجري فيما أوجب فيه العقل للتكليف الشرعي والحق ما حرر أولاً ثم ولعل ذلك أيضاً يستفاد من آخر كلام التهذيب حيث في الاستدلال لأنه منفعة خالية عن أمارات المفسدة بل هو كالصريح فتفكر.


179

ثم النزاع ليس في جميع الأشياء بل في غير الضرورية إذْ الكل متفقون على القول بالإباحة فيها أما لقبح تكليف ما لا يطاق أو لعلم العقل بأن المالك لا يريد ضياع ماله وإن القبح يزول أثره يقيناً والأول بحث ينشأ من اشتباه معنى التكليف بما لا يطاق فتدبر.

إذا عرفت هذا فنقول الحق ما عليه البصريون من أن الأصل في جميع الأشياء الإباحة حتى يعلم التحريم أما بعقل أو نقل وهذا الأصل جارٍ قبل العلم بالتكليف وبعد العلم به تفصيلاً وإجمالاً ولذلك بوجوه:

أولاً: قضاء العادة بأن كل من وضع بستاناً ونحوها لشخص ومكنه منها وسلطه عليها فهو مبيح لمنافعها يأكل منها ما شاء في أي وقت شاء على أي حال شاء حتى ينصب دليلاً على خلاف ما دل عليه ذلك الجعل أن ذلك النبات لذلك الدابة وليس على عمر أن يحجب دابته حتى يعلم المنع.

والحاصل هذا الأصل مما تقضي به عادة العقلاء كما لا يخفى وهذا الأصل كما ترى يجري حال العلم بالتكليف وقبله إذْ هو جارٍ في كل جزئي جزئي حتى يعلم حاله، نعم إذا قامت أدلة الوقف أو الحضر انقطع الأصل ولولا ما دلنا على الرجوع إلى أهل الشرع ووجوب التفتيش فربما انتفعنا به من غير رجوع وبعد ذلك قصر النفع على حالة العجز وفي مثل ما ذكرنا لا ينبغي أن يتبع حصول العلم القاطع بل ذاك حاصل بمجرد الظن التي تطمئن النفس به كما في من وضع مائدة ذات ألوان كثيرة حول أشخاص غيره يبنى على إباحة الكل للكل إلاّ مع القرينة وهو ظاهر.

ثانياُ: حال الأشياء قبل ورود الشرع أما تحريم الكل وهو باطل لعدم جواز تحريم الأشياء الضرورية أو إباحة الكل إلاّ ما علم وهو المدعى أو التبعيض وهو ترجيح بلا مرجح وجعل الميزان الضرورة يستلزم تبدل الأحكام ومزيد الحرج ومثله لا يصدر عن الحكيم لكن هذا الدليل يتمشى في حال عدم العلم بالتكليف.

أما معه فربما يقال فيما ظهر حكم نهايته في دفع الضرورة إلاّ أن يستند في تمشية الحكم إلى استصحاب ما كان فيه إشكال وله جواب فتأمل.


180

ثالثاً: ما عول عليه أهل هذا الرأي من أن الانتفاع بهذه الأشياء المملوكة لمالكها لا يعارض بفساد عليه وما هو كذلك مقطوع برضاه فحصلت الرخصة الفحوائية، أقول يرد عليه أن مجرد عدم الضرر على المالك إنما يقتضي رخصة الانتفاع حيث لا يعبأ بأمر المنتفع صلح أو فسد كما في شأن العبيد. أما الواجب تعالى فأحكامه تتبع مصالح الخلق وعقائدهم، لا يقال هذا خروج عن الغرض إذْ المفروض العلم بعدم الفساد من الجانبين أي على الواجب تعالى وعلى المنتفعين، وذلك لأن المأخوذ في محل النزاع الجهل بالحال إذْ لو علم بالحسن لم يبق محذور على أن العلم في أكثر المنافع بل كلها متعذر إذْ يجوز العقل في كل مأكول أن يكون فيه فساد كالخمر وكل ملبوس أن يكون فيه ذلك كالحرير والذهب على الرجال إلى غير ذلك.

والحاصل معظم الفساد الأخروي من خواص علم الغيب قبل الشرع ومتى احتمل الفساد حرم الانتفاع لوجوب دفع احتمال الضرر. وقد يجاب عن هذا الإشكال من أصله بأن نسبة المحظورات إلى المباحات أقل من عشر العشر فيضعف الاحتمال والعقل إنما يوجب دفع الضرر المحتمل دون الموهوم بالوهم الضعيف حتى كاد لا يسمى احتمالاً عند العقلاء وهذا كمن وجد ثمرة أو تمرة أو غير ذلك من المأكول جاز له تناوله وإن كان يجوز أن فيها سماً ومنعه عدوه أو غيره لغيره وإذا انتفع لا يذمه العقلاء يقيناً.

وفي هذا الجواب نظر من وجهين أما (أولاً) فلأنا لا نسلم أن تلك المحرمات بهذه النسبة بل هي كثيرة في حق المباحات، و(ثانياً) بأن هذه القلة إنما استفيدت بعد الشرع أما قبله فيجوز أن يكون الأمر بالعكس والحاصل هذا الدليل أن أبقي على ظاهره فكما ترى وإن رجع إلى دليلنا الأول صار له وجه ويراد بالقطع فيه المظنة التي تطمئن بها النفس لقضاء العادة استقام لكن سوق كلامهم يأبى ذلك، ويمكن إصلاحه بما سنذكره في الدليل الرابع وإن لم ينطبق عليه والله أعلم.

رابعاً: حكم العقل بأن الشارع لو حظر أمراً مما توجهت إليه نفوسنا لبينه إذْ ذلك لازم في السياسة والنظام فعند عدم التكليف يعلم عدم الحظر ويؤيد هذا ما يفهم من قوله تعالى ﴿ وَمَا كُنّا مُعَذّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً وجه الدلالة أنه نزه نفسه عن ذلك فيدل على قبح فيه، ونظيره قوله تعالى تبارك اسمه ﴿ لِئَلاّ يَكونَ للنّاسِ عَلى اللهِ حُجّةً في وجوب إرسال الرسل وكذا ﴿ لَوْلا أَرْسَلْتَ إِليْنا رَسُولاً إلى غير ذلك سيما فيه دلالة واضحة على قبح التعذيب قبل الإرسال وبعد العلاج جعلنا دليل العقل بمنزلته إذْ هو مفيد للعلم الرافع للعذر. أما صورة الجهل كما هو المفروض فلا، إن قيل قد علم الحظر بأنه تصرف في ملك الغير؟ فجوابه إن المراد العلم بالخصوصات دون ما ذكر كما لا يخفى على الناظر فينتفي احتمال الحظر على نحو ما ذكر نعم عدم العلم مع إمكان التفتيش والبحث غير نافع. والحاصل المدعى إنه لا يجوز العقل التكليف قبل البيان إلاّ في وقت إمكانه والبحث مفروض فيما قبل الشرع وقبل زمان الإمكان وفي هذه الحجة غموض فاستعمل النظر.


181

خامساً: الأدلة الدالة على عدم التكليف حتى يرد دليل وتلك كثيرة منها ما ذكر من الآيات القرآنية و أضرابها، و منها الأخبار الناصة على أن التكليف دائر مدار العلم كقوله ( ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم الناس في سعة ما لم يعلموا ) إلى غير ذلك ولا يخفى عليك أن التمسك بهذه الحجة موقوف على ورود الشرع ففي المسألة ضروب.

(1) إنه ما فرض المكلفين قبل ورود التكاليف بمعنى ما الذي يعلمونه وتستقر أذهانهم عليه وما الذي يستقر العقل عليه قبل التكليف.

(2) أن نتكلم الآن في حال الأشياء قبل التكليف بمعنى إنه ما الذي استفدناه من أهل الشرع من حالها قبل التكليف ويكون ثمرته أنا إذا عجزنا عن الدليل على أصل الإباحة بعد التكليف تمسكنا بالأصل في تمشيته مما قبل التكليف أو بعد التكليف وله نفع فيما صدر كذلك هل هو حرام فيمرق أحكامه أو مباح فيلحقها حكم المباح.

(3) ما الذي يقضي به العقل بعد التكليف في الجملة في الأشياء التي لم يرد فيها تكليف.

ما الذي يقضي به الشرع في مثل ذلك وهذان الأخيران قد تكفل بهما البحث في أصل الإباحة وربما عم الثاني أيضاً فتدبر.

المسألة الثالثة: حجة القائلين بأنها على الحرمة أمران

الأول: إن الانتفاع بتلك الأشياع قبل الشرع تصرف في ملك الغير من غير استئذان فيكون محظوراً إذْ العقل حاكم بقبحه. والجواب إن الآذان معلومة وطريق العلم ما ذكرناه لا ما ذكره الجمهور إلاّ أن يرجع إلى ما ذكرنا فتذكر.

الثاني: إنه قاضِ باحتمال الوقوع في المحظور فيقوم احتمال الضرر ودفعه عن النفس واجب، وجوابه أيضاً معلوم مما سبق واعلم أن مفاد الدليل الأول الحرمة الواقعية وأما الثاني فمفاده الحرمة الظاهرية.

ثم ينبغي أن يعلم أن القول الإباحة أو الحرمة الشرعية يجامع كلاً من الإباحة والحرمة العقلية مميزة إلاّ أنه على الاتحاد ينطبق الشرع على العقل ولا حاجة إلى دليل آخر وعلى الاختلاف فأما الحرمة أصل حتى تنهض أدلة الإباحة والمرجع إلى السنة أو بالعكس.


182

المسألة الرابعة: حجة القول بالوقف بمعنى عدم العلم بالحال

إنا نعلم يقيناً أن بعض الأشياء محظورة وبعضها جائزة ففي المخصوص بجهل الحال، وجوابه معلوم مما مر فلا حاجة إلى الإطالة وما ذكرناه من تفسير الوقف هو المشهور بل المنصور وربما قيل إن مراد قائله عدم ثبوت حكم أي نقف عن ثبوت الحكم ولا نرضى به بل الأشياء قبل الشرع خالية ولا يخفى عليك أن هذا بعيد عن معنى الوقف. والظاهر ما قلناه نعم للأشاعرة أن يقولوا بعدم الحكم في غير هذا المحل أما هنا فلا إذْ هذه المسألة ذكرت في كتب الأصول تنزلاً من الأشعري فهي مبنية على الحسن والقبح العقليين وعلى هذا التقدير يمتنع الخلو كما لا يخفى.

وأما في أصل مذهبه فإن بني على أن الحكم المنقسم إلى الخمسة عبارة عن الخطابات بالحروف المؤلفة المسموعة أمكن فرض حال الأشياء قبلها لحدوثها فتكون خالية عن الحكم إلاّ إذا قلنا بمقالة بعضهم من قدم الحروف والأصول فهناك تفصيل لأنا إن قلنا بلزوم إحاطة الخطابات بأحكام الأشياء بحيث لا يخلو شيء من حكم أمتنع الخلو. وإن لم نقل بذلك كما هو المعهود من طريقتهم جاز وإن أردنا الكلام النفس وهو قديم عندهم فإن أوجبنا الإحاطة أمتنع الخلو وإلا جاز وإن بني على أن المراد به توجه الخطاب إلى المكلف الموقوف على وجوده فلا ريب في الخلو حال عدمه وهذا ظاهر وينافي ما كان فالمنقول عنهم جواز الخلو عن الأحكام بخلاف ما عليه أصحابنا والمعتزلة لحكمهم بالتحسين والتقبيح العقلي وهذه الأوصاف موجودة بوجود الموصوف كما لا يخفى.

واعلم أن القول بالوقف القول بالحرمة في لزوم الاجتناب ويفارقه في بعض الثمار بالتأمل.

المسألة الخامسة: فائدة جليلة

اعلم أن هذه المسألة قليلة الجدوى عندنا جماعة أهل الحق إذ لا يخلو زمان التكليف عن شرع أبداً اللهم إلاّ أن يفرض في أول زمن الدعوة وجود المكلف مقارناً لوجود الشارع أو متأخراً عنه ،كيفما كان فيما بين حضور المكلف عنده إن اختلف المكان أو ما بين نطقه أي النبي (ص) إلى زمان فهم المكلف لم يكن تكليف أو ما بين معرفة نبوته بالنظر إلى وقت المعرفة لم يكن تكليف بأقواله ولا شرع قبله فلم يكن تكليف أصلاً وهو لعدم علم النبوة لم يكلف إلاّ بالعقل. أو يراد في العنوان حكم الشخص قبل تكليفه لا قبل التكليف أصلاً وهو فيفرض البحث في صاحب الجزيرة ونحوه أو قيل العلم به فينطبق عليه أيضاً وإلا بدل العنوان ويكون البحث في حال الأشياء مع فرض عدم التكليف أعني حالها بالنظر إلى نفسها والفائدة إن ذلك يصير أصلاً يرجع إليه وأجد التكليف وهذا كافٍ في المطلب للفقيه كما لا يخفى على المتفكر المتدبر.


183

المسألة السادسة: في الاستصحاب

ونعني به إجراء الحكم في موضوع زماناً ثانياً لتحققه فيه أو لا بشترط عدم الانتفاض للحكم السابق قبل الزمن الثاني وبقاء ذلك الموضوع والغرض من القيد الأول الرد على بعض السامعين لمطالب الأصول من غير وصول حيث يزعمون أن الحكم إذا ثبت زماناً ما أجريناه فيما بعد ذلك الزمان ولو انتقض في الأثناء، إذْ استصحاب الحكم الأول بمنزلة العام في جميع الأزمنة المستقبلة فيخرج ذلك الجزء المتخلل بيقين ويبقى محل الشك راجعاً إلى السابق.

وهذا ظاهر البطلان عندنا وذلك لأن الزمن الثاني لما اشتغل بحكم آخر كان الأصل بقاءه حتى ينقض بيقين، نعم لو فرض القطع بعدم الحكم الثاني ودار الأمر بين حكم جديد ثالث وبين الأول وهذا كما أوجب الشارع أمراً ثم نهى عنه ثم نسخ النهي هل يعود إلى الأول أو يبقى مردداً بينه وبين الندب مثلاً والحق في هذا عدم الرجوع إلى السابق إلاّ مع القرائن الدالة عليه إذْ هو بعد الزوال يستدعي الوجود بعد العدم كغيره نعم لو ساوى الأول الثاني في الجنس وزال الثاني وقلنا باستصحاب الجنس حكم برجوع الأول مع عدم مشاركة الثالث لهما فيه لكن استصحابه باطل.

وقد يقال إن المستصحب في السابق أمران فعلية وقابلية وبزوال الأول لا يزول الثاني وعلى هذا يظهر هنا تفصيل في حصول قابلية الثاني بيقين فيساوي أو لا ويمكن أن يقال عدم الأول إنما يكون بفقد المقتضي ووجود المانع فيعكس الاستصحاب وكيف ما كان فإجراء الحكم السابق مع عدمه باطل.فعلى هذا ما ذكر في كلام جمع من الفقهاء في الخيارات التي لا تحديد لها في الشرع من أن الأصل عدم الخيار فلا يثبت الخيار إلاّ فوراً إذْ في الفور انتقض ذلك الأصل بيقين فما بعده باقي تحت حكم الأصل ليس له وجه إلاّ أن يقال إن الأصل في مثل هذا شرعي بمعنى القاعدة الشرعية وهذا لا ينقض بخلاف السابق ومع ذلك فلا وجه له إذْ لا كلام في أن ثبوت الرهان في الجملة قاضِ باستصحابها وإن كانت على خلاف القاعدة الشرعية فتدبر.


184

ثم الغرض من القدر الأخير الرد على كثير من فقهاء المخالفين وبعض من الموافقين في إجراءه مع تبدل الموضوع كاستصحاب النجاسة لعين الكلب والخمر والعذر مع الاستحالة ملحاً وخلاً ورماداً فإن الحق خلاف ذلك إذْ الثابت أولاً حكم الكلب والخمر وقد زال بزوالهما إذْ المعروض متبوع لعارضه فزوال الوصف لازم لزوال الموصوف فلا يبقى للاستصحاب وجه اللهم إلا أن يقال إن العارض كما لحق الصورة النوعية تعلق بالصورة الجنسية أيضاً وبزوال الأول وحكمه لا يزول الثاني وحكمه.

وجوابه إن المتعلق بالصورة الجنسية ليس إلاّ حكماً ضمنياً والمدعي بقاءه حكم أصلي فالباقي غير الكائن هذا بالنظر إلى الحكم الشرعي وأما بالنظر إلى الاتصاف والعروض، فحله إن المعروض بالأصالة أيضاً هو الصورة النوعية وأما الجنسية فهي معروضة بالضمن والمراد في البقاء الأصالة وبطور آخر الحكم ببقاء العروض للصورة الجنسية معارض بأن الأصل عدم حدوث العروض المصورة النوعية الجديدة وفيه تأمل.

وكذا بهذا البيان يشكل حكم الفقهاء بإجراء تكاليف أهل الملل السالفة إلينا إذْ موضوع التكليف الأول غيرنا فهو استصحاب مع تبدل الموضوع اللهم إلاّ أن يأخذ بعنوان آخر وهو إن لهذا الفعل رجحاناً في الزمن الأول بمعنى إنه لو وجد فيه لكان حسناً موافقاً لإرادة الشارع فهو الآن كذلك واختلاف الزمان مأخوذ في معنى الاستصحاب. وعليه إن أريد مصلحة من كل أحد بمعنى إن المصلحة في الوجود مع قطع النظر عن الموحدة فعليه إن جل الأحكام تختلف باختلاف الموحد والشك في مدخلية الخصوصية كافٍ في نقص الاستصحاب وربما يعتذر بأن الرافع له في الزمان الثاني وجود المانع إن كان والأصل عدمه وعليه ربما كان لفقد المقتضى والحق أن يقال أقصى ما يقرر به هذا الأصل إنه وجد مقتضى لوجود هذا الفعل أو التكليف به في الزمن الأول فيبقى وفيه تأمل.

وقد يوجه أيضاً باستصحاب الحالة، وتقريره بأنا لو كان وجودنا في الزمن الأول لحصل تكليفنا فلا مانع منه سابقاً سوى عدم الوجود وقد ارتفع الآن والأصل عدم مانع آخر فيثبت الحكم هذا كله على جعل مدرك التسرية هي الاستصحاب لكنا لنا غنى عنه ما دلت عليه الأخبار والآثار من تمسك أهل العصمة بأحوال السلف.


185

ولا يخفى عليك أنه بعد تمشية هذا الأصل ينسحب الحكم من المشافهين إلى أهل الزمان اللاحق بعد الإجماع وقضاء الضرورة ونهوض الأدلة به يكون المتمسك في الاستصحاب غير ما يشتمل على المشافهة من الأخبار مثل قوله (ص) ( إياك أن تنقض اليقين إلاّ بيقين مثله ) ونحو ذلك أما لو تمكنا به بطل.

ومما فرع بعض الفقهاء على ما ذكر من أن تبدل الموضوع قاضٍ بفساد الاستصحاب وعدم الحكم الأول العصر التمري إذا غلا ولم يذهب ثلثاه بناءً على القول بحرمته قبله كالعيني فإنه بمقتضى الإلحاق يحرم أكثر السيلان المعمول إذْ لا يذهب ثلثاه بل ولا نصفه فحكم بطهارته على ذلك التقدير لخروجه عن اسم العصيرية إلى الدبسية وفيه نظر وله وجه فتدبر.

إذا عرفت فنقول تفصيل المقام إن الاستصحاب أما في موضوع الحكم الشرعي أو فيه أو في متعلقه من المعاني المرادة في الخطابات الشرعية أو في أمر عقلي والمميز بين الكل أنه في (الأول) قد يعلم الحكم والشك في وجود الموضوع كأن يعلم حكم البول والغائط ويشك في وجودهما بعد العدم أو يعلم وجودهما ويشك في العدم بعد الوجود وهذا القسم مختلف فيه إلاّ أن بناء الجمهور على العمل به وربما يدرج فيه جذب الوصف واستصحاب الحاكم كسحب وصف الطهارة أو الحائض أو الحدث أو الأحوال المتعلقة بهما وهو ظاهر. وأما في (الثاني) فلا يعلم الحكم وإن علم وجود الموضوع كما في المذي والودي الخارجين بعد الطهارة فإنه وإن علم وجودهما لكن لم يعلم حكمهما فهل يعول على أصل بقاء الطهارة فيحكم بطهارة المذي لذلك أو لا خلاف مشهور والظاهر انطباقه كلمة الأخباريين دون المجتهدين على بطلانه وقد يطلق استصحاب الحكم على تمشية التكليف مثلاً الحائض قبل مجيء الدم كانت مكلفة بالعبادات فتبقى عليها حتى تعلم وكذا لابد من القطع بالطهر بعد الحيض استصحاباً للتكليف بترك العبادة وقد يرجع إلى النوع الرابع وكان الخلاف فيه ضعيف أيضاً.

وأما في (الثالث) فالغرض منه الاهتداء إلى معرفة الخطابات الشرعية وكيفية دلالتها كأصل بقاء الحقيقة أو المجاز وأصل عدم الاشتراك وعدم النقل وعدم الإضمار إلى غير ذلك وكافة المجتهدين بل الأخباريين سوى الشاذ من الطرفين قائلون به.


186

وأما( الرابع) فمرجعه إلى لزوم الحكم بما كان والبناء عليه حتى يعلم الخلاف من وجود زيد وعدمه وحصول وارد ممن لم يعلم وجوده له وعدمه إلى غير ذلك ومحصل الخلاف إن منهم من قال بعدم التعويل عليه مطلقاً ومنهم من ذهب إلى الحجية مطلقاً وهو المشهور ومنهم من فرق بين استصحاب الحكم بالمعنى الأول وباقي الأقسام وربما يقال بالموضوعات فقط وإلحاق ما عليه المشهور من حجيته بأقسامه. لنا على ذلك ضروب من الأدلة:

(1) جري العادة والسيرة القاطعة من أرباب العقول في تدبير معاشهم ونظامهم ومعاملاتهم وجميع انتفاعاتهم وتمام سياساتهم مبنية على ذلك حتى لو حكم بوجوب أمر بني على وجوده أو عدمه وهذه المظنة وإن لم يكتفِ بها في إثبات الأحكام الشرعية في نفسها إلاّ أنا بواسطة تلك العادة نعلم أن مراد المكلف بالأحكام البقاء على ما كان وجميع ألفاظه وخطاباته تحمل على ذلك فهي كالقرينة المعينة يحمل اللفظ لا يقال إن مدرك هاتيك العادة هو استبعاد فناء الموجود لخصوصيات عارضة لا لأصل الوجود وكل ما تقضي به فهو لقرائن تساعد على البقاء.

وجوابه إنا نعلم أنا لو سئلنا الحاكم بذلك وطالبناه بالدليل لم يكن له سوى القول إن هذا كان على الوصف الفلاني فمن أين لك عدمه وهذا معلوم منهم كما لايخفى.

(2) العادة الشرعية فإنا نعلم أن فقهائنا خلفاً بعد سلف لم يعولوا في بقاء العدالة والفسق ونفي الواسطة في الرواة ووجود الاشتراك في أسماء الرواة والقرائن الصارفة لظاهر الألفاظ ووجود المعارضات إلى غير ذلك إلاّ على هذا الأصل وهذه طريقة معلومة لهم ويظهر من إجماعهم على ذلك. وقد حققنا حجية إجماع أصحابنا. إن قيل لعل لهم في ذلك قرائن وأمارات لم تطلع عليه؟ قلنا نقطع بأنهم لو سئلوا لم يعتذروا إلاّ بهذا بل في كلامهم تصريح به أيضاً ومما يدلك على ما ذكرنا إنهم لا زالوا يطلبون الدليل على مدى الأحكام الجديدة ولا يطالبون من ادعى وجود أمر بعد أن وجد لحجة ولا برهان.

(3) ضرورة التكليف فإنه لولا ذاك لم يحصل تكليف أبداً، بيانه إن التكليف على نحو ما ذكر يتوقف على تلك المقدمات السابقة من نفي الوسائط وبقاء العدالة وعدم المعارض إلى غير ذلك ولا يمكن العمل إلاّ بها فبضرورة إنا مكلفون يثبت التعويل على هذا الأصل كما لا يخفى على الناظر.


187

(4) استدل للمشهور بأن الباقي لا يحتاج في بقاءه إلى مؤثر بل إعدامه محتاج إليه. وأورد عليه إن الشيء إذا ثبت باقي على إمكانه فيحتاج إلى مؤثر وعليه أيضاً إن مرجع ذلك إلى أصل المؤثر وهو دور؟ أقول هذه حجة ضعيفة مبنية على أصل ضعيف لا تصلح لإثبات مثل هذا الأصل إلاّ أن ترجع إلى الحجة الآتية وسيجيء الكلام فيها.

(5) واستدل لهم أيضاً بأن بقاء الكائن مظنون وعدمه موهوم وعدم التعويل على الظن قاضِ بالتعويل على الوهم. وفيه عدم التعويل على الظن لا يقتضي أصل التعويل فكيف يقتضي التعويل على الوهم إذْ يجوز كون المكلف خالي الذهن عن العزم على أمر ويرجع في الأمر إلى مقتضى طبعه وربما غير ذيك الحجة بأن ظن المجتهد واجب الإتباع وهو متعبد بظنه.

أقول وعليه منع ظاهر إذْ الأصل بطلان العمل بالظن إلاّ بالدليل وربما يعتذر بأن فقد العلم يوجب التعويل على الظن فتستوي الظنون إلاّ ما خرج بالقياس ونحوه، وفيه إن ذلك حيث ينعدم العلم ولا يحال على شيء أما لو أحلنا على شيء كالخبر مع وفاءه عم الأحكام فلا يجري الأصل وفي المقام نظر فلا تغفل.

(6) وعليه كمال التعويل الأخبار الكثيرة التي تقارب التواتر، منها ما رواه في الخصال بسنده عن الباقر (ع) ( إن أمير المؤمنين (ع) علم أصحابه في مجلس واحد أربعمائة باب قال من كان على يقين فليمضِ على يقينه فإن الشك لا ينقض اليقين ) وفي خبر آخر عن القاساني في أمر الصوم ( اليقين لا يدخل في الشك )وفي الصحيح عن عبد الله بن سنان في إعادة الذمي الثوب مع عدم العلم بالنجاسة حيث قال (ع) (فإنك أعرته إياه وهو طاهر فلا بأس أن تصلي فيه حتى تتيقن بنجاسته) وصحيحة أخرى في أمر الشك في الصلاة (لا تنقض اليقين بالشك ولا يدخل الشك في اليقين ويتم على اليقين ولا يعتد ) وصحيحة زرارة في من لم يقطع بالنوم لا حتى يتيقن أنه نام إلى أن قال فإنه على يقين ولا ينقض اليقين بالشك أو غير ذلك من الأخبار الدالة على أن اليقين من حيث إنه يقين إلاّ بمثله.


188

وربما يورد إن أقصى ما يدل عليه الدليل عدم نقض ذلك اليقين لا كل يقين لأن اللام مشتركة بين العهد والجنس ومع العهد، فدلالة الأخبار إن اليقين في تلك الأشياء المخصوصة لا ينقض بالشك فيها، وجوابه إنا لا نسلم الاشتراك بل تحمل على الحقيقة والجنس إلاّ مع القرينة وأيضاً خبر أمير المؤمنين (ع) صريح في العموم ثم الأخبار الواردة على نهج الاستدلال صريحة بخلاف ما ذكرت كالنظر في مجموع الأخبار يقضي بالقطع بعدم العهد.

هذا ومن العجيب إن مولانا الإسترابادي بعد نقل هذه الأخبار قال لا يقال هذا يقتضي جواز العمل باستصحاب حكم الله إلى أن قال لأنا نقول هذه شبهة عجز عن جوابها كثير من الفحول، وأجاب بطريقين

الأول: الطرح لقوة المعارض بزعمه من أن لله في كل واقعة حكماً وأشباهه.

الثاني: إنها بمنزلة على عدم صورة الاستصحاب.

وسبحان الله ما الذي حداه على عدها شبهة فيحتاج إلى الجواب ومتى كانت تلك الأخبار منافية لما ذكرناه من الأدلة؟ والفطن الخبير لا يخفى عليه الحق والله الموفق.

واعلم أن مولانا البهبهاني قال في ذيل هذا البحث: اعلم أنهم ربما يستدلون بأصالة عدم البلوغ كراً وهذا إنما يتم مع الحصول تدريجاً الدفعة، أقول وإن كان لكلامه أبقاه الله نوع صحة لكن الحق جريان الأصل في الدفعة أيضاً إذْ أما بالاقتطاع من الكثير مع البقاء في المحل أو بالنقل عن المحل وذلك أما يكون الكثير مجتمعاً لنفسه كما في ماء البحر أو بعمل كما في الحاصل بالإخراج من بئر أو عين ونحوها إذا اقتطع منه، وكيف كان ففضل الزائد بعد الوصل وحمله بعد الوضع خلاف الأصل والحاصل المتيقن المقدار الأقل فالزائد الأصل عدمه وإن كان هذا الأصل لاحقاً باعتبار العنوان. ولهذا أمثلة كثيرة هو أبقاه الله يعترف بها فمن سرق طعاماً أو ماءً أو دراهم لا يعلم بقدرها وإن كانت دفعة يطالب بالأقل وليس الشغل باعتبار التعلق إلاّ كغيره من النقل والقطع وكذا في الزكاة مع عدم العلم بقدر النصاب فإنه يبنى على الأقل لأصل عدم الزيادة لكن لا يساوي غيره ومبنى هذا على أن زيادة المقدار درجة فوقانية الأصل عدم بلوغ تلك الأشياء إليها وهذا معروف عند العلماء.


189

حجة النافين أمران

الأول: إن الأصل عدم الحجية وعدم التكليف بما قام عليه الاستصحاب فعدم دليل الحجية دليل عدمها.

الثاني: إن حال الشر في الزمن الثاني كحاله في الزمن الأول إذْ يحتاج إلى المؤثر فيهما فكما إن ثبوته في الأول يحتاج إلى الدليل فكذا في الثاني.

والجواب عن الوجهين معاً معلوم مما مر فلا يحتاج إلى الإعادة.

وحجة أهل التفصيل

إن الأصل ينفي الكل إلاّ إذا قطعه قاطع وقد حصل في البعض دون البعض، وجوابه أيضاً ظاهر مما سبق والله أعلم بحقائق الأحكام.

المسألة السابعة: فوائد مهمة

الفائدة الأولى:
ينبغي أن يعلم أن النافين للاستصحاب يقصرون الحكم على ما إذا لم يكن سبب الوجود بعينه سبباً للبقاء أما إذا كان ذاك حكموا بالسراية يقيناً لكن فيه أنه خارج عن محل النزاع وليس من الاستصحاب أو أنه من كلام وجهة ظاهر مثلاً عقد النكاح قاضٍ بالتسليط على الانتفاع بالبضع دائماً وكذا عقد البيع والإجارة وغيره من العقود وفي عد أمر الطهارة من ذلك وأمثالها نظر فإذا وجود الملك في الزمن الثاني معلول لعلية في الزمن الأول فأمر الزمن الثاني إلى مجرد الاستصحاب فالطلاق إذا مانع وقع على السبب لا عدم مقتضى.

وكذا مرام القائلين بالحجية إنهم يجذبون الحكم إلى الزمن الثاني مع احتمال بقاء سبب الوجود أما مع القطع بزوال العلة فلا، مثلاً حكمنا إن الحيض قاضِ بمنع الجماع مادام الوصف لا يقضي بالحرمة مع زواله، فما بين الطهر والطهارة لا بأس به إن قلنا بأن هذه العلة من العلل المقارنة وإن كانت من المفارقات وأعني بها ما كانت العلية فيها مستندة إلى أصل الوجود كما في الغيب المقتضي للخيار مثلاً فإنه وإن ارتفع قبل الرد إلاّ أن السبب أصل الوجود وهو متحقق وإن عدم في الزمن الثاني على الأصح وإن قيل بأنه من قبل الأول أيضاً والحاصل مدار الاستصحاب على عدم القاطع بالزوال فتدبر.

الفائدة الثانية:
أصل الاستصحاب إنما يجري حيث يكون للشيء حالة مستقرة فيبقى عليها حتى يعلم الخلاف أما لو اضطربت أحواله فلا وجه له فالمحل الذي تراه من النجاسات والمطهرات عليه ولم تعلم له حالة واحدة لا يحكم الاستصحاب فيه شيء، نعم يرجع إلى الأصول الشرعية كالطهارة فيما نحن فيه. فعلى هذا لو علم بالحدث والطهارة ولم يعلم الأخير حتى يبنى عليه ليس له الحكم بأحدهما علم بالحالة السابقة عليهما أو لا خلافاً لمن ادعى ملاحظة حالة فيأخذ بها أو بخلافها على اختلاف الرأيين إذْ كل منهما حادث الأصل تأخره وهما في درجة واحدة فلا ترجيح فيرجع الأمر إلى القواعد وهو هنا شغل الذمة بالطهارة تبعاً.
190

الفائدة الثالثة:
إن هذا الأصل وغيره فيقطع بوجود القاطع لها سوى كان في واحد بعينه أو في أمر له حصر فإذا علم وجود ما نفي دائراً بين أمرين أو ثلاثة أو ما يقاربها وجب اجتنابها وذلك عند المجتهدين مستثنى من حكم الشبهة إذْ ترك الشبهة مندوب غير لازم عندهم وكذا يستثنى من قولهم بمندوبية الاحتياط والاستثناء لمثل هذا هنا كاستثناء ما علم شغل الذمة به فإنه لا يجوز البقاء فيه على الشبهة وترك الاحتياط بل يجب الفراغ اليقيني والدليل على ذلك أمور:

الأول: إن التكاليف بمقتضى الأصل تابعة للواقع وموافقة العلم وعدم الموافقة لا دخل لها إلاّ في الكشف عنه فلابد في جميع الأحكام من الإطلاع على نفس الواقع بطريق علمي أو ما يقوم مقامه من الظنون أو عدم العلم التي حكم الشرع بكفايتها عن الطرق المحصلة للعلم فالأصل عدم التعويل على شيء من الظنون وكذا عدم علم الخلاف إلاّ بدليل وأقصى ما دل الشرع على مقبولية الظنون المعتبرة شرعاً وعدم العلم بالنجاسة أو الإباحة إذا لم تتحقق علم بالمرة في ثبوتهما. أما مع حصول العلم في الجملة فلا ولا أقل من حصول الشك فنرجع إلى ما ذكرنا من الأصل.

إن قلت ما دل على أصل الطهارة والإباحة من قوله (ع) (كل شيء طاهر حتى تعلم أنه قذر ) ( وكذا كل شيء لك حلال حتى تعلم الحرام ) يدل على ما أنكرت من الدلالة؟ فالجواب إن أقصى ما يفهم من قول السيد لعبده كل ما شئت من البيت حتى تعلم أن قبة أي في الذي شئته سيما أنه مع عدم العلم بالمرة له رخصة الأكل أما مع الوجود في البيت والدوران فظاهر الرخصة ولا أقل من حصول الشك.

الثاني: إنه بعد العلم بالنجس والحرام يجب الاجتناب إذ اجتنابهما واجب فيعلمه بوجودهما وجب عليه تركهما ولا يمكن إلاّ بترك الجميع فيجب الاجتناب من باب المقدمة إن قيل الأمر بالاجتناب مشروط بالعلم بحال المجتنب ومع الشك فلا أمر؟ قلنا ثبوت الأمر على وفق الأصل المستفاد من العمومات وتخصيصها بما ذكرت غير معلوم لما مر.


191

الثالث: إن ذلك معلوم بطريق العقل أيضاً إذْ لا كلام في تقبيح العقل إلاّ كل من شيء ممتزج من الحلال والحرام بل حالة في القبح كحال أكل الحرام وكيف يرضى العقل بأن من انتهب من المال المحرم شيئاً يحرم عليه حتى إذا خلطه حل الأكل من ذلك المجتمع والحاصل دليل قبح التصرف بمال الغير قائم هنا بل وكذا جميع المحرمات وذلك ظاهر وبضميمة عدم الفرق يثبت المطلوب وعليك بالتأمل.

الرابع: ما ذكره بعض أجلاء أصحابنا من أن مثل ذلك أما أن يبقى بلا حكم أصلاً وذلك باطل أو يحكم عليهما معاً بالطهارة والإباحة مثلاً وهو باطل للعلم باختلافهما في الواقع وإن استعمالهما معاً مفضٍ إلى الوقوع في الحرام والنجس أو يحكم بطهارة أحدهما فينجس الآخر وهو ترجيح بلا مرجح فثبت المطلوب. وهذا الدليل حاصل ما ذكره العلامة في الإحقاق وفيه نظر لا يخفى على الحذاق.

وقد تبعه في ذلك العلامة البهبهاني قدس سره وفيه إنه أي بأس في اشتراك الجميع في جواز الاستعمال بشرط عدم الاجتماع وهذا يرجع على التخير بظاهر الشرع ولهذا نظير فإن المتحير يصلي إلى أي جهة شاء من الأربع مع عدم الاجتماع وإن تعين أحدها فكا الواقع وكذا ما ورد فيه خبر متعارضان فحكمه في الواقع واحد فالتخير بين الحكمين أمر راجع إلى ظاهر الشرع وكأنهما أعلى الله شأنهما إنما تمسكا بهذه الحجة مع نظرهما إلى الحجج السالفة وضمها إليها والله أعلم بحقائق الأمور.

فإن قيل ما ذكرت من الأدلة جار في المحصور وغيره مع أنك لا تقول بالأخير؟ أقول لا يخفى أن بعض ما ذكرناه سابقاً قد يتمشى هذا إلاّ أن البديهة والضرورة والإجماع قاطعة لتمشية تلك الأصول في هذا المقام وله ما دليل العقل فإنما يجري في المحصور إذْ ربما أوجب عدم الاجتناب في غيره للزوم الحرج والضيق والمحنة العظيمة ولعله من جملة الأدلة المخرجة لغير المحصور وأيضاً سلب حكم العقل هنا قوة الاحتمال. أما لو ضعف جداً بحيث لا يلاحظ أصلاً فلا يحكم وذلك ظاهر لا يخفى على أرباب النظر إن قيل ما ذكرتم من التقسيم إلى المحصور وغيره يقتضي الإبهام والإجمال إذْ المحصور وغيره إن أخذت معه عظم سعته نسبيه فلا يبقى محصور وإن أخذ على اليقين وأن له في الواقع حد ألزم الإبهام.


192

أقول غير خفي أنا بعد أن حكمنا الأصل في المنع من الاستعمال وأخرجنا غير المحصور بالإجماع صار بنائنا على المنع حتى نقطع بأن هذا مورد الإجماع وما شك فيه فعلى الأصل.

إذا عرفت ما سلف ظهر لك أن لكل من أصل البراءة والإباحة والاستصحاب حدوداً وشرائط ينبغي للفقيه الوقوف عليها فلا يتمسك بأصل البراءة مع يقين الشغل إذْ الأصل معكوس هنا. وكذا لا يتمسك بأصل الاستصحاب حتى ينظر في حصول مانع البقاء وكذا أصل الإباحة حتى يعلم انعكاسه كما في أموال الناس وما للغير عليه سلطان إلى غير ذلك فإن الأصل ينعكس، ويجمع الجميع الشبهة في المحصور إذْ يجري الجميع فيها مع عدم التأثر ثم من اللازم النظر في الأصول وكيفية تعارضها مع وحدة الجنس واختلافه لئلا يقع في خبط أو خلط والله الموفق.

الفائدة الرابعة: قد اشترط في العمل بأصل البراءة أمور:

1-أن لا يكون فيه إضرار مسلم بأي وجه كان.

2-أن لا يكون مثبتاً لحكم آخر بما في الاستصحاب.

3-أن لا يكون في نفي ما يحتمل أن يكون جزءً للعبادة إذ الأصل بقاء الشغل فيجب الإتيان بما يحتمل أن يكون جزءً وكذا ما يحتمل أن يكون شرطاً وفي المقامين بحث وللنظر مجال.

4-في أصل البراءة وغيرها لا يجوز للمجتهد أن يعول على هذه الأصول حتى يبذل جهده ويفرغ وسعه في الخوض في الأدلة الشرعية حتى إذا عجز رجع إليها.

وهذا معلوم من الطريقة منعقد عليه الإجماع بل الظاهر إن طريقة المسلمين تنادي بذلك كما لا يخفى أما العامي فلا نصيب له حتى يعجز عنه المجتهد وفي نفعه كلام أيضاً.

الفائدة الخامسة:
قد وردت روايات تنافي ما ذكرناه من المنع في المحصور منها ما ورد من جواز شراء الخيانة والسرقة إذا اختلطت وكذا ما ورد في الخمس من إعطاءه من المال المختلط بالحرام فيحتمل مع جهل قدر الحرام أو علم أنه لا يزيد على الخمس وكذا رخصة الشراء من العامل الذي يأخذ أكثر من الحق ونحو ذلك فلابد في إصلاح ذلك أما من تنزيل كما في أمر الاختلاط من محله على غير المحصور وأمر الخمس من تخصيص القاعدة بالعلم بمقدار الحرام وكذا أمر العامل ومرجع الجميع إلى تخصيص هذه القاعدة إذْ بعد وجود النص لا يبقى كلام.
193

الفائدة السادسة:
وقد شاع فيما بين أصحابنا التمسك بأصول خاصة وهي عديدة:

الأصل الأول: ( إن الأصل في الأشياء الطهارة ) وهو يقع على نحوين:

الأول: ما علمت طهارته الأصلية وشك أو ظن عروض ما ينافيها من النجاسة وهنا لا كلام لأحد في ثبوته، نعم قد يستثني بعض الأفراد لقيام الأدلة عليها كما فيما يخرج قبل الاستبراء مع عدم معرفة حاله إذا أصاب محلاً طاهراً فإن الشارع نزل الشك هنا بل الوهم منزلة اليقين وكذا غسالة ماء الحمام على دعوى البعض وإصابة أواني المشركين وأهل الذمة على ما قيل وإن احتمل عدم إصابتهم لها برطوبة ويستثني من ذلك أيضاً أما لو علم بعفو عن النجاسة دائراً بين الأفراد المحصورة على نحو ما ذكرنا والحاصل معول عليه إلاّ إذا قام عقل أو نقل يشهد بخلافه والدليل على ذلك أمور:

(1)ما أثبتناه من أصل الإباحة عقلاً أو شرعاً فإن الأصل إباحة الاستعمال في الأكل والشرب وتلويث المسجد إلى غير ذلك مما لا يتعلق بصحة عبادة فيسري في الكل أو وحدة السبب.

(2) إن هذه المسألة جزئية من الاستصحاب فما دل عليه دل عليها وإنما أفردت إذْ لا ملازمة بين القول بفساد الاستصحاب وفسادها حيث إنها تستند إلى ما لا يدل عليه.

(3) ما دل من السنة بصراحة على هذا الأصل كقوله (ع) ( كل شيء لك طاهر حتى تعلم أنه قذر ) ونحوه وهو ظاهر بل عندي إن تمشية هذا الأصل مما تشهد به السيرة القاطعة بل الضرورة من الدين بل استقامة النظام والأمر واضح.

النحو الثاني: ما شك في أصله كنطفة الغنم وبول غير مأكول اللحم من الطيور إلى غير ذلك والظاهر أنه محكم هنا أيضاً وهو على قسمين:

الأول ما انفصل من محل طاهر كما ذكرنا من الأمثلة. وفيه تجري الأدلة السابقة أما الأول فظاهر وأما الثاني فبأن يقال هذا الجزء قبل انفصاله كان طاهراً بل كان حلالاً يؤكل تبعاً للحم الذبيحة ولا يجب الغسل منه لو ذكى ما هو فيه وأصاب والحاصل كان على حاله فهو عليها استصحاباً فتدبر. وأما الثالث فظاهر الانطباق حيث إن مقتضاه استصحاب حالة الطهارة بعد ثبوتها وهذا جزئي منه.


194

الثاني ما لم يكن كذلك بل كان مجعولاً ومخلوقاً بالاستقلال كطهارة الفأرة مثلاً وهنا يجري الدليل الأول وهو معلوم، وأما الثاني فجريانه على طريقة بعض الأشاعرة ممكن وعلى طريقتنا غير مستقيم إلاّ على وجه بعيد فعليك بالتأمل والتدبر، وأما الثالث فإن جعلت بمعنى إلاّ فلا كلام في إجزاءه إذْ حاصله كل شيء طاهر إلاّ معلوم النجاسة وهو صريح في المطلوب وإن جعلت بمعنى الغاية أشكل حيث إنه يظهر من الخبر كل شيء باقٍ على الطهارة وجارٍ على حكمه الأول حتى تعلم النجاسة.

أقول والظاهر جريانه على هذا التقدير أيضاً ووجهه إن الظاهر لا يراد به الواقعي حتى يقال إنه باقٍ عليها إلى العلم بل المراد حكم الشرع بها إلى العلم وهذا يمكن أن تكون إنشاء حكم وهو الظاهر وإخبار عن حكم الله أي ظاهر عند الله أي في حكمه الظاهري وعلى التقديرين فلا إشكال والله أعلم.

الأصل الثاني: من الأصول المعهودة عندهم ( أصل العدم ) وهذا مع النظر إلى الحدوث يوافق الاستصحاب أما مع الغفلة عنه أو في ما ادعوا قدمه كبعض الصفات وكذا الجوهر المجرد بل تمام العالم فالحق جريانه أيضاً فأصل العدم على هذا مستقل لا يتوقف على استصحاب ولا غيره ومرجعه أما إلى معنى الظاهر إذْ الموجودات ليس لها نسبة إلى المعدومات بل هي كالعدم بالنظر إليها فالعدم هو المظنون حتى يجيء دليل الوجود أو بمعنى القاعدة فإن دأب العقلاء وعادتهم مطالبة مدعي الوجود بالدليل دون مدعي العدم وأما مدرك العقلاء فلعله ما ذكر سابقاً وكيف ما كان فأصل العدم بقسميه ثابت أما الأول فلإندراجه تحت الأصل ولما أوردناه في القسم الثاني وهذا الأصل يخرج منه أصل آخر وهو ( إن الأصل في الحادث تأخره ) إذْ أصل العدم مستمر على الدوام ولا ينقطع إلاّ بقاطع. فما لم يعلم وجود الحادث أقمنا على الأصل حتى يرد علينا ما يصرفنا عن هذا إذا لم يدر الأمر بين حادثين أما معه فلا فإن تقدم الطهارة المقتضية على الحدث المتيقن وبالعكس مع جهل التاريخ باطل للزوم الترجيح بلا مرجح وقس على ذلك أضرابه. ( ومنه أصل عدم التعدد وأصل الزيادة) إذْ مرجعه إلى أن الأصل عدم الشيء بتمامه ولما قطعنا على الناقص بقيت الزيادة على الأصل. وكذا إذا قطعنا بوجود الواحد لدليل منعنا وجود الثاني والثالث إلاّ بدليل أيضاً فعلى هذا لو دار التكليف بين الزائد والناقص والواحد والكثير فالأصل القليل فيهما وبهذا تمسك بعض متأخري أصحابنا في إجزاء غسل واحد عند حصول أسباب عديدة وجعلوا مسألة التداخل على وفق الأصل وادعوا عدم اشتراط النية للجميع بل بنية واحد يصح الغسل ويجزي عن الجميع سواء كان المعين جنابة أو غيرها وفيه نظر.


195

والحق إن هذا الأصل مقطوع حيث إن الظاهر من تعدد الأسباب تعدد المسببات فإن كل من سمع إن جاءك ولد فتصدق بدرهم أو بنت فكذلك أو أردت الخروج إلى السفر فكذلك فهم لزوم الثلث يقيناً والحاصل لا ينبغي أن يشك في أن تعدد الأسباب قاضِ بتعدد المسببات عرفاً كما لا يخفى على من له أدنى درية في صياغة الكلام بل هم لا يفهمون سوى ذلك في العبادات الأخر لمحض اللفظ كما لايخفى على المتتبع. وأيضاً الواجب على المكلف غسل جنابة وغسل مس وغسل زيارة ولا فارق بين هذه الأمور سوى القصد والنية كما إن الفارق بين النوافل بل كثير من الفرائض وإن اتحدت صورتها ليس سوى النية، نعم فيما ثبت إجزاؤه عن غيره ولو عين لا إشكال سواء قلنا بدخول تلك هنا مع وجوبها أو إنه ارتفع وجوبها بارتفاع سببها وهو الظاهر.

والفائدة إن من حلف ليغتسل غسل الزيارة وقد اغتسل للجنابة يجزيه بناءً على الدخول لا يجزيه بناءاً على المدخول لا يجزيه بناءً على رفع السبب وأنت بعد إمعان النظر تجد الحق ما قلناه فافهم.

ومنه أصل ( عدم النقل ) بمعنى إنه لو ثبت كون الشيء حقيقة في معنى فالأصل بقاءه حقيقة فيه وكذا إذا كان مجازاً في شيء فالأصل بقاءه مجازاً فيه والحاصل النقل يتوقف على عدم بقاء الأول على حاله وهو خلاف مقتضى الاستصحاب وليس مما نحن فيه إلاّ على وجه ويتوقف على وجود وصف الثاني والأصل عدمه.

ومنه أصل ( فساد المعاملة ) إذْ بينا الصحة على انتقال الأثمان والمثمنات كل من صاحبه إلى آخر والأصل عدمه فمرجع أصل الفساد إلى أصل عدم الانتقال في العقود المملكة وأصل عدم التغير في غيرها كالوقف ونحوه.

وينبغي أن تعلم أن الشك أما في أصل المعاملة كالشك في عقد المضاربة ونحوه أو في نوع خاص منه أو في شخص منها لاحتمال عدم الشرط، أما الأول فيجري فيه أصل الفساد من غير ريب كما هو ظاهر وأما الثاني فينقطع فيه هذا الأصل إن عم دليل الصحة جميع أنواع المعاملة إذْ يقوم أصل شرعي قاطع لذلك الأصل كما إذا شككنا في بيع المجهول أو نحوه مع قيام الأدلة على صحة جميع العقود كأوفوا بالعقود أو على جنس ذلك المنع كأحل الله البيع وإن أورد على الاستدلال بهما إن الأول لادلالة فيه إذْ المراد من العقود أما كل عقد متوهم ولا معنى له وأما العقود الصحيحة ولا يدل على الصحة ويمكن أن يجاب بأن المراد العقود المعروفة بين أهل اللسان التي لا يختص بها المؤمنون بل هي معروفة قبل النظر في الشرع.


196

وأورد على الثاني إن اللام إن كانت للاستغراق يثبت المطلوب لكن كونها في المفرد كذلك محل منع وإن جعلت للطبيعة وهو الظاهر فلا دلالة أيضاً إذْ تحليل طبيعة البيع لا يقتضي تحليل جميع الأفراد، وما ذكره المحقق في وجوب حمل اللام على الاستغراق لا وجه له إذْ الحكمة المذكورة في كلامه تتمشى حيث تعذر الطبيعة وما ذكر في منع الحقيقة غير مستقيم إذْ لا مانع من تعلق الأحكام كما لا يخفى.

نعم يمكن أن يقال لو أريد تحليل طبيعة البيع ولو في فرد لزم تحليل طبيعة الربا إذْ هو سائغ في بعض الأماكن فلا تصلح المقابلة وحلال الربا كالذي بين الوالد والولد والزوج والزوجة والمملوك والمالك ويمكن أن يقال أريد تحليل إلاّ لمانع فمقتضى الحلية موجود في البيع ويبطل عمل المقتضي بوجود المانع والربا بالعكس وذلك إن المحرمة على الوفق إلاّ مع المانع وربما يوجه الأصل أيضاً بأن التعلق بالحقيقة بعيد غير مفهوم.

وأما الثالث وهو الشك في شخصي فلا ريب في أن البناء فيه على الصحة لا لما ذكر من عموم الوفاء بالعقود إذْ الشك قد يكون فيما يخرجه عن كونه عقداً عرفياً، نعم يجري في كثير من الصور، والأولى الاستدلال بأن أمور المسلمين مبنية على الصحة أو على أن الصحة هي ظاهر العقد وقد عول أهل الشرع على هذه المظنة والظهور وقد ظهر لك أن من الأصول المقررة عند الفقهاء أصل الصحة في المعاملات وإنه يهدم أصل الفساد في بعض المواضع التي يحرم فيها كما لا يخفى على المتدبر.

واعلم أن هذا الأصل إنما يتمشى في المعاملات أما العبادات فلا فإذا حصل شك في صحة العبادة فهي على الفساد أو الأصل بقاء شغل الذمة وعدم فراغها نعم هذا الأصل قد ينقطع كما في الشك في أبعاض الوضوء مع الانصراف والشاك في شيء من الصلاة وقد فصل في غيره وكذا كثير الشك إلى غير ذلك لكن هذه وأمثالها خارجة عن الأصل بالأدلة الدالة عليها.

ومنه أصل ( عدم الاشتراك ) وذلك إن الاشتراك مبني على إثبات وضعي الأصل عدمها وحيث ثبت أحد الأصل عدم الأخر وهذا مرجعه إلى أصل عدم التعدد. ومنها أصل ( النقل ) وهو ظاهر وأمثال هذه الأصول كثيرة يجب على الفقيه الرجوع إليها عند العجز عن الدليل المنافي لمقتضاها والله الموفق.


197

الأصل الثالث: أصل ( الحقيقة ) ونعني إنه إذا دار اللفظ بين الحقيقة والمجاز فالحقيقة مقدمة ما لم يعرض عارض، وتفصيل المقام إن الدوران أما في الحمل أو في الأصل أما (الأول) وأعني به أن يعلم المعنى الحقيقي اللفظ والمجازي وعند الإطلاق لم تقم قرينة خارجية تدل على المراد منها قدم الحقيقي وحمل اللفظ عليه وهذا مما لا كلام فيه.

نعم إذا شهرة للمجاز أو ندرة للحقيقة قامت احتمالات ثالثها إنه محتمل لكل منهما والأقوى التفصيل لاختلاف الشهرة والندرة كما قررناه في مقامه والأصل هنا أما بمعنى القاعدة لاستفادتها من الاستقراء أو بمعنى الظاهر أو بمعنى الاستصحاب لزيادة ما يتوقف عليه المجاز من الحوادث ولأنها ملحوظة فيه مع زيادة والأصل عدمها.

وأما (الثاني) ونعني به أن يجهل حال اللفظ في نفسه ويتبعه الحمل بمعنى أن نجد لفظاً مستعملاً في معنى ولا نعلم أنه حقيقة فيه أو لا فهو على قسمين لأنه أما أن يكون في الدرجة الأولى بمعنى إنا نجد له حقيقي غير هذا ووقع الشك هي فيه أو علمنا حقيقياً ووجدناه وشككنا في آخر.

أما القسم الأول فالمشهور فيه تقديم كونه حقيقة حتى نعلم للمجاز، وقيل تقديم المجاز مدرك الأولين إذ الحقيقة أصل حتى يعلم الخلاف وذلك لأن المجاز فرعها وتابعها ومخرج بلفظ عن محله وأيضاً كونه مجازاً يستدعي معنىً حقيقياً آخر والأصل عدمه ومستند الآخرين كثرة المجاز، والأول هو الأقوى لما ذكر ولشهادة السيرة العرفية بل الدينية بل سيرة أرباب العلوم والصناعات بذلك كما لا يخفى على من نظر فالأصل هنا قد يراد به القاعدة من الظاهر والاستصحاب والوجه معلوم مما سبق.‌

القسم الثاني أن يكون في الدرجة الثانية وذلك بأن يعرف أن للأسد معنى هو الحيوان المفترس ثم نراه يستعمل في الرجل الشجاع مثلاً ولم نعلم جهة استعماله فهل يبنى على أنه حقيقة أو مجاز قولان مشهوران هما تقديم المجاز وقيل بأنه حقيقة مدرك الأولين إن الاشتراك خلاف الأصل لاحتياجه إلى تعدد الوضع ولأنه قليل الوجود لأكثرية المجاز بالنسبة إلية وأيضاً قليل الفائدة بالنظر إلى المجاز إذْ المجاز أنفع. وهذا عندي هو الحق وإن كان لي في الدليل الثالث نظر وذلك لما مر ولشهادة العرف والسيرة بذلك فإنا لم نجدهم يثبتون الوضع الثاني بمجرد الاستعمال كما هو ظاهر لدى المتبلغ حجة الآخرين كالمرتضى وأتباعه إذ الأصل الحقيقة ولا يعدل عنها إلاّ بقاطع ولا قاطع هنا، ولهم أيضاً توقف المجاز على حوادث كثيرة والأصل عدم ما زاد على الاشتراك منها.


198

واحتجوا أيضاً بأن الاشتراك أنفع وأبعد من الخطأ وما هو كذلك فهو أولى والحق ما سبق وقد مر دليله والأصل يمكن أن يراد به جميع المعاني السابقة لاختلاف الملاحظة فتدبر.

وينبغي أن تعلم أن حقيقة هذا الأصل غير موقوفة على حجية الاستصحاب بل لها أدلة خاصة قد ظهر مما مر أن كلاً من العبادة والمعاملة ينقسم إلى الصحيح والفاسد والمعروف عندنا أن الصحة في العبادة عبارة عن موافقة الأمن والفساد بخلافهما وقد يراد بهما ترتب الأثر وعدمه فيهما أو الأخير للمعاملة والسابق للعبادة أو الأول ما أسقط للقضاء وعكسه والثاني ترتب الأثر وخلافه.

وإذ تبين أن الصحة مدارها على موافقة الواقع ونفس الأمر فلابد من بيان أن تلك الموافقة لمجردها غير كافية لئلا يظن غير المتدبر أن الامتثال يتحقق بتلك المطابقة من دون شرط آخر فنقول والله ولي التوفيق:

العمل أما أن يكون؛ الأول عن مدرك شرعي مع الانطباق على الواقع ولا كلام فيه وهذا كما في ظن المجتهد ومقلديه مع إصابة الواقع إذْ لا تقصير في علم إلاّ وصور في إصابة واقع والأمر هنا ظاهر، الثاني أن يكون عن مدرك بلا انطباق وهذا قسمان لأنه أما أن يكون الخطأ فيه باعتبار أصل المرجع كخطأ المجتهد أو في طريقه كأن يزعم المجتهد أنه اجتهد سابقاً فبنى على هذا وبنينا على التعويل على الاجتهاد السابق ثم انكشف كذب زعمه وكذا المقلد يزعم أن هذا الرأي المجتهد ثم ينكشف له فساد ذلك بعد العمل.

أما القسم الأول فالظاهر فيه الصحة وإن كان مقتضى الأصل خلافها للزوم الحرج بخلاف ذلك ولقضاء السيرة بل لقيام الإجماع ظاهراً أو لولا ما نقلناه من الأدلة لكان الأحرى القول بالخلاف والاستدلال عليه بأنه مكلف ظاهراً بما أدى إليه اجتهاده وقد أتى به فيكون مجزياً لو تم يجزي في القسم الثاني أيضاً لكن فيه نظر، وذلك لأن الحكم الظاهري منوط بالمظنة فيرتفع بارتفاعها فلو فعل وانكشف الفساد وجبت الإعادة والقضاء فيما يلزم فيه إذْ يصدق عليه أنه لم يأتِ بالمأمور به على وجهه فتأمل.


199

وأما القسم الثاني فالظاهر فيه الفساد لقضاء الأصل وعدم قيام الأدلة المذكورة سابقاً.

الثالث أن لا يكون عن مدرك مع عدم الانطباق وفي هذا لا ينبغي أن يتأمل عاقل في فساد العمل ووجوب إعادته أو فعله وقضاءه فيما يلزم القضاء فيه إلاّ ما استثني من عبادة المخالف والكافر من الملين ونحوهما فالتأمل في الفساد بل كون ذلك معصية وتشريعاً منهياً عنه لا ينبغي التأمل فيه والنظر فيما دل على معذورية الجاهل غير مجد، إذْ الظاهر تنزيله على جهل الموضوع أو الحكم مع عدم إمكان الوصول إلى أهل الشرع أو بعد التفتيش أو العجز من أهل الاجتهاد وإلا لزم أن لا يستحق عقاب على ترك التعلم بل إلاّ عقاب على أكثر الفروع لغير أهل المعرفة كما لا يخفى وحكاية عمار سيجيء الجواب عنها.

الرابع أن لا يكون عن مدرك مع الانطباق وهذا على أقسام:

1- ظن الصحة على وجه يحصل للنفس اطمئنان في الجملة.

2- أن لا يحصل ذلك بل يكون شاكاً فيها أو واهماً لها وعلى التقديرين فأما أن يكون في أثناء عمل يحرم قطعه كالصلاة أو لا فهذه أقسام أربعة الأول والثاني ظان الصحة في أثناء العمل أو في غير العمل وهاتان الصورتان أقرب إلى الصحة من الأخريين والأقوى فيهما الفساد وذلك لوجوه:

(1) إن العمل بغير طريق شرعي وحكم على الشارع من غير دليل فيكون حراماً فلا يمكن قصد القربة والنية من شرائط صحة العمل والحاصل تتعذر النية ولا عمل إلاّ بها، وأورد عليه إن بعض المكلفين تطمئن نفوسهم بهذه المظنة بحيث لا يخطر بالهم خلاف الموافقة لأمر الله وهذا ظاهر من سيرة الناس فإنهم يعولون على أدنى مظنة ويجعلونها حجة معتبرة وأحكامهم في أمر معاشهم دائرة مدار ظنونهم. والجواب إن قصد القرب وإن وقع إلاّ أنه في غير محله فهو كغير الواقع فتأمل.

(2) إن الأخذ بهاتيك المظنة عمل بغير علم فيكون باطلاً إذ العامل على غير علم كالسائر على غير الطريق لا تزيده كثرة السير إلاّ بعداً ومثل هذا المظنون ورد في أخبار كثيرة لا تحصى.


200

(3) إن الغرض من الأوامر والنواهي هو الامتثال والطاعة ولا ريب أنهما عبارة عن فعل ما يرضي الله لأنه يرضيه فهو مستتبع للموافقة وقصدها في العمل ولاريب في أن المطلوب من المكلف العمل بعد العلم ولم يتحقق.

(4) إن شغل الذمة بالعمل يقيني فيستدعي البراءة اليقينية ولا قطع لنا بالفراغ إلاّ مع العلم إذْ هو التيقن فيبقى ما بقى.

(5) منع الشارع عن التعويل على الظن أو الأخذ به إلاّ ما دل الدليل على خلافه ومن جملة ما منع ما نحن فيه إذْ هو المفروض فإن قيل ما ذكر بتمامه مستقيم فيما لم يكن في أثناء العمل حيث لم يكن فيه محذور أما فيه لأمر دائر بين القطع المحرم أو الإتيان بالمشكوك فيه والأخير أولى لأنه أوفق بالاحتياط.

والجواب إن قطع العمل حرام مع عدم ما ينافي القطع بكونه عملاً كما هو المفروض أما معه فلا. وإذ قد ظهر حكم هذين القسمين تبين الحكم في الآخرين بطريق أولى وذلك لأن الظن في أثناء العمل أقرب إلى الحق من الشك والوهم فيه وكذا في غير العمل أقرب منهما في غيره.

واعلم أن ما ذكر كله إنما هو في أمر الصحة والفساد أما التحريم فلا ريب فيه إلاّ في ما يطرأ في أثناء العمل فللقول بجوازه وجه على نحو ما مر وقضية عمار مأوّل أما بالأخذ عن المدرك توهماً أو بأنه في صدر الإسلام فله العذر مع عدم التمكن من المسألة والمخالف هنا شاذ والحق خلافه والله أعلم.

هذا ما تقتضيه الأصول والقواعد وتنهض عليه الأدلة السالفة لكن لي في هذا المقام تأمل حيث إن ظاهر السيرة والطريقة المأنوسة من أهل الشرع صلوات الله عليهم في كل من سأل بعد أن عمل ووافق الواقع الحكم له بصحة العمل بل هذه طريق العلماء ظاهراً فإن العامي إذا سأل أحدهم إني صليت وفعلت كذا في صلواتي أو وجدت الأمام راكعاً ودخلت معه أو لم أجد مكاناً في الصف السابق فانفردت بصف أو نسيت التشهد حتى قمت فذكرت وجلست أو نسيت بعض الصلاة فسلمت فذكرت وقمت إلى غير ذلك.


201

أجابوه بالصحة كمن بعض بلازم من غير استفسار من أنك كيف فعلت وهذه طريقة معهودة خلفاً بعد سلف ويقضوا الشخصين الذين عملا مثلاً فيوافق أحدهما السنة وصح عمل الآخر كما في الخبر في متيممين صليا فوجدا الماء فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر إن المعيد له الأمر من أثره وذاك أصاب السنة، ويمكن الدفع عن هذا بأن غرض المجيب بيان الأمر للسائل على نحو ما سأل وقد سأل عن تلك الأفعال مع قطع النظر عن العوارض من تقصير في سؤال ونحوه ولا أقل فشك في سر هذه السيرة إنه هل هو الصحة مع عدم السؤال أو الجري على ظاهر المقال والشخصان ربما كانا عالمين فسألا تأكيداً لو إن تكرار الأمر تفصيلاً لا استحقاق.

وكيفما كان فالقول بصحة العبادة الموافقة للواقع مع ظنها وخصوصاً مع كونها في أثناء العمل لا يخلو عن قوة إلاّ أنه لم يصل عندي إلى العلم فالعمل على الأول والله أعلم.

فائدة

قد ظهر مما مر وجوب الرجوع إلى أهل العصمة في جميع الأحكام ولا يجوز التعويل على أصل البراءة أو إباحة أو استصحاب وكذا الأصول الخاصة وهذه ينحصر نفعها في عمل المجتهد بعد العجز عن الدليل وبلوغ حد الوسع في طلبه فإنه ما لم يصل إلى ذلك يجب عليه بدل الوسع في تحصيل الحكم من الأدلة الخاصة وإلا لم يكن ثمة اجتهاد.

وأيضاً تبطل أكثر الأحكام الشرعية إذا اعتمد المجتهدون على أهل هذه الأصول ولا يبقى للخطاب بها نفع فالواجب على الفقيه الرجوع إلى العلم في كل جزئي جزئي أو ما يقوم مقامه من الظنون التي أقامها الشارع مقام العلم بل ذلك لازم على الفقهاء والعوام إذْ طريق العوام الأخذ من المجتهدين أما بلا وسط فيكون عالماً بقول المجتهد مشافهاً أو بوسط مفيد للعلم كالتواتر أو الأخبار مع الحق بالقرائن أو مفيد للظن كخبر العدل مثلاً إذا رخصه بالتعويل عليه ولا يجوز له العمل على كل ظن ولا التعويل على كل أحد بل لابد من الرجوع إلى قول المجتهد الثابت بطريق شرعي فطريقه إلى المجتهد كطريق المجتهد إلى المعصوم(ع).


202

إذا عرفت ذلك ظهر لك حال ما أفاده المحقق المدقق النقي المقدس مولانا الأردبيلي تغمده الله بعفوه من أن الرجوع إلى المجتهدين على النحو المذكور لو لزم لزم الحرج العظيم والضيق المفرط حيث يلزم منه رجوع النساء والصبيان في أوائل التكليف بل العاجزون كالشيوخ والعجائز إلى المجتهد أما بغير وسط وذلك حرج عظيم حيث إن الحاجة متكررة في كل يوم وليلة بل في أقل من ذلك بل هذا ضيق على المجتهد أيضاً سيما مع الانحصار إذْ لا يسع زمانه البيان لكل من يسأل. وأما بوسط مقبول وهذا أكثر ضيقاً فإن المقبولية تتوقف على معرفة العدالة وهي موقوفة على معرفة الطاعة من المعصية وعلى الفرق بين الصغائر والكبائر وعلى معرفة التوبة وعدمها إلى غير ذلك من الأمور التي كثر النزاع فيها بين المجتهدين ولم يبلغوا كنهها وأيضاً نعلم بالسيرة القاطعة إن الناس يتلقون الأحكام بعضهم من بعض فالمرأة من زوجها والعبد من سيده بل الولد من الوالد والراعي من الرعاة وما كانوا ليتوقفوا على وجود خبر العدل وهذه سيرة معلومة لهم بل أهل العصمة أقروهم على ذلك .

أقول محصول ما ذكره المرحوم بأن الرجوع إلى المجتهد غير إذْ لا فرق بين عدم الرجوع أصلاً وبين الأخذ بغير طريق شرعي ولعمري إن هذا نقض للقواعد الفقهية ومخالف لما دل على الرجوع

كقوله تعالى ﴿ فاسْأَلُوا أَهْلَ الذّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمون إن شفاء العيى السؤال عالم ومتعلم ومستمع إلى غير ذلك من الأخبار المتواترة معنى وهذه الطريقة إذا اعتبرت دلت على أن الأخذ بمجرد الأوهام وإتباع الآباء والأمهات من غير رجوع أصلاً سائغ شرعاً وفساده ضروري. وأيضاً يلزم مما ذكر فساد نظام الدين من تحليل الحرام وتحريم الحلال وترك الواجبات ووجوب المحرمات وليت شعري متى جرت سيرة الناس على الانقياد وموافقة الحق فإنهم لا زالوا على اتباع الأهواء فإنك إذا فتشت عن أحوال العوام وجدت أكثرهم مشبهة ومجبرة ومفوضة يقولون من حيث لا يعلمون ومتى قامت عصا الشرع حتى يجري الأمور على ما يرضى الله.


203

والحاصل إذا تأملت أحوالهم وجدت عقائدهم مختلة وفروعهم فاسدة بل كدت أقول إن من يعرف الصلاة في بعض الأقاليم نزر قليل والحاصل المعول على طريقة علمائنا إذْ هم أدرى وبدرك الحقيقة أحرى، واضطراب العوام غير منكر في جميع الأعوام مع أنك إذا تدبرت وتفكرت وجدت مدرك هذا قلة المبالاة بالدين فإنهم في أمر دنياهم يتأملون ويفحصون وفي أمر آخرتهم لا يعبأون ولقد وجدت كثيراً ممن يعتمدون عليه في أمر لا يعولون عليه في أدنى الودائع والأمانات مع أنك إذْ نبهتهم وذكرتهم لا يستطيعون الجواب.

ثم الحق إن طريقتهم لو وافقت الواقع كانت أعمالهم باطلة إذْ صحتها لا يعلم بالبديهة لمقام التطرف فالأخذ بها من دون رجوع إلى المجتهد مفسد لجميع أعمالهم على ما تقرر من إصابة الحق بمجردها غير نافعة لكنه رحمه الله لا يرضى بذلك فالتقرير المدقق من أهل العصمة منكر كل الإنكار بل المقرر خلافه فتدبر.

الباب السادس

المقصد الأول

تعريف نزول وحصول حجيته في القرآن

وهنا مباحث

المبحث الأول: في بيان معناه

قد عرفه القوم بتعاريف؛ منها أنه كلام منزل للإعجاز بسورة منه وقيل ما نقل بين دفتي المصحف تواتراً وقيل ما لا تصح الصلاة من دون تلاوة بعضه وقيل كلام بعض نوعه معجز وقيل كلام يحرم مس خطه المحدثان، الأول والثاني وإن أخرجا بقية الكتب والحديث القدسي إلاّ أنهما دوريان يرد عليهما أيضاً دخول الأبعاض المشتملة على السورة المفيدة للإعجاز في الأول والأعم فيه وعندي أنه محذور وعلى الثالث دخول التشهد ونحوه والفاتحة أيضاً إلاّ أن يزاد دون الكل ويبنى على تحريم القرآن ودخوله غير مضر عند بعضهم. وعلى الرابع والخامس لزوم دخول البعض وهو محذور عندنا أما من عرف فلا ضير عليه قيل في تعريف السورة التي اشتمل عليها التعريف الأول طائفة من القرآن مصدره فيه بالبسملة أو جوابه وهذا موجب آخر للزوم الدور في التعريف الأول وعلى هذا التعريف دخول أوائل السور في معرف السور وما يؤيد أن القرآن عبارة عن المجموع ما ذكره أهل اللغة بنحو أن القرآن سمي قرآناً لجمعه السور وفي كلام بعضهم سمي بذلك الجمع القصص والأمر والنهي والوعد والوعيد وكذا في الحديث القرآن جملة الكتاب والفرقان المحكم الواجب العمل به ولعل العرف أيضاً ينادي بذلك كما لا يخفى على المتأمل.


204

وما استدل به على أنه في البعض لأن من حلف أن لا يقرأ القرآن وقرأ البعض حنث وهو يبتني على أنه حقيقة فيه وكذا يقال القرآن يدل على كذا والدال آية؟ فجوابه إنه نظير ما يقال ضربت زيداً ونظرت إلى عمر مما غاير فيه تركيب البساطة ومثال الأخير قولنا الحديث يدل على كذا وهذا البيت شاهد على كذا وأمثال ذلك كثير والحق إنا لا نحتاج في تعريف القرآن إلى هذه التمحلات إذْ من البين أن القرآن عبارة عما نزل على نبينا(ص) دون الأنبياء السالفين فالكتب السابقة نزلت للإعجاز أو لا خارجة وكذا عبارة عن هذه الحصة المعروفة على القول السقوط أو عنها وعن الساقط على القول به فيخرج ما عداه من الحديث القدسي.

وكذا لا حاجة إلى التكليف في تعريف السورة لظهورها وقد أورد ولها حدود كثيرة منها التعريف السابق ويرد عليه ما مر من لزوم الدور والانتقاض بصدور السور وزاد بعضهم لدفع الأخير متصل آخرها بأحدهما أعني البسملة وبراءة فنقض بالسورة الأخيرة فريد أو غير متصل ولا ينفع ذلك لورود بعض سورة النمل. وكذا دخول مجموع سورتين أو أكثر، وعرفها بعضهم بأنها طائفة من ذات ترجمة، ونقض طرده بآية الكرسي وأجيب بإرادة الاسم وفيه تعسف ،وقيل طائفة منه ذات ترجمة مكتوبة في العنوان منه فتحال المعرفة على وجود العنوان. وإنما أطنبت تأسياً بأصحاب الفن وإلا فالكتاب والسورة غنيان عن التعريف.

المبحث الثاني: في كيفية نزوله

اتفقت كلمتنا على أن التكلم عندنا من الأوصاف الإضافية دون الحقيقة وأعني به اللاحقة باعتبار التعلق فتتبع المتعلق فالمكلم موجد الكلام وخالقه فوصف المتكلم كوصف الخالق والرازق والمعطي والوهاب إلى غير ذلك مصدق المشتق عليه باعتبار الجعل والإيجاد لا باعتبار القيام أو الحلول وقد مر منا في صدر الكتاب أن المشتق لا يتوقف على القيام بل يصدق باعتبار الجعل وقد أشبعنا الكلام في إبطال دعوى الخلاف التي زعمها الأشعري.

فالكلام عندنا هو الأصوات والحروف الملتئمة وهي حادثة لتركبها ولأنها أعيان وما عدى الله من الأعيان يستحيل قدما فلا تكون وصفاً له تعالى باعتبار القيام وإلا لكان محلاً للحوادث تعالى عن ذلك علواً كبيرا فمحل الكلام عندنا أما جبل أو شجرة أو نحوها أو بشر أو ملك أو حيوان كما يعهد ذلك أيضاً من بعض القصص والكلام أحد طرق إعلام الله لأولياءه وإلا فغيرها كثير كالإلهام والرموز والقرائن والأطياف الناصة ونحو ذلك فوصول الكلام بلسان جبرائيل لا يخلو عن أمرين أما بأن يكون جبرائيل محل الكلام وبه أوجد الله الكلام فكلام جبرائيل ظاهر كلام الله في الحقيقة أو إن الكلام أوجد في فلك أو نحوه فسمعه جبرائيل وأمر بأداءه فهو مرادي ومؤدِ وهذا أظهر الفردين. ويمكن أن تكون صور الحروف منقوشة في لوح وجبرائيل يروي عنها لكن تلك النقوش ليست مبدعة بل صورة بعد الكلام إذْ لولا ذلك لأشكل كون القرآن كلام الله فتأمل.


205

وكذا لا وجه لكون جبرائيل ملهماً للحكم فيتكلم به إذْ يكون الكلام منه على التأثير أو الكسب وكلاهما خلاف الضرورة والذي يقضي به كلام أهل العصمة (ع) إن كلمات القرآن كانت تحت العرش ثم هبطت حتى وصلت إلى سماء الدنيا ثم جاءت إلى محمد صلى الله عليه وآله فإن بقي على ظاهره أمكن القول بأن الخطابات القرآنية كلها خطابات وضع كالوصايا والرسائل وليست من الخطابات الحقيقية المعتبر فيها الشفاه فدعوى العموم في الخطابات للمعدومين على هذا غير بعيدة اللهم إلاّ أن يقال إن الخطاب حين جرى على لسان جبرائيل اعتبرت فيه المشافهة.

وعلى ما ذكر في الأخبار كقول الصادق (ع) نزل القرآن في عشرين أوله وآخره نزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور ثم نزل في عشرين سنة إن لم يؤول يشكل القول بأن القرآن كلام الله إلاّ أن يقال إن النقوش صور الحروف من الكلام بمعنى إنها حصلت بعد التكلم وإن الكلام لم يقصد به الإفهام بل أوجد في الجسم ليصور أو إنها متبوعة والكلام بعدها أغني عنه بعد إيجاد النقوش أوجد الكلام هذا كله على ما هو الظاهر وإن أزيد باللوح والكتاب المكنون ونحوهما علم الله تعالى فلا يبقى ثمة كلام.

وكيف ما كان فيكون الخطابات القرآنية من آدابها حقيقتها وإنها خطاب إيصال لا إرسال مشكل إذْ قد وصلت على لسان جبرائيل فإن كان الموجد فلا خطاب حقيقي وإن كان محللاً للوجود فإنما سمعه منه النبي (ص) أما الأصحاب فعلموا من النبي (ص) فهو المخاطب لهم مع أنه صلى الله عليه وآله لم يخاطب بل روي خطاباً وفي المقام كلام قدم في مبحث العام فليراجع والله أعلم بحقائق الأمور.

المبحث الثالث: في وصوله

اعلم أن المصاحف عديدة والمعروف منها أربعة مصحف علي (ع) ومصحف ابن مسعود ومصحف أبيّ ومصحف عثمان والموجود عندنا هو الأخير وهو متواتر النقل من زمان صدوره وصل إلينا يداً بيد على نحو ما وجد في عصر الصحابة وزمان الأئمة (ع) من غير زيادة ونقصان إذْ شأن العلماء المحافظة على ضبط سورة وعدة آيه بل حروفه بل حركاته وإن وقع في الأخيرين اختلاف بين القراء إذ الضبط على نحو ما قرأ في القديم.


206

والحاصل نحن نحرم خبر ما لا يدخله شوب الريب إذ ما في أيدينا هو القرآن المعروض على أصحاب الشرع المعهود بين المتقدمين وأما ذلك الاختلاف فسيجيء وجهه بحول الله تعالى وقوته إذْ شدة المحافظة على القرآن وضبط آياته بل كونه محفوظاً في صدور كثير منهم يأبى أن يزاد فيه أو ينقص مع غفلة الجميع فظهر أن قرآن عثمان متواتر مقطوع على صدوره منه وبقاءه على حاله من غير تغير فحل من زمانه إلى زماننا هذا.

وأما إنه في نفسه هل وضع على نحو واحد أو على وجوه مختلفة وأطوار متشعبة فظاهر أصحابنا بل ظاهر المسلمين على الأول وذهب بعض إلى الثاني مستنداً إلى ما ذكره بن طاووس في كتاب سعد السعود عن محمد بن بحر الدهني من أعاظم العامة إن عثمان اتخذ سبع نسخ لقراءته فحبس في المدينة واحداً وأرسل إلى أهل مكة واحداً وإلى أهل الكوفة آخر وإلى أهل البصرة آخر وإلى أهل اليمن كذلك وإلى أهل البحرين كذلك وإلى أهل الشام مثلها ثم عدد ما وقع فيها من الاختلاف في الكلمات والحروف مع أنها كلها بخط عثمان أما حاله بالنظر إلى النزول من عند الله تعالى فظاهر جمع من أصحابنا وقوع التحريف والتبديل والزيادة والنقصان مستندين إلى ما دل بظاهره على وقوع ذلك كقول أمير المؤمنين (ع) لما سئل عن التناسب في ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لا تَقْسِطُوا في اليَتَامَى فَانْكِحُوا إنه قد سقط من هذا ثلث القرآن وكذا في قول الصادق (ع) في ( كنتم خير أمةٍ ) كيف تكون خير أمة وقد قتلت ابن رسول الله(ص) ليس هكذا نزلت وإنما نزولها ( كنتم خير أئمةٍ ) منها ما ورد في الأخبار الكثيرة في آية الغدير أنها بلغ ما أنزل إليك في علي (ع) ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمِا بَلّغْتَ رِسَالَتَه وكذا قوله في ﴿ إلى المرافق أن تنزلها من المرافق إلى غير ذلك مما لايحصى.

ومن هذا القبيل ما رواه سالم بن سلمة عن أبي عبد الله (ع) قَالَ قَرَأَ رَجُلٌ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) وَ أَنَا أَسْتَمِعُ حُرُوفاً مِنَ الْقُرْآنِ لَيْسَ عَلَى مَا يَقْرَأُهَا النَّاسُ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع) كُفَّ عَنْ هَذِهِ الْقِرَاءَة اقْرَأْ كَمَا يَقْرَأُ النَّاسُ حَتَّى يَقُومَ الْقَائِمُ (ع) فَإِذَا قَامَ الْقَائِمُ (ع) قَرَأَ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى حَدِّهِ وَ أَخْرَجَ الْمُصْحَفَ الَّذِي كَتَبَهُ عَلِيٌّ (ع) وَ قَالَ أَخْرَجَهُ عَلِيٌّ (ع) إِلَى النَّاسِ حِينَ فَرَغَ مِنْهُ وَ كَتَبَهُ فَقَالَ لَهُمْ هَذَا كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ كَمَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ (ص) وَ قَدْ جَمَعْتُهُ مِنَ اللَّوْحَيْنِ فَقَالُوا هُوَ ذَا عِنْدَنَا مُصْحَفٌ جَامِعٌ فِيهِ الْقُرْآنُ لاَ حَاجَةَ لَنَا فِيهِ فَقَالَ أَمَا وَاللَّهِ مَا تَرَوْنَهُ بَعْدَ يَوْمِكُمْ هَذَا أَبَداً إِنَّمَا كَانَ عَلَيَّ أَنْ أُخْبِرَكُمْ حِينَ جَمَعْتُهُ لِتَقْرَءُوهُ.


207

وعن البزنطي أنه دفع إلي أبو الحسن (ع) مصحفاً وقال لا تنظر فيه وقرأت فيه ﴿ لَمْ يَكِنِ الّذينَ كَفَرُوا فوجدت أسماء سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وعن أبي جعفر (ع) لو قرأ القرآن كما أنزل لألفيتنا فيه مسمين وعنه (ع) إن القرآن كانت فيه أسماء الرجال فألفيت وعنه (ع) إن القرآن قد طرح منه آي كثير ولم يزد فيه إلاّ حرف قد أخطأت فيها الكتبة، وروي إن طلحة قال لعلي (ع) يا أبا الحسن رأيتك خرجت بثوب مختوم فقلت أيها الناس إني اشتغلت برسول الله (ص) ثم بكتاب الله حتى جمعته ورأيت عمر بعث إليك أن ابعث به إلي فأبيت أن تفعل وقد سمعت من عمر أنه قتل يوم اليمامة قوماً كانوا يقرؤون قرآناً لا يقرأه غيرهم فقد ذهب وقد جاءت شاة إلى صحيفة وكتاب يكتبون فأكلتها وذهب ما فيها وسمعت عمر والذين كتبوا في زمانه يقولون إن الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة وإن النور ستون ومئة آية والحجر تسعون ومئة آية فما يمنعك يرحمك الله أن تخرج ما عندك إلى الناس فقال (ص) إن كل ما نزل من الله مكتوب بخطي من إملاء رسول الله (ص) ففيه كل شيء من صغير وكبير وخاص وعام كان أو يكون إلى يوم القيامة ثم قال طلحة لم لا تجيبني فقال (ص) عمداً كففت عن جوابك أخبرني عما كتب عثمان أقرآن كله؟ قلت نعم، قال إن أخذتم بما فيه نجوتم، وفي ضمن هذه الرواية إن عثمان مزق مصحفي أبي وابن مسعود وأحرقهما بالنار.

وهذا يدل على اختلاف عظيم. وحاصل جوابه عليه السلام إن حفظه بأمر من الله ورسوله (ص) ثم طلحة فإلى من أمر هذا القرآن بعدك فقال إلى ولدي الحسن ثم إلى الحسين (ع) ثم إلى واحد واحد من ولد الحسين (ع) حتى يرد آخرهم على رسول الله (ص) وعن أبي ذر لما توفي رسول الله (ص) جمع علي (ع) القرآن فأتى به أبا بكر فلما فتحه خرج في أول صفحة منه فضاع القوم فقال عمر أرجعه لا حاجة لنا به، وأرسل إلى زيد بن ثابت وكان حافظاً للقرآن فقال له إن علياً أتانا بقرآن فيه فضاع فألف القرآن فقال زيد إن ألفت ثم ظهر علي (ع) قرآنه أليس قد بطل عملي فقال عمر ما الحيلة إلاّ أن نقتله ولنستريح منه فدبر أن يحيل خالد على قتله وبعد استخلاف عمر سأل علي (( ) أن يدفع إليهم القرآن ليجمعوا عليه ويعملوا به وقد كان غرضهم حرقه فقال (( ) ليس إلى ذلك السبيل إنما جئت إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم إن القرآن الذي عندي لا يمسه إلاّ المطهرون فقال هل وقت لإظهاره معلوم فقال (ع) نعم إذا قام القائم.


208

وفيما اشتمل عليه حديث الزنديق الذي سأله (( ) عن بعض أشياء زعم أنها تنافي على شأن القرآن كالارداء بالأنبياء ونسبتهم إلى العصيان والأشياء غير اللائقة لهم دلالة واضحة من وجوه إنه بعد أن ساق الاعتذار عن ذب الأنبياء بذلك وفي القرآن تحريف كما في البوم والإنجيل وبعد ذلك بيسير قال لقد كان القرآن سالماً عن التحريف لكن رأوا أسماء أهل الحق والباطل فبطلوه وهو قرآن علي (( ) وهو معنى فنبذوه وراء ظهورهم فلما يعولوا على فعل علي (( ) صرخ مناديهم من كان عنده شيء من القرآن فليأتنا به ووكلوا نظمه إلى بعضهم ممن وافقهم على معاداة أولياء الله فزاد فيه ونقص إلى أن قال والذي بدى في القرآن من الإزراء عليه (( ) تزيه الملحدين وزيغ المبطلين قال الله تعالى ﴿ وَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ القَوْلِ وَزُوراً .

القرآن كملاً مشتملاً على التأويل والتنزيل والمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ لم ينقص منه حرف ألف ولا لام، فلما وقفوا على ما بينه الله من أسماء أهل الحق والباطل وإن ذلك إن ظهر نقص ما عهدوه قالوا لا حاجة لنا به ثم دفعهم الاضطراب بورود المسائل إليهم إلى جمعه من تلقاء أنفسهم إلى أن قال وإنما جعل الله الرموز التي لا يعلمها غيره وغير أنبياءه أو حججه وتلبيسهم ذلك على الأمة ليعينوهم على باطلهم فأثبت فيه الرموز وأعمر قلوبهم وأبصارهم ولو علم المنافقون ما في هذه الآيات من اللعن لأسقطوها.

وقال (ع) في آخر كلامه وأما ظهورك على تناكر

قوله تعالى ﴿ فإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا وليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء ولا كل النساء أيتام فهو ما قدمت ذكره من إسقاط المنافقين من القرآن وقد سقط من هنا ثلث القرآن وهذا شبهة مما ظهرت حوادث المنافقين فيه لأهل النظر ووجد المعطلون وأهل الملل المخالفة للإسلام مساغاً إلى القدح.

ولو شرعت لك كل ما أسقط حرف ويدل مما يجري هذا المجرى لطال وظهر ما تحضره التقية من مناقب الأولياء ومثالب الأعداء والحاصل وجود النقص في الجملة عندي بلغ حد التواتر إذا صار النقص لا يمكن ردها، نعم يدور الأمر بين إرادة النقص في التأويل أو تنزيله على نقص التنزيل والمراد إن النقص في غير القرآن الظاهر ونعني بذلك إن القرآن نزلت به أقوال عامة يظهرها النبي (ص) لكل أحد خاصة لايطلع عليها سوى أهل بيته.


209

ولا ينافي ذلك كون القرآن نزل للإعجاز إذ اللازم إظهاره ما لم يعرض عارض أما مع العارض كظهور الفتن وذهاب أكثر المسلمين حيث إن المسلمين حديثوا عهد بالجاهلية بل الكثير منهم منافقون فلا يجب الإظهار أو المراد نقص الأحاديث القدسية قال شيخنا الصدوق طاب مرقده في اعتقاداته: اعتقادنا أن القرآن ما بين الدفتين ومن ادعى الزيادة وإن القرآن أكثر من ذلك فهو كاذب، قال: وقد نزل من الوحي الذي ليس بقرآن ما لو جمع إلى القرآن لكان مقدار سبعة عشر آية مثل قول جبرائيل للنبي (ص) ( يا محمد وإن خلقي ) ومثل قوله ( عش ما شئت فإنك ميت وأحبب ما شئت فإنك مفارق وأعمل ما شئت فإنك ملاقيه ) ( وشرف المؤمن صلاته بالليل وعزه كف الأذى عن الناس ).

قال ومثل هذا كثير وهي ليس بقرآن ولو كان قرآناً لكان مقروناً به موصولاً إليه غير مفصول عنه كما كان أمير المؤمنين (ع) جمعه ويؤيد نقص التأويل قول الباقر (ع) في رسالة الخير وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرفوا حدوده فهم يرونه ولا يرعونه والجهال يعجبهم حفظهم للرواية والعلماء يجزيهم تركهم للرعاية وقال (ع) ( لو أن الناس قرءوا القرآن كما أنزل ما اختلف اثنان ) لكن في صدره ظهور بنقص التنزيل،.

وتوضيح المقام إن الكلام أما في النقيصة أو في الزيادة في السور أو في الآيات أو في الكلمات أو في الحروف أو في الحركات أو في التبديل كلمات بمثلها أو حروف كذلك أو حركات بمثلها أيضاً أما الزيادة في السور والآيات فمنفي إجماعاً وبديهة إذ القرآن متواتر المتن من زمان النبي (ص) إلى زماننا. بمعنى إن جميع ما في القرآن من القضايا المثبتة فهي منه أما الزيادة في الكلمات والحروف وكذا النقصان والتبديل فقد اختلف فيه ومنشأ الاختلاف تدافع الأدلة ظاهراً وها أنا أنقل لك شطراً مما يدل على وجود ذلك فيه؛ منها ما دل على سقوط ثلث القرآن من بين إن خفتم وفانكحوا ما طاب وكذا سقوط لفظ في آية الغدير ونحو ذلك بل اختلاف المصاحف مبني على ذلك مع أن في الأخبار الكثيرة أن في مصحف علي(ع) كذا وفي مصحف عثمان كذا ويدل على ذلك ما رآه ثقة الإسلام الكليني بإسناده إلى سالم بن سلمة قال قرأ رجل على أبي عبد الله (ع) وأنا أستمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس فقال أبو عبد الله (ع) ( كف عن هذه القراءة وأقرأ كما تقرأ الناس حتى يقوم القائم فإذا قام قرأ كتاب الله على حدة وأخرج المصحف الذي كتبه علي (( ).


210

ومما يدل أيضاً مما تدل عليه الأخبار من أن القرآن كان وافياً بذكر أهل البيت (ع) والبراءة من أعدائهم وبيان الحق على طبق مما يجب بل هذا قد يظن حيث إن القرآن لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها فكيف لا يكون فيه التصريح بأصول الدين وأساس شريعة سيد المرسلين.

ومما يرشد إلى ذلك قضية المصاحف السبع التي صنعها عثمان وأرسلها إلى الأطراف وكذا نقصان الحروف وتبديل الكلمات والحركات أمر ظاهر مع أن القرآن واحد جاء من قبل واحد وذلك كثير إذْ بنى اختلاف القراءات على اختلاف هذه الأشياء كما ورد في ( أمة أنها أئمة ) وكذا ( أرشدنا الطريق المستقيم ) و ( ملاك يوم الدين إنا لك نعبد وإنا بك نستعين سوى المغضوب عليهم غير الضالين ) والحاصل اختلاف القراءات على وجه لا يمكن حصره مع التعويل على الكل مثبت للمطلب، وعلماء التفسير نقلوا سبع وجوه في الاختلاف:

الأول: اختلاف الإعراب مع بقاء المعنى نحو ( فيضاعف ويضاعف).

الثاني: تغير الإعراب مع المعنى نحو ( إذْ تلقونه)( وإذ تلقونه ).

الثالث: تغير الحروف مع المعنى( كننشرها ) ( وننشزها) بالراء والزاء.

الرابع: اختلاف الكلمة مع بقاء المعنى نحو ( إن كانت إلاّ صيحة واحدة ) والآن قبة واحدة.

الخامس: معين الصورة والمعنى نحو ( طلح منضود ) و ( طلع منضود ).

السادس: بالتقديم والتأخير نحو( وجاءت سكرة الحق بالموت ).

السابع: اختلاف الزيادة والنقصان نحو ( وما عملت أيديهم )( وما عملته أيديهم ).

وجعلوا هذا معنى لقوله (ع) نزل القرآن على سبعة أحرف وذكروا له معاني أخرى. وكيف ما كان فأمر الاختلاف فيه ظاهر لا غبار عليه بل هو متواتر معنى سيما في أمر القراءات وأما ما يدل على عدم ذلك فإنه ﴿ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وإنه القرآن المعروض على الصحابة والتابعين من المرضين وكذا عرض على الأئمة المعصومين (ع) ولو كان ثمة أمر لظهر ولم يخف هذا الخفاء ولابد في إصلاح ذات البين من تحقيق شافٍ وبيان وافٍ.


211

فأقول وبالله التوفيق لا كلام في أن الذي في أيدينا هو القرآن الذي أمرنا بتلاوته وإنه أحد الثقلين وإنه الحجة علينا وعلى كافة الخلق إذْ هو المفروض على أئمتنا المعمول به عندهم بل لا زالوا يبرهنون على المطالب إذْا طولبوا بالدليل بل أمالوا عليه العمل برواياتهم بل نقل إلينا أن في الخزانة الرضوية بل الغروية جماً من المصاحف المكتوبة بيد علي (ع) وبيد الحسن بل كل راوية مشتملة على ذكر القرآن وحملة القرآن وأهل القرآن لا يعني به سوى هذا.

وأما في أنه هل هو منطبق على القرآن الواقعي أو لا؟ فأقول في بيانه إن أقصى ما يفهم من الأدلة وتدل عليه الآثار أن هناك أموراً تصل إلى النبي (ص) بطرق:

(1) الإلهام ونحوه ولا كلام .

(2) بالأحاديث القدسية وليست هذه من القرآن.

(3) بسور أو آيات خفية لم يطلع عليها عامة الخلق بل خص بها أمير المؤمنين (ع) وأهل بيته (ع).

فدعوى نقصان السور الكثيرة كما وجدنا بعض الإجراء التي يدعي إنها قرآن وكذا حكاية الثلث إن أريد من القرآن الواقعي فلا بأس ولا كلام وإن أريد إنه مما أظهره النبي (ص) على الرعية فالبديهة تنفيه إذ القرآن محفوظ في صدور الصحابة ولا يتمكن أحد من نقصه سيما مثل هذه النقائص العظيمة بل هذا لا يمكن في غيره من الكتب التي لا تشتد المحافظة على ضبطها على هذا النحو كالقاموس والصحاح ونحوها من الكتب المتداولة وكذا الكتب الأربعة لا نجيز فيها مثل هذا النقص العظيم كالثلث ونحوه.

بل الظاهر إن القرآن يمتنع فيه بعض الآيات والكلمات فكيف بالسورة والأكثر حيث إن آيه مضبوطة بل كلماته بل قد يقال حروفه حيث إنه أول الصدور نزل تدريجياً فيحفظ في لسانهم أولاً فأولا باعتبار غرابته عندهم لا يبارحون حفظه وكثرة الحفظة في أول النزول فدعوى السقوط من غير علم غلط ومعه تتوفر الدواعي على نقله إذْ ينبغي أن يؤخذ في المحاججات والمواعظ خصوصاً فيما يجري بين المشاع وسائر الناس من ذكر مطاعتهم شفاهاً وغَيْبة.


212

بل الظاهر إنه لو كان هذا لظهر على المليين المخالطين لأهل الإسلام فضلاً عن المسلمين ولعدوه مثلبة على المسلمين مع أنه لو منع الناس من الضبط ظاهراً لم يتركوا رسمه عندهم بل لم يكن ذلك من خصائص المعصومين (ع) فالحري في المقام أن يقال لا كلام في بطلان الزيادة والنقيصة مع الافحاش وإن النقص الوارد أما في أحاديث قدسية أريد ضمها إلى القرآن أو سورة خفية أحال النبي إظهارها إلى وصيه(ع) أو لا تعويل عليه لدلالة الأدلة على خلافه والله أعلم.

وأما الاختلاف في أمر الكلمات والحروف والحركات فهو ثابت وبناء الاختلاف في القرآن عليه وتوجيهه في الحركات أما بأن يقال إن أصل القرآن مبني على الوقف والتحريك إذن فيجوز حيث ما كان الإذن أو يقال إن الكلام من الله أوجد بأطوار عديدة فالكل كلام الله أو يقال إنه نزل على نحو واحد ورخص في البواقي على التعيين وقد يقال نزلت مواده وأحيلت حركاته على العربية فكلما وافق العربية سائغ.

لكن الظاهر إن القراءات السبعة يجوز التعويل عليها للإجماع ولدعوى التواتر بل الظاهر إنه يجوز بالقراءة غير النادرة مطلقاً للإجماع نقله الشيخ أبو علي الطبرسي (ره) في المجمع ولما دل على القراءة كما تقرأ الناس ولعادوا بطريقة أهل البيت صلوات الله عليهم يجد أمر القراءة هاهنا عندهم حيث إن في أصحابهم القراء المختلفين وإنهم لا يشددون في أمر القراءة ولو كانت القراءة عندهم بهذه المرتبة لكثر الأمر بها في أخبارهم فعدم تعرضهم لذلك دليل على أن اللازم القراءة غير النادرة إذْ ليس هناك قراءة واحدة يرجع الأمر إليها. وكذا في أمر الحروف والكلمات لا ينافي ذلك أمرهم بقراءة أبي ونهيهم عن قراءة عاصم لأنه أما مخرج غماً فنهاه أو إن قراءة أبي أو لا وكذا إن نزول القرآن ليس إلاّ على نحو واحد كما في الخبر بل يزول التنافي بينه وبين خبر النزول على سبعة أحرف إن أريد به الاختلاف على ما مر أما لو أريد البطون أو سبع لغات وخصوا بالقراءة بها ثم نسخ إجماعاً أو ضروب الكلام كالوعد والوعيد والأمر والنهي والجدل والقصص والمثل على ما قاله الشيخ أو الزجر والأمر والحلال والحرام والمحكم والمتشابه والأمثال على ما رواه أبو قلابة عنه (ص) أو الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والمجمل والمفصل والتأويل على ما قاله بعضهم فلا إشكال والحاصل الاختلاف بطريق الرخصة لا يقتضي الاختلاف وقت النزول وقد تنزل الوحدة آخر فلا منافرة والله أعلم.


213

وبمثل هذا يندفع ما يشك في السبع المصاحف العثمانية إن كان اختلافها على نحو اختلاف القراءات السبعة أو غيرها من المشهورة وإلا فلا تعويل على ذلك الاختلاف وقد بالغ المرتضى (ره) في التشنيع على القول بالزيادة والنقصان في القرآن وأنكره كل الإنكار ويوضح لك سر ما قلته ما روي إن كتاب الوحي أربعة عشر رجلاً من الصحابة وكان رئيسهم أمير المؤمنين (ع) فكل ما يكون من الأحكام والقصص ونحوهما كتبه الثلاثة عشر والأسرار يكتبها أمير المؤمنين (ع) وأما أمر اختلاف القراءة على نحو ما قلت فيقع كثيراً في الأشعار بل في التصانيف بأن يرخص في التعبيرين شيئين أو أكثر وليس هذا بعزيز نعم في إثباته فتدبر.

فاتضح مما ذكرت حال القرآن من زمن حدوثه إلى زمن جمع عثمان وكذا حاله بالنظر إلى جمع عثمان ومن زمن عثمان إلى زماننا هذا ولا ريب في تواتر السور والآيات أما الكلمات والحروف والحركات فما اتفقت القراءة عليها فالظاهر تواترها أيضاً وأما ما اختلفت فإن كان من السبع فكذلك وإن كانت من غيرها فالشائعة أيضاً لذلك بمعنى جواز الأخذ بها وأما النادرة فإن كانت عن طريق معتبر قبلت وإلا ردت. ومما يؤمل إن القراءة محالة على العربية من قبيل الرخصة ما نقله جلال الدين في المطالع السعيدة إن أبا الأسود الدؤلي أعرب مصحفاً واحداً في خلافة معاوية وفي السابق كانت القراءة تتبع الرأي والاجتهاد وكذا ما روي محمد بن بحر الرهني إن كل واحد من القراء قبل ظهور من بعده ما كانوا يجيزون إلاّ قراءته فبعد ظهور الآخر اقتصروا على الأولى والثانية ولم يجيزوا الثالثة حتى إذا ظهرت وهكذا قال والإجماع على السبعة حدث بعد تكثر القراءات وتشعبها ودعوى التواتر فيها منكر أيضاً إذْ لكل قارئ منهم راويان مرويان قراءته والتواتر لا يحصل بذلك.

نعم قد يدعى التواتر في الزمان اللاحق هذا في التواتر بالنظر إلينا في أمر قراءتهم وأما إن قراءتهم موافقة لإرادة الله فدعوى التواتر فيها باطلة هكذا قيل وربما أيد ذلك أعني القدح في القراءات السبعة بأن أرباب القراءة فقراءتهم قد توافق قراءة المعصومين وقد تخالفها فكيف تجوز صحتها فضلاً عن أن يعلم بها.


214

أقول: من منا ما يعرب لك عن جواز القراءة على الوجه الشائع غير النادر مطلقاً وفي النادر كلام يبنى على أن القراءة رواية تستند إلى مبدأ واحد أو دراية والمسألة بينة الإشكال لكن لا ينبغي التأمل في جواز القراءة بالوجه الشائع مطلقاً لقوله (ع) ( أقرءوا كما تعلمتم سيجيئكم من يعلمكم ) إلاّ أن قراءة أبي أولى لقول الصادق (ع) أما نحن فنقرأ على قراءة أبيّ، على أنه من القراءات محمولة على الاختراع إذْ مم جوزوا قراءات مختلفة وروي عنهم الاختلاف أيضاً.

المبحث الرابع: في حجيته

مما تبده عند المسلمين بل هو ضروري عندهم بل مدار الإسلام عليه وجوب اتباع القرآن والعمل بما فيه إذْ هو قول الله وحكم المبدع تبارك وتعالى بل جميع الحجج إنما وجب اتباعها من قول نبي أو إمام أو منصوب منهما إنما هو للكشف عن قوله تعالى نعم الخلاف في أمر آخر وهو إنه هل فيه المبين وأعني به ما يعلم بمجرد معرفة لسان العرب مثلاً ولا حاجة إلى استعانة برواية نبوية أو إمامية أو إنه بتمامه مجمل لا يعرف إلاّ ببيان أهل الشرع (ع) قولان وعلى الأول منهما جمهور فقهائنا المجتهدين ووافقهم أكثر المسلمين وعلى الثاني فقهائنا المحدثون ووافقهم جماعة من التابعين وفقهاء المدينة كسعيد ابن المسيب وعبيدة السلماني ونافع ومحمد بن القاسم وسالم بن عبد الله وغيرهم والمنقول أنهم كرهوا ذلك والظاهر إن مرادهم المنع. ورووا عن عائشة أنها قالت لم يكن النبي يفسر القرآن إلاّ بعد أن يأتي به جبرائيل، ورووا عن النبي (ص) أنه قال من فسر القرآن برأيه فأصاب الحق فقد أخطأ. والحق ما عليه معظم أصحابنا رضوان الله عليهم وذلك لوجوه:

أولها: السيرة المعلومة يداً بيد من زمن النزول إلى زماننا هذا فإنهم لا يزالون يستندون إلى الآيات القرآنية في إثبات المطالب والأحكام وإذا أورد أحدهم آية ظاهرة الدلالة على إثبات المطلب لا يقول له خصمه قف حتى تنظر الروايات وتعرف معناها وكذا لا زالوا يتعرضون لآيات المواعظ والزواجر في الخطب وغيرها من دون وقوف على شيء بل الأعوام أيضاً ينكر بعضهم على بعض أكل لحم الخنزير مثلاً لدلالة القرآن على تحريمه فغير خفي حتى على النساء والصبيان، إذْ القوم لا زالوا يتعرضون لذكر الآيات والمكالمات والمخاصمات بل جميع المخاطبات من غير إحالة على أمر حتى يروى عن بعض حفظة القرآن أنه لا يتكلم إلاّ به وأمرهم بالاستخارة أيضاً كذلك فإنهم لا يحيلون معرفة الاستخارة على خبر أو نص كما لا يخفى وأيضاً لا يخفى أن شأن البلغاء وأرباب اللغة تقرير إعجاز القرآن بإفادة معانيه مع حسن ألفاظه من غير وقوف في فهم المعنى بل الإخباريون (ره) ومن حذى حذوهم لا تجدهم قبل البحث في نفس هذا المطلب إلاّ على ذلك.


215

وأبين من الكل إنك إذا اتبعت خطب الأئمة (ع) ومواعظهم وكذا خطب أصحابهم ومن حذى حذوهم وجدت أكثرها أو كثيراً منها مشتملاً على الآيات الزاجرة والناهية مع أنا نعلم يقيناً أن أكثر من يستمع الموعظة لا يدري بالتفسير إذْ أكثرهم أو كلهم أعوام هذا مع أنا نجزم أنهم ما كانوا ليسألوا الخطيب ما يفهم معنى ﴿إن الله يَأْمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ ونحوها فبينها ثم يلزم على ذلك إن تمام المصلين أو أكثر ينطقون بالفاتحة والسورة ولا يعرفون منهما شيئاً وكذا عامة الناس يقرؤون القرآن كما يقرؤون كلام الفرس غير إنهم لا يدرون ماذا أراد الله به وإن لفظ العدل والإحسان والله واحد ونحوها.

إن رقم في غير القرآن فهم وعول على معناه وإن رقم فيه فلا وتوقف فيه وأقسم بذات الله وعزته أن لو تليت على كل متصلب في هذه المسألة من أصحابنا وغيرهم آية الرحمة ونعيم استبشر وارتاحت نفسه وبنى على مقتضاها وكذا آية العذاب ما لم يتذكر أصله ويرجع إليه بل لا يخطر بباله غير مدلول الآية أصلاً ولو قرأ أحد قبله آية ونقص فيها أو زاد قال له فسد المعنى وكيف يصير مقتضى الآية ولو كان الأمر محالاً إلى البواطن لأمكن العذر بأنه لا يعرف ما أختص الله بعلمه ثم اعتراضه وتعليله قبل الخوض في الأخبار ومعرفة المعنى وهذا أمر أبين من الشمس وكأنهم قدس الله نفوسهم زعموا أن التفسير باللفظ حرام وأن الاعتقاد لا بأس به أعني أن ليس لهم سوى ذلك.

الثاني: غير خفي على كل أحد أن متن القرآن ليس جارياً إلاّ على طريقة اللغة وأنفاس العرب فهو كالسنة فيما يفهم منهم ثم لا نرتاب في أن شأن كل مخاطب أن يجري على مذاق مخاطبه ويوافق اصطلاحه إلاّ لغرض وهذا شأن خطاب السادة للعبيد وأهل الولاية للمولى عليهم فمجرد سماع هذه الأقوال يبنى على ظاهرها مراد ولا تحتاج إلى كاشف وراء نفس اللفظ وهذه سيرة أهل المخاطبات والمكالمات، لايقال هذه ظنون والأصل عدم لزوم إتباعها ولما دل على المنع من اتباع الظن لأنا نقول لايرتاب بصير بطريقة أهل الشرع في أن المدار في فهم كلام الشارع على الظن وأن الظن في الموضوعات معول عليه بل نظام الشرع مبني على هذا الأصل.


216

وكيف ما كان فالذي أقوله إن نفس الأقوال الكتابية تدل على اعتبارها ولاحاجة بي إلى أمر آخر كما إنا ننزل كلام كل متكلم على ما يظهر ولا نطلب منه الإذن وما أفدنا إن لم يكن قطعياً فلا أقل من أنه أصل لابد لنا من حجة كما لا يخفى والله أعلم.

الثالث: إن هذه الأقوال أما أن لا يراد منها شيء أصلاً وهذا كونها خطابات أو يراد الظاهر وهو المطلوب أو خلاف الظاهر ولا ريب في عدم مقارنة البيان إذ أكثره إنما يعلم بعد تمام الخوض في أمر الشريعة فيلزم تأخير البيان لما له ظاهر عن وقت الخطاب مع أنه أقرب إلى المنع من تأخير بيان المجمل فإن بني على المنع فلا كلام وإلا فالحكم بأن كلام الله من أوله إلى آخره من هذا القبيل بيّن الفساد.

الرابع: ما دل من القرآن على بيان القرآن

كقوله تعالى ﴿ بِلِسَانٍ عَرَبيّ مُبِين ﴿ وَمَا أَرْسَلْنا مِنْ رسُولٍ إلاّ بلسانِ قَوْمِهِ ﴿ إِنّا جَعَلْناهُ قُرآناً عَرَبياً فيه تِبْيانُ كُلّ شَيء وجه الدلالة إن الله أراد قطع المعاذير وأن لا يقول الأعراب جاءنا ما لم نعرفه فأجاب تعالى بأنه على لسانكم ومذاقكم يفهمه الكل منكم بلسانه كما دل عليه لفظ جدير ولو لم يكن عربياً معروفاً لم تقع محجتهم كما لا يخفى. ومنها ما اشتمل مدح العالمين به وذم الجاهلين

كقوله تعالى ﴿ لَعَلِمَهُ الذينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴿ أَ فَلا يَتَدبرون القُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها وإحالة الأمر إلى السنة لا تمكن حيث إن المعنى في الأخير من لم يعرفها أو الأعم وفي الأولى بعد. ومنها ما دل على وجود المحكمات والمتشابهات في القرآن إلى غير ذلك.

الخامس: الأخبار المتواترة وهي أنواع منها ما دل على وجوب الرجوع إليه على الإطلاق بل الظاهر فيها عدم الإحالة كقوله (ع) ( إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ) ( إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي ) ( إنه يجيء من أمتي أقوام فيسألون عن الثقلين فيقولون أما الأصغر فقتلناه وأما الأكبر فتركناه أو حرفناه ) هذا مضمون الخبر.


217

وكذا ما دل على وجوب الأخذ بالقرآن والعمل به والاعتماد عليه ولا نفهم منها سوى الإطلاق، ومنها ما ورد في الأخبار المتعارضة من العرض على كتاب الله وكذا المشكوك في صحته يعرض كتاب الله واحتمال الإحالة على السنة لا ينبغي أن يقال مع أن أخبار التفسير قد تتعارض فتأمل. ومنها ما دل على التوبيخ على ترك العمل به روى ابن بابويه رواية عن الصادق (ع) في جواب من قال إن لي جيراناً ولهم جوار يغنين ويضربن بالعود فربما دخلت المخرج فأطيل الجلوس استماعاً مني لهن ( ما سمعت الله يقول عز وجل ﴿ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا إلى آخرها، ومنها تعليم الاستدلال كقول الباقر (ع) في صحيحة زرارة لمكان الباء وكرماته عبد الأعلى حيث سأل إنه كيف يصنع بالوضوء وعلى إصبعه مرارة حيث قال الباقر (ع) يعرف هذا وأشباهه من قول الله تعالى ﴿ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الّدِينِ مِنْ حَرَجٍ ، ومنها احتجاج الأئمة بالآيات على الأصحاب مع تقريرهم (ع) مثل قول زرارة ومحمد بن مسلم إنما قال الاجتماع ولم يقل فعلوا ونحو ذلك.

السادس: إن شأن علمائنا الاحتجاج على أمر الإمامة ولوازمها كالعصمة بمثل ﴿لا يَنَالُ عَهْدِيَ الظّالمين ﴿ إِنّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُم الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وكذا إمامة علي وأولاده (ع) بما دل على علو شأنهم مما لا يليق أن يكون لغير الإمام ولو توقفت معرفة هذه على تفسير الشرع لدار إلاّ في القليل أو هو ما فسره النبي (ص) فإذا كان الأمر على ذلك امتنع الاستدلال وهو ظاهر البطلان عند علمائنا بل عند المفسرين كافة.

السابع: إن القرآن ألقي إلى الأعراب واحتج عليهم ببعض آياته

كقوله تعالى ﴿لو كان فيهما آلهة إلاّ الله لفسدتا ﴿ أ فمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلى غير ذلك مع أنه لا وجه للأصالة على تعريف النبي (ص) بل غرض الإعجاز لهم أيضاً يمتنع كونه موقوفاً على البيان وكذا تعجبهم منه


218

كقوله تعالى ﴿ ما لهذا القرآن لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها وكذا ما نقل إنهم كانوا يأخذون ويتأملون فيه ليعملوا على نحوه ثم يعترفون إلى غير ذلك من الأمور الظاهرة.

الثامن: ما روي عن ابن عباس من تقسيم القرآن إلى أربعة أقسام:

1- ما لا يعذر بجهالته.

2- ما تعرفه العرب بكلامها.

3- ما يعرفه العلماء.

4- ما لا يعلمه إلاّ الله.

فالأول ما يلزم الكافة من الشرائع ودلائل التوحيد والثاني حقائق اللغة والثالث المتشابه والرابع ما يجري مجرى الغيوب.

هذا والذي ينبغي أن يعلم أنا لا ندعي أن جميع ما في القرآن معلوم لنا بل نحكم بأن المتشابه والأمور الغامضة التي لا تهتدي إليها إلاّ بتعريف أهل الشرع (ص) أو لا نهتدي أصلاً فالمدعى إذاً إيجاب جزئي أعني إن في القرآن ما نهتدي إلى معرفته بلساننا وقد أقمنا الأدلة على ذلك فتدبر.

التاسع: ما يمكن أن يقال إن القرآن لو لم يكن بعضه بيناً بنفسه لبقي على إجماله حيث إذ بيانه لا يكون إلاّ بأخبار الآحاد ولا نعرف حجيتها إلاّ به فتتوقف حجيته على حجيته وهو باطل لبطلان توقف الشيء على نفسه وكذا لا يمكن إثبات حجيته الخبر لذلك.

ويورد على هذا إنه ربما يعلم تفسير آية النبأ والنفر مثلاً بغير طريق الآحاد كالتواتر على ألسنة المفسرين أو الخبر المحفوف إلى غير ذلك ثم المنع إن مدرك الحجية في الخبر هو الكتاب بل الإجماع والضرورة والأخبار المتواترة معنى ثم المدعي توقف حجيته على الكتاب إنما هو الخبر المفيد للحكم أما المبين للموضوع فلا حاجة به إلى تجشم الاستدلال فما توقفت عليه حجة الكتاب غير ما توقف عليها وهو ظاهر.

العاشر: ما ورد في آداب القراءة من أنه ينبغي للقاري أن يهتم إذا مرت آية غضب ويستبشر ويتشوق إذا مرت به آية رحمة وإن يتدبر القرآن ويرتله وربما فسر بحفظ الألفاظ والتدبر في المعاني وإن يكرر الآية حتى كأنه يسمعها من قائلها إلى غير ذلك مما تكون الإحالة فيه حرية بالإحالة.


219

الحادي عشر: حكاية معاذ لما أرسله (ص) قاضياً إلى اليمن لكن في السند والدلالة لاشتماله على العمل بالرأي بحث، وأقول في ظني أن هذه المسألة من أبده المطالب وأظهرها إلاّ أن أفكار العلماء توجهت إليها وذكروا ما يقتضي بزعمهم خلاف ما ذكرنا فكسيت بذلك ثوب الإجمال على غير الخبير بحقائق الأحوال وإلا فغير خفي أن ما أوردته وفي حجج عولت عليه واعتمدته ينقل المسألة عن النظرية ويدخلها في سلك الضرورية وفقنا الله لإصابة الحق والاستغناء عن التعويل على الخلق.

احتج المخالفون بوجوه:

الأول: ما روي عن النبي (ص) إن من فسر القرآن برأيه فأصاب الحق فقد أخطأ. وحديث عائشة إنه (ص) لم يكن ليفسر القرآن حتى يجيبه وحي إلى غير ذلك من الأخبار النبوية وكثير من التابعين عولوا على هذه المضامين ومن جملة ذلك قوله (ص) من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار.

وكذا ما روي عن أهل العصمة (ع) روى العياشي عن أبي عبد الله (ع) من فسر القرآن برأيه إن أصاب لم يؤجر وإن أخطأ فهو بعد من السماء، وفي الكافي عن الصادق (ع) ما ضرب رجلاً القرآن بعضه ببعض إلاّ كفر.

الثاني: إنه قد ورد أن في القرآن نقصاً وتبديلاً وتحريفاً وبه يختلف المعنى ولا يعرف ذلك إلاّ عن أهل العصمة صلوات الله عليهم فثبت لزوم الوقف في تفسير كلام الله تعالى.

الثالث - ما دل على لزوم النبي (ص) وأهل بيته ووجوب الرد إليهم

كقوله تعالى ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والى الرسول ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ﴿ وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ﴿ إن كنتم تحبون الله فاتبعوني إلى غير ذلك من الآيات والأخبار الصريحة الدالة على وجوب الرد إلى الرسول وأهل بيته.

الرابع: إن ما دل على علم القرآن خاص بالنبي وآله (ص) كقوله (ص) (كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وفصل ما بينكم ونحن نعلم ) وقال (( ) (نحن الراسخون في العلم ونحن نعلم تأويله ) وعنه (( ) (إنا أهل بيت لم يزل الله يبعث فينا من يعلم كتابه من أوله إلى آخره ) وقول أبي جعفر (( ) لقتادة وقد قال له أنت تقرأ القرآن فقال نعم وسأله عن قوله تعالى ﴿ وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياماً آمنين فقال قتادة ذلك من قصد طريق الحج. فقال له (ص) سألتك بالله هل في الناس من يخرج إلى هذا البيت ويقطع عليه الطريق بل يضرب فوق ذلك قال قتادة، نعم. فقال له إن فسرت القرآن برأيك فقد هلكت أو بقول الرجال فقد هلكت. ثم فسر الآية بأن المراد من يخرج موالياً ومؤنته من حلال كان آمناً من عذاب جهنم، ثم قال له (ص) ويحك يا قتادة إنما يعرف القرآن من خوطب به. إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة التي لا تحصر.


220

الخامس: ما دل على اعتبار البطون إلى السبعة وإنه لو ظهر وبطن وبطن وبطن إلى سبعة بطون ولا ريب في أنه لا يهتدي إليها سواهم (ص) فيكون علم القرآن خاصاً بهم وهو المدعى.

السادس: إنا نرى كثيراً من الآيات قد فسرها أهل العصمة بغير ما نفهم وصرفوها عن ظاهرها كما تفسير الشمس برسول الله والتين والزيتون بالحسنين والمشكاة والزجاجة والمصباح والثمرة بالنبي وآله فإذا جاز صرف الآيات عن ظاهرها في بعض القرآن جاز في كله إذْ يجوز الصرف في الجميع إذْ لا مانع ولو وجد لاستوى به الكل فيكون الحكم بتفسير كل آية باطلاً وهو المدعى.

أقول لابد من بيان مقدمة ينكشف بها الجواب عن هذه الأدلة فنقول وعلى الله المعول: اعلم أن أصحابنا المجتهدين رضوان الله عليهم أوجبوا بذل الجهد وفراغ الوسع في تحصيل المطالب الشرعية والتزموا بتحري أقوى الظنون فلم يجوز لأحد أن يعول على عام كتابي أو سني قبل التفتيش ولا مطلق قبل النظر في المقيد وكذلك لا يجوز الحكم بالدليل قبل النظر في ناسخه إن كان مما يجوز فيه النسخ كالقرآن والسنة النبوية.

فالآيات القرآنية منها ما تتعلق بالأصول والعقائد والقصص وبيان الجنة والنار وأهلهما إلى غير ذلك من مدائح الأنبياء والأولياء، ومنها ما يتعلق بالأحكام وهذه منها ما هو عبادة فلا يمكن معرفته إلاّ ببيان شرعي إذْ ليس في القرآن بيانه كما في الصلاة والصوم والحج ونحو ذلك، ومنها ما هو معاملة لكن عبر عنها بمجمل كالقرء وعسعس وفي هذا أيضاً يجب الرجوع إلى أهل العصمة (ع) ومنها ما لم نفهم معناه أصلاً كالمعميات والمتشابهات المطلقة، ومنها ما نفهم معناه ونظن المراد منه إلاّ أنه يقوم فيه احتمال المجاز قوياً كما في العام والمطلق ونحوهما. ومنها غير ذلك مما له ظهور ولا يقوم فيه احتمال المجاز أو يضعف فيه الاحتمال وفيما عدى الأول لا يجوز التعويل قبل التدبر والفحص والنظر إذْ مبنى الاجتهاد على ذلك واحتمال النسخ في الأخير وإن بعد لكنه يجب على الفقيه ملاحظته إذْ يجب عليه القرب من درجة العلم مهما أمكن فالأخذ بالرأي غلط إذا الرأي هو الاجتهاد ولا ريب في أنه في الأحكام وأما من أخذ من حق اللفظ اللغوي فلا يقال أخذ بالرأي وهذا ظاهر.


221

ثم الحاصل إن تفسير القرآن قد يتوقف على الشرع لنفس الفهم وقد يكون باعتبار الحكم والعلم، وكيف ما كان فالتفسير بغير طريق لغوي أو شرعي باطل وما روي من النهي عن الأخذ بالرأي محمول على ما يصدر كثيراً من المخالفين فإنهم قبحهم الله ينزلون القرآن على أهواءهم ويؤولونه بما يشتهون ويكون الميل الطبيعي والشهوة الميشومة كالقرينة الصارفة عن ظاهر اللفظ وكذا ترى كلاً من الأشعري والمعتزلي وأهل الآراء المختلفة في الأصول بل المختلفون في الفروع لا يكادون يفهمون سوى ما استقرت نفوسهم بل هذا هو المفرق شمل المسلمين فإنك ترى من حسن ظنه بالصحابة لا يستمع لورود شيء عليهم ولو صار في الاشتهار كالشمس في رابعة النهار يدلك على ذلك ما يقوله بعض الواصلين في ﴿ اذهب إلى فرعون إنه طغى إنه النفس وإن إبليس هو الشهوة وإن البقرة الصفراء الفاقعة اللون اللاذلول هي النفس وأمر بقتلها إلى غير ذلك.

وعلى هذا تتنزل الأخبار ويجمع بينها وبين تلك الأخبار الصريحة المعتبرة ويؤيده قوله (ص) ( القرآن دلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن الوجوه )وقوله (ص)( إلاّ أن يؤتي الله عبداً فهماً في القرآن ) من فهم القرآن فسر جمل العلم. وكيف ما كان فالمعنى والله أعلم إنه لا يجوز لأحد أن يجعل فهمه أصلاً ويرجع إليه أحكام القرآن وهذا كما يوجد كثيراً من أهل الشقاق والنفاق أعاذنا الله من الزلل وحجبنا عن الخطأ والخطل إنه خير معين وهو أرحم الراحمين.

ثم يزيد ما ذكرته بياناً ما رواه العياشي عن الصادق (ع) قال قال رسول الله (ص) ( أيها الناس إنكم في دار هدنة وأنتم على ظهر سفر والسير بكم سريع ....ثم أبلغ في الموعظة ) فقام المقداد فقال يا رسول الله (ص) وما دار الهدنة؟ فقال ( دار بلاغ انقطاع فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنه شافع مشفع وما حل مصدق ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلفه ساقه إلى النار وهو الدليل يدل على خير سبيل وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل وهو الفصل ليس بالهزل ) إلى أن ذكر فيه أشياء عميقة فأوصى بالمحافظة والتفكر والتأمل.


222

وروي عن أمير المؤمنين (ع) إنه قال سمعت رسول الله (ص) يقول ( أتاني جبرائيل فقال يا محمد ستكون في أمتك فتنة قلت فما المخرج منها قال كتاب الله فيه بيان ما قبلكم من خير وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم وهو الفصل ليس بالهزل ....إلى أن قال هو الذي لم يلبث الجن إذا سمعته قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم هو الكتاب العزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ).

وعن أبي عبد الله(ع) قال قال رسول الله (ص)( القرآن هدى من الضلالة وتبيان من العمى ونور من الظلمة وعصمة من الهلكة ورشد من الغواية من يستضاء به نوره الله ومن عقد به أموره عصمه الله ومن هداه الله ومن طلب الهدى في غيره أضله الله ومن جعله شعاره ودثاره أسعده الله ومن جعله أمامه الذي يقتدي به ومعوله الذي ينتهي إليه أداه الله إلى جنات النعيم والعيش السليم ).

وعن أبي جعفر (ع) قال قال رسول الله (ص) ( إني مسؤول وإنكم مسؤولون إني مسؤول عن تبليغ الرسالة وأنتم مسؤولون عما حملتم من كتاب الله ) وعنه (ص)( أنا أول وافد على العزيز الجبار وكتابه ثم أهل بيتي ثم أسألهم ما فعلتم بكتاب الله وأهل بيتي ).

أقول بما ذكر من الأخبار فضلاً عن السير والآثار دلالة تفيدنا العلم إذْ هي صريحة في وجوب الرجوع إلى القرآن في الأصول والفروع وعند حصول الفتن حتى في أمر الإمامة بل إياها عنى رسول الله (ص) بل إطلاق إيجاب الرجوعين غير إحالة ومن غير تنبيه أدل دليل على أنه حجة مستقلة على الرعية.

وأما أدلة القوم فجوابها ما مر من أنها سيقت للرد على أهل الأهواء أو على أنه لا ينبغي لمؤمن أن يخوض في جميع ما في القرآن برأيه حتى في الغوامض كما أشير إليه في بعض الأخبار ومن أن منع التفسير إنما هو لعله في الغوامض وهي من خواص الأئمة (ع). أو إن المراد إن القرآن وإن دل على الأحكام فلابد من الرجوع في التخصيص والنسخ والتقيد إلى غير ذلك مما يحتمل انسلاخ أصله أو ظاهره أو الرجوع في بيان العبادات وحقائقها إذْ هي موقوفة على تعريف الشارع، وظاهر بعد ما نظرت وأخبار البطون لا تمنع العمل بالظهور وهي من خصائص الأئمة والتفسير بخلاف الظاهر لا ينافي إرادة الظاهر وعلى تقدير عدم الإرادة فصرف اللفظ عن حقيقته في بعض المحال لا ينفي إرادتها في الجميع.


223

نعم على الأول من الاعتذارين إن إرادة الجميع من استعمال اللفظ في الحقيقة والمجاز والمشترك في معنييه إذا فرض أحدهما، وفي الكل إشكال. ويمكن الجواب باختيار الجواز وعلى تقدير عدمه، قد يقال بأن هذا أمر آخر وهو أن يطلق اللفظ ويجعل العلامة المعرفة لمعاني متعددة من غير استعمال وهذا كما في اللفظ الدال على معنى المشعر بآخر. بل الظاهر إن التضمن عند أهل العربية مبني على ذلك والرجوع إلى الأئمة صلوات الله عليهم لازم حال عدم العلم أما لو استفدنا الحكم من قول رسول الله (ص) أو من كلام الله ولم يبقَ احتمال صرفنا الحكم من قرب المبادئ، وأمر النقيصة علم مما تقدم على أنا نقول إنما كلفنا بالعمل بهذا الموجود ولو فرض تحققها كما تدل عليه الأخبار ومن البين الدلالة ما قاله علي (ع) في خبر الزنديق ثم إن الله جل ذكره بسعة رحمته وعلمه بما يحدثه المبدلون من تغير كنابه قسم كلامه ثلاثة أقسام فجعل قسماً يعرفه العالم والجاهل، وقسماُ لا يعرف إلاّ من صفا ذهنه ولطف حسه وصح تميزه ممن شرح الله صدره للإسلام، وقسماً لا يعرفه إلاّ الله وأمناءه الراسخون في العلم.

فأما ما يعلمه العالم من فضل رسول الله (ص)

قوله تعالى ﴿ وَمَنْ يُطِعِ الّرسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ وقوله ﴿ إِنّ اللهَ وَملائِكَتَهُ يُصَلّونَ عَلى النّبي يا أَيّها الّذينَ آمَنُوا صَلّوا عَلَيْهِ وَسَلّمُوا تَسْليما ولهذه الآية ظاهر وباطن فالظاهر قوله صلوا عليه والباطن سلموا تسليما أي سلموا لمن أوصاه واستخلفه عليكم وهذا ما لا يعرفه إلاّ من لطف حسه وكذا ﴿ سلام على آل ياسين وعبر به لعلمه بأنهم يسقطونه لو بدل بعلى آل محمد وصريح فيما قلنا إذْ ليست الدعوى إلاّ أن بعض القرآن معروف بطريق اللغة وأما الكل فلا نقول به.

فهرست آيات
مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ 49
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ50
وَإِذَا قِيلَ لَهُم ارْكَعُوا لا يَرْكَعُون52
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذّبين52
وَمَا كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُه أَمْرَاً أَنْ يَكُونَ لَهُم ...53
أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي53
وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنّم53
وَأَطيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ54
فَلا وَرَبِكَ فَلا يُؤْمِنونَ حَتّى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمّ لا يَجِدُوا حَرَجاً ...55
وَسَلّمُوا تَسْلِيما55
فَلْيَحْذَرِ الّذِينَ يُخالِفونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ ...55
الّذِينَ يَتَسَلّلونَ لوَاذَا56
إن تصبهم على56
يَأيُّها الّذِينَ آمَنُوا استجيبوا لله وَالرّسُولِ إِذا دَعاكُم59
فَالآنَ بَاشِرُوهُنّ 64
وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا 64
فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِروا 64
فَإِذَا تَطَهّرْنَ فَأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُم الله 64
فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهرُ الحُرُم فَاقْتُلُوا المشْرِكينَ 64
مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ 66
سَارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مَنْ رَبّكُم 66
فَاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ 66
فَلْيَحْذَرِ الّذِينَ يُخَالِفونَ عَنْ أَمْرِهِ66
إِذَا قِيلَ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُون66
أَفَعَصَيْتَ أَمْري66
وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنّ لَهُ جَهَنّمّ خَالِدِينَ فِيها66
يَا أَيّها الّذِين آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرّسًولِ 66
فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِين67
اسْتَبِقوا الخَيْراتِ 68
اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرّسُولِ 68
آتوا الزكوة 75
اقتلوا المشركين 75
وَكَاتِبُوهُم إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَاشْكُروا نِعْمَةَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهً ...78
بَلْ فَعَلَهُ كَبيرُهُم هَذا فَاسْأَلُوهُم إِنْ كَانُوا يَنْطِقُون 80
مَنْ تَعَجّلَ في يَوْمِين فَلا إِثْمَ عَلَيْه وَمَنْ تَأَخّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْه 80
وَلا تَقْتُلوا أَوْلادَكُم خَشْيَةَ إِمْلاقٍ 81
الزانية والزاني 81
والسارق والسارقة81
وَلا تَقْتُلوا أَوْلادَكُم خَشْيَةَ إِمْلاقٍ 81
إِنِ امْرءٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدُ وله أخت فلها نصف ما ترك 84
إن امرء هلك ليس له ولد وله بنت فلها نضف ما ترك 84
السارق والسارقة93
الزانية والزاني93
وَادْخُلوا الْبَابَ سُجّداً وَقُولوا حِطّة93
ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا95
وَأَتِمّوا الْحَجّ وَ الْعمْرَةَ95
أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا96
مَنْ أَنْصَاري إِلى اللهِ 97
رَبّي السّجْنُ أَحَبُّ إِليّ 97
ليجمعنكم إلى يوم القيامة 97
أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوى إِليْهِمْ 98
عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ 98
امْسَحوا بِرؤوسِكُم 98
ذَهَبَ اللهُ بنورِهِم 99
نجيناهم بسحر 100
نصركم الله ببدر 100
اسأل به خبيراً 100
من إن تأمنه بقنطارٍ 100
والله خلقكم وما تعملون 101
كأنه رؤوس 103
لا يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إلاّ اللهُ والرّاسِخونَ 103
حَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثونَ شَهْراً 105
وَفِصالُه في عَامَيْن 105
أَقِيمُوا الصّلوةَ وَآتُوا الزّكَوةَ 106
أَقِم الصّلوةَ لِدِلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ الليلِ 119
وَمَا كُنّا مُعَذِّبِين حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً 150
وَمَا كُنّا مُعَذّبينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً 153
وما كنا معذبين 155
اَليَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍٍ بِمَا كَسَبَتْ 157
اَليَوْمَ تُجْزَونَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلون 157
لِتُجْزَى كُلّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى157
أَلاّ تَزِرَ وازرةً وِزْرَ أُخْرى 157
أُولَئِكَ الّذِينَ اشْتَرَوا الحَياةَ الدّنيا 157
وَالّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيْمَانِهِمْ 157
إِنّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرّةٍ 157
وَمَا رَبّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبيدِ 157
وَمَا ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون 157
كَيْفَ تَكْفُرونَ بِاللهِ 157
فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر 157
اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ 157
لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدّمَ أَوْ يَتَأَخّر 157
فَمَنْ شَاءَ اتّخَذَ إِلى رَبّهِ سَبِيلاَ 157
سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ 158
فاستبقوا الخيرات 158
إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعينُ 158
إِنّي كُنْتُ مِنَ الظّالمين 158
بَلْ سَوّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ 158
وَلَوْ تَرَى إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبّهِمْ 158
نحنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم بَلْ كنْتُمْ مُعْجِزينَ 158
فَنَعْمَل صَالِحَاً غَيْرَ الّذِي كُنّا نَعْمَل 158
لَيْتَنَا نُرَدّ وَلا نُكَذّبُ بِآياتِ رَبِّنَا 158
خالق كل شيء 159
إِنّ في ذَلِكَ لآياتٍ لأُولي الأَلْبابِ 165
لأُولي النّهَى 165
لِقَوْمٍ يَعْقِلونَ 165
أَفَلا يَعْقِلونَ 165
وَلكِنّ أَكْثَرهم لا يَعْقِلونَ 165
ذلكَ بِأَنّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلونَ 165
أَفَلا يَتَدَبّرونَ القُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفَالُها165
وَمَا كُنّا مُعَذّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً 167
وَمَا كُنّا مُعَذّبين 168
وَأُحِلّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذلِكُمْ 170
خَلَقَ لَكُمْ ما في الأَرْضِ جَميعاً 171
قُلْ مَنْ حَرّمَ زِينَةَ اللهِ الّتي أَخْرَجَها لِعِبادِهِ وَالطّيباتِ مِنَ الرّزْقِ 171
قُلْ حَرّمَ رَبّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ 171
إِنّمَا حرّمَ عَلَيْكُمُ الميتَةَ وَالدّمَ 171
وَأُحِلّ لَكُمْ مَا وَراءَ ذلِكُمْ 171
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ 172
وَمَا كُنّا مُعَذّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً 180
لِئَلاّ يَكونَ للنّاسِ عَلى اللهِ حُجّةً180
لَوْلا أَرْسَلْتَ إِليْنا رَسُولاً 180
فاسْأَلُوا أَهْلَ الذّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمون 202
وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لا تَقْسِطُوا في اليَتَامَى فَانْكِحُوا 206
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمِا بَلّغْتَ رِسَالَتَه 206
إلى المرافق 206
لَمْ يَكِنِ الّذينَ كَفَرُوا 207
وَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ القَوْلِ وَزُوراً 208
فإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا 208
لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه 210
إن الله يَأْمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ 215
بِلِسَانٍ عَرَبيّ مُبِين 216
وَمَا أَرْسَلْنا مِنْ رسُولٍ إلاّ بلسانِ قَوْمِهِ 216
إِنّا جَعَلْناهُ قُرآناً عَرَبياً فيه تِبْيانُ كُلّ شَيء216
لَعَلِمَهُ الذينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ 216
أَ فَلا يَتَدبرون القُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها 216
إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا 217
مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الّدِينِ مِنْ حَرَجٍ 217
لا يَنَالُ عَهْدِيَ الظّالمين 217
إِنّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُم الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ 217
لو كان فيهما آلهة إلاّ الله لفسدتا 217
أ فمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي 217
ما لهذا القرآن لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها 218
فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والى الرسول 219
فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم 219
وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا219
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة 219
إن كنتم تحبون الله فاتبعوني 219
وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياماً آمنين 219
اذهب إلى فرعون إنه طغى 221
وَمَنْ يُطِعِ الّرسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ 223
إِنّ اللهَ وَملائِكَتَهُ يُصَلّونَ عَلى النّبي يا أَيّها الّذينَ آمَنُوا صَلّوا عَلَيْهِ ...223
سلام على آل ياسين 223