فهرست عناوين
تهذيب الاصول

تقرير البحث سيدنا

العلامة الاكبر و الاستاذ الاعظم

آية الله العظمى مولانا الامام

روح الله الموسوى الخمينى

دام ظله الوارف

جعفر السبحانى

الجزء الثانى

مصححة و منقحة

مؤسسة النشر الاسلامى ( التابعة )

لجماعة المدرسين بقم المشرفة ( ايران )


2

الكتاب : تهذيب الاصول ( ج 2 )

تقرير ابحاث : آية الله العظمى الامام الخمينى ( ( دام عزه العالى ) )

المؤلف : جعفر السبحانى

الناشر : مؤسسة النشر الاسلامى التابعة لجماعة المدرسين ب (( قم المشرفة )) ايران

تاريخ الطبع : 1405 ه . ق - 1363 ه . ش

المطبوع : 3000 نسخة .

فهرست عناوين
فهرس الجزء الثاني‏
خطبة الكتاب‏
المقصد السادس في الامارات المعتبرة عقلا و شرعا5 - 137
تقسيم المكلف الملتفت الى الاقسام الثلاثة5
الاشكال على التثليث الوارد في كلام الشيخ الاعظم و المحقق الخراسانى‏6
بيان آخر في تقسيم المكلف الملتفت الى احوال خاصة7
الكلام في ان الطريقية من ذاتيات القطع او لوازمه و الاشكال عليه‏8
القول في التجري‏11
هل البحث عن احكام التجري بحث اصولي او فقهي او غير هما ؟11
نقد ما افاده المحقق الخراساني من امتناع تعلق الحرمة بالمقطوع به بما هو مقطوع به‏12
في استحقاق المتجرى العقوبة و عدمه‏13
الفعل المتجرى به لا يخرج عما هو عليه من العنوان الواقعي‏15
في اقسام القطع و احكامه‏18
اخذ القطع تمام الموضوع او جزءه بنحو الوصفية او الطريقية19
نقد ما افاده بعض الاعاظم من انكار جواز اخذ القطع الطريقي تمام الموضوع‏20
التفصيل بين كونه تمام الموضوع للحكم المضاد و المماثل و بين كونه بعض الموضوع‏22
نقد ما افاده بعض الاعاظم من التفصيل بين اقسام الظن‏24
في اخذ القطع تمام الموضوع لحكمه‏27
نقل كلام بعض الاعاظم حول الاطلاق و التقييد اللحاظى و نتيجتهما28
تفصي بعض محققي العصر عن الدور31
امكان قيام الاصول و الامارات مقام القطع ثبوتا33
اشكال بعض الاعاظم على تصوير القطع الطريقي على نحو تمام الموضوع‏34
قيام الامارات و الاصول مقام القطع اثباتا35
تقسيم القطع المأخوذ في الموضوع الى قسمين‏37
في قيام الاصول مقام القطع‏39
نظرية كون الاستصحاب امارة حيث لا امارة42
قيام قاعدة التجاوز مقام القطع‏43
في الموافقة الالتزامية44
امتناع عقد القلب على خلاف ما حصل عليه القطع‏46
ما افاده السيد المحقق الفشاركي‏47
نقد كلام بعض الاعيان من المحققين في المقام‏48
الموافقة الالتزامية من الامور القهرية لا يتعلق بها الامر49
في العلم الاجمالى‏51
المرحلة الاولى في ثبوت التكليف بالعلم الاجمالى‏51
اشكال وجواب‏53
المرحلة الثانية في سقوط التكليف بالامتثال الاجمالى‏55
الكلام في الظن‏59
المحذورات المتوهمة في التعبد بالظن‏60
حديث تفويت المصلحة و الالقاء فى المفسدة في التعبد بالظن‏61
المصلحة السلوكية و توضيح المقصود منها64
محذور اجتماع الضدين و النقيضين و المثلين‏65
محذور اجتماع الارادة الوجوبية و التحريمية67
محذور التدافع بين ملاكات الاحكام‏70
الجمع بين الحكم الظاهرى و الواقعي‏70
نقد نظرية بعض الاعاظم بالتفصيل‏71
حول ما افاده بعض الاعاظم في الاصول المحرزة74
حول ما افاده في غير المحرزة من الاصول‏75
نقد نظرياته في تلك المواقف‏77
تقريب ثان لبعض محققي العصر في الجمع بين الاحكام الواقعية و الظاهرية79
نقد تلك النظرية80
تقريب ثالث نقله شيخنا العلامة عن السيد الفشاركي‏82
نقد ما ذكره السيد الجليل الفشاركي‏83
تاسيس الاصل في التعبد بالظنون‏84
التشريع غير القول بغير علم‏85
ما هو الاصل في التعبد بالظنون‏87
تقرير الاصول في العمل بالظن و نقده‏89
في حجية الظواهر93
حول مقالة المحقق القمي‏95
مقالة الاخباريين في ظواهر الكتاب‏96
البحث عما يتعين به الظاهر97
في الاجماع المنقول‏98
في الشهرة الفتوائية100
في حجية الخبر الواحد103
مشكل الدور في رادعية الايات للسيرة106
استدلال النافين للحجية بالسنة107
ادلة القائلين بحجية الخبر الواحد108
حول آية النبأ و الاشكالات المعروفة حول الاستدلال بها109
حول ما لا يختص من الاشكال باية النبأ115
شمول الادلة للاخبار بالواسطة118
ما افاده بعض اعاظم العصر في هذا المجال‏120
جولة حول الاجوبة الماضية124
نظرنا في دفع الاشكالات‏126
الاستدلال باية النفر127
الاستدلال على حجية قول الثقة بالاخبار130
الاستدلال على الحجية بالسيرة العقلائية133
المقصد السابع في الاصول العملية439 - 136
القول في الشك في التكليف‏136
معنى الحكومة و انها قائمة بلسان الدليل الحاكم‏137
الاستدلال على البرائة بقوله: « و ما كنا معذبين»139
جولة حول مفاد الاية140
الاستدلال على البرائة ببعض الايات‏142
الاستدلال على البرائة من طريق حديث الرفع‏146
شبهات حول الاستدلال بالحديث‏147
هل الرفع بمعناه الحقيقى او بمعنى الدفع‏152
النسبة بين العناوين الواردة في الحديث و ادلة الاحكام الواقعية155
ما هو المصحح لنسبة الرفع الى هذه العناوين‏156
هل المرفوع عموم الاثار او غيرها158
التمسك بالحديث في نسيان الجزء او الشرط للمأمور به‏160
في تعلق النسيان بالاسباب‏165
القول في الاكراه و الاضطرار167
القول في المسببات‏169
الاستدلال على البرائة بحديث الحجب‏172
الاستدلال بقوله : « كل شي‏ء لك حلال»175
الاستدلال بحديث « ان الله احتج على الناس»177
الاستدلال بمرسلة الصدوق‏179
المختار في معنى الرواية185
الاستدلال بصحيحة عبدالرحمان بن الحجاج‏186
الاستدلال على البرائة بالاجماع و العقل‏188
قاعدة وجوب دفع الضرر و المحتمل‏189
استدلال الاخباري على وجوب الاحتياط بالايات‏192
احتجاج الاخباري على وجوب الاحتياط بالسنة195
جولة حول مقبولة عمر بن حنظلة199
توضيح التثليث الواقع في كلام النبي ( ص ) و الامام (ع)202
تمسك الاخباري بالدليل العقلى‏204
انحلال العلم الاجمالي في المقام‏206
نقل ما افاده المحقق الخراسانى في هذا المقام‏208
نقل ما افاده بعض الاعيان المحققين في هذا المقام‏209
استدلال آخر للاخباري‏212
توضيح الاصل الموضوعي المنقح حال الموضوع‏213
استصحاب عدم التذكية و ما فيه من الاشكالات‏215
حول العدم الازلي عند الشك في القابلية و التذكية217
حول ما افاده بعض الاعاظم في استصحاب عدم القرشية219
ما هو حقيقة التذكية و هنا مباحث هامة222
حسن الاحتياط و محبوبيته عند العقل‏229
تصحيح عبادية الشي‏ء باوامر الاحتياط231
تصحيح العبادية باخبار من بلغ‏232
توضيح مفاد تلك الاخبار233
دوران الامربين وجوب الشي‏ء و حرمته‏237
في جريان الاصل عند دوران الامر بين المحذورين‏240
في جريان البراءة الشرعية في المقام‏242
في الشك في المكلف به‏247
هل العلم الاجمالى علة تامة لوجوب الموافقة و حرمة المخالفة أولا ؟247
الفرق بين العلم الوجداني بالحكم و العلم بشمول اطلاق الحديث‏248
هل يجوز جعل الترخيص في اطراف العلم الاجمالي أولا ؟250
البحث حول الروايات الواردة في اطراف العلم الاجمالي‏253
البحث حول موثقة مسعدة بن صدقة256
ما هو المانع عند الشيخ الاعظم عن شمول الروايات لا طراف العلم الاجمالى‏258
تقريب لكون الاستصحاب أصلا محرزا260
ابطال ذلك التقريب‏261
وجوب الموافقة القطعية و عدمه‏263
تقريبات من المشايخ العظام‏265
في تنجيز العلم الاجمالى في التدريجيات‏271
في الاضطرار الى احد الاطراف‏272
اقسام الاضطرار273
مختار المحقق الخراسانى في الكتاب و هامشه‏276
في الخروج عن محل الابتلاء278
الفرق بين الخطابات القانونية و الخطابات الشخصية280
توضيح صحيحة على بن جعفر فيمن رعف‏284
استدلال بعض الاعاظم على وجوب الاحتياط285
رجوع الجهات التعليلية الى الجهات التقييدية288
في الشبهة غير المحصورة290
حول مرسلة معاوية بن عمار و غيرها من الروايات‏292
ما هو الميزان فى كون الشبهة غير محصورة293
في ملاقي الشبهة المحصورة297
مختار سيدنا الاستاذ في الدورة السابقة و العدول عنه‏299
تفصيل المحقق الخراساني و ما فيه من الاشكال‏300
ما هو الاصل الشرعي في الملاقي‏307
فذلكة البحث و عصارته‏309
شبهة في الملاقي‏311
ما افاده شيخنا العلامة حول الشبهة312
تنبيهات : وجوب الاحتياط عند الجهل بالقبلة315
الفرق بين الشبهات البدئية و المقرونة بالعلم في تحقق الامتثال‏316
عدم جواز استيفاء محتملات العصر قبل استيفاء محتملات الظهر318
في الاقل و الاكثر321
وزان المركبات الاعتبارية في عالم الاعتبار و زان المركبات الحقيقية في الخارج 323
ترتيب مقدمات لجريان البرائة عن الاكثر325
الاشكال الاول على جريان البرائة في المقام و نقده‏328
الاشكال الثاني و الجواب عنه‏331
الاشكال الثالث و الجواب عنه‏332
الاشكال الرابع بالتقريب الاول و نقده‏334
التقريب الثانى لا ثبات الاشتغال في الاقل و الاكثر و نقده‏335
الاشكال الخامس و السادس و الجواب عنهما337
الاشكال السابع و الجواب عنه‏340
الاشكال الثامن و هو آخر الاشكالات و نقده‏343
ما هو مقتضى الاصل الشرعي في المقام‏344
دوران الامر بين المطلق و المشروط345
القول في الاسباب و المسببات‏348
استجلاء الحقيقة في الاسباب الشرعية351
في الشبهة الموضوعية من الاقل و الاكثر354
بيان حال الاقسام المتصورة355
هل الأصل في الاجزاء و الشرائط هو الركنية أولا ؟360
ما هو الاصل العقلي عند ترك الجزء نسيانا ؟363
امكان خطاب الناسي و عدمه و تقريبه من وجوه‏364
ما هو مقتضى الاصل الشرعي في المقام‏368
صحة التمسك بحديث الرفع لرفع الجزئية في حال النسيان‏370
دفع الاشكالات المتوهمة في المقام‏371
المقام الثالث في حال الزيادة العمدية و السهوية374
التمسك بالاستصحاب لا ثبات الصحة378
المقام الرابع في قيام الدليل على خلاف مقتضى القاعدة381
ما هو النسبة بين روايتي « من زاد » و « لا تعاد»383
حال القاعدة مع قوله : اذا استيقن‏388
الاضطرار الى ترك احد القيود الوجودية او العدمية392
في ما اذا لم يكن لدليل المركب و دليل الجزء اطلاق‏395
في مفاد القواعد الثانوية397
حول قاعدة الميسور401
القول في العلويين‏403
توضيح محتملات الحديث‏406
ما هو الشرط في جريان قاعدة الميسور408
في شرائط جريان الاصول‏411
الاحتياط في ما اذا كان الحجية على خلافه‏414
في شروط البرائة العقلية416
الفحص في الشبهات الموضوعية422
ما هو الملاك عند المخالفة423
اذا انجر ترك الفحص الى ترك واجب مشروط426
القول المحكى عن المحقق الاردبيلى في الوجوب النفسي‏428
صحة عمل الجاهل المقصر في موردين‏430
في شرائط البرائة الشرعية435
في قاعدة « لا ضرر و لا ضرار»505 - 440
نقل ما ورد من الروايات في المقام‏441
جولة حول الروايات‏447
حديث الشفعة و منع فضل الماء449
حل العقدة و توضيح مفاد الحديث‏452
في تذيل القاعدة بكلمتي « في الاسلام » او « على مؤمن » و عدمه‏454
في معنى الضرر و الضرار458
الفرق بين الضرر و الضرار461
ما افاده ائمة اللغة حول « الضرار»464
في توضيح مفاد الهيئة التركيبية465
نقد ما ذكر من الوجوه حول كلام الشيخ الاعظم‏473
حول ما افاده شيخ الشريعة الاصفهاني‏478
حول المختار في معنى الرواية481
المناصب الثلاثة للنبي الاكرم ( ص‏482 (
النهي في القاعدة نهي سلطاني لاحكم شرعي‏487
فذلكة المباحث الماضية490
تنبيهات حول القاعدة - التنبيه الاول‏492
التنبيه الثاني‏496
التنبيه الثالث‏498
التنبيه الرابع‏500
في الاجتهاد و التقليد593 - 506
الافتاء و فيه جهات من البحث‏508
المبادى‏ء التى تدور رحى الاستنباط510
القضاء و فيها جهات من البحث‏516
حول مقبولة عمر بن حنظلة519
شرطية الاجتهاد المطلق في الوالي و القاضي و عدمها523
في استقلال العامي بالقضاء و عدمه‏527
جواز نصب العامي للقضاء و عدمه‏531
جواز توكيل الفقيه العامى للقضاء534
القول فيمن يؤخذ عنه الفتوى‏535
التقليد و ادلة جوازه‏539
الشبهة في الاجتهاد الرائج في زماننا541
وجود الاجتهاد في عصر الائمة541
مناط السيرة العقلائية في جواز التقليد546
في لزوم الاخذ بقول الاعلم و عدمه‏549
الاستدلال على جواز تقليد المفضول بالايات‏551
الاستدلال على جواز تقليد المفضول بالروايات‏555
الاستدلال على لزوم الرجوع الى الاعلم‏560
حول المتساويين في الفقاهة عند اختلافهما في الفتوى‏566
الاستدلال على التخيير بالروايات العلاجية568
اشتراط الحياة في المفتي و جواز البقاء على التقليد569
الاستدلال بالاستصحاب‏575
بناء العقلاء في تقليد الميت‏579
هل التخيير بدئي او استمراري‏581
اختلاف الحي و الميت في مسألة البقاء584
ما افاده شيخنا العلامة الحائرى‏587
القول فى تبدل الاجتهاد593

3

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله خالق العباد , وساطع المهاد , حمدا كلما وقب ليل وغسق , اولاح نجم و خفق , و الصلاة و السلام على سفيره و نبيه , و امينه , على وحيه و تنزيله , وصفيه و بعيثه محمد صلى الله عليه و آله و على ائمة الحق من بعده الذين اضاءت بهم البلاد بعد الضلالة المظلمة و الجهالة الغالبة , صلاة دائمة مادامت السماوات ذات ابراج و الارض ذات فجاج .

اما بعد : فهذه عقود درية تزين المعاصم , و اقراط تشف المسامع , لابل هى غرر و طرائف , و درر و ظرائف , التقطتها من بحث سيدنا العلامة الحجة , كعبة العلم و مناره و لجة الفضل و تياره مولانا الافخم و المحقق الاعظم الاستاذ الاكبر آية الله العظمى : السيد روح الله الخمينى دام اظلاله على رؤس المسلمين .

هذه الصحائف و الاوراق , تحتوى لب ما افاده فى مجلس درسه الشريف , و تشير الى آرائه و انظاره , قديمها و حديثها بعبائر و جيزرة و تراكيب غير مملة , غير انه دام ظله الوارف طلبا للاطمئنان , قد اشرف على عامة ما حبرته براعتى اشرافا تاما , و عاد النظر و دقق حتى جاءت صحيفة مكرمة واقعة مورد القبول حافلة لما بقى من المباحث اللفظية و ما سيوافيك من الاصول العقلية .

و لما تم نظامه و تمسك بحمد الله ختامه اهديته الى اخى و صديقى في الله ,


4
العلامة المفضال , رجل العلم و الفضيلة : الشيخ ناصر مكارم الشيرازى دامت معاليه ( 1 ) .

و قد طلبت مني اخيرا ( ( مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين ب قم المشرفة ( ( تجديد طبعه بصورة تلائم المجتمع العصرى فخولت اليهم حق الطبع مع التنبيه على أن حق الطبع محفوظ لمؤسسة النشر الاسلامى فقط .

( 1 ) : و شيخنا هذا من الاساتذة الافاضل في الحوزة العلمية , و في الطليعة من المؤلفين العظام ممن حقت له العبقرية و النبوغ , يتجلى الابتكار في تاليفه القيمة , ضع يدك على اى واحد منها في الفقه و اصوله و العقائد و المذاهب و التفسير و اخص بالذكر كتابه القيم القواعد الفقهية فقد اطرح فيها القواعد الدارجة في الفقه , و بحث عنه بحثا ضافا . المؤلف


5
المقصد السادس في الامارات المعتبرة عقلا او شرعا

و ينبغى تقديم الكلام في القطع اذ هو حجة عقلية و امارة بتية , و البحث عن احكامه ليس كلاميا , بل بحث اصولى لان الملاك في كون الشي مسئلة اصولية , هو كونها موجبة لاثبات الحكام الشرعى الفرعى بحيث يصير حجة عليه و لا يلزم ان يقع وسطا للاثبات بعنوانه بل يكفي كونه موجبا لاستنباط الحكم كسائر الامارات العقلائية و الشرعية , و ان شئت فاستوضح المقام بالظن , فانه لا يقع وسطا بعنوانه بل هو واسطة لاثبات الحكم و حجة عليه , اذا الاحكام تتعلق بالعناوين الواقعية لا المقيدة بالظن , فما هو الحرام هو الخمر دون مظنونها , و القطع و الظن تشتركان في كون كل واحد منها امارة على الحكم و موجبا لتنجزه , و صحة العقوبة عليه مع المخالفة , اذا صادف الواقع .

اضف الى ذلك انه لا يصح عده من مسائل الكلام على بعض تعاريفه : من انه البحث عن الاعراض الذاتية للموجود بما هو على نهج قانون الاسلام . اذا عرفت ذلك فلنقدم امرين :

الاول : قسم الشيخ الاعظم المكلف الملتفت الى اقسام و محصله : انه اما ان يحصل له القطع او يحصل له الظن , او لا يحصل واحد منهما و المرجع على الاخير اى الشك هو الاصول المقررة للشاك .

واورد عليه المحقق الخراسانى : بان الظن ان قام دليل على اعتباره فهو ملحق


6
بالعلم , و ان لم يقم فهو ملحق بالشك فلا يصح التثليث .

و اجاب عنه بعض اعاظم العصر : بان عقد البحث في الظن انما هو لا جل تمييز الظن المعتبر الملحق بالعلم , عن غير معتبره الملحق بالشك , فلا مناص عن التثليث حتى يبحث عن حكم الظن من حيث الاعتبار و عدمه (( انتهى )) و محصله : ان التثليث توطئة لبيان المختار .

و فيه انه اى فرق بين هذا التقسيم , اى تثليث حالات المكلف , و ما اوضحه في مجارى الاصول فانهما من باب واحد , فلاى وجه كان هذا التقسيم توطئيا لبيان الحق دون ذاك ؟ ! مع انه لا شك ان التقسيم الثانى حقيقي لا توطئة فيه , و الشاهد عليه تحفظ الشيخ الاعظم على قيود الاصول حيث قيد الاستصحاب بكون الحالة السابقة ملحوظة .

على ان المجيب صنع ما صنعه الشيخ حيث قال : و انما قيدنا الاستصحاب بلحاظ الحالة السابقة و لم نكتف بوجودها بلا لحاظها , لان مجرد وجودها لا يكفي في كونها مجرى الاستصحاب .

ثم ان المحقق الخراسانى عدل عما افاده الشيخ الاعظم فقال : فاعلم ان البالغ الذى وضع عليه القلم اذا التفت الى حكم فعلى واقعى او ظاهرى متعلق به او بمقلديه فاما ان يحصل له القطع اولا الى آخر ما افاده .

و يريد عليه : ان المراد ان كان هو القطع التفصيلى فالبحث عن الاجمالى منه في المقام يصير استطراديا , و لا يرضى به القائل , و ان كان اعم , يلزم دخول مسائل الظن و الشك في المقام حتى الظن على الحكومة فانه من المسائل العلم الاجمالى الا ان دائرته او سع من العلم الاجمالى المذكور في مبحث القطع , و كون دائرته او سع غير دخيل في جهة البحث , و اما مسائل الشك فلوجود العلم بالحكم الظاهرى في الاصول الشرعية , بل بناء عليه يمكن ادراج عامة المباحث في مبحث القطع حتى الاصول العقلية بان نجعل متعلق القطع وظيفة المكلف فيصير المباحث مبحثا واحدا و لا يرضى به القائل


7
.

و الاولى ان يقال : اذا التفت المكلف الى حكم كلى فاما ان يحصل له القطع به ولو اجمالا أولا و الاول مبحث القطع و يدخل فيه مبحث الانسداد بناء على ان وجوب العمل بالظن في حال الانسداد لاجل العلم الاجمالى بالحكم و كون دائرة المعلوم بالاجمال فيه اوسع لا يضر بالمطلوب , و كذا يدخل فيه اصل الاشتغال و التخيير في غير الدوران بين المحذورين , فانهما ايضا من باب العلم الاجمالى اذا تعلق العلم الاجمالى بالحكم نعم في الدوران بين المحذورين يكون التخيير للا بدية العقلية لا العلم الا جمالى الا اذا قلنا بوجوب الموافقة الالتزامية و حرمة مخالفتها .

و على الثانى فاما ان يقوم عليه امارة معتبرة اولا فالاول مبحث الظن و يدخل فيه ساير مباحث الاشتغال و التخيير اى فيما تعلق العلم الاجمالى بالحجة لا بالحكم كما اذا علم بقيام حجة كخبر الثقة و نحوه اما بوجوب هذا او ذاك و عليه يكون اصل الاشتغال و التخيير خارجان عن مبحث الشك و داخلان في مبحث القطع و الظن و على الثانى اما ان يكون له حالة سابقة ملحوظة اولا فالاول مجرى الاستصحاب و الثانى مجرى البرائة .

و على هذا التقسيم يجب البحث عن الانسداد في مبحث القطع ان كان من مقدماته العلم الاجمالى بالاحكام الواقعية , و في مبحث الامارات ان كان من مقدماته العلم الاجمالى بالحجة .

و يمكن المناقشة في هذا التقسيم ايضا بان الاولى ان يكون التقسيم في صدر الكتاب اجمال ما يبحث فيه في الكتاب تفصيلا و عليه لا يناسب التقسيم حسب المختار في مجارى الاصول و غيرها و الامر سهل .

ثم ان احكام القطع الاجمالى المتعلق بالحكم او الحجة مختلفة لكونه علة تامة اولا و جواز الترخيص في الاطراف او بعضها أولا ياتى الكلام فيه ان شاء الله . و قد استقصينا الكلام في الفرق بين تعلق العلم الاجمالى بالحكم و تعلقه بالحجة في مبحث الاشتغال و طوينا الكلام في ما افاده سيدنا الاستاذ في المقام روما للاختصار فراجع .

الامر الثانى : قال الشيخ الاعظم : لا اشكال في وجوب متابعة القطع


8
و العمل عليه مادام موجودا (( انتهى . ((

و لا يخفى ان للمناقشة فيما ذكره مجال , لان المكلف اذا قطع بحكم سواء حصل القطع به من المبادى البرهانية ام غيرها يحصل في نفسه امران , الصفة النفسانية القائمة بها , و انكشاف الواقع انكشافا تاما , فان كان المراد من لزوم العمل على طبق القطع , العمل على طبق الحالة النفسانية , فلا يعقل له معنى محصل , و ان كان المراد العمل على طبق المقطوع و الواقع المنكشف , فليس هو من احكام القطع بل ماله الى لزوم اطاعة المولى الذى يبحث عنه في الكلام .

اضف اليه ان الوجوب الشرعى غير متعلق بالاطاعة , للزوم العقوبات غير المتناهية .

و الذى ينبغى ان يقع محط البحث و ان يعد من آثار القطع هو ان يقال : ان القطع موجب لتنجز الحكم و قطع العذر , لانه كاشف في نظر القاطع بلا احتمال الختلاف , و هذا كاف في حكم العقل و العقلاء بالتنجز و صحة الاحتجاج و هذا اعنى : انقطاع العذر و صحة الاحتجاج من آثار القطع نفسه يترتب عليه بلا جعل جاعل .

و اما ما يقال : ان الطريقية و الكاشفية من ذاتيات القطع لابجعل جاعل اذ لا يتوسط الجعل التاليفي الحقيقي بين الشيء و ذاتياته كما انه يمتنع المنع عن العمل به لاستلزامه اجتماع الضدين اعتقادا مطلقا و حقيقة في صورة الاصابة ففيه : ان الذاتى في باب البرهان او الايساغوجى , ما لا ينفك عن ملزومه و لا يفترق عنه و القطع قد يصيب و قد لا يصيب , و معه كيف يمكن عد الكاشفية و الطريقية من ذاتياته , و القول بانه في نظر القاطع كذلك , لا يثبت كونها من لوازمه الذاتية لان الذاتى لا يختلف في نظر دون نظر , و اما احتجاج العقلاء فليس لاجل كونه كاشفا على الاطلاق , بل لا جل ان القاطع لايحتمل خلاف ما قطع به و قس عليه الحجية فان صحة الاحتجاج , من الاحكام العقلائية لا من الواقعيات الثابتة للشيء جزءا او خارجا .

فتلخص : ان الطريقية و الكاشفية ليست عين القطع و لا من لوازمه


9
و اما الحجية فلا تقصر عنهما , في خروجها عن حريم الذاتية , غير ان الحجية تفترق عن الطريقية بانها من الاحكام العقلية الثابتة له عند العقلاء , و لا جل ذلك تستغنى عن الجعل و اما ما ذكر من قيام البرهان على امتناع الجعل التاليفى الخ فيحتاج الى التفصيل و هو ان الكشف من آثار وجود القطع لامن لوازم ماهيته , و آثار الوجود مطلقا مجهولة لان مناط الافتقار الى الجعل موجود في الوجود و آثاره و عليه فان اريد من امتناع الجعل , هو الجعل التكوينى فلا نسلم امتناعه بل لا يصح بدونه بناء على اصالة الوجود و مجعوليته , و ان اريد الجعل التشريعى فلو سلمنا كون هذه العناوين الثلاثة من لوازم وجوده , فهو صحيح فان الجعل التشريعى لا يتعلق بما هو لازم وجود الشي فلا معنى لجعل النار حارة تشريعا لا لان الحرارة من لوازم ذاتها , بل لانها من لوازم وجودها المحققة تكوينا بوجود الملزوم , و القطع حسب الفرض طريق تكوينى و كاشف بحسب وجوده , و لا يتعلق الجعل التشريعى به للزوم اللغوية , نعم الحجية و قاطعية العذر ليستا من الاثار التكوينية المتعلقة للجعل , و لا من لوازم الماهية بل من الاحكام العقلية الثابتة بوجوده .

ثم ان الردع عن العمل بالقطع كسلب الحجية غير ممكن , لاللزوم اجتماع الضدين لما قررناه في محله من عدم الضدية بين الاحكام , لانها امور اعتبارية لاحقايق خارجية , بل للزوم اجتماع الارادتين المختلفين على مراد واحد , لان الارادة الحتمية الايجابية بالنسبة الى صلاة الجمعة مثلا لا تجتمع مع الارادة التحريمية بالنسبة اليها , و كذا لا تجتمع مع المنع عن العمل بالقطع اللازم منه المنع عن العمل بالمقطوع به فيلزم اجتماع الارادتين المتضادتين على شيء واحد مع فرض حصول سائر الوحدات .


10
القول في التجرى

و البحث فيه عن جهات :

الاولى : ربما يتوهم ان المسئلة اصولية بتقريب ان البحث اذا وقع في ان ارتكاب الشىء المقطوع حرمته , هل هو قبيح اولا , فاذا حكم بقبحه , يحكم بالملازمة بحرمة عمله شرعا فيصير نتيجة البحث كبرى لمسئلة فرعية . وفيه : اما اولا : ان هذه القاعدة لو تمت انما تصح في سلسلة علل الاحكام و مباديها كالمصالح و المفاسد , لا في سلسلة معاليلها , كالاطاعة و العصيان , و قبح مخالفة القاطع لقطعه انما هى في سلسلة المعاليل و انتايج دون العلل و المقدمات و اختصاص القاعدة لما ذكر واضح , اذا لو كان حكم العقل بوجوب الاطاعة و حرمة العصيان كاشفا عن حكم مولوى شرعى لزم عدم انتهاء الاحكام الى حد و لزوم تسلسل العقوبات في معصية واحدة .

و با لجملة : ان لازم شمول القاعدة لموارد المعاليل , القول باشتمال معصية واحدة على معصيتين , و الاطاعة على طاعتين , احديهما لاجل مخالفة نهى المولى و امره او موافقته و ثانيتها لاجل موافقة الامر المستكشف من حكم العقل باطاعة المولى او مخالفته , و بما ان العقل يحكم بوجوب اطاعة الامر المستكشف و حرمة مخالفته كالاول فله اطاعة و عصيان و هكذا فلا يقف عند حد .

و مثله المقام فان قبحه لايستلزم حكما شرعيا , لانه لو كان فهو بملاك الجرأة على المولى المحققة في المعصية ايضا : فيلزم عدم تناهى الاحكام و العقوبات في


11
التجرى .

و اما ثانيا : فلان المسئلة الاصولية هى الملازمة بين القبح العقلى و الحرمة الشرعية , و اما البحث عن ان التجرى هل هو قبيح اولا , فهو بحث عن مبادىء المسئلة الاصولية .

و من ذلك يظهر : عدم صحة عدها مسئلة فقهية , لعدم صحة تعلق حكم شرعى بحرمته لكونه على فرض صحته بمناط الجرئة الحاصلة في المعصية , فيلزم ما تقدم من عدم التناهى و ذلك لان التجرى اذا كان حراما يكون مخالفة هذا الحرام تجريا حراما و مخالفة ذلك كذلك , فلا ينتهى عدد التجرى و الحرام الى حد و هذا نظير ما يقال ان الاطاعة لو وجبت يكون اطاعة هذا الواجب واجبا و هكذا .

ثم ان بعض اعاظم العصر افاد وجها آخر لعقد المسئلة اصولية و هو : ان البحث اذا وقع في ان الخطابات الشرعية تعم صورتى مصادفة القطع للواقع و مخالفته تصير المسئلة اصولية .

و فيه ان لازمه ادراج جل المسائل الفقهية في الاصولية اذقل ما يتفق في مسئلة من المسائل الفقهية ان لا يرجع البحث عن الاطلاق و العموم الى شمولهما لبعض الموضوعات المشكوكة فيها .

و الحاصل ان المسئلة الاصولية هو ان العموم او الاطلاق حجة أو لا , مثلا و اما البحث عن وجود هما فليس مسئلة اصولية .

ثم انه يظهر من المحقق الخراسانى امتناع تعلق الحرمة على المقطوع به بما هو مقطوع و خلاصة ما افاده في حاشية الفرائد و كفايته : ان الفعل المتجرى به او المنقاد به بما هو مقطوع الحرمة او الوجوب لا يكون فعلا اختياريا . فان القاطع لا يقصده , الا بما قطع انه عليه من العنوان الواقعى الاستقلالى , لا بعنوانه الطارى الالى بل لا يكون غالبا بهذا العنوان ملتفتا اليه , فكيف يكون من جهات الحسن او القبح عقلا , و من مناطات الوجوب و الحرمة شرعا (( انتهى . ((

و هو بما ذكره بصدد نفي الحرمة عن الفعل المتجرى به بما هو مقطوع و يستفاد


12
منه بالملازمة حكم ما نحن بصدده من عدم الملاك لجعل المسئلة فقهية واوضح مرامه في حاشيته بان المتجرى قد لا يصدر عنه فعل اختيارى اصلا لان ما وقع لم يقصد و ما قصد لم يقع .

و فيه اولا : ان انكار صدور الفعل الاختيارى منه واضح الايراد , اذ ليس الفعل الارادى الاكون الفعل مسبوقا بالعلم و الارادة .

و ثانيا ان ما ذكره من عدم الالتفات الى العلم والقطع , لا يخلو عن اشكال , لا لما ذكره بعض اعاظم العصر من ان الالتفات الى العلم من اتم الالتفاتات , فانه اشبه بالخطابة , بان الضرورة قاضية بان القاطع لا يتوجه حين قطعه الا الى المقطوع به و ليس القطع موردا للالتفات الاآليا , بل الاشكال فيه ان العناوين المغفول عنها على قسمين .

احدهما : ما لا يمكن الالتفات اليها و لو بالنظرة الثانية كعنوان النسيان و التجرى .

و ثانيهما : ما يمكن الالتفات اليها كذلك كعنوان القصد و العلم , فالاول لا يمكن اختصاص الخطاب به , فلا يمكن ان يقال ايها الناسى الجزء الفلانى افعل كذا , فانه بنفس هذا الخطاب يخرج عن العنوان و يندرج في العنوان المضاد له .

نعم يمكن الخطاب بالعناوين الملازمة مع وجوده و اما ما كان من قبيل الثاني فلا مانع من تعلق الخطاب به , فان العالم بالخمر بعد ما التفت الى ان معلومه بما هو معلوم , له حكم كذا , يتوجه بالنظرة الثانية الى علمه توجها استقلاليا و ناهيك وقوع القصد و اشباهه موضوعا للاحكام , فان قاصد الاقامة فى مكان معين له بحسب الشرع احكام , مع ان نسبة القصد الى المقصود كنسبة العالم الى المعلوم .

ثم انه يظهر عن بعض اعاظم العصر وجها آخر بل وجهين لامتناع عمومية الخطاب صورة المصادفة و المخالفة بان يقال لا تشرب معلوم الخمر مع تعلق خطاب بالخمر الواقعى ايضا ولكن المقرر رحمه الله قد خلط بينهما , و حاصل الوجه الاول ان تعلق الحكم بالمقطوع به موجب لاجتماع المثلين فى نظر العالم دائما و ان لم يلزم فى


13
الواقع لان النسبة بين الخمر و مقطوعه هى العموم من وجه فيتاكد الوجهان فى صورة الاجتماع .

و حاصل الوجه الثانى لغوية الخطاب لعدم صلاحية ذلك الامر للباعثية بحيال ذاته لعدم افتراق العنوانين و ذلك لان حكم الخمر ان كان محركا فلا نحتاج لمحرك آخر و الا فلا ينبعث من ذلك الامر ايضا .

و لا يخفى ان فى كلامه مجالا للنظر .

اما الاول : فلانه لامجال لجعل المقام من قبيل اجتماع المثلين فى نظر القاطع دائما , بعدما اعترف ان النسبة بين العنوانين هى العموم من وجه , فان القاطع قد يرى اجتماع العنوانين عنده مع تصديقه بانهما عامان من وجه , لان مقطوع الخمرية قد يكون خمرا و قد لا يكون , و لو بالنسبة الى سائر القاطعين , فعدم احتمال تخلف قطعه لا يوجب اعتقاد اجتماع المثلين على العنوانين , بل يوجب اعتقاد تصادق العنوانين حال قطعه .

اما الثانى : فلان المراد ليس انبعاث كل فرد من المكلفين من هذا الخطاب , بل المراد انبعاث عدة منهم , و من المعلوم ان العبد ربما لا ينبعث عن امر واحد , و ينبعث عن امرين او اكثر , لما يرى من شدة تبعاته , و صعوبة لوازمه , و لما يرى , ان تخلف الامرين يورث عقابين فيصير ذلك داعيا لاطاعته او اجتنابه , فتلخص بما مر ان المسئلة عقلية صرفة .

الجهة الثانية : فى استحقاق المتجرى العقوبة و عدمه . و لا يخفى ان مجرد قبحه عقلا لا يستتبع الحرمة , اذ لا ملازمة بين قبح شى و استلزامه العقوبة , فان ترجيح المرجوح قبيح و لا يوجب العقاب , و كذا كثير من القبايح العقلية او العقلائية , اذا لم يرد فيها نهى او لم ينطبق عليها عناوين محرمة او لم يدرك العقل صحة عقوبة مخالفته .

فان قلت : يمكن ادعاء الملازمة بين القبح و العقاب , فيما اذا ارتكب قبيحا يرجع الى دائرة المولوية و العبودية , و لا شك فى ان ارتكاب ما لا يجوز ارتكابه العقل فى تلك الدائرة و يعد تركه من شئون العبودية , يستلزم العقوبة .


14

قلت : غاية الامر كون ذلك موجبا للوم و الكشف عن سؤالسريرة و اما العقاب فلا و لهذا لم يحكم العقلاء بصحة العقاب على مقدمات الحرام زائدا على نفس الحرام و لا على الحرام مرتين تارة للتجرى و اخرى للمخالفة كما يأتى الكلام فيه و الالتزام بالتفكيك بان يقال مع الاصابة لا يستحق الاعلى المخالفة و لا ينظر الى تجريه و مع التخلف يستحق على التجرى لصيرورته منظورا فيه غير وجيه لان عدم كون الشي منظورا فيه لا يوجب رفع القبح و استحقاق الواقعيين و على اى حال فلا بد من لحاظ حكم العقل من حيث استحقاقه للعقوبة لا جل ارتكاب ذلك الفعل مستقلا من غير قناعة على حكمه بالقبح , كما لابد من لحاظه مجردا عن كل العناوين الخارجة عن ذاته حتى لا يختلط الامر فنقول :

ان بين التجرى و المعصية جهة اشتراك , وجهة امتياز , اما الثانية فيمتاز التجرى عنها في انطباق عنوان المخالفة عليها دونه و لا اشكال في حكم العقل بقبح مخالفة امر المولى و نهيه مع الاختيار , و العقلاء مطبقون على صحة المؤاخذة على مخالفة المولى بترك ما امره , و ارتكاب ما نهى عنه , و لا ريب ان تمام الموضوع في التقبيح هو المخالفة فقط من غير نظر الى عناوين اخر , كهتكه و ظلمه و خروجه عن رسم العبودية الى غير ذلك , كما انها تمام الموضوع ايضا عند العقلاء الذين اطبقوا على صحة مؤاخذة المخالف من غير فرق فيما ذكرنا بين ان يكون نفس العمل مما يحكم العقل بقبحه مستقلا كالفواحش اولا كصوم يوم العيد و الاحرام قبل الميقات .

و الحاصل ان العقل اذا لا حظ نفس مخالفة المولى عن اختيار يحكم بقبحه مجردة عن كافة العناوين من الجرأة و اشباهها .

و اما الاولى اعنى الجهة المشتركة بينهما فهى الجرأة على المولى و الخروج من رسم العبودية و زى الرقية و العزم و البناء على العصيان و امثالها .

و اما الهتك فليس من لوازم التجرى و لا المعصية فان مجرد المخالفة او التجرى ليس عند العقلاء هتكا للمولى و ظلما عليه .

و عند ذلك يقع البحث في ان التجرى هل هو قبيح عقلا أولا , و على فرض


15
قبحه هل هو مستلزم للعقاب اولا لما عرفت من عدم الملازمة بين كون الشيء قبيحا و كونه مستلزما للعقوبة و الذى يقوى في النفس سالفا و عاجلا عدم استلزامه للعقوبة , سواء قلنا بقبحه ام لا , و الشاهد عليه , انه لو فرض حكم العقل بقبح التجرى و استحقاق العقوبة عليه فليس هذا الحكم بملاك , يختص بالتجرى و لا يوجد في المعصية , بل لو فرض حكمه بالقبح و صحة المؤاخذة , فلابد ان يكون بملاك مشترك بينه و بين المعصية كأحد العناوين المتقدمة المشتركة , و لو كانت الجهة المشتركة بينهما ملاكا مستقلا للقبح و استحقاق العقوبة , لزم القول بتعدد الاستحقاق , في صورة المصادفة , لما عرفت ان مخالفة المولى علة مستقلة للقبح و الاستحقاق , فيصير الجهة المشتركة ملاكا مغايرا , موجبا لاستحقاق آخر .

و اما ما أفاده بعض محققي العصر فرارا عن الالتزام بتعدد الاستحقاق , من ان الموضوع لحكم العقل في العصيان ليس مخالفة المولى , بل الهتك و الجرئة عليه . او العزم على العصيان او الطغيان و غيرها مما هى جهات مشتركة و عند وحدة الملاك , يصير العقاب واحدا , غير مفيد : لما عرفت من ان العقل اذا جرد النظر عن تمام القيود و الملاكات , و نظر الى نفس ذاك العنوان اعنى مخالفة المولى عن اختيار , لحكم بالقبح و صحة العقوبة , فلو كان هذا عنوانا مستقلا و ذاك اعنى احد هذه العناوين المشتركة بين المقامين , عنوانا مستقلا آخر لزوم القول باستحقاق عقابين , مع ان العقل و العقلاء يحكمان على خلافه , فان العاصى لا يستحق الاعقالا واحدا لانه لم يرتكب الاقبيحا واحدا و هو ارتكاب المنهى عنه مع العمد و الاختيار .

و اما العزم على العصيان و الجرأة على المولى فمنهما و اشباههما من الافعال الجنانية التى لا تستلزم الا الذم و اللوم , و لو فرضنا قبح التجرى , فقد عرفت في صدر البحث , ان مجرد كونه امرا قبيحا لا يستلزم الاستحقاق للعقوبة و اما حديث التداخل , فهو لا يرجع الى محصل .

الجهة الثالثة : الظاهر ان الفعل المتجرى به لا يخرج عما هو عليه , و لا يصير فعلا قبيحا و لو قلنا بقبح التجرى , فان توهم قبحه لو كان بحسب عنوانه الواقعى


16
فواضح الفساد , فان الفعل الخارجى اعنى شرب الماء ليس بقبيح , و ان كان لاجل انطباق عنوان قبيح عليه , فليس هنا عنوان ينطبق عليه حتى يصير لاجل ذلك الانطباق متصعا بالقبح فان ما يتصور هنا من العناوين فانما هى التجرى و الطغيان و العزم و امثالها , و لكن التجرى و اخويه من العناوين القائمة بالفاعل و المتصف بالجرأة انما هو النفس , و العمل يكشف عن كون الفاعل جريئا , و ليس ارتكاب مقطوع الخمرية نفس الجرأة على المولى بل هو كاشف عن وجود المبدء في النفس و قس عليه الطغيان و العزم فانهما من صفات الفاعل لا الفعل الخارجى .

و اما الهتك و الظلم , فهما و ان كانا , ينطبقان على الخارج , الا انك قد عرفت عدم الملازمة بينهما و بين التجرى , فتحصل ان الفعل المتجرى به باق على عنوانه الواقعى , و لا يعرض له عنوان قبيح .

نعم لو قلنا بسراية القبح الى العمل الخارجى , الكاشف عن وجود هذه المبادىء في النفس فلا باس بالقول باجتماع الحكمين لاجل اختلاف العناوين , و لا يصير المقام من باب اجتماع الضدين , فان امتناع اجتماع الضدين يرتفع باختلاف المورد , و قد وافاك بما لا مزيد عليه , ان مصب الاحكام و موضوعاتها انما هى العناوين و الحيثيات فلا اشكال لو قلنا باباحة هذا الفعل اعنى شرب الماء بما انه شرب و حرمته من اجل الهتك و التجرى و الطغيان , فالعنوانان منطبقان على مصداق خارجى , و الخارجى مصداق لكلا العنوانين , و هما مصبان للاحكام على ما اوضحناه في مبحث الاجتماع .

و اما ماربما يقال في دفع التضاد : من ان العناوين المنتزعة عن مرتبة الذات مقدمة على العناوين المنتزعة عن الشي بعدما يقع معروضة للارادة فان المقام من هذا القبيل فان شرب الماء ينتزع عن مرتبة الذات للفعل , و اما التجرى فانما ينتزع عن الذات المعروضة للارادة , و نظير المقام , الاطاعة , فانها متأخرة عن ذات العمل . فغير مفيد لان القياس مع الفارق , فان الارادة لم تتعلق الاباتيان ما هو مقطوع الحرمة , و التجرى منتزع عن ارادة اتيان ما هو مقطوع الحرمة او منتزع من اتيانه ,


17
و ارادة اتيانه او نفس اتيانه الذى ينتزع منهما التجرى , ليسا متأخرين عن عنوان شرب الماء بحسب الرتبة .

و الحاصل ان الارادة لم تتعلق بشرب الماء حتى تتأخر عن الشرب , و يتأخر عنوان التجرى عن هذه الارادة , تأخر المنتزع عن منشأ انتزاعه , و هذا بخلاف الطاعة المتأخرة عن الارادة و الامر , و هما متاخران عن عنوان الذات اعنى الصلاة و الصوم .

ثم ان القوم فتحوا هنا بابا واسعا للبحث عن الارادة و ملاك اختياريتها و اختيار الافعال الصادرة عنها . و بما انا قد استوفينا حق المقال فيهما عند البحث عن اتحاد الطلب و الارادة فالاولى ترك الكلام روما للاختصار . ( 1 )

( 1 ) فقد افردنا لما افاده سيدنا الاستاذ دام ظله في هذه المباحث من الحقائق الراهنة و الكنوز العلمية , رسالة مفردة , و علقنا عليها بعض التعاليق و هى جاهزة للطبع .


18
في اقسام القطع

فها هنا مطالب :

الاول : في اقسام القطع نقول ان القطع قد يتعلق بموضوع خارجى او موضوع ذى حكم او حكم شرعى متعلق بموضوع مع قطع النظر عن القطع .

و يشترك الكل في ان القطع كاشف دائما في نظر القاطع , و اما توضيح الاقسام فيحتاج الى تقديم امر . و هو ان العلم من الاوصاف الحقيقية ذات الاضافة فله قيام بالنفس قيام صدور او حلول على المسلكين , و اضافة الى المعلوم بالذات الذى هو في صقع النفس اضافة ايجاد , و اضافة الى المعلوم بالعرض المحقق في الخارج .

و ما ذكرنا من قيام العلم بالنفس و ان الصورة المعلومة بالذات فيها ايضا , انما يصح على عامة الاراء المذكورة في الوجود الذهنى , نعم على القول المنسوب الى الامام الرازى , من ان حقيقة العلم , هو اضافة النفس الى الخارج بلا وساطة صورة اخرى , لايصح القول , بقيام الصورة المعلومة باالنفس , اذ ليس هنا شيئا وراء الصورة المحققة في الخارج , حتى نسمية علما و معلومة بالذات , بل حقيقة العلم على هذا المسلك , ليس الانيل النفس الامور الخارجية بالاضافة اليهالا بالحصول فيها .

و بذلك يظهر ان ما افاده بعض اعاظم العصر : من قيام العلم بالنفس من دون فرق بين ان نقول ان العلم من مقولة الكيف او مقولة الفعل او الانفعال او الاضافة , لا يخلو عن مناقشة .


19

ثم ان للقطع جهات ثلاثة جهة قيامة بالنفس و صدورة منها او حلوله فيها , و على الجملة كونه من الاوصاف النفسانية مثل القدرة , و الارادة و البخل و امثالها, وجهة اصل الكشف المشترك بينه و بين سائر الامارات , و جهة كمال الكشف و تمامية الارائة المختصة به المميزة اياه عن الامارات .

ثم هذه الجهات , ليست جهات حقيقية حتى يستلزم تركب العلم من هذه الجهات , و انما هى تحليلات عقلانية , وجهات يعتبرها العقل بالمقايسات , كتحليل البسائط الى جهات مشتركة وجهات مميزة , مع انه ليس في الخارج الاشي واحد بسيط , و تجد نظير ذلك في حقيقة التشكيك الموجود في اصل الوجود فان الوجود مع كونه بسيطا , ينقسم الى شديد وضعيت , ولكن الشديد ليس مؤلفا من اصل الوجود والشدة , و لا الضعيف من الوجود و الضعيف بل حقيقة الوجود في عامة الموارد بسيطة لا جزء لها , الا ان المقايسة بين مراتبه , موجبة لا نتزاع مفاهيم مختلفة عنه . ثم ان القطع قد يكون طريقا محضا , و قد يؤخذ في الموضوع , و المأخوذ في الموضوع تربو الى اقسام ستة .

الاول و الثانى : اخذه تمام الموضوع اوجزئه بنحو الوصفية اى بما انه شي قائم بالنفس و من نعوتها و اوصافها مع قطع النظر عن الكشف عن الواقع . الثالث و الرابع : اخذه في الموضوع على ان يكون تمام الموضوع او جزئه بنحو الطريقية التامة و الكشف الكامل , الخامس و السادس : جعله تمام الموضوع او جزئه , على نحو اصل الكشف الموجود في الامارات ايضا .

ثم ان بعض الاعاظم انكر جواز اخذ القطع الطريقى تمام الموضوع قائلا : ان اخذه تمام الموضوع يستدعى عدم لحاظ الواقع ذى الصورة بوجه من الوجوه , و اخذه على وجه الطريقية يستدعى لحاظ ذى الصورة و ذى الطريق و يكون النظر في الحقيقة الى الواقع المنكشف بالعلم .

قلت الظاهران نظره في كلامه هذا الى امتناع اجتماع هذين اللحاظين فان الطريقية يستدعى ان يكون القطع ملحوضا آليا غير استقلالى , بل الملحوظ استقلالا


20
هو الواقع المقطوع به و اخذه تمام الموضوع , يستدعى لحاظ القطع استقلالا غير آلى و هذان اللحاظان لا يجتمعان .

اقول يرد عليه , مضافا الى عدم اختصاص الاشكال حينئذ بما اذا كان القطع تمام الموضوع بل يعم صورة اخذه بعض الموضوع , لا متناع الجمع بين اللحاظين المتغايرين , ان الامتناع على فرض تسليمه انما يلزم لو جعل الجاعل قطعه الطريقى تمام الموضوع لحكمه , و اما لو جعل قطع الغير , الذى هو طريقى , تمام الموضوع لحكمه , فلا يلزم ما ادعاه من المحال . و هل هذا الاخلط بين اللاحظين ؟

فان قلت : لعل مراده من الامتناع هو ان الجمع بين الطريقية و تمام الموضوع يستلزم كون الواقع دخيلا , و عدم كونه دخيلا فان لازم الطريقية , دخالة الواقع في حدوث الحكم , و كون القطع تمام الموضوع يستلزم دوران الحكم مداره من دون دخالة للواقع .

قلت : مضافا الى انه خلاف ظاهر كلامه ان اخذ القطع تمام الموضوع على وجه الطريقية , ينافى دخالة الواقع حتى يلزم ما ذكره , بل المراد لحاظ القطع بما ان له وصف الطريقية و المرآتية من بين عامة اوصافه و لا يستلزم هذا دخالة الواقع كما هو واضح .

الثانى : انك قد عرفت ان القطع قد يتعلق بموضوع خارجى فيأتى فيه الاقسام المذكورة , و قد يتعلق بحكم شرعى فيقع الكلام تارة في اخذه موضوعا لحكم غير ما تعلق به العلم مما يخالفه او يماثله او يضاده , و اخرى في اخذه موضوعا لنفس الحكم الذى تعلق به , فنقول : اما الاول .

لا اشكال في امكان اخذه تمام الموضوع و جزئه في حكم يخالفه كما اذا رتب على العلم بوجوب صلاة الجمعة وجوب التصدق انما الاشكال في اخذه كذلك لما يماثله او يضادة . و الذى يمكن ان يكون مانعا امور نشير اليها .

منها : كونه مستلزما لاجتماع الضدين او المثلين .

و فيه : انه قد مر بما لامزيد عليه في مبحث النواهى ان الاحكام ليست من


21
الامور الوجودية الواقعية , بل من الاعتباريات , و قد عرف الضدان بانهما الامران الوجوديان غير المتضائفين المتعاقبان على موضوع واحد لا يتصور اجتماعهما فيه , بينهما غاية الخلاف , فما لا وجود لها الا في وعاء الاعتبار لا ضدية بينها , كما لا ضدية بين اشياء لا حلول لها في موضوع و لا قيام لها به قيام حلول و عروض .

و من ذلك الباب عدم تضاد الاحكام لاجل ان تعلق الاحكام بموضوعاتها و متعلقاتها , ليس حلوليا , عروضيا , نحو قيام الاعراض بالموضوعات , بل قيامها بها قيام اعتبارى لاتحقق لها اصلا فلا يمتنع اجتماعها في محل واحد , و لذا يجوز الامر و النهى بشىء واحد من جهة واحدة من شخصين او شخص واحد مع الغفلة , و لو كان بينها تضاد , لما صار ممكنا مع حال الغفلة , و ما ذكرنا يظهر حال المثلية .

و منها : اجتماع المصلحة و المفسدة , و فيه : لا مانع من كون موضوع ذا مصلحة من جهة , و ذا مفسدة من جهة اخرى , و الجهتان متحققتان في المقام , فيمكن ان يكون ذا مصلحة حسب عنوانه الذاتى , و ذا مفسدة عند كونه مقطوعا او مظنونا .

و منها : انه يستلزم اجتماع الكراهة و الارادة , والحب و البعض . و فيه ان هذا انما يرد , لو كان الموضوع للحكمين المتضادين , صورة وحدانية , له صورة واحدة في النفس , و اما مع اختلاف العناوين , تكون صورها مختلفة , و لا جل اختلافها تتعلق الارادة بواحدة منها , و الكراهة بصورة اخرى , و ليست الصور الذهينة مثل الموضوعات الخارجية حيث ان ذات الموضوع الخارجى محفوظة مع اختلاف العناوين بخلاف الصور الذهينة , فان الموضوع مع كل عنوان , له صورة على حدة . فتامل لما سيجى من التفصيل .

و منها : لزوم اللغوية في بعض الموارد اعنى اذا احراز ان المكلف ينبعث عند حصول القطع بحكم من احكام المولى , فجعل حكم آخر مثله لغو لا يترتب عليه الانبعاث في هذه الصورة نعم لو احرز ان المكلف لا ينبعث الا اذا تعلق امر آخر على المحرز المقطوع فلا يلزم اللغوية , بل يكون لازما .

و فيه : ان ما ذكره صحيح في الاحكام الجزئية و الخطابات الشخصية , دون