فهرست عناوين فهرست آيات فهرست اشعار
المحصول في الاصول

21
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله وسلم

قال الفقيه الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله ابن العربي رضي الله عنه

فهرست عناوين
القول في أصول الفقه 21
والتكليف هو إلزم المكلف ما في فعله كلفة وهي النصب والمشقة ومسائلة كثيرة ومتعلقاته طويلة وجماع ...24
المسألة الثانية 25
المسألة الثالثة 26
المسألة الرابعة 26
المسألة الخامسة في تكليف الكفار بفروع الشريعة 27
فائدة 28
السابقة الأولى 28
السابقة الثانية قسم علماؤنا رحمهم الله العبارة إلى قسمين 29
السابقة الثالثة 31
السابقة الرابعة 31
السابقة الخامسة 33
مسألة 33
السابقة السادسة 34
السابقة السابعة 35
السابقة الثامنة 36
السابقة التاسعة 37
السابقة العاشرة 38
العقد الأول 38
أولها أما 41
الثاني إنما 41
الثالث ما 42
الحرف الرابع أو 42
الحرف الخامس حرف من 43
الحرف السادس هل 43
الحرف السابع الألف واللام 43
الحرف الثامن لو 44
الحرف التاسع لولا 44
الحرف العاشر إلى 44
الحرف الحادي عشر بلى 45
الحرف الثاني عشر على 45
الحرف الثالث عشر حتى 45
الحرف الرابع عشر مذ 46
الحرف الخامس عشر إلا 46
وا أ أم أما القول في المعنى 46
المسألة الأولى في حقيقة البيان 47
المسألة الثانية في مراتبه 48
الخامس القياس 48
المسألة الثالثة في تأخير البيان عن وقت الحاجة 49
المسألة الرابعة تأخير البيان إلى وقت الحاجة 49
المسألة الخامسة في جواز تأخير التخصيص 50
كتاب الأقسام 51
القول في الأوامر 51
المسألة الأولى في حقيقة الأمر 51
المسألة الثانية وهي أن الأمر لا صيغة له 53
المسألة الثالثة في مطلق لفظة افعل 56
المسألة الرابعة 56
المسألة الخامسة 57
المسألة السادسة 58
الجواب 58
جواب آخر 59
المسالة السابعة 59
المسألة الثامنة 61
المسألة التاسعة 63
المسألة العاشرة 64
المسألة الحادية عشر 65
المسألة الثانية عشر 65
المسألة الثالثة عشر 66
المسألة الرابعة عشر المندوب 67
المسألة الخامسة عشر 67
كتاب النهي 69
المسألة الأولى 69
المسألة الثانية 69
المسألة الثالثة 69
المسألة الرابعة 70
المسألة الخامسة 71
المسألة السادسة 71
كتاب العموم 73
المسألة الأولى القول في حقيقة العموم 73
المسألة الثانية القول في صيغة العموم 73
المسألة الثالثة النساء يندرجن تحت خطاب الرجال بحكم العموم 75
القول في العبيد وهي المسألة الرابعة 76
المسالة الخامسة 76
المسالة السادسة 77
المسألة السابعة78
المسألة الثامنة إذا ورد خطاب على سبب 78
المسألة التاسعة 79
المسألة العاشرة 80
المسألة الثانية عشر اللفظ العام إذا خص في بعض متناولاته 81
الاستثناء وفيه ست مسائل 82
     المسألة الأولى في حروفه82
المسألة الثانية من شروط الاستثناء 82
المسألة الثالثة من شرط الاستثناء ألا يرجع إلى جميع الكلام السابق 83
المسالة الرابعة الاستثناء من الاستثناء جائز 83
المسألة الخامسة من شرط الاستثناء أن يكون من الجنس 84
المسألة السادسة 84
كتاب التأويل 86
المسألة الأولى في بيان المحكم والمتشابه 86
المسألة الثانية آية الاستواء 87
المسألة الثالثة 88
المسألة الرابعة 89
المسألة الخامسة 90
المسألة السادسة 91
المسالة السابعة 91
المسألة الثامنة 92
المسألة التاسعة 93
المسألة العاشرة 93
كتاب المفهوم 104
باب حمل المطلق على المقيد 108
كتاب الأفعال 109
     المسألة الأولى 109
      المسألة الثانية109
     المسألة الثالثة 111
      المسألة الرابعة 111
      المسألة الخامسة 112
كتاب الأخبار 113
الفصل الأول في الخبر المتواتر وفيه أربع مسائل 113
      المسألة الأولى في حقيقته وحده113
      المسألة الثانية في أقل عدده والثالثة في أكثره 113
      المسألة الرابعة 114
الفصل الثاني في خبر الواحد وفيه ثمان مسائل 115
      المسألة الأولى 115
      المسألة الثانية116
      المسألة الثالثة 117
     المسألة الرابعة 117
     المسألة الخامسة 118
      المسألة السادسة 118
      المسألة الثامنة 120
كتاب الإجماع 121
كتاب القياس 124
الفصل الأول في حقيقته 124
الفصل الثاني في الدليل على صحة الأصل 125
الفصل الثالث في أقسام القياس 126
الفصل الرابع في إثبات علة الأصل 127
الفصل الخامس في الاستصحاب 130
الفصل السادس القول في الاستحسان 131
الفصل السابع في ذكر ما يعلل وما لا يعلل من الأحكام 132
الفصل الثامن 134
الفصل التاسع في ترتيب الأدلة 134
الفصل العاشر في الاعتراضات على القياس 137
كتاب النسخ 144
كتاب الترجيح 149
كتاب الاجتهاد 152
الفصل الأول في حقيقته 152
الفصل الثاني في المطلوب به 152
الفصل الثالث في تصويب المجتهدين 152
كتاب التقليد 154
الفصل الأول في حقيقة التقليد 154
الفصل الثاني 154
الفصل الثالث ما يجب على المقلد 154
الفصل الرابع 155
الفصل الخامس 155
القول في أصول الفقه

أما الفقه فهو معرفة الأحكام الشرعية ، وأما أصوله فهي أدلته ، وقد قيل معرفة أحكام أفعال المكلفين الشرعية دون العقلية وهي تكملة للأول وقريب منه ، فأما الدليل فهو : الموصل بصحيح النظر إلى المدلول ، وأفعال المكلفين هي حركاتهم التي يتعلق بها التكاليف من الأوامر والنواهي وهي على خمسة أضرب ، واجب وفي مقابلته محظور ، ومندوب وفي مقابلته مكروه ، وواسطة بينهما وهو المباح


22
، واختلف فيه هل هو من الشرع أم لا على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى

فأما الواجب فقال بعض علمائنا هو الذي في فعله ثواب وفي تركه عقاب وزاد بعضهم من حيث هو ترك له

والمحظور عكسه وهو الذي في فعله عقاب وفي تركه ثواب

والمندوب هو الذي في فعله ثواب وليس في تركه عقاب

والمكروه هو الذي في تركه ثواب وليس في فعله عقاب

والمباح هو الذي يستوي تركه وفعله وكذلك قيل في هذه الحدود كلها من حيث هو ترك له

وهذه الحدود كلها باطلة

والصحيح

أن الواجب هو الذي يذم تاركه والمحظور هو الذي يذم فاعله والمندوب هو الذي يحمد فاعله ولا يذم تاركه والمكروه عكسه والمباح هو ما ليس له متعلق في الشرع على قول وقيل ما وقع عليه العفو ما أذن فيه ، وتحقيق ذلك وبيانه يأتي إن شاء الله تعالى


23

والأحكام ليست من التكليف ولا من صفات الأفعال وإنما الحكم هو قول الله سبحانه ودليله الذي نصبه علما على الفعل أو التكليف وهذه الكلمة التي صدرنا بها هي على رسم الحدود

فأما الحد فاختلف العلماء فيه على قولين

فمنهم من يجعله القول المفسر ومنهم من يجعله حقيقة الشيء وخاصيته التي تتميز بها من عن غيره

فأما الحكم فليس بصفة للأفعال وإنما هو عبارة عن خطاب الله فيها كما أن النبوة ليست بصفة للنبي وإنما هي عبارة عن مطالعة الله تعالى له بالغيب واتخاذه واسطة بينه وبين خلقه

وأما المكلف وهو البالغ المتدارك العقل

والبلوغ يكون بوجهين أحدهما السن والثاني الاحتلام وهذا يبين في بابه من فروع الفقه إن شاء الله تعالى

وأما المتدارك العقل فهو المميز الذي لا يطرقه في عقله خلل من ضد يطرأ عليه خلا الذهول والنسيان


24

فأما العقل فقد اختلف الناس فيه واضطربوا فيه اضطرابا شديداً والصحيح إنه العلم وهو مذهب شيخنا أبي الحسن رضي الله عنه فرق عنده بين قولنا عقلت الشيء وبين قولنا علمت وذلك مستقصى في الحدود إن شاء الله تعالى

وأما العلم فقد تباين الناس فيه مع إنه أصل كل قول ومنتهى كل مطلب وقيدنا فيه عشرين عبارة أمثلها قول القاضي رحمه الله معرفة المعلوم على ما هو به وهذا لفظ يأباه النحاة لأن المعرفة عندهم خلاف العلم إذ المعرفة عندهم علم واحد والعلم لا يكون إلا معرفتين وهذا المعنى يستقصى في الحدود إن شاء الله

والصحيح أن العلم لا يقتنص بشبكة الحد وإنما يتوصل إليه على سبيل الرسم المقرب للمعنى

والتكليف هو إلزم المكلف ما في فعله كلفة وهي النصب والمشقة ومسائلة كثيرة ومتعلقاته طويلة وجماع أصولها خمس مسائل

المسألة الأولى في تكليف ما لا يطاق

وقد اختلف الناس فيه واختلف فيه علماؤنا كاختلافهم فمنهم من منعه ومنهم من جوزه


25

واحتج علماؤنا على ذلك بقول الله تعالى ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به ولولا حسن وقوعه ما سألوا دفعه

والصحيح أن تكليف ما لا يطاق جائز عقلا واقع شرعا فإن الله تعالى كلف العباد العبادات والوظائف كلها قبل أن يقدروا عليها لأن القدرة مع الفعل

فأما تكليف المحال فلا يجوز عقلا لكن إذا وردت به الصيغة شرعا حمل على التكوين والتعجيز كقوله تعالى كونوا حجارة أو حديداً وكقوله تعالى كونوا قردة خسئين

المسألة الثانية

اتفق أهل السنة على جواز تكليف المكره وخالف في ذلك جماعة من المبتدعة واحتج عليهم القاضي بنهي المكره على القتل عن القتل مع وجود الإكراه وهذه هفوة من القاضي لأن المنع من الفعل مع إلزام الإقدام أعظم في الابتلاء والقوم لا ينكرون مثل هذا وإنما يتحقق الخلاف في الأمر بفعل الشيء مع الإكراه على فعله فهذا ما جوزناه ومنعوه وهو فرع من فروع التحسين والتقبيح يأتي في بابه إن شاء الله تعالى


26
المسألة الثالثة

في تكليف السكران ، وهو على ضربين منتش وملتج فأما الملتج وهو لاحق المجنون والناشيء وسيأتي بيانه إن شاء الله

وأما المنتشي فلا خلاف فيه وفي مثله نزلت يا أيها الذين أمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون

المسألة الرابعة

اختلف العلماء رحمه الله عليهم في المجنون والناشي والملتج والنائم هل هم مخاطبون بالتكليف في حال الجنون والسهو والسكر والنوم أم لا ، ولا يظن بمن جوز ذلك من علمائنا التزم معرفة الأوامر والتكليفات مع قيام هذه الموانع وإنما يتصور الخلاف بينهم إذا ارتفعت الموانع وقد ذهبت عبادات مؤقتة أو وقعت أسباب فائتة فمنهم من ألزم الأحكام كلها بعد الزوال لهذه الموانع ومنهم من ردها ومنهم من قسم الحال وفرق الأحكام بحسب النوازل على ما انتهى إليه اجتهاد كل فريق في طلب الأدلة وتتبع مدارك الأحكام على ما يأتي بيانه في مسائل الفقه إن شاء الله تعالى


27
المسألة الخامسة في تكليف الكفار بفروع الشريعة

وقد اختلف في ذلك علماؤنا وغيرهم على قولين فمنهم من قال لا تصح مخاطبتهم بأمر لاستحالة وقوع الفعل منهم حال كفرهم

ومنهم من قال هم مخاطبون بذلك وتلوا في ذلك قرآنا وسطروا فيه آيات منها ما يتطرق غليه الاحتمال القوي ومنها الضعيف

والطريق في المسألة الكلام على فصليها جميعاً من جواز تكليفهم ومن وجود تكليفهم

فأما الجواز فظاهر لأنه لا يمتنع أن يقال للكافر صل ويتضمن الأمر بالصلاة الأمر بشرطها في الإيمان إذ لا يتوصل إلى فعلها إلا به كما يؤمر المحدث القاري المدبر بالصلاة ولا يتوصل إليها إلا بعد هذه الشروط الثلاثة فإذا ثبت فصل الجواز بهذه النكتة

فالدليل على وجود ذلك في الشرع ظواهر الكتاب وأمثلها في التعليق قوله تعالى ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين فإن قيل أراد تعالى لم تك على اعتقاد المصلين قلنا إنما يعدل علن الظاهر لضرورة داعية ولا ضرورة ها هنا لما تقدم من الجواز والله أعلم


28
فائدة

حق كل من يحاول الخوض في فن من العلوم إذا علم مقصوده منه أن يحاول بدءا الإحاطة بسواقه التي لا بد له منها في معرفته وشروطه التي هي معونة عليه

ولهذا الباب الذي تصدينا له وأشرعنا مقاصد القول فيه عشرة سوابق هي المبينة له والمعينة عليه

السابقة الأولى

في وجه بيان الحاجة إلى العبارة التي بها يقع البيان

فنقول لما كان الإنسان مدنيا بالجبلة مفتقراً إلى الصحبة بالضرورة لأنه خلق خلقا لا ستقل بمعاشه ولا يستبد بمنافعه بل هو مفتقر في ذلك إلى غيره وكان ذلك الغير إما مجتمعنا معه وإما مبايناً عنه والمنفعة التي يفتقر إليها إما حاضرة وإما غائبة وكانت الإشارة موضوعة لاختلاف المنفعة وسد الخلة في الحاضر ووضعت العبارة لتقوم مقام ذلك في الغائب فهذه حكمة الله تعالى في وضع العبارات الدالة على المعاني

فإذا فهمت هذا فقد فرض علماؤنا رحمة الله عليهم مسألة وهي أن اللغات هل هي توقيف من المعلم الأعظم وهو الباري تعالى أو هي متواضعة متفق عليها بين الناس فمنهم من قال بالقولين المذكورين ومنهم من قال أما ما به يكون الاتفاق ومنع التواضع فلا بد فيه من التوقيف وأما ما وراء ذلك فجائز أن يكون توفيقاً وجائز أن يكون تواضعا


29
وتعلق الألوان بقوله تعالى وعلم أدم الأسماء كلها قالوا هذا نص على أن الباري وتعالى قد فاتح آدم صلى الله على نبينا وعليه بالبيان فهذه بالعبارة وهذه اية لا متعلق فيها لوجهين

أحدهما أنها مبنية على القول بالعموم وسيأتي الخلاف فيه إن شاء الله تعالى

والثاني أن المعترض قال لا إشكال فيه إن شاء الله تعالى علم آدم الأسماء كلها وهل علمه ما كان قبل معلوما متواضعاً أم ابتدأه مفاتحة بما لم يكن قبل هذا هو موضع الخلاف ولا تتناوله الآية ببيان

والصحيح أن الأمر محتمل فجائز أم يكون بتوقيف وتعليم وجائز أن يكون بمواضعه واتفاق

والدليل القاطع عليه ما نشاهد من لقن الطفل عن أبويه ما لم يتواضعا معه عليه فمن الجائز إذا بعد ثبوت هذه المشاهدة التعليم والتواضع في أصل اللغة كلها وفي بعضها وهذان الجائزان ليس في الشرع قاطع يتعين واحد منهما به

السابقة الثانية قسم علماؤنا رحمهم الله العبارة إلى قسمين

أحدهما الحقيقة والأخرى المجاز ، فالحقيقة كل ما دل بموضوعه على المراد به أصلاً


30

وأما المجاز فترددت عبارتهم فيه تردداً يدل على تقصير المعرفة به وأقرب عبارة فيه أن يقال إنه على وجهين

أحدهما التشبيه كقولك في الشجاع أسد وفي البليد حمار تشبيهاً للعاقل بغير العاقل

والثاني التسبيب وهو على وجهين ، أحدهما أن يعبر عن الشيء بمقدمته السابقة له ، والثاني أن يعبر عنه بفائدته ، قال ذو الرمة

حتى ذوي العود في الثرى
وكف الثريا في ملاله الهجر
فهذا قسم وقال ابن أحمد
( كثور العذاب الفرد يضربه الندى
وتجلى الندى في متنه وتحددا

وقال رويشد الطائي

( وقل لهم بالعدب والتمسوا قولا يبريكم إني أنا الموت وهو كثير في الاستعارة موجود في القرآن


31
السابقة الثالثة

اختلف الناس هل في كتاب الله تعالى مجاز أم لا ؟

فمنعه الأقل وجوزه الأكثر ومن أجل من منعه قدراً الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني رحمه الله

فأما تحقيق هذه المسألة فبابها الأصول الدينية لكن مع هذا نشير إلى نبذة كافية في غرضنا فنقول ، إن عنى الأستاذ بنفي المجاز نفي الاستعارة فكثير من القرآن ترد عليه لا سيما في سورة يوسف عليه السلام فإن فيها استعارات عظيمة ، وإن عنى بالمجاز أمراً تجوز به ولم يجر مجرى الحقيقة فليس من الشريعة

السابقة الرابعة

قسم بعض الناس الأسماء إلى قسمين لغوية وشرعية وقسمها بعضهم إلى ثلاثة أقسام لغوية ودينية وشرعية

فاللغوية كالألفاظ التي انفردت اللغة بها لم يجر لها في الشريعة ذكر


32

وأما الدينية فكالإيمان والكفر والفسق

وأما الشرعية فكالصلاة والزكاة والصوم وفائدة هذا الخلاف أن الألفاظ هل جاءت في الشريعة على معانيها في اللغة أم جاءت مغيرة فمن الناس من قال أنها مبقاة على اصلها فإن الإيمان هو التصديق لغة وشرعاً والصلاة هي الدعاء لغة وشرعاً والصوم هو الإمساك لغة وشرعا والفسق هو الخروج عن شيء لغة وشرعاً

ومنهم من قال إنها منقولة مغيرة فإن الإيمان وإن كان في اللغة التصديق فإنه موضوع في الشريعة على تصديق ما على وجه ما وكذلك الصلاة في الشريعة هي عبارة عن دعاء مقترن بأفعال كالركوع والسجود

والصحيح لا يتبين إلا ببسط مقدمة تغني عن كثير من التطويل وهي أننا نقول بأن الشريعة تصرفت في ألفاظها تصرف أهل اللغة في ألفاظهم وأهل اللغة لما سموا المسمى على اللفظ الجاري وقصروه أيضا عليه واللفظ الجاري تارة عمموه وتارة خصصوه

فالأول كقولنا دابة فإنها وإن كانت جارية في كل ما يدب لكنها مخصوصة ببعض الجاري عندهم وكقولهم قارورة فإنها مقصورة على بعض ما يستقر فيه فإن الدار لا تسمى قارورة .

والثاني كتسميتهم الأذى غائطا لأنه محل له فتصرفت الشريعة على هذين الوجهين


33
فالإيمان وإن كان تصديقا مطلقا في اللغة لكنه مقصور كقصر الدابة والحج وإن كان القصد العام فهو مخصوص ببقعة كتخصيص القارورة

وأما الثاني فقوله عزوجل حرمت عليكم أمهاتكم فإنه لما كان موضع التحريم الأم سميت الأم سميت به كما أنه لما الغائط موضع الأذى سمي به

السابقة الخامسة

اختلف الناس في جريان القياس في اللغة فمنعم من جوزه ومنهم من منعه ومن الواجب تنقيح محل النزاع حتى يتبين النزاع فنقول أما جريان الأفعال بحسب ورود المصادر أو جريان المصادر بحسب ورود الأفعال على اختلاف علماء النحو في هذا الأصل فلا خلاف بأنه جائز

وأما تسمية الدار فرساً ونحوه فلا خلاف في أنه لا يجوز فأما كل لفظ مشتق توجد الإشارة إلى اشتقاقه فهذا ما اختلف العلماء فيه وعينوا فيه

مسألة
وهي أن النبيذ المعتصر من غير العنب أو النبيذ المعتصر من العنب إذا طبخ هل يسمى خمراً اعتبار أن فيه معنى الخمرية

فمن أجل من جوزه الأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني اعتباراً بالقياس في الأحكام الشرعية

وهذه وهلة فإن القياس في الأحكام الشرعية إنما جاز لقيام الدليل عليه ولم يقم ها هنا دليل على جوازه بل قام على خلافة لأنا نعلم أن


34
القارورة من الاستقرار وهي مخصوصة بذلك والدار من الدوران وهي مخصوصة به في أشياء كثيرة لا سيما والعرب قد استغرقت بالبيان جميع المعاني بالألفاظ حتى ما قيل مسكوتا عنه منهما

والقياس قيل فالقياس في هذه المسألة إنما هو في حكم الشرعي وهو حمل النبيذ في التحريم على الخمر

فالجواب إن هذه غفلة فإن حمل النبيذ على الخمر في التحريم إنما ينبغي على حمل النبيذ على الخمر في الاسم والأول وإن كان قياساً شرعيا فالثاني قياس لغوي وفيه اختلفنا وقد بينا إنه لا يجوز والله أعلم

السابقة السادسة

صيغة النفي وهي لا إذا اتصلت باسم كقولك لا رجل في الدار مما اختلفت الناس فيه فصار صائرون إلى أنها مجملة لا يسوغ الاحتجاج بها ومنهم من صار إلى أنها عامة ومنهم من صار إلى أنها ظاهرة يجوز التمسك بها في الأحكام والمسألة تتصور في كثير من الأدلة الشرعية بيد أنا نضرب منها مثالا واحداً فنقول

قال النبي لا صيام لمن لم يبيت من الليل ويروي لمن لم يؤرض فتعلق بذلك علماؤنا رضي الله عنهم على أصحاب أبي


35
حنيفة في قولهم أن صوم رمضان بنية من النهار جائز فقالوا لا حجة في ذها الحديث فإنه يحتمل أن يريد لا صيام موجود أو يحتمل أن يريد لا صيام مجزيا فيسقط الاحتجاج به لاحتماله فقال علماؤنا رحمهم الله لا يصح أن يكون المراد بهذا النفي نفي الوجود لأن النبي لم يبعث لبيان الحسيات فيتصرف فيها بنفي أو إثبات وإنما بعث لبيان الشرعيات فإذا أثبت شيئاً فمنعاه ثبوته في الشرع وإذا نفى شيئا فمنعاه نفيه في الشرع فكأنه قال لا صيام شرعيا لمن لم يبيت من الليل فإذا نفاه شرعاً فلم يبق للقوم حجة ولكن مال حبر من أحبارنا إلى أن الإجمال يبقى فيه وإن كان معناه لا صيام شرعياً لأنه يتردد بين نفي الأجزاء وبين نفي الفضيلة وسنستقصي ذلك في كتاب التأويل إن شاء الله تعالى وإنما جعلنا هذا الدستور في السوابق حتى يرد على ما يتصل به من اللواحق بمشيئة الله تعالى
السابقة السابعة

صيغة الإثبات اتصلت بالنكرات أو المعارف فهي للخصوص كقولك كرم رجلا ولا خلاف في هذا اللهم إلا أنها إذا تناولت الاسم في هذا الباب فهي على قسمين

أحدهما أن يتعلق الحكم باسم جامد أو يتعلق الحكم باسم مشتق فإذا تعلق باسم جامد كقولك أكرم هذا

وإذا تعلق باسم مشتق كقولك أكرم العالم واحترم الشيخ فهذا يفيد معنيين أحدهما يفيد بيان الحكم وهو الإكرام والثاني بيان العلة وهي


36
العلم والشيخوخة فيفيد بلفظه الحكم ويفيد بمعناه التعدي إلى كل عالم وشيخ ومثاله في الشريعة قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما معناه لسرقتهما والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة معناه لزناهما وسيأتي بمستقصى في كتاب التأويل إن شاء الله تعالى
السابقة الثامنة

انقسمت الأسماء في اللغة في دلالتها على المعاني إلى قسمين

حد أأحدهما أأأأاتليبت لط أأأأايبتلاتنسي بالتنيباتنلا يتلاتيبال يبتنللا يبت أحدهما ما يدل على معنى واحد لا يشترك معه فيه سواه وذلك كثير في اللغة

والثاني ما يدل على معنيين وهو على قسمين

أحدهما أن يكون المعنيان حقيقيين كقولك عين فإنه يدل بحكم الاشتراك على أكثر من ثمانية أشياء

وكقولنا قرء فإنه يدل على معنيين مختلفين هما الحيض والطهر

والثاني أن يكون أحدهما حقيقة والآخر مجازاً كقولنا لمس ونكاح فإنه حقيقة في اللمس باليد كناية عن الجماع والنكاح حقيقة في الوطء كناية عن العقد فهذا مما اختلف العلماء فيه


37

فمنهم من صار إلى حمله على الجميع وقال إنه يجوز أن يريد المعبر بهذه الألفاظ جميع ما تتناوله من المعاني على اختلاف أنواعها أو اتقانها

ومنهم من قال ذا كانت الماني متمائلة فكذلك جائز وأما إذا كانت مختلفة كالقرء والنكاح فإنه لا يجوز للمعبر أن يريدهما معا في عبارة واحدة لأنهما مختلفان فلا يجوز أن يقصد المعبر بهما معانيها المختلفة كما لا يجوز أن يريد بصيغة افعل الوعيد والوجوب لاختلافها وهذا ضعيف وسنشبع القول فيه في كتاب التأويل إن شاء الله تعالى

ولكن نشير إلى نكنة تكسر المتشوف إلى معرفة الصحيح في هذا فنقول لا يصح للناظر أن يدعي استحالة في قصد المعبر بالاسم الواحد عن جميع معانيه على اختلافهما ويعمها الحكم كله جاز أن يقصدهما في الإثبات فهذا ظاهر

وأما تعلقهم بأن الصيغة هي فعل لا يصح أن يريد بها الوجوب والتهديد فإنما امتنع ذلك لاستحالة تعلق القصد بهما في حالة واحدة من جهة واحدة بخلاف مسألتنا فإنه يصح أن يجتمعا في اللفظ والقصد فلذلك جاز والله أعلم

السابقة التاسعة

وهي اللفظ الصريح إذا احتمل الشيء وضده فلا يخلو أن يكون احتمالهما سواء أو يكون في أحد المحتملين أظهر فإن كان في أحد المحتملين أظهر فهو الظاهر فلا خلاف في صحة التعليق به في الأحكام وإن كان الاحتمال واحداً فهو العموم وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى وكذلك إن كان خلافين


38
السابقة العاشرة

الكلام في اللغة ينقسم إلى اللفظ وإلى المعنى

أما اللفظ فهو المعبر عن المعنى فلا غنى عنه على سبق بيانه وأما المعنى فهو المراد باللفظ وسنبرم فيهما عقدين يظهر المقصود بهما إن شاء الله تعالى

العقد الأول

في شرح اللفظ فنقول وبالله التوفيق

الكلم يقسم إلى ثلاثة أقسام اسم وفعل وحرف ولم يقل الكلام ن الكلام هو المفهم ولا يقع الإفهام إلا بالجملة والجملة تتركب من اسمين وتتركب من اسم وفعل وتتركب من شرط وجزاء كقولك إن جئتني أكرمتك وليس تتركب من حرف واسم وإن وجدت فلنيابة الحرف عن الفعل ودلالته واحد وذلك في باب واحد وهو النداء خاصة وقد يقيد الكلام باسم واحد وذلك في جواب الاستفهام المحقق المقدر

فالاسم الكلام باسم واحد على معنى غير مشعر بزمان يختص به

والفعل كل ما دل على معنى وزمان معا وهو ينقسم بانقسام الزمان ماض تقضي وحاضر أنت فيه ومستقبل تستأنفه

فالماضي ما لم يكن في أوله حرف زائد والآخران ما كان في أولهما إحدى الزوائد وهي حرف المد اللين أصلها الياء تقول يقوم زيد وثانيها التاء وهي بدل من الواو في قولك تقوم أنت والإبدال في مثل هذا كثير شائع والهمزة في قولك أقوم بدل من الإلف لأنها جعلت ساكنة لا يمكن النطق بها والنون في قولك نقوم نحن ملتحقة بها لأن فيه غنة فألحقوها بأختها وينفصل الحاضر من المستقبل باقتران


39
قولك الآن لأنك تقول أقوم يحتمل الحاضر والمستقبل فإذا قلت الآن حصلته للحضور

وأما الحرف فهو ما يفيد معنى في غيره والأسماء على ضربين مبنية ومعربة فالمبنية كقولك من وكيف وإنما سمي مبنيا لثبوته على حركة واحدة تشبيها بالبناء لا غير

والمعرب على ضربين متمكن وأمكن فالمتمكن كعمرو والأمكن كزيد

وأما الحرف فهو ما يراد لغيره ويدل على المعنى فيه وهو على قسمين مقطوع وموصول

فأما المقطوع فهو حروف المعجم السالمة عبارة ووصفا عنها المثبتة معنى كما تقدم فيها وأمهاتها فيما يحتاج إليها خمسة

أولهما الباء وقد غلط فيها كثير من العلماء وظنوها للتبغيض وذلك خطأ بين أما أنها قد تكون صلة للأفعال في قولك خذت ونصحت وشكرت ونحوه والذي أوجب ذلك قوله سبحانه وأمسحوا برؤؤسكم فزعموا أنها تفيد التبغيض ها هنا بينا في كتاب الأحكام أنها من باب المفهوم عكساً كقول الشاعر

( وعصفت بالكثتين عصف الأئمد
وذلك لحكمة بديعة بيانها في موضعها

40

الثاني الواو وقد غلط فيها جماعة من العلماء حتى اعتقدوها للترتيب وهي لا تقتضي جمعا ولا ترتيبا

والدليل على صحة ذلك دخولها حيث يستحيل الترتيب وهو باب المفاعلة بيد أنها في باب العطف تدل على تقدم الأهم فالأهم ولذلك قال وقد وقف على الصفا نبدأ بما بدأ الله به

وأما الفاء فهي للتعقيب ومن ضرورتها الترتيب ومن روابطها التسبيب وهي ثلاثة مرتبطة

وما ثم فقد غلط فيها بعض علمائنا فقال إن ثم تقتضي المهلة في موضعها وقد تأتي لغير ذلك كقول الشاعر

( كهز الرديني تحت العجاج
جرى في الأنابيب ثم اضطرب

فجعل الاضطراب بعد الهز وهو هو ومعه وأبعد من هذه قول الشاعر

( إن من ساد ثم ساد أبوه
ثم قد ساد بعد ذلك جده

والصحيح من القول الذي يبين المعنى ويكشف جواب السؤال ثم لا تكون أبداً إلا الترتيب والمهلة على بابها في كل موضع إلا أنها تذكر لترتيب المعاني وقد تذكر لترتيب الكلام

وأما الخامس فهو الكاف وهو أن كان مفرداً مقطوعاً فإنه موصول المعنى لأنه موضوع للتبيخ وهو معنى مستقيل بيد أن بعضهم قد رام أن


41
يكون حرفا مقطوعا وزعم إنه قد جاء زائداً لذلك في قوله تعالى ليس كمثله شيئ وفي قول الشاعر

وصاليات ككما يوبقين

والكاف في هذاين المثالين حرف معنى مستقل مفيد وقد بينا ذلك في كتاب المشكلين

وأما الحروف الموصولة فهي كثيرة جداً لكنا نذكر أمهاتها خمسة عشر حرفا لابتغاء الأحكام عليها وتعلق الفتوى بها

أولها أما

وهو حرف وضع لتجريد عنه من توقع الاشتراك في الخبر وهو مركب من حرفين أن وما

وجعلوه في الإفادة نائبا وناب حرف الشرط والفعل المتصل به ولذلك دخلت في جوابه الفاء تقول أما زيد فمنطلق التقدير مهما يكن من شيء فزيد منطلق ووجه تركيبها وتفصيلها واستيفاء الكلام عليها وعلى أخواتها اللاتي يأتين بعدها مبين في ملجئة المتفقهين

الثاني إنما

وهي كلمة مفيدة للنفي والإثبات مركبة من إن وما وعبارة أهل سمرقند فيها إنها حرف موضوع لتحقيق المتصل وتلحيق المنفصل


42
وعبارة أهل العراق إنها موضوعة لتخصيص المخبر عنه بالخبر قال تعالى إنما الله إله وحد وقال إنما الكريم يوسف وقالت العرب إنما الشجاع عنترة
الثالث ما

ولها أحد عشر موضعا أصلها النفي والإثبات فمن فروع الإثبات أنها تكون بمعنى من قاله أبو عبد الله المغربي واحتج بقوله تعالى والسماء وما بناها وأنكر بعضهم إنكاره وإنما هي بمعنى الذي بمعنى من فأسقط أبو عبد الله الواسطة وهي الذي وقال إنها بمعنى من ذلك فاسد للقانون اللغوي

الحرف الرابع أو

وقد عد أصحابنا لها مواضع سبعة أو ثمانية أمهاتها موضعان أحدهما التردد والآخر التفصيل ويدخل تحت قولنا التردد التخيير

وللتخيير خمسة شروط تأتي في باب الأمر بالواحد من أشياء على التخيير إن شاء الله تعالى


43
الحرف الخامس حرف من

قال علماؤنا هي لابتداء الغاية تارة وللتبغيض أخرى ورأيت أبو بكر بن السراج رحمه الله قال في شرحه لكتاب سيبويه رحمه الله إنها لا تكون إلا لابتداء الغاية وأنها لا تكون للتبغيض بحال وهذا الذي قاله صحيح المال فإن كان تبغيض ابتداء غاية وليس كل ابتداء غاية تبغيض

الحرف السادس هل

وهي أم حروف الاستفهام وما وراءها من حروف الاستفهام تال لها وقد ظن بعض الناس إنها بمعنى قد في قوله تعالى هل أتى على الإنسان حين من الدهر والصحيح إنها على بابها في هذا الموضع وسواه ولكن قد تكون بمعنى التقرير لأنه استفهام مقرر فهو بمنزلة المحقق

الحرف السابع الألف واللام

قال علماؤنا إنها ترد للحصر في قوله تعالى المال الإبل والناس العرب والذي يعتقده أرباب الصناعة إنها تارة تكون لبيان الجنس وتارة لبيان العهد والحصر من مقتضيات الجنس وقد روي عن النبي إنه سئل عن أكرم الناس فقال الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم قالوا ليس عن هذا نسألك قال


44
فعن معادن العرب تسئلوني قالوا نعم قال خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا
الحرف الثامن لو

وهو حرف يرد في لسان العرب لامتناع الشيء لامتناع غيره ولا معنى له سواه وقد ظن إنه يرد بمعنى إن في قوله تعالى ولو أعجبتكم قالوا المعنى هنا وإن أعجبكم وهذا ليس بصحيح بل هو على بابها وقد بينا ذلك في كتاب الأحكام

الحرف التاسع لولا

وهو حرف يدل على امتناع الشيء لثبوت غيره وقد اختلف الناس في لو لولا هل يفتقران إلى جواب أم لا

والصحيح افتقارهما إليه وقد تخرج لولا عن هذا الباب الذي حددناه به فتكون بمعنى الترغيب ولا تفتقر حينئذ إلى جواب اتفاقا

الحرف العاشر إلى

وهو موضوع لبيان الغاية وهي إذا اتصلت بمن وانتظم الكلام بها كانت حدا فلا يخلو أن تكون من جنس المحدود أو من غير جنسه فإن كانت من جنسه دخل فيه وإن كان من غير جنسه وقف عنده وقد ظن بعضهم أنها تكون بمعنى مع وهو غلط بين لا تقتضيه اللغة ولا تدل عليه الشريعة وغسل المرافق لم يكن بمقتضى إلى وإنما كان بالدليل الذي بيناه في كتاب الإنصاف


45
الحرف الحادي عشر بلى

وهي لاستدراك المنفي بجواب نفي يقترن به استفهام وهي بديلة نعم ولا يصح أن تكون معها حتى قال علماؤنا لو قال بنو آدم في جواب قول ربهم ألست بربكم نعم لكفروا لأنه كان يكون إثباتاً لما سئلوا عنه وهي نفي الربوبية

الحرف الثاني عشر على

وهي تكون على ثلاثة أنحاء

والأول الاسم تقول أخذته من على الدابة وتكون فعلا فتقول أخذته من على الدابة وتكون حرفا في قولك علوت عليه قال لنا الطوسي رحمه الله قال لنا الإمام أبو عبد الله المغربي رحمه الله لا تكون على فعلا أبدا وإن أريد بها الفعل فليست تلك وإن شابهتها في الصورة والمقدر الذي يتعلق به الفقه في ابتناء الأحكام فقد بيناه وما تقدم من وقول أبي عبد الله المغربي بحث نحوي لسنا الآن له

الحرف الثالث عشر حتى

وهي حرف موضوع للغاية المحضة لكنه قد يكون عطفاً وخاصيتها إذا كانت عطفاً ألا تعطف إلا بين الجنسين وقد تكون للاستئناف فيتضمن


46
عطف الجمل معنى ولا يصح أن يتوهم لها معنى من رفع أو إزالة سوى الغاية
الحرف الرابع عشر مذ

وهو موضوع للإيصال بالزمان أو ما يكون في حكم الزمان ليس للمكان فيه مدخل وإن اتصل بما يتوهم عن هذا فهي راجعة إليه عند التحقيق وذلك بين في موضعه

الحرف الخامس عشر إلا

وهي أم حروف الاستثناء وهي عندنا لبيان مراد المخبر فيما سبق قبلها من الخبر وذلك نوع من العموم والخصوص وله أبواب ومسائل يكثر تعدادها سيأتي بيانها في مواضعها إن شاء الله تعالى

و أ أم أما القول في المعنى

وهو المقصود الأكبر من غرضنا وعليه ينبغي الكتاب كله

فنقول إن الكلام في اللغة على ضربين مهمل ومستعمل

فالمهمل كل قول نظم من حروف المعجم نظما لا يفيد في لغة العرب شيئاً

والمستعمل على ضربين منه ما يفيد في غير ما وضع له كالألقاب ومنه ما يفيد فيما وضع له وهو على ضربين مجاز وحقيقة وقد تقدم بيانهما وكل كلام يفيد ما وضع له بين المتخاطبين لا بد له من شروط كثير عددها منها أصلان كبيران


47

أحدهما إنه لا بد من إرادة المخاطب إفادة المخاطب معنى ما فإن لم يرد ذلك كان القول عبثا إلا على وجه بيناه في موضعه

الثاني أن يريد إفادته مقصور الخطاب والمراد به بما يصح فهمه له وذلك هو البيان وله حقيقة ومراتب تجمعهما مسائل خمس

المسألة الأولى في حقيقة البيان

قال الصيرفي وكان من علماء الأصول

وهو إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي

وهذا ضعيف فإن الحيز والتجلي لفظان مشكلان فكيف يتبين بهما وقال آخرون

البيان هو العلم وهذا ضعيف لأنه لو اطرد لانعكس ولا يصح أن يقال العلم هو البيان فإنه لا يصح ذلك فيه إذ البيان والتبين يقتضي سبق استبهام فيخرج عنه علم الله تعالى

وقال قائلون البيان هو الظهور يقال بان لي أمر كذا وبانت المرأة من زوجها والصديق من صديقه وهو ظهور على وجه ما فرقت بين ذلك كله المصادر وهذا الحد وإن كان يحوم على الحقيقة لكنه مشترك بين الأجسام والمعاني

والصحيح ما حد به أبو الباقلاني رحمه الله لسان الأمة قال البيان هو الدليل وهذا صحيح لفظا ومعنى طردا وعكسا


48
المسألة الثانية في مراتبه

أول من رتبها الشافعي رضي الله عنه قال هو على خمس مراتب

أولها ما يدركه العوام الجفلى كقوله تعالى فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة

الثاني ما يدركه الخواص من أولى الحجى كآية الوضوء فإنها تحتاج لى معارف كثيرة منها الواو والفاء وغير ذلك

الثالث ما تولى الله تعالى تنزيله ووقعت الإحالة على النبي في بيانه كقوله تعالى وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة وكقوله سبحانه وأحل الله البيع وحرم الربا في أحد القولين

الرابع ما تولى النبي بيان أصله ووصفه كحديث عبادة لا تبيعوا الذهب إلى آخره

الخامس القياس

وقد رد عليه جماعة من العلماء هذا الترتيب بتركه للإجماع وهو من أعظم الأصول وذكروا ترتيبها على وجه يطول والذي يفتقرون إليه الآن


49
في هذه العجالة أنا قدمنا أن البيان هو الدليل فمراتب البيان كمراتب الأدلة وأصل الأدلة في غرضنا هذا كتاب الله تعالى ثم بعد ذلك تتنوع إلى ما تنشأ عنه فمرتبته بحسب قربه منه كقوله النبي فإنه يليه وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم فإنه يليه وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم فإنه تالية وكلام الله تعالى المنزل علينا باللسان العربي يختلف بحسب اختلاف اللسان الذي نزل به فالنص أعلاه والظاهر تلوه وهكذا كلما تباعدت في الأمرين جميعا تفاوتت ومدركها لا يتبين إلا بمباشرتها
المسألة الثالثة في تأخير البيان عن وقت الحاجة

وقد اتفق الجفلى على أن ذلك لا يجوز لأنه تكليف مالا يطاق ولما تكرر ذكر ذلك في الكتب اتفق عليه العلماء قديما وحديثا ولم يعرف فيه نزاع من موالف ولا مخالف لاحظته مرة فظهر لي إن ذلك جائز ولا يكون من باب تكليف ما لا يطاق بل يكون رفعا للحكم واسقاطا له

المسألة الرابعة تأخير البيان إلى وقت الحاجة

زعمت طائفة أنه لا يجوز معظمهم من المعتزلة وباقيهم من سائر المبتدعة والدليل على جوازه أنه لا استحالة في أن يقول السيد لعبده خط لي هذا الثوب غدا فإذا من الغد يبين له الكيفية وتعسا للمعتزلة فإنهم قالوا إن النسخ بيان لانقضاء مدة العبادة فكيف أنكروا ما جوزوا

وأما الدليل على وقوعه فكثير نذكر منها ثلاثة أمور

الأول إن الله تبارك وتعالى أمر بني إسرائيل بذبح البقرة في وقت ثم بين لهم صفتها في آخر


50

الثاني إن الله عز وجل فرض الصلاة على رسول الله ليلاً في السماء وبينها في صلاة الظهرة على التواني عند الحاجة إليها

الثالث إن النبي سأله سائل عن وقت الصلاة فقال صل معنا هذين اليومين

وهذه الثلاثة الأدلة يعتمد فيها على الأوسط لأن الأول والثاني منهما معترضان

المسألة الخامسة في جواز تأخير التخصيص

وهو مثل ما تقدم وأبين منه والقول فيه كالقول فيه


51
كتاب الأقسام

لما سلف من القول في مقدمات أصوله الفقه ما يغني فيما يستأنف وجب الأخذ في بيان أصول الفقه المختصة به المضافة له

وذلك القول في الأوامر النواهي والبيان للعموم والخصوص والنظر في المحكم والمتشابه واتباع ذلك المفهوم وفصله عن المنطوق في الخطاب خاصة واتباع ذلك بالأفعال وبيان الأخبار وإيضاح منازل التنزيل للتأويل والكلام على الإجماع وكيفية وجوهه وإتباع ذلك بالقول في القياس وأقسامه وبيان وجوه الاعتراض عليه وإتمام الكتاب بالقول في القياس وأقسامه وبيان وجوه الاعتراض عليه وإتمام الكتاب بالقول في الناسخ والمنسوخ وإيضاح ذلك ببيان الترجيح الذي هو معضلة الأصول وخاتمة الفصول ولا بد من ذكر مراتب الاجتهاد وكيفية مراتب الفتوى وبذلك يتم العرض المصمود وتحصيل الفائدة والمقصود

القول في الأوامر

وفيها خمس عشرة مسألة

المسألة الأولى في حقيقة الأمر

وقد جرت عادة علمائنا رضي الله عنهم بتصدير هذا الباب بالقول في أقسام الكلام وأنواعه وقد طال بينهم في ذلك القراع وكثر النزاع وذهب المحققون إلى أن أقسامه خمسة والصحيح إنها قسمان حسب ما كشفه التمحيص في كتابنا وهما الطلب والخبر


52
فأما الكلام فقد جهله أكثر الناس وهو عندنا المعنى القائم بالنفس فأما العبارات فاختلف علماؤنا فيها فقال شيخنا أبو الحسن رحمه الله إنها كلام حقيقة وجعل حقيقة الكلام جنسين وسائر الأصحاب رحمهم
53
الله يقولون إن العبارة تسمى كلاماً مجازاً وبه أقول وقالت المعتزلة وجماعة من المبتدعة إن الكلام فعل من الأفعال كالحركة والسكون وأنه ضرب من اصطكاك الأجسام وقد دللنا على فساده في كتاب المقسط والمتوسط والذي يهدم قاعدتهم إنه يعلم المتكلم متكلما من لا يدري كونه فاعلا للكلام ولو كان حقيقة المتكلم من فعل الكلام ما علمه متكلما إلا من علمه فاعلا ولا جواب لهم عنه

إذا ثبت هذا وفهمتم أن الكلام معنى قائم بالنفس يجده المرء ويحس به العاقل فينبني على هذا

المسألة الثانية وهي أن الأمر لا صيغة له

وقد اختلف في ذلك أهل الأصول فصار الفقهاء ممن تكلم فيها إلى أن له صيغة وإلى ذلك مالت المعتزلة بأسرها لاعتقادهم الفاسد

فأما الفقهاء فإنما قالوا ذلك جهل بحقيقة الأمر لا عن اقتحام البدعة

وأما المعتزلة فإنما صاروا إلى ذلك لاعتقادهم الفاسد أن الكلام أصوات مقطعة وحروف مؤلفة وقد بينا فساده من قبل


54

واتفق أهل الحق من أرباب الكلام على أن الأمر لا صيغة له وذلك لأنه الكلام معنى الشبهات قائم بالنفس من الإرادة والعلم والمعاني النفسية لا صيغة لها وهذا أبين من الشبهات فيه

ومع هذا فنقول إن وراء هذا تحقيقا لا بد من شرحه وهو إن الأمر الذي هو أحد أقسام الكلام الذي هو معنى قائم بالنفس هل وضعت له العرب صيغة تدل عليه على اختصاص أم لا فالفقهاء يرون أن له صيغة دالة عليه على الاختصاص وهو قولك افعل

وأما أهل الحق من المتكلمين فصاروا إلى أن لفظه افعل محتملة للأمر وضده وهو النهي ولخلافة وقد وردت في الشريعة على نحو من خمسة عشر وجها فإذا جاءت مطلقة وجب التوقف فيها حتى يقوم الدليل على تعيين معنى من معانيها

واحتج الفقهاء بأن الله تعالى أمر أبليس بالسجود فلما توقف واعترض استحق الذم وقال تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن نصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم

وأجاب عن ذلك أصحابنا بأن هذا وأمثاله لا يصح الاحتجاج به أما قصة إبليس فإن الله تعالى قرن أمره بالسجود لآدم بقرينة فهمتها جميع الملائكة ولذلك سجدت وهي فضل العلم على المتعلم واعترض فيها إبليس لا من الوجه المختلف فيه ولكن من جهة تسفيه الأمر وذلك كفر


55
وأما قوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره فلم يختلف أحد في أن مخالفة الأمر لا يحل وإنما اختلفوا في أمرين

أحدهما إن الأمر يحتمل أن يكون بمعنى الفعل ويحتمل أن يكون بمعنى القول خاصا أو عاما

الثاني أنهم أنما اختلفوا في الصيغة التي تنبئ عن الأمر وليس في ذلك ظاهر ولا نص لما يحاولون فيها

والمختار أن الأعلى إذا قال للأدنى افعل فالمفهوم منه طلب جازم لا مثنوية فيه ولا تردد

فإن قيل فالأمر من المثل للمثل هل يتصور

قلنا يتصور بوجهين إما ببقاء المساوي فيكون على المكافأة وإما بالحاجة فيكون طلبا فتذهب المماثلة

فأما التعرض للعقاب عند الترك فليس للأمر فيه حظ سواء كان المعنى القائم بالنفس أو العبارة الدالة عليه وإنما يوجد العقاب على الترك من دليل آخر

فإن قيل اقتحمتم عظيما فإنكم جعلتم الأمر في اللغة عريا عن عبارة تدل عليه

قلنا عن هذا جوابان أحدهما أننا نقول إن فعلنا ذلك فإن لها لأخوات

الثاني إن العبارة المختصة به أوجبت وألزمت وفرضت ونحو ذلك إن صح ايضا ذلك على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى


56
المسألة الثالثة في مطلق لفظة افعل

قال بعض الناس هي محمولة على الإباحة لأنه متيقن وغير ذلك مشكوك

وقال آخرون محملها الوجوب لأنه هو الظاهر منه

وقال أهل الحق يتوقف فيه أو لا يصح دعوى بشيء فيه لأن من تعلق بالإباحة فهو من فرع الاستصحاب الفقهي هو من أصعب الأدلة ولأنه ادعى الأقل ولا أقل في مسألتنا بل كل معنى منها مستقل

وأما من تعلق بالوجوب فلا يخلو أن يدعي ذلك نظرا أو خبرا والنظر لا طريقة له في مسألتنا لأن النظر العقلي لا مجال له فيه والنظر الشرعي وهو القياس لا يسوغ إثباته

وأما الخبر فلا يخلو أن يدعو ذلك أو شرعا أو آحاداً أو تواتراً وشيء من القسمين لم يوجد في واحد من القسمين ولو وجد فيه الآحاد لم تستقل بإثباتها فوجب التوقف وآل الأمر إلى العقد الذي عقدنا في المسألة التي قبلها والمختار فيها

المسألة الرابعة

في اشتراط العلم بالتمكن من الأمر قبل الفعل قال أبو هاشم من المعتزلة لا يجوز وقال القاضي رحمه الله يجوز والمسألة مترددة من عبارتهم وعلى كل حال هي راجعة إلى الأصل السابق وهو تكليف ما لا يطاق


57

والقاضي رحمه إنما صار عدم اشتراطه خوفا من التكاسل والتواني في تحصيل العلم له فيؤول ذلك إلى اخترام المنية للمكلف قبل الفعل فإذا قدرنا بذل المجهود في تحصيل العلم وتوقي الأسباب المعرضة للذهول عنه فيكاد يرتفع هذا الخلاف ويبقى الخلاف في

المسألة الخامسة

وهي أن التمكن من الفعل هل هو شرط في إلزم الأمر أم لا

فذهب أحمد بن حنبل رحمه الله إلى أن المأمور به يثبت في ذمة المكلف قبل التمكن من الفعل وقد فاوضت في ذلك علماءه فقال لي الشيخ من أهل مذهبه في وقتنا أبو الوفاء بن عقيل وأبو سعد الفرذاني إن هذه المسألة صحيحة من مذهبنا ولكنها غير مذكورة الدليل لأنها لا تجري عندنا في سنن تكليف ما لا يطاق وإنما هي من باب إلزام المغمى عليه قضاء ما فاته م الصلوات في حال إغمائه فما لم يدرك شيئا من وقته فترجع المسألة فقهية وهي في مسائل الخلاف مذكورة


58
المسألة السادسة

إذا ثبت من مطلق الأمر الوجوب والإلزام فهل يحمل ذلك على التكرار أم تلغى منه فعلة واحدة

اختلف في ذلك أرباب الأصول على قولين

فمنهم من قال إنه يقتضي التكرار وأجلهم الأستاذ أبو إسحاق رحمه الله بمسلكين

أحدهما أن قال إن النهي محمول على التكرار فكذلك الأمر وعضد هذا بأن قال الأمر بالشيء نهي عن ضده فوجب أن يكون حكمه حكم النهي

المسلك الثاني قال إن المكلف إذا علم بالأمر توجهت عليه ثلاثة فروض

الأول اعتقاد الوجوب

والثاني العزم على الامتثال

والثالث فعل المأمور به

وقد ثبت وتقرر أن اعتقاد الوجوب والعزم على فعل فرضان متكرران فكذلك يجب أن يكون وهو فعل المأمور به متكرراً ايضا

الجواب

إن هذا ما لا يصح التمسك به في مسألتنا لأنه قياس ولا يثبت مثلها بالقياس


59

وأما قوله إن الأمر بالشيء نهي عن ضده فباطل على ما يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى

وأما المسلك الثاني فالتعلق به ضعف لأنه قياس أيضا والقياس قدمنا فرع لا يثبت به اصل

جواب آخر

وذلك أن اعتقاد الوجوب إنما وجب فيه الدوام لأنه مبني على صدق الرسول الذي يجب أن نعتقد دائماً

وأما العزم على الامتثال فلا نسلم أن التكرار فيه واجب بدليل أنه لو ذهل لم يأثم والمختار أن مطلق الأمر يقتضي فعله يقينا في الوجوب وبها تحصيل الامتثال وسائر الأفعال محتمل شأنها موقوف على الدليل بيانها

المسالة السابعة

مطلق الأمر محمول على الفور عند جماعة من الناس

وقال آخرون إن التراخي فيها جائز وغلط آخرون فقالوا إنه يقتضي التراخي

ووجه الكلام في هذه المسألة أنه من قال يقتضي التراخي فوجه غلطه بين لأن معناه إن من بادر الامتثال لا يجزئه وذلك محال شرعا

وإما من قال إنه محمول على التكرار أبدا حتى يثبت التعيين فلا يتصور معه المسألة

وأما من قال يقتضي فعلة واحدة فها هنا يتصور الخلاف

فقالت طائفة إن المبادرة إلى الامتثال واجب لوجهين


60

أحدهما إن في التأخير تهاونا بالحرمة

والثاني إن في التأخير تغريراً بالعبادة لأنه ربما فاجأته المنية أمد التأخير وهو لم يمتثل فيتعرض للعقاب بترك الفعل وعضدوا ذلك بظواهر كثيرة كقوله تعالى جده وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وكقول النبي بادروا بالأعمال في نظائر يكثر تعدادها والذي نعتقده إن التأخير جائز وإن المبادرة حزم لأن الأمر ورد مطلقا بإلزام الامثتال ونسبة الزمان إليه كنسبة المكان والتعيين فيهما مفتقر إلى دليل

فأما ما تعلقوا به من إن فيه تركا للحرة فيعارضه إن فيه أخذا بالرخصة وعملاً بالدليل لا سيما والحرمة إنما تثبت بالاعتقاد أولاً فإن اعتقد الفوركان التأخير تهاونا بالحرمة وإن اعتقد التأخير فما تهاون بهل بل امتثل الواجب

وأما قولهم إن فيه تعرضا للعقاب وتسيبا إلى التعصية فهو فصل حاد اختلف فيه جواب القائلين بالتراخي فكان شيخنا أبو حامد وإمام الحرمين يقولان إن التراخي إنما جاز بشرط سلامة العاقبة كالرامي إلى الهدف وإذا فرض رمي الجمار وهذا مما لا نرضاه فإن إلزام المكلف الفعل مؤخراً بشرط سلامة العاقبة وهو لا يعلمها ولا يقدر عليها هدم لركن التكليف في باب الإضافة والعلم وعلى هذا الأصل يخرج ما ألزموا ونظائره


61

وأما الرمي إلى الهدف فمباح ليس بتكليف وأما الرمي إلى الصف أو في الجمار فلا شيء عليه فيه والحكم به لا يفتقر إلى القصد ولا يشترط فيه العلم

وأما الظواهر التي ذكروها فلا حجة لهم فيها من وجهين

أحدهما إن هذه المسألة في أمثالها لا يثبت إلا بالأدلة القطعية لا بالظواهر الشرعية

الثاني إنها مقترنة بقرائن اقتضت حملها على البدر لأن المغفرة تحصل باجتناب المعاصي واجتناب المعاصي يكون على الفور

المسألة الثامنة

قال علماؤنا رحمة الله عليهم الصلاة تجب بأول الوقت وجوبا موسعا يمتد إلى آخره

وقال أهل العراق تجب الصلاة في آخر الوقت

وهذه المسألة فرع من فروع التي قبلها وقد عظم الخطب بين العلماء فيها وتشعب القول في معانيها والضابط لنشر رواية كلامهم إن العبادات المأمور بها على ثلاثة أقسام في تعلقها بالوقت

وقد تستغرق العبادة جميع الوقت لها وكأنه جعل حداً فيها وذلك كالصوم

والثاني عبادة ربطت بوقت يتقرر بامتثالها ويسع أعدادا لها وذلك كالصلاة

والثالث عبادة لم ترتبط بوقت ولا نيطت بمدة في مطلق الأمر كالكفارات وقضاء الصلوات والحج على اختلاف في هذين


62

فأما الصوم فلا كلام فيه لأن طرفيه مضبوطان بوقته

وأما الصلاة فقال أصحاب أبي حنيفة لا تجب إلا في آخر الوقت لأن جواز التأخير مع خيرة المكلف بين الفعل والترك يضاد الوجوب

أجاب عن ذلك علماؤنا بجوابين

أحدهما أن قالوا إنما جاز التأخير بشرط العزم على الفعل وبهذا فارق النوافل

الثاني إن جواز التأخير إنما يضاد وجوب الضيق فأما الوجوب الموسع فلا

وصوروا له مسألة عقلية وهي لو قال لعبده ألزمتك خياطة هذا الثوب في هذا الشهر وهو شغل يوم فإن الوجوب ثابت في الذمة والأمد أضعاف الوظيفة وهذا الذي قال علماؤنا في الجواب فيه نظر

أما قولهم إن الزم بدل عنه ففيه أربعة أجوبة لهم أقواها أنهم لا يسلمون أن العزم بدل بدليل تصور الذهول ووقوع الغفلة ولا يقال إن ذلك إخلال بفرض وأما ما صوروه نم ضرب المثل بخياطة الثوب فالخلاف أيضاً فيه متصور لأنهم يقولون الوجوب لا يتحقق في الخياطة إلا في آخر المدة

وبالجملة إن المسألة مع تباعد أكتافها عسرة علينا جدا ولا عمدة لنا فيها إلا جواز الفعل في أول الوقت ويكون ممتثلاً إجماعاً ولولا تحقق الوجوب في أول الوقت ويكون ممثلاً إجماعاً ولولا تحقق الوجوب في أول الوقت لما كان الامتثال فيه مجزيا فدارت المسألة على حرفين :


63

أحدهما جواز الفعل وهو لنا ويعتضد ويتضح بامتناعه قبل الوجوب ووجوب إعادته أن وقع حينئذ غلطا أو قصداً ولهم جواز التأخير وينقضها الحج عندهم والكفارات إجماعاً فصارت عمدتنا معتضدة بنظائر وصارت عمدتهم بنظائر أيضاً فكان الترجيح لنا

المسألة التاسعة

الأمر بالشيء لا يكون نهياً عن ضده والنهي عن الشيء لا يكون أمراً بأحد أضداده من غير تعيين عند الجمهور ومعظم علمائنا رحمهم الله

ومن الناس من قال إن الأمر عن بالشيء يكون نهياً عن ضده والنهي عن الشيء يكون أمرا بأحد أضداده من غيره تعيين وأجلهم الأستاذ أ [ و إسحاق رحمه الله

وعمدتنا في المسألة إن الآمر بالشيء قد يذهل عن الأضداد حتى لا يتعلق قصده بواحد منها وإنما مقصوده متعلق بالأمر

فالقائل قم إنما مطلوبة القيام وما ضاده قد لا يشعر به حالة الأمر فلا يصلح ان يقال إنه دخل تحت قصده ولا يتعلق به أمره

والدليل القاطع على ذلك أن التصوير والتقدير لو تعلق بالجمع بين القيام فجمع بينهما ما كان ذلك قدحاً في الأمر وهذا قاطع مقتض للعلم وتمسك الأستاذ بأن الأمر بالقيام لا يتصور إلا مع ترك القعود فلما تلازما تضمن الخطاب ظتهراً ومضمراً


64
أما الظاهر فهو القيام وأما المضمر فهو ترك القعود فلما تلازما اتحدا وعضد ذلك بأمرين

أحدهما العلم بالسواد مع العلم بالعلم به فإنه لما تلازما اتحدا

الثاني علم الله المتعلق بكل معلوم إلى غير نهاية لما لازمها اتحد فكان علمه واحداً

أجاب علمؤنا رحمهم الله عن ذلك بأن قالوا

أما قوله بأن ترك العقود مضمر في الأمر ملازم له فقد بينا فساده من قبل جواز تقدير الذهول أو غيره وأما ما اعتضد به من اتحاد العلم بالسواد مع العلم بالعلم به فقد منعه علماؤنا

وأما ما تعلق به من اتحاد علم الله فليس كما زعم إذ لو كان ذلك للملازمة لاتحد علم الباري سبحانه وقدرته لتلازمهما

والمعمول في اتحاد علم الباري تعالى عند القاضي على الشرع

وبعد فإن المسألة دائرة عندي على حرف وهو أن الأمر بالشيء هل هو أمر بما لا يتم إلا به أم لا وهي

المسألة العاشرة

وجرت عادة علماؤنا بذكر هذه المسألة فقالوا إن الأمر بالشيء هل هو أمر بما لا يتم إلا به أم لا

وليس لها عندي معنى لأن ما لا يتم به لا يخلو أن يكون شرعا أو ضرورة في الفعل عقلا فإن كان شرعا كالصلاة مع الطهارة فإنها وجبت بأمر آخر بالأمر بالصلاة وإن كان ضروريا في الفعل عقلا فهو من فن


65
المسألة التي قبلها فلا تقول إن الأمر تناوله لكن لما كان المكلف لا يؤمر إلا بما يستطيع وكانت الاستطاعة في المأمور لا تتحصل إلا به قيل له امتثل كيف قدرت
المسألة الحادية عشر

اتفق العلماء على انقسام أحكام أفعال المكلفين إلى الأقسام الخمسة التي منها المباح حتى جاء الكعبي فقال لا مباح في الشريعة وإنما هي كلها فروض قال لأنه ما من مباح يستعمل إلا وفيه ترك المحرم

وهذا باطل من وجهين

أحدهما إن فيه قولا بافتراض النوافل وذلك يهتك حجاب الإجماع فيها

الثاني إنه يلزمه القول بوجوب الزنى من جهة إنه ترك لمعصية أخرى فيصير منه وصف الزنى بأنه واجب محرم وذلك محال

المسألة الثانية عشر

لا خلاف بين المحصلين أن الأمر بالفعل المؤقت إذا فات ليس فيه تعرض لقضائه بعد ذلك خلا أن الفقهاء شغفوا بأن يقولوا إن القضاء بعد فوات الوقت يجب الأمر الأول

وهذا لا تشهد له اللغة ولا تقتضيه أدلة العقول

فأما الشريعة فإن جاءت به لزم وإن سكت عنه سقط وكل ما يتعلق به في ذلك من الظواهر فهو حجة لنا لأنه أمر ثاني


66

فأما ثبوت الإثم مع سقوط الفعل فثابت إجماعا الفرقان بينهما لأن الأمة أجمعت على وجوب التأثيم وانحتام التعصية

المسألة الثالثة عشر

إذا ورد الأمر بوجوب واحد من الآحاد على غير التعيين وفوض التعيين فيها إلى خيرة المكلف فإن الواجب منها واحد غير معين

ونقل أصحاب المقالات عن أبي هاشم أنه قال إن جميعها واجب والظن به أنه خلاف في عبارة لأنا اتفقنا على أنه إذا تركها أثم بترك واحد و إذا فعلها كلها سقط الفرض بواحد والباقي تطوع فلا يبقى لتعيين الخلاف موضع

ونكتة الباب أن الخطاب الوارد بالتخيير بين الأشياء لا يخلو من قسمين

أحدهما أن يكون خطاب تكليف او خطاب إباحة وإذا كان خطاب تكليف فلا يخلو من قسمين

أحدهما أن يكون خطاب أمر

والثاني أن يكون خطاب نهي

وفي الأقسام خطاب طويل وتفصيل لبابه عند علمائنا أن الخطاب على ذها الوجه ينتظم بخمسة شروط

الأول أن يتعلق بما يصح اكتسابه

الثاني أن تتسوى الأشياء في وجهة التخيير ولا يبالى بعد ذلك كانت متصلة أو مختلفة


67

الثالث أن تكون متميزة وذلك ينفي تساويها من كل وجه إذ لا يصح التخيير بين متساويين من جميع الوجوه

الرابع أن تكون معلومة للمخاطب

الخامس أن يكون وقتها واحداً

والصحيح أن الشرط المختص بوجه التخيير واحد وهو أن يتساوى الأشياء المخير فيها كواجبين أو ندبين أو مباحين فإن سائر الشروط لا تختص بخطاب التخيير وإنما هي مشتركة في جهة الخطاب

فأما فصل اتحاد الأوقات ففيه نظر عندي فإن الحكم لو قال قم اليوم أو غدا كان تخييراً وقد ورد الشرع به في الصوم في السفر ما ينفي أن يكون هذا شرطا فيه واتحد شرط التخيير كما قدمناه

المسألة الرابعة عشر المندوب

قال القاضي رحمه الله إنه مأمور به قال لأنه مطلوب مقتضى

والصحيح أنه غير مأمور به لأنه ليس بمطلوب طلباً جازما حسب ما هي حقيقة الأمر

وإنما حقيقته التحريض والتحضيض كأنه يقول إن فعلت أثبتك وإن تركت لم أعاقبك وهذا ينفي حقيقة الأمر به

المسألة الخامسة عشر

إذا ورد الأمر باجتناب شيء من أشياء فلا يخلو أن يكون في اجتناب الجميع مشقة أو لا يكون فيه مشقة


68
فإن لم تكن فيه مشقة فلا يخلو أن يكون مختلطاً أو مميزاً فهذه ثلاثة أقسام

مثال الأول اختلاط اخته بنسب أو رضاع وتشبهها بنساء مصر من الأمصار فهاهنا لا يجب عليه اجتناب الجميع اتفاقا

مثال الثاني حظه من الجارية المشتركة فهاهنا يجب عليه الاجتناب اتفاقا

ومثال الثالث اختلاط إناء وقعت فيه نجاسة بماء طاهر وهذان أيضاً قسمان أحدهما أن يختلط الطاهر بالنجس المباح الأصل أو يختلط بالنجس الحرام الأصل

فمثال الأول من الأخير هو مثال الثالث فيه بعينه وهو إذا اختلطت آنية ماء بآنية بول فأما إناء ماء طاهر بإناء ماء وقعت فيه نجاسة فلا يخلو أن يكون عدد الأواني الطاهرة أكثر أو عدد الأواني النجسة فلا يخلو أن يكون الأواني الطاهرة كثر فلا خلاف بين العلماء في وجوب الاجتهاد فيها والعمل بموجب الاجتهاد وإن كان عدد الأواني النجسة أكثر فاختلف العلماء فيه فمنهم من قال يطرح الكل ومنهم من قال المسألتان الصواب وهو أصل من أصول الدين

والمسألة كثيرة الفروع عظيمة التشعيب والتركيب وقد استوفيناه في كتاب الإنصاف بينا وتفصيلا ومهدناه في كتاب أمهات المسائل تفريعاً وتفصيلا

وقد نجز الوعد السابق في كتاب الأوامر وهذا


69
كتاب النهي

ومسائلة كمسائله كفة كفة وزنا بوزن غير أنا وإن تيقنا اكتفاء المنتهي بالتركيب لها منهج سبيله للمبتدي فنقول

المسألة الأولى

مسألة حقيقة النهي اقتضاء الترك كما سبق في حقيقة الأمر اقتضاء الفعل وطلبه الجازم

المسألة الثانية

وليس له صيغة من أقسام الكلام الذي هو معنى قائم بالنفس كما بيناه وهي المسألة الثانية

المسألة الثالثة

وكما اختلفوا في اقتضاء الوجوب اختلفوا في اقتضاء النهي التحريم كما بينا أن الأمر طلب جازم للفعل ليس فيه تعرض للعقاب على الترك وإنما يوجد العقاب على الترك من دليل آخر كذلك النهي إنما هو قول جازم في استدعاء الترك وليس فيه تعرض للعقاب على الفعل وإنما يؤخذ العقاب من ذليل آخر وهي مسألة الثالثة


70
المسألة الرابعة

قال علماؤنا رحمه الله عليهم

في كتاب ألأمر ن الأمر بالشيء لا يدل على إجزاء المأمور به ووقوعه موقع الامتثال

وقال بعض المتكلمين لا يدل على الإجزاء إلا بقرينة وهذا كلام لا معنى له لأن من نفس الأمر نعلم قطعا ويقينا وقوع الإجزاء عند الامتثال لأنه ليس الأمر معنى سواه ولا فائدة غيره

وإنما الذي أوقعهم في ذلك وغرهم به مسألة الحج الفاسد فإنه لما أجمع العلماء على المضي فيه مع عدم الاعتداد به ركبوا منها مسألة إجزاء المأمور به

وهذا خرق لا يرقع لأن المضي في الحج الفاسد فيه معنيان يقطعان به عن هذه المسألة

أحدهما ان الأمر بالمضي فيه إنما هو بعد التلبس به والخلاف إنما يجب أن يكون في الأمر المبتدأ

الثاني أن الأمر بالمضي في الحجة الفاسدة إنما هو عقوبة لا عبادة

فأما إذا تبين هذا فالأمر المبتدأ بالتعبد المحض إذا وقع فيه امتثال فلا يتصور في إجزائه خلاف

ولو قدر طريان امر مثله بعده لكان أمرا مستأنفاً لعبادة ثانية وهذا ما لا ينازع فيه منصف


71

فأما النهي عن الشيء فهل يدل على فساد المنهي عنه فهي مسألة حسنة اختلف العلماء فيها فقال قائلون النهي عن الشيء يدل على فساده وعدم الاعتداد به شرعا وقال آخرون لا يدل على فساده

وأرباب الأصول من المالكية جهلوا مالك رحمه الله فقالوا إن له قولين حسبما تقدم تفسيره

والصحيح من مذهبه أن النهي على قسمين

نهي يكون لمعنى في المنتهي عنه ونهي يكون لمعنى في غيره فإن كان لمعنى في المنهي عنه دل على فساده وإن كان لمعنى في غير المنهي عنه فذلك يختلف إلا أن الأغلب فيه أنه لا يدل على الفساد

فأما اقتضاء النهي المحقق للتحريم المتيقن فهي مسألة أصولية والدليل فيها كالدليل على الوجوب في الأمر بعينه

وأما القول في الفساد فذلك من فروع الفقه وقد بيناه في مسائل الخلاف

المسألة الخامسة

كما أن الأمر بالشيء ليس عن ضده كذلك النهي عن الشيء ليس بأمر بأحد أضداده لما بيناه وهي المسألة الخامسة

المسألة السادسة

قد قدمنا القول في التمكين مقرونا بالعلم والفعل في فصل لأمر في المسألتين جميعاً


72

فأما النهي فلا يخلو أن يكون عن ترك أو عن فعل فإن كان النهي عن ترك رجع القول إلى الأمر وإن كان النهي عن الفعل لم يكن لاشتراط التمكين وجه ن الترك لا يفتقر لى التمكين وإلى هذا المعنى أشارة النبي بقوله إذا أمرتكم بامر فأتوا منه ما فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوا فشرط الاستطاعة في الأمر وأطلق القول في النهي تنبياً على هذا المعنى

وإن قلنا إن الأمر على التكرار أو يقتضي مرة فلا خاف أن النهي على الدوام حتى يرفعه الدليل وكذلك النهي على الفور غير خلاف

فإما إذا نهى عن شيء من الأشياء فقد تقدم القول فيه في ما إذا اختلط المباح بالمحذور وبينا اقسامه وأحكامه

وكانت عادة علمائنا قد جرت بذكر مسالة في فصل الأمر وهي أمر المعدوم وكذلك أيضا القول في نهيه

وعند الانتهاء إلى هذا القول فيتلوه كتاب العموم


73
كتاب العموم

وفيه اثنا عشر مسألة

المسألة الأولى القول في حقيقة العموم

وقد قدمنا في الكلام وبينا أنه معنى قائم بالنفس والعموم قسم من اقسامه وهو كل قول في النفس شمل اثنين فصاعدا ودليل هذه المسألة دليل المسألة السابقة

المسألة الثانية القول في صيغة العموم

كما اختلف علماؤنا في صيغة الأمر كذلك اختلفوا في صيغة العموم وكان الذي مال بعلمائنا الأصوليين رحمهم الله إلى نفي القول بالعموم وحداهم إلى إنكار صيغة إلحاح الوعيد به عليهم بكل آية عامة وحديث مطلق يقتضيان معاقبة العصاة وجزاء المذنبين


74

والذي ندين الله به أن العموم لها صيغ معلومة وألفاظ معروفة وما تعلق به الوعيدية ساقط لهم مع مساعدتهم لهم مع مساعدتهم على ألفاظ العموم بالأدلة المعلومة في تلك المسألة

وصيغة العموم على ضربين

أحدهما ادوات الشرط وهي من ومتى وما فإذا ربط بها العربي حكما اقتضى الاستغراق وكذلك الظروف المتضمنة لمعنى الشرط كقولك حيث وأين وما أشبه وكذلك ألفاظ الجموع وهي على قسمين جمع سلامة وهو ما سلم فيه بناء الواحد

وجمع تكسير وهو ما يتغير فيه بناء الواحد وهو على قسمين في اللغة

أحدهما جمع القلة والثاني جمع الكثرة كقولهم فلس وأفلس ووقت وأوقات فإذا أرادوا جمع الكثرة قالوا فلوس ووقوت فهذه مقدمات تمهد لك صيغ العموم

قال علماء الكلام على ما بينا هي موقوفة على ما يقترن بها من القرائن وقال الشافعي رضي الله عنه هي نص


75

فأما التوقيف بها فلا لظهور الحكم بالاستغراق فيها فإن من قال من دخل الدار فأعطه ( ! 2 ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات 2 ! ومن يتق الله يجعل له مخرجا & فأينما تولوا فثم وجه الله فلا إشكال في إدارة العموم فيها لغة وشرعا وإنكار ذلك قريب من البهت والوعيدية لا حجة لهم في شيء من ذلك كما تقدم بيانه

وأما قول الشافعي إنه نص فهو ضعيف لأن النص هو ما وقع البيان فيه إلى غايته والعموم لم يرتفع فيه البيان إلى الغاية وأيضا فإنه لو كان العموم نصا لكان التخصيص نسخا وهذا ما لا جواب عنه

أما كونها نصا في المستقبل فلأن رفع الكل رفع لفائدة اللفظ وذلك لا يجوز وأما كونها ظاهرا فيما فوقه فلغلبة الاستعمال فيه حتى يخص الدليل بأخص منه وقد بينا ذلك كله في التحميص

المسألة الثالثة النساء يندرجن تحت خطاب الرجال بحكم العموم
خلافا لمن قال أنهن لا يدخلن تحته إلا بدليل لأنه إذا ثبت القول بالعموم وثبت صلاح اللفظ للذكور والإناث لم يكن لامتناع تناول اللفظ لهم وجه وكذلك
76
القول في العبيد وهي المسألة الرابعة

وإنما أخرج العبيد من هذا اللفظ رؤية بعض الناس لهم يشذون عن أحكام كالحج ويخرجون عن معان كالحد وليس لهم في آية الحج لأن اللفظ لا يحتمل العبيد وكذلك آية الحد أخرجتهم عنها آية أخرى وهي قوله تعالى فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب

المسالة الخامسة

اللفظ المشترك الذي قدمنا بيانه إذا ورد مطلقا قال الشافعي رحمه الله يعمم على جميع متناولاته وكذلك الحقيقة والمجاز

وقال القاضي وأبو المعالي لا يصح حمله على أنواع المشترك ولا على الحقيقة والمجاز لأن الحقيقة ضد المجاز واللون مشترك من الضدين أيضاً فلا يجوز الجمع بينهما وهذا لا يصح لأن الضدين إنما يتضادان في محل واحد فأما في اللفظ أو في قصد القائل فلا يستحيل اجتماعهما فضعف ما قاله القاضي رحمه الله

وما قاله الشافعي لا يصح لأن العربي إذا أخبر عن اللفظ المشترك بقضية تخص بعض متناولاته أو تحتمل لم يقصد عموم الإرادة في الكل وكذلك العرب لا تطلق لفظ الأسد وهي تريد الشجاع والبهيمة إلا أن يأتي بلفظ يدل على إرادتهما معا وقد بينا أن هذا الأصل إنما أنشأه خلافا في فروع كقول العلماء عن اللمس ينقص الطهر كما ينقصه الجماع


77
لقوله الله عز وجل أولمستم وقال أبو حنيفة لا يصح أن يراد بقوله أولمستم النساء الجماع والملامسة لأنه جمع بين الحقيقة والمجاز فهذه المسألة وأشباهها أنشأت هذا الأصل وليس يمتنع أن يريد الشارع باللمس الوطء والقبلة وجس اليد وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف ونكتته في كتاب أحكام القرآن ولو كان ذلك عند العرب أمراً منكوراً لما قال سادتها من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم إن قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة
المسالة السادسة

اختلف الناس قديما وحديثا في أقل الجمع وقد ذكرنا ذلك في التمحيص وبينا ما وقع من الخلاف بين ابن عباس وعثمان رضي الله عنهما وهما رؤساء الشريعة واللغة والمحصول من ذلك أنك إذا نظرت إلى لفظ الجمع فالاشتقاق يعطي أن الإثنين جمع وإذا نظرت إلى إفراد العرب كل واحد بلفظه علمت أن أقله ثلاثة ولم يبق بعد هذا إلا قول الله سبحانه فإنه كان له إخوة فلأمة والأم محجوبة بالاثنين

فالجواب عن هذه الآية وأمثالها أن حجب الثلاثة وأمثالها كان قرآنا وحجب الاثنين كان سنة بدليل خلاف ابن عباس فيه رضي الله عنه

فالواجب عنها في التمحيص موجود ولكن مع أن للجمع لفظا يختص به وللواحد لفظا يختص به فالمختار عندنا أن جمع الإناث مختص بهم


78
لا يدخل فيه الذكور بحال وجمع الذكور تدخل فيه الإناث وبينا ذلك إذا كان الخطاب صالحا لهن وهذا أمر ثابت في اللغة والشريعة قطعاً في أمثلة الجهتين جميعاً قطعا ويقينا

وأما اللفظ المشترك إن ورد كما قدمنا معلقا بحكم يحتمل المتناولات كلها أو بعضها فهو عندنا مجمل وقد بينا ذلك كله في التمحيص

المسألة السابعة
ترك الاستفصال في حكايات الأحوال مع الاحتمال تتنزل منزلة العموم في المقال

لحديث غيلان أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي أمسك أربعا وفارق سائرهن ولم يستفصله عليه السلام عن الأوائل والأواخرة بل أطلق الأمر بالاختيار إطلاقا فكان ذلك قولا بالعموم ونصا فيه خلافا لأبي حنيفة حيث يقول إن لا يختارهن إلا على ترتيب نكاحهن وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى

المسألة الثامنة إذا ورد خطاب على سبب

اختلف الناس فيه فمنهم من قال يقصره عليه ولا يتعجى به غيره وقال بعضهم يحمل اللفظ على عمومه من غير اعتبار بالسبب

وقال علماؤنا الذي يقتضيه مذهب مالك أن الألفاظ الواردة على الأسباب على ضربين


79

الأول أن يكون اللفظ مستقلا بنفسه لا يحتاج إلى معرفة المراد منه إلى سببه

الثاني لا يعرف المراد منه إلا بعد معرفة سببه

فأما الأول فيحمل على عمومه وأما الثاني فيقصر على سببه ولا يعم بدليل وهذا التقسيم صحيح والظن فيه أنه لو عرض على سائر المخالفين لم يأبوه لأن ذكره كاد أن يكون دليله من غير افتقار إلى عضده بدليل

ومثال ذلك أن النبي سئل عن بئر بضاعة قيل له يا رسول الله إن بئر بضاعة تلقى فيها الحيض والجيف وما ينجي الناس فقال النبي خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء وفي رواية إلا ما غير لونه أو طعمه فهذا لفظ مستقل بنفسه مفهوم من ذاته نشأ بسبب لا يفتقر في بيانه إليه فهذا محمول على عمومه

ومثال الثاني ما روى أن النبي سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال أينقص الرطب إذا يبس قالوا نعم قال فلا إذا فهذا الجواب لا يفهم المراد به من لفظه حتى يعرض على سببه ويناط به

المسألة التاسعة

عزي إلى أبي حنيفة أنه قال


80

السبب الذي وردت الآية أو الخبر لا يتناوله بيانهما وهذا إنما أخذوه من مسألتين له وهما قوله

إن الحامل لا تلاعن مع أن امرأة العجلاني التي ورد اللعان فيها كانت حاملا وكذلك قال إن ولد المغربية يلحق بالمشرقي مع عدم احتمال اللقاء ولا يلحق ولد الأمة الحاضرة بالسيد وإن أقر السيد بوطئها لقول النبي الولد للفراش وللعاهر الحجر وإن كان الخبر إنما ورد في أمة وهذه مسألة غريبة المأخذ جدا لأن الخروج جدا لأن خروج السبب عن اللفظ الوارد عليه بعيد وأبو حنيفة لم يقل بهاتين المسألتين قصداً لما عزي إليه وإنما خرجتا بدليل آخر بين في مسائل الخلاف

المسألة العاشرة

إذا قال رجل أفطر فلان في رمضان فقال النبي يكفر تعلقت الكفارة بكل مفطر لأن ذلك السبب في الحكم تعليل

قال الله تعالى ( ! 2 الزانية والزاني فاجلدوا 2 ! والسارق والسارقة فاقطعوا معناه لزناهما وسرقتهما وروي أن النبي سها فسجد معناه لجل سهوه وهذا ما لا خلاف فيه


81

فإن قال رجل للنبي جامعت فقال النبي كفر فهل يلحق بالجماع إفطار الأكل أم لا

اختلف العلماء فيه على قولين

فقالت طائفة لا تلحق به لأنه ليس في معناه وقالت طائفة هو مثله لأنه إفطار على وجه الحرمة فوجبت فيه الكفارة كالجماع والمسألة مشهور في الخلاف

وقال الشافعي ليس شيء في معنى الجماع ولا يلحق به

وهي المسألة الحادية عشر

المسألة الثانية عشر اللفظ العام إذا خص في بعض متناولاته

قالت المعتزلة يكون مجملا لا يتعلق به وقال القاضي هو مجاز وقال الشافعي هو حقيقة على أصله

والصحيح جواز التعليق به إذا نسخ بعض الحكم جاز التعليق به فكيف فيما خص ولو صرح المتلفظ بالتخصيص مقرونا باللفظ ما كان ذلك مجاز يضعفه ولا إجمالاً يبطله فكذلك إذا جاء بعد حين

وبعد نجاز هذه المسائل نخوض في التخصيص المنفصل وهو القول في


82
الاستثناء وفيه ست مسائل
المسألة الأولى في حروفه

وهي خمسة إلا وخلا وعدا وسوى وغير وأمها إلا وهي تأتي بعد الإثبات والنفي فأما إثباتها بعد الإثبات فعملها النصب نقول جاء القوم إلا زيدا وقد قال بعض الناس إن عملها الرفع والصحيح الأول وما احتج به من الشعر قد تكلمنا عليه في التمحيص وأما إثباتها بعد النفي فقد تأتي والفعل بعدها كقولك ما جاءني أحد إلا زيد وفيها لغتان والقول في سائر الحرف معلوم

المسألة الثانية من شروط الاستثناء

أن يكون متصلاً بالكلام بخلاف التخصيص فإنه يجوز أن يرد بعد سنة

وعزى إلى حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنه أن الاستثناء كالتخصيص واحتجوا له بقوله تعالى والذين لا يدعون مع الله إلها أخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضعف له العذاب


83
يوم القيامة ويخلد فيه مهانا نزلت هذه الآية فلما كان بعد سنة نزل قوله تعالى إلا من تاب وذلك بعيد والرواية غير صحيحة والدليل على صحة ذلك بعيد والرواية غير صحيحة

والدليل على صحة ذلك القواعد الشريعة من الأيمان والعهود فلو كانت منحلة بالاستثناء بعد عام وأكثر منه لما كان لعقد اليمين محل ولا كان لأخذ العهود موضع ولا كان للكفارة إجزاء ومثل هذه القاعدة لا تنهدم بما احتجوا به من تأخير الاستثناء عن الآية لأنها كانت موصولة في أم الكتاب وفي العلم الأول وفصلت في إعلامنا لحكمة بالغة ومثاله لو أن رجلا كتب يمينه مستثناه وأشهد عليها ثم إنه أخبر بها مفصولة عن ما كتبها لم يضره ذلك

المسألة الثالثة من شرط الاستثناء ألا يرجع إلى جميع الكلام السابق

فإن رجع إلى معظمه قال القاضي لا يجوز والصحيح جوازه وأما رجوعه إلى الجمع فمحال لأنه تناقص في الكلام

وقال القاضي رجوعه إلى المعظم مثله وليس بصحيح لأنه قد أبقى ما استقل بالخبر بلى إنه قبيح لكن أمر قبحه لا يمنع جوازه كقوله عندي عشرة إلا خمسة وربع ثمن وثمن سدس عشر ثمن سدس وما أشبه ذلك من التجزئة الركيكة وذلك قببيح لكنه جائز

المسالة الرابعة الاستثناء من الاستثناء جائز

خلافا لبعض الناس وهو إبقاء على الحالة الأولى ورد الكلام إلى أوله كقوله عندي عشرة إلا أربعة اثنين وكقوله لزوجته أنت طالق


84
ثلاثا إلا اثنين إلا واحدة فتكون ثنتين وقد اخبر الله تعالى في القرآن فقال إلا الوط إلا امرأته
المسألة الخامسة من شرط الاستثناء أن يكون من الجنس

فإن كان من غير الجنس لم يفهم لغة ولا جاز حكما

وقد روي عن الشافعي أنه قال في رجل قال له عندي مائة دينار إلا ثوب فإنه يقبل منه ويفسر قيمة الثوب ويحط من جملة المائة لأن المالية تجمعهما وهذا ضعيف فإن الاستثناء إنما هو مأخوذ من التثنية وهو التكرار تقول ثنيت كذا إذا جعلته اثنين وكيف يصح أن يكون ذلك في غير الجنس ولو سمعت العرب استثناء من غير الجنس لما عدته من كلامها ولا راجعت عليه مخاطبها

المسألة السادسة

الاستثناء إذا عقب جملا اختلف الناس فيها من قال إنها ترجع إلى الجمل كلها وهم الأكثر ومنهم من قال ترجع إلى آخر جملة وهو أبو حنيفة وأصحابه

ويظهر ذلك في مسألتين

أحدهما شهادة القاذف إذا تاب قال الله تعالى فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا الآية ثم قال إلا الذين تابوا


85

وكذلك أيضا لو قال في الوصية ثلث مالي للفقراء بني بكر وتغلب وزهرة إلا من كان ملحفا في مسألته رجع هذا الاستثناء عندنا إلى الجميع ورجع عنده إلى زهرة خاصة وهي مسألة نحوية لا حظ لغير النحو فيها وذلك إنه لا خلاف أن المعطوف يشرك المعطوف عليه فيما وقع الخبر به عنه وظن أبو حنيفة أن ذلك بمنزلة الضمير الذي يرجع إلى اقرب مذكور فيختص به ومنها ما يحتمل الرجوع إلى ما تقدم فيحكم كذلك به وباب العطف بخلافه لأنه لا احتمال فيه لغير الاشتراك


86
كتاب التأويل

قد تقدم بيان أقسام الألفاظ في البيان فأما النص فلا يسقط إلا بأزيد منه وأقوى

وأما الظاهر فيسقط بمثله وأما المجمل فلا اعتبار به وأما العموم إذا ثبت فهل يخصه ما هو أدنى منه أم لا

اختلف الناس في ذلك على أقوال كثيرة وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى ونكشف قناع التأويل بالإشارة حتى يقع غاية الوضوح نهاية العبارة في عشرين مسألة

المسألة الأولى في بيان المحكم والمتشابه

وقد اختلف الناس في ذلك على أقوال كثيرة بيناها في كتاب المشكلين

فمنهم من قال إنها آيات الوعيد ومنهم من قال إنها آيات القيامة ومنهم من قال إنها أوائل السور ومنهم من قال إنها الآيات التي تمتنع بظاهرها على الله تعالى كآية المجيء والإتيان وغيرها

والصحيح إن المحكم ما استقل بنفسه والمتشابه ما افتقر إلى غيره مما فيه شبهة منه أو من سواه إلى المحكم لأنه الأم التي إذا رد إليها الولد علم نفس

قال الله تعالى منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشبهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشبه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله


87
والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب

وقدم الله تعالى من يريد أن يتبع المتشابه بنفسه طلبا لفهمه حتى لو رده إلى الأم وهو المحكم لوجد معناه فيه وكان محموداً وبذلك يكون في جملة الراسخين في العلم الذين يؤمنون به أولا عند سماعه ويعرفونه آخر عند التذكرة برده إلى أم الكتاب

المسألة الثانية آية الاستواء

آية الاستواء اختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال

ومنهم من قال تمر كما جاءت ولا يتكلم فيها

ومنهم من قال إنه يتكلم فيه

ومنهم من قال إنه يتكلم فيها مع من يتحقق حسن معتقده وطلب إرشاده

ويروى ذلك عن مالك بن أنس لأنه قال لرجل سأله عن الاستواء الاستواء معلوم والكيفية مجهولة وأراك بدعيا

ومنهم من أطلق القول فيه قصدا البيان منهم سفيان بن عيينة قال وقد سئل عن قوله الرحمان على العرش استوى لهذه الآية وقوله تعالى ثم استوى إلى السماء وهى دخان سواء .


88

وقد جمعنا من أقوال العلماء في هذه المسألة خمسة عشرة قولا أشبهها بكم الآن أن معنى العرش المخلوقات بجملتها أو يكون معناه أنه يكون معه على العرش شيء موجود آخر

المسألة الثالثة

اختلف الناس في جواز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد فمنعت منه المعتزلة لأن القرآن مقطوع به وخبر الواحد مظنون وقال القاضي أنا أتوقف فيه ومال الفقهاء بأجمعهم إلى جواز تخصيصه به

أما المعتزلة فقالوا لما كان القرآن مقطوعاً به وخبر الواحد مظنون لم يجز أن يخصص المظنون وهذا لا يصح فإن القرآن وإن كان مقطوعاً بأصله فإن فحواه مظنون كخبر الواحد فيتساويان

وأما القاضي فقال إن خبر الواحد مظنون أصله مقطوع بفحواه والقرآن مقطوع أصله مظنون فحواه فتعارضا فوجب التوقف وهذا لا يصح فإن خبر الواحد مقطوع على وجوب العلم به مقطوع على فحواه


89
يصح في التخصيص فيرجع على عموم القرآن والذي يؤكد ذلك ما روى من قبول الصحابة رضوان الله عليهم لتخصيص عموم آية المواريث بحديث أبي بكر رضي الله عنه في حق النبي حين قال سمعته يقول لا يورث ما تركت بعد نفقته عيالي معونة عاملي فهو صدقة
المسألة الرابعة

إذا روى الراوي حديثا ثم تأوله على خلاف ظاهره وجب الرجوع إليه لأنه افهم بالمقال وأقعد بالحال

فإن أفتى بخلاف ما روى أو رد الحديث أصلا قال بو حنيفة والقاضي وأحد قولي مالك يسقط الحديث لأن 1 لك تهمة فيه واحتمال أن يكون قد سمع ناسخة إذ لا يظن به غير ذلك

وقال الشافعي ومالك الحديث مقدم على فتواه وهذا هو الصحيح مثاله ما روى ابن عباس عن النبي إنه قال من بدل دينه فاقتلوه ثم أفتى بأن المرتدة لا تقل فخص الحديث في فتواه

وإنما قلنا ذلك لأن الحديث إذا كان عرضة للتأويل وغيره ذلك سواء وإنما يتفاضلون بصحة السماع وجودة القريحة وذلك مما لا يقدح في النظر ولا يؤثر في طريق الاجتهاد


90
المسألة الخامسة

قال أصحاب أبي حنيفة رحمه الله الزيادة على النص نسخ وقالوا إن الله تعالى شرط الإيمان في كفارة القتل وأطلق القول في كفارة الظهار فلو حملناه عليه لكانت زائدة في النص وذلك نسخ فوجب أن يحمل هذا على إطلاقه ويخلى ذلك تقييده

وقال علماؤنا الزيادة على النص لا تكون نسخا ونحل وبعض المتأخرين وهو القاضي هذه المسألة فقال

إن غيرت الزيادة حكم الأصل كانت نسخا فإن أبقته على حالة وأفادت غيره لم يكن نسخاً احتجوا بأن قالوا إن الحكم كان يجزي قبل الزيادة فإذا جاءت الزيادة فمنعت من الأجزاء كانت تبديلا وذلك هو النسخ

الجواب أن نقول هذا أن صح يلزم النبي أن يبين الشرائع دفعة واحدة وذلك ساقط إجماعا

على أنهم قد نقضوا هذا فإنهم قالوا لا تجزى الأخرس في الظهار وذلك زيادة في النص وشرطوا السلامة من العيوب المنقصة المجحفة وذلك زيادة في النص وقالوا بجواز إعتاق المكاتب في كفارة الظهار وذلك نقصان من النص فما راعوا اللفظ في طرق الزيادة ولا في طرق النقصان

وفي هذه المسالة بعينها يدخل أصل آخر من أصول الفقه وهو حمل المطلق على المقيد وسيأتي بعد نجاز هذا الباب إن شاء الله تعالى


91
المسألة السادسة

قال رسول الله لا صيام لمن لم يؤرض القيام من الليل فحمل أبو حنيفة هذا الحديث على القضاء وحده وقال إن التطوع والفرض يجزه بصوم نية من النهار

وهذا من أفسد التأويلات فإن اللفظ خرج مخرج العموم والاستغراق بحرف النفي المتصل بالنكرة المقتضي للعموم لغة فلو أخرج منه بالقياس صوم لجاز أو كاد أن يجوز فأما أن يهدم مثل هذا اللفظ ويسقط جميع متناولاته إلا واحدا فهذا لا يجوز في كلام حكيم ومن هذا القبيلِ

المسالة السابعة

قال رسول الله أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل فإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له

قال أبو حنيفة المراد بهذا الحديث الأمة لأن الحرة عنده تنكح نفسها وليس لأحد في ذلك كلام فإنما أفسد عليه هذا بأن لفظ أي موصول بما بموضوع للعموم وإنه إذا اتصل بنكرة كقولك امرأة تأكد العموم فكيف يظن بالشارع أنه جاء بهذه القاعدة العامة المستغرقة


92
ويقال قصد بذلك بيان حكم الأمة إذا استبدت بإنكاح نفسها دون مولاها

وحين حس بهذه المضايقة قال المراد بذلك المكاتبة فبينما كان حاملا للحديث على أقل الجنس وهي الأمة حمله على أقل القليل وهي المكاتبة من جنس الإماء وهذه كلها منازعة فاسدة التأويل يجب عليكم أن تحذروها

المسألة الثامنة

قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه الآية إلى آخرها وهذه الآية من أمهات الكتاب وقد بينا تأويلها وتفصيلها في كتاب الأحكام بيد أن أبا حنيفة جاء فيها ببيضة العقر فقال إن سهم ذوي القربى لا يحصل لهم إلا بعد اتصافهم بالحاجة ووصف الحاجة قد جاء مفصلا مفسراً بالمساكين وقال مالك يجوز أن يعطي الخمس لغني واحد ويسقط منه الستة الأصناف التي سماها الله فيه فأما ما ذهب إليه مالك من إساقط الأمة رأسا فليس من كتاب التأويل الذي نحن فيه وإنما بيناه في الأحكام وأما أبو حنيفة الذي شرط مع القرابة الحاجة فهذا من باب التأويل الذي نحن فيه ولكن يفسد مذهبه بما تقدم من أصله الذي مهده بزعمه وهو أن الزيادة على النص نسخ فكيف زاد هو هاهنا الحاجة على القرابة ونقص أصله ولا عذر له في هذا ها هنا


93
المسألة التاسعة

قال الله تعالى في كفارة الظهار فإطعام ستين مسكينا

قال أبو حنيفة إن أطعم مسكينا واحداً قوت ستين مسكينا أجزأه فأسقط العدد رأٍ سا وقد وقع البيان له نصا قال وتقدير الآية فإطعام طعام ستين مسكينا لأن أطعم من الأفعال التي يتعدى إلى مفعولين تقول أطعمت زيداً طعاما ولا يصح أن يكون تقدير الآية هكذا لكان الحكم محملا لأن الطعام غير مبين فجاءت الآية للبيان فوجب تقديرها كما قلنا قال علماؤنا المقصود بالآية بيان مقدار الطعام بأعداد المساكين فأما تقدير الطعام فموكول للعرف وهو أحد أدلة الشرع أو إلى البيان الواقع في آية كفارة اليمين والأول أولى

المسألة العاشرة

قال أبو حنيفة تؤخذ الزكاة من الخضروات والمقاصب والنابتات انتزاعا من قوله فيما سقت السماء العشر وفيما سقي بنضح أود إليه نصف العشر

قال علماؤنا هذا الخبر لم يقصد به عموم الجنس وإنما قصد به تقسيم التفصيل بين ما فيه مؤنة كثيرة وبين ما فيه مؤنة قليلة والعموم معترض عنه فكيف يصح أن يؤخذ منه ولو جاء الحديث مطلقاً فيما


94
سقت السماء العشر لكان لهم فيه متعلق وأما وقد نوع وقسم فقد انكشف الغطاء لأن العموم ليس فيه خط

المسألة الحادية عشرة

قال النبي في سائمة الغنم الزكاة

فاستقرأ الشافعي من مفهومه سقوط الزكاة عن المعلوفة والدواجن المستخدمة لأن النبي لما ذكر الحبوب والنقود ذكرها مطلقة ولما ذكر الغنم ذكرها مقيدة بالسوم وما قيده النبي لا يصح إلغاؤه

وقال علماؤنا إن هذا استقراء حسن واستدلال صحيح ولكن عارضه قول النبي في كل أربعين شاة شاة مطلقا فتعارض العموم والمفهوم فنشأت هاهنا عضلة من الترجيح فرجح الشافعي المفهوم ورجح مالك العموم وترجيح مالك برأي الفقهاء الذين يقولون بالعموم أولى لأن الدليل اللفظي مقدم على المعنوي اتفاقا وبقية المسألة في كتاب الترجيح

المسألة الثانية عشر

قال النبي في خمس من الإبل شاة


95
فقال أبو حنيفة يقوم المالك الشاة الواجبة عليه بتقويم الوسط فيخرجه عنها فتحريه اعتمادا على ما فهم من أن المقصود في الزكاة سد الخلة ورفع الحاجة فكل ما أجزي فيها جاز عنها

قال علماؤنا هذا باطل من ثلاثة أوجه

أحدها أن أبا حنيفة أجرى القياس في هذه العبادة ونطاق القياس في العبادات ضيق وإنما ميدانه المعاملات والمناكحات وسائر أحكام الشرعيات والعبادات موقوفة على النص

الثاني أن هذا التعليل الذي أشار إليه يسقط الأصل ومتى أسقط التعليل أصله الذي ينشأ عنه سقط في نفسه وهذه نكتة يجب شد اليد عليها

الثالث أن هذا التعليل الذي أشار إليه يعارضه تعليل آخر أولى منه وأقوى وهو أنا وإن سلمنا أن الغرض من الزكاة سد الخلة إلا أن منها مع سد الخلة غرضا آخر وهو مشاركة الغني الفقير فيما به يكون غنيا حتى يستوي الحال ويحصل في أيدي الأغنياء من ذهب وحب الحيوان وعلى مذهبهم يقع الاستئثار بالأجناس كلها وهذا بين لمن انصف

المسألة الثالثة عشر

قال الله تعالى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين


96
فقرأها نافع رحمه الله وأرجلكم برفع اللام وروي عنه في المشهور أنه قرأها بفتح اللام كغيره من الجماعة

وقرئت أيضا وأرجلكم بالخفض

فهي ثلاثة صور في ثلاثة لغات لا يمكن سواها

فأما الرفع والنصب فباب التأويل فيه مفتتح ومنهجه متضح وأما خفض اللام فسلك فيه الإمام محمد بن جرير الطبري خلاف مسلكه من فهم التنزيل وتحقيق التأويل وقال أنه محمول على الرأس لفظا ومعنى لقولهم في الأمثال هذا حجر ضب خرب

وكقول أبي كبشة

( كأن كثيرا في عرانين وبلة
كثير أناس في بجاد مزمل

وهذا من التأويل الركيك وقد بينا منتحاه في الكتاب المنحي والعمدة فيه أن الخفض على الجوار فاسد وعلى فساده إنما يجري في الأوصاف لا في المعطوف

وإما الباب العطف فالغرض منه التشريك في الخبرين من أخبر به عنه فيجوز أن يبقى لفظا في ذلك التشريك وإن اختلفا معنى في حال ذلك التشريك كقولهم شراب ألبان وتمر وأقط ولا يشرب إلا اللبن وقولهم ورأيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحا وإنما يتقلد السيف وحده


97

ولو لم تتظافر السنة في الأرجل لحكم بما اقتضته الآية بقراءة الجر على أن بعض علمائنا قال إن آية الجر مفيدة حكم المسح على الخفين وقراءة النصب والرفع مفيدة حكم غسل الرجلين وهذه الأوجه أقوى في الدليل وأولى في التأويل

المسألة الرابعة عشر

قال رسول الله من اشترى مصراة فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها ثلاثا إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها ورد معها صاعا من تمر

واختلف الناس في هذا الحديث على ثلاثة أقوال

فمنهم من قضى به على ظاهره وأمره على لفظه

ومنهم من رد بعضه وهو أشهب

ومنهم من رد جميعه وهو أبو حنيفة

ولا عذر لأشهب في رده لأنه قال إن ردها لم يرد معها شيئا لأن النبي الخراج بالضمان والخراج بالضمان حديث صحيح ثابت من طريق عائشة رضي الله عنها وحديث المصراة ثابت من طريق أبي


98
هريرة وابن عمر لكن حديث الخراج بالضمان عام وحديث المصراة خاص ولا يصح لذي لب القضاء بالعام على الخاص ولا قال به أحد

وأما أبو حنيفة فقال إنما رددت جميعه لأنه يخالف الأصول ووجه مخالفته الأصول إنه أثبت الرد من غير عيب ولا شرط والرد في المبيع إنما يكون شرط البائع أو عيب يطلع عليه المبتاع وهذا لم يشترط لبونا ولا فقد كثرة اللبن عيب لأن فقد أصله ليس بعيب ففقد وصفه أولى أن لا يكون عيبا

وأيضا فإنه قدر الخيار بثلاثة أيام وخيار الرد بالعيب لا يتقدر بوقت وأيضا فإنه ضمن اللبن بالطعام والشيء إنما يضمن بمثله أو بقيمته من النقد فإذا خالف الأصول كيف يجوز أن يقبل

وعند علمائنا إذا جاء الخبر مخالفا للأصول كان أصلا بنفسه مستثنى من غيره وأبو حنيفة يقول بالاستحسان وهو دليل مستنبط يخالف الأدلة فخبر منصوص يخالف الأدلة أولى أن يتبع على أنا نقول إن هذا الحديث لا يخالف الأصول بل هو مستمر عليها حسب ما بيناه في كتاب الإنصاف

المسألة الخامسة عشر

إذا قيل للمالكي هل تزوج المرأة نفسها فقال لا فقيل له ما الدليل على ذلك فقال قول النبي أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل الحديث


99

فيقول له الحنفي هذا الحديث حجة عليك لأن النبي قال بغير إذن وليها وأنت لا تجوز لها النكاح وان أذن لها وليها فحينئذ يتردد جواب المالكي المستدل بين الجدل والمفاقهة

فأما الجدل فيقول هذا الذي اعترضت به هو إلزام دليل الخطاب وأنت لا تقول به وأنا أقول به مالم يعارضه ماهو أقوى عندي منه فيسقط

وأما المفاقهة فهو أن يقول العلماء إنما اختلفوا في هذه المسألة على قولين

أحدهما إن المرأة تزوج نفسها من غير ولي

والثاني عن الولي يتولى زواجها بإذنها فأبطل النبي القسمين وهو استقلالها بالنكاح فتعينت صحة القسم الآخر والتنويع والتقسيم الذي ألزمتم لم يقل به أحد ولا يقال فلا فائدة للتعلق به

المسألة السادسة عشر

حكم رسول الله كحكم كلام الباري تعالى في أنه محمول على الحقيقة في الأصل ولا يحمل على المجاز إلا بدليل

والمجاز على قسمين منه مستعمل غالب ومنه غريب نادر فأما المستعمل الغالب

فهو الذي تحمل عليه آيات الأحكام وأخبارها

وأما الغريب النادر

فإنما يحمل عليه آيات المواعظ والتذكير والتخويف والتهديد وهذا أصل بديع في التأويل فتقلدوه واستعملوه


100

المسألة السابعة عشر

فقال النبي أيما إهاب دبغ فقد طهر

فقال أبو يوسف رحمه الله إن جلد الخنزير يطهر بالدباغ أخذا من هذا العموم وهذه زلة قدم لكثير من المتأولين فإن العموم وإن نفاه قوم وقال به آخرون أو قام الدليل على وجوب تعميمه فالقائل بالعموم والعموم المدلول عليه إنما يحمل على ما يستعمل شائعا ويجرى عادة وينصرف كثيرا

وأما ما لا يخطر في بال المعمم ولا ببال السامع المبين له لا يصح لحكيم أن يقول أنه داخل تحت العموم وهذا لا يختص به كلام الشارع بل هو جار في كل كلام عربي محكم على هذا السبيل

المسألة الثامنة عشرة

قال النبي المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ويرد عليهم أقصاهم وهو يد على من سواهم ألا ويقتل مسلم كافرا ولا ذو عهد في عهده فلما سمع الكوفيون هذا الحديث أساؤوا فيه التأويل فقالوا إن المسلم إذا قتل ذمي قتل به قصاصا فقيل لهم فما فائدة الحديث فاختلفوا على قولين


101
فمنهم من قال إنما لا يقتل المسلم بالمستأمن وأما الذمي الذي صار من أهل الدار وثبتت له عصمة الذمة على التأبيد فهو متساو للمسلم في العصمة

فمنهم من قال يقتل بالمستأمن كما يقتل بالذمي وهو الأقل منهم وأما الذي يقتل به هو الكافر الحربي وهذا من ركيك التأويل

وأما من قال منهم إنما لا يقتل بالحربي فهو تلاعب بالشريعة فإن الحربي مأمور بقتله وكيف يأمر الله تعالى بقتله ويحتاج إلى بيان في نفي القصاص عنه

وأما من حمله على المستأمن فهو من قبيل تأويل المسألة التي قبلها فإن أهل الذمة هم المخاطبون وهو المقصودون وهو المنافسون في الدار والمتوقع منهم إراقة الدماء وأخذ الأموال ففيهم وقع البيان

وأما المستأمن الذي يقيم يوما أو شهرا أو أقل فلا منافسة معه بل ربما لا يخطر بالبال فكيف أن يجعل مقصودا في تأويل حديث ورد قاعدة

المسألة التاسعة عشر

روى علماؤنا أن النبي قضى باليمين مع الشاهد فقال أبو حنيفة هذا الحديث باطل ولو صح لما قلنا به لأن الله تعالى قد أحكم الفصل بين المتنازعين قرآنا وسنة

أما القرآن فقوله تعالى فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى فاستوى البيان


102
والتعليل وقال النبي ممهدا لقاعدة الأحكام لو أعطي الناس بدعاويهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم لكن النية على المدعي واليمين على من أنكر وفسر رسول الله للأشعث في خصامه فقال شاهداك أو يمينه فهذا منتهى معتمدهم وهو قوي جدا لكم إمام دار الهجرة اهتبل به لقوته وخف بالرد عليهم من جميع جوانبه وفارق عادته في تعليل الكلام فأطنب في الرد عليه في نحو ورقتين ومعتمد ما قال أن يقال له إن الله تبارك مهد سبيل الأحكام كما قلت وأوضحها وهي البينة أو اليمين وهما الشاهدان أو الحلف فأنت أولى من هدمه حين قلت إن المنكر إذا نكل عن اليمين قضى عليه الغرم بغير كتاب ولا سنة وفي أي دليل وجد هذا العزم بدلا عن اليمين والشاهد واليمين إلى الشاهدين أقرب من العدم إلى اليمين هذا لباب كلامه رضي الله عنه وهو الغاية في الباب

المسألة الموفية عشرين

روى عن أبي هريرة أن النبي نهى عن الغرر وفي بعض ألفاظه عن بيع الغرر فاختلف العلماء في بيع الغرر المنهى عنه اختلافا متباينا وهو أصل كتاب البيوع الأربعة والتطويل المبين يجتمله هذا الموضع ولكنا نشير إلى نكتة تكشف سبيل التأويل في هذا


103
الغرض فنقول إذا قال الرجل لصاحبه بعتك الثوب الذي في كمي فقال مال والشافعي لا يجوز لأنه غرر والغرر مما تعبدنا بنفيه في البيع وقال أبو حنيفة هو جائز وإذا رآه ثبت له الخيار حكما من غير شرط ووهم عبد الوهاب في هذه المسألة وهما بيناه عليه في كتاب الإنصاف نكتته أن مالكا يقول في هذه المسألة إنها جائز بشرط الخيار فراعى الشافعي تنزيه العقد عن الغرر وراعى مالك رحمه الله تنزيه اللزوم عن الغرر وأسقط أبو حنيفة المراعاة كلها لكنه ادعى أن الله تبارك وتعالى أثبت له الخيار من غير شرط اعتمادا لقوله من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه قال علماؤنا هذا الحديث يرويه عمر بن إبراهيم الكردي وهو يضع الحديث ويكذب وقد خرجه الدارقطني رحمه الله وأبطله وإذ قد نجز الموعود به من كتاب التأويل فقد تعين الأخذ في كتاب المفهوم
104
كتاب المفهوم

المفهوم على ضربين

مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة

فأما مفهوم الموافقة فهو متفق عليه عند العلماء وهو كقوله تعالى فلا تقل لهما أف فهو منه تحريم الضرب قطعا وكقوله عز وجل ومن أهل الكتاب من أن تأمنه بقنطار يوده إليك فهم منه أداء الدينار قطعا على وجه غريب بيناه في كتاب التمحيص

وكقوله إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة موجودة فالقول بما قال البائع أو يترادان فهو منه إن ذلك مع هلاك السلعة

وأما مفهوم المخالفة فهو ما اختلف فيه الناس فقال به الشافعي ومنعه أبو حنيفة ونسب أهل المقالات إلى مالك أنه يقول به

فأما الشافعي فاحتج له أصحابه فإنه منقول عن أئمة اللغة كأبي عبيدة وغيره وذكروا أيضا آيات من القرآن لا متعلق فيها وأخبار محتملة بخلاف ما رأوا منها ولا بد من تحقيقه أولا


105
فنقول ذكر القائلون به أن مفهوم المخالفة هو تعليق الحكم على أحد وصفي الشيء فيدل على الأخذ بخلافه كقوله في سائمة الغنم الزكاة فيقتضي ذلك أن المعلوفة بخلافه وكذلك التخصيص بالمكان والزمان والعدد فيدل على أن ما عداه بخلافه أيضا وقال القاضي أبو بكر إذا قلت الصفة أغناك من الزمان والمكان والعدد لأنها كلها أوصاف للأعيان والمقصود منها لا يتبين إلا بذكر أمثلة فنقول إن الحكم المنوط بالصفة لا بد أن يعلق بشرط كقوله إن جاءك أخاك فأكرمه فهذا مما يظهر فيه تعلق افكرام بالمجيء وقد قال يعلى بن أمية لعمر رضي الله عنه إن الله سبحانه يقول فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوة إن خفتم وها نحن فقد آمنا فما بالنا نقصر فقال له عمر سألت رسول الله كما سألتني فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته فهذه الصحابة والخلفاء رضي الله عنهم وهو أعيان الفصحاء قد فهموا تخصيص الحكم المعلق على الشرط بوصف الشرط وأما الحكم المعلق بالتعليل كقولك أكرمه لإكرامه لك فلا خلاف فيه

فأما الحكم المعلق بالوصف كقوله الغنم الزكاة كقوله تعالى من فتيتكم المؤمنت فلا نقول إن الحكم هاهنا فهم من دليل الخطاب وإنما أخذ من عموم الشريعة وهو قوله في سائمة الغنم الزكاة وخص السائمة لأنها الأكثر في موضع آخر


106
وقال الله تعالى ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن فثبت التحريم في كل كافرة ثم جاء قوله تعالى والمحصنت من الذين أوتوا الكتب من قبلكم فثبتت الرخصة بهذا النص في حرائر الكتابيات وبقي التحريم في بقية الكافرات على ظاهره وأما اللقب المجرد كقوله في الغنم الزكاة فلم يقل أحد أن البقر بخلافها من هذا اللفظ إلا الدقاق من أصحاب الشافعي وهو محجوج بالإجماع قبله مع إن اللغة لا تدل عليه

مسألة

قال الله تعالى وإن خفتم شقاق بينهما الآية فخص الخلع بحالة الشقاق واتفق العلماء أنه جائز مع الألفة وألزما من قال بدليل الخطاب ومن نفاه قالوا وكانت الحكمة في ذكر الشقاق مع جواز الخلع مع عدمه أنه الغالب من أحواله فجرى الكلام على الغالب وألحق به النادر لأنه مثله في توقع التقصير عن إقامة حدود الله تعالى

مسألة

قال رسول الله تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم فقال علماؤنا لا يجوز التعظيم ولا التسبيح بدلا من التكبير وقال أبو حنيفة رحمه الله يجوز افتتاح الصلاة بكل ذكر لأن ذكر التكبير لا يقتضي أن غيره بخلافه وحمل علماؤنا هذا الحديث على طريقين


107

أما أحدهما فقالوا إنه دليل الخطاب وردوا المسألة إليه

الثاني أنهم قالوا هذه عبادة وقد عينت للتكبير وعين لها فإلحاق غيره به من باب القياس ولا مدخل له في العبادات

والمختار عندي أنه من باب الحصر وإنما كان يكون من باب دليل الخطاب على خلاف أيضا لو قال التكبير تحريهما وسنضرب لذلك مثالا لغويا صناعيا يستروح إليه الناظر فنقول إذا تعاوض قوم مع رجل في الآخوة والصداقة فيه وإذا قال لهم زيد صديقي وهو قد علموا زيدا فإنما فائدة إعلامهم بصداقته زيد المعلوم لديهم ولو حصر الصداقة فيه

مسألة قال رسول الله لأصحابه رضي الله عنهم وقد بال أعرابي في المسجد صبوا عليه ذنوبا من ماء فقال بعض علمائنا ذكره للماء دل على أن الخل بخلافه وقال أصحاب أبي حنيفة إن الخل في معناه فباطل جدا لأن الخل ليس في معنى الماء لا صورة ولا معنى لأن الماء ينظف والخل يلوث وكذلك يستنكف ثوبا فيه خل طبعا كما يستنكف ثوبا فيه بول شرعا

والدليل القاطع على ذكره ذلك افتراقهما في الورود فإن النجاسة إذا وردت على الماء الكثير غلبها وإذا وردت على الخل الكثير غلبته


108

وأما قول من قال من أصحابنا ذكره للماء يدل على أن الخل بخلافه فقد بينا فساده لأن الماء لقب ولا دليل للألقاب وإنما اختلف الناس في الأوصاف كما بيناه

باب حمل المطلق على المقيد

حمل المطلق على المقيد مما جازت عادة علمائنا بذكره في تخصيص العموم وليس منه وهو على ثلاثة أقسام

أحدهما أن يختلفا ذاتا وسببا كسائر أنواع الشريعة فهذا ممالا يختلف في أنه لا يحمل أحدهما على الآخر

الثاني أن يتفقا ذاتا ويختلفا سببا ككفارة القتل والظهار

الثالث أن يتفقا سببا ويختلفا ذاتا كالوضوء والتيمم إلى المرافق

ومنهم من قال يكون كل واحد منهما على إطلاقه وتقييده حتى يدل الدليل على إلحاق أحدهما بالآخر وهو أظهر قول المالكية ولا يلقى في الشريعة دليل على وجوب حمل المطلق على المقيد حتى يكون مطلقا ولا يتصور ذلك فيه وإنما يحمل كل واحد منهما على صاحبه بدليل يقتضيه ولهذا خالف الخاص العام فإنهما إذا تعارضا حمل العام على الخاص من غير نظر في دليل سواهما وقد بسطنا هذا الغرض في التمحيص وهذا محصوله والله أعلم


109
كتاب الأفعال

أفعال الأنبياء صلوات الله عليهم كأقوالهم في أنها حق لأنهم لا ينطقون عن الهوى كذلك لا يفعلون بمقتضى الهوى ولكن لا بد من مقدمة في ذكر أحوالهم ينبني عليها ذكر ما يتعلق به أفعالهم

فنقول اتفقت الأمة على عصمة الأنبياء صلوات الله عليهم عن الكبائر واختلفوا في طريق ذلك وفي وقته واختلفوا في الصغائر فمنهم من جوزها ومنهم من منعها وكان ظواهر الكتاب الآيات تدل على اقترافهم لصغائر الحظيات وقد بينا وجوب عصمتهم على الإطلاق من كل معنى وفي كل شيء وفي كل حال في موضعه وعلى هذا الذي اخترناه ينبني القول في مسائل الأحكام وهي خمس

المسألة الأولى

لا خلاف بين الأمة أن أفعال رسول الله ملجأ في المسألة ومفزع في الشريعة وبيان للمشكلة فقد كانت الصحابة رضي الله عنهم تبحث عن أفعاله كما تبحث عن أقواله وتستقريء جميع حركاته وسكناته وأكله وشربه وقيامه وجلوسه ونظره ولبسته ونومه ويقظته حتى ما كان يشذ عنهم شيء من سكونه ولا حركاته ول لم يكن ملاذا ولا وجد فيه المستعيذ معاذا لما كان لتتبعه معنى وهذا فصل لا يحتاج إلى الإطناب فيه وإنما الذي اختلفوا فيه كونها محمولة على الوجوب أو على الندب وهي

المسألة الثانية

اتفق علماؤنا رحمة الله عليهم على تصدير هذه المسألة بقولهم اختلف الناس في أفعال رسول الله فمنهم من قال إنها محمولة على


110
الوجوب ومنهم من قال إنها محمولة على الندب وهذا يفتقر إلى تفصيل فنقول إن أفعال رسول الله لا يخلوا موردها من ثلاثة أحوال

إما أن ترد بيانا لمجمل إما أن ترد منشأة فيما طريقة القرب إما أن ترد منشأة في تقلبات الأدمي ومتصرفاته التي لا غنى عنها في جبلة الآدمي

فأما إن وقعت أفعاله بيانا لمجمل فهي تابعه لذلك المجمل بأن كان واجبا فواجبا وإن كان ندبا فندبا كقوله صلوا كما رأيتموني أصلي في بيان الصلاة وكقوله خذوا عني مناسككم في بيان الحج ونحو منه قوله قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ثم لما رجم رسول الله أسقط الجلد وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى

وأما وقوعه في منشأة العبادات ففيه يقع الخلاف بين الوجوب والندب والصحيح أنه على الندب لأنه الأصل واليقين حتى يأتي ما يدل على الزيادة عليه

وأما أفعاله التي وقعت منشأة في جبلة الآدمي فهي على الندب في قول المحققين وقال بعضهم إنها على الوجوب وهو قول ضعيف ورد بعض الأحبار من المتأخرين فقال إنها لا حكم لها ولا دليل فيها وهذه هفوة شنعاء فإن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على بكرة أبيهم على


111
الاقتداء برسول الله في نومه وأكله ولباسه وشرابه ومشيه وجلوسه وجميع حركاته فاعتقادها لغوا من هذا الحبر المتأخر هفوة وسهو

المسألة الثالثة

إذا اختلف أفعال رسول الله في نازلة على وجهين مختلفين فصاعدا فإن العلماء اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال

منهم من قال بالتخيير ومنهم من أجرى الفعل مجرى القول فحكم بتقديم الفعل المتأخر على الفعل المتقدم ومنهم من رجح أحد الفعلين بدليل آخر من قياس أو غيره ومثال ذلك ما روي عنه في صلاة الخوف فإنه صلاها على أربع وعشرين صفة منها ستة عشر صلاة فقال أحمد بن حنبل أنت مخير فيها وقال بعضهم إذا علمنا أخرا منها قدمناه على الأول وقال مالك والشافعي كلما كان أشبهه بأهبة الصلاة وأقرب إلى هيئتها فهو مقدم على غيره

والصحيح عندي أن النبي ما خالف بينهما وإنما أقامها على حساب ما أعطته الحال من القيام بفرض الصلاة مع الاحتراس من هجمة العدو فيكون العمل الآن بحسب ذلك

المسألة الرابعة

إذا تعارض قول وفعل فاختلف الناس فيه فمنهم من قال الفعل أولى لأنه أقوى ومنهم من قال القول أولى لأن له صيغة ولا صيغة للفعل


112
ولأن القول يتناول أشياء كثيرة والفعل يختص بصورته ومثاله ما تقدم من حكمة رسول الله في الثيب الزاني الجلد والرجم قولا ثم أسقط الجلد فعلا

ومالك رحمه الله يختلف فتاويه فتارة يقدم القول وتارة يقدم الفعل وذلك بحسب ما يطيعه الدليل المغاير لهما فدل على أن مذهبه يقتضي أنهما متعارضان تعارضا مستويا فيجب طلب الدليل في غيرهما والصحيح في النظر أن القول أقوى لأنه احتمال فيه والفعل محتمل فلا يترك الصريح للاحتمال بأبهة هيئته

المسألة الخامسة

إذا سكت رسول الله عن قول سمعه أو فعل غايته كان دليلا على أنه حق ولا خلاف فيه بين العلماء ولكنهم لم يصرحوا عن دليله ولا كشفوا عن سببه ومثال قول الغيور لرسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتله أتقتلونه أم كيف يصنع وأما السكوت على الفعل فأشده ما روي أنه كان يفعل في حضرة النبي كإمامة معاذ لقومه بعد صلاته مع رسول الله ولا خلاف في صحة ذلك كله وإنما ادعى بعض العلماء في ذلك تخصيصا أو تأويلا وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف والله أعلم


113
كتاب الأخبار

قد قدمنا أن الخبر قسم من أقسام الكلام وهو على قسمين أيضا متواتر وخبر واحد فنعقد لكل قسم فصلا

الفصل الأول في الخبر المتواتر وفيه أربع مسائل

المسألة الأولى في حقيقته وحده

وهو كل خبر جاء على لسان جماعة يستحيل عليهم التواطؤ والتعمد للكذب ولا خلاف في ذلك فلا معنى للإطناب فيه

المسألة الثانية في أقل عدده والثالثة في أكثره

فأما أقله فلا حد فيه أكثر من أن علماؤنا قالوا إن كون الأربعة طريقا إلى التواتر محال لأن القاضي كلف الحاكم بشهادتهم ولم يكلف العلم قطعا وما فوق الأربعة إلا القدر الذي يحصل فيه التواتر من العدد يتردد فيه ولا يقطع فيه بنفي ولا إثبات


114

وأما الكثرة وهو مما اختلف الناس فيه اختلافا متباينا لا معنى لذكره في هذه الحجة ولكن حال هذا الطرف الكثير كحال القليل لا نقول إنه يحصره عدد لأن أي عدد ذكرته لم يعدم فيه معارضا بدونه أو بأزيد منه ولأجل هذه الترددات أنكرت طائفة العلم الحاصل بالخبر المتواتر وهي

المسألة الرابعة

ويقال لهم لم أنكرتم ما لا سبيل إلى إنكاره فإن وجود مكة والمدينة وبغداد لمن لم يرها معلوم قطعا لا يمكنه إنكاره وهو لم يره وما حصل له ذلك إلا بكثرة الأخبار فإن قالوا إنما شككنا لأنه لم نقدر على ضبط عدد المخبرين قلنا عن هذا جوابان

إحداهما إنكم شككتم في غير موضع الشك وهو أيضا شك مذكور باللسان لا يصلح أن يعتقده القلب فلا معنى للاشتغال بذكره

والثاني أنا نقول لو ضبط العدد بما لا يحصل العلم وإنما خروجه عن حد الحصر أوجب حصول العلم وهو أقوى فيه


115
الفصل الثاني في خبر الواحد وفيه ثمان مسائل

المسألة الأولى

قال علماؤنا خبر الواحد على ضربين أحدهما يوجب العلم والعمل كالخبر المتواتر والثاني يوجب العمل ولا يوجب العلم وإما الأول فهو خبر الله تعالى والثاني خير رسول الله والثاني خبر رجل واحد بحضرة رسول الله والثالث خبر رجل واحد بحضرة الله والرابع خبر رجل واحد ادعي فيه العلم مع جماعة يستحيل عليهم التواطؤ على الكذب فلا ينظرون عليه والخامس خبر واحد تلقته الأمة بالقبول فإما قالوا بظاهرة وإما تأولوه ولم يكن منهم نكير عليه فهذه الأقسام الخمسة توجب العلم وفي تعديدها تجاوز وتجوز تسامحنا به قصد البيان

وأما الثاني الذي يوجب العمل دون العلم فهو خبر الواحد المطلق عما ينفرد بعلمه وقال قوم إنه يوجب العلم والعمل كالخبر المتواتر وهذا إنما صاروا إليه بشبهتين دخلتا عليهم إما لجهلهم بالعلم وإما لجهلهم


116
بخبر الواحد فإنا بالضرورة نعلم امتناع حصول العلم بخبر الواحد وجواز تطرق الكذب والسهو عليه

فإن قيل هذا إنما يكون إذا لم يخبر عن الشريعة فأما إذا أخبر عنها فخبره محفوظ بوعد الصادق إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون

فالجواب عن هذا من أوجه أقربها وأخصرها وجودنا للأخبار المبينة على الشريعة كذبا بعد طرأ الصدق بها وإنما يتبين حالها عند البحث عنها وبعد البحث بعلم قطعا لا يمتري فيه منصف جواز ظهور الكذب فيما ظن فيه الكذب وهذا الفقه صحيح وذلك أن الله تعالى ما ضمن حفظ الشريعة على الإطلاق وإنما حصل الضمان في حفظها في حالتين

أحدهما القرآن والثاني الإجماع

المسألة الثانية

خبر الواحد يوجب العمل اتفاقا من الأكثر وقال الجبائي وغيره لا يقبل إلا اثنان وشرط على الاثنين اثنين إلى منتهى الخبر إلى السامع وهذا باطل فإنا قد علمنا قطعا إرسال رسول الله عماله وولاته إلى الأقطار بالأحكام والأعمال آحادا إلى جماعة ونعلم أيضا على القطع قبول الصحابة لخبر الواحد وابتناء العمل فيه كقبول عمر رضي الله عنه لحديث جميل بن مالك بن


117
النابغة وقبول حديث المغيرة في الجدة وقبول حديث عبد الرحمن في الوباء إلى غير ذلك مما يطول تعداده

المسألة الثالثة

ويجب العمل به بما فيما تعم به البلوى وقال أبو حنيفة لا يجوز لأن ما تعم البلوى يكثر السؤال عنه وما كثر السؤال عنه يكثر الجواب فيه وما كثر الجواب فيه كثر نقله فإذا انفرد به واحد كان ريبة فيه

قلنا أما قولكم إن ما عمت البلوى أكثر السؤال عنه فصحيح وكذلك يكثر الجواب فيه

وأما كثرة نقله فلا بل إذا نقل واحد كفى ووقعت الإحالة عليه ووجب الرجوع إليه

المسألة الرابعة

قال بعض الناس تقل ألفظ رسول الله في الشريعة واجب لقوله في خطبة الوداع نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه وألفاظ الشريعة على قسمين {أحدهما أن يتعلق به التعبد كألفاظ التشهد فلا بد من نقلها بلفظها


118

والثاني ما وقع التعبد بمعناه فهذا يجوز تبديل اللفظ بشرطين

أحدهما أن يكون المبدل ممن يستقل بذلك وقد قال واثلة بن الأسقع ليس كل ما سمعناه من رسول الله نحدثكم فيه باللفظ حسبكم المعنى

والدليل القاطع في ذلك قول الصحابة رضي الله عنهم عن بكرة أبيهم نهى رسول الله عن كذا وأمر بكذا ولم يذكروا صيغة الأمر ولا صيغة النهي وهذا نقل بالمعنى

المسألة الخامسة

إذا نقل الراوي عن رسول الله بعض حديث فلا يخلو أن يكون مستقلا بنفسه أو مفتقرا إلى ما زاد عنه فإن كان مستقلا بنفسه جاز وإلا فلا فإنه معلوم على القطع إن الصحابة كانوا يحضرون خطب رسول الله ومجالسه ويعون منها ما يجري فيها ويثبتونه فرادى وذلك معلوم على القطع

المسألة السادسة

إذا نقل الراوي حديثا فيه ذكر صفة مستحيلة مضافة إلى الباري سبحانه فلا يخلو أن يكون لها تأويل له مجال في العقل أو لا يكون لها تأويل


119

قال علماؤنا فإن كان لها تأويل قبلت وأولت لقوله فلا تمتليء جهنم حتى يضع الجبار فيها قدمه وكقوله قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن

وأما إن لم يكن لها تأويل فهو مردود كقول علمائنا فيما روي أن الله تبارك وتعالى خلق خيلا فاجراها فعرقت فخلق نفسه من عرقها وهذا الحديث يقبل التأويل أيضا

والصحيح عندي أن الله تبارك وتعالى قد طمس هذا الباب في أوجه الملاحدة فلا يقدرون على اختراع كذب لا يقبل تأويلا بحال حسب ما بيناه في كتاب المتوسط والحمد لله


120

المسألة السابعة القراءة الشاذة لا توجب علما ولا عملا

وقال أبو حنيفة توجب العمل قال لأنه خبر واحد فأوجبت العمل كسائر أخبار الآحاد

قلنا لا يليق هذا التحقيق بأبي حنيفة رحمه الله من وجهين

أحدهما إن العمل بالقرآن إنما هو فرع على حصول العلم بطريقة لأن مبناه الإعجاز وطريقة التواتر فإذا حصل هذا الأصل مستقرا نظر بعده في الفرع وهو وجوب العمل

والثاني أن قراءة أبي كعب وعبد الله بن مسعود فصيام ثلاثة أيام زيادة في الأصل والزيادة في الأصل إذا لم ينقل نقل الأصل عند أبي حنيفة ساقطة فكيف يقول بها في مثل هذا وأيضا فإن الزيادة عنده على النص نسخ ونسخ القرآن لا يجوز إلا بمثله

المسألة الثامنة

الزيادة إذا لم تنقل نقل الأصل لكن رواها الثقة منفردا لم يجز العمل بها عند أبي حنيفة لأنها تهمه في القراءة وعندنا يجب العمل بها لأنه يمكن أن يفوت البعض ما حصله البعض وكم يرى من تتبع الأحاديث من زيادة بعض الرواة على بعض وإفادتهم لما أسقط سواهم وقد يكون بعضهم أقرب من بعض فيكون بعضهم أوعى له من بعض وهذا يبين عند الإنصاف


121
كتاب الإجماع

وفيه خمس مسائل

المسألة الأولى في صورة الإجماع

واختلف الناس فيه فمنهم من قال صورته

أن يتفق أهل العصر بأجمعهم عامتهم وخاصتهم علمائهم وجهالهم وقيل صورته

أن يتفق أهل العلم والحل والعقد

وتعلق من قال بالقول الأول بأن خلاف العامي الجاهل إنما راعيناه لأنه ربما سمع من عالم فنقل ما يوجد عنده من خلاف ليس من قبله وإنما هو مما يعيه عن غيره ممن له القول وعلى لسانه الفتوى وهذا الذي قالوه لا متعلق به لأن العامي وإن ظن به السماع فيتحقق منه عدم الوعي وقلة التحصيل فلا يوثق بنقله

المسألة الثانية

مطالب الشريعة على قسمين

معقول ومظنون فالمطلوب في المعقول العلم والمطلوب في المظنون بذل الوسع والاجتهاد في طلب الحكم

فالأول لا يجوز أن يكون الإجماع عليه دليلا ولا يصح أن يجعل فيه حجة لأن مسلك النظر فيه متيقن فكان أقرب منه


122
وأما المظنون ففيه يكون الكلام وفيه يقع التقسيم والتفصيل وعليه يدل الدليل

المسألة الثالثة في دليل الإجماع

وقد عول علماؤنا فيه على دليلين

أحدهما معقول والآخر منقول

فأما المعقول

يبعد عرفا ويستحيل عادة في مسالك الظنون وتعارض الاجتهاد أن تتفق الخواطر وتتوارد الأدلة على حكم واحد في ملتطم الطنون ومزدحم المعارضات إلا عند اتفاقهم على ظهور ترجيح أحد الوجوه والسبل التي أفضت إلى ذلك الحكم المتفق عليه فيستحيل عادة خلاف ذلك فكيف يحوز بعد هذا أن يظن ظان أن مسلكه أوضح من مسلكهم وترجيحه أوفي من ترجيحهم يحقق ذلك ويوضحه أم من قال لزوجته أنت على حرام فقد اختلف العلماء فيما يلزمه على نحو من خمسة عشر قولا ولم يكن من لدن زمان الصحابة رضي الله عنهم إلى زماننا هذا اتفاق منها على قول ولا رجوع منها إلى وجه وهذا يدلك على قوة التعارض فيها كما يدل الاتفاق الأول على ترجيح المتفق عليه على سواه من المحتملات فيها

وأما المنقول

فقول الله تعالى ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا على هذه الآية عول


123
علماؤنا في دليل السمع المقتضي كون الإجماع حجة فإن الله تبارك وتعالى توعد على المخالفة لسبيل المؤمنين بالنار ولا يتوعد إلا على ترك الفرض

المسألة الرابعة

إذا اتفقت الصحابة على قولين أو وقعت النازلة في عصر فاختلف العلماء فيها على وجهين فهل يجوز إحداث قول ثالث أو لا

فاختلف الناس في ذلك فمنهم من قال بجواز ذلك ومنهم من يمنعه فأما من جوزه فاحتج بأدلة منها إن قال حصول الخلاف في المسألة دليل على جواز الاجتهاد فيها فيجتهد كل أحد على قدر وسعة

وأما من منعه فقال أن الظنون قد اتفقت والخواطر قد اجتمعت على ترجيح هذين الوجهين على سائر الوجوه فيكون نبذ ما سواهما واجبا كما نبذنا في الإجماع سائر الوجوه كلها إلا المجتمع عليه وبهذا أقول

المسألة الخامسة

إجماع أهل كل عصر فيما ينزل بهم كإجماع الصحابة رضي الله عنهم فيما صدر عنهم لأن الدليل الذي قدمناه في كون الإجماع حجة لا يخص قرنا دون قرن بل هو عام في كل طائفة على حسب ما تقدم بيانه والحمد لله وحده


124
كتاب القياس
وهو عشرة فصول
الفصل الأول في حقيقته

وقد اختلف الناس في حده اختلافا متباينا بيناه في التمحيص والصحيح إنه لا يأخذه الحد ولكن أقرب ما فيه أن يقال

إنه حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم أو نفيه بإثبات صفة أو نفيها وقيل أقربه إنه أقوال مخصوصة اللغة ألفت تأليفا مخصوصا ليتميز منها رأي هو مقصود الناظر

مثاله إن الرجل إذا قال لآخر بعتك الشيء الذي في كمي فيقول العالم لا يجوز ويستدل بأن يقول مبيع مجهول الصفة عند العاقد حال العقد فلم يجز أصله إذا قال بعتك ثوبا فهذا هو القياس

وقد تألف من أربعة أشياء

فرع وهو المطلوب بيان الحكم فيه

ووصف وهو العلة الجالبة للحكم

وحكم وهو المطلوب إثباته

وأصل وهو المتفق عليه

فأما الفرع فهو المسئول عنه وهو بيع الشيء في الكم

وأما الوصف وهو العلة فهو قولنا مبيع مجهول الصفة

وأما الحكم وهو المطلوب فهو قولك لم يجز وجاز


125

وأما الأصل فهو قولك بعتك ثوبا وهو المتفق عليه وإليه يرجع الفرع المختلف فيه المسئول عنه

الفصل الثاني في الدليل على صحة الأصل

القياس أصل من أصول الشريعة ودليل من دلائل الملة انقرض عصر الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم وهو الأعيان والجلة على صحة القول به حتى حدثت الرافضة فأنكروه لأغراض رزية لهم ثم نبغت نابغة شق عليهم بعد شقة النظر وعسرت عليهم مسافة الاجتهاد فقالوا الحكم لله ولرسوله لا فتوى إلا بما قال الله فكانت فتنة للرعاع وكلمة حق أريد به باطل كما قال علي رضي الله عنه للخوارج حين قالوا لا حكم إلا الله وضللوا عليا رضوان الله عليه في التحكيم فقال لهم علي رضوان الله عليه إن الله قد حكم في الشقاق وجزاء الصيد فكيف في حق دماء الأمة

والدليل على صحة القول بالقياس لا يحصى عده وجملته إجماع الصحابة وإنكاره بهت وقد سردنا أقاصيصهم في النوازل وأقيستهم في الوقائع معدودة شيئا فشيئا وحالا فحالا ولم يكن إلا قول عثمان رضي الله عنه بحضرة الملأ الكريم من غير نكير ولا تغيير نرضى لدنيانا من رضية رسول الله لديننا وأرشق عبارة تدل على المعنى ما أشار إليه بعض المتأخرين من العلماء حتى قال النصوص معدودة والحوادث غير محدودة ومن المحال تضمن المعدود ما ليس بمحدود لا سيما


126
الفتنة على هؤلاء المبتدعة الاغترار بالعمومات وليس في الشريعة عموم يستقل بنفسه وبيان ذلك استقراؤها عموما عموما
الفصل الثالث في أقسام القياس

قال علماؤنا أقسام القياس ثلاثة

قياس علة قياس دلالة وقياس شبهة

فأما قياس العلة

فهو كقولنا في أن المرأة لا تتولى نكاحها لأنها ناقصة الأنوثة فلم يجز أن تلي عقد نكاح كالأمة فاتفق العلماء على الأمة لا تلي عقد نكاحها واختلفوا في تعليله فمنهم من قال إن العلة في امتناع إنكاح الأمة نفسها نقصان الرق ومنهم من قال نقصان الأنوثة فنحن عللنا بنقصان الأنوثة وحملنا عليه الحرة

وأما قياس الدلالة

كقولنا علمائنا في الخل مائع لا يجوز به الوضوء فلا يجوز به إزالة النجاسة كاللبن وكقولهم في الوتر صلاة تفعل على الراحلة فلا تكون واجبة كركعتي الفجر فاستدلوا في امتناع الوضوء بالخل على أنه ليس بمطهر في الشرع واستدلوا على الوتر ليس بواجب بفعله على الراحلة وذلك من خصائص النوافل

وأما قياس الشبه فهو على ضربين شبه خلقي وشبه حكمي

فأما الشبه الخلقي فكإجماع الصحابة على جزاء الحمامة بالشاة والنعامة بالبدنة لما بينهما من تشابه الخلقة


127

وإما الشبه الحكمي كقول علمائنا في الدليل على أن الوضوء يفتقر إلى النية خلافا لأبي حنيفة طهارة حكمية فافتقرت إلى النية كالتيمم وقد استبعد الشافعي عليه ذلك فقال طهارتان فكيف يفتقران فشبهوا طهارة وطهارة وقد اختلف الناس في قياس الشبه فمنهم من نفاه ومنهم من أثبته ومنهم من فصله وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى

الفصل الرابع في إثبات علة الأصل
إذا قاس المعلل على أصل فمونع في العلة في الأصل وقيل له ليست العلة في الأصل ما ذكرت ففي إثباتها للناس ثلاثة مسالك

المسلك الأول الطرد

وقد زعم بعض الناس إنه دليل على صحة العلة وهو قول فاسد لئلا أوجه

أحدها كما يطرد دليل الصحة على زعمه فكذلك يطرد دليل الفساد ومثاله إن المالكي لو قال الخل مائع لا ينبني عليه فلا يجوز إزالة النجاسة به كاللبن لقال معارضه إن الخل مائع مزيل العين فجاز إزالة النجاسة به كالماء

الثاني إن الصحابة وهو القدوة لم يعولوا عليه

الثالث إنه ليس بينه وبين الحكم ارتباط فكيف يدل عليه

فأما الطرد والعكس جميعا فإنه دليل على صحة العلة لأن ثبوت الحكم بثبوته وعدمه بعدمه دليل على إنه علامة عليه


128

ومثاله أن يقول القائل المالكي إن الخمر محرمة لعلة الشدة المطربة التي فيها فيقول له الحنفي ليست العلة الشدة فيقول الدليل على أنها العلة إن العصير حلال لعدمها فيه فإذا صارت خمرا بوجود الشدة فيها كانت حراما فإذا استحال خلا وعدمت الشدة كانت حلالا واطردت وانعكست فيقول له الحنفي إنما حرمت باسم أنها خمر فهذا الاسم هو الذي وجد مع التحريم وهو الذي عدم مع التحليل فيقول له المالكي إن الأمر كما ذكرت مع اطراد العلة وانعكاسها واطراد الاسم وانعكاسه ولكن علتي أرجح لتنبيه الشارع عليها في قوله تعالى إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر الآية

المسلك الثاني

أن يقول القياس إذا طولب بصحة على الأصل الدليل على صحتها عجزك عن الاعتراض عليها فيقول له المعترض ليس عجزي عنها دليل على صحة قولك فيقول له القائس بلى أو لا ترى أن المعرض للمعجزة دليل على صحة المعجزة وهذا فاسد جدا فليس العجز عن المعرضة حجة فإن المعنى إنما صار إلى القول بالحكم بما ظهر له من الدليل قبل أن يعارضه معارض والتعلق بالمعجزة لا معنى له وغمرات المعجزات ومجاريها لا يحتمل هذا الموضع الخوض فيها

المسلك الثالث في الدليل الصحيح على علة الأصل

وهو ثلاثة أنواع


129

النوع الأول النص من الشارع

كقوله تعالى كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وكقوله تعالى وذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله

والنوع الثاني الإيماء

كقوله وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال أينقص الرطب إذا يبس قالوا نعم قال فلا إذن

فإذا قال المالكي الدليل على إن الحنطة اليابسة بالمبلولة لا يجوز بيعها بحال إنهما جنسان تقابلا في المعاملة فآل كل واحد منهما إلى النقصان فامتنع بيعهما أصلا كالرطب بالتمر فإذا قال الحنفي ليست العلة في الرطب بالتمر ما ذكرت قيل له قد أومأ الشارع إليها حين سأل أينقص الرطب إذا يبس فلما قالوا نعم منع البيع وهذا أمثاله لا يخفى

النوع الثالث الاشتقاق

وذلك مثل أن يقول المالكي إن الأب يجبر البكر البالغ على النكاح والدليل عليه إنها جاهلة بحال النكاح فلم يجز لها في رأي كالصغيرة

فإذا قال الحنفي ليست العلة في الصغيرة جهلها بحال النكاح


130

قال له المالكي الدليل عليه قول النبي الثيب أحق بنفسها من وليها فجعل النبي الثيب أحق من الولي بسبب ثبوتها وهو اختبار النكاح ومعرفة تفاصيله فكان ذلك دليلا على أن البكر الجاهلة بالتفاصيل فيه على حكم الأصل وهو الحجر

الفصل الخامس في الاستصحاب

وهو على ضربين استصحاب حال الفعل واستصحاب حال الإجماع

فأما استصحاب الإجماع فمثاله قول أصحابنا في التيمم إذا صلى ثم طرأ عليه الماء في أثناء الصلاة فقال مالك يتمادى وقال أبو حنيفة يقطع فاحتج أصحابنا بأن قالوا أجمعنا على أن صلاته صحيحه فمن ادعى أنها قد فسدت برؤية الماء فعليه الدليل

وهذا مما اختلف عليه علماؤنا رحمهم الله فمنهم من قال إنه دليل يعول عليه ومنهم من قال إنه ليس بشيء

والصحيح إنه ليس بدليل لأن موضع الدليل الإجماع وقد زال برؤية الماء فالدليل ليس له تناوله لمحل الخلاف

وإما استصحاب حال العقل فهو دليل صحيح مثاله دليل قول علمائنا في أن الوتر ليس بواجب وإن المضمضة والاستنشاق لا يجبان في غسل الجنابة وأمثالها من المسائل لأن الأصل براءة الذمة وفراغ الساحة من الإلزام وطريق استعمالها في الشرع وليس في الشرع بعد التنبه دليل على وجوب الوتر والمضمضة والاستنشاق فالذي يدعي أم


131
الوتر الواجب وأن المضمضة والاستنشاق يجبان في غسل الجنابة فعليه الدليل

والمحققون كلهم متفقون على أن هذا دليل شرعي إلا جماعة يسيرة وهمت إنه تعلق بعدم الدليل قالوا والعدم ليس بدليل وقد بينا في كتاب الأصول إن العدم لا يجوز أن يكون في علة وإنه يصح أن يكون دليلا ولا خلاف في ذلك بين العقلاء

الفصل السادس القول في الاستحسان

أنكره الشافعي وأصحابه وكفروا أبا حنيفة في القول به تارة وبدعوه أخرى وقد قال به مالك

واختلف أصحاب أبي حنيفة في تأويله على أربعة أقوال

وأما أصحاب مالك فلم يكن فيهم قوي الفكر ولا شديد المعارضة يبده إلى الوجود وقد تتبعناه في مذهبنا وألفيناه أيضا منقسما أقساما فمنه ترك الدليل للمصلحة ومنه ترك الدليل للعرف ومنه ترك الدليل لإجماع أهل المدينة ومنه ترك الدليل للتيسير لرفع المشقة وإيثار التوسعة على الخلق

مثال الأول رد الأيمان إلى العرف

ومثال الثاني تضمين الأجير المشترك والدليل يقتضي إنه مؤتمن

ومثال الثالث في إيجاب عموم القيمة على من قطع ذنب القاضي


132

ومثال الرابع إجازة التفاضل اليسير في المراطلة الكبيرة وإجازة بيع وصف في اليسير

فهذا أنموذج في نظائر الاستحسان وكل مسألة منه مبينة في موضعها ذلك لتعلموا أن قول مالك وأصحابه استحسن كذا وإنما معناه وأوثر ترك ما يقتضيه الدليل على طريق الاستثناء والترخص بمعارضته ما يعارضه في بعض مقتضياته فاكتفوا بهذه النبذة حتى تفهموا تفسير الجملة في كتاب التمحيص وغيره إن شاء الله تعالى

الفصل السابع في ذكر ما يعلل وما لا يعلل من الأحكام

اعلموا وفقكم الله أن الأحكام العقيلة والشرعية على قسمين منها ما يعلل ومنها ما لا يعلل

فأما القول في تعليل الأحكام العقلية فقد بين في موضعه وأما القول في الأحكام الشرعية فهذا بيانه فنقول

الغالب في أحكام الشرع اتساقها في نظام التعليل إلا نبذا شذت لا يمكن فيها إلا رسم اتباع دون أن يعقل شيء من معناها ولكن فرض المجتهد إذا جاء حكم وعرضت نازلة أن يلحظ سبيل التعليل ويدخلها في محك السبر والتقسيم فإن انقدح له معنى مخيل أو ظهر له لامع من تعليل فينبغي له أن يجعله مناط حكمه ويشد عليه نطاق علمه فإن أبهمت الطريق ولم يتضح له سبيل ولا اتفق ترك الحكم بحالة وتحقق عدم نظرائه وأشكاله

ونحن نضرب لك في ذلك ثلاثة أمثلة تتخذونها دستورا


133

المثال الأول العبادات وهي نوع لا يجري فيها تعليل بحال لأن يعقل معناها بلى إن قياس الشبه يدخلها كقول علمائنا رحمة الله عليهم في الوضوء عبادة فافتقرت إلى النية كالصلاة

وكقولهم في شهر رمضان إنه عبادة تشتمل على أركان فجاز واحدة أصله الصلاة

وكقولهم إن القيم في الزكاة لا تجوز لأنها عبادة فاقتصرت مورد الأمر دون التعليل كالوضوء والصوم وأمثال ذلك كثيرة

المثال الثاني ما يجري فيه التعليل قطعا كالبيوع والأنكحة والقصاص والشهادات والوكالات وأمثال ذلك من المعاملات فهذا كله يجري التعليل ويلحق فيه الفروع بالأصول

المثال الثالث وهو نوعان

النوع الأول تعليل أصل بأصل كتعليل النكاح بالبيوع فهذا اختلف فيه العلماء فرأى بعضهم إن كل واحد منهما أصل نفسه مقام عن صاحبه في أحكامه معلل فروعه بأصوله وهو الشافعي رحمه ورأى مالك وأبو حنيفة إن كان واحد منهما محمول صاحبه فيما يشتركان فيه في التعليل

ولقد قال مالك رضي الله عنه النكاح أشبه شيء بالبيوع ورأى بعضه إن كل واحد منهما منفرد بنفسه لكن النكاح أخذ شبها من البيوع بما من العوض عن البضع وهو الصداق وأخذ شيئا من الصلاة لما يجوز من عقد النكاح دون ذكر العوض وهو الصداق وهذا القول عندي


134
أقوى الأقوال في الدليل ولعل مالك رحمه الله إليه أشار وإياه عنى بالشبه وعليه أيضا يدل كثير من مسائل أصحاب الشافعي فليعول على هذا القول
الفصل الثامن

اختلف الناس في حكم الأعيان قبل الشرع

فمنهم من قال إنها محظورة بالعقل ومنهم من قال إنها مباحة بالعقل ومنهم من قال لا حكم لها إلا في الشرع فما قام من الدليل قضى به وقد كثر القول من الناس فيها وعظم التنازع بينهم في أدلتها ومعانيها والأمر فيها قريب جدا لأنا نقول إن كان العقل يحكم فيها بالحظر على الإطلاق لم يجز أن يرد الشرع بإباحة وإن كان يحكم فيها بالإباحة على الإطلاق لم يجز أن يرد الشرع بحظر لأن الشرع لا يجوز أن يرد بخلاف مقتضى العقل فصح أنه لا حكم للعقل فيها بشيء حتى نوعها الشرع قسمين حظر وإباحة بلى إن المقصرين في العلم يقولون فما حكمها بعد ورود الشرع أحكمها الحظر أم حكمها الإباحة فهذا سؤال لا يصدر إلا عن غبي وحكمها في الشرع بحسب وروده المحظور محظور بدليله والمباح بدليله ويستحيل خلو مسألة عن دليل لأن ذلك إبطال للشرع وتعطيل فما اقتضاه الدليل حكم به والله أعلم

الفصل التاسع في ترتيب الأدلة

إذا نزلت نازلة فلا يخلو أن تنزل بمقلد أو بمجتهد فإن كان مقلدا فسيأتي حاله إن شاء الله وإن كان مجتهدا فعليه أربعة فروض


135

الفرض الأول أن يطلبها في كتاب الله عز وجل وقد عد العلماء آيات كتاب الله الأحكامية فوجدوها خمسمائة آية وقد يزيد عليها بحسب تبحر الناظر وسعة علمه فإن لم يجدها فعليه أن يطلبها في سنة رسول الله وهي نحو ثلاث آلاف سنة فإن لم يجدها فعليه أن يطلبها في مسائل الصحابة وقضايا التابعين إجماعا واختلافا ففي ذلك أمور هدى وما ضل من اقتفى أثارهم واقتدى

فإن لم يجدها عندهم متفقا عليها أو لم يجدها أصلا فعليه فيما اختلفوا فيه وفيما لم يسمعوه أن يردوه إلى أصل من هذه الأصول الثلاثة المتقدمة إما بتعليل وإما بشبه وإما بدليل هذا إن كانت من مسائل ذلك وإن كان منشأ الاختلاف فيها أو بدء إشكالها من مثار لفظ فعليه أن يطلبه في لغة العرب فإن وجده واضحا بنى عليه وإن وجده مشكلا كشفه إما بآية وإما بحديث وإما بتعليل يظهر به كون أحد الوجهين أقوى من الآخر وإما بشبه يقوي أحد الاحتمالين إلى وجوه آخر لا تحصى في البابين سنشير إلى أصولها في كتاب الترجيح إن شاء الله تعالى

مثال الأول رجل ابتاع أمة ثيبا ثم اطلع على عيب فاختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال

فمنهم من قال يردها ويرد معها المهر وهو شريح القاضي

ومنهم من قال لا يردها بحال ويأخذ قيمة العيب وهو أبو حنيفة

ومنهم من قال يردها ولا شيء عليه قاله مالك والشافعي


136
فحظ المجتهد إذا نزلت به أن يطلبها حيث دللنا عليها فأما الكتاب والسنة فعاريان عنها عموما أو خصوصا فلم يبق إلا النظر في الأصول اتباع طرق التعليل والتعلق بالشبه والدليل ومباحث النظر فيها مذكورة بجميع وجوها في المسائل فلتطلب هناك والحمد لله

ومثال الثاني إذا لمس رجل امرأة فاختلف أصحابنا فيها على ثلاثة أقوال

فمنهم من قال ينتقض وضوؤه بكل حال

ومنهم من قال لا شيء عليه بحال

ومنهم من قسم الحال فقال إن اقترنت به لذة انتقض الوضوء وإن عرى عنها لم يلزم فيه شيء وهذه مسألة خبرية موجودة في كتاب الله تعالى موجودة في سنة رسول الله

أما كتاب الله تعالى قوله عز من قائل أو لامستم النساء قرئ أو لمستم النساء وقرئ أو لا مستم مفاعلة واللمس في لسان العرب معروف وهو على ضربين كناية وصريح وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه إن الله عز وجل حيي كريم ويكنى كنى باللمس عن الجماع

وروت عائشة رضي الله عنها إنها قالت فقدت رسول الله من فراشي ليلة واتبعته بيدي فوقعت على أخمص قدميه وهو ساجد الحديث


137

واختلف قول الشافعي في الملموس واتفق قوله في اللامس فتعارضت تيارات هذه الألفاظ فوجب البحث عن اللمس لغة ومعرفة المجاز فيه والحقيقة والنظر إلى عمومه وخصوصه وترجبح الظاهر فيه على الوجوه المذكور في المسألة فبهذين المثالين يتبين لكم سبل النظر حتى تجدوا دليل المعرفة منها على العين والأثر إن شاء الله تعالى

الفصل العاشر في الاعتراضات على القياس

وهي على ضربين صحيحة وفاسدة

فالفاسد كثير والصحيح محصور واختلف الناس في تعديده فأقل ما اتفقوا عليه عشرة أنواع

النوع الأول المنع

وهو على أربعة أضرب

الأول منع كون الأصل معللا

الثاني منع وجود العلة فيه

الثالث تسلم وجودها فيه لكن منع كونها علة

الرابع تسلم وجود الحكم

ولكل واحد من هذه أمثلة

مثال الأول قول علمائنا في مسألة النكاح بلا ولي ناقصة بالأنوثة فلم يجز نكاحها كالأمة


138

فيقول الحنفي لا أسلم أن امتناع الأمة من إنكاح نفسها معلل بل هو أمر حكم به الشرع ولم يظهر فيه معنى لأن البضع لا يملك السيد فيه إلا الانتفاع فأما إباحته أو منعه فلا يجوز له

ومثال الثاني أن يقول الحنفي في المسألة بعينها

سلمت لك أن الأصل معلل لكن لا أسلم أن الأمة نقصت بالأنوثة ولا الحرة لأن الشخص لا ينقص بفعل الله وخلقه الذي جبله عليه وإنما ينقص بما يكتسبه من خصال ذميمة

ومثال الثالث أن يقول الحنفي

لا نسلم لك أن الأمة ناقصة بالأنوثة وإنما هي ناقصة بالمملوكية

ومثال الرابع أن يقول الحنفي

قولك فلم يجز نكاحها لا نسلم أن إنكاحها لنفسها لا يجوز بل هو جائز عندي لكن للسيد أن يرده وكذلك لو أعتقت قبل رده جاز عندي

النوع الثاني النقض

وهو على ضربين نقض لفظي نقض معنوي

فأما النقض اللفظي

فمثاله أن يقول علماؤنا في بيع الأعيان الغائبة معقود عليه جهلت صفته فبطل بيعه أصله إذا قال لك بعتك ثوبا

فيقول الحنفي هذا ينتقض بالمنكوحة فإنها معقود عليه جهلت صفته ويصح العقد لكن عند أبي حنيفة وعندنا أن نقض العلة الشرعية لا يبطلها بل يجوز تخصيصها


139

وقال الشافعي لا يجوز تخصيص العلة بحال

وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى

ومثال النقض المعنوي

أن يقول علماؤنا في مسألة بيع الأعيان الغائبة

مبيع مجهول الصفة عند التقاعد حال العقد فلم يجز أصله إذا قال بعتك ثوبا

فيقول له الحنفي

هذا ينكسر بالمنكوحة فإنه معقود عليه مجهول الصفة تجوز

وإنما قيل لهذا كسر لأنه ليس بمبيع وإنما هو منكوح لكن يجمعهما إن كل واحد منهما معقود عليه وهذا يقال له نقض المعنى لأن اللفظ سلم واعترض على المعنى وهذا يدفعه الفرق بينهما

فيقال مثلا في هذه المسألة

الفرق بين النكاح وبين البيع

أن المقصود في البيع الصفات لأن الثمن يزيد بزيادتها وينقص بنقصانها بخلاف النكاح فإنه ليس المقصود منه الصفات وإنما المقصود منه العين

والدليل على صحة ذلك إنه لو اطلع على عدم الصفات في النكاح لم يثبت له شيء فهذا ونحوه يرفع إلزامه


140

النوع الثالث القول الواجب

وهو سؤال صحيح متداول بين العلماء

ومثاله أن الماء إذا لم يتغير بالزعفران أو بشيء طاهر فالمخالطة لا تمنع الوضوء أصله إذا اختلط بالتراب

فيقول علماؤنا نحن قائلون بهذا وآخذون بالحكم فإن المخالطة لا تمنع الوضوء إنما الوضوء التغير فبطل دليل القوم

لكن حذاقهم احترزوا عن هذا بأن قالوا فالمخالطة لا تكون سببا لمنع الوضوء فهذا يمنع القول بالموجب لأن المخالطة إن لم تمنع بنفسها فهي سبب المنع

النوع الرابع القول بالقلب

ومثاله قول أصحاب أبي حنيفة في الوضوء

طهارة بالماء فلم يفتقر إلى النية أصله إزالة النجاسة

فيقول علماؤنا يقلب عليهم فنقول

طهارة بالماء فاستوى جامدها ومائعها في النية أصلها إزالة النجاسة فإن جامدها وهو الاستجمار لما لم يفتقر إلى النية لم يفتقر مائعها وهو الماء إلى النية والوضوء لما افتقر جامده وهو التيمم إلى النية وجب أن يفتقر مائعه وهو الوضوء إلا في النية

فاعترض عليهم أصحاب أبي حنيفة بأن القول لا يصح لأنه مجمل فطال الكلام فيه طولا بيناه في مسائل الخلاف والحمد لله وحده


141

النوع الخامس عدم التأثير

وهو سؤال متفق على صحته قادح في التعليل

مثاله أن يقول الشافعي في نكاح الثيب الصغيرة

ذهبت بكارتها بالجماع فلا تزوج إلا برضاها أصله البالغة فيقول علماؤنا لا تأثير لقولكم بالجماع فإنها لو ذهبت بغير ذلك لم تزوج وحقيقة عدم التأثير المطالبة بالعكس والعكس في العلل الشرعية لا يلزم في بعضها ولا في كلها بخلاف العلم والعالمية وشبهها فإنه لا بد لها أن تطرد وتنعكس وذلك لفقه صحيح وهو أن العلة الشرعية لا تتحد بل يجوز أن يثبت الحكم الشرعي بعلل جمة كالحائض المحرمة الصائمة فإنه لا يجوز وطئها لثلاث علل فإذا زال الإحرام بقي امتناع الوطء ولو اغتسلت لبقي امتناع الوطء بسبب الصوم فلو أفطرت لجاز الوطء لارتفاع الموانع كلها وكذلك الزاني المحصن المرتد وفي ذلك الخلاف

وفي ازدحام العلل الشرعية إشكال فإن تماثل العلل حتى تثبيت الحكم بجمعيها أو ترجيحها حتى يثبت الحكم بعضها مزلة قدم فقد فهمتم ما سبق من تعلق الحكم بعلل جمة

ومثال الترجيح أن بيع الغائب المجهول لا يجوز وبيع الخنزير لا يجوز فهاتان علتان لامتناع فلو اجتمعا فكان خنزيرا غائبا لم تستو العلتان فيقال لم يجز بيعة للخنزيرية والغبية معا بل يمتنع بيعه لوصف الخنزيرية خاصة لأنها أقوى وسقط أثر الغيبة هاهنا لأنه أضعف هذا هو المشهور في قول الأكثر والصحيح عند أهل النظر والله أعلم


142

النوع السادس فساد الموضوع

هو اعتراض صحيح

ومثاله ما قاله أصحاب أبي حنيفة في مسألة النية في الوضوء

طهارة فلم تفتقر إلى النية كإزالة النجاسة فيقال لهم هذا الدليل فاسد الوضع فإن الطهارة في الشريعة من أجل القرب وأعظم العبادات والعبادات والقرب مبنية علة وجوب النية بالقصد إلى المتقرب إليه والاسلاف في الثواب عنده وفساد الوضع قريب من تعليق ضد المقتضى وذلك بين في آداب النظر

النوع السابع في فساد الاعتبار

وذلك مثل أن يقول من ينفي نكاح التفويض

عقد معاوضة فلا يجوز تفويضه إلى الغير أصله البيع فنقول هذا الاستدلال فاسد الاعتبار فإن النكاح لا يجوز أن يحمل على البيع في باب العوض ولأنه يجوز السكوت عنه في النكاح ولا يجوز السكوت عنه في البيع ولأن النكاح مبني على المكارمة والبيع مبني على المشاحة والمكايسة ونشأ الكلام من هذا الاعتراض وبني عليه

النوع الثامن الفرق

وهو اعتراض صحيح يجمع أربع اعتراضات وهو يبرز الفقه ويبين ويثير الدليل ويخص العلة مثاله أن يقول علماؤنا

في أن المسلم لا يقاد منه للذمي منقوص بالكفر فلا يكافي دمه دم المسلم كالمستأمن


143

فيقول أصحاب أبي حنيفة الفرق بين المستأمن والذمي بين وذلك إن المستأمن ليس من أهل الدار فلذلك لم تكمل له حرمة ولم يجب القصاص على قاتله والذمي من أهل الدار فكان كامل الحرمة

النوع التاسع المعارضة

وذلك أن يستدل المسؤول بدليل فلا يتعلق السائل بشيء من الدليل أكثر من أن يذكر هو دليلا آخر وقد اختلف الناس فيه والصحيح أنه صحيح على ما بيناه في علم النظر والحمد لله وحده

النوع العاشر جعل العلة معلولا والمعلول علة

وذلك مثل قول أصحابنا في النجاسة لا تزال بالخل مائع لا يرفع الحدث فلا يزيل النجاسة أصله الماء النجس

فيقول أصحاب أبي حنيفة لا نقول أن الماء النجس لم يزل النجاسة لأنه لا يرفع الحدث بل نقول لأنه لا يرفع الحدث لأنه يزيل النجس

وهو سؤال غير ضائر لما بيناه في علم النظر لأن الشرع لا علة فيه ولا معلول على الحقيقة وإنما هي أمارات فلا يمتنع أن يكون كل واحد من الأحكام دليلا على صاحبه وإنما يستحيل ذلك في العقليات لأنها حقائق والحقيقة لا تنقلب


144
كتاب النسخ

فيه أربعة أبواب

الباب الأول في حقيقة النسخ

وقد تقطعت المهرة فيه أفرادا وهو أمر عسير الإدراك جدا

قالت المعتزلة النسخ انقضاء أمد العبادة

فرد عليهم بوجهين أحدهما أن الأمد ليس له في الخطاب ذكر

والثاني أن نسخ غير العبادة جائز فلا معنى لتخصيص العبادة بالذكر

وقال القاضي النسخ رفع الحكم الثابت وكيف يصح أن يرتفع حكم لأنه إن ثبت لم يرفع وإن رفع لم يثبت

وإن أراد أن الحكم ثابت فيما مضى مرتفع فيما يستقبل فلم يرفع ثابت

والقاضي رحمه الله أجل مقدارا من هذا الحد وبحره عميق وأرشق عبارة فيه عدم شرط استمرار الحكم وتحقيق ذلك في الأصول

الباب الثاني في جواز النسخ

أنكرته اليهود لوجهين

أحدهما الخبر والآخر النظر


145

فإما الخبر فما زعموا من قول موسى عليه السلام في التوراة إن هذه الشريعة مؤبدة عليكم إلى يوم القيامة

وأما النظر فلأن النسخ فيه بدء وذلك لا يجوز على الله عز وجل لعلمه بالعواقب ولاستواء المستقبل عنده والذاهب

فأما تعلقهم بقول موسى عليه السلام فهو اختراعهم وأنى يتحقق ما في التوراة وقد أحرقت مرتين واجتمعوا على تلفيقها فما تحصلت ولو ثبت ذلك من قوله فهو عموم وهل كلامنا إلا في نسخ العموم إما لفظا وإما وقتا

وأما تعلقهم بالنظر فمسلكه لائح لنا ولا حجة لهم فيما ذكروه من البداء لأن النسخ الله تعالى ليس بما بدا له وإنما هو مما علمه وأحكمه فاقتضت المصلحة أن يقع التكليف به في وقت ولا يقع في آخر فإلزامه المكلف ظاهرا ولم يطلع على ما في الباطن ثم اطلع فعلم أن الحكمة في إخفائه أولا والمصلحة في تبديله آخرا ولذلك رد الله تعالى عليهم وبين جهلهم فقال إذا بدلنا ءاية مكان ءاية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين ءامنوا وهدى وبشرى للمسلمين

الباب الثالث في الناسخ

الناسخ هو الله تعالى في الحقيقة وكلامه مجاز ثان ونبيه مجاز ثالث تركب عليه ولكن جاز إطلاق الناسخ على غير الله تعالى مع معرفة حقيقة الناسخ قصد البيان وإرادة التقريب


146

فالكتاب ينسخ بالكتاب والسنة تنسخ بالكتاب عند جمهور العلماء وأنكره أصحابنا وأصحاب الشافعي والأستاذ أبو إسحاق الاسفراييني رحمهم الله وعمدتهم أن القرآن معجز وكلام النبي غير معجز فكيف يرد المعجز بما ليس بمعجز وهذا كلام هائل ليس وراءه طائل ويقال لهم ما أبديتموه دعوى فما الدليل على صحتها ثم يعارضون بنسخ نصف آية لآية كاملة وأكثر نصف الآية غير معجز ولكن ذلك عندنا إذا ثبت طريق السنة قطعا بالخبر المتواتر وأما إن كان خبر واحد فقد تعاطى بعضهم النسخ به وهي مزلة قدم لأن خبر الواحد مظنون ولا يساوي الظن اليقين فضلا أن يعارضه

الباب الرابع

وفيه ثلاث مسائل

المسألة الأولى

يجوز نسخ الحكم مع بقاء التلاوة إجماعا ويجوز نسخ التلاوة مع بقاء الحكم عندنا خلافا للمعتزلة حيث قالوا

لا يجوز واحتجوا بأن التلاوة أصل والحكم المستفاد بها فرع لها ويجوز ذهاب الفرع نع بقاء الأصل فأما ذهاب الأصل مع بقاء الفرع فمحال

والجواب عن كلامهم وهو الدليل أن تقول

التلاوة حكم مستقل بنفسه والحكم المستفاد منها حكم مستقل أيضا بنفسه والدليل على كونه مستقلا بنفسه انفراد كثير من الأحكام عن القرآن ونسخ حكم القرآن بحكم السنة


147

وإذ كان كل واحد منهما معزولا عن صحابه مستقلا بنفسه دون الاخر جاز نسخ كل واحد منهما معزولا عن صاحبه

ويعضد ذلك ما أجمعت عليه الأمة من أنه كان قرآنا يتلى الشيخ والشيخة إذا زانيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزيز حكيم فقد نسخ هذا اللفظ كله إجماعا ويقي حكمه إجماعا

المسألة الثانية

نسخ الأمر قبل الفعل جائز خلافا للمعتزلة

قالوا في شبههم على ذلك فائدة الأمر ابتلاء المكلف واختباره في الإقدام والإحجام والترك والامتثال وإذا وقع النسخ قبل ذلك ذهبت الفائدة فصار الأمر عبثا والله تعالى تجلى عن ذلك

الجواب

وهو الدليل أن نقول فائدة الأمر بالحكم المنسوخ قبل الفعل ابتلاء المكلفين والاعتقاد هل يلزمه أم يرده ولا يقبله والابتلاء في الاعتقاد كفر ومخالفة الفعل معصية وهذا أهون من ذلك فلم يعد إذا نسخ حكم قبل الفعل عن فائدة عظمى يستقل التكليف بها في إثارة الفائدة وإبانة المصلحة على أنا لا نسلم أنه يلزم وقوف المكلف على كل فائدة يتعلق بالتكليف والعلم بوجوه المصالح المرادة بالامتثال والزجر


148

وقد دل علماؤنا عن بكرة أبيهم على وقوع هذه المسألة شرعا بقصة الخليل صلوات الله عليه وسلم فإنه أمر بذبح ولده ثم نسخ ذلك قبل فعله وكان الفداء غير قادح في الاهتداء والاقتداء

والذي أراه أن هذه المسألة ليست من ذلك الباب وإنه أمر خفي على علمائنا ووهم واقعوه من غير قصد وقد بينا ذلك في التمحيص والحمد لله وحده

المسألة الثالثة

النسخ لا يثبت إلا من البلاغ وما رفع قبل نزوله وقبل العلم به منسوخ قطعا لكنه معفو عنه شرعا وقالت طائفة من العلماء لا يعفى عنه وقد كان ذلك جائزا لولا إن الله تبارك وتعالى على لسان رسوله لم يؤاخذ بما مات عليه من لم يبلغه فكان ذلك دليلا على العفو فيه وقد وقعت من ذلك في حياة الرسول نوازل كثيرة منها مسألة وغيرها وفيها غنية عن سواها


149
كتاب الترجيح

الترجيح في اللغة عبارة عن وفاء أحد المتقابلين من أي معنى كانا وبأي وجه توازنا وذلك في الشريعة عبارة عن وفاء أحد الظنين على الآخر وهو على قسمين

رجحان الألفاظ ورجحان المعاني

فأما رجحان الألفاظ فأن يتعارض نصان أو ظاهران أو عمومان أو دليلا خطاب وذلك بين خمسين مثالا قد عددناها وبيناها في التمحيص وذكرنا قول من زاد عليها عشرين فبلغها سبعين ورأينا من نيف بها على المائة ولكنا في هذه العجالة رأينا أن وجوهها ستة عشر وجها منها عشرة التي في النص ومنها ستة في العموم

أما العشرة في النص فذلك في

الأول أن يتبين على أحدهما مخاييل التأخير إما في الزمان وإما في المكان وإما في الحال فهذه ثلاثة أوجه لا رابع لها

الثاني أن يكون أحد الراويين أوثق

الثالث أن يكون أحد الأثرين أكثر رواة

الرابع أن يكون أحد الخبرين أكثر الرواة والآخر أقل منه لكنهم أوثق قدم الأوثق في الوجهين وقد الأكثر في


150
الخامس أن يكون أحد الخبرين يعتضد بعمل الصحابة رضوان الله عليهم فيكون اولى وفي ذلك تفضيل

السدس أن يعضد أحد الخبرين بعمل الراوي ويترك الآخر العمل بالحديث الذي روى فيكون المعتضد بالعمل أولى

السابع أن يكون أحد الخبرين يعضده ظاهر من كتاب أو سنة فيكون الحكم به أولى

الثامن أن يكون أحد الخبرين يعضده قياس الأصول والآخر يخالفه فيكون الأول أولى

التاسع أن يكون أحدهما يقتضي احتياطا والآخر أستر فيكون الذي يقتضي الاحتياط أولى

العاشر أن يتضمن أحد الخبرين إثباتا ويتضمن الآخر نفيا فيكون الذي يتضمن الإثبات أولى ولذلك كله أمثلة ونظائر كثيرة

أما الستة التي في العموم

فأن يكون أحد العمومين أكثر رواة لم يخصص

والثاني أن يكون أحد العمومين لم يخصص

والثالث أن يكون أحد العمومين مطلقا والآخر ورد على سبب

والخامس أن يكون أحدهما لا يعارضه دليل الخطاب

والسادس أن يكون أحد العمومين معمولا به فيقدم الأكثر رواة والذي لم يخصص والذي يظهر فيه القصد والذي لم يرد على


151
سبب والذي لم يعارضه دليل والذي اتصل به العمل على الذي لم يتصل به العمل

وأما المعارضة في المعاني فهي لا تحصى عدة وقد جمعها علماؤنا إلى أكثر من مائة كالأول

ولكنا نشير لكم منها إلى نبذ يسيرة هي كالأصول تكون مفتاحا لبقية الفصول فنقول

إن العلل إذا تعارضت والذي يضبط الرجحان فيها تأصيلا يدل على التفصيل ويغني عنه ثلاث أشياء

أحدها أن يعتضد بنص أو بوجه من وجوه الترجيحات التي قدمناها

الثاني أن تسلم من الاعتراضات أو تكون أقل اعتراضا من معارضها

الثالث أن تكون إحداهما متعدية والأخرى واقفة فتكون المتعدية أقوى ومعنى الواقفة التي ليس لها فروع


152
كتاب الاجتهاد

فيه ثلاث فصول

الفصل الأول في حقيقته

وهي بذل الجهد واستنفاذ الوسع في طلب الصواب افتعال من الجهد كما تقول استداد من السداد ونحوه

الفصل الثاني في المطلوب به

اختلف الناس فيه فمنهم من قال المطلوب حكم الله ومنهم من قال حكم الله يمكن الوصول إليه فالمطلوب هو الأشبه من الأصلين ومنهم من قال المطلوب رجحان الظن وهذا هو الصحيح لأن حكم الله يعثر عليه والأشبه قد لا يوصل إليه العوائق في النظر

فأما الانتهاء إلى درجة تغلب على الظن فيها المطلوب فهو ممكن

الفصل الثالث في تصويب المجتهدين

وقد اختلف الناس فيه اختلافا متبابنا عمدته أن قوما قالوا إن كل مجتهد في الفروع مصيب وهو قول العلماء ومنهم من قال الحق في قول بعضهم وإليه يميل الضعفاء بجهلهم بالطريقة والصحيح كل مجتهد مصيب

واحتج من قال الحق في قول أحدهما بأن النازلة إذا وقعت وقال أحد المجتهدين هي حلال وقال الآخر هي حرام فلا يجوز أن يكونا مصيبين


153
لأن ذلك يؤدي إلى محال وهو اجتماع التحليل والتحريم في عين واحدة وهذه عمدتهم التي يعتمدون قوتها وهي لا تساوي أن تسمع

والجواب عنها

أن نقول الدليل في المسألة ما قدمناه في أول الكتاب أن التحليل والتحريم ليسا بصفات للمحللات ولا للمحرمات وإنما هي عبارات عن قول الشارع فيما شرع وعن قول المفتي فيما أفتى وذلك كالنبوة ليست بصفة ذاتية للنبي وإنما هي عبارة عن مكاشفته بالوحي فإذا أدى الناظر النظر إلى تحليل عين لم يتعلق بالعين من ذلك وصف وه مطلوب بالعمل باجتهاد وبما أدى إليه نظره

وإن نظر آخر فأداه نظره إلى التحريم عمل أيضا على مقتضى اجتهاده ولم يتعلق بالعين من قوله شيء

فإن قيل كيف يصنع المقلد وقد اختلفا عليه قلنا سيأتي الجواب عن ذلك إن شاء الله تعالى


154
كتاب التقليد

وفيه خمسة فصول

الفصل الأول في حقيقة التقليد

قال قوم هو قبول القول من غير حجة وقال آخرون هو القبول من غير حجة فلا يصح لأنه لولا قيام الحجة على الالتزام لذلك لما لزم ولا قبل لأن الأقوال مع عدم الحجة سواء

الفصل الثاني

قال القاضي لا تقليد بحال ولا يحل لأحد أن يقلد أحدا

وقال سائر العلماء بصحة التقليد لمن عجز عن النظر ولا يظن بالقاضي لعظم منصبه الغفلة عن هذا المقال وإنما انتحى أمرا يأتي بيانه في الفصل الذي بعده وهو ما يجب على المقلد

الفصل الثالث ما يجب على المقلد

قال علماؤنا الذي يجب على المقلد يرى أنه إذا عجز عن النظر في دليل الأحكام أن يسأل اعلم أهل زمانه فما افتاه به وجب عليه العمل به وبأي شيء يعلم أنه أعلم


155
قال الأستاذ بالخبر المتواتر وهو ضعيف وإنما يكفي أن يعديه عنده رجلا ن فإذا قال له هو أنا عالم قال بعض الناس يعمل على قوله والصحيح أن يعمل على قول من يشتهر ذلك عليه

فأما البلوغ إلى حد التواتر فلا يلزم ذلك

الفصل الرابع

لا يجوز لمن قدر على النظر أن يقلد عالما

وقال بعض الناس يجوز للعالم أن يقلد عالما كما يقلده في القبلة وهو ضعيف فإن العمل بالقبلة ليس من باب التقليد وإنما هو من باب سماع الخبر وقبوله

فأما إن خاف العالم الفوت فهل يجوز له أن يقلد العالم

اختلف الناس فيه وهي مسألة اجتهادية والصحيح عندي جوازه لأن ما يقتحم في التقليد من الخطأ أيسر من اقتحام فوت الوقت

الفصل الخامس

هل يتكرر سؤال المقلد على العالم بتكرير النازلة

الاختلاف بين العلماء فمنهم من قال يتكرر لجواز اختلاف جواب العالم باختلاف اجتهاده ومنهم من قال لا يتكرر وإن جاز اختلاف الجواب كما كان لا يلزم تكرار السؤال على النبي وإن جاز اختلاف الجواب بالنسخ


156
والصحيح وجوب التكرار لأن العالم إذا تغير اجتهاده لا يلزمه أن يقول للناس تغير اجتهادي عما تعلمون والنبي إذا طرى عليه النسخ يلزمه أن يقول تغير من حكم الله تعالى كذا والله أعلم وأحكم

تم كتاب المحصول في الأصول تأليف الشيخ الفقيه الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي رضي الله عنه ورضي عن جماعة علماء الأمة وغفر لمن اجتهد في اتباع سبيلهم آمين وصلى الله محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين وهو حسبنا ونعم الوكيل وفرغ منه بمحروسة مصر في العشر الأخير من جمادى الأول سنة ثلاث وستين وستمائة 1 1

فهرست آيات
ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به 25
كونوا حجارة أو حديداً 25
كونوا قردة خسئين 25
يا أيها الذين أمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون 26
ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين 27
وعلم أدم الأسماء كلها 29
حرمت عليكم أمهاتكم 33
والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما 36
والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة 36
وأمسحوا برؤؤسكم 39
ليس كمثله شيئ 41
إنما الله إله وحد 42
والسماء وما بناها 42
هل أتى على الإنسان حين من الدهر 43
ولو أعجبتكم 44
ألست بربكم 45
فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة 48
وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة 48
وأحل الله البيع وحرم الربا 48
فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن نصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم 54
فليحذر الذين يخالفون عن أمره 55
وسارعوا إلى مغفرة من ربكم 60
ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات 75
ومن يتق الله يجعل له مخرجا فأينما تولوا فثم وجه الله 75
فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب 76
أولمستم 77
أولمستم النساء 77
فإنه كان له إخوة فلأمة 77
الزانية والزاني فاجلدوا 80
والسارق والسارقة فاقطعوا 80
والذين لا يدعون مع الله إلها أخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك ...82
يوم القيامة ويخلد فيه مهانا 83
إلا من تاب 83
إلا الوط إلا امرأته 84
فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا 84
إلا الذين تابوا 84
منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشبهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشبه منه ابتغاء ...86
الرحمان على العرش استوى 87
ثم استوى إلى السماء وهى دخان 87
واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه 92
فإطعام ستين مسكينا 93
فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين 95
فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى 101
فلا تقل لهما أف 104
ومن أهل الكتاب من أن تأمنه بقنطار يوده إليك 104
إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة موجودة فالقول بما قال البائع أو يترادان 104
فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوة إن خفتم 105
من فتيتكم المؤمنت 105
ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن 106
والمحصنت من الذين أوتوا الكتب من قبلكم 106
وإن خفتم شقاق بينهما 106
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون 116
فصيام ثلاثة أيام 120
ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت ...122
إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر 128
كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم 129
وذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله 129
أو لامستم النساء 136
إذا بدلنا ءاية مكان ءاية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح ...145
فهرست اشعار
حتى ذوي العود في الثرى    =    وكف الثريا في ملاله الهجر30
( كثور العذاب الفرد يضربه الندى    =    وتجلى الندى في متنه وتحددا 30
( وعصفت بالكثتين عصف الأئمد    =    وذلك لحكمة بديعة بيانها في موضعها 39
كهز الرديني تحت العجاج    =    جرى في الأنابيب ثم اضطرب 40
(إن من ساد ثم ساد أبوه    =    ثم قد ساد بعد ذلك جده 40
وصاليات ككما يوبقين 41
( كأن كثيرا في عرانين وبلة    =    كثير أناس في بجاد مزمل 96