فهرس محتويات الكتاب

السيرة المحمّدية دراسة تحليليَّة للسيرة المحمّدية على ضوء الكتاب والسُّنّة والتاريخ الصحيح
الاَُستاذ المحقّق الشيخ جعفر السبحاني اعداد واقتباس:تعريب الدكتور يوسف جعفر سعادةالشيخ جعفر الهادي
فهرس محتويات الكتاب
مقدمة المؤلّف 5
مقدمة الملخّص 9
القسم الاَوّل : مكّة المكرمة 13
الفصل الاَوّل :العرب قبل الاِسلام13
1. الاَحوال في جزيرة العرب15
2. الاَحوال السياسية في المنطقة21
3. التعريف بأسلاف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)23
الفصل الثاني : الرسول الاَكرم محمد بن عبد اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)31
1. مولده (صلى الله عليه وآله وسلم)33
2. فترة طفولته (صلى الله عليه وآله وسلم)36
كفالة أبي طالب37
3. فترة شبابه39
4. فترة عمله40
5. زواجه (صلى الله عليه وآله وسلم)43
6. أولاد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)46
تبنّي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لزيد بن حارثة47
الفصل الثالث:البعثة النبوية49
1.الحالة الدينية في الجزيرة العربية51
2. مكانةالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند قريش52
3. إيمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و آبائه وكفلائه قبل الاِسلام52
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل البعثة57
4. الوحي في غار حراء58
5. أوائل الموَمنين بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والدين الاِسلامي61
6. دعوة الاَقربين64
7. الدعوة العامة وتطوّر ردود أفعال قريش تجاهها68
8. استخدام الاَساليب المتعدّدة لمنع انتشار الدعوة الجديدة71
الفصل الرابع : موقف النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) من إيذاء الكفّار للمسلمين81
مواجهة المسلمين أمام أفعال قريش83
1 . الهجرة إلى الحبشة83
2. الاِسراء والمعراج88
3. سفر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الطائف92
المرحلة الجديدة في الدعوة و نتائجها الموَثرة95
4. بيعة العقبة95
5. الهجرة الكبرى99
6. وصول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة104
القسم الثاني :المدينة المنورة ـ يثرب 109
الفصل الخامس : الاَحداث في المدينة المنوّرة109
حوادث السنة الاَُولى من الهجرة111
أحداث السنة الثانية من الهجرة116
1. تغيير اتّجاه القبلة119
2. معركة بدر120
نتائج وآثار معركة بدر125
3. العمليّات العسكريّة الصغيرة127
4. زواج السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)128
الفصل السادس :133
أحداث السنة الثالثة من الهجرة133
1. معركة أُحد133
2ـ غزوة حمراء الاَسد136
أحداث السنة الرابعة من الهجرة140
1. النتائج السلبية لمعركة أُحد140
2. غزوة بني النضير141
3.غزوة ذات الرقاع143
4. تحريم الخمر144
الفصل السابع :145
أحداث السنة الخامسة من الهجرة145
1. غزوة دومة الجندل147
2. غزوة الاَحزاب147
عوامل تفرّق الاَحزاب150
3. غزوة بني قريظة152
4. زواج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بزينب بنت جحش154
أحداث السنة السادسة من الهجرة155
1. اليهود155
2. قبيلة بني لحيان155
3. بنو غطفان156
4. غزوة بني المصطلق156
5. قصة الاِفك158
6. الحديبية: رحلة دينية سياسية160
الفصل الثامن :171
أحداث السنة السابعة من الهجرة171
1. إعلان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن رسالته عالمياً171
2. أحداث خيبر: بوَرة الخطر179
3. قصة فدك185
فدك بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)187
4. عمرة القضاء188
أحداث السنة الثامنة من الهجرة190
1. معركة موَتة190
2. غزوة ذات السلاسل192
3. فتح مكّة194
هدم بيوت الاَصنام205
4. معركة حنين206
5. غزوة الطائف208
الفصل التاسع :217
أحداث السنة التاسعة من الهجرة217
1. عام الوفود217
2. هدم الاَصنام218
3. غزوة تبوك: وهي قلعة قويّة في طريق حجر والشام.219
4. مسجد ضرار224
5. وفد ثقيف225
6. إعلان البراءة من المشركين في منى226
أحداث السنة العاشرة من الهجرة229
1. ورود وفد نجران، و المباهلة229
2. وفود القبائل في المدينة233
3. حجّة الوداع234
4. الخلافة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)237
5. المرتدّون من المتنبّئين241
6. الاَخطار الخارجية241
7. مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)243
8. وفاة ابنه إبراهيم244
أحداث السنة الحادية عشرة من الهجرة245
1. الكتاب الذي لم يكتب245
2. اللحظات الاَخيرة246
الفصل العاشر :249
العادات و التقاليد في جزيرة العرب قبل الاِسلام251
وأد البنات251
موقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الخرافات التي سادت الجزيرة العربية251
الحالة الاجتماعية في إيران الساسانية252
حفر زمزم254
الوفاء بالعهد والنذر255
رأي قريش في القرآن257
لماذا عارضت قريش النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعاندته؟259
عبس و تولّى260
أُسطورة الغرانيق261
لمحات من تضحيات وحبّ أبي طالب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)262
تخطيط النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) العسكري يوم بدر263
من أحداث معركة أُحد265
من أحداث غزوة تبوك270
مأساة الدعاة والمبلّغين271
إسلام كعب بن زهير بن أبي سلمى273
إسلام عدي بن حاتم275
المصادر و المراجع 277


5

مقدمة الموَلّف

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ أعظم صفحات التاريخ قيمة، هي تلك التي تعكس لنا حياة العظماء، وسيرةالرجال الخالدين، والتي تبحث عنهم بصدق وأمانة وموضوعية، ذلك إنّهم معجزة الخليقة بلا ريب، وحياتهم في الحقيقة ملحمة التاريخ الكبرى، وساحة البطولات الخالدة، ومسرح الحماسات العظمى الحيَّة النابضة على مر العصور.

لقد كان أُولئك العظماء يعيشون على خط الثوارات و التغييرات الاجتماعية، تجد مصداقيّتها في حياتهم، وتتجسّد في مواقفهم،ولهذا كانوا يشكّلون حلقة الاتّصال بين مظاهرالدنيا المختلفة المتناقضة، فكانت حياتهم الحافلة بالاَحداث، شاهدةً للاَلوان والمشاهد المثيرة المتنوعة.

ويأتي على رأس أُولئك الرجال التاريخيين والعظماء الخالدين، رسولُ الاِسلام العظيم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، إذ أنّه لم تتسم حياة أحد ـ من حيث وفرة الاَحداث وعظمة الاَمواج ـ كما اتّسمت حياته«صلى الله عليه وآله وسلم» ، ولا اتّصفت شخصيةً بمثل ما اتّصف به ذلك النبيُّ العظيم. فلم يستطع أحدٌ سواه، أن يوَثّر في بيئته،ثمّ في جميع أنحاء العالم، وينفذ إلى أعماق الاَعماق بمثل السرعة والسعة التي حصلت له (صلى الله عليه وآله وسلم) .

إنّمطالعة عميقة لسيرة وحياة هذا الاِنسان العظيم، قادرة على أن تعلمنا الكثيرَ الكثيرَ، وأن توقفنا على مشاهد متنوعة في غاية النفع ومنتهى الفائدة.

وقد أُلّفت حول حياة رسول الاِسلام كتبٌ ورسائل ودراسات كثيرةٌ، بحيث


6

لو أُتيح لنا أن نجمعها في مكان واحد، لشكّلت مكتبةً ضخمة وعظيمة.

ويمكن القول بأنّه ليس ثمّة من عظيم استقطب اهتمام التاريخ والموَرّخين والمفكّرين، كما أنّه ليس ثمّة شخصيةً عالمية كتب حولَها الموَلّفون والباحثون، هذا القدرَ الهائلَ من الموَلّفات والمصنّفات والرسائل والكتب، مثل ما حصل للرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) .

إلاّ أنّ أكثر هذه الكتب والموَلّفات تعاني من أحد إشكالين:

إمّا أنّه جاء على نَسَق التسجيل المجرّد للحوادث، أو النصوص التاريخية دون أن يقوم موَلّفُه بتحليلها ودراسة خلفيّاتها ونتائجها وإصدار الحكم اللازم بشأنها.

أو عَمَدَ إلى طائفة من الآراء الحدسية والاجتهادات الباطلة العارية عن الدليل، وإثباتها في موَلّفه على أنّها الحكمُ الحقّ، وخلط هذه الاَحكام مع الاَحداث، ليخرج كتابه إلى الجمهور المتعطّش إلى تاريخ الاِسلام، على أنّه التاريخ المحقَّق.

ويمكن الردُّ على هوَلاء، بأنّ الهدف من التاريخ ليس مجرّد تسجيل للحوادث وضبطها وتدوينها، بل هو تناول أحداثه من المصادر الصحيحة الموثوق بها، وإبراز عللها، وأسبابها وثمارها ونتائجها، وهو بهذا الشكل يصبح أعظم كنز تركه الاَقدمون لنا.

لقد تجنّب أكثر كُتّاب السيرة النبوية عن إظهار الرأي في الحوادث، أو القيام بأيّ تحليل للوقائع، بحجّة الحفاظ على أُصول الحوادث ونصوصها، بل إنّ أكثر الحوادث التاريخية في العصر الاِسلامي أُدرجت في الكتب من دون دراسة موضوعية وتقييم دقيق.

أمّا هذا الكتاب فإنّه يتميّز بميزتين هامتين:

أوّلها: إنّنا عمدنا فيه إلى تناول الحوادث والوقائع المهمة، ذات الفائدة


7

الكبرى والعبر ، بالبحث والتحليل مع إبعاد الاَحداث الجزئية الصغرى، و قد اتّخذنا تلك الاَحداث من المصادر الاَصلية و الاَوّلية التي دوّنت في القرون الاِسلامية المشرقة الاَُولى.

وثانيتهما: إنّنا أشرنا خلال الدراسة، إلى الاعتراضات والاِشكالات، وإلى مواطن الاِساءة التي قدّمها المستشرقون المغرضون، وتناولناها بالاِجابة على كلّ تلك الانتقادات غير الصحيحة بأجوبة مقنعة وقاطعة.

ولهذا بادرنا إلى ذكر رأى الموَلّفين الشيعة في المسائل التي اختلف عليها موَرّخو السنّة والشيعة، مع ذكر المصادر والشواهد التاريخية الواضحة المبرهنة.

وإنّنا إذ نقدّم هذه الدراسة التحليلية لشخصية وحياة خاتم الاَنبياء محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى القرّاء الكرام، نأمل أن يهتم بها عامّةُالمسلمين وخاصةً المثقفون والشباب منهم، ليتناولوا هذه السيرة العطرة بالمطالعة المتأنيَّة و التأمّل والتدبّر، حتى يمكنهم أن يرسموا خريطة حياتهم وحياة مجتمعهم في ضوء ما يستلهمونه ويتعلَّمونه من سيرة وحياة رسول الاِسلام«صلى الله عليه وآله وسلم» في هذه الحقبة البالغة الخطورة.

واللّه وليُّ التوفيق

جعفر السبحاني

قم المقدّسة ـ موَسّسة الاِمام الصادق (عليه السلام)

الاَربعاء 27 محرم 1420هـ

12|5|1999م


8


9

مقدمة الملخّص

كان لي الشرف العظيم والافتخار أن أتقابل مع الاَُستاذ المحقّق و العلاّمة الشيخ جعفر السبحاني في مكتبه بقم المقدسة، حينما جمعتني به الظروفُ والصّدفُالحسنة الطيبة والمباركة، أدام اللّه ظلّه وأطال في عمره الشريف، فقد كنتُ في قم المقدّسة بهدف تقييم كتابي:«أهل البيت «عليهم السلام» وآثارهم في المجتمع الاِنساني» الّذي كان يستدعي أن أعرضه على عدد من علمائنا الاَفاضل ـ أطال اللّه في أعمارهم وجعلهم أنواراً في الاَرض ـ ليقدّموا ما لديهم من مقترحات حول ما جاء فيه من أفكار وآراء قد لا تتناسب مع جزئيات الدين أو المذهب أو المعتقدات الخاصة بالمسلمين عامة و الشيعة خاصة.

وكان الشيخُ الفاضل ممن أُوصيت بالاتّصال به للمساعدة في هذا الجانب، فتشرَّفت بلقائه وتقبّل ما عرضت عليه، فله الشكرُ و التقديرُ والاحترام، إلاّ أنّه في نفس الوقت تقدّم هو الآخر بعرضٍ مماثل، وهو أن أقوم بتلخيص كتابه الكبير : «سيد المرسلين» الذي يتناول فيه سيرة الرسول الكريم محمّد «صلى الله عليه وآله وسلم» ، وذلك ليسهل تداوله في الاَيدي، فيطّلع عليه شبابنا المثقّف في هذا الزمن الذي امتنع فيه عن قراءة الكتب المطوّلة ذات الاَجزاء المتعدّدة، بل بالكاد يطلع على أقلّ الكتب صفحات وموضوعات وأفكار. وكان عرضه في الحقيقة شرفاً كبيراً لي، وتقديراً منه لي أيضاً، في الوقت الذي اندهشت لعرضه، إذ انّني في كتابي« أهل البيت» تناولت ما يتعلّق من أحداث عن الاَئمّة الاثني عشر «عليهم السلام» وأولادهم وأحفادهم، دون التعرّض للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والسيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام) إلاّ نادراً، فأصبح هذا الكتاب وكأنّه يكمل


10

ولا شكّ ما جاء من وقائع وأحداث في كتابي أهل البيت «عليهم السلام» .

وقد نهج الكاتب العظيم في تأليفه، بأن قسمّ كتابه إلى جزءين: تناول في الاَوّل منهما أحداث الاِسلام والمسلمين في مكة إلى زمن الهجرة إلى يثرب. وفي الجزء الثاني، قدم شرحاً مفصلاً لاَحداث المدينة المنورة سنةً بعد سنةً، إلاّ أنّه لم يتخذ منهج التنظيم، شكلَ الاَبواب والفصول، بل نهج في تنظيمه بالاَعداد والاَرقام.

ولما كنت أميل نحو تنظيم الكتب في موَلفاتي إلى الاَقسام والاَبواب والفصول، فإنّي قمت بتقسيمه أوّلاً إلى قسمين: اختص الاَوّل بأحداث مكّة المكرّمة.

والثاني: ارتبط بوقائع ومجريات الاَُمور في المدينة المنورة.

ثمّ إنّ كلّ قسم اتّخذ عدة فصول بحسب الاَحداث و الوقائع وأهميتها. كما أنّي أضفت عدّة فقرات كانت بحاجة إلى تفسير بعض الاَحداث أو المواقع أو الشخصيات. ثمّ أعددت قائمة منظمة للمراجع والمصادر التي استفاد منها الموَلّف كما أعددت فصلاً خاصاً تناولت فيه ما جاء من قصص وروايات في كتاب العلاّمة الشيخ تثري المعلومات المقدمة.

وأرجو من اللّه العلي القدير أن يكون قد وفّقني في عملي المتواضع هذا، وأن يتقبّله الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأهل بيته الكرام، فيكون شفيعاً لي ولاَهلي يوم القيامة، وأن يُرضِيَ به أُستاذنا وشيخنا المحقّق العلاّمة جعفر السبحاني، أطال اللّه عمره بالصحّة الموفورة، ووفّقه لما فيه الخير والمصلحة للاِسلام والمسلمين.

د|يوسف جعفر سعادة

الكويت

21 ربيع الاَوّل1420هـ

4|7 (يوليو)|1999م


11

القسم الاَوّل

مكّة المكرمة

و فيه فصول:

1. العرب قبل الاِسلام

2. الرسول الاَكرم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)

3. البعثة النبوية

4. مواجهة المسلمين للكفّار


12


13

الفصل الاَوّل

العرب قبل الاِسلام

الاَحوال الداخلية في شبه الجزيرة العربية

الاَحوال السياسية في المنطقة المجاورة

التعريف بأسلاف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)


14


15

1. الاَحوال في جزيرة العرب

لم تكن القبائل العربية الجاهلية المتناحرة، تعيش أيّة حضارة، ولم تكن تمتلك أيّة تعاليم وقوانين وأنظمة وآداب قبل مجيء الاِسلام، فقد كانت محرومةً من جميع المقوّمات الاجتماعية التي توجب التقدّمَ والرقي، ولذا فلم يكن من المتوقع أن تصل إلى تلك الذرى الرفيعة من المجد والعظمة، ولا أن تنتقل من نمط الحياة القبلية الضيقة إلى عالم الاِنسانية الواسع و أُفق الحضارة الرحيب، بمثل هذه السرعة التي وصلت إليه، والزمن القصير الذي انتقلت فيه.

ويمكننا أن نقف على وصف دقيق لحالة العرب قبل الاِسلام، من خلال مصدرين إسلاميين أساسيّين، وهما:

1. القرآن الكريم، وهو خير مرآة تعكس أحوال العرب وأوضاعهم بالدقّة والشمولية.

2. ما صدر عن الاِمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة في وصف الحالة قبل الاِسلام.

فقد ورد فيهما تصريحاتٌ ونصوصٌ صريحة تكشف عمّا كان عليه العرب في الجاهلية من سوء أحوال، وأوضاع، وأخلاق في جميع الاَبعاد والاَصعدة.


16

وبالرغم من أنّ العرب من ولد عدنان قد اتّصفوا بصفات حسنة، إذ كانوا يكرمون الضيف، وقلّما يخونون الاَمانة، ويضحّون في سبيل المعتقد، ويتحلّون بالصراحة الكاملة، إضافة إلى براعتهم في فن الشعر والخطابة، وكونهم يضربُ بهم المثل في الشجاعة والجرأة، إلاّ أنّهم إلى جانب كلّذلك، كانوا يعانون من مفاسد أخلاقية تطغى على ما لديهم من كمال وفضيلة.

فالمجتمع العربي وخاصة منطقة الحجاز لم تقم فيها حضارة،أو أنّه لم يبق أي أثر من هذه الحضارات فيها إلى ما قبل بزوغ الاِسلام، وقد شاعت فيه أخلاق وعادات كان أبرزها:

ـ الشرك في العبادة، حيث عبدوا الاَصنام والاَوثان والنجوم.

ـ إنكار المعاد، أي عودة الاِنسان إلى الحياة في العالم الآخر.

ـ هيمنة الخرافات، التي كانت تكبّل عقول الناس في المجتمع، حيث تركزت فيها، فكانت سبباً قوياً في تخلّفهم، وسداً منيعاً في طريق تقدّم الدعوة الاِسلامية، فيما بعد، ممّا جعل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يعمل بكلّ طاقاته وجهده في محو وإزالة تلك الآثار الجاهلية، والاَفكار والمعتقدات الخرافية.

ـ الفساد الاَخلاقي، مثل انتشار القمار ـ الميسر ـ والخمر و الزنا واللواط والبغاء.

ـ وأد البنات، وهي العادة القبيحة التي اعتبرها القرآن الكريم جريمة نكراء لا تمر في الآخرة بدون حساب شديد.

ولذا فإنّ المرأة كانت محرومة من جميع الحقوق الاجتماعية حتى حقّ الاِرث، كما عدّها المثقفون من الحيوانات تباع وتشترى، وجزء من أثاث البيت.


17

وكان الرجل يتزوج بزوجة أبيه متى طلقها أو بعد وفاته، و ربما تناوب الاَبناء على امرأة أبيهم واحد بعد واحد، كما كان الرجل يرث امرأة من قرابته إذا مات عنها، مثلما يرث أمتعة المنزل، إضافة إلى أنّهم كانوا يورثون البنين دون البنات.

ـ تناول الدم والميتة والخنزير، وأكل الحيوانات التي يقتلونها بقسوة.

ـ النسيء، وهو تأخير الاَشهر الحرم، كان يقوم به سدنة الكعبة أو روَساء العرب، عندما كانوا يقررون استمرار الحرب و الغارات في الاَشهر الحُرم.

ـ الربا، الذي شكّل العمود الفقرى في اقتصادهم.

ـ النهب والسلب، فقد كان انتهاب ما في أيدي الناس، والاِغارة والقتال، من العادات المستحكمة عندهم، حتى إنّ بعض حروبهم كانت تمتدّ إلى مائة سنة أو أكثر، حيث كانت الاَجيال تتوارث تلك الحروب، وقد بلغ ولعهم بالقتال وسفك الدماء أن جعلوها من مفاخر الرجال.

ـ أمّا عن الجانب العلمي والثقافي، فإنّ أهل الحجاز وُصِفوا بالاَُمّيين، فلم يتجاوز عددُ الّذين عرفوا القراءة والكتابة في قريش ما قبل الاِسلام عن(17) شخصاً في مكة ، و (11) نفراً في المدينة المنورة.

ومن ذلك يمكن القول أنّ تاريخ العرب قبل الاِسلام وبعده،تاريخان على طرَفي نقيض: الاَوّل جاهلي ووثني وإجراميّ، والثاني تاريخ علم ووحدانية وإنسانية وإيمان.

ومن التخلّف والانحطاط في الاَوّل، يمكن معرفة مدى تأثير الاِسلام وعظمة التعاليم الاِسلامية في جميع المجالات والحقول المعيشية. فكيف تحقق


18

ذلك التطور العظيم لهوَلاء العرب الجاهليّين في الجزيرة العربية، في حين لم يستطع عربُ اليمن الذين امتلكوا الشيء الكثير من الثقافة والحضارة، وعاشوا حياة حضارية متطورة، أن يصلوا إلى هذه النهضة الشاملة، أو تقيم مثل هذه الحضارة العريضة، أو عرب الغساسنة الذين جاوروا بلاد الشام المتحضّرة، والذين عاشوا تحت ظلّ حضارة الروم، أن يصلوا إلى تلك الدرجة من الثقافة، أو عرب الحيرة الذين عاشوا تحت ظل إمبراطورية الفرس أن ينالوا مثل ذلك الرقيّ والتقدّم، في الوقت الذي تمكّن فيه عرب الحجاز من تحقيق تلك النهضة الجبارة، وورثوا الحضارة الاِسلامية العظمى، في حين لم يكن لهم عهدٌ بأيّ تاريخ حضاريّ مشرق، بل كانوا يرزحون تحت أغلال الاَوهام والخرافات والاَساطير والعادات السيّئة.

وخيرُمن يوضّح تلك الاَوضاع والاَحوال، هو الاِمام علي (عليه السلام) في الخطبة الثانية من «نهج البلاغة»:

« والناسُ في فِتَن انجذم(1)فيها حبلُ الدين، وتزعزعت سواري(2)اليقين، واختلف النجرُ (3) و تشتُّت الاَمرُ، وضاق المخرجُ،وعمي المصدرُ، فالهدى خامل، والعمى شامل، عصي الرحمن ونُصر الشيطان، وخُذِلَ الاِيمانُ فانهارت دعائمهُ، وتنكّرت معالمُه،ودرست (4)سبلُه،وعفت شركه(5) ... فهم فيها تائهون حائرون جاهلون مفتونون في خير دارٍ وشرِّ جيرانٍ، نومُهم سُهود، وكُحلهم دموع، بأرض عالمها مُلجَم وجاهلها مُكرَم».

1 . إنقطع.

2 . الدعائم.

3 . الاَصل.

4 . ِنطمست.

5 . الطرق.


19

وفي الخطبة 26 قال (عليه السلام) :

«إنّاللّه بعث محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) نذيراً للعالمين وأميناً على التنزيل، وأنتم معشر العرب على شرّ دين وفي شرّ دار منيخون(1) بين حجارة خُشن(2)هث، وحيّات صُمّّ(3) تشربون الكَدر، وتأكلون الجشِب(4) وتسفكون دماءكم، وتقطعون أرحامكم، الاَصنام فيكم منصوبةٌ، والآثام بكم معصوبة (5).

و قال (عليه السلام) في الخطبة 95:

«بعثه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والناس ضُلاّل في حيرة، وحاطبون في فتنةٍ،قد استهوتهم الاَهواءُ،واستزلّتهم الكبرياءُ، واستخفّتهم(6)الجاهلية الجهلاءُ، حَيارى في زلزالٍ من الاَمر، وبلاءٍ من الجَهل، فبالَغَ (صلى الله عليه وآله وسلم) في النصيحة، ومضى على الطريقة، ودعا إلى الحكمة والموعظة الحَسَنة».

وأيضاً في الخطبة151: قال (عليه السلام) :

«أضاءت به (صلى الله عليه وآله وسلم) البلاد بعد الضلالة المظلمة، والجهالة الغالبة، والجفوة الجافية، والناس يستحلون الحريمَ،ويستذلون الحكيمَ، يحيون على فترة(7) ويموتون على كفرة».

وقد أكد تلك الاَحوال والحياة، أيضاً، جعفرُبن أبي طالب، عندما خطب أمام

1 . مقيمون

2 . جمع خشناء من الخشونة.

3 . التي لا تسمع لعدم إنزجارها بالاَصوات.

4 . لطعام الغليظ.

5 . مشدودة

6 . طيّشتهم.

7 . على خلوّ من الشرائع.


20

النجاشي في الحبشة، يشرح أحوال المسلمين والمشركين، فقال:

«أيّها الملك، كُنّا قوماً أهل جاهلية نعبدُ الاَصنام، ونأكلُ الميتة،ونأتي الفواحش،ونقطعُ الاَرحام،ونسيء الجوار، ويأكلُ القويُّمنّا الضعيف، فكنّا على ذلك، حتّى بعث اللّه إلينا رسولاً منّا نعرف نَسَبَه وصدقَه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى اللّه لنوحّده ونعبده،ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباوَنا من دونه من الحجارة والاَوثان،وأمرَنا بصدق الحديث،وأداء الاَمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار،والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكلِ مال اليتيم، وقذف المحصَنات. وأمرنا أن نعبد اللّه وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام».(1)

2. الاَحوال السياسية في المنطقة

لقد جاروت البيئة الّتي ظهر فيها الاِسلام أعظم امبراطوريتين في ذلك الوقت هما: إمبراطوريةالروم والفرس، وهذا ممّا يجعلنا ندرس أحوالهما لنقف على قيمة الحضارة التي قدّمها الاِسلام.

فامبراطورية الروم تميّزت الاَحوال فيها بالحروب الداخلية والخارجية، وخاصّة في صراعها مع دولة فارس، كما كان للمنازعات الطائفية والمذهبية نصيبها في توسيع رقعة الاختلاف فيها، كالحرب بين المسيحيين والوثنيين، حينما مارس رجال الكنيسة أشدّ أنواع الضغط والاضطهاد بحقّ الآخرين، الاَمر الذي ساعد على إيجاد أقلية ناقمة، كما ساعد على ظهور حالة مهدت لتقبّل الشعب الروماني للدعوة الاِسلامية فيما بعد. هذا مضافاً إلى أنّ اختلاف رجال الدين فيما

1 . السيرة النبوية 1| 335 والحديث عن أُمّسلمة.